كتاب الجهاد وأحكامه ومقَّدماته
وفيه ثلاث مقدِّماتٍ: المقدِّمةُ الأولى: في اشتقاقه لغة. الثّانية: في شرح الآيات الواردة فيه. الثّالثة: في وجوبه.
المقدمة الأولى
قال علماؤنا (١): الجهادُ مأخوذٌ من الجَهْدِ، وهو التَّعَب، فمعنى الجهاد في سبيل الله: هو المبالغة باتِّفاق في إتعاب الأنفس في ذات الله تعالى، وإعلاء كلمته الّتي جعلها الله طريقًا إلى جنَّته وسبيلًا إليها. قال الله في عموم الخطّاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (٢).
وقال: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (٣)، فيدخل فيه القتال وغيره، لقوله: "جَاهدُوا الكفَّارَ بأيديكُم وأَلْسِنَتِيكُم" (٤)، ثمّ صارت اللُّغةُ في الجهادِ على الإطلاق في قتال العدوّ.
стр. 2067
وتحقيقُهُ (١):
أنّ القتالَ ينقسمُ على أربعةِ أقسامٍ:
١ - جهادٌ بالقلبِ.
٢ - وجهادٌ باللِّسانِ.
٣ - وجهادٌ باليدِ.
٤ - وجهادٌ بالسَّيفِ.
تنقيح ذلك:
وأمّا "جهاد القلب" فهو مجاهدةُ الشَّيطانِ، ومجاهدةُ النَّفسِ عن الشَّهوات المحرَّماتِ، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ..﴾ الآية (٢).
وقوله ﵇: "جئتُم مِنَ الْجِهَادِ الأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الأَكَبَرِ. قِيلَ: وَمَا هُوَ؟ قالَ: مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ عَنِ الهَوَى" (٣).
وأمّا "جهاد القول (٤) " فهو الأمرُ بالمعروفِ، والنهيُ عن المنكر.
стр. 2068
وقد قيل: إنَّه جهادُ اليدِ؛ لأنّه يُغَيِّرُ المناكر والأباطيل والمعاصي المحرَّمات إذا انكشف بها، وتعطيل الفرائض الواجبات بالأدبِ والضَّرب على ما يؤدِّي إليه الاجتهاد في ذلك، ومن ذلك: إقامة الحدود على القَذفَة والزُّناةِ وشُرَّابِ الخمور.
وأمّا "جهاد السَّيفِ" وهو قتال المشركين على الدِّين كلِّه وأن تكون كلمةُ اللهِ هي العلّيا؛ لأنّ الجهاد إذا أُطلِقَ فلا يقعُ إطلاقُهُ إِلَّا على مُجَاهَدَةِ الكفّار بالسَّيف، حتَّى يدخلوا في الإسلام، أو يُعْطُوا الجزيَة عن يَدٍ وهم صاغرون.
المقدمة الثّانية
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢).
وقوله (٣): "لا يؤمنون" نَصٌّ في تحقيقِ الكُفر، وذلك أنّ نقول: الكفر والإيمان أصلان في ترتيبِ الأحكام عليهما في الدِّين، وهما في وَضعِ اللُّغة معلومان.
فالإيمان هو: التَّصديق لغةً، وهو التأمين.
стр. 2069
والكفر هو: السّتر والتّغطية، وقد يكون بالفعل حِسًّا، وقد يكون بالإنكار والجحود مَعْنىً، وكلاهما: حقيقة ومجاز.
فإذا قلنا: إنَّ الكفر هو الجحودُ للأشياء الأُخرَوِيّة وإنكارُها، فالشَّرعُ لم يعلِّق الأحكام الشرعيَّة على كلِّ ما ينطلق عليه اسم الكفر، وانّما علّقه على بعضها، وهو الكفر بالله وصفاته وأفعاله.
والدّليل عليه قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١).
وقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ نصٌّ في الكفر بذاته يقينًا، وبالكفر بالصّفات ظاهرًا؛ لأنّ الله تعالى هو الموجودُ الّذي له الأسماءُ الحسنى، والصَّفاتُ العُلا.
وأمّا قولُه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ (٢) فيها أربعة أقوال:
القول الأوّل: أنَّهم الرّوم، قاله ابن عمر (٣).
الثّاني: أنّهم الدّيلم، قاله الحسن (٤).
الثّالث: أنّهم العرب، قاله ابن زيد (٥).
الرّابع: أنّهم أهل الكفر أجمع؛ لأنّ الله قد سمّاهم كفّارّا، فالخطاب واقعٌ على العموم في قتال الأقرب والأدنى، قاله ابن عبّاس وغيره.
стр. 2070
المقدمة الثّالثة في وجوبه
قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ الآية (١).
وقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (٢).
وقال عزّ من قائل: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية (٣).
وهذه الآية ناسخةٌ للّتي أمر الله فيها نبيَّهُ ﷺ بالعَفوِ والصَّفْحِ فقال: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (٤) فأتى من أمره لها لمّا أمر بقتال المشركين فقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية (٥).
وجاءتِ الأخبارُ الثَّابتةُ عنِ النَّبِيِّ ﷺ بموافقةِ ظاهر الآيات، وهو قوله ﷺ : "أُمِرْتُ أنّ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَقُولوا لا إله إِلَّا الله ... " (٦) الحديث، وهو في معنى الدَّعوةِ قوِىٌّ جدًّا.
وقال علماؤنا: وجهادُ العدوّ الظَّاهر فرضٌ من فروضِ الكفايةِ وهم الكفّار. وجهادُ العدوّ الباطن فرضٌ من فروض الأعيان، وهو الشّيطان. وقد رَتِّبتْ أحوالُه في الشّريعة
стр. 2071
على خمسِ مراتبَ:
١ - المرتبة الأُولى: كان النّبيّ ﷺ والمسلمون في أوَّل الإسلام مأمورين بالإعراض عن المشركين، والصَّبر على إيذائهم، والاستسلام لحكم الله فيهم (١).
٢ - ثمّ أذِنَ له في القتال فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ (٢).
٣ - ثمّ فرض عليهم القتال على العموم فقال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (٣).
٤ - ثمّ قال: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٤).
٥ - ثمّ قيل - وهي الخامسة - الّتي استقرّت عليه الشّريعة: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ (٥).
تفصيل:
أمّا قوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ ...﴾ الآية (٦)، فإن المراد بذلك الرِّحلة في طلب العلم، وليس للجهاد فيها أَثَرٌ، وقد نبَّه النّبيُّ ﷺ على عِظَمِ موقعه في الدِّين، وهي عبادةٌ: بَدَنيَّةٌ ماليةٌ، تحتملُ الدُّنيا بأن يقاتِلَ الرَّجُل لها، وتحتملُ الآخرة بأن يسعى في لقاء الله وفي سبيله وإعلاء كلمته، وانّما ضربَ النّبيُّ ﷺ له مثلًا بالصَّائم القائم الّذي لا يفتر ... الحديث (٧)، فنبَّه على هذه المراتب الثّلاث من فضله.
وأمّا "مرتبة الصِّيام" فلأنَّه ترك لذَّاته وأعرض عن نسائه فيما لَهُ، وهذا صومٌ عظيمٌ.
стр. 2072
وأمّا قوله "القائم" فَمَثَلٌ ظاهر لما هو فيه من العمل بالمسيرِ إلى العدوِّ، ولمقاتلته ونِكايته.
وأمّا المرتبة الثّالثة وهي الدّوام فليست إِلَّا للمجاهد؛ لأنّ الصَّائم قد يفطر ويطأ ويلتذّ، والقائم قد ينام ويستريح، وعمل المجاهد دائم، فلا يعادِلُ هذا عمل من الأعمال، ولذلك قال النّبيُّ ﷺ : "الخيل ثلاثة ... " الحديث (١).
تنبيه آخر:
فإن قيل: فإذا كان هذا الفضل على هذه المراتب من الدَّرجة العالية، فهو فرض عَينٍ لا فرض كفاية، فلا يكون فيه تَربُّصٌ على الوالدين بحال، ولا للعبد استشارة سيِّده، ولا إذن له في ذلك؟
الجواب - قلنا: الجهاد لا يخلو من أحد وجهين: إمَّا أنّ يكون فَرض عينٍ أو كفايةٍ، فإن كان فرض عينٍ جازَ للمرءِ عصيان أبَوَيْه، كان كان فرض كفاية لم يجز (٢)، وكذلك العبد له أنّ يخرج بغير إذن سيَّدِه في فَرْضِ العين.
فإذا اشترى الرّجل جهاز الجهاد، ثمّ منعه أبُوه من الخروجِ في فَرْضِ الكفايةِ، فإن كان غنيًّا عندَهُ مال ويقدر على الاستبدال به، باعه واستبدل به إذا جاهد إنَّ كان الجهاز ممّا يُخشَى فساده، كان لم يخش ذلك، فلا يبيعه، والرُّخصة في بَيعِه استحسانٌ.
стр. 2073
البابُ الأوَّلُ التَّرغيبُ في الجهادِ
مَالِكٌ (١)، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ, أَن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَثَلُ المُجَاهِدِ في سَبِيلِ الله كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ ... " الحديث.
الإسناد:
قلنا: هذا الحديث مُسْنَدٌ صحيحٌ عن النَّبِيِّ ﷺ ، خَرَّجَهُ الأَيِمَّة (٢).
التّرجمة (٣):
قال علماؤنا (٤): إنّما بوَّب مالكٌ ﵀ في معنى التَّرغيبِ ليعلم النَّاس بجزيل ثوابه ليرغبوا فيه، وأكثر ما يوصف بالرَّغائب ما قَصُرَ عن رُتْبة الوجوب (٥)، إِلَّا أنّه لم يقصد الوصف له هنا بوجوبٍ ولا غيره، وإنما قَصَدَ الحضِ على فعله.
ويحتمل أنّ يُوصفَ بأنّه من الرّغائب لمن سقط عنه فرضُه بقيامِ غيرهِ به (٦)، وقد قال سحنون (٧): كان في أوّل الإسلام فرضًا على جميع المسلمين، وهو الآن مرغَّبٌ فيه.
والأصلُ فيه: ما قدَّمناهُ من أنَّه فرضٌ في الجملةِ، إِلَّا أنَّه من فروض الكفاياتِ (٨)،
стр. 2074
فإذا قام به بعضُهم سقطَ فرضُه عمّن قام به وعن غيره من المسلمين، وإذا عَمَّتِ الحاجةُ إلى جميع النَّاس ودَهَمهُم من العدوِّ ما لا يقوم به بعضهم لّزِمَ الفرضُ جميعَهم.
والدّليلُ القاطعُ على وجوبِهِ قولُه تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ...﴾ الآية (١)، والفتنة هاهنا الكفر (٢).
فإذا ثبت وجوبُهُ، فإنّ غايتَه أنّ يدخل الكفارُ في الإسلام أو في الذِّمَّة بأداء الجِزْيَةِ، وجَرَيَان أحكام المسلمين عليهم.
والأصل فيه: قولُه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿صَاغِرُونَ﴾ (٣).
فصلٌ (٤)
قال علماؤُنا (٥): وهذا مع ظهور الإسلام عليهم، وأمّا إذا ضَعُفَ أهلُ الإسلام، فلا
بأس بمهادنتهم وصلحهم على غيرِ شيءٍ.
وسأل أهلُ الأندلسِ سحنون (٦) قالوا: أرأيتَ إِنِ انقطعتِ الجيوشُ (٧) وعدُوُّنا في
стр. 2075
قُوَّةٍ، هل لأمير الثَّغْرِ أنّ يصالحهم على غير شيءٍ؟ قال: نعم ولا يبعد في المدَّة لما يحدث من قوَّةِ الإسلام.
والأصلُ في ذلك: مهادنة النَّبِيِّ ﷺ قريشًا عامَ الحُدَيْبِيَّة على غيرِ شيءٍ أخذوه منهم (١)، حتّى قوي الإسلام فلم يقبل ذلك منهم.
الفوائدُ المتعلِّقة بهذا الحديث:
وهي أربع فوائد:
الفائدةُ الأولى:
قوله: "مَثَلُ المُجَاهدِ في سَبيل الله كمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ" وجمحِع أعمال البرِّ في سبيل الله كذلك، إِلَّا أنّ هذه اللّفظة إذا أُطلِقَت في الشّرع اقتضت الغزو في سبيل الله.
وسُئِلَ مالكٌ عن رجل أوصى بماله في سبيل الله؟ فقال: سُبُلُ الله كثيرةٌ، وأَحَبُّ إليَّ أنّ يُجْعَل في الغزو (٢).
ووجهه: ما قدَّمناهُ من أنَّ إطلاق هذه اللَّفظة أظهر في الغزو.
الفائدةُ الثّانية (٣):
قوله: "الصَّائِم الْقَائِم" قال علماؤنا (٤): هذا مَثَلٌ ضربَهُ النَّبِيُّ ﷺ في تعظيم الأَجْرِ، وإن كان أحدٌ لا يستطيع أنّ يكون قائمًا مصلَّيًا لا يَفْتُر ليلًا ولا نهارًا.
ويحتمل أنّ يكون أراد بذلك التّكثير في الأجر، والله أعلمُ.
стр. 2076
وقوله: "لَا يَفْتُرُ من صَلَاةٍ وَلَا صِيَامِ" يريد التَّطوُّعَ.
الفائدةُ الثّالثة:
قوله: "لَا يُخرِجُهُ إِلَّا الْجهَادُ في سَبِيلِ الله" (١) يريد: أنّ يكون جهادًا خالصًا للهِ تعالى لا يشوبُهُ طلَب الغنيمة، ولا الَعَطِيَّة للأهل، ولا حبّ الظُّهور، ولا شيء غير الجهاد لتكون كلمة الله هي العلّيا.
الفائدةُ الرّابعة:
قولُه: "مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ" يريد: مع الّذي يناله منهما، فإن أصاب غنيمة فله غنيمة وأجر، لكان لم يصب الغنيمة فله الأجر على كلِّ حالٍ، فتكون "أَوْ" بمعنى "الواو".
ولا نعلم غَازِيًا أعظم أجرًا من أهل بَدْر على ما أصابوا من الغنيمة، لِمَا رَوَى رِفَاعَة ابن رَافع الزُّرَقِيّ (٢) - وكان ممّن شَهِدَ بدرًا- قال: "جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ أهْلَ بَدْرٍ فِيكُم؟ قَالَ: من أَفْضَلِ النَّاسِ، أَوْ قَالَ: من أَفْضَلِ المُسْلِمِينَ، أو كَلِمَةً نَحْوَهَا"، قَالَ: "وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا من المَلَائِكَةِ" (٣).
ورُوِيَ عنه ﷺ أنّه قال لعُمَر: "وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الله اطلَعَ عَلَى أَهلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئتُم فَقَد غَفَرْتُ لَكُم" (٤).
حديث مَالِكٍ (٥)، *عن زَيْد بن أَسْلَم، عن أبي صالح السَّمَّان *، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,
стр. 2077
أَنَّ رَسُول الله ﷺ قال:"الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلرَجُلٍ سِتْرٌ، وعلى رَجُلٍ وِزرٌ ... " الحديثُ إلى آخره.
الإسناد:
قال القاضي ﵁: هذا حديثٌ صحيحٌ مُتَّفَقٌ على صحَّته، خرَّجَهُ مسلم (١) والبخاري (٢) والأَيِمَّة (٣).
وفي هذا الحديث ستُّ فوائد:
الأولى (٤):
قوله: "الْخَيْلُ ثَلاثَةٌ (٥): لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلرَجُلٍ سِتْرٌ، وعَلَى رَجُلٍ وزرٌ. وأَمَا الَّذِي هِي لَهُ أَجْرٌ فهُو الَّذِي أَعدَّهَا للِجِهَادِ في سَبِيلِ الله، فَأَطَالَ لهَا في مَرْجٍ أوْ رَوْضةٍ". يعني: طوَّل لها حبلها الّذي ربطها به في مَرْجٍ ترعى فيه أو رَوْضَةٍ.
فالمَرْجُ: المطمئنّ من الأرض.
والرَّوْضة: ما ارتفع من الأرض.
الثّانية (٦):
قوله: "فَاسْتَنَّتْ (٧) شَرَفًا أَوْ شَرَفَينِ" يعني: قطعت الحبل الّذي ربطت به في مَرْجٍ
стр. 2078
لترعى فيه، فجعلت تجري من شَرَفٍ إلى شَرَف (١)، فهذا كلّه حسنات لصاحبها؛ لأنّه أراد باتِّخاذها وجه الله تعالى والجهاد في سبيله، فكيفما تقلَّبت بها الحال كان ذلك له بها حسنات.
الثّالثة (٢):
قولُه "لِرَجُلٍ سِتْرٌ" هو الّذي يتّخذُها مَكْسَبًا يتعفَّفُ بها عن المسألة، ويقيمُ حقَّ الله تعالى في رِقابِها وظُهورها إذا تَعَيَّن عليه الغَزوُ عليها، فهذا مأجورٌ عليها.
الرّابعة:
قولُه: "وَعَلَى رَجُلٍ وِزرٌ" هو الّذي ربطها فَخرًا ورياءًا، ونِوَاءًا لأهل الإسلام؛ لأنّه لم يُرِدْ بذلك شيئًا من الخير، وإنّما يُؤجَرُ بالنِّيَّةِ.
قولُه: "نِوَاء" بفتح النّون وكسرها، ونوَاءَ ممدود وغير ممدود، وأصلها من: ناءَ إليك ونُؤتَ إليه (٣)، أي: نهض إليك ونهضتَ إليه (٤).
وقال علماؤنا (٥): وهذا الحديثُ أصلٌ في اكتساب المالِ وإنفاقه، فمن اكتسبه من
стр. 2079
حلالِ، وأنفقَهُ في وجوهِ البرِّ، وأطعم منه المساكين (١)، وحَبَسَة في سبيل الله، فيكون له بذلك الأجر والدَّرَجة العالية.
الفائدةُ الخامسة (٢):
قولُه: "ورَجُلٌ رَبَطهَا" الرَّباطُ يكونُ على وجهين:
١ - رباطُ الخيلِ، وهو ما تقدَّمَ.
والأصلُ في ذلك: قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ...﴾ الآية (٣).
٢ - والثّاني: رباطُ الرَّجلِ نفسَهُ لِحِفْظِ الثُّغور على من جاورها من العدوِّ.
والأصلُ في ذلك: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ الآية (٤).
وما رُوِي عن سهل بن سعد, أنّ النَّبيِّ ﷺ قال: "رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبيلِ الله خَيرٌ مَنَ الدُّنيَا وَمَا فِيهَا" (٥).
فإذا ثبت هذا, فرباطُ الرَّجُل نَفسَهُ هو أنّ يترك الرَّجُل وطنه، ويلتزم الثَّغرَ لمعنى الحِفْظ وتكثير السَّوَاد، وأمّا من كان وطنه الثَّغر فليس مقامُه به رِبَاطًا، رواه ابن حبيب (٦) عن مالك.
ووجه ذلك: أنّه يحْبِسُ نفسَهُ، ويقيم لهذا الوجه خاصّة، فإن أقام لغير ذلك، فلم يربط نفسه لمدافعة العدوِّ، وليس كذلك رباط الخيل، فإن جمهور النَّاس يستغني عن اتِّخاذِهَا، هذا الّذي ذكرهُ أصحابُنَا.
وعندي (٧): أنَّ مَنِ اختارَ المقام بالثَّغرِ للرِّباطِ خاصّة، ولولا ذلك لأَمْكَنَهُ المقام بغير ذلك من البلدان، له حكم الرَّباط.
стр. 2080
نكتةٌ (١):
إذا كان الثَّغرُ رباطًا لموضع الخوف، ثمّ ارتفع الخوفُ لقوَّة الإسلام، أو لبُعْدِ العدوِّ، فَحُكمُ الرِّباط يزولُ عنهم.
الفائدةُ السّادسة (٢):
قال علماؤنا (٣): وَرِبَاطُ الخيل والنَّفس من عُدَّةِ الجهد، ولا يبلغ درجة الجهاد (٤).
وقد سئل مالك: أيّما أحبُّ إليكَ الرِّباط أم الغارات في أرض العدوِّ؟ فقال: أمّا الغارات فلا أدري، كأنّه كرهها (٥)، وأمّا السَّير في أرض العدوِّ على الإصابة - يريد السُّنَّة- فذلك أحبُّ إلىَّ (٦).
وقد رُوِيَ عن ابن عمر أنّه قال: "فَرَضَ الله الْجِهَادَ لِسَفْكِ دِمَاءِ الُمُشْرِكينَ، والرِّبَاطَ لِحَقنِ دِمَاءِ المُسْلِمينَ، وحَقّنُ دِمَاءِ المسْلِمينَ أَحَبّ إِلَىَّ (٧) من سَفْكِ دِمَاءِ المُشرِكِينَ" (٨).
стр. 2081
الفائدةُ السَّابعة (١):
قوله (٢): "وَسُئِل رَسُولُ الله ﷺ عن الحُمُرِ" أي (٣): إنَّ كان حُكمُها حُكْم الخيل فيما ذكر من الرِّباط والأجر، فبيِّنَ ذلك رسول الله ﷺ أنّها لا تُتَّخَذُ غالبًا للجهاد ولا تُرْبَط فيه.
وقوله (٤): "لَمْ يُنْزَل عَلَىًّ فِيهَا شَىْءٌ"، أي: لم ينزل علىَّ فيها ما نزل في الخيل, لأنّها غير مشاركة لها في ذلك، ولكنّها داخلة تحت قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٥). والحُمُرُ وإن لم تبلغ مبلغ الخيل في الجهاد، فقد يحمل عليها رَحْلَه مَنْ لا يَقْدِر على الخيل، ويحمل عليها زادَهُ وسلاحه، وهذا يُستفادُ من عموم الآية، وهذا يدلُّ على وجوب التَّعلُّق بالعموم، فإنّه ﷺ تعلَّق بعموم الآية (٦)، واستفاد منه حُكمًا، وهذا يدلُّ على وجوب التّعلّق به لغةً وشرعًا.
الفائدةُ الثامنة (٧):
"الآيَةُ الجَامِعَةُ" يريد: العامَّة (٨).
وقوله: "الفَاذَّةُ" يريدُ: القليلة المثل في هذا الحُكْم، يقال: كلمة فاذّة وفَذَّة، أي شاذّة.
ويحتمل أنّ (٩) تكون نزلت وحدها ولم ينزل معها غيرها، والفاذّ هو الواحد الفرد، أعلم بما أراد نبيُّه ﵇.
стр. 2082
وقول عمر (١): "ولَنْ يَغلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ" قيل (٢): إنَّ وجه ذلك أنّه لمَّا عَرَّف العُسْر، اقتضَى استغراق الجنس، فكان العسر الأوّل هو الثّاني من قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥)﴾ الآية (٣). ولمّا كان اليسر مُنَكَّرًا، كان الأوّل منه غير الثّاني (٤)، وقد أدخل البخاريّ (٥) في تفسير ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ بأثر قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ كقوله: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ الآية (٦)، وهذا يقتضي أنّ اليسربن: الظَّفر بالمُرَاد والأَجْرِ، فالعُسْرُ لا يغيبُ هذين اليسرين؛ لأنّه لابدّ أنّ يحصل للمؤمن أحدهما، وهذا عندي وجهٌ ظاهرٌ.
فإن قيل: كيف يصحّ أنّ لا يغلب عسرٌ يسرين؟
قلنا: إنَّ ابن الخطّاب ﵁ تفقّه فيه، فلم يزل يقول: العسرُ الّذي ذُكِرَ في الثّاني هو العُسْر الأوّل، ألَّا ترى أنّه ذَكَرَهُ بالألف واللّام، وذُكر في الآخِر كذلك (٧).
حديث (٨):
وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَلَا أُخبرُكمْ بِخَيرِ النَّاسِ مَنْزِلًا؟ رَجُلٌ آخِذٌ بِعِنَانِ فرَسِهِ يُجَاهدُ في سَبِيلِ الله، أَلَا أُخْبرُكُم بخَيْرِ النَّاس مَنْنرلًا بَعْدَهُ؟ رَجُلٌ مُعْتزِلٌ في غُنَيمَةٍ، يُقِيمُ الصَّلاةَ، وُيؤتي الزَّكَاة، وَيَعْبُدُ الله، ؤلَا يُشْركُ به شَيئًا".
стр. 2083
الإسناد:
هذا حديثْ مُرْسَلٌ، ويُسْنَدُ من طُرُقٍ صحاح (١).
الفوائد المتعلقة بهذا الحديث:
الأولى:
قوله: "أَلَا أُخبرُكُم بِخَيرِ النَّاسِ": إنّما يكون خير النَّاس إذا كان ممّن يقيمُ الفرائضَ ويجتنب المحارِمَ* (٢).
قال القاضي: قوله: "رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ في غُنَيْمَةٍ": يريد به وقتَ الفتنة والكفر، فينبغي له الخروج والفرار بِدينِه.
وأمّا قولُه (٣) "رَجُلٌ آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ، يُجَاهِدُ في سَبِيلِ الله" فقال علماؤنا: فائدةُ الجهادِ: نيل الفضيلة، وتحصيل الغنيمة، وتحقيق الموعد.
أمّا نيل الفضيلة، فقد بدأ به مالك في أوّل الكتاب، وقد رُويَ عن النّبيّ ﷺ قيل له: يَا رَسُولُ الله، مَا بَالُ النَّاسِ يُفتَنُونَ في قُبُورِهِم إِلَّا الشُّهَدَاءَ؟ فَقَال:" كَفَى
стр. 2084
بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ فِتْنَةً" خَرَّجَهُ الشُّعَبِى (١)، وقال ﷺ :"مَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْن" (٢).
وقال: "قَفْلَةٌ كَغَزْوةٍ" فجعل أجرَ المجاهد في رُجوعه كأَجْرِه في مَسِيرِهِ. خرّجه أبو داود (٣).
وأمّا تحصيلُ الغَنِيمَة فهي خصيصةُ هذه الأُمَّة، وقال رسول الله ﷺ : "فُضِّلْتُ عَلَى النَّاسِ (٤) بِسِتَّ" وقال: "وَأُحِلّتْ لِي الغَنَائِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لأَحَدٍ قبلِي" (٥).
في الحديث الصّحيح: "ألإِبِلُ عِزَّ لأَهلِهَا، وَالغَنَمُ بَرَكةٌ، والخيلُ مَعْقُودٌ في نَوَاصِيهَا الخيرُ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ: الأَجْرُ وَالمَغْنَمُ" (٦).
وقال ﷺ :" جُعِلَ رِزْقِىٍ تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي" فلمّا كان أفضل الخّلْقِ، جعل الله رزقَه في أفضل وجوه الكَسْب. خَرَّجَهُ البخاريّ (٧).
стр. 2085
وأمّا تحقيق الموعد فقال ﷺ : "زُوِيت لِي الأَرْضُ، فَرَأَيتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا ... " الحديث (١)، ولا سبيلَ لعموم الملك إِلَّا طريقُ الجهاد.
وقال ﷺ : " لَا يَزَالُ أَهْلُ الغَرْبِ ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفهُم إِلَى أنّ تَقُومَ السَّاعةُ" (٢).
واختلفَ النّاسُ في هذا الحديث، فقال قومٌ: هم أهلُ المغربِ (٣).
وقال قوم؛ منهم عليّ بن المديني (٤): هم العرب (٥).
وقال قوم: هم المخصوصون بالجهاد، المثابرون عليه، الذين لا يَضَعُون أسلحتهم، فهم أبدًا في غَزوٍ وفي غَرْبٍ، وهي: الحِدَّة - خرّجه مسلم (٦) -، وهذا يكون بجَوْبِ
стр. 2086
القِفَارِ وخوض البحار، تحقيقًا للموعد الحَقَّ المذكور حين قال ﷺ : " ناسٌ من أُمَّتِي عُرضُوا عَلَىَّ، يَركبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْر الأَخضَرِ غُزَاةُ في سبِيلِ الله، مثلَ المُلوكِ على الأَسِرَّةِ" (١)، وهذا يدلُّ على تحقيق الموعد من وراءِ البحارِ، وقد عَلِمَ ﷺ بلوغ ذلك، ولذلك قال ﷺ في الحديث الصّحيح (٢):"لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْح، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنيَّةٌ" فإنّ الهجرة وإن كانت قد إنقطعت وذهبت، فإن الجهاد باقٍ خَلَفًا خَلَفا.
على أنّ الدّاودي (٣) قد رَوَى عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "لَا تَنقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنقَطِعَ التَّوْبَةُ، ولا تنقطعُ التّوبةُ حتّى تَطْلُعَ الشّمسُ من مَغرِبِها" ومعنى هذا: أنّ الهجرة كانت مُسْتَحَبَّة في صدر الإسلام، ثّمّ كانت واجبة على النّبيّ ﷺ لتتمكن الدَّوحة، وتَتّسعَ الدّارُ، وتنتشر المِلَّةُ، فلما فتح الله عليه مكّةَ، انقطع الوجوبُ وبَقِيَ الاستحبابُ (٤)، إِلَّا في مَوْطِنَيْن:
стр. 2087
أمّا أحدُهما: فهجرةُ المسلمِ من دار الحربِ إلى دار الإِسلامِ، وهذا فرضُ عين على من قدره.
والثّاني: هجرةُ الرَّجل مالَهُ وأهلَه للخروج إلى الغَزوِ عند إلاستنفار، لقوله ﷺ : "وإذا استُنفِرْتُمْ فَانْفِرُوا" (١)، "وإذا استُنصِرْتُمْ فَانْصُرُوا" (٢).
وفي غير هذين الموضعين تكون هذه الهجرةُ فرضّ كفاية.
ويتعلَّقُ بهذا قتال الخوارج والطّالبين مالًا ومُلْكًا, فإن قتلهم فرضٌ وقتالهم قُرْبَةٌ. وقوله (٣) في حديث عُبَادَة (٤): "أنّ لَا نُنَازَع إِلَّا مَنْ لَيسَ هُوَ من أَهْلِهِ" (٥) اختلف النَّاس في ذلك قديمًا وحديثًا:
стр. 2088
ففِرْقَةٌ تقول: إذا بُويعَ من يستحقّ الأمر لم يجز للنّاس أنّ يُنازِعوه، فإن كان مِمَّن لا يستحقّ لم يلزم النَّاس ذلك (١).
وقالت طائفةٌ (٢): إذا اشتدّت وطْأَتُه لم يجز الخروج عليه؛ لأنّه لا يُوصل إلى ذلك إِلَّا بأخذ الأموال بغير حقّها، دمان كان يُقْدَر على ذلك بغير ظلم جاز ذلك.
باب النّهي عن أنّ يسافرَ بالقرآن إلى أرض العَدَّو
روى ابن عمر (٣)؛ أَن النَّبِيَّ ﷺ نَهى أنّ يُسَافَرَ بالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ العَدُوَّ، قال مالك: مخافة أنّ يَنَالَهُ العَدُوُّ (٤).
الإسناد:
قال الإمام: الحديثُ صحيحٌ.
فيه أربع مسائل:
стр. 2089
المسألة الأولى (١):
نَهْيُهُ ﷺ أنّ يُسَافَرَ بالقرآن إلى أرضِ العدوِّ, فإنّه يريدُ بذلك المُصْحَف لَمَّا كان القرآن مكتوبًا فيه فسمّاه قُرءانًا (٢)، ولم يرد ما كان منه محفوظًا في الصَّدر؛ لأنّه لا خلاف أنّه يجوز لحافظ القرآن الغزو (٣)، وإنّما لهذا المعنى الّذي فسّره مالك "مَخافَةَ أنّ يَنَالَهُ العَدُوُّ" فيمسوه بأيديهم، لقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٤) وهو خبر البارئ سبحانه إذا أخبر عن شيءٍ فلا يصحّ أنّ يكون ذلك الشّيء بخلاف الخبر.
المسألة الثّانية (٥):
قوله: "لا يُسَافَرُ" والسّفر اسمَ واقعٌ على سَفَرِ الغزو وغيره.
وقال ابن سحنون: قلت لسحنون: أجاز بعض العراقيِّين الغزوَ بالمصاحِف إلى أرضٍ العَدُوِّ في الجيش الكبير؟ فقال: لا يجوز ذلك لنهيه ﷺ عن ذلك عامَّا، وقد يناله العدوِّ من جهة الغفلة (٦).
والدّليل على ما ذهب إليه سحنون: أنّه لا قوّة فيه على العدوِّ، وليس هو ممّا يستعان به على حَرْبِه، وقد يناله بشغل صاحبه عنه كما قال (٧)، وقد يناله بالغَلبَةِ أيضًا.
المسألة الثّالثة (٨):
ولو أنّ أحدًا من الكفّار رَغِبَ أنّ برسل إليه مصحف يتدبّره، لم يرسل إليه؛ لأنّه
стр. 2090
نجس خبيث، ولا يجوز له مسّ المصحف، ولا يجوز لأحدٍ أنّ يسلَّمه إليه، ذكره ابن الماجشون (١)، وكذلك لا يجوز له أنّ يعلّم أحدٌ من ذراريهم القرآن؛ لأنّ ذلك سبب لتمكينهم منه، ولا بأس أنّ يقرأهُ عليهم احتجاجًا به، ولا بأس أنّ يكتب إليهم بالآية ونحوها على سبيل الوعظ، كما كتب النّبيُّ ﷺ إلى ملك الرّوم هرقل، لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية (٢).
تأصيل:
اختلف علماؤنا في الدعوة قبل القتال، هل يُؤمَر بها على الإطلاق أم لا (٣)؟
وأحاديث الدّعوة قبل القتال كثيرة المساق، وعمدتها ثلاثة أحاديث (٤):
الحديث الأوّل: "حديث هرقل" قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ الآية (٥).
الثّاني: حديث معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن فقال "ادعهم إلى شهادة لا إله إِلَّا الله" (٦).
الثّالث: حديثُ بُرَيدَةَ: قال له رسول الله ﷺ : "ادعُهُم إلى ثلاثِ خِلَالٍ" (٧).
واختلف الفقهاء في ذلك:
فقال علماؤنا: الدّعوة للكفار شرط في القتال.
стр. 2091
وقال مالك مرَّة: يُدْعَون (١)، ومرّة: لا يُدْعَونَ.
وقال آخرون: لا يدعون (٢).
وقال آخرون: ذلك اختلاف من القول.
والّذي عندي أنّ النّبيّ ﷺ قد فرغ من الدّعوة لأنّه قد كتب إلى هرقل، وإلى النّجاشي، وكتب إلى القبائل، وبيّن الإسلام، ومهّد شرائعه في عشر سنين، فلم تبق في الأرض أُمَّة إِلَّا وقد بلغتها الدّعوة (٣)، وإنّما كانت الدّعوة في أوّل الإسلام، وأمّا من يعلم الدّعوة وبلغته، فلا يؤمر بالدّعوة فتسقط عنه، وإنّما يؤمر بها من لا يعلم بالدّعوة ولا بلغته.
باب النّهي عن قتل النّساء والولدان في الغزو
قال الإمام: الحديث صحيح.
الفقه في عشرين مسألة:
الأولى (٤):
قوله (٥):"نَهى الّذِينَ قَتَلُوا ابْنَ أَبِي الحُقَيْقِ عَنْ قَتْلِ النِسَاءِ وَالوِلدَانِ" يريد حين
стр. 2092
أنفذهم لقتله، فقَتَلَهُ عبد الله بن عتيك، ونهيُهُ هذا أصلٌ فى المنع من ذلك، وسَيَرِدُ مفَسَّرًا.
وقوله (١): "فَأَذْكُرُ نَهْيَ رَسُولِ الله ﷺ وسلم فَأكُفُّ عَنْهَا. وَلَوْلَا ذَلِكَ استَرَحْنَا مِنهَا". يعني امرأة ابن أبي الحقيق، وهذا يدلُّ على التّعلّق بالعموم؛ لأنّه أجرى نهي رسول الله ﷺ على عمومه فى سائر الحالات، ولم يَقصِرْه على القصد إلى ذلك دون حاجة إليه، والذي يظهر من مذهب مالك أنّه لا تقتل المرأة إذا جرى منها مثل هذا الإنذار بالصّياح (٢)، وقد قال سحنون: لا تقتل في الحراسة المرأة (٣).
ووجهه: أنّ الحراسة على الأمن، وليست من باب المدافعة، وهو ممّا يمكن النِّساء والصِّبيان فعله، كالنّظر والمراعاة. ولا يستباح قتل هذين الصِّنفين بما جرت العادة لهم بفعله، وانّما يستباح قتلهم بالقتال والمدافعة اللّتين ينفرد بهما الرِّجال غالبًا.
المسألة الثّانية (٤):
قوله (٥):"رَأَى في بَعْضِ مَغَازِيهِ امْرَأَةً مَقْتُولَةً، فَأنكَرَ ذَلِكَ" يحتمل أنّ يكون علم من حال المرأة أنّها لم تقاتل.
ويحتمل أنّ يكون حمل أمرها على المعهود من أمر النِّساء اللّاتي لا يقاتلن.
وقد رَوَى ربَاحُ بن الرّبيع قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في غزوةٍ، فرأى النَّاس مجتمعين على شيءٍ، فبعث رجلًا فقال: انظر على ما اجتمع هؤلاء؟ فجاء فقال: امراةٌ مقتولةٌ! فقال ﷺ : "ما كانت هذه لتُقاتِل"، قال: وعلى المقدّمة خالد بن الوليد، فبعث
стр. 2093
رجلًا فقال لخالد:"لا تقل امرأة ولا عَسيفًا" (١) فهذا يقتضي المنع من قتل النِّساء والصِّبيان لأنّهم لا يقاتلون (٢)، والله أعلمُ.
المسألة الثّالثة (٣):
قال علماؤنا: إنَّ قاتلت المرأةُ قُتِلَتْ، وكذلك إنَّ قاتل الصِّبيان والشّيوخ والرُّهبان قُوتِلوا (٤)؛ لأنّ العِلَّة موجودة فيهم.
وهذا إذا قاتلوا بالسّلاح، وأمّا إذا رموا بالحجارة فهل يستباح بذلك قتلهم أم لا؟
قال ابن حبيب: لا يستباح بذلك قتلهم (٥)، ورواه ابن نافع عن مالك (٦).
ووجه ذلك: أنّ مضرّتهم ضعيفة، فلا حاجة لنا إلى قتلهم ومنع الانتفاع بهم.
والصّحيح عندي: أنّهم يقتلون.
المسألة الرّابعة (٧):
فإذا قلنا: يجب مقاتلتهم (٨)، ولم يستطع إِلَّا بعد أسرهم، فهل يقتلون بعد الأسر أم
لا؟ قيل: يقتلون (٩). ولا يقتلون (١٠).
стр. 2094
ووجه القول الأوّل: أنّهم بالقتال قد استحقُّوا القتل، فلا يسقط ذلك عنهم بالأسر، كما لو قتلوا أحدًا (١).
ووجه القول الثّاني: أنّهم ممّن يقرّ على غير جِزْية: فلم يجز قتلهم بالأسر، كما لو لم يقاتلوا.
المسألة الخامسة (٢):
قوله (٣): "سَتَجدُ قوْمًا زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَّسُوا أَنْفُسهُم لله" يريد الرّهبان حبسوا أنفسهم عن النَّاس وأقبلوا على ما يَدَّعُونَ من العبادة (٤)، وكفوا عن معاونة أهل ملّتهم (٥) بحيث لا تعرف سلامتهم من معونتهم.
واختلف العلّماءُ في قتل الرّاهب: فرُويَ عن أبي بكر الصِّديق أنّه أمر بالوقوف عن قتلهم (٦).
وكان مالك (٧) واللّيث (٨) وأبو ثور (٩) لا يرون قتل الرّهبان.
وقال مالك: بترك لهم ما يصلحهم (١٠).
وقال اللَّيث: يترك لهم ما يعيشون به، ولا تؤخذ أموالهم فيموتون جوعًا.
стр. 2095
وقال مالك أيضًا: لا يقتل الرّاهب (١) ويترك له ما يعيش به (٢).
المسألة السّادسة:
وأمّا الزّمِنُ (٣) والمجنونُ والمريض والشّيخ (٤)، فقال علماؤنا بالنّهي عن قتلهم (٥)، وهو مذهب مالك (٦).
وقال الشّافعيّ: يقتلون للعلَّة الموجودة فيهم وهو الكفر، وهو في جملة من أمر الله بقتلهم من المشركين، غير خارجين من الجملة (٧).
نكتةٌ أصولية (٨):
اعلموا أنّ الجهادَ إنّما هو موضوعٌ لإعلاءِ كلمةِ الله، وكسبِ الحلال من مالِ الله، وقتال أعداء الله.
واختلف العلّماءُ في علَّة القتل، فمنهم من قال: عِلَّتُه الكفرُ. قال الله : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٩) أي: كفرٌ.
стр. 2096
وقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية (١)، فذكر الصِّفةَ في الحكم مُنَبِّهًا بها على التّعليل.
وقال أهل الكوفة: علّةُ القتل المحاربةُ. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ﴾ الآية (٢).
وهذا أصلٌ عظيم تُبْنَى عليه مسائلُ عظيمةٌ وفروعٌ جمّةٌ، ليس هذا موضع ذكرها لئلّا يطولُ النفس فيها في هذا القبس. وقد أوضحنا وبينّا واضح البرهان أنّ العلّة الكفر لا الحرابة.
المسألة السابعة (٣):
فهذا ثبت ما قلناه، فرجالُ المشركين على ضربين:
أحدُهما: مالا يُخاف منه مضرّة ولا معونة، كالشّيخ الفاني (٤) والرّاهب، وقد تقدَّم حُكمُه.
والثّاني: أنّ يكون ممّن تُخشَى مضرّته أو معونته، فهذا إذا أُسِرَ فالإمامُ فيه مُخَيَّرٌ بين خمسة أشياء (٥):
١ - إمّا أنّ يقتله.
٢ - أو يفادي به.
٣ - أو يمنّ عليه.
٤ - أو يسترقه.
٥ - أو يعقد له الذِّمَّة على أداء الجزية.
فأمّا الاسترتاق وعَقْدُ الذِّمَّةِ، فلا خلاف فى جوازهما.
стр. 2097
وأمّا القتل، فحكى ابنُ القصّار أنّه لا خلاف في جوازه (١).
وحكى عبد الوهّاب (٢) عن الحسن (٣) المنع من ذلك، وأنّه قال: أصنع بهما ما صنع رسول الله ﷺ بأسرى بدر يمنّ عليه أو يفاديه.
قال الإمام: والدّليلُ على جواز قَتلِهِ الأخبارُ الواردةُ عن رسول الله ﷺ بقتل عُقبة ابن أبي مُعَيط (٤) والنَّضْر بن الحارث من أسارى بدر (٥).
ومن جهة المعنى: أنّه ليس في الأمر حقن للدّم، وإنّما يُحْقَنُ الدَّم بعَقْد الأمان.
وأمّا المنّ والفداء، فإنّه جائز عند جمهور الفقهاء (٦)، وبه قال مالك (٧)، والشّافعيّ (٨).
وقال أبو حنيفة: لا يجوز المنّ ولا الفداء (٩).
والحجّة لمن قال أنّه يجوز، قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (١٠)
стр. 2098
المسألة الثامنة (١):
قوله (٢):" ولَا تَقطع شَجَرًا مُثمِرًا" وهذا على ضربين:
١ - أمّا ما كان من البلاد ممّا يرجى أنّ يظهر عليه المسلمونَ, فإنّه لا يقطع شجرُهُ ولا يُخرَبُ عامِرُهُ.
٢ - وما كان لا يرجى, فإنّه يخرّب عامرُه، ويقطع شجرُهُ؛ لأنّ في ذلك ضعفًا لهم. قال ابن حبيب: قال مالك (٣) وأصحابه (٤): إنّما نهى الصِّديق عن إخراب العامر من الشّام، فإنّه عَلِمَ أنّ مصيرَهَا إلى المسلمين، ومالا يُرْجى ظهورهم عليه فخرابُ ذلك ممّا ينبغي (٥).
والذي قاله ابن حبيب هو الصّحيح، وقد حَرَّق رسول الله ﷺ نخل بني النّضير (٦). وليس المقصود بالقطع والحرقِ المنفعة، وإنّما القصد غيظ الكفار وإخزاؤهم، فيكون ذلك من باب المنفعة على غلبته.
المسألة التّاسعة (٧):
قوله (٨):"وَلَا تَعْقِرَنَّ شَاةً، وَلَا بَعِيرًا، إلَّا لِمَأْكَلَةٍ" وهذا أيضًا على ضربين:
стр. 2099
أحدهما: أنّ يستطيع المسلمون أنّ يخرجوها ويتموّلوها فلا تعْقَر إِلَّا لحاجةٍ.
ويحتمل أنّ يريد بالعَقْر الذَّبح والنَّحر، فيقول: لا يسرع بذبحها ولا نحرها إِلَّا لحاجتهم إلى أكلها، فأمّا على وجه الفساد، أو على وجه التَّموُّل والإخراج للبيع إلى بلاد المسلمين فلا.
والضرب الثّاني: أنّ يعجز المسلمون عن إخراجها، فإنّها تقتل، وهو الّذي عَنَى مالك بقوله المرويّ عنه في "الموازية" قال: ولا بأس أنّ يعقر غنمهم وبقرهم (١).
وأمّا ابن وهب، فحَمَلَهُ على عمومه، فقال: لا يجوز قتل شيء من الحيوان إِلَّا لِمَأكَلَةٍ (٢).
المسألة العاشرة (٣):
وأمّا دوابّهم، فإنّها تُعقَر إذا عجزوا عن إخراجها, ولم يختلف في ذلك علماؤنا (٤) غير ابن وهب، وبه قال أبو حنيفة.
والشّافعيّ قال: لا يجوز عقرها (٥)، وبه قال ابن وهب من أصحابنا, ولكن تُخَلَّى.
ودَليلُنا: أنّ هذه الأموال باقية لهم، فجاز إتلافها عليهم كالزّروع القائمة والشّجر المثمر.
واختلف علماؤنا (٦) في صفة العقر:
فقال المصريّون: تُعَرْقَبُ وتُذْبَحُ (٧) أو يُجْهَز عليها.
стр. 2100
وقال المدنيُّون: يُجْهَز عليها، وكرهوا أنّ تُذبَح وتُعَرْقَب.
قال ابن حبيب: وبه أقول؛ لأنّ الذَّبح مُثلَةٌ والعَرْقَبةَ تعذيبٌ.
قال القاضي: وهذا الّذي قاله ابن حبيب ليس ببيِّنٍ؛ لأنّ الذَّبح لم يكره في الخيل لأنّه مُثلَةٌ، وإنّما كُرِهَ لأنّه ذريعة إلى إباحة أكلها، وقد كره مالك ذلك (١).
وقال أصحابنا: تُضْرَب عنقُه ويُبْقَرُ بَطنُه. فأمّا العَرْقَبَةُ فإنّها تعذيب على ما ذَكَرَهُ. والصّواب: الأجهاز عليه بوجه بمنع أكله عند من قال بذلك.
ووجه ما قال المصريّون: أنَه ربّما اضطرّ إليه أحدٌ من المسلمين، فيكون أَوْلى من الميِّتة، وكذلك ما وقف من خيل المسلمين ببلاد العَدْوِّ، حكمه عند مالك وأصحابه ما ذكرناه في خيل العدوِّ، وأمّا سائر الأموال ممّا ليس بحيوان، فإنْ عَجَزَ عنه أحرق، ولم يترك، طعامًا كان أو غيره (٢).
المسألة الحادية عشرة (٣):
"وَلَا تَحْرقَنَّ فَحْلًا، وَلَا تُغَرِّقَنَّهُ" (٤): يريد ذباب النّحل (٥).
واختلف قول مالك فيما لا يقدر على إخراجه من ذلك:
فّرَوَى ابنُ حبيب عنه: يُحرَّق وُيغَرِّق (٦)، ورَوَى عنه أنّه كره ذلك (٧).
ووجه الرِّواية الأولى: أنّه لا طريق إلى إتلافها إِلَّا بذلك، وإتلافُها مأمورٌ به, لأنّه ممَّا يقوى به العدوِّ.
ووجه الرِّواية الثَّانية: ما رُوِيَ عنه ﷺ أنّه قال" قَرصتْ نملةُ نبيًّا من الأنبياءِ، فأمرَ بقرية النَّمْلِ فاُحرِقَتْ، فأَوحَى الله تعالى إليه: أنّ قَرَصَتْكَ نملةُ واحدةٌ، أَحْرَقْتَ أُمَّةً منَ الأُمَمِ تُسَبَّحُ" (٨).
стр. 2101
وأمّا الشّافعيّ (١)، فاحتجّ بقوله: "مَنْ قتلَ عصفورًا فما فوقَها بغيرِ حَقِّها، فيسألُهُ الله عن قَتلِهَا"، قيل: يا رسولَ الله، وما حقُّها؟ قال: "يذبَحُها فيأكلُها, ولا يقطع رأسها فيَرْمِي به (٢).
المسألة الثّانية عشرة (٣):
قوله (٤):"وَلَا تَغلُلْ، وَلَا تَجْبُنْ" الغُلول أنّ يأخذ (٥) قبل القسمة، وسيأتي بيانه في باب الغُلول إنَّ شاء الله (٦).
وأمّا الجبن في قوله: "ولا تَجْبُنْ" يريد به الجزع والفرار عمّن لا يجوز الفرار عنه، وهو من الكبائر عند ابن القاسم (٧)، وأكثر أصحابنا.
وقال الحسن (٨): لم يكن الفرار من الزَّحْف كبيرة إِلَّا يوم بدر (٩).
ودليلنا: قولُ الله تعالى: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ الآية (١٠)، وقوله: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ الآية (١١).
стр. 2102
المسألة الثّالثة عشرة (١):
فإذا ثبت ذلك، فقد اخْتُلِفَ في المعنى المراعى في جواز الفرار، فالّذي عليه الجمهور (٢) من علمائنا: أنّه العدد، وبه قال ابنُ القاسم.
وروى ابن الماجشون عن مالك أنّه الجَلَدُ والسِّلاح والقُوّة (٣).
ووجه القول الأوّل: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الآية (٤).
ووجه (٥) القول الثّاني: قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الَاية (٦).
المسألة الرّابعة عشرة (٧):
" إذا بَعَث سَرِيَّةَ" (٨). السَّرِيَّةُ هي الّتي تدخل دار الحرب مستخفية، والجيش: هو الّذي يدخل معلنًا, وليس لعددها حدٌّ (٩)، وقد روي: "خيرُ السَّرايَا أربعُ مِئَةٍ، وخيرُ الجيوشِ أربعةُ آلافٍ، ولن يُغلَبُ اثنا عشرَ ألفًا من قِلَّةٍ" (١٠).
стр. 2103
المسألة الخامسة عشرة (١):
قوله: "وَلَا تَغْدِرُوا" هو ترك الوفاء للمشركين وغيرهم، ولا خلاف في المنع. وقد روى ابن عمر قال: سمعت النَّبيِّ ﷺ يقول: "لِكُل غَادِرٍ لِوَاءٌ يُتصَبُ لَهُ يوم القيامةِ بغَدْرَتهِ" (٢).
المسألة السّادسة عشرة (٣): في صفة التّأمين
والتّأمين عند علمائنا على ضربين:
أحدهما: أنّ يؤمّن العدوِّ بحيث القوّة للمسلمين، فهذا لا يجوز الغَدْر به، ولا خلافَ في ذلك.
والثّاني: أنّ يُؤَمَّنَهُم الأسير في أيديهم ابتداءً، أو يطلقونه من الثّقاف بشرط ذلك، وذلك يتناول أحد أمرين:
أحدهما: أنّ يُؤَمَّنَهُم على أنفسهم، وسيأتي بيانُه إنَّ شاء الله تعالى.
والثّاني: أنّ يؤمَّنَهُمْ من فراره وأخذ شيءٍ من أموالهم، فإن أَمّنَهُم من فِرَارِه لزم الوفاء به. قاله ابن القاسم (٤).
وقال الثّوريّ: إنَّ له أنّ يفرّ (٥).
ودليلُنا قولُه تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ الآية (٦)، ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (٧).
وهذا إنّما يلزمه الوفاء به إذا عاهدهم مختارًا، وأمّا إنْ أُكرِهَ عليه فلا يلزمه الوفاء (٨).
стр. 2104
المسألة السّابعة عشرة (١):
قوله: "ولا تمثِّلُوا" (٢) يريد العبث بقطع الأيدي والأرجل وفقء الأعين، وإنّما يُقْتَل من أسِرَ منهم بضرب الرِّقاب، وأمّا ما رُوِيَ عنه ﷺ في العُرَنِيِّينَ (٣)، فإنّه روى سليمان التَّيْمِىّ، عن أنس, أنّهم كانوا فعلوا بالرِّعاء مثل ذلك (٤)، ومثلُ هذا يجوز فيمن مَثَّلَ بمسلمٍ أنّ يُمَثَّل به.
المسألة الثّامنة عشرة (٥):
قال علماؤنا (٦): وهذا في قتلهم بعد إلاستيثاق منهم، فإمّا في دار الحرب فإنّه على ضَربين:
أحدهما: أنّ يضعف المشرك عن المحاربة ويستسلم، فهذا يجوز قتله بِالضّرب والطّعن، دون قصد التّمثيل والتّعذيب.
والثّاني: أنّ يكون مقاتلًا ومدافِعًا، فهذا يجوز أنّ يُتَوَصَّلَ إلى إذايته بما يمكن من تمثيل وغيره.
المسألة التّاسعة عشرة (٧):
كَان رَسُولُ الله ﷺ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةَ يَقُولُ: "اغزُوا بِاسْمِ الله ... " الحديث (٨). وقوله:
стр. 2105
"تُقَاتِلُونَ مَنْ كَفَرَ باللهِ" (١). دليل على أنّ العلَّة هي الكفر، وقد تقدّم بيانه إنَّ شاء الله (٢).
باب ما جاء في الوفاء بالأمان
مالِك (٣)، عَنْ رَجُلٍ (٤) من أَهلِ الْكُوفةِ, أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى عَامِلِ جَيشٍ، كَانَ بَعَثَهُ: إِنهُ بَلَغَني أَنَّ رِجَالًا مِنْكُم يطلُبُونَ الْعِلْجَ. حَتَّى إذا أَسْنَدَ في الجَبلِ وامتَتعَ. قالَ رَجُلٌ: مَطَرسْ (يَقُولُ لَا تخف) فَإذَا أدْرَكَهُ قَتَلَهُ.
الإسناد:
قال القاضي: هذا حديثٌ مُرْسَلٌ، ليس العمل على هذا الحديث عند مالك (٥).
العربيّة:
قوله: "مَطَرْسْ" (٦) كلمة فارسية، تقول الفُرس: مَطَرْسْ أي: لا تخف.
وقال غيره: في العِلْج الّذي أسْنَدَ في الجبل وبادَرَهُ المسلم بالأمان مَطَرْسْ. قال: هي كلمة "أمان"، عند أكثر الَألسن (٧)، وأكثر ما هي في لغة الفرس.