عن نفسه ﷺ النقائص الّتي لا تصحّ أنّ تكون في الإمام، وهذا على ما قاله، غير أنّ صفاتَ الإمامِ أكثر، وهي إحدى عشرة صفة، فقد كان يجب أنّ ينفي عن نفسِهِ أَضْدَادَ جميعها.
والأظهر عندي: أنّ يكون إنَّمَا نَفَى عن نفسه هذه الثّلاثة؛ لأنّها مختصَّةٌ بالحالِ الّتي كان عليها؟ لأنّهم سألوهُ ما كانَ أفاءَ الله من الغنائمِ، فأَقْسَمَ أنّه يقسمُ جميعها بينهمْ، ولا يجدونه بخيلًا بها ولا كذابًا فيما يَعِدُ به من قسمتها.
"وَلَا جَبَانَّا": يحتمل أنّ يريد جبانَا عن السّائلين.
المسألة الثّالثة (١):
قوله (٢):" أَدُّوا الخائط وَالمِخْيَطَ". الخائطُ واحدُ الخيوطِ، والمِخْيَطُ الإبرةُ، ومَن رواهُ: الخياط، فقد يكون الخيوط، وقد يكون الإبرة (٣)، قال تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (٤).
وإذا وجبَ ردّ القليل، وجبَ ردّ الكثير الّذي له القَدْر، وهذا هو التّنبيه بقوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ الآية (٥)، فمن أدّى القنطار أقرب أنّ يؤدِّي الدِّينار، ومن لم يؤدّ الدِّينار أبعد من أنّ يؤدِّي القنطار.
ووسع ابن القاسم في "الموازية" فيما لا ثَمَنَ له كالخيط والإِبْرَة والخِرْقَة يرْقَعُ بها ثوبه، وقاله أَصْبَغ، قال: لا خلاف فيه (٦).
стр. 2137
قال مالك: والكبَّةُ والخيط ومثله ممّا ثمنه دَانِق وشبهه، أخاف أنّ يرائي بذلك، وليس يضيق على النَّاس (١).
وروى أشهب عنه في "العتبيّة" (٢) أنّ ما كان ثمن درهم ونحوه له أنّ يحبسه ولا يبيعه (٣).
فمعنى قوله ﷺ : "أَدُّوا الخَائِطَ وَالمِخْيَط" على المبالغة، لا على أنّ هذا المقدار يجب رَدُّه إلى الغنيمة، وهذا كما قال ﷺ : "مَالِي مِمَّا أَفَاءَ الله عَلَيْكُمْ، وَلَا مِثْلُ هَذِهِ"، ثمّ تناول وَبَرَةً من الأرض (٤)، ومعلوم أنّ مثل هذا لا يجب أداؤه.
المسألة الرّابعة:
قوله (٥):"تُوُفِّيَ رَجُلٌ يَومَ حُنَينٍ (٦) ": هو غلط، والصّواب: يوم خيبر، وكذلك رواه القعنبيّ (٧) وجماعة، وذكره ابن إسحاق قال: إنّما كان ذلك إذ فتحت خيبر (٨).
وامتناعه ﷺ من الصّلاة على الرَّجل إنّما ذلك على وجه الرَّدْع، وهذه (٩) سُنَّةٌ في امتناع الأيمّة وأهل الفضل من الصّلاة على أهل الكبائر، وأمره غيره بالصّلاة عليه، فيه دليل أنّهم لا يخرجون عن حكم الإيمان بما أحدثوه من المعصية، والإمام مُخَيَّرٌ في الصّلاة عليه -أعني على مَنْ غلّ- وعلى أهل الكبائر أو من قتل في حدٍّ أو قود، إنَّ شاء صلّى وإنْ شاءَ ترك، وقد قال ﷺ في المنافقين: "إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ " (١٠) وقد بيَّنَّا ذلك في "كتاب الجنائز" بأبدع بيان، فلينظر هناك.
стр. 2138
المسألة الخامسة (١):
قوله (٢): "فَوَجَدُوا في بَرْدَعَةِ رَجُلٍ" هي الفراش المبطن (٣).
وقوله (٤): "فَأَتَاهُم رَسُولُ الله ﷺ فَكبَّرَ عَلَيْهِم كَما يُكَبَّرُ عَلَى المَيًتِ" يحتمل أنّ يكون فعل ذلك ﷺ على وجه الزَّجْرِ عن مثل ما وجد عندهم من الغلول (٥)، ولعلّه قد أشار بتكبير أربع، أنّ حكمهم حكم الموتى الّذين لا يسمعون الوعظ، ولا يمتثلون الأوامر، ولا يجتنبون النّواهي، قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ الآية (٦).
ويحتمل أنّه أشار بذلك إلى أنّهم بمنزلة الّذين انقطع عملهم (٧).
المسألة السّادسة (٨):
قوله (٩): "وإنّ الشَّمْلَةَ لَتَشْتَعِل عَلَيهِ نَارًا" ظاهر هذا يقتضي أَنّها تشعل عليه؛ لأنّه أخذها من المغانم قبل قسمتها وإنَّما أخذها غلولًا.
ويحتمل أنّه أخذها غير محتاج إليها للبسه، فلذلك اشتعلت عليه نارًا، أو أخذها محتاجًا إليها، ثُمَّ أمسكها بعد القسمة وبعد الرُّجوع إلى بلاد المسلمين (١٠).
стр. 2139
وقد قال ابن القاسم (١) في "الموازية": ما احتاج إليه في السَّرِيَّةِ من ثوب يلبسُه أو دابَّةٍ يركبُها، أو يحمل عليها عَلَفًا أو ثقلًا، فإن له ذلك كلّه، وإذا بلغ العسكر واستغنى عنه، جعله في المقاسم.
وروى ابن وهب وابنُ زياد عن مالك في "المدوّنة" (٢): أنّه لا يُنْتَفَعُ بدابّةٍ ولا سلاحٍ ولا ثوبٍ (٣).
المسألة السّابعة (٤):
قوله (٥): "لَتَشتَعِلُ عَلَيهِ نَارًا" يدلُّ على أنَّ مِن المُؤمنين من يُعاقَبُ بالمعاصي ممَّن شاءَ الله تعالى أنّ يعاقِبَهُ، إِلَا أنّ الإيمان يعود عليه بعد عذابه بالجنّة.
وقوله ﷺ (٦): " شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ من نَارٍ" يقتضي: أنّ من غلَّ مثل هذا فإنّه يعاقَبُ بمثله من النّار، ويَحْتَمل أنّ يكون الشِّراكُ والشِّراكان لهما القيمة، فمثل هذا لا يحلُّ أخذه على رواية ابن وهب؛ لأنّه ليس بطعامٍ، ويجوزُ أَخذُهُ على روايةِ ابنِ القاسِمِ للحاجةِ إليه وعَدَمِ وجود الشِّراك, لأنّه يلزم ردّه عند إلاستغناء عنه.
стр. 2140
المسألة الثامنة: فيما يعاقب به الغالّ
ثبت في الحديث الصّحيح (١) أنّ رسول الله ﷺ قال: " مَنْ غَلَّ فَاضرِبُوهُ واحْرِقُوا رَحْلَهُ" (٢).
واختلفَ الفقهاءُ في هذا الحديثِ, فقالت طائفةٌ: يُحرقُ رحله، كذلك قال الحسن ابن أبي الحسن البصري، ومكحول، والأوزاعيُّ، وأحمد، وإسحاق (٣).
وقال الحسن: إِلَّا أنّ يكون حيوانًا أو مُصْحَفًا (٤).
وقال الأوزاعي: يُحرقُ ما غلّ ويحرق متاعه الّذي غَزَا بِهِ وسَرْجُهُ، ولا تحرق دابَّتُه ولا نَفَقَتُهُ إنَّ كانت في خَرْجِهِ وسلاحه (٥).
وقال الشّافعيّ: لا يُعَاقَبُ الرَّجلُ في ماله، وإنَّمَا يُعَاقَبُ في بَدَنِهِ (٦).
وأمّا الحديث الّذي رواه صالح بن محمّد بن زائدة، عن سالم، عن ابن عمر، عن النَّبِيِّ ﷺ أنّه قال: "مَنْ غَلَّ فَاضرِبُوهُ وَاحْرِقُوا مَتَاعَهُ" تَفَرَّدَ به صالح بن محمّد وهو (٧)
стр. 2141
مَدَنِيٌّ تَرَكَهُ مالك، وليس مِمَّن يُحْتَجُّ به ولا بِحَدِيثِهِ.
المسألة التّاسعة:
قال أكثر العلماء: إنّه يتصدّق به (١).
وقال قوم: إنَّه يجعله في بيت المال (٢).
المسألة العاشرة (٣):
قوله (٤): "فأهدى رِفَاعَةُ لرسول الله ﷺ غُلامًا أسودَ" ومعنى ذلك أنّ النّبيّ ﷺ كان يقبل الهديّة من كافر ومسلم (٥)، ولذلك قبل هديّة المقوقس أمير مصر والاسكندرية (٦)، ولم يقبل هديّة عِياض المُجَاشِعيّ (٧).
وقد تكلّم النَّاس على هذا الحديث فقيل: إنَّ هذا خاصٌّ بالنّبىِّ ﷺ (٨) دون غيره من الأمراء (٩).
стр. 2142
باب الشّهداء في سبيل الله
قال الإمام الحافظ: الأحاديثُ في هذا الباب ثلاثة أحاديث:
الحديثُ الأوّل: مالِكٌ (١)، عَنْ أَبِي الزِّنادِ، فَي الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ, أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: "وَالَّذي نَفْسِى بِيَدِهِ، لوَدِدْتُ أَنِّي أُقَاتِلُ في سَبِيلِ اللهِ، فَأقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلُ ثُم أُحْيَا فَاُقْتَلُ" ... الحديث.
الحديثُ الثّاني: مَالكٌ (٢)، عَنْ أَبي الزِّنَادِ، عنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُريْرَةَ, أَنَّ رَسُول الله ﷺ قال:"يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلِينِ: يقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، كِلَاهُما يَدْخُلُ الجَنَّة، يُقَاتِل هذَا في سِبيلِ الله فَيُقتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلى القَاتِلِ فَيُقَاتِلُ فَيُسْتَشْهَدُ".
الحديثُ الثّالث: مَالِكٌ (٣)، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ, أَنً رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "وَالَّذي نَفْسِى بِيَدِهِ، لَا يُكلَمُ أحدٌ في سِبِيلِ اللهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكلَمُ في سِبِيلِهِ، إِلّا جَاءَ يَومَ الْقِيَامَةِ، وَجُرْحُهُ يَثعَبُ دَمًا. اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ. وَالرَّيحُ رِيحُ المِسْكِ".
الإسناد:
قال القاضي ﵁ هذه أحاديثٌ صِحَاحٌ، خَرَّجها الأَيِمَّةُ: مسلم والبخاري وأَهل المصنَّفاتِ، لا مَدْفَعَ لأحدٍ فيها.
стр. 2143
قوله (١):"يَضحَكُ الله إِلَى رَجُلَينِ". الضَّحِكُ من اللهِ تعالى بمعنى: الرَّضَى (٢)، يريدُ أنّهما يُقْتَلَانِ في ذاته فيرضى عنهما ويَتَلقَّاهُما من الثَّواب ما يتلقى به الضّاحِكَ المسرورُ من يقدم عليه.
ويحتمل أنّ يريد: ضحك ملائكته وخَزَنَة جنّته وحَمَلَة عَرْشِه لهما، على معنى التّبشير لهما بما يقدمان عليه (٣).
وقوله (٤): "يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ" وذلك أنّ مثل هذا غير معهود؛ لأنّ قتل أحدهما الآخر: على معنى المخالفة في الدَّين يقتضي بِمُسْتَقرَّ الشَّرْعِ أنّ يكون أحدهما هو المحقّ من أهل الجنّة، ويكون الثّاني هو المُبْطِل من أهل النّار، وهذه القصَّة على خلاف ذلك، فإنّهما جميعًا يدخلان الجنّة، ولعلّهما يكونان من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ الآية (٥).
وقوله (٦):"ثُم يَتُوبُ اللهُ عَلَى الْقاتِلِ" يحتمل أنة كانَ كافرًا فيتوبُ بالإيمانِ، فيسقطُ عنه ما فَعَلَهُ حالَ الكفرِ.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٧).
стр. 2144
وقال عز من قائل: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ الآية (١).
فإذا كانت التوبةُ بالإيمانِ تُسقط القتلَ للمسلمِ وغيرهِ، فهذا قاتل بعد ذلك فاستشهد، دخل الجنَّة مع الّذي قتله.
الحديثُ الثّالث: "وَالُذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لأ يُكلَمُ أَحدٌ في سَبِيلِ الله، وَاللهُ أَعْلمُ بِمَنْ يُكلَمُ في سَبِيلِهِ ... " الحديث.
العربية (*):
قوله: "يُكلَمُ" يريدُ: يُخرَحُ، والكَلْم: الجرحُ، من كَلَم يَكْلِم (٢).
وقوله: ""يَثْعَبُ (٣) دَمًا"" وُيروَى: "يَنْبَعِثُ دَمًا" منصوبٌ على التَّمْيِيزِ، ويحتمل أنّ يكون مفعولًا؛ لأنّ الثَّعب مُتَعَدٍّ.
قال القاضي ﵁ وهذا الحديث أدخله البخاريّ في "كتاب الطّهارة" (٤) غَوْصًا منه على الفقه واستقراء المعاني.
فإن قيل: لأىِّ شيء أَدْخَلَهُ البخاريّ في الطّهارة (٥)؟ وما فائدة قوله: "اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرَّيحُ رِيحُ المِسْكِ"؟
قلنا: إنّما أدخلَهُ البخاريّ على أَن الوضوءَ لا يجوزُ بالماءِ المتغيِّر، وذلك أنّ
البخاريّ ﵀ أراد إدخالَ حديث على الماء المُطلَقِ الّذي لا يشوبُهُ شيءٌ (٦)،
стр. 2145
فلم يجد إِلَّا هذا الحديث (١).
فإن قيل: ما بالُ حديث بئر بُضاعة، قوله فيه: "الْمَاءُ طَاهِرٌ لًا يُنَجَّسُهُ شَيءٌ" (٢).
قلنا: في طريق هذا الحديث من لم يوافق ما شَرَطَهُ البخاريّ، وقوله: "إِلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَة أَوْ رِيحَهُ" (٣) ليس من الحديث, فلذلك أدخل حديث الشُّهداء بقوله: "اللَّوْنُ لَوْنُ الْدَّمِ" ولو أنّه سكت هاهنا ولم يقل: "والرَّيحُ ريحُ المِسْكِ" لكان دَمًا مُطلَقًا، فكونُ ريحِه رِيحَ المسك، سَلَبَه اسمَ الدَّم المُطلَق، والماءُ المضافُ إِلى شَيءٍ لابُدَّ أنّ يقال ماء كذا, ولا يُسَمَّى ماء مطلقًا، كما لم يسم هذا الدَّم الدّم الذى ريحه ريح المسك دمًا مطلقًا حتّى قَيَّدَهُ فقال: "والرَّيحُ ريحُ المِسْكِ"، فجميعُ المياهِ: ماءُ البحرِ، وماءُ الأنّهارِ، وماءُ العيونِ، وماءُ الأمطارِ، يقالُ لَهُ ماءٌ مُطْلَقٌ.
تنبيه:
قوله (٤): "وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكلَمُ في سَبِيلِهِ": على معنى أنّ هذا الحكم ليس على الطّاهر؛ لأنّ من يقاتل في جند المسلمين هو مِمَّن يقاتل في سبيل اللهِ، إِلَّا أنّه قد يكون غيره يقاتل للمغنم، فلا يكن لأحدٍ من هؤلاء هذه الصّفة ولا هذه الفضيلة حتّى يقاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العلّيا، فَيُكْلَم على هذا الوجه، فيكون حينئذ
стр. 2146
ممّن يجيء يوم القيامة وجرحه يَثعَبُ دمًا، يريد أَن اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحَ ريحُ مِسْكٍ وهذا يدلُّ على قالَهُ عندَ الله منَ الشَّرَفِ، وذلك بحُسنِ إخلاصه في جهاد الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ الآية (١).
وقال بعض الزُّهَّادِ: اعلم يا أخي أنّ ذَرَّة من عمل أهل الإخلاص أثقل من ألف قنطار من عمل غيره، وهذا كمن أخذ حَبَّةً فبَذرَها في أرض طيَّبة وتعاهدها بالسَّقْىِ وحَظَرَ عليها وحفظها من الآفات، حتّى قامت وغصنت ونوَّرت وعقدت، فلم يُقطع عقدها حتّى كمل واشتدّ، فوجده أحسن شيء يفرح به، وكذلك الشّهيد يفرح بحُسْن إخلاصه بالقتل في سبيل الله، قال الله تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢) الآية إلى قوله: ﴿لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ "أي: في المنزلة وحُسْن الإخلاص لله تعالى، فهذا الشّهيدُ هو الّذي يعود يوم القيامة بريح المِسْكِ، وإنّه ليوجد من مسيرة ألف عام، وان نُورَهُ أيضًا على مسيرةِ مئة عام، فما ظنّكم بنور وجهه، وقد تكلّمنا على فضائل الشَّهيدِ في "الكتاب الكبير".
حديث مالك (٣)، عن زيد بن أسلم, أنّ عمر بن الخطّاب كان يقول: "اللَّهُمَّ لَا تَجْعَل قَتْلِى بِيَدِ رَجُلٍ صَلَّى لَكَ سَجْدَةً واحِدَةً، يُحَاجُّنِي بِهَا عنْدَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
الإسناد:
قال الإمام: الحديثُ مُرْسَلٌ (٤)، وقد جاء عن النَّبِيِّ ﷺ : "خَيرُ الشُّهَدَاءِ مَنْ قتَلَهُ أهْل مِلَّتِهِ" (٥)، ولابُدَّ من حسناتٍ لَهُ.
الجواب: أنّ عمر ﵁ رأى أنَّه إنَّ كان من أهل الإسلام، لابُدَّ أنّ يكون له حسنات، فَرُبَّمَا وفّت حسناتُه بعد القصاص، وبقي له ما يدخل به الجنّة، وإذا
стр. 2147
دخل الجنَّة لم يبلغ انتصاره منه.
وقال أبو الوليد الباجي (١): "إنّما قال ذلك عمر إشفاقًا للمسلم" (٢).
وفي هذا الحديث (٣): أنّ قاتل المؤمنين في مشيئة الله لا يُقطَع له بالوعيد، وإنّما قتله ﵁ أبو لؤلؤة عبدٌ نصرانىٌّ للمغيرة بن شعبة.
حديث عبد الله بن أبي قتادة (٤)، عن أبيه, أنَّه قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنْ قُتِلْتُ في سبيل الله صابرًا محتسبًا، مقبلًا غير مدبرِ، أَيُكَفِّرُ الله عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ : "نَعَم" فلما أدبر الرَّجل، ناداه رسول الله ﷺ ، أو أمر به فنودي له، فقال له رسول الله ﷺ : "كَيفَ قُلْتَ" فأعاد عليه قوله. فقال له النّبيّ ﷺ :"نَعَمْ، إِلَّا الدَّينَ، كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْريلُ".
الإسناد:
قال القاضي ﵁: هذا حديثٌ صحيحٌ (٥)، إِلَّا أنّ العلماء اختلفوا فيه: فقيل: إنّه منسوخٌ بقوله ﷺ : "مَنْ مَات وَعَلَيهِ دَين فَنَحْنُ أَحَق بِقَضَائِهِ (٦) "، وكان في أوّل الإسلام لا يُصَلَّى عليه، ثُم كان بعد ذلك يُصَلَّى عليه، وإنّما قال: "فَنَحْنُ أَحَقُّ بهِ" يريد: أداؤه من بيت مال المسلمين.
وقال غيره: إنّما كان ذلك قبل أنّ يفرض الزَّكاة، فلمّا فُرِضَتِ الزْكاة جعل اللهُ
стр. 2148
للغارمين فيها حقًّا، فعلى الإمام أنّ يؤدِّي عنه إذا كان الدَّيْن في غير فساد ولا ظلم، فإن لم يفعل فإثمه عليه.
الفقه في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى (١):
قال بعضُ علمائنا: معنى ذلك أنّ حقوق الآدميِّين لا تكفِّرها الحسنات، وهذا وجهٌ محتملٌ، وقد كان ﷺ في أوَل الإسلام يمتنع من الصَّلاة على من مات وعليه دَينٌ لم يترك له قضاء، وظاهرُ ذلك أنّه إنّما قال ذلك لِئَلَّا يسرع النَّاس إلى أكل أموال النَّاس بغير حاجةٍ ولا رِفْقٍ في إِنْفَاقٍ، ثّمّ يموتُ من ماتَ منهم ولا يترك قضاءً فيذهب بأموال النَّاس، ثمً إنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمَّا فَتح اللهُ عليه بالمالِ قال: "أَنَا أَوْلَى بِالُمؤمِنِينَ من أنْفُسِهِم، مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضياعًا فعليّ وإلىّ (٢) ".
ويحتمل أنّ يكون النّبيَّ ﷺ قال لهذا السائل: "إلَّا الدَّين" إنّما كان يمتنع من الصَّلاةِ على من ترك كلأً أو دَيْنًا لا وفاءَ له، فيكون على عمومه.
ويحتمل أنّ يكون قاله بعد ذلك، ويكون معنى قوله: "إِلَّا الدَّين" لمن أَخَذَهُ يريد إتلاف أموال النَّاس، ويأخذه من غير وجهه، ويُنْفِقُهُ في سَرَفٍ أو معصيةٍ، فهذا حُكمُهُ باقٍ في المنعِ.
ويحتمل قوله: "إِلَّا الدَّين" فيمن كان عليه دَيْنٌ وهو جاحدٌ له وقد ترك وفاء له، فهذا ليس على الإمام أنّ يؤدِّيه، وإثمه عليه.
ويحتمل أنّ يكون الّذي أخذه يريد إتلافه، لقوله ﵇: "مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتلَفَهُ اللهُ في النَّارِ" (٣) واللهُ أعلمُ.
стр. 2149
وما ثبتَ أنَّ أحدًا من الأيِمَّةِ قَضى دَين من ماتَ وعليه دَين من بيت المال بعد النّبيّ ﷺ
فيحتمل أنّ يكون هذا الحكم اختصّ بِالنَّبىِّ ﷺ ، بَيَّنَ ذلك قولُهُ:"أَنَا أَوْلى بِالْمُؤمنِين من أَنْفُسِهِم" (١) وهذا لا يكونُ لأحدٍ بعدَهُ.
المسألة الثّانية: في آداب الغزو
ومنها: ردُّ المظالِمِ، وأداءُ الدَّيْن، وإذنُ الوالدين في ذلك، وتجديدُ النِّيَة، وتركُ النّفقة لِعيَالِه، ويكتب جميع أسبابه لأنّه يخرج إلى الله وإلى لقاء الله.
ومن الآداب: أنّ الرَّجُلَ إذا أراد أنّ يسافر ودَّع إخوانه في منازلهم، وإذا جاء تلقّوه، والتَّشْيِيعُ سُنَّةٌ.
حديث مالك (٢)، عَنْ أَبِي النضر مولى عمر بن عبيد الله؛ أنّه بلغه أنّ رسول الله ﷺ قال لِشُهَدَاءِ أُحُدٍ: "هَؤُلَاءِ أَشهَدُ عَلَيْهِمْ" فَقَالَ أَبَو بَكر الصِّدِّيقُ: أَلَسْنَا يَا رَسُولَ اللهِ بِإِخوانِهِم، أَسْلَمْنَا كَمَا أَسْلَمُوا وَجاهَدْنَا كمَا جَاهَدُوا؟ فَقَالَ رَسُولُ ﷺ : "بَلَى وَلكِنْ لَا أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِى" فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ. ثُمّ بَكَى ثمّ قَالَ: أَئِنَّا لَكَائنُونَ بَعْدَكَ؟
قول أبي بكر: "أئِنَّا لكائنونَ بعدَكَ" خرج على وجه الاستفهام، وإنّما هو على وجه التأسُّف (٣).
стр. 2150
الإسناد:
قال القاضي ﵁: هذا حديث مُرْسَل، والحديثُ صحيحٌ من أوجهٍ (١).
قال ابن العربي: قد قيل إنَّ هذا الحديث منسوخ؛ لأنّه كان في غزوة أُحُدٍ قبل أنّ يعرف أمره كما أنزل الله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ (٢).
وتعلّق بهذا الحديث بعض الطّاعنين على الصّحابة بقوله: "وَلَا أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِى" (٣) فلا تشتغلوا به؛ لأنّه منسوخٌ نسخته آية الفتح, ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ الآية (٤).
وعرف في غزوة الحُدَيبِية خاتمة أمره، وأخبر الصّحابة بما أنزل الله عليه، وذلك
стр. 2151
قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية (١).
وقال النّبىُّ ﷺ : "أبو بكر في الجنّة، عمر في الجنَّة، حتّى عدّ العشرة" (٢).
وقال (٣) ﵇ أيضًا وهو على أُحُدٍ ومعه أبو بكر وعمر وعثمان: "اثبُت أُحُدُ فإنَّما عليك نبىُّ وصدِّيقٌ وشَهيدَان" (٤).
وقال أيضًا حين استأذنوا عليه: "ائذَنْ لهم وبشّرهم بالجنَّة" (٥)، وما ينطق عن الهوى.
قال بعض المتأخِّرين: هذا الكلام فيه نظر؛ لأنّ النّسخ لا يدخل في الأخبار، وإنّما يدخل في الأحكام والشرائع (٦)، والله أعلم.
الفقه في مسألتين:
المسألة الأولى (٧):
قولُه لشهداء أُحُد: "أَشْهَدُ عَلَيْهمْ" يحتمل أنّ يشهد على ظاهرهم لما رأى من الإيمان والعبادة والجهاد إلى أنّ قُتِلوا في ذلك، وغيرهم ممّن يأتي بعد ذلك لا يعلم ما يُحْدِثُونَ بعدَهُ.
ويحتمل أنّ يكون شهِدَ على ظاهرهم لما رأى على باطنهم ممّا علم بالوحي؛ لأنّه لوكان فيهم منافق لم ينتفع بهذه الشّهادة، ولم ينجه من النّار قتالُهُ بين يديه، كما لم ينتفع بذلك قزمان الّذي قاتل في سبيل الله ثمّ قتل نفسه (٨)، فعلى هذا لم يشهد لمن بَقِيَ
стр. 2152
بَعْدَهُ؛ لأنَّه لا يعلم باستدامتهم للأمر الصّالح، ولم يطَّلِع عند موتهم على أنّهم ختموا أعمالهم بما يرضي الله تعالى.
المسألة الثّانية (١):
قوله: "بَلَى، وَلَكِنْ لَا أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِى" قال قومٌ: إنَّ الخطّاب وإن كان متوجّهًا إلى أبي بكر فإنَّ المرادَ به غيره ممّن لم يعلم بحاله وعمله، وأمّا أبو بكر- ﵁ فقد أُعْلِمَ أنّه من أهل الجنّة، ولكن لمّا سأَلَ بلفظٍ عام ولم يخصّ نفسه بالسّؤال عن حاله كان الجواب عامًّا (٢).
ويحتمل أنّ يكون النّبىُّ ﷺ قال: هؤلاء أنا أشهد عليهم بما شاهدتُ من أمرهم في الجهاد، ولذلك لم يقل: أنا أشهد لمن حضر ذلك اليوم وسَلِمَ من القتل، كعليّ وطلحة وأبي طلحة، وغيرهم ممّن قاتل ذلك اليوم، ومن هو أفضل ممّن قاتل ذلك اليوم، لكنّه خصّ هذا الحُكْم بمن شاهد جِهَادَهُ.
حديث مالك (٣)، عن يحيى بن سعيد, قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا وقبرٌ يُحفر بالمدينة. فاطَّلع رجلٌ في القبر، فقال: بئس مضجع المؤمّن. فقال رسول الله ﷺ : "بِئسَ مّا قُلْتَ" فقال الرَّجلُ: إنِّي لم أرد هذا يا رسول الله، إنّما أردت القتل في سبيل الله. فقال رسول الله ﷺ :" لَا مِثْلَ لِلْقَتْلِ في سَبِيلِ الله. مَا عَلَى الأَرْضِ بُقعَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَىَّ أَنْ يَكُونَ قَبْري بِهَا مِنْهَا، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ".
стр. 2153
الإسناد:
قال الإمام: الحديثُ مُرْسَلٌ (١)، والمعنى صحيحٌ (٢).
وقوله: "بِئسَ مَا قُلْتَ" فيه من الفقه أنّه ﵇ ربما خفي عليه مراد أصحابه حتّى يتبين، له كلما قال داود ﵇: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ (٣).
الفوائد والشّرح:
وهي ثلاث فوائد:
الفائدةُ الأولى:
قوله: "بِئسَ مَضجَعُ المُؤمِنِ" القبر، فقال له النّبي ﷺ : "لا تقل بئس" فإنّه روضةٌ من رِيَاضِ الجنّة أو حُفرة من حفر النّار، فقال الرَّجل: إنّما أردت القتل في سبيل الله، فقال له النّبيّ ﷺ : "نعم القتلُ في سبيل الله خيرٌ منه".
الفائدةُ الثّانية:
تمنَّى رسولُ الله ﷺ القتلَ في سبيل الله لثلاثة معانٍ:
١ - يحتمل أنّ يحرّض أُمَّته على الجهاد.
٢ - الثّاني: أنّ يفقد غُصَّة الموت، ألَّا تراه حين حضره أدخل يده في الماء مرَّات ومسح وجهه وقال: "إنْ للموتِ لسَكَراتٍ" (٤).
٣ - الثّالث: إنّما قال ذلك لكي يجيء يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا، اللّون لون دم والرّيح ريح المسك.
стр. 2154
الفائدةُ الثّالثة (١):
قوله ﷺ : "مَا عَلَى الأَرْضِ بُقْعَةٌ أحبّ إِلىَّ أنّ يَكُونَ قَبْرِي بِهَا" ظاهرُهُ يقتضي تفضيل المدينة على ما سواها, ولذلك أَحَبَّ أْن يكون قبره بها دون مكّة (٢).
وقد قيل: إنَّ ذلك معنى الهجرة، وليس ببيّن (٣)؛ لأنّه لو كان كذلك لم يعلّق الحُكم بالبقعة ولعلَّقَهُ بالهجرة، وهذا في حال الإخبار، وليس فيه دليلٌ على أنّ يكون فضّل أنّ يكون قبره بالمدينة على القتل في سبيل الله (٤)، لا على بقعة لا يقبر فيها.
باب ما تكون فيه الشهادة
الحديث مرسل.
وفيه خمس فوائد:
الفائدةُ الأولى (٥):
قول عمر بن الخطّاب (٦): "اللهُمَّ إِنِّي أَسْألُكَ شَهَادَةً في سَبِيلِكَ. وَوَفاةً بِبَلَدِ رَسُولِكَ" وهذا أيضًا يقتضي تفضيل المدينة على سائر البُقَعِ مكّة وغيرها, ولو كانت عنده مكّة أفضل لتمنّى أنّ يُقْتَلَ بها مسافرًا أو حاجَّا, ولا يكون ذلك نقضًا لهجرته، وقد
стр. 2155
علم من فضل المدينة ما علم على ما يأتي بيانه في " كتاب الجامع" إنَّ شاء الله، وقد أجمع المسلمون على أنّ هذا الدّعاء مستجابٌ، وأنّه ﵁ شهيدٌ، وهذا يقتضي أنّ من قُتِلَ على هذا الوجه، وإن لم يُقْتَل في حربٍ ولا مدافعة، فإنّه شهيدٌ.
الفائدةُ الثّانية (١):
قوله (٢): "كرَمُ المُؤمِنِ تَقْوَاهُ" يحتمل أنّ يكون مأخوذًا من قوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الآية (٣)، يريد أنّ كرمه في نفسه وفضله تقوى الله (٤).
الفائدةُ الثّالثة (٥):
قوله (٦): "وَدِينُهُ حَسَبُهُ" يريدُ أنَّ انتسابَهُ إلى الدَّينِ هو الشّرف، وأمّا انتسابه إلى أبٍ كافرٍ على وجه الفَخر فممنوعٌ، وانتسابه إلى أبٍ صالح على أنّ له بذلك فضلًا لا بأس به، غير أنّ انتسابه إلى دِينِهِ الّذي يخصّه أتمّ في الشّرف.
المسألة الرّابعة (٧):
قوله (٨): "وَمُرُوءَتُهُ خُلُقُهُ" يريدُ أنً المروءةَ مختصّة بالأخلاق من الصّبر والحِلْمِ والمواساة والإيثار.
الفائدةُ الخامسة (٩):
قوله (١٠): "وَالشَّهِيدُ مَنِ احْتَسَبَ نَفْسَهُ" يريد مَنْ رَضِيَ بالقتل في طاعة الله رجاءَ ثواب الله تعالى.
стр. 2156
باب العمل في غسل الشهداء
الفقه في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى:
قال علماؤنا: الشّهداء ثمان، سبعةٌ يُغسَلُونَ ويُكَفَّنون ويصلّى عليهم، إِلَّا المقتول في سبيل الله، ففيه ثلاثة أقوال:
القول الأوْل: أنّه إن مات في المعترك فإنهه لا يُغَسَّل ولا يصلَّى عليه.
الثّاني: وإن حُمِلَ إلى داره بعد أنّ أجهز عليه في المُعْتَرَكِ، وماتَ بعد ذلك بأيّامٍ، لم يغسل ولا يصلَّى عليه أيضًا
الثّالث: إنَّ جُرِحَ وحمل إلى داره ولم ينفذ مقاتله فمات، غُسِلَ وَصُلَّيَ عليه.
الأصلُ فيه: أنّ كلَّ موضعٍ تجبُ فيه القسامةُ فإنّه يغسل ويصلَّى عليه، وكلّ موضعٍ لا تجبُ فيه القسامة وإنمّا يَجِبُ فيه القَوَدُ لا يغسل ولا يصلّى عليه.
وقال بعض البغداديين: الشُّهداءُ عشرة: ثمانيةٌ يصلّى عليهم وَيُغسَلُون، واثنانِ لا يغسلان ولا يصلّى عليهما، في كلام طويل بيّنَاه في "كتاب الجنائز".
المسألة الثّانية (١):
قول ابن عمر (٢): "غُسِّلَ وَكُفِّنَ" يريد: غسل الميِّت المشروع، وقد تقدَّم في "الجنائز"كيفيتُه. وأنّ الشّهادة فضيلة تسقط فرض الميَّت واستئناف كفنه، وتسقط الشّهادةُ فرضَ الصَّلاة عليه، وبه قال الشّافعيّ (٣).
وقال أبو حنيفة: لا يغسل الشّهيد ولكن يصلّى عليه (٤).
стр. 2157
قال ابن المسيَّب والحسن (١): يغسل ويصلَّى عليه (٢).
ودليلنا: ما رُوىَ عن جابر عن النّبيّ ﷺ أنّه كان يجمع بين الرّجلين من قتلى أُحُدٍ في ثوبٍ واحدٍ ثمّ يقول: "أَيُّهُمْ أَكثَرُ أَخذًا للِقُرْآنِ" فإذا أُشِيرَ لَهُ إِلى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ وقال: "أَنا شَهِيدٌ على هؤُلَاءِ يوْم القِيامَةِ" وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، ولم يُغَسَّلوا ولم يُصَلَّ عليهم (٣).
ومن جهة المعنى: أنّ هذا معنىً يُسقِط فرض غسْلِهِ، فوجبَ أنّ يُسقِط فَرْضَ الصَّلاة عليه، أصلُ ذلك الخوفِ (٤).
المسألة الثّالثة (٥):
هذا حُكمُ من خرج مجاهدًا في سبيل الله، لا يختلفُ المذهبُ فيه، وأمّا من غزاهُ العدوِّ في عُقْر داره، فدافَعَ عن نفسه فَقُتِل:
فقال ابن القاسم. يُغْسَل ويصلَّى عليه (٦).
وقال أشهب (٧) وابنُ وهب: لا يُغسَل ولا يصلّى عليه (٨).
стр. 2158
باب ما يُكْرَهُ من الشّيء يُجعل في سبيل الله
التّرجمة (١):
قال الإمام: كذا قال يحيى في هذه التّرجمة، وتَابَعَهُ على ذلك جماعةٌ من رُواةِ "الموطّأِ" ومعنى ذلك يحتمل أنّ يُريدَ به أنّه يكره الشّيء الّذي جُعِلَ في سبيل الله أنّ يُجعَلَ في غيره (٢).
ويحتمل أنّ يريدَ أنّه يُكرَهُ أنّ يُؤخَذَ على وجه التَحَيُّلِ.
والصّحيح من هذه التّرجمة (٣) ما في كتاب ابن بُكير (٤) فإنَّه قال فى هذه التَّرجمة:
стр. 2159
"بابُ ما يُكرَهُ من الرّجعة في الشيء يُحْمَلُ عليه في سبيل الله"، وتابَعَهُ عليه القَعَنَبِىُّ (١)، وذكر حديث الفرس الّذي حمل عليه عمر في سبيل الله ثّم أراد أنّ يبتاعه، وهو الصّواب في هذه التّرجمة، والله أعلم.
الفقه في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى (٢):
قوله (٣):"كَان يحْمِلُ في العَامِ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلفَ بَعِيرِ" لكثرة من كان يحمله ممّن يريد السَّفر ممّن لا يقدر على المشي، فكان عمر يتّخذ من الإبل ما يحمل عليه من مال الله تعالى.
المسألة الثّانية (٤):
قوله (٥):"يحْمِلُ الرَّجُل إِلَى الشَّامِ عَلَى بَعِيرٍ. وَيَحْمِلُ الرَّجُلَينِ إِلَى العِرَاقِ، عَلَى بَعِيرٍ". قال الدّاودي: كان ذلك ليسر أهل العراق (٦).
وقال غيره (٧): إنّما كان لكثرة العدوِّ بالشام، وخروج النَّاس إلى الغَزو هنالك.
ويحتمل أنّ يكون فَعَلَ ذلك لأنَّ طريق العراق كانت أسهلَ وأعْمَرَ، وكان طريق الشّام أَوْعَر وأَخْلَى من النَّاس، فكان من انقطع به فيها يتعذَّر عليه موضع مقام.
стр. 2160
المسألة الثّالثة (١):
قول الرَّجل (٢): "احْمِلْنِي وَسُحَيمًا" ليُرِيه أنّه كان له رفيق يُسمَّى "سُحَيْمًا" (٣) ليعطيه البعير، ففهم عمر ﵁ ما أراد، لقول رسول الله ﷺ : "قد كان فيما مَضَى قبلَكُم من الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فإن كان في أُمَّتي منهم أَحَدٌ، فإنَّه عُمر" (٤).
باب الترغيب في الجهاد
التّرجمة:
ترجم المصنفون في كتبهم: "باب ركوب البحر في الغزو" (٥) إِلَّا مالكًا ﵀ فإنّه قال: "باب التّرغيب في الجهاد" وساق حديث أمّ حَرَامٍ (٦)، وهو حديث صحيحٌ مليحٌ، خرَّجَهُ الأيمّة: مسلم (٧)، والبخاري (٨)، والترمذي (٩)، وغيرهم (١٠).
стр. 2161
الفقه والفوائد وهي عشر فوائد:
الفائدةُ الأولى (١):
قولُه (٢): "فدخل عَلَى أُمَّ حَرَامٍ بنْتِ مِلْحَانَ" ابنة ملحان كانت خالته من الرّضاعة، فلأجل ذلك جاز له الدّخول عليها.
وقيل: إنَّ النّبي كان معصومًا يملك إربه عن زوجه، فكيف عن غيرها ممّا هو المنزّه عنه، كتنزيه يوسف وداود عن الفعل القبيح أو قول الرّفث، ومنزلة النّبوَّة مرتفعةٌ متقدّسةٌ عن هذا الميل كله، فيكون ذلك مخصوصًا بالنّبي ﷺ .
ويحتمل أنّ يكون ذلك قبل نزول الحجاب.
الفائدةُ الثّانية (٣):
وقوله (٤): "وَتُطعِمُهُ" يحتمل أنّ يكون ما أطعمته من مالها، وأنّه يسيرٌ من كثيرٍ، فلذلك استجاز أكله.
ويحتمل أنّ يكون من مال زوجها (٥)، فجاز له أكله لما علم أنّه يُسَرٌ بذلك، وقد يجوز للإنسان يَمُرُّ على موضع فيه ثمرٌ أو طعامٌ لصديق يَعْلَمُ أنّه يسرّ بما يأكل منه فإنّ له أنّ يأكل من ذلك.
وأخصر من هذا أنّ نقول: لا يخلو أنّ تكون أَطعَمَتهُ من مالها، أو من مال زوجها، فإن كان من مالها فلا كلام فيه، وإن كان من مال زوجها فقد قال النّبي ﷺ :
стр. 2162
"مَا أَنْفَقَتْهُ المَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زوْجِهَا غير مُفْسِدةٍ كَان لَهُ أَجْرُ ذلك" الحديث (١). وهذا في غير النّبيّ ﷺ ، وأمّا في حقه فلا حُرْمَةَ للمال دونه.
الفائدةُ الثّالثة (٢):
قوله: "كانَت تَفْلِي رَأسَهُ" يدلُّ على أنّ المرء له أنّ يتفقّد نفسَهُ بنَفْيِ دَرَنِهِ، وأمّا الحيوان، فلا أعلم له ذكرًا إِلَّا في هذا الحديث.
وأمّا الدَّرَنُ، فلم يكن للنَّبىِّ ﷺ دَرَنٌ قط، بل ريحه ريح المسك، ونفحته نفحة مسك، فقد كان ينام ﷺ عند أمّ سليم فتجمع عرقه وتذيب بها عطرها، وتقول: هذا أَطيَب الطِّيبِ (٣).
الفائدةُ الرّابعة (٤):
قوله: "فَنَامَ" وكان قائلًا، لقوله: "دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا" ولم يقل: ليلةً، ونومُ القائِلَةِ أصل في مَعُونَةِ الدِّين لمن يقومُ اللَّيلَ ويُحْيِيهِ بالطّاعة.
الفائدةُ الخامسة (٥):
قوله: "فَاسْتَيقَظَ وَهُوَ يَضحَكُ" إنّما يكون ذلك من مفروحٍ به، كما أنّ البكاء
стр. 2163
يكون من محزون به، والَّذي فرح به رسولُ الله ﷺ ما عَايَنَ من ظهور أُمَّته في سبيل الله، ويكون الضّحك ثمرة الفرح وسبب الجُود والعطاء، وبه وُصِفَ البارئ سبحانه: "يا واسع العطاء".
الفائدةُ السّادسة (١):
قوله: "فَسَأَلَتهُ" (٢) وإنَّما كان السؤال لأنّها جهلت السّبب لعدم حضوره، وعلمت أنّه لأمر اطلع عليه في منامه، فأرادت معرفتَهُ. فقال: "نَاسٌ مَنْ أمَّتِي عُرِضُوا عَلَىَّ يركَبُونَ ثَبَجَ هذا البحرِ مثلَ الملوك على الأَسِرَّةِ".
أمّا قوله: "مِثلَ الْمُلُوكِ" قد بينّا حقيقة الملك في "السِّراج" (٣) وفي "الكتاب الكبير" (٤) لنا.
وأمّا قوله: "يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذا الْبَحْرِ" الثَّبج عَظمُ كلّ شيء أو ظهره.
وقيل: الثبج لجّته أو ظهره (٥).
فأفاد هذا فائدتين:
إحداهما: أنّ رؤيا الأنبياء وحىٌ.
الثّانية: ركوبُ البحر، بيّن فيه جواز ركوب البحر في الطّاعة والغزو، وقد كان عمر
стр. 2164
يمنع منه (١)، حتّى أذن فيه عثمان بن عفّان لمعاوية فركبه، ثمّ منعه عمر بن عبد العزيز (٢) وكان يقول: دودٌ على عود (٣)، ولِمَا رواه أبو داود (٤) وغيرُه (٥) واللّفظ لعبد الله بن عمرو, أنَّ رسول الله ﷺ قال:"لَا يركبُ البحرَ إِلَّا حاجٌّ، أو مُعْتمِرٌ، أو غازٍ في سبيل الله، فإنّ تحت البحرِ نارًا وتحتَ النّار صخرًا (٦) " وقد بيّنَّا ذلك في كتاب الطّهارة (٧) في قوله: "إنَّا نَرْكبُ البحرَ ونَحمِلُ القليل من الماءِ" (٨)، وأشبعنا القول فيه في "الكتاب الكبير" لنا، فمن أراد أنّ يعلم أنّ الحَوْل والقوّة لله ولا حِيلَة لأحدٍ فيه فليركب البحر.
وأمّا دخوله للتجارة، فقال سحنون: من ركب البحرإلى الرّوم في طلب الدّنيا فهي جُرْحَةٌ فيه، وقال: وقد نهى عن التّجارة إلى أرض السّودان؛ لأنّ أحكام الكفر تجري
стр. 2165
عليه هنالك.
نُكْتَةٌ:
وأمّا إذا ركب البحر فمَادَ فيه، وهو اضطراب جوفه ورأسه، وهو مأخوذ من مادَ يميدُ، ومِنْ مادتِ الأرض، من قوله تعالى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (١) أي: تضطرب.
فإذا كان على هذا الحال، فهل يركبه أم لا؟
فقيل: لا يركب لأنّه معطِّلٌ للصَّلوات.
وقيل: يركبه ويصلِّي؛ لأنّه مرض يعتريه في سبيل الله، وقد رُويَ في الآثارِ عن النّبىّ ﷺ أنّه قال:" ألْمَائِدُ في البَحْرِ يُصِيبُهُ القَيْء، لَهُ أَجْر شَهِيدٍ، وَالْغَرِقُ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ"، خَرَّجَهُ أبو داود (٢) عن أمِّ حِرَام، وهو حديثٌ حسنٌ.
الفائدةُ الثامنة (٣):
بَيَّنَ في هذا الحديث غزو النِّساء في البحر (٤)، وقد كان النِّساءُ يغزون مع النّبيّ ﷺ .
وقال مالك: يُكرَهُ للمرأةِ غزو البحرِ (٥).
وقال علماؤنا: إنّما ذلك لضيق الحال فيه، وعارِ الانكشاف وعدمِ التحرّز ممّن ركبه، فربّما رأى المرأةَ من لا ينبغي أنّ يراها، ويرى ما لا يحلّ له، وترى هي من غيرها كذلك، وإن كانت في موضعٍ مستورٍ محجوبةً لا تنكشف فهي في سَعَةٍ (٦). وهذه الحالة
стр. 2166
كانت في خلافة عثمان وقت أنّ كان السّفر سنة ثمان وعشرين، ركب معاوية البحر ومعه امرأته فاختة ابنة قرظة من بني عبد مناف، ومعه عبادة بن الصّامت وامرأته هذه أم حرام بنت ملحان، فأتى قبرس، فتوفيّت أم حرام بها، فَقَبَرَهَا هناك (١).
نكتةٌ:
وفي هذا الحديث قصّة أخرى، وهي إثبات معجزة من معجزات النّبيّ ﷺ بخبره الصادق بذلك, لأنّها ركبَتّهُ في زمن معاوية.
و"قال (٢) أهل السِّير كانت غزوة معاوية هذه في زمن عثمان، قال خليفة بن خيّاط (٣) عن ابن الكلبي: إنَّ هذه الغزوة كانت سنة ثمان وعشرين. وقال الزُّبير بن بكَّار (٤): ركب معاوية البحر غازيًا بالمسلمين في خلافة عثمان إلى قبرس، ومعه أم حرام، فركبت بغلتها حين خرجت من السفينة فصرعت فماتت. ورواية أهل السِّير لا يعتمِدُ عليها أهل الحديث.
وظاهرُ قوله: "في زَمَنِ مُعَاوِية" يقتضي وقت إمارته وهو الأظهر (٥)، ولو صحّ ما قاله أهل السِّير لجاز أنّ يريد بقوله: "في زَمَنِ مُعاوِيَة" أي في وقت ولايته على الشّام،
стр. 2167
وذلك في زمن عمر إلى آخر زمن عثمان وبعده" قاله الباجي في "المنتقى" (١).
الفائدةُ التّاسعة (٢):
هذا الحديثُ أصلٌ في تفضيل معاوية؛ لأنّ الأوّلين الذين ركبوا البحر كانوا معه، وهذه نكتةٌ مليحةٌ (٣)، ولكن البخاريّ لم يدخله في فضله لأجّلِ أنّه دخل بعد ذلك في الفتنة. وأدخل مسلمٌ (٤) في فضله حديث ابن عبّاس حين دَعَاهُ النّبىّ ﷺ ، فلم يأتِ، وقال الرّسولُ الّذي أرسله النّبىُّ ﷺ إليه: وجدته يأكل، فقال النّبيّ ﷺ : "لَا أَشبَعَ اللهُ لَهُ جَوْفًا"، أو قال: "لَا أَشبَعَ الله لَهُ بَطنًا"، ثُمَّ أدخل بعد ذلك حديث النّبيّ ﷺ : "اللَّهُمَّ إنِّي بَشَرٌ فأيّما رَجُلٍ سَبَبتُه أَوْ لَعَنتُهُ فَاجْعَل ذَلكَ صَلَاةً عَلَيهِ وَرَحْمَةً" (٥) فكانَ دعاءُ النّبىِّ ﷺ في دعائه: " لَا أَشْبَعَ اللهُ لَهُ بَطنَهُ" أَصْلًا في غِنَاه بعد فقره، وجوده وسخائه وقناعته، بل ذلك بقول النّبيِّ ﷺ له، ونصّ على ولايته في قوله للحسن:"إِنَّ ابْني هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أنّ يُصْلِحَ بِهِ بَينَ فِئَتَينِ عَظِيمَتَينِ مِنَ المُسْلِمِينَ" (٦) فسلَّمَ الحَسَنُ الأمر إلى معاويةَ بصُلحٍ أَخْبَرَ عنه النّبىُّ ﷺ في شأن الحسن على سبيل المَدْح للحَسَنِ، ولو كان الذى قاتله الحَسَنُ مذمومًا لما مَدَحَهُ النّبيّ ﷺ بقوله:"وَلَعَلَّ الله أَن يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئتينِ عَظِيِمَتينِ مِن المُسْلِمِينَ".
стр. 2168
تنبيةٌ على وهمٍ (١):
ظَنَّ بعضُ النَّاسِ (٢) أنّ بقاء الغزو مع البرّ والفاجر إلى يوم القيامة يخرج من هذا الحديث بقوله: "وَأَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ" بعد قولها بعد ذكر الطّائفتين: "ادْعُ الله يَا رَسُولَ اللهِ أنّ يَجْعَلنِي مِنْهُمْ" في مرّتين، فقال لها أخيرَا: "أَنْتِ مِنَ الأَوَّلين".
ويحتمل أنّ يكون المراد بالطّائفة الثّانية غير الأولى، بقوله ﷺ : "نَاسٌ من أُمَّتِي" وذلك يقتضي العموم، ولا للاحتمال.
وفيه: جواز ركوب البحر في الأسفار المباحة، وهو صحيح لعموم قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية (٣).
حديث مالك (٤)، عن يحيى بن سعيد, قال: لما كان يوم أحدٍ، قال رسول الله ﷺ : " مَنْ يَأتِيِنِي بِخَبَرِ سَعْدِ بْنِ الرَّبيعِ الأَنْصَارِيَّ؟ " فقال رجلٌ: أنا يا رسولَ الله، فذهب الرَّجلُ يطوفُ بين القتلى، فقال له سعدُ بنُ الربيع: ما شانُكَ؟ فقال له الرَّجلُ: بعثني إليك رسولُ الله ﷺ لآتِيَهُ بخَبرِكَ. قال: فاذهَت إليه فأَقْرِأهُ منَّي السّلامَ، وأَخبِره أني قد طُعِنْتُ اثنتَيْ
стр. 2169
عَشْرَةَ طعنةَّ. وأنِّي قد أُنفِذت مَقاتِلي، وأخبر قومَكَ أنّه لا عُذرَ لهم عند الله إنَّ قُتِلَ رسولُ الله ﷺ ، وواحدٌ منهم حيٌّ".
الإسناد:
قال القاضي ﵁: هذا حديث مُرسلٌ (١)، والحديثُ صحيحٌ من وجوهٍ، خرّجه الأيمة: مسلم والبخاري (٢)، وغيرهما (٣) في الصّحيح.
وفيه فائدتان:
الفائدةُ الأولى (٤):
قول سعد بن الرّبيع: "قَدْ أُنْفِذت مَقَاتِلِي" إعلامٌ بِفَوَاتِ لقائه النّبيّ ﷺ ، ولعلّه استدعى بذلك ترَحُّمَهُ عليه.
الفائدةُ الثّانية (٥):
ثمّ أوصى قومه بأن يَفْدُوا النّبيّ ﷺ بأنفسهم، وأن لا يوصل إليه، ومنهم
стр. 2170
حيّ (١)، وهذا يقتضي أنّه كان يجب على المسلمين وقايته ﷺ بأنفسهم وبذلها دونه، وإنّما (٢) أدخله مالك في فضيلة الجهاد وما (٣) كان عليه السّلف من الوقاية لرسول الله.
حديث مالكٍ (٤)، عن يحيى بن سعيد, أنّ رسول الله ﷺ رَغَّبَ في الجهاد، وذَكْرَ الجنةَ، ورجلٌ من الأنصار يأكُل تَمَرَاتٍ في يدِه، فقال: إنِّي لحريصٌ على الدّنيا إنَّ جَلَستُ حتّى أفرُغَ منهنّ، فَرَمَى ما في يده، فحملَ بسيفه، فقاتل حتّى قُتِلَ.
الإسناد:
الحديثُ مُرْسَلٌ ولكنه صحيحٌ في مَتْنِهِ، ويُسنَدُ من طريق آخر غير هذا (٥).
وفي هذا الحديث خمس فوائد:
الفائدةُ الأولى (٦):
قوله:"رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَأكُلُ تَمَرَاتٍ في يَدِهِ". ذكر أهل السَّير (٧) أنّه عُمِير بن الجموح الأنصاري السُّلمي (٨)، فحمله يقينُه لما قاله رسول الله- ﷺ على أن طرح التمرات وحمل بسيفه، وذكر أهل السِّيَر (٩) الواقدي (١٠) وغيره أنّه حمل وهو يقول:
стр. 2171
رِكْضًا إِلَى اللهِ بِغَيْرِ زَادِ
إِلاَّ التُّقَى وَعَمَل الَمَعَادِ
وَالصَّبرِ في اللهِ عَلَى الجِهَادِ
وذكروا أنّ هذا كان يوم بدر، وقد كان مع النّبيّ ﷺ جماعة أصحابه وهم ثلاث مئة وبضعة عشر (١)، فيحتمل أنّ يكون حمل عُمَيْر مع جماعة النَّاس، ويحتمل أنّ يكون انفرد به على جماعة من المشركين، وهذا جائز أنّ يحمل الرَّجل وحده على الكتيبة، لاسيَّما من علِمَ من نفسه شدّة وقوّة، وكان مع أصحابه من العَدَدِ ما يعلم أنّهم مُحْتمون دونه، وقد رُوِيَ عن مالك أنّه يجوز للرّجل إذا علم من نفسه قوّة أنّ يبارز الجماعة ولا تكون تلك تَهْلُكَة، وأمّا من كان رأس الكتيبة وعلم أنّه إذا أُصِيبَ هلك من معه من المسلمين، فالصّواب أنّ لا يتعرّض للقتال إِلَّا أنّ يضطرّ إليه, لأَنّ في بقائه بقاء المسلمين.
مسألة طبولية:
قال القاضي ﵁: أجمع كلُّ من يُحْفَظ عنه من أهل العلم على أنّ للمرءِ أنّ يُبَارِزَ ويدعو إلى البِرَازِ بإذن الإمام (٢).
أمّا الحسن البصري فإنّه كان يكره المبارزة ولا يعرفها (٣).
стр. 2172
واختلف العلّماءُ في البِرَازِ بغير الإمام:
فكرهت ذلك طائفة إِلَّا بإذن الإمام، وبه قال أحمد (١)، وإسحاق، والثّوريّ (٢).
واختلف فيه عن الأوزاعيّ، فقال مرّة: لا يُبارز إِلَّا بإذن الإمام. وحُكِيَ عنه أنّه قال: لا بأس به.
وأباحت طائفةٌ البِرَازَ ولم تذكر إذن الإمام ولا غير إذنه، وهو قول مالك (٣)، وسُئِلَ مالك عن الرَّجل يقول بين الصّفين من يُبَارِز؟ فقال: ذلك إلى نِيَّتِه، إنَّ كان يريدُ اللهَ بِذلك، فأرجو أنّ لا يكون به بأسٌ، وقد كان يُفْعَل ذلك فيما مضى (٤).
خاتمة:
قال القاضي: والمبارزة بإذن الإمام حسنٌ، وليس على من بارز بغير إذن الإمام حَرَجٌ، وليس ذلك بمكروه, لأنّي لا أعلم خبرًا يمنع من ذلك، بل الأخبار تدلُّ على ذلك، لما ثبت أنّ أبا قتادة بارز رجلًا من المشركين يوم حنين، قال: فقتلته، فأعطاني رسول الله ﷺ سَلَبَه (٥)، وفي "كتاب الصّحابة" لأبي عمر, أنّ البراء بن مالك بارز سبعين رجلًا واحدًا واحدًا، فقتلهم (٦).
وقال الشّافعيّ: لا بأس بالبِرَاز (٧).
стр. 2173
مسألة:
واختلفَ العلّماءُ في معونة المُبَارِز: فمنهم من منع، ومنهم من رخّص، فمن رخّص في ذلك (١): أحمد (٢) وإسحاق. وقال أحمد: أليس قد أعانوا يومَ بَدْرٍ بعضهم بعضًا، وبهذا المعنى قال الشّافعيّ (٣). وقال: لا بأس أنّ يعينه على غيره، وذَكَرَ قصّة عليّ وحمزة وعُبَيْدَة ومعونة بعضهم بعضًا. وأكثر العلماء على أنّ المعونة في البِرَازِ جائزةٌ.
حديث مالك (٤)، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ بنْ جبل, أنّه قال: الغزو غزوان: فغزوٌ تُنفق فيه الكريمةُ، وُيياسر فيه الشّريكُ، ويُطاع فيه ذو الأمرُ، ويُجتنب فيه الفسادُ، فذلك الغزو خيرٌ كلُّه. وغزوٌ لا تُنفق فيه الكريمة، ولا يُياسر فيه الشّريك، ولا يُطاع فيه ذو الأمر، ولا يُجتنب فيه الفسادُ، فذلك الغزو لا يَرجِعُ صاحبُهُ كفافًا.
الإسناد:
قال القاضي ﵁: المعنى في هذا الحديث صحيحٌ (٥) , وكذا خُرَّجَ في المصنَّفَاتِ (٦).
وفيه ثلاث فوائد:
الفائدةُ الأولى (٧):
قوله: "تُنْفَقُ فِيهِ الكَرِيمَةُ" يريد كرائم الأموال.
ويحتملُ أنّ يريد بالكريمةِ أفضل المتاع، مثل أنّ يغزو على أفضل الخيل، وبأفضل
стр. 2174
السّلاح، فيكون إنفاقها في سبيل الله ابتياعها لذلك، ويكون استعمالها في ذلك حتّى يعطب الفرس ويفنى السِّلاح.
ويحتمل أنّ يريد بإنفاق ذلك في سبيل الله، وأن يحبس ذلك في سبيل الله على أفضل من يغزو به معه.
الفائدةُ الثّانية:
قوله: "وَيُيَاسَرُ فِيهِ الشَّرِيكُ" يريد موافقته وطاعته دون مخالفته في ذلك.
و"الشَّريكُ" يريدُ الرَّفِيقَ (١).
الفائدةُ الثّالثة:
قوله: "وَيُطاعُ فِيهِ ذُو الأَمرِ" يريدُ امتثال أَمْرِهِ، وقد بينَّا أنّ لا جهادَ إِلّا بإمامٍ، وأنَّ أمرهُ مطاعٌ برًّا كان أو فاجرًا ,ولو كان أسود حبشيَّا ذا زَبِيبَتَين (٢).
باب ما جاء في الخيل والمسابقة بينها والنفقة في الغزو
مالك (٣)، عن نافعِ، عن عبد الله بن عمر, أنّ رسول الله ﷺ قال: "الخيلُ في نَوَاصِيهَا الْخَيرُ إِلَى يَوْمِ الْقيَامَةِ".
стр. 2175
الإسناد:
قال القاضي ﵁: هذا حديثٌ مسندٌ صحيحٌ، خَرَّجَهُ الأيمَّةُ: مسلم (١)، والبخاري (٢)، وغيرهما (٣).
وفيه فوائد:
الفائدةُ الأولى:
قد ذكر البخاريّ (٤) هذا الحديث مفسَّرًا بقوله في حديثه: "في نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، الأَجْرُ والغَنيمَةُ" هذا هو الخير الّذى ذكره في هذا الحديث (٥).
الفائدةُ الثّانية:
قال علماؤنا (٦): يخرج من هذا الحديث أنّ الجهادَ باقٍ إلى يوم القيامة مع كلِّ بَرٍّ وفاجرٍ. وتأويلُه عند علمائنا: أنّ المراد به خيل الغزو (٧) في سبيل الله (٨)، وأنّ الإسلام باق لا تذهب جملته حتّى لا يبقى مَنْ يجاهد عن الدِّين. ويدلُّ أيضًا أنّ أهلَ الكفرِ ومن يجاهد على الدِّين (٤) لا يخلو منهم وقت. هذا ظاهر اللّفظ إِلَّا أنّ يَرِدَ تخصيصه.
حديث مالكٍ (٩)، عن نافع، عن عبد الله بن عمر, أنّ رسول الله ﷺ سابق بين