رِكْضًا إِلَى اللهِ بِغَيْرِ زَادِ
إِلاَّ التُّقَى وَعَمَل الَمَعَادِ
وَالصَّبرِ في اللهِ عَلَى الجِهَادِ
وذكروا أنّ هذا كان يوم بدر، وقد كان مع النّبيّ ﷺ جماعة أصحابه وهم ثلاث مئة وبضعة عشر (١)، فيحتمل أنّ يكون حمل عُمَيْر مع جماعة النَّاس، ويحتمل أنّ يكون انفرد به على جماعة من المشركين، وهذا جائز أنّ يحمل الرَّجل وحده على الكتيبة، لاسيَّما من علِمَ من نفسه شدّة وقوّة، وكان مع أصحابه من العَدَدِ ما يعلم أنّهم مُحْتمون دونه، وقد رُوِيَ عن مالك أنّه يجوز للرّجل إذا علم من نفسه قوّة أنّ يبارز الجماعة ولا تكون تلك تَهْلُكَة، وأمّا من كان رأس الكتيبة وعلم أنّه إذا أُصِيبَ هلك من معه من المسلمين، فالصّواب أنّ لا يتعرّض للقتال إِلَّا أنّ يضطرّ إليه, لأَنّ في بقائه بقاء المسلمين.
مسألة طبولية:
قال القاضي ﵁: أجمع كلُّ من يُحْفَظ عنه من أهل العلم على أنّ للمرءِ أنّ يُبَارِزَ ويدعو إلى البِرَازِ بإذن الإمام (٢).
أمّا الحسن البصري فإنّه كان يكره المبارزة ولا يعرفها (٣).
стр. 2172
واختلف العلّماءُ في البِرَازِ بغير الإمام:
فكرهت ذلك طائفة إِلَّا بإذن الإمام، وبه قال أحمد (١)، وإسحاق، والثّوريّ (٢).
واختلف فيه عن الأوزاعيّ، فقال مرّة: لا يُبارز إِلَّا بإذن الإمام. وحُكِيَ عنه أنّه قال: لا بأس به.
وأباحت طائفةٌ البِرَازَ ولم تذكر إذن الإمام ولا غير إذنه، وهو قول مالك (٣)، وسُئِلَ مالك عن الرَّجل يقول بين الصّفين من يُبَارِز؟ فقال: ذلك إلى نِيَّتِه، إنَّ كان يريدُ اللهَ بِذلك، فأرجو أنّ لا يكون به بأسٌ، وقد كان يُفْعَل ذلك فيما مضى (٤).
خاتمة:
قال القاضي: والمبارزة بإذن الإمام حسنٌ، وليس على من بارز بغير إذن الإمام حَرَجٌ، وليس ذلك بمكروه, لأنّي لا أعلم خبرًا يمنع من ذلك، بل الأخبار تدلُّ على ذلك، لما ثبت أنّ أبا قتادة بارز رجلًا من المشركين يوم حنين، قال: فقتلته، فأعطاني رسول الله ﷺ سَلَبَه (٥)، وفي "كتاب الصّحابة" لأبي عمر, أنّ البراء بن مالك بارز سبعين رجلًا واحدًا واحدًا، فقتلهم (٦).
وقال الشّافعيّ: لا بأس بالبِرَاز (٧).
стр. 2173
مسألة:
واختلفَ العلّماءُ في معونة المُبَارِز: فمنهم من منع، ومنهم من رخّص، فمن رخّص في ذلك (١): أحمد (٢) وإسحاق. وقال أحمد: أليس قد أعانوا يومَ بَدْرٍ بعضهم بعضًا، وبهذا المعنى قال الشّافعيّ (٣). وقال: لا بأس أنّ يعينه على غيره، وذَكَرَ قصّة عليّ وحمزة وعُبَيْدَة ومعونة بعضهم بعضًا. وأكثر العلماء على أنّ المعونة في البِرَازِ جائزةٌ.
حديث مالك (٤)، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ بنْ جبل, أنّه قال: الغزو غزوان: فغزوٌ تُنفق فيه الكريمةُ، وُيياسر فيه الشّريكُ، ويُطاع فيه ذو الأمرُ، ويُجتنب فيه الفسادُ، فذلك الغزو خيرٌ كلُّه. وغزوٌ لا تُنفق فيه الكريمة، ولا يُياسر فيه الشّريك، ولا يُطاع فيه ذو الأمر، ولا يُجتنب فيه الفسادُ، فذلك الغزو لا يَرجِعُ صاحبُهُ كفافًا.
الإسناد:
قال القاضي ﵁: المعنى في هذا الحديث صحيحٌ (٥) , وكذا خُرَّجَ في المصنَّفَاتِ (٦).
وفيه ثلاث فوائد:
الفائدةُ الأولى (٧):
قوله: "تُنْفَقُ فِيهِ الكَرِيمَةُ" يريد كرائم الأموال.
ويحتملُ أنّ يريد بالكريمةِ أفضل المتاع، مثل أنّ يغزو على أفضل الخيل، وبأفضل
стр. 2174
السّلاح، فيكون إنفاقها في سبيل الله ابتياعها لذلك، ويكون استعمالها في ذلك حتّى يعطب الفرس ويفنى السِّلاح.
ويحتمل أنّ يريد بإنفاق ذلك في سبيل الله، وأن يحبس ذلك في سبيل الله على أفضل من يغزو به معه.
الفائدةُ الثّانية:
قوله: "وَيُيَاسَرُ فِيهِ الشَّرِيكُ" يريد موافقته وطاعته دون مخالفته في ذلك.
و"الشَّريكُ" يريدُ الرَّفِيقَ (١).
الفائدةُ الثّالثة:
قوله: "وَيُطاعُ فِيهِ ذُو الأَمرِ" يريدُ امتثال أَمْرِهِ، وقد بينَّا أنّ لا جهادَ إِلّا بإمامٍ، وأنَّ أمرهُ مطاعٌ برًّا كان أو فاجرًا ,ولو كان أسود حبشيَّا ذا زَبِيبَتَين (٢).
باب ما جاء في الخيل والمسابقة بينها والنفقة في الغزو
مالك (٣)، عن نافعِ، عن عبد الله بن عمر, أنّ رسول الله ﷺ قال: "الخيلُ في نَوَاصِيهَا الْخَيرُ إِلَى يَوْمِ الْقيَامَةِ".
стр. 2175
الإسناد:
قال القاضي ﵁: هذا حديثٌ مسندٌ صحيحٌ، خَرَّجَهُ الأيمَّةُ: مسلم (١)، والبخاري (٢)، وغيرهما (٣).
وفيه فوائد:
الفائدةُ الأولى:
قد ذكر البخاريّ (٤) هذا الحديث مفسَّرًا بقوله في حديثه: "في نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، الأَجْرُ والغَنيمَةُ" هذا هو الخير الّذى ذكره في هذا الحديث (٥).
الفائدةُ الثّانية:
قال علماؤنا (٦): يخرج من هذا الحديث أنّ الجهادَ باقٍ إلى يوم القيامة مع كلِّ بَرٍّ وفاجرٍ. وتأويلُه عند علمائنا: أنّ المراد به خيل الغزو (٧) في سبيل الله (٨)، وأنّ الإسلام باق لا تذهب جملته حتّى لا يبقى مَنْ يجاهد عن الدِّين. ويدلُّ أيضًا أنّ أهلَ الكفرِ ومن يجاهد على الدِّين (٤) لا يخلو منهم وقت. هذا ظاهر اللّفظ إِلَّا أنّ يَرِدَ تخصيصه.
حديث مالكٍ (٩)، عن نافع، عن عبد الله بن عمر, أنّ رسول الله ﷺ سابق بين
стр. 2176
الخَيلِ الّتي قد أُضمِرَتْ من الحَفْياء, وكان أمَدُها ثنيّةَ الوَدَاعِ. وسابق بين الخيل الّتي لم تُضْمَرْ من الثَّنِيَّةِ إلى مسجد بني زُرَيْقٍ، وأن عبد الله بن عمر كان ممّن سابق بها".
الفقه في خمس مسائل:
الأُولى (١):
قوله: "سَابَقَ بَينَ الخَيل التِي قَدْ أُضْمِرَت مِنَ الْحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ"* ويُقرأ بفتح الحاء وضمِّها، وهو موضعٌ،* قال موسى بن عقبة: بين الحفياء وثنيّة الوداع ستُّة أميالٍ أو سبعةً، ومن الثَّنيَّة إلى مسجد بني زُرَيق ثلاثة (٢). وهذا نصّ في جواز المسابقة بين الخيل.
وقال ابنُ عبد الحَكَم: هذا دليل على جواز الإضمار، وذلك لا يكون إِلَّا بمنع بعض العَلَفِ واستجلاب العَرَقِ.
نكتةٌ لغوية:
"الإضمار": هو تجويع البهائم على وجه الصّلاح فتكون أقوى للجري.
"السّبق": بإسكان الباء اسم الفعل وهو المصدر، وبفتحها اسم الشّيء الموضوع لذلك.
وقال أبو عبيد (٣):"من أَدخلَ فرسًا بين فرسين، فإن كان يؤمن أنّ يسبق فلا خير فيه، وإن كان لا يؤمن أنّ يسبق فلا بأس به"، وهو الأصل في ذلك.
وقال (٤) القاضي أبو الوليد الباجي (٥): في هذا الحديث "جواز المسابقة بين الخيل،
стр. 2177
لما في ذلك من تدريبها وتدريب من يسابق بها, ولما يبعث عليه من الاجتهاد في ذلك، لمَا جُبِلَت عليه النّفوس من الحِرْصِ على الغلبة وليس تعرف العرب المسابقة إِلَّا بين الخيل والإبل، وكذلك في الإسلام. قاله محمّد بن عبد الحكم.
وقد سابق النّبيُّ ﷺ بين الخيل وبين الإبل (١)، ولا أعلم أنّه سابق بين غيرهما"، وهو جائز (٢).
المسألة الثّالثة (٣):
قوله: " وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ مِمَّنْ سَابَق بِهَا" يحتمل أنّ يُريدَ به الّتى سابقت إلى مسجد بني زُرَيق، وليس في الرَّاكبين للخيل حدٌّ من صغير أو كبير، وخفيف أو ثقيل، وليختر كلّ إنسان لركوب دابّته من أحبّ. وكتب عمر بن عبد العزيز: لا تحملوا على الخيل إِلَّا من احتلم.
стр. 2178
المسألة الرّابعة (١):
قوله (٢): "ولَيس بِرِهَانِ الخَيل بَأسٌ" يريدُ المسابقة بها.
*ومعنى الرّهن عند العرب: وضعُ شيء وثيقةً، ولا يجوز ذلك في الإسلام*.
وقوله: " إِذا كَانَ فِيهَا مُحَلَّلٌ" سمّاه محلّلًا لأنّه لم تجز المسابقة بينهما على شيءٍ يخرجه كلُّ واحدٍ منهما، وإن أخرج أحدهما سَبَقًا والآخر سَبَقًا، وكان بينهما محلَّلٌ، إنَّ سَبَقَ أخذ، وإن سُبِقَ لم يكن عليه شيءٌ، فهذا الّذي اختاره ابن المسيَّب.
قال محمّد (٣): وهو قياس قول مالك الآخر، قال محمّد: وبه آخُذُ، *وان سبق لم يكن عليه بأس*، والمشهور عن مالك منعه (٤).
المسألة الرّابعة (٥):
قال علماؤنا (٦): وليس من شرطِ هذا الرّهان أنّ يعرف كلّ واحد جري فَرَسِ صاحبه، ولا تشترط صفة الرّاكب من ثقل وخِفَّة، وإنّما ذلك بحسب ما يتّفق.
حديث مالك (٧)، عن يحيى بن سعيدٍ, أنّ رسول الله ﷺ رُئيَ وهو يمسَحُ وَجْهَ
стр. 2179
فرسه بردائه، فسُئل عن ذلك؟ فقال: "إنِّي عُوتِبتُ اللَّيلَةَ في الْخَيلِ".
الإسناد:
قال القاضي ﵁: هذا حديث مُرْسلٌ (١)، والحديث صحيحٌ.
وفيه فائدتان:
الفائدةُ الأولى:
قال علماؤنا (٢): يحتمل أنّ يكون ذلك وحيًا في غير منام.
الفائدةُ الثّانية (٣):
وفي هذا الحديث: الرّفق بالخيل والإحسان إليها، والنّظر إليها بعين الشّفقة والإحسان.
حديث مالك (٤)، عن حُميدٍ الطويل، عن أنس بن مالكٍ؛ أنّ رسول الله ﷺ حين خرج إلى خيبرَ، أتاها ليلًا، وكان إذا أتى قومًا بليلٍ لم يُغِرْ حتّى يُصْبحَ، فلما أصبَحَ، خرجت يهودُ بِمَسَاحِيهِم ومَكَاتِلهِمِ، فلما رأوه قالوا: محمدٌ والخميسُ. فقال رسول
стр. 2180
الله ﷺ : "الله أَكبَرُ، خَرِبَت خَيبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ، فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ".
الإسناد:
قال القاضي: هذا حديثٌ مُسْنَدٌ صحيحٌ، خرَّجَهُ الأَيمَّة: مسلم (١) ,والبخارى (٢) وغيرهما (٣).
العربية:
قوله:"وَمَكَاتِلِهِم": يريد القُفَّةَ (٤).
وقوله: "قَالُوا مُحمّد والخَمِيس" يريد: الجيش (٥)؛ لأنّ الخميس هو الجيش بالعبرانيّة وغيرها.
الفقه والفوائد:
وهي سبع:
الفائدةُ الأولى (٦):
قوله: "وَكَانَ إِذَا أَتَى قَوْمَا لَيلًا لَمْ يُغِرْ حَتَّى يُصْبحَ" الحديث.
يحتمل أنّ يفعل ذلك لأنّ اللّيل ليس بوقت إغارة، لا سيّما فيما يقرب من الحصون والقُرى؛ لأنّ من خشي أنّ يغار عليه يبيت فيها، فلا يفطن له ولا يظفر به، فإذا خرج عند الصّباح وانتشر النَّاس، أغار حينئذ ليظفر بهم أو ببعضهم.
ويحتمل أنّ يفعل ذلك تثبّتًا، فإن سمع عند الصّباح أذانًا أمسك، وإن لم يسمع أذانًا أغار.
стр. 2181
الفائدةُ الثّانية:
قال (١): "وليس في هذا الحديث ذكر الدّعوة إلى الإسلام قبل القتال".
وقد (٢) اختلف العلماء في ذلك، هل يُؤمَر بها على الإطلاق، أم لا يُؤمَر بها؟
الجواب عن ذلك أنّا نقول: يُؤمر بها من لا يَعلَم، وتسقُط في حق من علم بوصول الدّعوة، واليهود في خيبر قد كان بلغتهم الدّعوة، فمن ذلك لم يأمرهم بدعوة.
وقد قال بعض علماء أهل الأصول: إنَّ هذه المسألة مبْنيةٌ على أنّ العصر ما خلا قط من سمعٍ، أو يجوز أنّ يكون خلا منه، وهي مسألة اختلاف بين أهل الأصول.
وقد احتِج لقوله - من قال: إنّه لم يخل من سمع- بقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية (٣)، وبقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٤).
ومن ينكر القول بالعموم لا يسلّم هذا الاستدلال، وهذا الذى بناه أهل الأصول فيه نظر، وذلك أنّ قصارى ما فيه أنّه ليس في الأرض أمّة إِلَّا وقد بلغتها دعوة الرّسول ﷺ (٥)، وقد يمكن أنّ يكون عند هؤلاء قوم في الأرض لم يبلغهم ذلك، ولا سمعوا بظهور رسول الله ﷺ ، ويظنّون أنّ القتال إنّما كان على جهة طلب الملك، فيؤمرون بالدّعوة.
стр. 2182
فرعٌ (١):
وقد اختلف العلماء أيضًا إذا قاتل من يُؤمَر بدعوته ولم يدعه فقتله، هل عليه الدّية أم لا (٢)؟ وحُجَّتنا النّهي عن قتالهم قبل الدّعوة لا تُوجِبُ مخالفته الدِّية كقتل النِّساء والصِّبيان.
وحُجَّةُ من قال بالدِّية: عموم الأحاديث الآمرة بالدّعوة، وقد قال ابنُ القصّار محتجًّا لمن يَنْفي الدِّية: لو أقام مسلمٌ بدار الحرب مختارًا لذلك وهو قادرٌ على الخروج منها، فوقع قتله أيضًا خطأ، فإنّه لا تؤدّى دِيَته، والله الموقق للصّواب.
الفائدةُ الرّابعة (٣):
وقد اختلف المذهبُ في ذلك:
فقال مالك: أحبُّ إلىَّ أنّ يُدْعَوْا قبل القتال, بَلَغَتْهُمُ الدّعوة أم لم تبلغهم (٤)، إِلَّا أنّ يعُجَّلوا (٥)، سواء قربوا أو بعدوا (٦).
وقال عنه ابن القاسم: لا يبيتوا حتّى يدعوا (٧).
ووجه رواية ابن القاسم: ما رُويَ عن علي ﵁ أنّه قال للنبي- ﷺ يوم
стр. 2183
خَيبَر: يا رسول الله نقاتلهم حتّى يكونوا مثلنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "انْفُذ على رِسْلِكَ، حتّى تَنْزِل بساحَتِهِم، ثّم ادْعُهُمْ إلى الإسلام، وأَخبِرْهُم بما يجب عليهم من حقِّ اللهِ، فَوَاللهِ لأَن يَهْدِيَ الله بك رجُلًا خيرٌ لك من حُمْرِ النَّعَمِ" (١) فظاهِرُهُ يقتضي أنّه يدعوهم فيهتدون.
الفائدةُ الخامسة (٢):
قوله: "فَخَرَجَت بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ" يريدون العمل في بساتينهم وحرثهم، فلمّا رأوه قالوا: محمّد والخميس (٣)، فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر" إعظامًا لله تعالى وإظهارًا لِعُلُوِّ دينه. ثمّ قال: "خَربَت خَيَبَر" وذلك لِمَا رأى من أمرهم وآلة الحرب بأيديهم، فكأنّه نوع من التعالي والزّجر.
الفائدةُ السّادسة (٤):
قوله: "إنَّا إذا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ" يريد أنَّه قد تقدّم إليهم بالإنذار. فلمّا عَتَوا وعاندوا نزلَ بساحتهم نزولَ الانتقام منهم والإذلال لهم.
وقيل (٥): إنّما قال رسول الله ﷺ "اللهُ أَكبَرُ" حين أنجز الله له ما وعده من النّصر لهم، والله أعلم.
حديث مالك (٦)، عن ابن شهابٍ، عن حُميدِ بن عبد الرّحمن بن عوفٍ، عن أبي
стр. 2184
هريرة؛ أنّ رسول الله قال: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَينِ في سَبِيلِ اللهِ، نُودِيَ مِن أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا خَيْرٌ. فَمَنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الصَّلاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ، دُعِيَ منْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدقَةِ دُعِيَ من بَابِ الصَّدقَةِ، وَمَنْ كَانَ من أَهلِ الصِّيَامِ، دُعِيَ مَنْ بَابِ الرَّيَّانِ، فَقَالَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ: يا رسول الله ... " الحديث.
الإسناد:
قال القاضي رضي- الله عنه -: هذا حديثٌ صحيحٌ مُسنَدٌ، خَرَّجَه الأيمَّة: مسلم (١)، والبخاري (٢) وغيرهما (٣)، ولا اختلاف في ذلك.
العربيّة:
كلُّ شيءٍ لا يستغني أحدهما عن صاحبه يقال له زوجان، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (٤). وكذلك يقول الرَّجل: عندي زوجان من الحمام، إذا كان عنده ذكر وأنثى.
الفوائد المطلقة في هذا الحديث:
وهي خمس فوائد:
الفائدةُ الأولى (٥):
قوله: "زَوْجَانِ" يعني من أيِّ جنس كان درهمان أو ديناران، أو سيفان أو رمحان،
стр. 2185
أو رغيفان أو نعلان، أُنْفِقَا في سبيل الله، ومعنى ذلك أنّه أقلّ ما يقع عليه الاسم، والتكرار من العبادة وما يُتَقَرَّب به إلى الله تعالى.
ويحتمل أنّ يريد بذلك: تكرار العمل، فيدخل في ذلك من صلّى صلاتين، أو صام يومين، أو جاهد مرَّتين، وإن كان لفظ الإنفاق فيما قدّمنا أظهر، ولفظُ الغزو والجهاد في سبيل الله أشهر.
الفائدةُ الثّانية (١):
قوله: "نُودِيَ مْنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبدَ اللهِ هَذَا خَيرٌ": يحتمل أنّ يريد بقوله: هذا خَيْر أعدّه الله لك، فأَقْبِلْ إليهَ من هذا الباب.
ويحتمل أنّ يريد: هذا خيرُ أبوابِ الجنةِ لك؛ لأنّه في الخير والثّواب الّذي أُعِدَّ لَكَ.
الفائدةُ الثّالثة (٢):
قول: "فَإِن كَانَ من بَابِ الصَّلاةِ دُعِيَ من بَابِ الصَّلَاةِ" ومعناه: أنّ تكون الصّلاةُ أغلب أعماله، وكذلك قوله: "فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ" ومعنى ذلك: أنّ تكون أغلبَ أعماله، والجهاد كذلك.
الفائدةُ الرّابعة:
"وإِنْ كانَ من أَهلِ الصِّيَامِ دُعِيَ من بَابِ الرَّيْانِ".
قال علماؤنا (٣): خصّ ذلك بدُعاءِ الصّائمِ لِمَا كان في الصّوم من الصّبر على أَلَمِ العطش؛ لأنّ قوله: "باب الرّيَان" أي باب الرّواء وإن كانت تلك كلّها فيها الرّواء، غير أنَّ باب الرّيّان أَرْوَى (٤).
стр. 2186
الفائدةُ الخامسة:
قول أبي بكر الصّديق: "مَا عَلَى مَنْ يُدْعَى مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ" يقول: ما على من يُدعى من بابٍ واحدٍ من كلَّ هذه الأبواب من ضرورة، وقد فاز ونجا (١)، وهذا لا يكون - والله أعلَم - إلَّا لمن جاهد في سبيله، وأنفق ذلك في مرضاته، ولزم الثّغر للرّباط، والحرس للمسلمين والحوطة عليهم، وكان عبد الله بن المبارك ينشد في ذلك (٢):
كُلُّ عَيَشٍ قد أَرَاهُ نَكِدَا ... غَيْرَ رُكْنِ الرُّمْحِ في ظِلِّ الفَرَسْ
وَقِيَامٌ فِي لَيَالِي الدُّجَى ... حَارِسًا للِنَّاسِ في أَقْصَى الحَرَسْ
أَرْفَعُ الصَّوْتَ بِتَكْبِيرٍ بلا ... صَخَبٍ فِيهِ وَلَا صَوْتِ جَرَسْ
بابُ إحراز من أسلَمَ منُ أهل الذِّمَّة أرضَه
قوله (٣): "مَنْ أَسْلَمَ" يريد: من أسلم من أهل الصُّلْحِ، قال به جماعة الفقهاء (٤).
قال الإمام: هذا بابٌ عظيمٌ تَفَطَّنَ له مالكٌ في أن سَاقَهُ في كتاب الجهاد، ولم يسقه في باب الجزية في الزَّكاة؛ لأنّ فيه فقهًا عظيمًا، وفي ذلك خمس مسائل (٥):
стр. 2187
المسألة الأولى: في معرفة الصلح والعَنْوَةِ. والثّانية: في حكم أهل الصّلح في حال حياتهم وكفرهم. الثّالثة: في حكم انتقال الأملاك عنهم حالَ حياتِهم وكفرهم. الرّابعة: في حُكمِ أموالهم بعدَ موتهم على كفرهم. والخامسة: في حكم أموالهم إذا أسلموا.
المسألة الأولى (١):
فأمّا أهل الصّلح، فهم قومٌ من أهل الكفر حَمَوْا بلادهم وقاتلوا عليها، حتّى صُولِحُوا على شيءٍ أَعْطَوْهُ من أموالهم، أو جِزْيَةٍ أو ضريبةٍ التزموها، فما صُولحوا على بقائه بأيديهم فهو مال صُلْحٍ أرضًا كان أو غيره، وما صالحوا به أو أعطوه على إقرارهم في بلادهم وتأمينهم كانَ أرضًا أو غيره، فإنّه ليس بمال صُلْحٍ، ولو أنّ أَهْلَ حربٍ قاتلوا حتّى صُولِحُوا على أنّ لا يكون لهم في الأرض حق، ويؤمنوا في الخروَج من البلد أو المقام به على الذِّمَّة، لَمَا كانت تلك الأرضُ أرضَ صُلْح، وإنّما تكون أرض صلح ما صُولحوا على بقائها بأيديهم، سواء تقدّم ذلك حربٌ أو لم يتقدّم.
نكتةٌ أصوليّة:
اختلفَ العلّماءُ في الصُّلْح هل هو واجبٌ أو مندوبٌ إليه أو مكروه، فالصّحيحُ أنّه يختلفُ باختلافِ الأحوال، وأدخَل البخاريُّ في باب الصُّلْحِ (٢) حديث أنس في التّشاجر، حين ركب النّبيّ ﷺ إلى سعد بن عبادة يعوده وعبد الله بن أُبىّ جالس في حلقة من
стр. 2188
أصحاب الحديث، إلى أنّ قال عبد الله: أَزِلْ عنَّا نَتَنَ حمارِك، فقال له رجل من أصحاب النّبيّ ﷺ : واللهِ إنَّ حمارَ رسولِ الله ﷺ أطيبَ ريحًا منكَ، فتعصب لعبد الله رجل من قومه، فتسابَا وتضاربا، فنزلت الآية: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية (١)، أدخله البخاريُّ حُجَّةً على أهل الصُّلْح وليس بصلح، ولا هو حُجّة؛ لأنّه لا يصلح الصّلح بين المسلم والمنافق (٢)، والحديث غير معمولٍ به، وهو أيضًا مقطوع (٣).
والدليل أيضًا على أنّ الصلح واجبٌ: أنّ الكذب يجوزُ فيه وهو حرام، وإنّما رخّص في جوازه كونه واجبًا، ألَا ترى أنّه يجوز الكذب للمرأة. وقال النّبيّ ﷺ : "لَا يجُوزُ الْكَذِبُ إِلَا في ثلَاث: للمرأة، والصلح بين الرّجلين، وفي الحرب" (٤)، وقيل: للإمام الجائر، وأكثر العلماء على أنّ الصُّلْحَ جائزٌ.
فرعٌ (٥):
فأمّا "الْعَنْوَةُ" فكل ما صار إلى المسلمين على وجه الغَلَبَةِ من أرض أو غيرها،
стр. 2189
دون اختيار من غلب عليه من الكفّار، فهو أرض عَنْوَةٍ، سواء دخلت الدّار عليهم غلبة، أو أجلوا عنها مخافة المسلمين، تقدّمت في ذلك حربٌ أو لم نتقدّم، أقرّ أهلها فيها أو نقلوا عنها .. وقد رَوَى أشهب عن مالك في "العتبية" (١) "أنّ خيبر افْتُتِحَت بقتال يَسِيرٍ، وقد خُمسَت إِلَّا ما كان منها عَنْوَةً أو صُلْحًا - وهو يسير - فإنّه لم يخمس، قال أشهب فقلت: العَنْوَةُ والقتال أليس ذلك واحدًا؟ فقال: إنّما أردتُ الصُّلْحَ".
ولفظُ القتالِ يصحّ أنّ يرادَ به العَنْوَة ويصحّ أنّ يراد به الصُّلح، فإنّ القتال قد يكون سببًا للصُّلْح وسَبَبًا للعَنْوَةِ، ومرادُنا بالصُّلْح والعَنْوَة أنّ الأرض عادت إلى حالها أنّ استقرت بأيدي أربابها بصُلْحٍ صُولِحُوا على ذلك، أو زالت عن ملكهم بالعَنْوَةِ والغَلَبة.
قال مالك: فقسمت خيبر ثمانية عشر سَهْمًا على ألف وثمان مئة رجل، لكلِّ رجلٍ سَهْمُهُ، قال: وما كان افتتح من خَيْبَر خمسه، وقسم الباقي على ما تقدّم، وما خمِّس منها بغير قتال فلم يُخَمَّس وأقطع منها أزواجه.
فاقتضى ذلك أنّ خيبر كانت على ثلاثة أقسام:
١ - قِسْمٌ استولى عليه عَنْوةً بالقتال فخمس، وقسمَ الأربعةَ الأخماس.
стр. 2190
٢ - وقسم أُجْلُوا عنه وأَسْلَموه من غير قتال، فلم يسهم منه لأحدٍ، وكان حكم ذلك كلِّه كحكم الخُمُس، كما فعل النّبيّ ﷺ ببني النضير، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ الآية (١).
٣ - وأمّا فدك، فَصُولِحُوا على النِّصف، ولم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وكانت عَنْوَة بغير قتال (٢)، وهذا عندي يقتضي أنَّه لم يكن لهم النّصف على وجه الصّلح، وكان النّصف على وجه العَنْوَةِ، ولكنه ظهر عليه النّبيّ ﷺ من غير إيجاف ولا رِكاب ولا قتال، وكان حكم ذلك النّصف حكم الخمس.
قال مالك: ثمّ إنَّ عمر أجلى أهل خيبر (٣) وفدك (٤).
وأمّا مكّة، فاختلف أهل العلم في حكمها:
فقال مالك: افتتحت عنوة (٥)، وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي (٦)، وقال الشّافعيّ (٧): إنّما دخلها صُلْحًا.
وقال أصحابه: إنّما فعل فيها فعل من صالحه, فملك نفسه وماله وأرضه
стр. 2191
ودياره، فإن كان هذا فليس بخلاف لقولنا: عنوة.
ودليلنا: ما رُوِيَ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "إنَّ اللهَ حَبَسَ عن مكةَ الفِيلَ، وسلَّطَ عليها رسولَهُ والمؤمنينَ، وإنّها أُحِلَّت لي ساعةً من نهارٍ" (١) والأدلة على ذلك كثيرة.
وأمّا أرض الأندلس، فإن أكثرها افتُتِحَت عَنْوَةً، ومنها ما افْتُتِحَ صُلْحًا، كتُدْمِيرَ (٢) وغيرها، وإلى هذا ذهب ابن حبيب وغيره من علمائنا، وسيأتي حكم ذلك إنَّ شاء الله.
المسألة الثّانية (٣): في حُكمِ أهل الصُّلْحِ حال حياتهم مع بقائهم على كفرهم
فإنهم لا يخلو أنّ يكونوا صولحوا على شيءٍ يؤدُّونه في جملتهم، أو صولحوا على شيءٍ يؤدونه على جماجمهم، فقد روى ابن حبيب (٤) أنّ الجزية الصُّلحية جزيتان:
١ - فجزية على المِلْك.
٢ - وجزية على الجماجم.
ومعنى ذلك: أنّ يوضع على جُمْلَتِهِم شيءٌ يغرمونه، لا يحطّ عنهم لِقِلَّتِهِم، ولا يزاد عليهم لكثرتهم، فهم ضامنون له حتّى يؤدّونه، فلا يؤخذ منهم شيء حتّى يُؤَدُّوا جميعَهُ.
وأمّا جِزْيَةُ الجماجم؛ فهو أنّ يُوضَعَ على كلِّ جمجمة دينارٌ أو أكثر من ذلك على ما تقدّم، فهذه الجزية تزيد بزيادتهم وغنائهم، ويبرأ كلّ واحد منهم إذا أدّى ما عليه منه،
стр. 2192
لكان لم يؤدِّ غيره، وإنّما التزم ما يخصُّه.
وقال ابنُ حبيب: إنَّ جِزْية الصُّلْحِ إنّما هي ما صُولِحُوا عليه، قال: ولا يزاد في جِزيَةِ الصُّلْحِ على الغني ولا ينقص منها على الفقير (١)، وقد تكلّمنا على ذلك في كتاب الزّكاة فلينظر هنالك.
المسألة الثّالثة (٢): في حكم انتقال الأملاك عنهم حال حياتهم وكفرهم
فإنّ ذلك يختلفُ، وقد قال ابن حبيب (٣): إنَّ الجِزْية الصُّلحيَّة جِزْيَتَان: فجِزيَةٌ على البلد، وجزْيَةٌ على الجماجم، فإذا كانت مُجْمَلَة على البلد فهي موقوفة، لا تُبَاع ولا تُورث ولا تُقسَّم، ولا يملكها إنَّ أسلم، وإنّما له ماله غير الأرض، وأمّا الأرض فموقوفةٌ أبدًا لِمَا عليها من الخَرَاجِ، وذلك بأَسْرِهِ باقٍ على مَنْ بقيَ منَ النّصارى، وأمّا إنَّ صُولِحُوا على الجزْيَةِ على جماجمهم، فلهم بيع الأرض، وهي لهم ملك يصنعون بها ما شاءوا.
المسألة الرّابعة (٤): في ذِكرِ أموالهم إذا ماتوا على الكفر
وقد تقدّم من قول ابن حبيب أنّه إذا كانت الجِزية على جملتهم فإنّ أرضَهُم لا تورث، وقد تقدّم من التّخريج على قوله، أنّ الجِزْيَةَ إذا كانت على الأرض حُكمُها ذلك، وأنّها إذا كانت على جماجمهم فإنّ الأرض تورث عنهم.
стр. 2193
وروى في "العتبية" (١) يحيى عنِ ابنِ القاسم أنّ أهلَ الصُّلْحِ يورثون على حسب مواريثهم.
فإذا قلنا: يورثون، فإنّ أرضه وماله لورثته، فإن لم يَدَع وارثًا، فقد قال ابن حبيب (٢): إذًا كانت الجزية على جماجمهم، فمن مات * منهم ولم يدع وارثًا، فأرضه وماله للمسلمين كَمَيَّتٍ لا وارثَ له. وروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في "العتبيّة" (٣) أنّه من مات * من أهل الصّلح ولا وارِثَ له من أقاربه، فميراثه لأهل خراجه وما صُولحوا عليه (٤).
فإذا قلنا: من مات منهم ولا وارثَ له فميراثُه لجماعة المسلمين، كيف يُعْرَف من له وَرَثَةٌ ممّن لا وَرَثَةَ له، ونحن لا نعلم مواريثَهُم، فروى يحيى عن ابن القاسم: ذلك إلى أهل دينهم وأساقفتهم (٥)، فإن قالوا: له وارث، سُلِّمَ ذلك إليه، وإن قالوا: لا
стр. 2194
وارث له، فميراثه لجميع للمسلمين.
ووجه ذلك: أنّ طريق هذا الخبر ممّا ينفردون به من العلم، وفي مثل هذا يقبل قولهم عمّا يعلمونه.
المسألة الخامسة (١): في حكم أموالهم إذا أسلموا
فقد قال ابن حبيب (٢): إذا كانت الجِزْيَةُ (٣) على جملتهم، فمن أسلم منهم لم تملك أرضُه، وإنّما يُمْلَك مَالُهُ، وان كانت على جماجمهم ثمّ أسلم، فأرضُه ومالُهُ له دون جزية على شيء من ذلك.
وروى عيسى عن ابن القاسم (٤) أنّ ذلك سواء، والإِسلام يُسقِطُ ذلك عنهم. والخلافُ فيه والتّوجيهُ على ما تقدَّمَ.
وهذا لِمَا بَقِيَ من المُدَّة، وأمّا ما مضى من المُدَّةِ وقد بَقِيَ عليه الخراج والجِزْيَة لم
يؤدِّ ذلك، فالذي في "المدوّنة" (٥) في الجِزْيَة أنّه يسقط ذلك عنه، وبه قال أبو حنيفة (٦)
والشّافعيّ (٧)، وتُؤْخَذُ منه حالَ إسلامِهِ.
стр. 2195
فرع (١):
"وَأَمَّا أَهْلُ الْعَنْوَةِ، فَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُم فَأَرضُهُ وَمَالُهُ لِلْمُسْلِمِينَ" ومعنى ذلك: أنّه يُحْرَزُ مَالُهُ ولا تَحْرَزُ أَرْضُه، ويصير ذلك للمسلمين، وإنّما يريد بقوله: "أرضه" الّتي بيده فأضافها إليه لعمله فيها، وأمّا لو كانت أرضًا اشتراها بعد العَنْوَةِ بحيث يجوز له أنّ يشتري لكانت من جملة مَالِهِ حكمُها حكمه عندي، ولم أر فيه نصًّا.
وأصل ذلك: أنّ أرض العَنْوَةِ عند مالك (٢) لا تقسَّم وتبقى لنوائب المسلمين، على رأي عمر ﵁ في أرض مصر والعراق.
وقال الشّافعي (٣) وأبو حنيفة (٤): تُقسَّم الأرض كسائر أموالهم. والدّليل على ما ذهب إليه عمر: ما احتجّ به، وهو قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآية (٥) إلى قوله: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ثمْ قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية (٦) إلى قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
وأمّا من أسلم من أهل العَنْوَةِ:
فقال ابن حبيب (٧): قد أحرز ماله ونفسه وكلّ ما كسب، وأمّا الأرض فللمسلمين. واحتج على ذلك: بأنّ كلّ من أسلم على شيءٍ في يده على وجه تملّك فذلك له، والأرضُ ليست كذلك؛ لأنّها ليست في يده على وجه تملّك.
стр. 2196
وإنّما هي في يدِهِ على وجه إجازة، وفي "العُتْبِيَّة" (١) من رواية سحنون عن ابنِ القاسم أنّه تؤخذ منهم أموالهم من العَيْنِ والرَّقيق وغير ذلك.
قال محمّد (٢): إِنّما يؤخذ منهم ما كان بأيديهم يوم الفتح (٣). والصّحيح ما تقدّم في الحكم فيهم.
بابُ الدَّفنِ في قبر واحدٍ من ضرورة وإنفاذ أبي بكر ﵁ عدَة النّبيّ ﷺ بعد وفاته
مالك (٤)، عن عبد الرّحمن بن عبد الله بن أبي صَعْصَعَةَ المازني؛ أنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ عَمْرو بْنَ الجَمُوحِ، وَعَبْدَ اللهِ بْن عَمْرو بنِ حرامٍ، الأَنْصَاريَّيْنِ ثُمَّ السَّلَمِيَّينِ، كَانَا قَدْ حَفَرَ السَّيْلُ قَبْرَهُمَا، وَكَانَ قبْرُهُمَا مِمَّا يَلِى السَّيْلَ، وَكانَا في قَبرٍ وَاحِدٍ ...
الإسناد:
قال القاضي ﵁: هذا حديثٌ بَلاغٌ وَيُسْنَدُ (٥)، ولكنه من مستغربات مالك.
стр. 2197
الفقه في تسع مسائل:
المسألة الأولى (١):
قوله: "كانَ السَّيْلُ قَدْ حَفَرَ قَبْرَهُمَا" فيه دليلٌ على أنّهما دُفِنَا في قبرٍ واحدٍ، وذلك أنّه لمّا اشتدّ على المسلمين حفر القبور يوم أُحُد لكثرة القتلى، قال لهم النّبيّ ﷺ : "احفِرُوا وَعمقُوا وَأَوْسِعُوا، وَادْفنُوا الاثْنَيْنِ والثَّلَاثَةَ في قَبْرٍ، وقَدِّمُوا أَكثَرَهُمْ قرآنًا" (٢).
فعلى هذا يجوزُ مثله للضّرورة، قال مالك: وإِلَّا فالسُّنَّةُ أنّ يُدْفَنَ كلّ واحدٍ في قبرهِ إذا أَمْكَنَ (٣).
المسألة الثّانية (٤):
قوله: (وَهُمَا ممَّن اسْتُشهِدَ يَومَ أُحُدٍ، فَحُفِرَ عَنْهُمَا لِيُغَيَّرَا من مَكانِهِمَا" وكانا صِهْرَيْن واستشهدا يوم أُحُد ودُفِنَا في قبرٍ واحدٍ، فحفَر السَّيْلُ قبرهما (٥).
وقوله (٦):" لَا بَأْس أَنْ يُدْفَن الرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ في قَبْرٍ وَاحدٍ، وَيُجْعَلَ الأَكبَرُ مِمَّا يَلِي القِبْلةَ" يريدُ: أنّه لا يُفْعَلُ ذلك إِلَّا من ضرورةٍ، وكذلك قال أشهب: لا يكفّنان في كفنٍ واحدٍ إِلَّا من ضرورةٍ.
المسألة الثّالثة (٧):
قال علماؤنا (٨): ويُقَدَّمُ في اللَّحْدِ الأكبرُ، ويُجْعَلُ مِمَّا يلي القِبْلَة، وهذا معنى التَّقديم في اللَّحْد.
стр. 2198
وقال أشهب: يقدِّمُ في اللَّحْدِ أفضلُهُمَا، لِمَا رُوِيَ أنّ النّبيّ ﷺ كان يُقَدِّمُ في اللَّحْدِ أكثرهم قرآنًا.
قال الإمام: وهذا كلُّه يعودُ إلى معنى الفضيلة، فإذا استويا في الفضيلة قُدِّمَ أكبرهما؛ لأنّ للسنّ فضيلة.
وقد تقدَّمَ كلامُنَا على ترتيبِ الجنائزِ في "كتابِ الجنائزِ" فليُنْظَر هنالك.
المسأله الرّابعة (١):
قوله (٢): "قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكرٍ بِمَالٍ مِنَ الْبَحرَيْنِ" يريدُ: من مال المسلمين، وما ينقلُ إلى بيتِ مالِهِمْ من الجِزْيَةِ الّتي على الجماجم، وخَرَاجِ الأرض، وعُشُورِ أهل الذِّمَّةِ إذا اتَّجَرُوا من أُفُقٍ إلى أُفُقٍ، والرِّكاز، والمَعْدِن إذا أخذ من الخُمُس.
قال ابن القاسم: ولم يذكر ما يُؤخَذ من أهل الحرب من عُشُورٍ أو ما صُولِحُوا عليه، وهو عندي لَاحِقٌ بذلك، وهذا يحتمل أنّ ينقل إلى المدينة على وجهين:
١ - أحدهما:
أنّ ينقل إليها بَعْدَ سدَّ الخَلَّةِ في تلك الجهة الي جُبِيَ منها، فهذا حُكم كلّ مالٍ يُجْبَى في جهةٍ من الجهاتِ؛ أنّ يُنظرَ إلى حالِ تلك الجهة الّتي جُبِيَ بها وحال سائر
стр. 2199
تلك الجهات، فَإِنِ اسْتوت حاجتُهُم وعَمَّتهُم الشِّدَّة أو السَّعَة، فُرِّقَ حيثُ جُبِيَ ولا يُنْقَل إلى غيرها من البلاد، رَوَاهُ محمّد (١) عن مالك (٢).
ووجه ذلك: اختصاص الجباية.
المسألة الخامسة (٣):
وإن كان غيرُها من البلاد أَحْوَجَ، نُقلَ إلى غيرها, ولا يُعَدَّى منها مَنْ جُبِيَت منهم، رواه محمّد عن مالك (٤).
ووجه ذلك: أنّ لهم مَزِيَّة على غيرهم في استحقاقه لاختصاصهم به، فلا يجب أنّ يُحْرَمُوا منه، وإن استحقّ نقلَ بعْضهَا للحاجةِ النّازِلَةِ بغيرِهم، وفي "المجموعة" و"الموازية" وغيرهما في الرَّجل من أهل الشّام يبعثُ ببعضِ صَدَقَتِهِ إلى المدينة؛ أنَّ ذلك صوابٌ، قال محمّد: رأى مالكٌ أنّ يخص المدينة بذلك؛ لأنّها بلد الرسول، وهذا الّذي قاله محمّد يحتمل أنّ مالكًا إنّما قال ذلك لأنّ الغَالِبَ على المدينة الحاجةُ، وقد قال في "المدوَّنة" (٥) في الرّجلِ يخرج زكاة ماله فَيَصِلُهُ عن أهل المدينة
стр. 2200
حاجةٌ، فَيُرْسِل إليها ببعضِ زكاتِهِ فقال: ما رأيتُ بذلك بَأْسًا، ورأَيْتُه صوابًا (١).
٢ - والوجه الثّاني:
أنّ ينقل إلى المدينة لأنّه بها كان إعطاء الأرزاق، فكان يُنْقَلُ ذلك إلى من يرزق منه بعدَ سدِّ الثُّغُورِ الّتي كان يُجْبَى منها هذا المال، والتّفريق على أهلها ما يَعُمُّهُم أو يسدّ حاجتهم، فيُفَرَّق بالمدينة على أهل الأُعْطِية وعلى من اعتز الخليفة بها ولزمه من حقوق المسلمين.
المسألة السّادسة (٢):
فإذا قلنا: يُنْقَل إلى موضِعِ تَفْرِقَتِهِ، فمن ماذا يتكارى عليه؟ فَرَوَى عيسى عن ابنِ القاسم في الزَّكاةِ تُنْقَل من بلدٍ إلى بلدٍ أنّه لا يتكارى عليها مِن الفَيء, ولكن يباع ذلك ويشتري مثله في موضع القِسْمة (٣).
وقال في "العُتْبيّة" (٤) أيضًا عن مالك: يتكارى على ذلك من الفَيْءِ أو يبيعه.
وَوَجهُ الأَوْلِ: أنّه إذا لم يكن لحَمْلِهِ وَجهٌ فالصوابُ بَيعُه وتَبليغ ثَمَنِهِ (٥)، إذ لا بدّ من الكراءِ عليه، والكراءُ عليه من جملته مُخرِجٌ للزَّكاة عن وجهها، وإخراجُها من الفَيءِ ظُلْمٌ لأهل الفَيءِ، فلم يبق إِلَّا ما ذكرنا.
стр. 2201
ووجهُ الثّاني: أنّ النَّظرَ في ذلك للإمام بالذي هو أحوط لاستيفاء هذا المال، فقد يكون البَيْعُ تارةً أفضل، وقد يكون الحمل والكراء عليه أفضل.
المسألة السابعة (١):
وقولُ أبي بكر (٢): "مَنْ كان عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأْيٌ أَوْ عِدَةٌ" الوَأْيُ: العهدُ.
وقيل: الوعدُ.
وقيل: هو إضمار في النَّفْسِ أو في القلب (٣)، وهو قريب من معنى العِدَة.
واستدعاء أبي بكر من كان له عند رسول الله ﷺ عِدَة إِنَّما فعل ذلك ليفِي بعهده؛ لأنّه الخليفة من بَعْدِه، وما وَعَد به النّبيُّ ﷺ فهو حقٌّ يحقُّ على أبي بكر وغيره ممّن يأتي بعدَهُ إنفاذه، وقد جاء جابر إلى أبي بكر فقال: إنَّ رسول الله ﷺ قال: "لَوْ قدْ جَاءَ مَالٌ مِن الْبَحْرَيْن أَعْطَيتُكَ هَكذا وَهَكَذَا وهَكَذا" (٤) ويحتملُ أنّ يكون جابر أثبتَ ذلك عنده بشاهدين عدلين، ويحتمل أنّ يكون أبو بكر قَبِلَ ذلك من قوله لَمَّا رَآهُ أهلًا لذلك، وكان ذلك من حُسْنِ النَّظَرِ أنّ يعطيه وإن لم يكن النّبيُّ ﷺ وَعَدَهُ، وقد قال مالك (٥): قد يُعْطي الوَالي الرَّجُلَ المالَ جائزٌ لأمرٍ يرَاهُ فيه على وجه الدَّيْن، أي: على وجْهِ الدَّين من الوالي (٦).
стр. 2202
فرعٌ (١):
فإن كان على وَجْه العِدَة، فهل هي لازمة أم لا؟
قلنا: يحتمل أنّ تكون مواعيد النّبيّ ﷺ في مثل هذا لازمةً؛ لأنّ وعده حقٌّ وصوابٌ، ولم يَعُد من مَالِهِ، وإنّما وَعَدَ من بيت المال، فكأنّه عَيَّنَ لِمَن وَعَدَهُ ذلك المقدار في بيت المال، وتَعْيِينُهُ صوابٌ، فيجب أنّ ينفذ.
ويحتمل أنّ يكون حُكمُه في ذلك حكم غيره، ولا يخلو أنّ يكون الوَعْد يدخلُ الإنسان في أَمرٍ أو لا يدخله فيه، مثل أنّ يقول: اشتَرِ ثوبًا أو دابّة وأنا أُعينُك على ذلك بدينارٍ، أو أُسْلِفُكَ ذلك الثَّمَن، أو أُسْلِفُكَ منه كذا وكذا، فاتّفق علماؤنا على أنّ هذه العِدَة لازمةٌ يُحْكمُ بها على الوَاعِد.
فرع (٢):
وأمّا إنَّ كانت عِدَة لا تدخل من وعدَ به في شيءٍ، فلا يخلو أنّ تكون مُفَسَّرة أو مُبْهَمَة، فإن كانت مُفَسَّرة، مثل أنّ يقول الرَّجُلُ للرَّجُلِ: أَعِزنِي دابّتك إلى موضع كذا، فيقول: أنا أُعِيرُكَ غدًا، أو مثل أنّ يقول: عَلَيَّ دَيْن فأَسْلِفني مئة دينار، فيقول: أنا أُسْلِفُكَ. فقال أَصْبَغُ في "العُتبيَّة" (٣): يُحكَم عليه بإِنجَازِ ما وَعَدَ بِهِ كالذي يدخل الإنسان في عقد، وظَاهرُ المذهب على خلاف هذا؛ لأنّه لم يدخله بوعده في شيءٍ يضطرُّهُ إلى ما وَعَدَهُ به.
وأمّا إنَّ كانت مُبهَمة، مثل أنّ يقول له: أَسْلِفْني مئة دينار (٤)، فهذا قال أَصْبَغ: لا
стр. 2203
شيء عليه بها (١).
وإذا قلنا في المسألة الأولى أنّه يُحْكَم عليه بالْعِدَةِ إذا كان ذلك لأمر أدخله فيه، مثل أنّ يقول له: انكح وأنا أسلفك كذلك ما تصدقها، فإن رجع عن ذلك الوعد قبل أنّ ينكح، فهل يُحْكَم عليه بذلك أم لا؟ فقال أَصْبَغ في "العُتبِيَّة" (٢): يلزمه ذلك ويُحْكم به عليه إذ ألزمه ذلك بالوعد.
تكملة:
وقولُه في هذا الباب (٣): "فَحَفَنَ لَهُ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ" امتثالًا لصفة وَعْدِ النّبي ﷺ ، وقد رُوِيَ (٤) أنّه كان في حفنته خمس مئة دينار (٥)، والله أعلم.
قال علماؤنا (٦): وإنفاذُ أبي بكر وصيَّةَ رسولِ الله ﷺ فضيلةٌ معدودةٌ في مناقِبِهِ وفضائِلِهِ؛ لأنّه كان أكرم الأُمَّة بعدَ النَّبيِّ ﷺ ، سخيًّا بنفسه وماله، وكان أعلمُهم وأشجَعُهم وأكرمُهم، أمّا كَرَمُهُ فمعروفٌ، وأمّا شجاعتُه فظهرت حين مات النَّبيُّ ﷺ ، فقال النَّاس: لم يمت رسولُ الله ﷺ منهم عُمَرُ، وخَرِسَ عثمانُ، واستخفَى عليٌّ، واضطربَ الأمرُ، فجاء أبو بكرٍ - وكان غائبًا (٧) - فكشفَ الثَّوْبَ عن وجهِهِ الكريم، ثمّ قال: بأبي أَنْتَ وأُمِّي طِبتَ حَيًّا ومَيِّتًا، ثمَّ خطبَ النَّاسَ فقال: مَنْ كَانَ يَعبُدُ مُحَمَّدًا
стр. 2204
فَإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ الآية (١).
فخرج النَّاسُ في سِكَكِ المدينة يتلُونَها كأنّها لم تنزل قطُّ إِلاَّ ذلك اليومَ (٢).
ولم يعلم أحدٌ حيثُ يُدْفَنُ، فقال أبو بكرٍ: سمعتُه يقول: "لَمْ يُدْفَنْ قَطُّ نَبِيٌّ إِلاَّ حَيثُ يَمُوتُ" (٣).
وطلبت فاطمةُ ميراثَهَا فقال: سمِعْتُه يقول: "إنَّا مَعْشَرَ الأَنْبيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكنَا صَدَقَةٌ" (٤).
وارتدَّتِ العربُ فمنعتِ الزَّكَاةَ، فقال له عمرُ وسِواه: اقنَعْ منهم بالصّلاة حتّى يَتَمَهَّدَ الإسلامُ.
فقال أبو بكر: والله لَوْ منعوني عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَجَاهَدْتُهُمْ عَلَيهِ (٥).
وقيل له: أَمسِك جَيشَ أُسَامَة تستعينُ به على قتالِ أهل الرَّدَّة، فقال: وَاللهِ لَوْ لَعِبَتِ الكِلَابُ بِخَلَاخِلِ نِسَاءِ أَهلِ المَدِينَةِ مَا رَدَدْتُ جَيْشًا أَنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فقال له عمرُ: وَمَعَ مَنْ تُقَاتِلُهُم؟ قال له: "وَحْدِي حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتي" (٦) فكان هذا أصلًا في إِنفاذِ الحَاكِمِ حُكمَ غيرهِ وإن رأى النَّاسُ خلافَهُ.
стр. 2205
ثمّ اختلف المهاجرون والأنصارُ فيمن تكونُ الإمامةُ، فقصَدَهُم أبو بكرٍ في محلِّهم، وتوسَّطَ مُجْتَمعَهُم، وخطَب خُطْبَتَهُ المعروفةَ فقال: إِنَّ هَذا الأَمرَ لا يَصلُحُ إِلَّا لقُرَيش، وقَدْ سَمَّاهُمُ اللهُ "الصّادقين" وسمَّاكم "المفلحين"، وقد أمركم أنّ تكونوا معنا حيث كُنَّا، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (١).
وأمّا تسمية الأنصار "المفلحين" ففي قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٢).
وقد قال النّبيّ ﷺ في آخر خُطبَةٍ خَطَبَهَا: "أُوْصِيكُمْ بالأَنْصَارِ خَيرًا" (٣) وَلَوْ كَانَ لَكُمْ مِنَ الأَمْر شَيءٌ مَا وَصَّى بِكُم (٤).
وأمّا قوله (٥): "القَتْلُ حَتفٌ مِنَ الحُتُوفِ" (٦) فإن ذلك إشارةٌ إلى أَنّ الأجلَ بيد اللهِ، وأن خيرَ مواقفِهِ الشَّهادةُ الّتي يحتسِبُ نَفْسَهُ فيها الشّهيدُ على الله تعالى.
تَمَّ الجهاد والحمدُ لله كثيرًا
стр. 2206
كتاب الضّحايا
ولا بدَّ في صدر هذا الكتاب من ثلاثِ مُقَدِّماتٍ:
المقدِّمة الأولى في سرد الآي والآثار في فضيلة الأُضحِية
قال الإمام: وليس في فَضلِ الأُضْحِيَّة حديثٌ صحيحٌ يُعَوَّلُ عليه، وقد رَوَى النّاسُ فيها عجائب لم يصحّ منها شيءٌ (١)، ومنها قوله: "إنَّهَا مَطَايَاكُم إلى الجَنَّةِ، غَيْرَ أَنَّهُ مأْجُورٌ في ذلك وَمَخلُوفٌ لهُ" (٢).
والأصلُ في هذا الباب قصة إبراهيم الخليل، وما ابتلاهُ الله به من ذبْح ابنه، ثمّ فِدَائِهِ بِذبحٍ عظيم، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ ... الآية (٣)، القصة مذكورة في "الكتاب الكبير" (٤) بأبدع بيانٍ.
وقولُ الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ الآية (٥).
стр. 2207
وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ الآية (١).
معناه: فصلَّ لربَّك، وانحر كذلك، فتكون الآية على هذا عامة في الضّحايا والهدايا.
وقيل: يعني صلاة الصُّبْح عند المشعر الحرام، ثمّ النَّحر بَعْدَها بمِنًى.
وقيل: يعني صلاة العيد ثمّ النَّحر بعدها، وأن الآية نزلت بالمدينة وأمّا الحجِّ فلا صلاة عيد فيه.
وقيل: يعني به وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى في الصّلاة عند النَّحر وهو الصّدر (٢).
وقيل: يعني به استقبال القِبْلَةِ.
هذا ذكرُ الآي، وأمّا الأثر والنظر، فقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ (٣) يعني: ذكر الثّواب، وقولُ الله يُوجِبُ الفضيلةَ، وعلى هذا تكونُ الأضحية (٤) سُنَّةَ من سنن الإسلام وشرعًا من شرائعه، قال رسول الله ﷺ : "أُمِرْتُ بِالنَّحْرِ وَهُوَ لَكُمْ سُنَّة" (٥)، وقال ﷺ : "مَا مِنْ نفَقةٍ بَعْدَ صِلَةِ الرحِمِ أَعظَم أَجرًا عِنْدَ الله من إرَاقَةِ الدَّمَاء" (٦). وفي الحديث الحسن (٧) أنّه قال ﷺ : "مَا عَمِلَ آدَمي يَوْمَ النَّحْرِ مِنْ عَمَلِ أحَبَّ إلى اللهِ مِنْ إِرَاقَةِ الدِّمَاءِ، أوْ من إِرَاقةِ دَمٍ، وإنها لَتَأتِي يَومَ القِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا
стр. 2208
وَأظْلافهَا، وَإِنَّ دَمَهَا لَيَقَعُ مِنَ اللهِ بِمَكانٍ قَبْلَ أنّ يَقَعَ عَلَى الأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا" (١).
وقولُه: "بِقُرُونِهَا وَأَظْلَافِهَا وَأَشعَارِهَا" يريد: لا يضيع شيئًا منها، وأنّه لَيُجْزِئهُ ويُجَازى عليه، فلذلك يُسْتحَبّ عظم الضّحية وكمال شعرها وجمال خَلْقِهَا.
ومن حديث أبي جَنَاب - واسمه يحيى بن أبي حيّة الكلبي (٢)، عن عكرمة، عن ابن عبّاس؛ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "ثَلَاثٌ هِيَ عَلَىَّ فَرضٌ (٤) وَهِيَ لَكُمْ تَطَوُّعٌ: النَّحْرُ وَالوِتْرُ وَرَكعَتَا الفَجْر" (٣).
وفي "كتاب مسلم" (٤) و"الدّاودي" (٥) عن عَامِر أبي رَمْلَة، قال: أنبأنا
стр. 2209
مِخْنَفُ بن سُلَيْم قال: ونحن وقوفٌ مع النَّبيَّ ﷺ بعرفاتٍ قال: قال: "أَيها النَّاس إِنَّ عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ في كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَةً وَعَتِيرَةً، أَتَدْرُون مَا الْعَتِيرَةُ؟ هِيَ الّتي يَقُولُ لَهَا النَّاس الرَّجَبِيَّة" إسنادُهُ ضْعيفٌ (١).
وفي "الدّاودي" (٢) و"النَّسَائي" (٣) عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ أنّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أُمِرْتُ بِيَوْمِ الأَضْحَى عِيدًا جَعَلهُ الله لِهَذِهِ الأُمَّة"، فَقَالَ رَجُلٌ: فإِنْ لَمْ أَجِد إِلَّا مَنِيحَةَ أَهْلِي، فَلِي أنّ أُضَحِّي بِهَا؟ قالَ: "لَا، وَلَكِن تَأخُذ مِنْ شعرِكَ وَأظفَارِكَ، وَتَقُصُّ شَارِبَك، وَتَحْلِقُ عَانَتَكَ، فَذَلِكَ تَمَامُ أُضحِيَتِكَ عِنْدَ اللهِ ".
وقال ابن حبيب (٤): إنَّ الأُضحية من السُّنَنِ الّتي الأخذُ بها فضيلة وتركها خطيئة، وإنها أفضل من الصّدقة وإن عَظُمت، وأفضلُ من العتق (٥)، ونحوه في "المدوّنة" (٦) فيمن اشترى أُضحِيَة فلم يُضح حتّى مَضَت أيّامُ النَّحرِ أنّه آثِمٌ، فعلى هذا هي واجبة.
стр. 2210
المقدِّمة الثّانية على من تجب
قال علماؤنا (١): والأُضْحِيةُ سُنَّةٌ من سُنَنِ الإسلام (٢) على مَنْ وُجدَت فيه خمس خصَالٍ:
١ - الإسلام.
٢ - والحريّة.
٣ - والقدرة عليها.
٤ - وكونه حلالًا غير حرامٍ.
٥ - ودخول أيّام النَّحر.
وقال علماؤنا (٣): والأُضحِيَة واجبةَ على المُقِيم والمسافرِ، والذَّكرِ والأُنثَى، والصَّغير والكبير. وقد قال مالك: يُضحِّي الوَصيُّ عن اليتيم من مالِهِ، ويلزم الأبَ أنّ يُضَحِّي عن بَنِيهِ الذُّكور والإناث ما كانت نفَقتُهُم له لازمة، أمّا الذُّكور فحتّى يحتلِمُوا، والنّساء حتَّى يتزوَّجن ويدخُلْنَ مع أزواجهنّ، ولا يلزمه أنّ يُضَحِّي عن امرأته (٤)، ولا عن