وأمّا الشّافعيّ (١)، فاحتجّ بقوله: "مَنْ قتلَ عصفورًا فما فوقَها بغيرِ حَقِّها، فيسألُهُ الله عن قَتلِهَا"، قيل: يا رسولَ الله، وما حقُّها؟ قال: "يذبَحُها فيأكلُها, ولا يقطع رأسها فيَرْمِي به (٢).
المسألة الثّانية عشرة (٣):
قوله (٤):"وَلَا تَغلُلْ، وَلَا تَجْبُنْ" الغُلول أنّ يأخذ (٥) قبل القسمة، وسيأتي بيانه في باب الغُلول إنَّ شاء الله (٦).
وأمّا الجبن في قوله: "ولا تَجْبُنْ" يريد به الجزع والفرار عمّن لا يجوز الفرار عنه، وهو من الكبائر عند ابن القاسم (٧)، وأكثر أصحابنا.
وقال الحسن (٨): لم يكن الفرار من الزَّحْف كبيرة إِلَّا يوم بدر (٩).
ودليلنا: قولُ الله تعالى: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ الآية (١٠)، وقوله: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ الآية (١١).
стр. 2102
المسألة الثّالثة عشرة (١):
فإذا ثبت ذلك، فقد اخْتُلِفَ في المعنى المراعى في جواز الفرار، فالّذي عليه الجمهور (٢) من علمائنا: أنّه العدد، وبه قال ابنُ القاسم.
وروى ابن الماجشون عن مالك أنّه الجَلَدُ والسِّلاح والقُوّة (٣).
ووجه القول الأوّل: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الآية (٤).
ووجه (٥) القول الثّاني: قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الَاية (٦).
المسألة الرّابعة عشرة (٧):
" إذا بَعَث سَرِيَّةَ" (٨). السَّرِيَّةُ هي الّتي تدخل دار الحرب مستخفية، والجيش: هو الّذي يدخل معلنًا, وليس لعددها حدٌّ (٩)، وقد روي: "خيرُ السَّرايَا أربعُ مِئَةٍ، وخيرُ الجيوشِ أربعةُ آلافٍ، ولن يُغلَبُ اثنا عشرَ ألفًا من قِلَّةٍ" (١٠).
стр. 2103
المسألة الخامسة عشرة (١):
قوله: "وَلَا تَغْدِرُوا" هو ترك الوفاء للمشركين وغيرهم، ولا خلاف في المنع. وقد روى ابن عمر قال: سمعت النَّبيِّ ﷺ يقول: "لِكُل غَادِرٍ لِوَاءٌ يُتصَبُ لَهُ يوم القيامةِ بغَدْرَتهِ" (٢).
المسألة السّادسة عشرة (٣): في صفة التّأمين
والتّأمين عند علمائنا على ضربين:
أحدهما: أنّ يؤمّن العدوِّ بحيث القوّة للمسلمين، فهذا لا يجوز الغَدْر به، ولا خلافَ في ذلك.
والثّاني: أنّ يُؤَمَّنَهُم الأسير في أيديهم ابتداءً، أو يطلقونه من الثّقاف بشرط ذلك، وذلك يتناول أحد أمرين:
أحدهما: أنّ يُؤَمَّنَهُم على أنفسهم، وسيأتي بيانُه إنَّ شاء الله تعالى.
والثّاني: أنّ يؤمَّنَهُمْ من فراره وأخذ شيءٍ من أموالهم، فإن أَمّنَهُم من فِرَارِه لزم الوفاء به. قاله ابن القاسم (٤).
وقال الثّوريّ: إنَّ له أنّ يفرّ (٥).
ودليلُنا قولُه تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ الآية (٦)، ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (٧).
وهذا إنّما يلزمه الوفاء به إذا عاهدهم مختارًا، وأمّا إنْ أُكرِهَ عليه فلا يلزمه الوفاء (٨).
стр. 2104
المسألة السّابعة عشرة (١):
قوله: "ولا تمثِّلُوا" (٢) يريد العبث بقطع الأيدي والأرجل وفقء الأعين، وإنّما يُقْتَل من أسِرَ منهم بضرب الرِّقاب، وأمّا ما رُوِيَ عنه ﷺ في العُرَنِيِّينَ (٣)، فإنّه روى سليمان التَّيْمِىّ، عن أنس, أنّهم كانوا فعلوا بالرِّعاء مثل ذلك (٤)، ومثلُ هذا يجوز فيمن مَثَّلَ بمسلمٍ أنّ يُمَثَّل به.
المسألة الثّامنة عشرة (٥):
قال علماؤنا (٦): وهذا في قتلهم بعد إلاستيثاق منهم، فإمّا في دار الحرب فإنّه على ضَربين:
أحدهما: أنّ يضعف المشرك عن المحاربة ويستسلم، فهذا يجوز قتله بِالضّرب والطّعن، دون قصد التّمثيل والتّعذيب.
والثّاني: أنّ يكون مقاتلًا ومدافِعًا، فهذا يجوز أنّ يُتَوَصَّلَ إلى إذايته بما يمكن من تمثيل وغيره.
المسألة التّاسعة عشرة (٧):
كَان رَسُولُ الله ﷺ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةَ يَقُولُ: "اغزُوا بِاسْمِ الله ... " الحديث (٨). وقوله:
стр. 2105
"تُقَاتِلُونَ مَنْ كَفَرَ باللهِ" (١). دليل على أنّ العلَّة هي الكفر، وقد تقدّم بيانه إنَّ شاء الله (٢).
باب ما جاء في الوفاء بالأمان
مالِك (٣)، عَنْ رَجُلٍ (٤) من أَهلِ الْكُوفةِ, أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى عَامِلِ جَيشٍ، كَانَ بَعَثَهُ: إِنهُ بَلَغَني أَنَّ رِجَالًا مِنْكُم يطلُبُونَ الْعِلْجَ. حَتَّى إذا أَسْنَدَ في الجَبلِ وامتَتعَ. قالَ رَجُلٌ: مَطَرسْ (يَقُولُ لَا تخف) فَإذَا أدْرَكَهُ قَتَلَهُ.
الإسناد:
قال القاضي: هذا حديثٌ مُرْسَلٌ، ليس العمل على هذا الحديث عند مالك (٥).
العربيّة:
قوله: "مَطَرْسْ" (٦) كلمة فارسية، تقول الفُرس: مَطَرْسْ أي: لا تخف.
وقال غيره: في العِلْج الّذي أسْنَدَ في الجبل وبادَرَهُ المسلم بالأمان مَطَرْسْ. قال: هي كلمة "أمان"، عند أكثر الَألسن (٧)، وأكثر ما هي في لغة الفرس.
стр. 2106
فنزل إليهم فقتلوه، فقال عمر (١): "وَالذي نفسي بِيَدِهِ لا يفعلُ ذلك أحد إِلَّا ضربتُ عُنُقهُ" (٢).
قال مالك (٣): "ليسَ العملُ على هذا الحديث" يعني: على ضرب العنق, فإنّه لا أقلّ من أنّ يكون معاهدًا ,ولو قتله لم يقتل عليه (٤).
الفقه في مسائل:
المسألة الأولى في صفة التّأمين، والثّانية في وقته، والثالثة في وصف المؤمّن،
والرّابعة فيما ثبت به التّأمين، والخامسة في مقتضاه.
المسألة الأولى: في صفة التّأمين (٥)
فإنّه لازم بكلِّ لسانٍ فهمه المؤمّن أو لم يفهمه، والاعتبار فيه بإحدى الجنبتين، فإذا أراد المؤمّن التّأمين ولم يفهمه الحربيّ فقد لزمه الأمان، وكذلك إن أراد المؤمّن منع الأمان فظنَّ الحربيّ أنّه أراد التّأمين، فقد لزم من الأمان أنّ لا يقتله بذلك الاستسلام، وحكم الإشارة في ذلك حكم العبارة والكنابة؛ لأنّ التّأمين إنَّما هو معنى في النّفس، فيظهره تارة بالنُّطق، وتارة بالكناية، وتارة بالإشارة، فكلُّ ما يتبين به التَّأمين فإنَّه يلزم كالكلام (٦).
قال القاضي ﵁: أمّا الإشارةُ بالأمان، فلا خلاف أعْلَمُه فيها (٧)، وهي ماضيةٌ إذا كانث معهودة بينهما، فالإشارةُ تقوم مقامَ الكلام في كلِّ مَوْطِنٍ.
стр. 2107
تركيب:
قال القاضي -رضي الله-: ونزلت بدِمَشْقَ نازلةٌ (١)، وهي أنّ رجلًا أبْكَمَ كان يصلِّي، فكلمَّه رجلٌ، فأشار إليه الأبكم بجوابه، فاختلف النَّاسُ: هل تبطُلُ صلاةُ الأبكم بتلك الإشارة، أم لا تبطُلُ؟
قال شيخنا أبو الفتح (٢): لا تبطُلُ؛ لأنّ الإشارة في الصّلاة لا تُبطلُها إجماعًا.
وقال الطّوسي (٣): تبطُلُ صلاتُه؛ لأنّ إشارتَه في الصّلاة كلامُه، فالإشارةُ منه كالكلام، والكلامُ محرّمٌ على الأبكم في الصّلاة.
المسألة الثّانية (٤): فى وقت التّأمين
قال علماؤنا: التّأمين لازم مالم يكن الحربيّ مأسورًا، أو في حُكم المأسور ممّن تيقّنت غَلَبته، وأمّا المأسور فإمره إلى الإمام، ليس إلى غيره الافتيات عليه فيه، كما أنّه ليس لغير الإمام استرقاقه، ولا عَقْد الذِّمّة له، كذلك ليس له تأمينه والمنّ عليه (٥)، فإن الإمام فيه مُخيَّرٌ بين خمسة أشياءَ: القتلُ، والمنُّ، والفِداءُ، والرِّقّ، والجِزيةُ.
وقال الشّافعيّ (٦): يجوز، لقوله ﷺ : "المؤمنون يدٌ واحدةٌ على من سِوَاهُم، ويسعَى بِذِمَّتِهِنم أذناهُمْ" (٧)، فقال: هذا دليل على أنّ المسلمين كلهم يُجيرُونَ، وإنّما الخلاف في إجارة العبد والمرأة والصَّبِىِّ.
والدليل على أنّ خطاب النِّساء لا يدخل في خطاب الرِّجال، قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية (٨)، فلو دخل خطاب النّساء في خطاب الرجال لما ذكر في هذه المسألة النِّساء بذكر ثانٍ.
стр. 2108
تركيب (١):
ولو أشرف المسلمون على أخذ حِصْنٍ وتيقّن أخذه، فأمَّنَ أهله رجل من المسلمين، كان للإمام ردّ تأمينه، قاله سحنون (٢)؛ لأنّه حق المسلمين قد تعلَّق بهم، فليس لهذا المؤمّن إبطاله، ولو تقدّم الإمام بمنع النَّاس (٣)، ثمّ تعدَّى بعد ذلك رجلٌ من المسلمين فأمّن أحدًا، ردّ الإمام تأمينه، وردّ الحربيّ إلى ما كان عليه قبل الأمان.
المسألة الثّالثة (٤): فى صفة المؤمّن
فالمؤمّن على ضربين: آمنٌ، وخائف.
فأمّا "الآمن" فهذا اجتمعت فيه صفات الأمان وهي خمسة: الذُّكوريَّة، والحُرَّيَّة، والبلوغ، والعقل، والإِسلام، جاز تأمينُه عند مالك.
وقال ابن الماجشُون: لا يلزم تأمين غير الإمام، فإن أمَّن غيره، فالإمام بالخيار بين أنّ يمضيَهُ أو يردَّهُ (٥).
والأصل فيما ذهب إليه مالك قوله ﷺ : "في ذِمَّةُ المُسلِمينَ وَاحِدةٌ، يَسعَى بِهَا أَدْنَاهُم، فمن أَخفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيهِ لَعنةُ الله وَالمَلاَئكَة وَالنَّاس أَجمَعَين، لا يُقْبَلُ منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌ" (٦).
ومن جهة القياس: أنّ هذا مسلمٌ يعقل الأمان، فجاز أَمَانُهُ كالإمام.
أمّا "الأنوثة" فلا تمنع صحَّة الأمان (٧).
وأمّا "الحرية"، فقد اختلف أصحابنا في مراعاتها فقال ابن القصّار: لم أجد فيها نصًّا لمالك (٨)، ولكنّهم يحكمون بلزوم أمان العبد، ونراه قياس قول مالك.
стр. 2109
وقد نصّ على لزومه ابن القاسم (١). وذَكَرَ عبد الوهّاب أنّه مذهب مالك (٢)، وبه قال الشّافعيّ (٣).
وخرَّجَ ابن أبي زيد في "نوادره" (٤) رواية مَعن عن مالك أنّه قال: لا يصحّ أمان، وما سمعت فيه شيئًا (٥).
وقال سحنون إذا أَذِنَ له سيِّده في القتال جاز أمانه (٦)، وبه قال أبو حنيفة (٧).
ووجه ذلك قوله: "يسْعَى بِهَا أَذنَاهُمْ" والعبد من أدنى المسلمين.
ووجه رواية مَعْنٍ: أنّهُ محجور عليه، فلم يجز تأمينه، كالطِّفل والذي لا يعقل.
وأمّا"البلوغ" فاختلف أصحابنا فيه:
فقال ابن القاسم: يجوز تأمين الصَّبىِّ إذا عقل الأمان (٨).
стр. 2110
وقال سحنون: إنَّ أجازه الإمام في المقاتلة جاز تامينه، وإلّا فلا أمانَ له (١).
وأمّا الشّافعيّ: فإنّه لا يجيز أمانه (٢).
ووجه قول ابن القاسم: أنّ هذا مسلمٌ يعقل الأمان، فجاز تأمينه كالبالغ.
وأمّا "العقل" فلا خلاف في اعتباره في لزوم الأمان؛ لأنّ من لا يعقل لا يعتبر تأمينه (٣).
وأمّا "الإسلام " فالظاهر من المذهب الاعتبار به، وبه قال أبو حنيفة (٤) والشّافعيّ (٥).
والأصل في ذلك قوله ﷺ : "المؤمنونَ تتكافؤُ دماؤُهُم، وَيَسْعى بِذِمَّتِهِم أدناهُم، وهم يد على من سِوَاهم"، (٦) فخص بذلك المسلمين.
المسألة الرّابعة (٧): فيما يثبتُ به الأمان
وقد اختلف أصحابنا في ذلك:
فقال سحنون: لا يثبت إِلَّا بقول شاهدين، وأئا بقول المُؤَمِّن فلا يثبت به. وقال ابن القاسم: يثبت بقول المُؤَمِّن، وبه قال الأوزاعي وأصبغ وابن الموّاز (٨).
стр. 2111
ووجه ما قاله سحنون: أنّ التّأمين فعل المؤمّن، وإلزام سائر المؤمنين تأمينه لا يثبت بقوله، وإنّما يثبت بشهادة غيره.
ووجه الثّاني: أنّ هذا شخصٌ يَصِحُّ أمَانُه، فوجب أنّ يُقْبَلَ قولُه كالإمام.
المسألة الخامسة (١): في مقتضى التّأمين
فإنّه على ضربين:
أحدهما: التّأمين المطلق الذي لا مخافة بعده أنّ لا يحدث.
والثّاني: تأمين مترقَّب.
فأمّا الأوّل: فمثل أنّ يؤمّن الإمام الرَّجل والجماعة تأمينًا مطلقًا، فهذا يقتضي كونه تأمينًا من القتل والاسترقاق، فإن أراد البقاء في بلاد المسلمين على أداء الجزية، كان له ذلك، وان أراد الرجوع إلى حيث شاء من بلاد الرُّوم، فهو آمن حتّى يبلغ موضع امتناعه من بلاد الحرب، وهذا حكم من أمّنه المسلم الجائز الأمان.
وأمّا التّأمين المترقب: فهو أنّ ينظر فيه الإمام، فإن رآه صوابّا أمضاه وإلَّا ردّه، وهذا مذهب مالك وابن الماجشون (٢).
وقال سحنون: إنَّ التّأمين أنّ لا يكون لأحدٍ من الجيش قتل المؤمَّن، وينظر الإمام في حاله (٣)، وهو الصّواب (٤) إنَّ شاء الله.
стр. 2112
باب العمل فيمن أعطى شيئًا في سبيل الله
الفقه في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى (١):
قوله (٢): "إذا بَلَغت وَادِىَ الْقُرَى": يريد أنّ هذا نهاية في سَفَره، ومقتضى غَزّوِه في رجوعه غازيًا من الشّام.
وقوله: "وَشَأْنُك بِهِ": يريد هُوَ لك (٣).
وفي هذه المسألة قسمان:
أحدهما: في حكم محلِّ العطيّة.
والثّاني: حكم العطيّة.
١ - أمّا حكم محلَّها فعلى ضربين:
أحدهما: الإطلاق.
والثانى: التّعيين.
فأمّا "الإطلاق" فهو أنّ يقول: مالي في سبيل الله، فإنّ مصرفه إلى الغزاة ومن في موضع الجهاد؛ لأنّ إطلاق هذه اللّفظة وظاهرها يقتضي الجهاد، فإن كان في موضع لا جهاد فيه ولا غزو، فلا يعطى منه حاج ولا غيره، قاله مالك (٤).
стр. 2113
وقال ابن القاسم وسحنون: يعطى منه النّساء والصَّبيان، والأعمى والمُقعَد (١).
وقال سحنون (٢): لا يُعْطَى منه من تعطّل عن العمل كالمفلوج والأعمى، ويُعْطَى منه المريض (٣).
وَوَجْهُ الأوَّلِ: أنّ هؤلاء من عُمَّارِ الثُّغور، وفي بقائهم هناك تكثيرٌ للعَدَدِ وقوَّةٌ لأهل الحرب.
٢ - الثّانية: وأمّا حكم العطيّة فإنَّه على ضربين:
أحدهما: أنّ يجعل العطيّة في السبيل خاصّة، فهذا. ليس لمن أُعْطِيَها تَموُّلُها, ولا إنفاقها في غير سبيل الله؛ لأنّه عدول بالعطيّة عن وجوهها.
فرع (٤):
وهل له أنّ يأكل منها في قُفوله أم لا؟
فقال ابن حبيب: ينفق منها في القُفول (٥).
وقال مالك: لا ينفق منها في القفول (٦).
ووجه ما قاله ابن حبيب: أنَّ القُفولَ من الغزوِ، فكان له أنّ ينفق فيه منه كالمسير
стр. 2114
إلى بلد العدوِّ.
ووجه ما قاله مالك: أنّ من أخرج شيئًا في سبيل الله، فقد عيَّنَةُ للغزو والعون عليه، وليس القُفول منه بسبيل، فمن فَضَلَ له منه شيء بعد ذهابه على قول مالك، أو بعد قُفوله على قول ابن حبيب، فهو مخيَّرٌ بين أنّ يردّه إلى من أعطاه إيَّاه، أو يعطيَهُ في سبيل الله.
وأمّا الضّرب الثّاني: أنّ يتعيَّنَ على المكلَّفِ الجهاد، وهو يتعيَّنُ من وجهين:
أحدهما: أنّ يوجب ذلك على نفسه بنذر أو قسم.
والثّاني: أنّ يتعيّن عليه بأصل الشّرع لِقُوَّةِ العدُّوِّ وضعف المسلمين عنه (١)، فإنّه يتعيّن عليه وجوبه، وعصيان أبويه في ذلك.
باب جامع النّفل في الغزو
الفقه في مسألتين:
المسألة الأولى (٢):
قوله (٣): "وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا" يريد أُعْطُوْا زائدًا على ما وجب لهم، وهذا يقتضي أنّ النّفْلَ من الخُمْسِ، وذلك أنّه سَوَّى بينهم في النَّفل فنُفّلُوا بَعِيرًا بعيرًا، فلو كان النَّفل من الأربعة الأخماس الّتي لهم، لما كان في ذلك فائدة؛ لأنّ ذلك كان يكون حالهم لو لم ينفلوا، وهذا مذهبُ مالكٍ (٤)، أنَّ النّفلَ لا يكون إِلَّا من الخُمْسِ، وبه قال
стр. 2115
الشّافعيّ (١) وأبو حنيفة (٢).
المسألة الثّانية (٣):
قوله (٤):" وَكَانَ النَّاسُ ... إِذَا اقتَسَمُوأ غَنَائِمَهُمْ" يريد: الصَّحابة.
وفي هذا خمسة فصول: الأوّل في موضع قسمة الغنيمة، والثّاني في بيان قسمتها، والثّالث فيما يقسم منها، والرّابع فيمن يسهم له منها، والخامس في صفة قسمتها.
فأمَّا الفصل الأوّل: في موضع قسمتها
وهو من بلد الحرب بحيث لا يمنع من ذلك مخافة أو عدم قُوتٍ يحتاج إليه، لأمن المقام بسبب التّقاسم (٥)، وبه قال الشّافعيّ (٦).
وقال أبو حنيفة (٧): يقسم في بلاد المسلمين، إِلَّا أنّ يحتاج الجيش إلى ثيابِ وما أشبه ذلك، فيقسم ذلك بينهم، ويبقى الباقي يقسّمُ في بلاد المسلمين.
فرع:
وهذا إذا كان الغانم جيشًا، فإن كان سريّة من الجيش، فلا يقسم حتّى يعود إلى الجيش، قاله محمّد (٨)، وذكر أنّه قول أصحابنا، إِلَّا قول ابن الماجشون فإنّه قال: إِلَّا أنّ يخثمى من ذلك في السَّرِيَّة مضرَّةٌ من تضييع المبادرة وطرح أثقالٍ وقلَّةِ طاعةِ وَالي
стр. 2116
السًرِيَّةِ، فتباعُ الغنيمةُ، ويلزم كلِّ مبتاعٍ حفظُ ما ابتاعه، ويلزم البيع على من غاب من أهل الجيش.
ووجه ما قاله محمّد: أنّ الغنيمة لا تصحُّ قسمتها إِلَّا بعد الرّجوع إلى الجيش ويلزمهم حكم أميرهم.
الفصل الثّاني في بيان ما يقسم من الغنيمة وتمييزه
فالأصلُ فى ذلك: أنّ ما كان منها مباحَّا لكلِّ واحدٍ من الجيش أخذه من بلاد العدوِّ والاستبداد به، فإنّه على ضربين:
أحدهما: أنّ يكون مملوكًا في الأصل، ولكنّه مباحُ الانتفاع به للغذاء والقوّة، وسيأتي بيانه إنَّ شاء الله.
والثّاني: ما كان على حكم الأصل لم يملك بَعْدُ، وهو ينقسم قسمين:
أحدهما: مالًا يترك أكثره ويتموّل جميعُ ما يؤخَذ منه لنفاسته، كالجوهر والياقوت والعَنْبر، فإن هذا قياسُه على مذهب أصحابنا أنّه في كلِّه، لما ذكرناه كالنِّساء والصِّبيان.
والقسم الثّاني: أنّه يؤخذ من الجيش بعضُه وُيترَك أكثرُهُ، كالصّيد والخشب والحجارة، فإنّه يؤخذ منها ما يحتاج إليه من سرج أو رُخامة، وأمّا ما كان منه له قيمة بأرض العدوِّ ويخفّ حمله، كالبازي والصّقر، فالّذي عليه الجمهور أنّه يكون فَيئًا، وحكاه ابن حبيب عن مالك (١).
ووجه ذلك: أنّ له قيمة كثيرة بموضع الاستيلاء عليه، فوجب أنّ يكون فَيئًا كسائر ما يقسم.
стр. 2117
وأمَّا مالم تكن له قيمة إِلَّا بشيءً يسير، فاختلف فيه أيضًا.
وأمّا ما كان مملوكًا في الأصل، فَليس لأحد أخذه من أهل الجيش والاستبداد به، كالرّقيق والمتاع (١)، فهذا (٢) هو الّذي أطلق عليه العلّماءُ أجمع المنعَ له.
الفصل الثّالث في بيان من له حقِّ فيه
وهي من تثبت فيه صفاتُ الكمالِ وهي ستّ: العقلُ، والإِسلامُ والبلوغُ والذُّكرريةُ، والحريةُ، والصَّحَّةُ.
فأمّا "العقل" فإن كان معه منه ما يمكنه به القتال أُسْهِمَ له؛ لأنّ المقصود في الجهاد يصحُّ منه، فإن كان مُطبَقًا (٣) لا يتأتّى منه القتال لم يسهم له.
وأمّا "الإسلام" فهو شرطٌ في استحقاق السَّهم؛ لأنّ من ليس بمسلم لا يقاتل جهادًا؛ لأنّ معنى الجهاد أنّ يقاتل النَّاس حتّى يقولوا لا إله إِلَّا الله، والمشرك لا يقاتل لذلك، وأنَّه ممّن يمنع الاستعانة به في الحرب، وإنِ اسْتُعينَ به في الصَّنائع والخدمة.
والأصل في ذلك: ما رُوِيَ عن عائشة ﵂، أنّ النّبىِّ ﷺ خرج في غزوة غزاها، حتّى إذا كان بكذا وكذا (٤)، لحقه رجلٌ من المشركين كان شديدًا من أولي النّجدة، قال يا رسول الله: جئت لأكون معك وأصيب، قال: "إنّا لا نستعين بمشرك" قال ذلك ثلاث مرَّات، فأسلم في الرّابعة فانطلق معه (٥)، فهذا كان الأمر على ذلك فلا يسهم له.
أمّا"البلوغ" فهل يكون شرطًا في استحقاق الغنيمة أم لا؟ فقال مالك (٦): لا شرطًا في ذلك، ويسهم للمراهق إذا أطاق القتال.
стр. 2118
وقال أبو حنيفة (١) والشّافعيّ (٢): لا يسهم إِلَّا لبالغ.
وقال ابن حبيب: إذا بلغ خمس عشرة سنة وأطاق القتال، أسهم له إذا حضر القتال, فإنّه يسهم له كالبالغ (٣).
ووجه ما ذهب إليه مالك: أنّه حرٌّ مسلم وُجدَ منه القتال، فوجبَ السَّهْمُ له كالبالغِ.
وأمّا "الذُّكررية" فإنّها شرطٌ في استحقاقِ السّهم عند جمهور العلماء، ولا يُسهم لامرأةٍ قاتلت أو لم تقاتل.
وقال ابن حبيب: من قاتل منهنّ كمثل الرِّجال يُسْهَم لها (٤).
أمّا "الحُرِيّة" فهي شرطٌ في استحقاق الغَنِيمةِ، فلا يُسهم لعبدٍ؛ لأنّ منافعَهُ مستحقَّةٌ لغيره, ولأنّه من جملة الأموال الّتي يُقاتَل عنها (٥)، فلا يستحقّ شيئًا بقتال ولا غيره (٦).
وأمّا "الصِّحَّة" فإن كان مَعْنًى يمنعُ القُدْرةَ على القتال فى الحال والمآل, فإنّه يمنعُ استحقاقَ السّهم، وما لم يمنع من ذلك فيسهم له؛ لأنّ دليلنا أنّ السّهم إنّما يستحقّ بالإعداد للقتال.
стр. 2119
الفصل الرّابع في بيان من له حقّ فيه، وقد تقدّم
الفصل الخامس في بيان قسمة الغنيمة
قال محمّد بن الموّاز: أرى أنّ الإمامَ الأفضل له أنّ يقسم الغنيمة على خمسة أقسام بالسّوية، بأن يجعلها خمسة أنصباء، في كلِّ سهم وصِيفٌ، وكذلك النِّساء والصِّبيان (١)، ويكتب في جملتها الخُمُسُ لله أو للرسول (٢).
وذكر ابن سحنون عن أبيه: أنّه يبع الإمام ثمّ يقسم الشيء، فإن لم يجد من يشتريه قسم العروضَ خمسة أقسام بالقُرْعَةِ (٣).
والأظهر عندي من فعل النَّبيِّ ﷺ قسمه ذلك دون بيع، وعلى ذلك وَرَدَ حديث ابن عبّاس (٤) وابن عمر (٥).
ومن جهة المعنى: أنّ حقّهم متعلِّق بالعين، فليس له أنّ يبع عليهم إلّا لحاجةٍ داعيةٍ إلى ذلك إن شاء الله تعالى.
وفي هذا الحديث ثلاث فوائد:
стр. 2120
الفائدةُ الأولى (١):
في هذا الحديث دليل أنّ النّفل والسّلب لا يكونان إِلَّا من الخمس.
والثّانية (٢):
وفيه أنّ الغنيمة تقسم في بلاد الحرب.
الثّالثة (٣): أنّ خُمُسَ الغنيمة يُسلّم إلى اجتهاد الإمام، فإن رأى أنّ ينفل ذلك إلى أصحاب السَّرِيَّة أو لغيرهم فَعَلَ.
والسَّرِيَّة هي الّتي تخرج بليل (٤)، وهو مأخوذ من السُّرى وهو سير اللّيل، وذلك مثل قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ (٥).
باب ما يجوز للمسلمين أكله قبل الخمُس
الفقه في أربعة مسائل:
المسألة الأولى (٦):
قوله (٧):"لَا أَرَى بَأسًا أنّ يَأْكُلَ المُسْلِمُونَ إِذَا دَخَلُوا أَرْضَ الْعَدُوِّ من طَعَامِهِمْ" هذا كما قال، وقد تقدّم من قولنا أنّ ما ينتفع به في أرض العدوِّ على ضربين:
١ - مباح غير مملوك، وقد تقدّم القول فيه.
٢ - والثّاني: أصلُه الملك، ولكنّه أبيح الانتفاع به، وذلك كلّ مطعوم وجده
стр. 2121
المسلمون في بلاد الرّوم، فلمن وجده أكله في دار الحرب، ويعلفه دوابه، ولا يحتاج في استباحته إلى قسم ولا إذن الإمام.
المسألة الثّانية (١):
وأمّا الحيوانُ المباحُ أكلُهُ كالبقرِ والغنم، فإنّها كالطعام عند مالكٍ (٢).
وقال الشّافعيّ: لا يُذبَحُ شيءٌ من ذلك إِلَّا لضرورة إذا عدموا الطّعام (٣).
ودليلنا: أنّ الحاجة إليه والاقتيات به أشدَّ من الحاجة إلى العسل والعنب، فإذا جاز أكل العسل والعنب، فَبأَن يجوز الاقتيات بلحوم البقر والغنم والإبل أولى.
المسألة الثّالثة (٤):
قوله (٥): "وَلَا أَرَى أنّ يَدَّخِرّ مِنْ ذلِكَ شَيْئًا حَتَى يَرْجعَ بِهِ إِلَى أَهْلِهِ" يريد ماله بال، وإنّما له أنّ يأكل منه حتّى ينصرف، فإن فضل شيءٌ تصدَّق به، إِلَّا أنّ يكون التّافه كالقديد والكعك ممّا يقلّ ثمنه.
وأمّا ما أُخِذَ من ذلك للقوَّة والاستعداد، كالفرس والسلاح والثوب ينتفع به حتّى ينقضي غزوه، فهذا اختلف أصحابنا فيه:
فقال ابن القاسم (٦): له أنّ يأخذ من ذلك ما احتاج إليه بغير إذن الإمام، وينتفع به حتّى ينقضي غزوه.
وروى عليّ (٧) وابنُ وهب: ليس له أن يأخذ من ذلك شيئًا (٨).
стр. 2122
ووجه القول الأوّل: أنّ هذا ممّا تدعو الحاجةُ إليه، فجاز أنّ ينتفع به من أَخَذه دون قِسْمَة كالطّعام.
ووجه القول الثّاني: أنّ هذا ممّا لا تدعو إليه الحاجة غالبًا كالحيوان (١).
المسألة الرّابعة (٢):
وأمّا إنَّ باعه لحاجة أنّ يصرف ثمنه فيما يحتاج إليه من السَّلاح واللّباس: فقال ابن سحنون (٣) عن بعض أصحابنا: إنّه لا بأس بذلك؛ لأنّ له أنّ يأخذ هذا من المغنم إذا وجده فيه، فهذا لم يجده وأمكنه أنّ يأخذ من المغنم ما أبيح له أخذه ليتوصّل به إليه، فإن له ذلك، كما لو بدّل طعامًا لا يحتاج إليه بطعام يحتاج إليه، وهذا يقتضي أنّه يجوز أنّ يبتاع به طعامًا.
وقال ابنُ حبيب (٤): "هو مكروه؛ لأنّه إذا صار ثَمَنَّا وجب أنّ يرجع مَغنَمًا" (٥)، *وهذا يقتضي أنّه لا يجوز أنّ يبتاع به طعامًا، وأنّه متى صار ثمنًا وجب أنّ يرجع مغنمًا*، كما لو أخذ دينارًا أو درهمًا فإنّه لا يجوز له أنّ ينفرد به.
стр. 2123
باب ماجاء في السَّلَب في النّفل
الفقه في سبع مسائل (١):
المسألة الأولى: فيما يقتضي قول الإمام من ذلك. الثّانية: فيمن يستحقّ من ذلك من الغانمين. الثّالثة: في وصف من يستحقُّ فعل ذلك. الرّابعة: في وصف السَّلّب الّذي يستحق بذلك.
١ - فأمّا ما يقتضيه قول الإمام، فإنّه إذا نادى بلفظ يعمٌّ النَّاس، مثل أنّ يقول: مَنْ قَتَلَ قتيلًا فله سَلَبُهُ، فإن هذا حكم ثابت له ولجميع النَّاس، وان خصَّ نفسه فقال: إنَّ قتلتُ قتيلَا فَلِي سَلَبُهُ، لم يكن له من ذلك شيء؛ لأنّه قد حابى نفسه، وأظهَرَ ما نُهِيَ عنه من ترك المعدلة، فلم يجز حكمه. فإن قال: من قتلَ منكُم قتيلًا فله سَلَبُهُ، فإن هذا الحكم ثابت للناس دونه (٢)، قاله كلّه سحنون (٣).
مسألة:
وإذا قال: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، فكان القاتل ممّن لا يُسْهَم له، فقد رُوي عن سحنون (٤) أنّه قال: إنَّ كان القاتل ذِمِّيًّا فلا شيءَ له (٥)، وكذلك لو قتلته امرأة (٦).
стр. 2124
قال (١): وأشهب يَرَى الرَّضْخَ لأهل الذِّمَّة، على قياس قوله: له سَلَبُه من الخُمس لأنّه نفلٌ.
واختلف قول الشّافعيّ في العبد والمرأة والصّبي، والأظهر عندي على مذهبه أنّ من قتل منهم قتيلًا فإن سَلَبه له (٢)، فإن اللّفظ عامُّ في الجميع، ولم يخصّ شيئًا.
وأمّا إنَّ كان القاتل مخذلًا ومرجفًا على المسلمين، فلا شيء له من السَّلَب, لأنّه لم يقاتل عن الله ورسوله.
٢ - المسألة الثّانية:
فإذا قال الإمام: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، فقتل القاتلُ امرأةً أو صبيًّا، فقد حكى سحنون عن الأوزاعيّ: إنَّ قاتلَا فَلَهُ سلبهما (٣)، وهذا يقتضي أنّ يكون المذهب، وقد رأيت لسحنون ما يقتضيه.
وأمّا من قاتل مُسْتَأسِرًا أو من لا يدافع، فليس له من سَلَبِه شيء.
٣ - المسألةُ الثّالثة:
وأمّا السَّلب الّذي يستحقُّه القاتل، فقال سحنون: قال أصحابنا: لا نفل في العَيْنِ، وانّما هوْ الفرس وسرجُه ولجامه ودِرْعُه وبيضَتُه ومِنْطَقَتُه، بما في ذلك من حلْيِهِ في ساعِدَيْه وساقَيْه ورايته والسِّلاح ونحوه، وحِلْيَة السّيف تبع للسّيف، ولا شيءَ له في الطَّوْقِ والسَّوَارَينِ والعين كلّه، ولا في الصَّليب يكون معه (٤).
وقال ابنُ حبيب: يدخل في السَّلب كلّ ثوبٍ عليه وسلاحه ومِنْطَقته الّتي فيها نَفَقَته
стр. 2125
وسِواراه، وفرسه الّذي هو عليه، أو كان يُمْسِكُه لوجه قتال عليه. وأمّا إنَّ كان تَجَنَّبَ أو كان مُنْفَلِتًا فليس من السَّلَب (١).
فتحقيق مذهب سحنون: أنّ ما كان عليه من لباسه المعتاد، وما يستعين به على الحرب من فرس وسلاح، فهو من السَّلَب (٢).
٤ - المسألة الرّابعة:
وأمّا قوله (٣): "من يَشْهَدُ لِي؟ " أنّ ذلك لا يستحقّه إِلَّا ببيِّنةٍ، فمن شهد له شاهدان فلا خلاف في ذلك.
واحتجّ أصحابنا بحديث أبي قتادة (٤)؛ أنّه دفعه إليه بقول واحد دون يمين، يدلُّ على أنّه يجوز أنّ يقبل فيه الواحد، وذلك إذا قال الإمام: من قتلَ قتيلًا له عليه بَيَّنَةٌ فله سَلَبُهُ، وذلك (٥) أنّ النَّبِيِّ ﷺ قال: "مَنْ قَنتَلَ قَييلًا، لَهُ عَلَيهِ بَيَّنَة، فَلَهُ سَلَبُهُ" (٦).
وإذا قال: من قتل قتيلًا فله سَلَبُه، ولم يشترط البَيَّنَة، فقد قال ابن سحنون: من جاء برأس فقال: أنا قتلتُه، فقد اختلف قوله فيه (٧)، فعلى قوله الأوّل: له السّلب، وعلى قوله الآخر: لا شىء له إلّا ببينة.
وأمّا إنَّ جاء بسَلَب فقال: أنا قتلت صاحبه, فإنّه لا يأخذه إِلَّا بِبيِّنَةٍ (٨).
ووجه التفريق بين الرّأس والسّلب: أنّ الرّأس في الأغلب لا يكون إِلَّا بيد من
стр. 2126
قتله؛ لأنّه أقرب إليه من غيره، وهو يمنع منه من أراد أخذه، وقد عُلِمَ انّ الإمام نفله سلبه، فصار الرّأس يشهد له، وأمّا "السّلب" فليس كونه بيده شاهدًا؛ لأنّه موضع سلبه، ولا يمنعه منه غيره؛ لأنّه لا حقَّ له فيه إلا كحقَّه.
وأمّا على القول الآخر، فإنّه لا فرق بينهما، لا يصدّق صاحب الرّأس، ولا صاحب السّلب إِلَّا بِبيَّنَةٍ.
وعندي أنّه يجوز على هذا القول أنّ يقبل منه الشاهد الواحد واليمين.
٥ - المسألةُ الخامسة:
وأمّا سؤال الرَّجل ابن عبّاس عن الأنفال (١)، يريد في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية (٢)، فقال: هي الغنائم (٣). وإنّما سميت أنفالًا لأنّها تَفَضُّلٌ من الله تعالى على هذه الأُمَّة.
تكملة:
قال القاضي ﵁: أحسنُ عبارةٍ في هذا الباب، أنّ يقال: أجمعتِ الأُمَّةُ على أنّ من قَتَلَ قتيلًا فله سَلَبُه، ولكن اختلفوا هل هو من رأس الغنيمة، أم من الخُمُس؟
فَمَذهَبُ مالك (٤) وأبي حنيفة (٥) أنّه من الخُمُس.
ومذهب الشّافعىّ (٦) أنّه من رأس الغنيمة.
فالمسألةُ مبنيَّةٌ على الخلاف فى قوله ﷺ يوم خيبر: "مَنْ قَتَل قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ" (٧).
стр. 2127
باب ماجاءفي إعطاء النّفل من الخمس
الفقه في أربع مسائل:
المسألة الأولى: فى الغنيمة (*)
وهي خصيصةٌ امْتَنَّ الله تعالى بها على هذه الأُمّة كما تقدَّمَ، وحكَمَ فيها بحُكمِهِ، وبيَّنَهَا بكلامه، فقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ (١) وهذه الآيةُ من أمّهات الآياتِ، وفيها أحكامٌ كثيرةٌ، وقدِ اضطربَ النَّاسُ فيها، وخاض فيها علماءُ الإِسلامِ بأقوالٍ كثيرةٍ ليس هذا موضع بسطها (٢).
المسألة الثّانية (٣):
قوله (٤): "سُئِلَ عَن النَّفَلِ، هَلْ يَكُونُ في أَوَّلي مَغنَمٍ؟ " معناه: أنّ ينفّل قومًا يخصّهم بشيءٍ من الغنيمة لأَمْرٍ يَنْفَرِدُون به من سَرِيَّةٍ أو نحوِهَا، مثل أنّ يبعث سريَّةً فينفلها الرّبعَ بعد الخمس، فإنّ ذلك لها؛ لأنّه أمرٌ قد حَكَمَ لها به (٥).
المسألة الثّالثة (٦):
فلو غنمت هذه السّريّةُ، ثُمَّ لقيها عسكرٌ آخر للمسلمين أَخرَجَهُ الخليفة إلى جهةٍ أخرى، فإن كانت ضعيفة عن التَّفرُّد بما غنمته، فإنّ العسكر يُشْرِكُهم في النَّفَل والغنيمة، فما صار للسَّرِيَّةِ من نفَل أخذته، وما صار لها من مغنمٍ ضُمَّ إلى ما يأتي به العسكرُ الأوَّلُ من المغانم، فإن كانت السَّرِيَّة قويَّة على التَّخلُّص لم يُشرِكهم العسكرُ.
стр. 2128
المسألة الرّابعة (١):
فإن أَنْفَذَ الإمامُ سريَّةً على أنّ الرُّبُعَ بعدَ الخُمُسِ نفلٌ لهم، فلمّا فصلَتْ، أَشْهَدَ الإمامُ أنّه أبطل ذلك، فقال سحنون: له ذلك مالم يغنموا, ولا يكون له ذلك بعد أن يغنموا (٢).
باب القَسْم للخَيْلِ فى الغَزْوِ
قال الإمام: الأحاديثُ صِحَاحٌ.
الفقه في أربع مسائل:
المسألة الأولى:
أجمعَ أكثرُ النَّاسِ على أنَّ للفارسِ سهمين، وللرَّاجِلِ سهمًا واحدًا (٣)، وإنّما كان للفارس سهمان وللرَّاجِلِ سَهْمٌ على قَدْرٍ؛ لأنّ رواية ابن وهب (٤) وردت أنّ الرّاجل إذا كان لهُ فرسان أخذ عن الفرسين جميعًا (٥)، وذلك أنّ يكون له فرسان يركب الواحدَ منهما ويجْنُبُ الآخرَ، فهذا رأى غنيمة ركب المَجْنُوبَ، فإذا ردّ الغنيمة، فتقسم على خيله جميعًا.
المسألة الثّانية (٦):
قوله في الحديث (٧): "لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ وَلِلرَّاجلِ سَهْمٌ" فَخَصَّهُ، وهذا يقتضي أنّ
стр. 2129
للفارس ثلاثة أَسْهُم، وللرَّاجل سَهْمٌ؛ لأنَّه إذا كان للفرس سهمان، وللرَّاجل الذى يركبه سهمٌّ كالرّاجل المُنفَرد، فإنّه يكون للفارِسِ ثلاثة أسهم، وبه قال الشّافعيّ (١).
وقال أبو حنيفة (٢): للفرس سَهْمٌ، ولفارسه سَهْمٌ، فللفارس سهمان وللراجل سهمٌ.
ودليلنا: ما رواه أبو داود، عن ابن حنبل، عن ابن عمر (٣) , أنّ رسول الله ﷺ أَسْهَمَ للرَّجُلِ وَلفرسه ثلاثة أسْهُمٍ، سَهْمٌ له وسَهْمَانِ لفَرَسِهِ (٤).
ومن جهة المعنى: ما ذكره الأبهري أنّ الفرس لمّا كان قُوتُه أكثر من قُوتِ فارسه، وغناؤُه أكثر من غناء الفارس، زيد في القسم من أجل ذلك.
وأمّا "الفرس المريض" فاختلف أصحابنا فيه، هل يُسْهَم له أم لا؟ فقال مالك: يُسْهَمُ له (٥).
وقال أشهَب وابنُ نافع: لا يُسْهَم له (٦).
ووجه القول الأوّل: أنّه على حالٍ يُزجَى بُرْؤُهُ وُيتَرَقَّب الانتفاع به، كالَّذي يصيبه القيء الخفيف.
ووجه القول الثّاني: أته لا يمكن القتال عليه الآن، فأشبه الكَسِير.
стр. 2130
وأمّا "الكسير يُدَرَّبُ"، فلا خلافَ أنّه لا يُسهَم له.
المسألة الثّالثة (١):
وأمّا "صغار الخيل"، فإن كانت لا مركب فيها ولا حمل، فلا يُسهم لها ,وإن كان فيها بعض القوة على ذلك أسهم لها، قاله ابن حبيب (٢)؛ لأنّه بمنزلة الكبير (٣).
ولو دخل بفرسٍ في أرضِ العدوِّ، فبقي فيها حتّى كبر وصار يقاتل عليه، فله من يومئذٍ سهمٌ دون ما قبل ذلك، رواه ابن سحنون عن أبيه (٤)، بمنزلة من بلغ من الصِّبيان في أرض العدوِّ فلا يُسْهَم له، إِلَّا فيما غنموا بعد ذلك.
المسألة الرّابعة (٥):
وأمّا راكب البغال والحمير والبِرْذَوْن الّذي لا يجيزُهُ الوالي، فلا يسهم له أصلًا إجماعًا (٦).
باب ما جاء في الغلول
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية (٧). واختلف العلماء في معنى قول: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ (٨) وكان ابن عبّاس (٩)
стр. 2131
يقرؤها "يُغَلّ" (١) كذلك قرأها أبو وائل وأبو عبد الرّحمن السُّلَميّ والكسائي.
واختلف فيمن قرأ هذه القراءة، وفي معنى ذلك روايتان:
فقال محمّد بن إسحاق: معنى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي: يكتم النَّاس ما بعثه الله به (٢).
أو يقسم البعضَ ويترك بعضًا، قاله الضّحّاك (٣).
الإسناد:
قال القاضي: أحاديث الغلول كثيرة المساق، والّذي يحضر الآن في الخاطر منها ثلاثة أحاديث:
الحديث الأوّل: ثَبَتَ (٤) أَنَّ رَجُلًا تُوُفِّيَ يَومَ خَيبَر (٥) وَأَنَّهُمْ ذَكَرُوهُ لِرَسُول الله ﷺ فقال لهم: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ" فَتَغَيَّرَت وُجُوهُ الناسِ لِذَلكَ، فَزَعَمَ زيدً أَنْ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "صَلوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فإنَّهُ قَدْ غَلَّ في سَبيل الله "قالَ: فَفَتَحْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا خَرَزَاتٍ من خَرَزِ يَهُودَ مَا تُسَاوِي دِرْهَمَين".
стр. 2132
الحديث الثّاني: ثبت (١) أنّ عبدًا أصابه سهم عائر، فمات، وكانت عليه شملة يوم خيبر، وقال النَّاس: هنيئًا له الجنَّة، فقال رسول الله ﷺ : "كلًا، والَّذي نفسي بيده، إنَّ الشَّمْلَةَ الّتي غلّها يومَ خَيْبَرَ من المغانِمِ لم تُصِبْهَا المقاسمُ، لتشتعلُ عليه نارًا ... ".
قوله (٢): "سَهْمٌ عائرٌ" فهو السَّهم الّذي لا يعرف راميه، وهو سهمٌ غرْبٌ بفتح الرّاء وبإسكأنّها، ويجوزُ على النَّعْتِ وعلى الإضافة.
وقوله (٣): "كلّا" يريد زجرُا عن القطع بالجنّةِ (٤)، وقد تكون "كلا" بمعنى "لا" فكأنّه قال: لا والّذي نفسي بيده.
الحديث الثّالث: ثبت فى الصّحيح (٥) , أنّ رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ بشِرَاكٍ أو شِراكين، فقال رسولُ الله ﷺ : "شِراكٌ أو شِراكَانِ من نَارٍ".
العربية:
قال أبو عبيد (٦): الغُلول: الخيانة في المغنم خاصّة، يقال منه: غَلَّ يَغُلُّ بفتح الياء وضم الغين.
ويروى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ (٧) و ﴿يَغُلَّ﴾ فمن قرأ بضمِّ الياء وفتح الغين فإنّه يحتمل معنيين:
١ - أحدهما: أنّ يكون "يُغَلْ": يُخَان، يعني أنّ يؤخذ من الغنيمة شيءٌ.
٢ - ويكون ﴿يَغُلَّ﴾ ينسب إلى الغلول.
стр. 2133
وقال (١): لم أسمع أحدًا قرأها بكسر الغين وفتح الياء من الغِلّ وهو الشَّحْنُ (٢)، ومنه قوله في الحديث الآخر: "لا يُغِلْ عليهنّ قلب مؤمن دواما" (٣) وقال في الحديث الآخر: "لا إغلال ولا إسلال" (٤) فالإغلال: الخيانة، والإسلال: السَّرقة، يقال: رجل مُغِلٌّ مُسِلٌّ، أي: صاحب خيانة وسرقة.
الفقه والشرح والفوائد في عشر مسائل:
المسألة الأولى (٥):
قوله (٦):"حينَ صدرَ من حُنَينٍ" يريد: أصاب هوازن فغنم أموالَهم وذَرَارِيَهم، فَقَصَدَ يريد الجعرانة، وهي طريق إلى مكّة.
وقوله (٧) *: "وَالذي نفسي بِيَدِهِ، لو أفاءَ الله عليكم مثلَ سَمُرِ (٨) تِهَامَةَ، لقَسَمْتُهُ بينكم" قسَمُهُ ﷺ على سبيل الإنكار عليهم لفعلهم، وكثرة إلحاحهم عليه بالسُّوال فيما قد عرف من حاله أنّه لا يمنعه، حتْى أنّهم قد اعتقدوا فيه المنع، وهذا ممّا* لا يفعله
стр. 2134
فقهاء الصّحَابة ولا فضلاء المهاجرين والأنصار، وإنّما يفعله قومٌ من المؤلَّفَةِ قلوبُهُم، ومَن قَرُبَ إسلامُه ولم يتمكّن الفقه منه، ولا عرف من أحكام الشّريعة تفرِقة أربعة أخماس الغنيمة على الغانمين، وَرَدٌّ الخمس عليهم وعلى غيرهم من المؤمنين.
وقد قال قوم (١): إنَّ قسمة الغنيمة على الاجتهاد من الإمام.
وقال (٢) آخرون: إنّما نقسم على ستّة أقسام:
القسم الأوّل: أنّ تُقسم على ستة أَسْهُم بالسَّوِيّة: سهمٌ لله يُجعلُ في سبيلِ الخيرِ، وسهمٌ للرسولِ، وسهمٌ لقرابتِهِ، وسهمٌ لليتامى، وسهمٌ للمساكين، وسهمٌ لابنِ السّبيلِ (٣).
القسمُ الثّاني: أنّ تؤخذ منه قبضة فتجعلُ في الكعبةِ، ويقسم الباقي بالسّواء على الخمسة الأصناف المذكررين (٤).
القسمُ الثّالث: أنّ تُقسم على خمسة أسهم بالسّواء، وُيجعل سهمُ الله مفتاحَ السِّهام؛ لأنّ الدّنيا وما فيها لله (٥).
стр. 2135
القسم الرّابع: أنّ يقسم على أربعة أقسام بالسَّواءِ: لذي القُرْبَى، واليتامَى، والمساكين، وابن السّبيل.
ويكون معنى قوله: ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ (١) أنّ لهما الحكمُ في قسم ذلك بين من قد سُمِّيَ في الآيتين.
واختلف الذين رأوا أنّ يقسم الخُمُسُ على خمسةِ أسهُمٍ في سهم رسولِ الله وسهم قرابته بعد وفاة رسول الله ﷺ :
فقالت طائفة منهم: يجعل في الكراع والسّلاح (٢).
وقالت طائفة أخرى: يكونُ سهمُ رسولِ الله ﷺ للخليفة بعدَهُ، وسهمُ قرابتِهِ لقرابةِ الخليفةِ بعدَهُ (٣).
وقالت طائفة أخرى منهم: يُقسم سهمُ رسولِ الله ﷺ على سائر الأصنَافِ، ويكون سهمُ قرابتِهِ باقيًا عليهم إلى يوم القيامة (٤)، وقرابته هم الّذين لا تحلّ لهم الصّدقة (٥).
المسألة الثّانية (٦):
قوله في الحديث (٧):" ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذَّابًا". قال بعضُ المفسِّرينَ: لأنّ وجودَ أضدادها من الجود والشّجاعة والصِّدق من صفات الإمام، فنفَى
стр. 2136
عن نفسه ﷺ النقائص الّتي لا تصحّ أنّ تكون في الإمام، وهذا على ما قاله، غير أنّ صفاتَ الإمامِ أكثر، وهي إحدى عشرة صفة، فقد كان يجب أنّ ينفي عن نفسِهِ أَضْدَادَ جميعها.
والأظهر عندي: أنّ يكون إنَّمَا نَفَى عن نفسه هذه الثّلاثة؛ لأنّها مختصَّةٌ بالحالِ الّتي كان عليها؟ لأنّهم سألوهُ ما كانَ أفاءَ الله من الغنائمِ، فأَقْسَمَ أنّه يقسمُ جميعها بينهمْ، ولا يجدونه بخيلًا بها ولا كذابًا فيما يَعِدُ به من قسمتها.
"وَلَا جَبَانَّا": يحتمل أنّ يريد جبانَا عن السّائلين.
المسألة الثّالثة (١):
قوله (٢):" أَدُّوا الخائط وَالمِخْيَطَ". الخائطُ واحدُ الخيوطِ، والمِخْيَطُ الإبرةُ، ومَن رواهُ: الخياط، فقد يكون الخيوط، وقد يكون الإبرة (٣)، قال تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (٤).
وإذا وجبَ ردّ القليل، وجبَ ردّ الكثير الّذي له القَدْر، وهذا هو التّنبيه بقوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ الآية (٥)، فمن أدّى القنطار أقرب أنّ يؤدِّي الدِّينار، ومن لم يؤدّ الدِّينار أبعد من أنّ يؤدِّي القنطار.
ووسع ابن القاسم في "الموازية" فيما لا ثَمَنَ له كالخيط والإِبْرَة والخِرْقَة يرْقَعُ بها ثوبه، وقاله أَصْبَغ، قال: لا خلاف فيه (٦).
стр. 2137
قال مالك: والكبَّةُ والخيط ومثله ممّا ثمنه دَانِق وشبهه، أخاف أنّ يرائي بذلك، وليس يضيق على النَّاس (١).
وروى أشهب عنه في "العتبيّة" (٢) أنّ ما كان ثمن درهم ونحوه له أنّ يحبسه ولا يبيعه (٣).
فمعنى قوله ﷺ : "أَدُّوا الخَائِطَ وَالمِخْيَط" على المبالغة، لا على أنّ هذا المقدار يجب رَدُّه إلى الغنيمة، وهذا كما قال ﷺ : "مَالِي مِمَّا أَفَاءَ الله عَلَيْكُمْ، وَلَا مِثْلُ هَذِهِ"، ثمّ تناول وَبَرَةً من الأرض (٤)، ومعلوم أنّ مثل هذا لا يجب أداؤه.
المسألة الرّابعة:
قوله (٥):"تُوُفِّيَ رَجُلٌ يَومَ حُنَينٍ (٦) ": هو غلط، والصّواب: يوم خيبر، وكذلك رواه القعنبيّ (٧) وجماعة، وذكره ابن إسحاق قال: إنّما كان ذلك إذ فتحت خيبر (٨).
وامتناعه ﷺ من الصّلاة على الرَّجل إنّما ذلك على وجه الرَّدْع، وهذه (٩) سُنَّةٌ في امتناع الأيمّة وأهل الفضل من الصّلاة على أهل الكبائر، وأمره غيره بالصّلاة عليه، فيه دليل أنّهم لا يخرجون عن حكم الإيمان بما أحدثوه من المعصية، والإمام مُخَيَّرٌ في الصّلاة عليه -أعني على مَنْ غلّ- وعلى أهل الكبائر أو من قتل في حدٍّ أو قود، إنَّ شاء صلّى وإنْ شاءَ ترك، وقد قال ﷺ في المنافقين: "إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ " (١٠) وقد بيَّنَّا ذلك في "كتاب الجنائز" بأبدع بيان، فلينظر هناك.
стр. 2138
المسألة الخامسة (١):
قوله (٢): "فَوَجَدُوا في بَرْدَعَةِ رَجُلٍ" هي الفراش المبطن (٣).
وقوله (٤): "فَأَتَاهُم رَسُولُ الله ﷺ فَكبَّرَ عَلَيْهِم كَما يُكَبَّرُ عَلَى المَيًتِ" يحتمل أنّ يكون فعل ذلك ﷺ على وجه الزَّجْرِ عن مثل ما وجد عندهم من الغلول (٥)، ولعلّه قد أشار بتكبير أربع، أنّ حكمهم حكم الموتى الّذين لا يسمعون الوعظ، ولا يمتثلون الأوامر، ولا يجتنبون النّواهي، قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ الآية (٦).
ويحتمل أنّه أشار بذلك إلى أنّهم بمنزلة الّذين انقطع عملهم (٧).
المسألة السّادسة (٨):
قوله (٩): "وإنّ الشَّمْلَةَ لَتَشْتَعِل عَلَيهِ نَارًا" ظاهر هذا يقتضي أَنّها تشعل عليه؛ لأنّه أخذها من المغانم قبل قسمتها وإنَّما أخذها غلولًا.
ويحتمل أنّه أخذها غير محتاج إليها للبسه، فلذلك اشتعلت عليه نارًا، أو أخذها محتاجًا إليها، ثُمَّ أمسكها بعد القسمة وبعد الرُّجوع إلى بلاد المسلمين (١٠).
стр. 2139
وقد قال ابن القاسم (١) في "الموازية": ما احتاج إليه في السَّرِيَّةِ من ثوب يلبسُه أو دابَّةٍ يركبُها، أو يحمل عليها عَلَفًا أو ثقلًا، فإن له ذلك كلّه، وإذا بلغ العسكر واستغنى عنه، جعله في المقاسم.
وروى ابن وهب وابنُ زياد عن مالك في "المدوّنة" (٢): أنّه لا يُنْتَفَعُ بدابّةٍ ولا سلاحٍ ولا ثوبٍ (٣).
المسألة السّابعة (٤):
قوله (٥): "لَتَشتَعِلُ عَلَيهِ نَارًا" يدلُّ على أنَّ مِن المُؤمنين من يُعاقَبُ بالمعاصي ممَّن شاءَ الله تعالى أنّ يعاقِبَهُ، إِلَا أنّ الإيمان يعود عليه بعد عذابه بالجنّة.
وقوله ﷺ (٦): " شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ من نَارٍ" يقتضي: أنّ من غلَّ مثل هذا فإنّه يعاقَبُ بمثله من النّار، ويَحْتَمل أنّ يكون الشِّراكُ والشِّراكان لهما القيمة، فمثل هذا لا يحلُّ أخذه على رواية ابن وهب؛ لأنّه ليس بطعامٍ، ويجوزُ أَخذُهُ على روايةِ ابنِ القاسِمِ للحاجةِ إليه وعَدَمِ وجود الشِّراك, لأنّه يلزم ردّه عند إلاستغناء عنه.
стр. 2140
المسألة الثامنة: فيما يعاقب به الغالّ
ثبت في الحديث الصّحيح (١) أنّ رسول الله ﷺ قال: " مَنْ غَلَّ فَاضرِبُوهُ واحْرِقُوا رَحْلَهُ" (٢).
واختلفَ الفقهاءُ في هذا الحديثِ, فقالت طائفةٌ: يُحرقُ رحله، كذلك قال الحسن ابن أبي الحسن البصري، ومكحول، والأوزاعيُّ، وأحمد، وإسحاق (٣).
وقال الحسن: إِلَّا أنّ يكون حيوانًا أو مُصْحَفًا (٤).
وقال الأوزاعي: يُحرقُ ما غلّ ويحرق متاعه الّذي غَزَا بِهِ وسَرْجُهُ، ولا تحرق دابَّتُه ولا نَفَقَتُهُ إنَّ كانت في خَرْجِهِ وسلاحه (٥).
وقال الشّافعيّ: لا يُعَاقَبُ الرَّجلُ في ماله، وإنَّمَا يُعَاقَبُ في بَدَنِهِ (٦).
وأمّا الحديث الّذي رواه صالح بن محمّد بن زائدة، عن سالم، عن ابن عمر، عن النَّبِيِّ ﷺ أنّه قال: "مَنْ غَلَّ فَاضرِبُوهُ وَاحْرِقُوا مَتَاعَهُ" تَفَرَّدَ به صالح بن محمّد وهو (٧)