← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

مبتدعًا، ما لم تخرجه بدعتُه عن الإسلام. وفيه: أنّ الرَّجُل الفاضل لا يؤخذ (١) عليه في مشيه إلى السّلطان الجائر فيها يحتاج إليه. وفيه: أنّ رواح الإمام من موضع نزوله بعَرَفَة إلى المسجد حين تزول (٢) الشّمس للمع بين الظّهر والعصر في المسجد في وقت الظهر سُنّة، وكذلك فعل رسولُ الله ﷺ ، ويلزم ذلك كلّ من بَعُدَ عن المسجد بعَرَفَة أو قُرْبَهُ، إلّا أنّ يكون موضع نزوله متّصلًا بالصّفوف، فإنْ لم يفعل وصلَّى بصلاة الإمام فلا حَرَجَ (٣). واختلف العلماء في وقت أذان المؤذِّن بعَرَفَة للظُّهر والعصر، وفي جلوس الإمام للخُطْبة قبلهما: فقال مالك: يخطُبُ الإمام طويلًا، ثمّ يُؤَذِّنُ (٤) وهو يخطبُ، ثمّ يصلِّي، وهذا معناه (٥) أنّ يخطُبَ الإمامُ صدرًا من خُطبته، ثمّ يؤذِّنُ المؤذِّن، فيكون فراغُه مع فراغ الإمام من الخُطبة، ثمّ ينزلُ فيقيمُ (٦). وحَكَى عنه (٧) ابنُ نافع أنّه قال: الأذانُ بعَرَفَةَ بعد جلوس الإمام للخُطبة (٨). وقال الشّافعيُّ (٩): يأخذُ المؤذِّنُ في الأذان إذا قام الإمام للخُطبة الثَّانية، فيكون فراغُه من الأذان بفراخ الإمام من الخُطبة.

стр. 2032

وقال أبو حنيفة (١) وأبو يوسف (٢): إذا صعدَ الإمامُ المِنْبرَ أخذ المؤذِّنُ في الأذان، كما يفعل في الجمعة (٣). وسئل مالك: إذا صعد الإمام المِنْبَرَ يوم عَرَفَة أيجلس قبل أنّ يخطب؟ قال: نعم، ثمّ يقومُ فيخطُبُ طويلًا، ثمّ يؤذِّنُ المؤذِّنُ وهو يخطبُ، ثمّ يصلِّي، ذَكَرَهُ ابن وهب عن مالك (٤)، وقال (٥): يخطُبُ خُطبتين (٦). وأجمع العلّماءُ أنّ رسول الله ﷺ إنّما صلّى بعَرَفَةَ صلاةَ المسافر لا صلاةَ جمعةٍ، ولم يجهر بالقراءة. وكذلك أجمعوا أنّ الجمع بين الصّلاتين الظُّهر والعصر يوم عَرَفَة مع الإمام سُّنَّةٌ مجتمعٌ عليها. واختلفوا فيمن فاتته الصّلاةُ يومَ عَرَفَة مع الإمام، هل له أنّ يجمع بينهما أم لا؟ فقال مالك: له أنّ يجمع بين الظّهر والعصر إذا فاته ذلك مع الإمام، وكذلك المغرب والعشاء يَجمعَ بينهما بالمزدلفة إذا فاتته مع الإمام. وقال أبو حنيفة (٧): لا يَجمعُ بينهما إلّا من صلّاهما مع الإمام. واختلف العلماء في الأذان للجمع بين الصّلاتين بعَرَفَة: فقال مالك (٨): يصلِّيهما بأذانين وإقامتين. وقال الشّافعيّ (٩) وأبو حنيفة (١٠) وأصحابه والطّبريّ: يَجمعُ بينهما بأذان واحد

стр. 2033

وإقامتين إقامة لكلِّ صلاة، وقد رُوِيَ عن مالك مثله (١)، والأوّل أشهر عنه، وهو (٢) تحصيل مذهبه. وأجمع الفقهاء على أنّ الإمام لو صلّى بعَرَفَة بغير خُطبة أنّ صلاته جائزةٌ، وأنّه يقصرُ الصّلاة إذا كان مسافرًا وإن لم يخطُب، ويسرُّ بالقراءةَ فيهما؛ لأنّهما ظُهرٌ وعصرٌ قُصِرتا من أجل السَّفَر. وأجمعوا أنّ الخُطبة قبل الصّلاة يومَ عَرَفَة. الصَّلاة (٣) بمنىَ يوم التّروية، والجمعة بمنىَ وعرفة (٤) مالك (٥)، عن نافع؛ أنّ ابنَ عمر كان يصلِّي الظّهرَ والعصرَ والمغربَ والعِشاءَ بمنىً، ثمّ يغدو إذا طلعتِ الشّمسُ إلى عَرَفةَ. قال القاضي (٦): أمّا صلاتُه بِمِنىً، فكذلك فعل رسولُ الله ﷺ (٧)، وهي سُنَّةٌ معمولٌ بها عند الجميع مستحبَّةٌ، ولا شيء عندهم على تاركها إذا شهد عَرَفَة في وقتها. وأمّا غُدُوُّهُ منها إلى عَرَفةَ حين طلوع الشّمس فحسَنٌ، وليس في ذلك عند أهل الحلم حدٌّ. وأجمع العلماء على أنّه لا يجهرُ الإمام بالقراءة في الصّلاة بعَرَفَة يوم عرفة. وأجمعوا أنَّ الإمام لو صلّى يوم عَرَفَة بغير خُطبة أنّ صلاتَه جائزة. واختلفوا في وجوب الجمعة بعَرَفَة ومِنىً: فقال مالك (٨): لا تجب الجمعةُ بعَرَفَة ولا مِنىً أيّام الحجِّ، لا على أهل مكّة

стр. 2034

ولا على غيرهم، إلّا أنّ يكون إمام عَرَفَة (١) فيجمع بعَرَفَة. وقال الشّافعيّ: لا تجب الجمعة بعَرَفَة، إِلَّا أنّ يكون بها من أهلها أربعون رجلًا، فيجوز حينئذٍ (٢) أنّ يصلِّي بهم الإمامُ الجمعةَ، يعني إنَّ كان من أهلها أو كان مكّيًا. قال القاضي (٣): وحجّةُ من قال: لا جمعة بمنىً ولا بعَرَفَة، أنّهما ليستا بمِصْرٍ، وإنّما الجمعة في الأمصار (٤). وحُجَّة من قال بقول مالك: أنّ أهل مكّة لمّا (٥) كان عليهم أنّ يقصروا بمِنىً وعَرَفَة، كانوا بمنزلة المسافرين، ولا جمعةَ على مسافرٍ، لا في يوم النَّحر ولا في غيره، وهذا إنّما يخرجُ على إمام قادم مكّة من غيرها مسافر (٦)، فإن كان من أهلها فكما قال عطاء. الصَّلاة بالمزدلفة (٧) الأحاديث (٨): قال القاضي: وأجمعوا أنّ رسول الله ﷺ دفع من عَرَفَة في حَجَّته بعد ما غربتِ الشّمسُ من يوم عَرَفَة، وأخَّر صلاة المغرب لم يصلِّها في ذلك الوقت حتّى أتى المزدلفة، فصلَّى فيها المغرب والعشاء، جمع بنيهما بعد ما غاب الشَّفَقُ. وأجمعوا أنّ تلك سُّنَّة الحاجّ كلّهم في تلك المواضع. واختلفوا في كيفية الأذان والإقامة لتلك الصّلاتين: فقال مالك (٩): يَجمعُ بينهما ويُؤذِّن ويُقيم لكلِّ واحدة منهما.

стр. 2035

وقال الثَّوريُّ: يصلِّيها بإقامة واحدة لا يفصل بينهما. وقال أبو حنيفة (١) وأبو يوسف: يصلِّي المغرب بأذان وإقامة (٢). وقال ابنُ القاسم (٣): قال مالك: لكلِّ صلاة أذانٌ وإقامةٌ. قال القاضي (٤): والحُجَّة لمالك؛ أنّ رسول الله ﷺ جعل الصَّلاتين بالمزدلفة وقتًا (٥) واحدًا سنَّ (٦) ذلك لهما، وإذا كان وقتُهما وقتًا واحدًا، لم تكن إحداهما أوْلَى بالأذان والإقامة من صاحبتها؛ لأنّ كلّ واحدة منهما تصلّي في وقتها. وقد أجمعوا أنّ الصّلاة إذا صُلِّيت في جماعة لوقتها أنّ من سُنَّتها أنّ يؤذَّن لها ويقام. وقال بعض علمائنا (٧): العجبُ من مالك في هذا الباب إذْ أخذَ بحديث ابنِ مسعود (٨) ولم يروه، وترك ما رَوَى في ذلك. قال القاضي (٩): لا أعلم أنّ مالكًا رَوَى في ذلك حديثًا فيه ذِكْرُ أذان ولا إقامة، وأعْجَبُ منه ما (١٠) عجبَ منه أحمد بن حنبل أنّ أبا حنيفة وأصحابه لا يعدلون (١١) بحديث ابن مسعود أحدًا (١٢)، وخالفوه (١٣) في هذه المسألة (١٤) وأخذوا بحديث

стр. 2036

جابر (١)، وهو حديث مَدَنِيٌّ لم يرووه وقالوا به، وتركوا أحاديث أهل الكوفة في ذلك، والآثار في ذلك كثيرة والحُجَج طويلة (٢). الصَّلاة بمِنىَ (٣) قال مالك (٤) في أهل مكّة (٥): يُصَلُّون بمنىً إذا حَجُّوا ركعتين ركعتين (٦)، حتّى ينصرفوا إلى مكّة. واختلف العلماء في قصر الإمام إذا كان مَكِّيّاَ بمِنىً وعرفات، أو من أهل مِنىً بعرفات، أو من أهل عوفات بمنىً أو (٧) بالمزدلفة؟ فقال مالك في "الموطّأ" (٨) وسُئل مالكٌ عن أهل مكّة يصلّون الظُّهر والعصر بعَرَفَة (٩)؟ فقال مالك: يَقْصُرُونَ الصَّلاة. وأمّا (١٠) من قدِمَ مكّة لهلال ذي الحِجَّةِ، فأهلَّ بالحَجِّ، فإنّه يُتِمُّ الصَّلاةَ حتّى يَخرُجَ من مكَّة إلى مِنىً فيَقْصُر، وذلك أنّهم قد أجمعوا أنّه من أقام أكثر من أربع ليال (١١)، فإنّه يتمّ (١٢)، وقد تقدّم القول في ذلك.

стр. 2037

تكبير أيّام التّشريق (١) الأحاديث (٢): تكبيرُ عمر (٣): هو تكبيرُهُ عند رَمْي الجمار يوم النَّحْر وأيّام التّشريق، وأمّا التَّكبيرُ دُبُرَ الصّلوات، فقد ذكرنا اختلاف العلماء في ذلك في صلاة العِيدَين. أمّا كيفيته، فالّذي صحَّ عن عمر، وعن عليّ، وابن عمر، وابن مسعود؛ أنّها ثلاث تكبيرات: الله أكبرُ، الله أكبرُ، الله أكبرُ (٤). وأمّا قول مالك (٥): "الأيَّامُ المَعْدُودَاتُ أيَّامُ التَّشْريقِ" فذلك إجماعٌ لا خلافَ فيه، وكذلك لا خلافَ أنّها ثلاثةُ أيّامِ بعد يوم النَّحْر، وإنّما اختلفوا في الأيّام المعلومات أيّام الذَّبْح (٦)، وسيأتي ذلك في كتاب الضّحايا إنَّ شاء الله. والأيّامُ المعدودات لها ثلاثة أسماءٍ: - هي أيّامُ مِنىً. - وهي أيّامُ التَّشريقِ. - وهي الأيّام المعدودات. وفي المعنى الّذي سُمِّيت به أيَّام التّشريق للعلّماء ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّ الذّبح فيها يكون بعد شروق الشَّمس، وهذا سبب (٧) مَنْ لم يُجِزه الذَّبْحَ باللَّيل، منهم مالك. القول الثَّاني - قيل: إنّهم يُشَرِّقون فيها لحوم الضّحايا والهدايا، وهذا قول جماعة أهل التّفسير، منهم قتادة (٨).

стр. 2038

القول الثَّالث - قيل: إنّهم كانوا يشرِّقُون فيها للشّمس (١) في غير بيوت ولا أبنية للحَجِّ (٢)، هذا قول أبي جعفر محمّد بن عليّ (٣). وقد قيل: إنَّ لفظ التّشريق مأخوذٌ من قولهم: "أشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْمَا نُغِيرُ" (٤) وهذا لا يعرفه أهل العلم باللسّان (٥). قال القاضي (٦): ولا خلافَ أنّ أيّام مِنىً ثلاثة أيّام، ورُوِيَ ذلك عن النَّبيِّ ﷺ في (٧) حديث مُسْنَدٍ (٨). صلاة المُعَرَّس والمُحَصَّب (٩) الأحاديث (١٠): وهو (١١) عند مالك وجماعة من أهل العلم مُسْتَحَبٌّ، على أنّه ليس من مناسك الحجِّ، وليس على تاركه فِدْيَةٌ ولا دَمٌ. وهذه البطحاء (١٢) هي المعروفة عند أهل العلم وغيرهم بالمُعَرَّس.

стр. 2039

وقال إسماعيل القاضي: ليس نزولُه ﷺ بالمُعَرَّسِ كسائر نزوله بطريق (١) مكَّة؛ لأنّه كان يصلِّي الفريضةَ حيث أمكنه، والمُعَرَّسُ إنّما كان يصلّي فيه النّافلة. البَيْتوتةُ بمكَّة ليالي مِنىً (٢) الأحاديث (٣): قال القاضي: وما أحسب أنّ يصحّ في ذلك حديثٌ، وأحْسَنُ ما رُوي في ذلك حديث ابن عمر؛ أنّه قال: قد بات رسول الله ﷺ بمنىَ وصلَّى فيها. وكان ابنُ عبَّاس يُرَخّصُ في المبيت بمكّة ليالي مني (٤). وذكر أبو داود (٥) بإسناده عن ابن عمر، قال: استأذنَ العبَّاسُ النَّبيَّ ﷺ أنّ يبيتَ بمكَّةَ ليالي منىً من أجل سقايته (٦)، فأذِنَ له. قال القاضي (٧): وهو حديثٌ ثابتٌ، وفيه دليل على أنَّ المبيت بمِنىً ليالي منىً من سُنَنِ الرَّسول ﷺ ؛ لأنّه رخَّص في ذلك لعَمِّه دون غيره من أجل السِّقاية. واختلف الفقهاء في حُكْم من بات بمكَّة من غير أهل السِّقاية؟ فقال مالك (٨): عليه دم. وقال الشّافعيّ (٩): لا رخصةَ في ترك المبيت بمنىً، إلّا لِرُعَاة الإبِل وأهل سقاية العبَّاسِ دون غير هؤلاء (١٠). وقال أصحابُ الشّافعيّ (١١): له (١٢) في هذه المسألة قولان:

стр. 2040

أحدهما: أنّه إنَّ بَانَ (١) عنها ليلةً تصدّق بدرهم، وإن بانَ عنها ليلتين تصدَّقَ بدرهمين، وإن بان عنها ثلاثة ليالٍ تصدَّق بثلاثة دراهم. والثّاني: عليه لكلِّ ليلةٍ مُدًّا من طعامٍ إلى ثلاثة ليالٍ، فإن تمَّتِ الثّلاثُ فعليه دَمٌ. رَمْىُ الجِمَارِ (٢) الأحاديث (٣): قال القاضي ﵁: الجِمَارُ: الأحجارُ الصِّغار، ومن هذا قولُ الرَّسول ﷺ : "مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِر" (٤) أي: من تمسح بالأحجار. ومنه الجِمَار (٥) الّتي تُرْمَى في جمرة العقبة يوم النَّحر وسائر الجمار الّتي تُرْمَى أيّام التّشريق وهي أيّام مِنىً. لغته: قال ابنُ الأنباري (٦) في الجمار: هي الحجار (٧)، يقال: قد جَمَّرَ (٨) الرَّجُل تجميرًا، إذا رَمَى جِمَارَ مكَّة. الإسناد: الحديث الّذي رواه مالك (٩) في هذا الباب بلاغ، وقد رُوِي متَّصلًا (١٠). وأمّا الحديث المُسْنَد الّذي رُويَ في ذلك ذكره النّسائىّ (١١)، وقد رُوِيَ عن ابن عمر؛ أنّه

стр. 2041

كان يُشَبِّر (١) ظلّه ثلاثة أشبار، ثمّ يرمي، وقام عند الجمرتين قَدْرَ سورة "يوسف". وقد رُوِي قدر سورة "البقرة" (٢). وقد رُوِي قَدْرَ سورة "آل عمران". قال القاضي: ولا توقيت في ذلك عند الفقهاء، وإنّما هو ذِكْرٌ ودُعاءٌ. وكان ابن عمر يُكَبِّرُ مع كلِّ حصاةِ (٣)، وقد رُوِيَ عنه أنّه كان يقول حين يرمي الجمرة: اللَّهمّ اجعله حَجًّا مبرورًا، وذَنْبًا مغفورًا (٤). سُئِلَ مَالِكٌ (٥): هَلْ يُرْمَى عَنِ (٦) الصَّبِيِّ وَالمَرِيضِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيتَحَرَّى المَرِيضُ حِينَ يُرْمَى عَنْهُ فَيُكَبِّرُ وَهُوَ في مَنْزِلهِ وَيَهْرِقُ دَمًّا، فَإِنْ صَحَّ الْمَرِيضُ فِي أيَّامِ التَّشريق رَمَى الَّذي رُمِيَ عَنْهُ ويهدي. ولا يختلفون أنّه إذا لم يستطع الرَّميَ لمرضه (٧) رُمِيَ عنه، وإن كَبَّرَ كما قال مالك (٨) فَحَسَنٌ، ولو قدر أنّ يحمل حتّى إذا قربَ من الجمار وضعَ الحَصَى في يده ثمّ رَمَى لها كان حَسَنًا، فإن لم يقْدِر ورَمَى عنه غيرُه أجزأه بإجماعٍ. واختلفوا فيما يلزمُه إنَّ صحّ في أيّام الرَّمْيِ، وكان رمى عنه بعض أيّام الرَّمْي. فقال مالك ما تقدّم، والهَدْيُ الّذي يلزمه عنده، لا بد أنّ يُخْرَج به إلى الحِلِّ، ثمّ يُدْخَل به الحرم، فيذبحُه ويُطعِمُه المساكين. وقال الشّافعيّ (٩): إذا صحّ في أيّام الرَّمْيِ رَمَى عن نفسه ما رُمِيَ عنه، فإن مضت أيّام الرَّمْي فلا شيء عليه، قال: فإن لم يُرْمَ عن الصَّبِىِّ حتّى مضت أيام الرَّمْي * أهريق عن كلّ واحد منهم دَمٌ.

стр. 2042

وقال أبو ثور في ذلك كلِّه مثل قول الشّافعيّ. وقال أبو حنيفة: إنَّ لم يُرْمَ عن الصَّبِىِّ حتّى مضت أيّام الرَّمْي * (١) لم يكن عليه شيء. قال (٢): وإن رُمِى عن الصَّبيِّ والمجنون والمغمى عليه الجِمار في الأيَّام الثّلاثة (٣): أجزأ ذلك عنهم. الرُّخصة في رَمْي الجمار (٤) سُئِلَ مَالِكٌ (٥) عَمَّنْ نَسِيَ رَمْيَ جَمْرَةً مِنَ الجِمار فِي بَعْضِ أيَّامِ مِنىً؟ قَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وأجمعوا على أنَّ من لم يرم الجِمار أيّام التّشريق حتّى غابتِ الشّمسُ من آخرها، أنّه لا يرمِها بعدُ، ويجبرُ ذلك بالدَّم أو بالطّعام على حسب اختلافهم في ذلك. وأمّا مالك (٦) فيرى عليه دم (٧). وقال الثّوريّ: يطعم في الحصاة والحصاتين والثلاثة، وإن ترك أربعًا فصاعدًا فعليه دمٌ. وقال الشّافعيّ (٨): عليه في الحصاة الواحدة مُدٌّ، وفي الحصاتين مُدَّان، وفي ثلاثة دَمٌ. ورخّصت طائفةٌ من التّابعين - منهم مجاهد - في الحصاة الواحدة ولم يروا فيها شيئًا.

стр. 2043

الإفاضةُ (١) الأحاديث (٢): قال القاضي: للعلّماء في هذه المسألة أربعة أقوال: أحدهما: قول عمر (٣)؛ أنّه مَنْ رَمَى جَمْرَة العَقَبة فقد حلَّ له كلّ ما حَرُمَ عليه إلّا النّساء والطِّيب. القول الثَّاني: إلّا النّساء والطّيب والصّيد، وهو قول مالك، وحجّته قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ الآية (٤)، ومن لم يحلّ له وطء النّساء فهو حرامٌ. الثَّالث: إلّا النّساء والصَّيد، وهو قول عطاء وطائفة من التّابعين (٥). الرَّابع: إلّا (٦) النِّساء خاصة، وهو قول الشّافعيّ وسائر العلماء القائلين بجواز الطَّيبِ عند الإحرام وقبل الطّواف بالبيت (٧) على حديث عائشة (٨). واختلف قول مالك فيمن تَطَيَّبَ بعد رَمْي الجمرة وقبل الإفاضة؛ فمرة رأى عليه الفِدْيَة، ومرَّة لم ير فيه شيئًا (٩)، لما جاء فيه عن عائشة. ولم يختلف الفقهاء أنّ الطّواف للإفاضة هو الّذي يدعوه أهل العراق طواف الزيارة، لا يُرْمَلُ فيه، ولا يوصلُ بالسّعي بين الصّفا والمروة، إلّا أنّ يكون القادمُ لم يَطُف ولم يَسْعَ، أو المكِّيُّ الّذي ليس عليه أنّ يطوفَ طوافَ القُدوم، فإنَّ هذين يطوفان بالبيت وبالصَّفا وبالمروة طوافًا واحدًا سَبْعًا، وبين الصّفا والمروة سبعًا على ما

стр. 2044

قد أوضحناه في غير هذا الموضع. الحائضُ بمكَّةَ (١) الأحاديث (٢): تنبيه على وهم الإسناد: الحديثان هكذا رواهما يحيى (٣) بهذين الإسنادين، ولم يَرْوِ ذلك أحدٌ من رواة "الموطّأ" ولا غيرهم عن مالك، وإنّما الحديث عند جميعهم (٤): عن مالك، عن ابن شهاب، عن عُرْوَة، عن عائشة، لا عن عبد الرّحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة كما رواه يحيى، وليس إسناد عبد الرّحمن بن القاسم عند غير يحيى من رواة "الموطّأ" في هذا الحديث، وهو وَهْمٌ عظيمٌ (٥). وأمّا إفاضة الحائض، فالآثار (٦) المرفوعة في هذا الباب؛ أنّ طوافَ الإفاضةِ يحبسُ الحائضَ بمكّة لا تبرَحُ حتّى تطوفَ للإفاضة؛ لأنّه الطّواف المفترَض على كلِّ مَنْ حجَّ، فإنْ كانت الحائضُ قد طافت قبل أنّ تحيضَ، جاز لها بالسُّنَّة أنّ تخرجَ ولا تودِّع البيتَ، ورُخِّصَ أيضًا في ذلك للحائض وحدها دون غيرها، وهذا أمر مُجْمَعٌ عليه من فقهاء الأمصار وجمهور العلماء، لا خلاف بينهم فيه. وأجمع العلماء على أنّ طواف الوداع من النُّسُكِ، ومن سُنَنِ الحجِّ المسنونة. كما أجمعوا أنّ طواف الإفاضة فريضةٌ. واختلف الفقهاء فيمن صدر ولم يودِّع:

стр. 2045

فقال مالك (١): لا أحبُّ لأحدٍ أنّ يخرجَ من مكَّةَ حتَّى يودِّعَ البيت بالطّواف، فإنْ لم يفعل فلا شيء عليه. قال القاضي (٢): والوداعُ عنده مستحَبٌّ وليس بسُنَّةٍ واجبة، لسقوطه عن الحائض وعن المكّي الّذي لا يبرَحُ من مكّة بعد حَجِّه، فإن خرج من مكّة إلى حاجةٍ، طاف للوداع وخرج حيث شاءَ، فهذا يدلُّ على أنّه مُسْتَحَبٌّ وليس من مؤكّدات الحجِّ. والدّليل على ذلك: أنّه طوافٌ قد حَلَّ وَطْءُ النِّساء قبلَه، فأشبه طواف التَّطوُّع. فِدْيَةُ (٣) ما أُصيبَ من الطّير والوحش (٤) مالك (٥)، عن أبي الزُّبير المكِّيّ؛ أنّ عمر قضى في الضَّبُع بكَبْشٍ، وفي الغزال بعَنْزٍ، وفي الأرنب بِعَنَاقٍ، وفي اليَرْبوع (٦) بجَفْرَةٍ. واليَرْبوعُ: دُوَيبَةٌ لها أربعُ قوائم وذَنَبٌ، وهو من ذوات الكرْشِ (٧)، رُوِّينا ذلك عن عِكْرِمَة، وهو قول أهل اللّغة. والجَفْرَةُ عند أهل العلم والسُّنَّة وأهل اللُّغة: من ولد المَعْزِ ما أكلَ واستغنَى عن الرَّضاع (٨). والعَنَاقُ: قيل هو دون الجَفْرَةِ (٩)، ولا خلاف أنّه من ولد المَعْزِ (١٠). وخالف (١١) مالك في الأرنب واليَرْبُوع، فقال: لا يفديان بجَفْرَةٍ ولا بِعَنَاقٍ،

стр. 2046

وحجّةُ مالك (١): قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا. . .﴾ الآية (٢). قال الشّافعيّ: يفدي (٣) صغار الصَّيد (٤) بالمِثْلِ من صغار النَّعَمِ، وكبار الصَّيد بالمِثْلِ من كبار النَّعَمِ (٥)، وهو ممّا رُوِيَ عن عليّ وعمر (٦) وابن مسعود في تأويل قوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ...﴾ الآية (٧)، وقال الشّافعيّ (٨): والطائر لا مِثْل له من النَّعَمِ، فَيُفْدَى (٩) بقيمته. اتَّفَقَ مالك والشّافعىّ ومحمد بن الحسن على (١٠) أنّ المِثْل المأمور به في جزاء الصَّيد هو الأشبهُ به من النَّعَم في البُدُن، فقالوا: في الغزالة شاةٌ، وفي النَّعامة بَدَنة، وفي حمار الوَحْش بقرةٌ. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف (١١): الواجبُ في قتل الصَّيد قيمتُه، سواء كان يماثله (١٢) من النَّعَم أو لم يكن، وهو بالخِيَار بين أنّ يتصدّق (١٣)، وبين أنّ يصرف القِيمَة في النَّعَم فيشتريه ويهدي (١٤). وقد اختلف العلماء قديمًا في قتل الرَّجُل لصيد خطأ. فقال جمهور العلماء وجماعة فقهاء الفتوى، منهم مالك والشّافعيّ (١٥) وأبو حنيفة (١٦) والأوزاعي والثوري وأصحابهم: قَتلُ الصَّيد عَمْداَ أو خطأً سواءٌ، وبه قال

стр. 2047

أحمد (١) إسحاق والطّبريّ (٢). وقال أهل الظّاهر (٣): لا يجب الجزاء إلّا على من قتل الصَّيد عمدًا، ومن قتله خطأ فلا جزاء عليه، بظاهر قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا ...﴾ الآية (٤). ورُوِيَ عن (٥) مجاهد وطائفة: لا تجبُ الكفَّارة إلّا في قتل الصّيد خطأ، وأمّا العمدُ فلا كفارةَ فيه (٦). قال القاضي (٧): وظاهرُ قول مجاهد مخالفٌ لظاهر القرآن؛ لأنّ معناه أنّه متعمَّدٌ لقتله، ناسٍ لإحرامه. وقوله (٨): "متعمدًا لقتله ناسٍ لإحرامه" بعيدٌ في النَّظَر. وأمّا أهل الظَّاهر، فقالوا: دليل (٩) الخطّاب يقضي (١٠) أنّ حُكمَ من قتله خطأ مخالفٌ لحُكْم من قَتَلَهُ متعمِّدًا، وإلّا لم يكن لتخصيص المتعمِّد (١١) معنى، واستشهدوا بقوله ﷺ : "رُفِعَ عن أُمَّتِي الخطأُ والنِّسْيَانُ" (١٢). وأمّا ما ذهب إليه جمهور العلماء الّذين هم الحجّة، ولا يجوز عليهم تحريف

стр. 2048

الكتاب ولا تأويله، منهم عمر (١) وعليّ (٢) وابن مسعود وعثمان، وذلك أنّهم قَضَوا في الضَّبُع بكَبْشٍ، وفي الطَّير بشاة، ولم يفرِّقوا بين العامد والمخطىء. قال القاضي (٣): وقد رُوي في المسألة قولٌ شاذّ لم يقل به أحدٌ من أيَّمة الفَتْوَى، إلّا داود في قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ (٤) قال داود: لا جزاءَ إِلَّا في أوّل مرّة، وإن عاد فلا شيءَ عليه، وهو قول مجاهد (٥) وشُرَيْح (٦) وإبراهيم (٧) وسعيد بن جُبَيْر (٨) وقَتَادَة، ورُوِيَ ذلك عن ابن عبَّاس (٩). والحجة للجمهور قوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ...﴾ الآية (١٠)، فظاهر هذا يوجِبُ على من قتلَ الصَّيد وهو مُحْرِمٌ الجزاء؛ لأنّه لم يخصّ وقتًا دون وقتٍ. وحكَمَ عمر (١١) وابن عبّاس (١٢) في حمام مكَّة بشاةٍ، ولم يخالفهما أحدٌ من الصَّحابة. فِدْيَةُ مَنْ أصاب شيئًا من الجراد (١٣) وهو مُحْرِمٌ (١٤) الأحاديث (١٥): اختلف العلماء فيما يجزئ في الجراد:

стр. 2049

فقال مالك (١): في الجرادة قبضة (٢)، وفي الجراداتِ قبضةٌ، اتِّباعًا لقول عمر (٣). وقال أبو حنيفة (٤): تمرةٌ خيرٌ من جَرَادَةٍ على ما جاء عن عمر أيضًا. وقال الشّافعيّ (٥): فيها قيمتُها. وقال رَبيعَة: في الجرادة صاعٌ من تمرٍ، وهو أهون الصَّيد، وأكثر العلماء على أنَّه عليه في الجرادة تمرةٌ، وقول رَبيعة لا يُلْتَفت إليه بوجهٍ؛ لأنّه لم يَعْرِف الآثار الواردة في ذلك. وأمّا قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ ...﴾ الآية (٦)، وأجمعوا (٧) على أنّ صيد البحر والماء كلّه حلالٌ للمُحْرِم أكلُه وصيدُه إذا كان لا عَيْشَ له إلّا في الماء، وإنّما اختلفوا فيما يعيش في البحر وفي البرِّ ويأوي في هذا وفي هذا، فمذهب مالك أنّه يقضي فيه بالأغلب من ذلك. وقال الشّافعيُّ (٨): كلُّ ما صيد في ماءٍ عَذْبٍ أو مِلْحٍ (٩)، قليل أو كثير، ممّا يعيش في البحر (١٠)، ولا يحلّ إلّا بالذّكاة، فلا يأكله المَحْرِم (١١). وقال أبو حنيفة (١٢): الّذي أرخص فيه من صَيد البحر السّمك خاصة، وما كان

стр. 2050

من طير يعيش في الماء فلا يقتله المُحْرِم. وقال أبو ثور: يجوز للمحرم أنّ يصيد كلّ ما كان من طير يعيش في الماء فإنّه حلال، وما لا يأوي إلى الماء، فليس من صَيْد البحر، وعلى المحرم إذا قتله الجزاء. وأجمعوا على أنّ الحمام الأهلىّ ليس للمُحْرِم أكله ولا ذبحه؛ لأنّ أصله صيد. وكذلك أجمعوا أنّ الحمام الوحشي إذا تأنّس وصار كالأهلي، لا يجوز للمُحْرِم ذبحه، وأنّ عليه الجزاء إذا ذبحه. فِدْيَة من حَلَقَ قبل أنّ يَنْحَر (١) الأحاديث (٢): إسناده (٣): وفيه وهم - أعني الإسناد - عند أكثر الرُّواة (٤)، سقط لهم مجاهد (٥)، والحديث محفوظٌ لمجاهد عن (٦) ابن أبي ليلى عن كعب، عن جماعة العلماء (٧). حديث ثانٍ: مالك (٨)، عن عطاء الخراسانيّ؛ قال: حَدَّثَني شَيْخٌ بِسُوقِ الْبُرَمِ (٩) بالكوفة. قال القاضي ﵁: والشَّيخُ الَّذي حدَّثَ عنه عطاء هذا الحديث،

стр. 2051

قيل: هو عبد الرّحمن بن أبي ليلى، وقيل: هو عبد الله بن مَعْقِل بن مُقَرِّن (١). قال القاضي (٢): واختلف النّاقلون لحديث كعب بن عُجْرَة هذا، وأكثرُها وردت بلفظ التَّخيير (٣)، وهو نصُّ القرآن في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ﴾ الآية (٤). وعليه مضَى عمل العلماء. واختلف الفقهاء في مَبْلَغِ الإطعام في فِدْيَة الأذى: فقال مالك (٥) والشّافعيّ (٦) وأبو حنيفة وأصحابهم (٧) وداود: الإطعام في ذلك مُدَّان بمُدِّ النَّبيِّ ﷺ لكلِّ مسكينٍ. وقال بعض العراقيّين (٨): إنَّ أطعم برًّا فمُدٌ لكل مسكين، وإن أطعم تمرًا فنصفُ صاعٍ. ولم يختلف العلماء أنّ الإطعام لستّةِ مساكينَ، وأنّ الصّيام ثلاثةُ أيّام، وأنّ النُّسُك شاةٌ، على ما في الحديث الّذي لكَعْب بن عُجْرَة، إلّا شيئًا رُوِيَ عن الحسن (٩) وعِكْرِمَة (١٠) ونافع؛ أنّهم قالوا: الإطعام لعشرة مساكينَ والصِّيام (١١) عشرة أيّام، ولم يتابعهم على ذلك أحدٌ، لهمَا ثبت في السُّنَّة من حديث كعب بن عُجْرَةَ. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ...﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ الآية (١٢)، قال ابنُ عبَّاس: المرضُ أنّ يكون برأسه جراح (١٣)، والأذى: القَمْل.

стр. 2052

وقال عطاء: المرضُ الصُّدَاعُ، والقَمْل، وغيره. وحديث كعب أصل هذا الباب عند العلماء. وأجمعوا أنّ الفِدْيَةَ على مَنْ حَلَقَ رأسَه من عُذْر وضرورة. وأجمعوا أنّه إذا (١) كان حَلْقُه لرأسه من أجل ذلك، فهو مُهَيَّرٌ فيما قضى اللَّهُ عليه من صيام أو صدقة أو نُسُكٍ. واختلفوا فيمن حلق رأسَهُ وتطيَّبَ ناسيًا (٢)، فقال مالك (٣): العامدُ والنّاسي سواءٌ في: جوب الفِدْيَةِ، وهو قول أبي حنيفة (٤)، والثَّوري، واللَّيث، وأحد قولي الشّافعىّ (٥). قال مالك (٦): من نسي فحلقَ رأسَه قبل أنّ يرميَ الجمرةَ افْتَدَى. قال القاضي: مالك لا يوجبُ الفِدْيَة إلّا على من حَلَقَ قبل أنّ يرمي، وأمّا من حلق قبل أنّ ينحر، فلا شيءَ عليه عنده. وقال أبو حنيفة: عليه الفِدْيَة (٧). ما يَفْعَلُ من نَسِيَ من نُسُكِه شيئًا (٨) الأحاديث (٩): فيه: أنّ من أسقط شيئًا من سُنَنِ الحجِّ جَبَرَهُ بالدَّم لا غير، إلّا ما أتى فيه الخبر نصًّا، أنّ يكون البدل (١٠) فيه من الدّم طعامًا أو صيامًا، هذا حُكْمُ سُنَنِ الحجِّ. وأمّا

стр. 2053

فرائضُه، فلا بدّ من الإتيان بها على ما تقدّم مِنْ حُكْمها إنَّ شاء الله. جامعُ الحجِّ (١) الأحاديث (٢): أمّا الحديث الّذي أدخل مالك (٣)، عن إبراهيم بن عُقْبَةَ، عن كُرَيْبِ مَوْلَى (٤) ابن عبَّاس؛ أنّ رسول الله ﷺ مَرَّ بامرأةٍ وهي في مَحَفَّتِهَا (٥)، فقيل لها: هذا رسولُ الله ﷺ ، فأخذت بِضَبْعَيْ (٦) صَبِيٍّ كان معها، فقالت: ألهذا حَجٌّ؟ يا رسول الله. قال: "نعم، ولكِ أجرٌ". الإسناد: قال القاضي ﵁ (٧): هذا حديثٌ مُرْسَلٌ، كذا رواه يحيى مُرْسَلًا، وتابعه أكثر رواة "الموطّأ" (٨). فيه من الفقه: الحجُّ بالصِّبيان، وأجازه جماعةٌ من العلماء بالحجاز والعراق والشام ومصر، وخالفهم في ذلك أهل البِدَع، فلم يروا الحجِّ بهم (٩)، وقد حجّ أبو بكر بعبد الله بن الزّبير في خِرْقَةٍ (١٠). وقال عمر: تُكْتَبُ للصَّبِىِّ حسناتُه ولا تكتبُ عليه سيئاتُه. وحجّ السَّلَفُ قديمًا وحديثًا بالصّبيان والأطفال، يعرضونهم لرحمة الله.

стр. 2054

قال القاضي (١): أجمع العلّماءُ على أنّ من حَجَّ صغيرًا قبل البلوغ، أو حجَّ به طفلًا ثمّ بلغ، لم يجزئه حَجُّهُ ذلك عن حَجَّةِ الإسلام. وقد شذّت فرقةٌ فأجازت له حجّته بهذا الحديث، لكن (٢) ذلك ليس عند أهل العلم بشيء؛ لأنّ الفَرْضَ لا يُؤَدَّى إلّا بعد الوجوب، وهذا ابن عبَّاس هو الّذي رَوَى هذا الحديث عن النَّبىِّ ﷺ ، وهو الّذي كان يفتي في الصَّبىِّ يحجّ ثمّ يحتلم؟ قال: يحجّ (٣) حجّة الإسلام، وفي المملوك يحجّ ثمّ يعتق؟ قال: الحجِّ عليه. وعلى هذا جماعة أهل الأمصار، إلّا داود فإنّه خالف في المملوك، فقال: يجزئه حَجُّه ولا يجزئ الصَّبىّ. واختلف العلماء في المراهق والعبد يُحْرِمان بالحجّ، ثمّ يحتلمُ هذا، ويُعْتَقُ هذا، قبل الوقوف بعَرَفَة؟ فقال مالك (٤): لا سبيل إلى رفض الإحرام لهذين، ويتماديان على إحرامهما، ولا يجزئهما عن حجّة الإسلام. وقال الشّافعيّ: يجزئهما ذلك عن حجّة الإسلام (٥)، وقد تقدَّم الكلام في ذلك في "الكتاب الكبير". وأمّا حديث فضل يوم عرفة، قوله ﷺ : "أفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أَنَا والنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إلَه إِلَّا الله ... " الحديث (٦). فيه من الفقه: تفضيل (٧) الدُّعاء يوم عَرَفَة، وفي ذلك دليل على (٨) تفضيل بعض الأيّام على بعض. وقد جاء في فضل يوم الجمعة، ويوم عاشوراء، ويوم عَرَفَة، أحاديث صِحَاحٌ ثابتةٌ. وفيه: تفضيل لا إله إلّا الله على سائر الكلام، وقد اختلفتِ الآثارُ في ذلك عن

стр. 2055

النَّبيِّ ﷺ ، فمنها ما جاء بهذا المعنى، ومنها ما جاء بتفضيل الحمد، ومنها ما جاء بتفضيل سبحان الله والحمدُ لله (١). وأمّا ما جاء من دعاء رسول الله ﷺ يوم عَرَفَة، منها حديث علىّ؛ أنّ رسول الله ﷺ دعا يوم عَرَفَة بعَرَفَة فقال: "لا إله إلّا الله، وحدَهُ لا شريكَ له، له المُلْكُ، وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٍ، اللهمّ اجعل لي في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بَصَري نورًا، اللَّهمّ اشرح صدري، ويسِّر (٢) أمري، أعوذُ بك من وَسَاوِس الصّدور (٣)، وفِتْنَةِ القبر، ومن شرِّ ما أتَتْ (٤) به الرِّياح، ومن شَرِّ ما يأتى به اللَّيل والنّهار" (٥). وسئل ابنُ عُيَيْنَة عمّا كان رسولُ الله ﷺ أكثر ما يقول يوم عَرَفَة؟ فقال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر، ثمّ قال سفيان: إنّما هذا ذِكْرٌ وليس بدعاء (٦). وقال (٧) رجل للأوزاعيّ: يا أبا عمر، أيّها أحبّ إليك: لا إله إلّا الله مئة مرّة، أو سبحان الله مئة مرّة؟ فقال: لا إله إلّا الله. فهذا يفسِّر لك حديث زياد بن أبي زياد (٨). هذا حديث مالك (٩)، عن ابن شهاب، عن أنس؟ أنّ رسول الله ﷺ دخل مكّة عامَ الفتح وعلى رأسه المِغْفَرُ ... الحديث. انفرد به مالك، عن ابن شهاب (١٠)، والكلام على تعليل إسناده يَطُولُ، وقد

стр. 2056

اختلفت ألفاظ الرُّواة فيه، فقال بعضهم: مِغْفَرٌ من حديد (١) فقيل له (٢): ابنُ خَطَلِ متعلِّقٌ بأستار الكعبة. الإسناد (٣): هذا حديثٌ انفردَ أيضًا به مالك، لا يُحْفَظُ عن غيره، ولم يروه أحدٌ عن الزّهريّ سواه من طريق صحيحٍ. وليس في "الموطّأ" مِغْفَرٌ من حديد (٤)، وكان ابنُ خَطَل يهجو النَّبيُّ ﷺ . واخْتُلِفَ (٥) في اسم ابن خَطَل هذا؟ فقيل: هلال بن خَطَل (٦). وقيل: عبد العزي (٧) بن خَطَل. وقيل: عبد الله. وزعم (٨) بعض أصحابنا أنّ هذا أصلٌ في قتل (٩) الذِّميّ إذا سبَّ النَّبيَّ ﷺ ، وهذا غَلَطٌ؛ لأنّ ابنَ خَطَل كان حَرْبِيًّا في دار حَرْبِ، ولم يُدْخِله رسول الله ﷺ في أمَانِه لأهل مكَّةَ، بل استثناه - وقومُه معه - من ذلك الأمان (١٠)، ومعلوم أنّهم كانوا كلّهم أو أكثرهم لا ينصرفون عن سبِّ رسول الله ﷺ . ولم يجعل لابن خَطَل أمانًا؛ لأنّ أمْرَهُ ﷺ خرج مع (١١) الأمان لأهل مكّة مَخْرَجًا واحدًا في وقتٍ واحدٍ، ووردت بذلك

стр. 2057

الآثار، وهو معروف عن أهل السِّيَر. والوجهُ في قتل ابن خَطَل: هو أنّ الله أمَرَ بقتل المشركين حيث وُجِدُوا، فقال عزّ من قائل: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ ...﴾ الآية (١). وأمّا الآن فنبسطُ الكلام في ذلك: قال (٢): وكان سبب قتله ما ذكرناه عن ابن إسحاق (٣)، قال (٤): وأمّا قتلُ (٥) عبد الله بن خَطَل، فقَتَلَهُ سعيد بن حُرَيْث (٦) المخزوميّ وأبو بَرْزَةَ الأسلمي اشتركا في دَمِهِ. وهو رجل من بني تيم (٧) بن غالب. قال (٨): وإنّما أمر رسول الله ﷺ بقتله؛ لأنّه بعثه مُصَدّقًا وكان مُسْلِمًا، وبعث معه رَجُلًا من الأنصار، وكان معه مولى يخدمه وكان مسلمًا، فنزل ابنُ خَطَل منزلًا، وأمر المولى أنّ يذبح له شاة ويصنع له طعامًا، فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئًا، فعدا عليه فقتله، ثمّ ارتدّ مشركًا (٩)، فهذا (١٠) قَوَدٌ من مسلم. ومثلُ هذه قصّةُ مِقْيَس بن صُبَابَة، قَتَل مسلمًا بعد أخْذِهِ الدِّيَة منه، وهو أيضًا مقن هدر (١١) رسول الله ﷺ دَمَهُ (١٢) في حين دخوله مكَّة (١٣)، كذلك ذكر ابن أبي شيبة (١٤) وابن إسحاق (١٥).

стр. 2058

وفي (١) هذا الحديث من الفقه: دخول مكّة بغير إحرام وبالسّلاح، وإظهار السّلاح فيها، ولكن هذا عند جمهور العلماء منسوخٌ (٢) بقوله: "إنَّ الله حَرَّمَ مكَّةَ يوم خَلَقَ السّموات والأرض، ولا تَحِلُّ لأحدٍ قبلي، ولا تحلُّ لأحدٍ بعدي، وإنّما أُحِلَّتْ لي سَاعةً من النَّهار" (٣) يعني يوم الفتح. وكان ابنُ شهاب يقول: لا بأس أنّ يدخل مكّة بغير إحرام، وخالفه في ذلك أكثر العلماء (٤)، وما أعلم أحدًا تابَعَهُ على ذلك إلّا الحسن البصري. واختلف (٥) العلماء فيما يجب على من دخل مكّة بغير إحرام. فقال مالك (٦) والشَّافعيّ (٧) واللَّيث: لا يدخل أحدٌ مكّة من غير أهل مكّة إلّا محرمًا، فإنْ فعل فقد أساء ولا شيء عليه. وقال أبو حنيفة (٨): عليه حَجَّةٌ أو عمرةٌ. وأمّا (٩) قتلُ عبد الله بن خَطَل، فلأنّ رسول الله ﷺ قد كان عَهِدَ فيه أنّ يُقْتَل وإن وُجِدَ متعلِّقًا بأستار الكعبة؛ لأنّه ارتدَّ بعد إسلامه، وكفرَ بعد إيمانه، وبعد قراءته القرآن، وقَتَلَ النَّفسَ الّتي حرَّمَ اللهُ إِلَّا بالحقِّ، ثمّ لحِقَ بدار الكُفر بمكَّة، واتّخذ قَيْنَتَيْنِ يغنِّيانِ بهِجَاءِ رسول الله ﷺ ، فعَهِدَ فيه رسولُ الله ﷺ بما عَهِدَ، وفي ستّة نَفَرٍ معه قد ذَكَرَهُم ابنُ إسحاق (١٠) وغيره، وامرأتين (١١)، وقال الواقديّ: أربع نسوة (١٢).

стр. 2059

قال القاضي (١): ولا يخلو أمْرُ رسول الله ﷺ بقتل هؤلاء (٢) من أحد وجهين: - إمّا أنّ ذلك كان في وقت حلّت له مكّة - وهي دار حرب - وكان له أنّ يريق دمًا لمن شاء من أهلها في السّاعة الّتي حلّت له فيها. - والوجه الثّاني: أنّ يكون على مذهب جماعة من العلماء في أنّ الحرم لا يُجيرُ من وجب عليه القتل، وكان هؤلاء ممّن وجب عليه القتل بما ذكرنا، فلم يُجرهم الحَرَم، وهذا موضعٌ اختلف فيه العلماء قديمًا وحديثًا (٣). فأمّا مالك فقال: من وجب عليه القِصَاص في الحَرَمه اقْتُصَّ منه، ومن قَتَل ودخل في الحَرَمه لم يُجِرْه الحَرَم، ولا يمنع الحرم أحدًا وجب عليه القتل. وقال أبو حنيفة: إذا وجب عليه قتلٌ أو حدٌّ، فدخل الحرم، لم يُقتصّ منه في النَّفْس، ولا يُحَدُّ قياسًا على النَّفْس، وتُقامُ الحدودُ عليه فيما دون النَّفس ممّا سوى ذلك حين يخرج من الحرم، وكذلك قال زفر، قال (٤): فإن قَتَلَ أو زَنى في الحرم رُجِمَ وقُتِلَ في الحرم. حجّ المرأة بغير ذي مَحْرَمٍ (٥) قَالَ مَالِكٌ (٦) في الصَّرُورَةِ (٧) مِنَ النِّسَاءِ الَّتيِ لَمْ تَحُجَّ قَطُّ: إنَّهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذُو مَحْرَمِ يَخْرُجُ مَعَهَا أنَّهَا لَا تَتْرُكُ الْحَجَّ وَتَخْرُجُ فِي جَمَاعَةِ النِّسَاءِ. قالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ...﴾ الآية (٨)، فدخل في ذلك الرّجال والنّساء المستطيعون إليه السبيل.

стр. 2060

حديث: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تحجُّ المرأةُ ولا تسافرُ المرأةُ إلّا مع ذي مَحْرَمِ" (١)، واختُلِفَ في ألفاظ هذا الحديث (٢) في هذه المسألة. واختلف الفقهاء هل يكون المَحْرَمُ من السّبيل للمرأة أم لا؟ فقال مالك ما رَسَمَهُ في "موطّئه" ولم يختلف فيه عنه ولا عن أصحابه، وهو قول الشّافعيّ (٣) في أنّها تخرجُ مع جماعة (٤) النِّساء، قال: ولو خرجت مع امرأة مسلمة ثقة فلا شيء عليها. وقال ابنُ سيرين: جائز أنّ تحجّ مع ثِقَةٍ من ثقات المسلمين (٥) من الرِّجال، وهو قولُ الأوزاعيّ، قال الأوزاعيّ: تخرجُ مع قومٍ عُدُولٍ، وتتّخذُ سُلَّمًا (٦) تصعدُ عليه وتنزل، لا يَقْرَبُها رَجُل. وكلّ هؤلاء يقول: ليس المَحْرَمُ للمرأة من السّبيل، وهو مذهب عائشة؛ لأنّها قالت: ليس كلّ امرأة لها محرم أو تجد ذا محرم (٧). وقالت طائفة: المَحْرَمُ للمرأة من السّبيل، فإذا لم يكن معها زوجها، ولا ذو مَحْرَمٍ منها، فليس عليها الحجِّ؛ لأنّها لم تجد السَّبيل، وممَّن ذهب إلى هذا الحسن البصري والنّخعىّ وأبو حنيفة (٨) وابن حنبل (٩). وحُجَّة من رأى المَحْرَمَ من السَّبيل: ظاهرُ قولِ النَّبىِّ ﷺ : "لا تُسَافِرُ المَرْأَةُ إِلَّا

стр. 2061

مع ذِي مَحْرَمٍ" (١) وقد رُوِيَ: "لا تحجُ المرأةُ إِلَّا مع ذي مَحْرَمِ" ذكره عبد الرزّاق (٢). صيام التَّمتّعِ (٣) أجمع العلماء على أنّ الثّلاثة الأيَّام إنْ صامها قبل يوم النّحر فقد أتى بما عليه من ذلك، ولهذا قال من قال من أهل العلم بتأويل القرآن: ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (٤) قال (٥): آخرها يوم عَرَفَة (٦). وكذلك أجمعوا أنّه لا يجوز له ولا لغيره صيام يوم النّحر. واختلفوا في صيام أيّام مِنىً إذا كان قد فَرَّطَ فلم يصمها المتمتِّع * قبل يوم النَّحر. فقال مالك (٧): يصومها المتمتَّعُ * (٨) إذا لم يجد هَدْيًا لأنّها من أيّام الحجِّ، ورُوِيَ ذلك عن ابن عمر وعائشة. وقال الشَّافعىّ (٩) وأبو حنيفة (١٠) وأبو ثور: لا يصوم المتمتَّع أيّامَ مِنىً، لنهي رسول الله ﷺ عن صيام أيَّام منىً، ولم يخصّ يومًا (١١) من الصّيام.

стр. 2062

تمَّ بحمد الله وَمَنَّهِ الجزء الرّابع بالتجزئة السُّليمانية، ويليه الجزء الخاص، وأوله: "كتاب الجهاد"

стр. 2063

المسالِك فى شرح مُوَطَّأ مالِك للقاضى أبى بكر محمّد بن عبد الله بن العربىّ المعافرىّ (المتوفَّى سنة: ٥٤٣ هـ) قرأه وعلّق عليه محمّد بن الحسين السُّليمانى ... عائشة بنت الحسين السُّليمانبى قدَّم له الشّيخ الإمام يوسف القَرَضَاوي رئيس الاتحاد العالمى لعلّماء المسلمين المجلد الخامس دَارالغَرب الإسلامي

стр. 2064

دَارالغَرب الإسلامي جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ -٢٠٠٧ م دار الغرب الإِسلامي ص: ب. ٥٧٨٧ - ١١٣ بيروت جميع الحقوق محفوظة. لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجل وغيره دون إذن خطي من الناشر.

стр. 2065

المسالِك فى شرح مُوَطَّأ مالِك للقاضى أبى بكر محمّد بن عبد الله بن العربىّ المعافرىّ (المتوفَّى سنة: ٥٤٣ هـ) المجلد الخامس

стр. 2066

كتاب الجهاد وأحكامه ومقَّدماته وفيه ثلاث مقدِّماتٍ: المقدِّمةُ الأولى: في اشتقاقه لغة. الثّانية: في شرح الآيات الواردة فيه. الثّالثة: في وجوبه. المقدمة الأولى قال علماؤنا (١): الجهادُ مأخوذٌ من الجَهْدِ، وهو التَّعَب، فمعنى الجهاد في سبيل الله: هو المبالغة باتِّفاق في إتعاب الأنفس في ذات الله تعالى، وإعلاء كلمته الّتي جعلها الله طريقًا إلى جنَّته وسبيلًا إليها. قال الله في عموم الخطّاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (٢). وقال: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (٣)، فيدخل فيه القتال وغيره، لقوله: "جَاهدُوا الكفَّارَ بأيديكُم وأَلْسِنَتِيكُم" (٤)، ثمّ صارت اللُّغةُ في الجهادِ على الإطلاق في قتال العدوّ.

стр. 2067

وتحقيقُهُ (١): أنّ القتالَ ينقسمُ على أربعةِ أقسامٍ: ١ - جهادٌ بالقلبِ. ٢ - وجهادٌ باللِّسانِ. ٣ - وجهادٌ باليدِ. ٤ - وجهادٌ بالسَّيفِ. تنقيح ذلك: وأمّا "جهاد القلب" فهو مجاهدةُ الشَّيطانِ، ومجاهدةُ النَّفسِ عن الشَّهوات المحرَّماتِ، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ..﴾ الآية (٢). وقوله ﵇: "جئتُم مِنَ الْجِهَادِ الأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الأَكَبَرِ. قِيلَ: وَمَا هُوَ؟ قالَ: مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ عَنِ الهَوَى" (٣). وأمّا "جهاد القول (٤) " فهو الأمرُ بالمعروفِ، والنهيُ عن المنكر.

стр. 2068

وقد قيل: إنَّه جهادُ اليدِ؛ لأنّه يُغَيِّرُ المناكر والأباطيل والمعاصي المحرَّمات إذا انكشف بها، وتعطيل الفرائض الواجبات بالأدبِ والضَّرب على ما يؤدِّي إليه الاجتهاد في ذلك، ومن ذلك: إقامة الحدود على القَذفَة والزُّناةِ وشُرَّابِ الخمور. وأمّا "جهاد السَّيفِ" وهو قتال المشركين على الدِّين كلِّه وأن تكون كلمةُ اللهِ هي العلّيا؛ لأنّ الجهاد إذا أُطلِقَ فلا يقعُ إطلاقُهُ إِلَّا على مُجَاهَدَةِ الكفّار بالسَّيف، حتَّى يدخلوا في الإسلام، أو يُعْطُوا الجزيَة عن يَدٍ وهم صاغرون. المقدمة الثّانية قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢). وقوله (٣): "لا يؤمنون" نَصٌّ في تحقيقِ الكُفر، وذلك أنّ نقول: الكفر والإيمان أصلان في ترتيبِ الأحكام عليهما في الدِّين، وهما في وَضعِ اللُّغة معلومان. فالإيمان هو: التَّصديق لغةً، وهو التأمين.

стр. 2069

والكفر هو: السّتر والتّغطية، وقد يكون بالفعل حِسًّا، وقد يكون بالإنكار والجحود مَعْنىً، وكلاهما: حقيقة ومجاز. فإذا قلنا: إنَّ الكفر هو الجحودُ للأشياء الأُخرَوِيّة وإنكارُها، فالشَّرعُ لم يعلِّق الأحكام الشرعيَّة على كلِّ ما ينطلق عليه اسم الكفر، وانّما علّقه على بعضها، وهو الكفر بالله وصفاته وأفعاله. والدّليل عليه قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١). وقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ نصٌّ في الكفر بذاته يقينًا، وبالكفر بالصّفات ظاهرًا؛ لأنّ الله تعالى هو الموجودُ الّذي له الأسماءُ الحسنى، والصَّفاتُ العُلا. وأمّا قولُه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ (٢) فيها أربعة أقوال: القول الأوّل: أنَّهم الرّوم، قاله ابن عمر (٣). الثّاني: أنّهم الدّيلم، قاله الحسن (٤). الثّالث: أنّهم العرب، قاله ابن زيد (٥). الرّابع: أنّهم أهل الكفر أجمع؛ لأنّ الله قد سمّاهم كفّارّا، فالخطاب واقعٌ على العموم في قتال الأقرب والأدنى، قاله ابن عبّاس وغيره.

стр. 2070

المقدمة الثّالثة في وجوبه قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ الآية (١). وقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (٢). وقال عزّ من قائل: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية (٣). وهذه الآية ناسخةٌ للّتي أمر الله فيها نبيَّهُ ﷺ بالعَفوِ والصَّفْحِ فقال: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (٤) فأتى من أمره لها لمّا أمر بقتال المشركين فقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية (٥). وجاءتِ الأخبارُ الثَّابتةُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ بموافقةِ ظاهر الآيات، وهو قوله ﷺ : "أُمِرْتُ أنّ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَقُولوا لا إله إِلَّا الله ... " (٦) الحديث، وهو في معنى الدَّعوةِ قوِىٌّ جدًّا. وقال علماؤنا: وجهادُ العدوّ الظَّاهر فرضٌ من فروضِ الكفايةِ وهم الكفّار. وجهادُ العدوّ الباطن فرضٌ من فروض الأعيان، وهو الشّيطان. وقد رَتِّبتْ أحوالُه في الشّريعة
следующие страницы →