الكتاب في "عيون المجالس" (١) نقل فيه لفظ القاضي حرفا حرفا، إلّا في بعض المسائل اختصرها بعض الاختصار، من غير إخلال بالمعنى (٢).
١٠ - "الخصال الصغير" (٣) لأبي يعلى أحمد بن محمَّد العبدي، البصري، المعروف بابن الصواف (ت. ٤٨٩). من كبار علماء المالكيّة في العراق، قال عنه القاضي عياض (٤): "إمام المالكيّة بالبصرة، وصاحب تدريسهم، ومدار فتواهم، وذو التآليف في وقته مذهبا وخلافا"، وكتاب "الخصال الصغير"مختصر مفيد على الطريقة العراقية، التزم فيه صاحبه الاقتصار على الراجح في المذهب، باتقان في الضبط، وإبداع في التحرير، ودقة في الاختصار، ونعتقد أن هذا الكتاب هو من جملة الكتب الَّتي مهّدت لظهور المختصرات
стр. 247
المشهورة في المذهب المالكي. ومن العجيب أن تهمل جلّ كتُب التراجم وكتب الفقه هذا الكتاب (١)، فلم نجد في ضوء المصادر المتوفِّرة لدينا مَنْ ذكرَهُ أو نَقَلَ منه، ما عدا ابن الأبار (٢) الَّذي نصَّ على أن أبا الربيع سليمان بن حَكَم الغافقيّ (ت. ٦١٨) صنع رجزا في الفقه على مذهب مالك، تتبّع فيه كتاب "الخصال الصغير" وأبوابه. ومن العجيب أيضأوالطريف في ذات الوقت أن يكون صاحبنا ابن العربيّ هو أول من أدخل هذا الكتاب إلى الغرب الإِسلامي ضمن النفائس الَّتي جلبها معه من رحلته إلى المشرق العربيّ (٣)، ومن عجائب الاتفاق الإلهي أن تصمد هذه النُّسخة أمام غمرات الحوادث وكتاف الشدائد، وتنجو من أعين جواسيس محاكم التفتيش، وثقافة الحقد الصليي الكريه، فتصل إلينا
стр. 248
هذه النُّسخة من رواية صاحبنا ابن العربيّ، نشرت أخيرا في بيروت (١).
ونكتفي بهذا القَدْرِ من العَرْض التفصيلي للمصادر الَّتي رجع إليها المؤلِّف، سواء بطريقة مباشرة أو بالواسطة. ونُذَكِّر القارئ الكريم أنه ليس من مهمتنا ذكر كلّ المصادر التي رجع إليها المؤلِّف، ولكن نرى من المستحسن أن نشير إلى نماذج منوعة من بعض المراجع الإضافية الَّتي استقى منها المؤلِّف مادة كتابه، فقد رجع إلى كتاب "العين" (٢) للخليل بن أحمد الفراهيدي (ت. ١٧٠ هـ)، و"تهذيب اللغة" (٣) لأبي منصور الأزهري (ت.٣٧١ هـ)، و"نُزهة الألباء في طبقات الأدباء" (٤) لأبي البركات الأنباري (ت.٥٧٧ هـ)، و"الزاهر في معاني كلّمات الناس" (٥) و"المذكَّر والمؤنَّث" (٦) لأبي بكر الأنباري (ت.٣٢٨ هـ)، و"جامع البيان عن تأويل القرآن" (٧) لابن جرير الطَّبَرِيّ (ت. ٣١٠هـ)،
стр. 249
و"معاني القرآن وإعرابه" (١) لأبي إسحاق الزجّاج (ت. ٣١١ هـ)، و"كتاب الزِّينَة في الكلّمات الإِسلامية العرببة" (٢) لأبي حاتم أحمد بن حمدان الرّازي (ت. ٣٢٢)، و"التَّمهيد في الرَّدِّ على الملحِدَة والرّافضة والخوارج والمعتزلة" (٣) لأبي بكر محمَّد بن الطيب بن الباقلانيّ (ت.٤٠٣ هـ)، و"التَّنبيه والرَّدّ على أهل الأهواء والبدع" (٤) لأبي الحسين محمَّد بن أحمد الْمَلَطِي (ت.٣٧٧ هـ)، و"مشكلّ الحديث أو تأويل الأخبار المتشابهة" (٥) لأبي بكر بن فُورَك (ت. ٤٠٦ هـ)، و"التأكيد في لزوم السُّنَّة" (٦) لأبي عاصم خُشَيْش بن أصرم النسائي (ت.٢٥٣ هـ)، و"السِّراج في ترتيب الحِجَاج" (٧) لأبي الوليد الباجي (ت.٤٧٤ هـ)، و"العزلة" (٨) لأبي سليمان حَمْد بن محمَّد الخطّابي (ت.٣٨٨ هـ)، و"إحياء علوم الدين" (٩) لأبي حامد الغزالي
стр. 250
(ت.٥٠٥ هـ)، و"الشِّفَا بتعريف حقوق المصطفى" (١) للقاضي عياض (ت.٥٤٤ هـ)، و"التاريخ الكبير" (٢) لأبي عبد الله البخاري (ت.٢٥٦ هـ) و"التاريخ الكبر" المعروف بـ "تاريخ ابن أبي خَيْثمَة" (٣) لأبي بكر أحمد بن أبي خَيْثمَة (ت.٢٧٩ هـ)، و"الاستيعاب في أسماء الأصحاب" (٤) لأبي عمر بن عبد البرّ (ت.٤٦٣ هـ)، وغيرها من الأسفار والأجزاء القيِّمة، ونُحيلُ من أراد الاستزادة على الفهرست الَّذي صنعناه في المجلد الثامن للكتب الواردة في المتن، وفهرست الأعلام.
стр. 251
ملامح من منهج ابن العربيّ في كتابه "المسالك "
نَوَدُّ أن نُنَبِّه بادئ ذي بدءٍ إلى معضلة سبقت الإشارة إليها، وهي أنَّ كتاب "المسالك" تضمّن آراءا كثيرة في الفقه والأصول والحديث والكلام واللغة، ساقها ابن العربيّ غير معزُوَّةً إلى أحد ممن تقدُّمه، ولم نستطع أن نقطع بنسبتها إليه، لاحتمال نسبتها إلى غيره ممن سبقه، وقد أمكننا الله بتوفيقه أن نرُدَّ بعض هذه الآراء إلى أصحابها (١)، وبقي الكثير الَّذي لم نوفق إلى ردِّه، ولهذا فإنَّنا نعتقدُ أنَّ محاولة دراسة منهج ابن العربيّ وموارده في "المسالك" أمر في غاية العُسْرِ والصُّعوبة، ومحفوفٌ في ذات الوقت بكثير من المخاطر والمزالق، وهو الَّذي يقع لكثير من الباحثين الّذين يدرسون عَلَمًا من الأعلام، يحشُدون آراءه حشدًا, تبيينًا لمنهجه زعموا، دون فصْل بين ما قال وما حَكَى. وهو الأمر الَّذي حاولنا اجتنابه في عملنا؛ لأنَّ ابن العربيّ لم يُعْن في "المسالك" بعَزْوِ كل رأي إلى قائله، وربما كان ذلك منه خوفًا من الإملال والإطالة، ولا نظنُّ به إلَّا خيرًا، والأمرُ من قبلُ ومن بعدُ موكولٌ إلى ثقافة الدّارس والدّارسة ومحاولتهما التّعرُّف على مسار التأليف العربيّ، وإدراك العلائق بين الكتب: تأثرًّا أو نقدًا أو شرحًا أو اختصارًا أو تذييلًا. وهذا أمرٌ زاولناه - بحمد الله - فتوصَّلنا إلى
стр. 252
نتائج لا بأس بها، إلَّا أنَّ فُقدان كثير من المصادر وقفَ عائقًا دون إتمام العملية النقدية الَّتي لو قُدِّر لها أن تتمّ، لسهّلَت علينا وعلى الباحثين والباحثات من بعدنا دراسة منهج المؤلِّف وآرائه بدقَّة متناهية لا تشوبها شائبة. وحَسْبُنا الآن أنَّنا قرأنا وضبطنا نَصّ "المسالك" مع محاولة توضيح مُبهَمِه وتوثيق مسائله، مع أملِ أن يأتي بعدنا من يكمِّل المسيرة، فيستخرج نفائسه، ويستلهم غوامضه بالتأمُّل الصّادق والصَّنعة الكاملة (١).
أوَّل ما يستوقف النَّاظر في كتاب "المسالك" هو ذلك التّسلسُل المنطقي في البناء الفكريّ لمحتويات الكتاب، فقد وضع المؤلِّف ﵀ لشرحه خُطة مُحْكَمَة، اتَّبَعَها بدقّة في جميع الأبواب الَّتي فسّرَها، فجاء الشرحُ -بحمد الله- نَسَقًا واحدًا يدل على عقل يُتقِنُ التصنيف والتبويب، فعمد ابتداءً إلى كتابة مقدِّمات كاشفة، تُرشِد الباحثَ للوُلوج إلى "الموطَّأ"، وتُمكِّنُه من فهم الحديث على الوجه الصحيح. وتكلم المؤلِّف في مقدِّمته الأولى عن فضل مالك ﵀ ومناقبه,. وسَلَفِه، مع ذِكْرِ موطَّئه وشَرَفِه.
وأخلص المقدِّمة الثانية للردَّ على نُفاة القياس من الظّاهرية الحزْمِيَّة، ومن الغريب حقا أن تتفق جميع النُّسَخ على إسقاط هذا البحث، فهل أهمله المؤلِّف بعد أن وعَدَ به في طليعة الكتاب، إمعانا في تجاهل الظّاهريّة والحطِّ من قدرهم،
стр. 253
أم أنّ أيادي آثمة - من المعجَبين بابن حزم - تلاعبت بالنُّسخة الأم، فحذفت ما حذفت. وتكلم في المقدِّمة الثالثة عن علوم الحديث؛ فتطرَّق لموضوع معرفة الأخبار، وقَبول خَبَر الواحد العَدْل، وتبيين المرسَلِ من المسْنَد، والموقوف من المرفوع والبَلاغ، كما تكلم عن الرِّواية والإجازة والمناوَلة، والقول في "حدّثنا" و"أخبرنا" هل هما واحد أم لا؟
ثمَّ شرع المؤلِّف في شرح "مُوَطَّأ يحيى" على وجهه ونسق أبوابه، فيبدأ غالبًا بالكلام على الإسناد، فإن جاء الحديث منقطعا وصَلَهُ من طريق مالك، أو من غير طريقه، معتمدًا في ذلك على نقل الأيمُّة وما رواه الثقات، وبهذا يرى الناظر في "المسالك" موقع آثار "الموطَّأ" من الاشتهار والصِّحَّة.
كما أنَّه كثيرا ما تطرَّق لمعاني الآثار وأحكامها المقصودة بظاهر الخطاب، على ما عوَّل على مِثْلِه الفقهاء أولو الألباب، واستجلب أطايب أقاويل العلماء في تأويل الحديث وناسخه ومنسوخه, وأتى من الشواهد على المعاني والأسانيد جملة وافرة عظمت بها فائدة الكتاب.
عنايته باللغة والغريب:
على الرغم من أن اللغة ليست بضاعة هذا الكتاب الأساسية، فإن فيه الكثير من الملاحظات والاستطرادات اللغوية، فقد أشار في مواطن كثيرة إلى شرح ما استعجم من الألفاظ, شرحا بسيط موجزا، وربما تَوَسَّعَ فأورَد مواد لُغَوِيّة مفَصُّلَة، معتمدًا على كبار أهل اللِّسان كالخليل بن أحمد، وابن السِّكّيت وغيرهما.
стр. 254
ومن الملاحظ أنّ المؤلِّف اختصر الكلام في بعض الأبواب والمسائل اختصارا اكتفى فيه بإشارات خاطفة غير وافية الراد، لقضايا كان للشرُّاح فيها كلامٌ مسهبٌ، مما أدى إلى بقاء بعض النصوص المستغلقة من "الموَطَّأ" لم يُوَطَّأ كنفها, ولم يكشف عن وجوه الإشكال فيها.
بقي أن نذكر أنُّ لابن العربيّ في بعض المواضع من "المسالك" نزعة للإغراب في الأسلوب، يُغربُ أحيانًا في ألفاظه فيختارها من المعجم غير المألوف، رغبة منه في السُّموّ والتألُّق والارتفاع، وقد ساعدهُ على بلوغ مبتغاه علمه الواسع باللُّغة والأدب.
ومن الملاحَظ على أسلوبه أيضًا كثرة الاعتراض والفواصل، فقد يفصل بين المبتدأ والخبر بجملة تمتدّ سطرًا أو أكثر، كما يكثر البعد بين المتعاطفات مثلًا، ولذلك فقد اَثرنا شكل النَّصِّ في مواطن كثيرة حتّى يستبين القارئ تعلُّق الكلام بعضه ببعض.
ولئن كان يبدو أسلوبه في بعض الأحيان معقَّدًا غامضًا، فرُبما كان مرجعُ ذلك -في نظرنا- إلى طبيعة الطريقة الَّتي كان يكتب بها؛ فأغلبُ الظَّنِّ أنَّه كان يُملي مؤلَّفاته إملاةً على تلاميذه، كما أنُّ طبيعة النُقوُل الكثيرة من كتب السّابقين قد أوقعتهُ في هذا التّعقيد الَّذي نَزعَمُه.
كما أن كثرة النقول أوقعت المؤلِّف في شيء من التَّكرار، وأحيانا في شيء من الاختلاف، وربّما التناقض أيضًا.
وبالرغم من كثرة هذه النقول، فإن شخصية ابن العربيّ واضحة قويّة، تبرز في أكثر صفحات الكتاب من بين التعليقات الَّتي علَّق بها على آراء
стр. 255
العلماء وأقوالهم، كما تظهر أشدّ وضوحا في أحكامه الَّتي أطلقها جازمة قويّة، شأن العالِمِ المعتدِّ بعِلْمِه، الواثق من صحّة رأيه وسَداد اختياره، فهو لم يكن مجرّد ناقل، وإنّما كان ناقلا ناقدا، ومحقِّقا بصيرا، لا يحجم عن تأييد ما يراه حَسَنا، ونقض ما يراه قبيحا (١).
عنايته بالرواة:
وذكر في بعض المواطن أحوال بعض الرُّواة وأنسابهم، كما لم يفُتهُ في كثير من الأحاديث ذكرُ اختلاف نُسخ "الموطَّأ".
إبداعه في وضع العناوين الدالة:
كما أنَّه - رحمه الله تعالى- اعتنى أشدَّ الاعتناء باختيار عناوين مباحثه في أثناء شرحه الحديث، وتأنَّق في ذلك أشدَّ التأنّق، وإن كان لا يتحرَّج أحيانا من استعارة بعض هذه الأسماء ممن سبقوه كابن عبد البرّ والباجي، ولكن الغالب الأعمّ هو من حُرِّ فكره وخالص إبداعه. ويطولُ بنا المقام لو حاولنا ذكر إبداعاته في هذا المجال، ولكن إليكم بعض الأمثلة التي تدل على صدق ما ادعيناه، ففي مجال تأصيل المسائل وتقعيدها يستعمل العناوين التالية: "تأصيل
стр. 256
وإلحاق" (١) "إلحاق وتبيين" (٢) "استطلاع في النظر" (٣)، "تنزيل وتقريب" (٤) كما أنه في مجال النقد والاستدراك يستعمل ما يلي: "انتصار لمالك" (٥) "استدراك وتبيين" (٦) "اعتراض من مستريب " (٧) "تنبيه على وهم وتعليم على جهل" (٨) "تنبيه على مقصد" (٩) "تنبيه على إغفال" (١٠) "تنبيه معنوي" (١١) "تنبيه على مسألة أصولية" (١٢) "تنبيه على التّرجمة" (١٣) "تنبيَه وتفسير" (١٤) "تنبيه على وهم قبيح في إسناد يحيى" (١٥) "تنبيه على شرح" (١٦)، وفي تبيين المبهم وتوضيح
стр. 257
المشكل كان ﵀ يستعمل العناوين التالية: "شرح مشكل" (١) "إيضاح مشكل معضل" (٢) "كشف وإيضاح يبين المذهب في ذلك" (٣) "توفية ومزيد إيضاح" (٤) "تفسير فقهي شرعي" (٥) "نازلة معضلة ومشكل" (٦)، كما أكثر من ذكر النكت الشارحة لمقاصده، فكثيرا ما كان يستعمل: "نكتة لغوية" (٧) "نكتة أصولية" (٨) "نكتة أصولية اعتقادية" (٩) "نكتة فقهية مذهبية " (١٠) "نكتة على تفسير بديع" (١١) "نكتة في الإسناد" (١٢).
عنايته بالأصول والضوابط:
وَيذكُر المؤلِّف غالبًا في كلّ حديث المسائل الفقهية الفرعية الَّتي تتعلَّق بالباب، ولو بأدنى مناسبة أو أضعف تعلُّق، والظَّاهرُ أنّه يقصد من هذا أن
стр. 258
يوصل مسائل الفقه المالكي بحسب الإمكان بالأصول، ويرجع ما يستطيع إرجاعهُ إلى أصل من الأصول، ليكون ذلك الحديث أصلًا تُسْتَخْرَج منه هذه المسائل، فهو بهذا الصَّنيع كان يُنَقِّح الفقه المالكي بتحقيقه لمناط الأحكام ونَظَره في الأدلَّة، ونقضه على الفقهاء ما كانوا يفتون به تقليدًا أو عن ضعف دليلٍ.
وهكذا؛ فإنَّ الناظر في شرح حديث "المسألك" يرى بوضوح سمة طرائق علماء الأصول في الفكرة والعَرْضِ والمصطلح.
ونعتقدُ أنَّه في عمله الاجتهادي هذا، كان مُتأثرًا أكبر التأثر وأشدّه بالإمام الجليل أبي الوليد الباجي في "المنتقى" في إيراد الأقوال المختلفة في المذهب وغيره، فيتوسَّع في الخلاف، ويجنح إلى التّخفيف من التزام التّقليد، وذلك بفتح باب النَّظَر في الأدلَّة، ولو في حدود النَّظر الذهبي أحيانًا.
كما نُلاحظ أنَّ المؤلِّف اهتمٌ في كثير من المواطن بالضَّبط والتنظير، فأكثر من البحث والنّظَر والاستشكال، فنقد كثيرًا من الأقوال داخلَ المذهب وخارجَهُ واستبعدها، مُبيِّنًا ذلك بتصوير الوقائع، وملاحظة ما يتحققُ فيها من الصالح المقصودة للشَّرع وما لا يتحقَّق، وبهذه الأبحاث القيِّمة المُمحَّصة للنّصوص: نقدًا وتحريرًا، ومشاركة في المباني والمدارك، ظهرت براعتهُ في تنزيل القواعد والمقاصد, مِمّا يجعلنا نزعم أنّه بنزعته التجديديّة هذه، أنتهج بالفقه المالكي نهجًا متطوِّرًا جديدًا عدلَ فيه عن المنهج الالتزامي، وسار على المنهج التصرّفي (١) الَّذي مهَّد سببله ابن عبد البّر في "الاستذكار".
стр. 259
ومن الأشياء الَّتي ينبغي ملاحظتها أيضًا أن المؤلِّف ﵀ كثيرا ما يذكر تقسيما معيَّنًا للكلام إلى أكثر من مسألة أو وجه أو فصل أو فرع، ثمّ يقتصر على ذِكْرِ مسألة أو وجه واحد فقط، غير ذاكر لسائر ما وَعَدَ به، مما أوقعنا في حيرة من أمرنا! وكثيرا ما كنا نتساءل: هل سقطت باقي الوجوه والمسائل والفصول من النُّسَخ المعتمدة لدينا؟ أم أنّ ناسخ الأصل سها عن ذِكْرِها؟ وهو أمر مُسْتَبْعَدٌ أشدَّ الاستبعاد؛ لأنه تَكَرَر في مواضع كثيرة، فانتهى بنا الرأي إلى أنّ الأمر لا يعدو من أن يكون طريفة ومْنهجا ارتضاه المؤلِّف في سيرته في التأليف، فكأنّه يَوَدَّ أن يقول: إن للكلام أوجها عدّة، أو مسائل كثيرة، أهمُّها كذا وكذا، وهذا أمرٌ لا يتطلَّب ذِكْرَ الأوجُه أو المسائل الباقية. وعليه فإذا ما وجد القارئ تقسيما ذَكِرَ فيه الوجه الأوّل أو الفصل الأول دون أن يجد لذلك بقيّة، فهذا يعني أن المؤلِّف قصدَ بذلك أهمّ الأوجُه أو الفصول أو المسائل، والله أعلم.
وليست جميع مسائل الشرح قائمة على كلام مالك في موطئه، وإنما جاءت في الشرح مباحث وفصول اقتضاها المقام، فأوردها تفريعا أو استطراد، بدون أن يخل هذا التفريع والاستطراد بالنّسق العام للموضوع الشروح، فهو تفريع ذكي للمسائل، واستطراد مقصود، يساعد القارئ على تصور الموضوع، واستيعاب فهمة على أحسن وجه وأقومه.
هذا مُجمل ما توصّلنا إليه بتأمُلاتنا في الكتاب، وهي تأملات نعتقد أنها قاصرة، ولكن قد يكون في الإجمال بعض الغَناء؛ لأنه لا يخلو من تنبيه إلى مشارف الآراء، ومعاقد الأفكار، مع أمل العودة إلى الكتاب بالدّرس والتّمحيص فيما يستقبلُ من الأيام إن شاء الله تعالى.
стр. 260
بين "المسالك" و"القبس ":
استوعب المؤلِّف -رحمة الله عليه- في كتابه "المسالك" أغلب ما في كتابه "القبس" (١)، وأضاف عليه إضافات كثيرة، والمتأمِّلُ في عنوان الكتابين يدركُ هذا المعنى، فالقَبَس عبارة عن- لمحات دالَّة على المُراد، جعلهُ مؤلِّفُه إِملاءً على أبواب "الموطَّأ"، وجمعًا لما فيها من الأحاديث والآثار, فهو لم يُعنَ بشرح كلّ الأحاديث والآثار وأقوال مالك الواردة في "الموطَّأ"؛ بل كان ﵀ يأتي إلى الباب الَّذي تعددَّت فيه الرِّوايات، فهذا كان المآل فيها واحدًا، شرحَ منها حديث واحدًا، وكأنَّه بذلك شرح جميع الباب، فهو أشبه بالتفسير الموضوعي للموطأ.
أمّا "المسالك" فقد تَتَبَّعَ فيه المؤلِّف ألفاظ الأحاديث حديثًا حديثًا (٢)، مُبيِّنا لمعانيها وموضِّحًا لأحكامها، مقتفيا آثار من سبقوه، كالبوني والقَنَازِعِيّ والباجي وابن عبد البر -رحمة الله عليهم-.
стр. 261
وصف النسخ المعتمدة في القراءة والضبط
نسخة الجزائر:
تقع في ثلاثة أجزاء، سجلت في المكتبة الوطنية بالجزائر تحت أرقام: ٤٢٥، ٤٢٦، في ثلاث مجلدات (١)، وهي نسخة في أصلها رباعية، بدليل أنَّ آخر جزء فيها كتب عليه: "كمل السِّفْر الرابع بحمد الله وحسن عونه، وبتمامه تم جميع الديوان من ترتيب المسالك على مُوَطَّأ الإمام مالك، على يد العبد الفقير محمّد بلوم، وذلك أواخر رمضان (٢٨) سنة: ١٢٠٩ هـ".
وفي نهاية جزء آخر تلقانا عبارة: "تمَّ السِّفْرُ الثالث من كتاب المسالك شرح مُوَطَّأ مالك، تأليف الإمام الحافظ أبي بكر بن العربيّ ﵁ وذلك يوم الجمعة الثالث والعشرين من جمادى الثانية [كذا] عام تسعة ومئتين وألف" (بالحروف).
وأوَّل هذا الجزء: "باب ما يجوز أكلّه من الصيد".
كما تلقانا عبارة يستفاد منها أنّها نهاية السِّفْر الثاني ونصها: "كمل السِّفْر
стр. 262
الثاني من المسالك في شرح مُوَطَّأ أبي عبد الله مالك، تأليف الإمام القاضي أبي بكر بن العربيّ ﵁ وذلك في العشر الأواخر من رمضان سنة:١٢٠٨ هـ".
أما النُّسخة فتبدأ بمقدمة الكتاب، وهي الجزء الأوّل بطبيعة الحال، بغضِّ النَّظر عما وقع في الكتاب من سقط وقع التنبيه عليه في موضعه.
إذا فالكتاب مُنْتَسَخٌ في بداية القرن الثالث عشر الهجري، بين سنَتي رمضان ١٢٠٨ هـ ورمضان ١٢٠٩ هـ وهو ما يقابل نهاية القرن الثامن عشر الميلادي كما نصَّ على ذلك أحد الأعاجم باللّغة الفرنسية بالحروف اللاتينية.
ونلاحظ أنَّ على النُّسخة خواتمَ على أشكال ثلاثة:
الشكل الأوّل: لم نستطع تبيُّنه وهو دائري، ولعلَّه مكتوب بالعربية، والثاني شبه دائري كتبت فيه: مكتبة الجزائر بالحروف اللاّتينية، أمّا الثالث فهو بيضاوي الشكل وكتبت فيه عبارة "المكتبة الوطنية بالجزائر".
وعلى السِّفْر الأوَّل صيغة تملّك بخطِّ لا شكّ أنَّه متأخر عن تاريخ النسخ، وبخطِّ يدويّ نصُّ عبارته: "الحمد لله، تملك محمّد العربيّ بن محمّد بن عيسى هذا السِّفْر الأول من "المسالك على مُوَطَّأ الإمام الأعظم مالك" للقاضي أبي بكر بن العربيّ من ورثة أبي محمّد الحفصي، لطف الله بالجميع، أواخر شعبان سنة: ... [وهناك كلّمتان لم نتبينهما] " على أنَّ معرفة شخص المتملك [محمّد بن العربيّ بن محمّد بن عيسى] وشخصية الموروث [أبي محمّد الحفصي] قد تفيدنا في معرفة تواريخ التّمَلُّكَين، ولم يفصل بينهما.
стр. 263
على أن ما ورد عند سزكين في تاريخ التراث العربيّ في مادة الفقه المالكي (مالك- الموَطَّأ)؛ بأن النُّسخة ترجع إلى ١٠٢٩هـ إن لم يكن خطأ في الطبع تولد عن أن الصفر تقدم رقم (٢)؛ فإنَّه خطأ في القراءة لا محالة، خصوصا أن النّاسخ نصَّ على ذلك في نهاية السِّفْر الثالث بالعبارة.
ومهما يكن من أمر؛ فإنُّ التنصيص على سنة: ١٢٠٩ هـ قد يفهم منه على أن النُّسخة قد كتبت كلّها في هذه الحسنة، على حين أن قراءة أواخر الأجزاء كلّها يفيد أنَّ الجزء الثاني كمل في العشر الأواخر من رمضان ١٢٠٨ هـ. وأن السِّفر الرابع تمَّ في ٢٨ رمضان سنة: ١٠٢٩هـ.
والنُّسخة كتبت بخط مغاربي واضح، إلَّا بعض العناوين فقد كتبت بخط مشرقي، ولعلَّ النّاسخ ورَّاق يَحتَرِف النّسخ ويُجيدُ الخطّ المغربي والمشرقي. ومقاسها: ٢٠٥/ ٣٠٠ مم، وكُتبت العناوين بالخطِّ الأحمر.
ومن أسفٍ؛ فإنَّ كتاب البيوع ساقط منها، مما اضطرّنا إلى اعتماد نسخة القرويِّين فقط، وهذا النقص هو الَّذي أشار إليه قديما شيخ النهضة الإِسلامية في الجزائر عبد الحميد بن باديس في ترجمته لأبي بكر بن العربيّ (١)، حيث قال: "وكتاب المسالك ومنه نسخة في مكتبة الجزائر (يقصد هذه النُّسخة) بها نقْصٌ، وعندنا منه جزء فيه ما يكمِّل ذلك النقص" (٢).
стр. 264
وإلى جانب هذا النقص، نجد هذه النُّسخة نفسها تُسعِفُنا بعدّة أبواب في كتاب الحج، انفردت بها دون سائر النسخ، ففي نهاية السِّفْر الثاني منها ومن النُّسخة "غ" [وهو ما يعادل: ٤/ ٣٥٢ من المطبوع من المسالك] احتفظت لنا "جـ" بباب ما يجوز للمحرم أكلّه من الصيد، إلى آخر كتاب الحج [وهو ما يعادل: ٤/ ٤٧٧ من المطبوع من المسالك].
стр. 265
وقد رمزنا لهذه النُّسخة بـ "جـ"، إشارة إلى أنّها من الجزائر.
نسخة الزاوية الحمزاوية (١):
تتكون مخطوطة الزاوية الحمزاوية من نسخة كانت في الأصل رباعية سَلِم طرفاها: السِّفْر الأول، والسِّفْر الرابع وهو الأخير؛ وهما معًا بخطِّ واضح أندلسي من خطوط القرن السادس، يرجع إلى سنة: ٥٧٩ هـ, وهو المنصوص عليه ذلك في نهاية الجزء الرابع صفحة ٣٢٧، وبقي مقروءًا منه: " ... في شهر شعبان من عام تسعة وتسعين وخمس مائة، وبهذا كمُل الديوان".
وهي نسخةٌ نفيسةٌ كُتِبت بعد وفاة المؤلِّف بعهدٍ قريبٍ، أي في العهد الَّذي يحتمل أن يكون أبناؤه وتلاميذه وحملة تراثه ما زالوا على قيد الحياة في المغرب والأندلس، ويظهر أنَّ هذه النُّسخة كانت في القرن الثامن بغرناطة كما تشهد بذلك طُرَّة على آخر صفحة (٣٠١)، من السِّفْر الأوَل، يُقْرَأ منها بخطٍّ مُغايرٍ لخطِّ النُّسخة كُتبَ متداخلًا، وبعضه يُقْرَأ من أسفل إلى أعلى: "أكملتُ هذا السِّفر مطالعةَ بغرناطة ... من ... المعظم من عام ثمانية ... بعد سبع مائة".
стр. 266
وفي أوّل هذا السّفر تملّك هذا نصُّه: "لأحمد بن محمّد بن أحمد بن محمّد القرشي -وفقه الله- اقتناه بمدينة وجدة -حرسها الله- بالشراء الصحيح، ثم صار لابنه" وفي الزاوية اليسرى مكتوب مُنَكَّسًا: "تملَّكَه الطا ... سنة: ... ".
وعلى الصفحة نفسها ترجمة للمؤلِّف يحسن إيرادها، بيانًا لنباهة المتَمَلِّكِين الّذين يقْدُرون المؤلِّف ويحرصون على التعريف به أوَّل النُّسخة تنويها بإمامته، ونثبتها على ما قد شابها من تآكلّ في الأطراف جار على بعض الألفاظ, ولعلَّه من أثر عدم التحري عند التصوير، وفي النية بحول الله الرحلة إلى الربوع الأطلسية للوقوف على النُّسخة لجَبْر واستكمال الفوات، وهذا نصُّها:
"المؤلّف ﵁: هو محمّد بن عبد الله بن محمّد بن أحمد المعافري من أهل إشبيلية، يُكنى [أبا بكر] ويعرف بابن العربيّ.
مولده سنة: خمس وستين وأربع مائة، وتأدب بإشبيلية، ورحل عند انقراض دولة بني عباد سنة: خمسة وثمانين وأربع مائة من نحو سبعة عشر [عاما] ولقي أشياخا أعلاما أخذ عنهم كأبي حامد الغزالي، وأبي بكر الشاشي، وأبي بكر [الطّرطوشي] ودخل بغداد مرتين، وأقام في الإسكندرية عند الطّرطوشي، وبها توفي أبوه ﵀. ثم [عاد إلى] الأندلس سنة: خمس وتسعين، فسكن بلده، وشُووِرَ فيه، وسمَّع ودرَّس الفقه و [الأصول- أو الأصلين] وجلس للوعظ والتّفسير، ورُحل إليه. وهو فصيحٌ حافظٌ ذاكرٌ، عظيم القَدْرِ، عالم ...
من تواليفه:
"أحكام القرآن" وهو من كتبه الحسان.
стр. 267
وهذا التأليف "المسالك" و ...
و"العارضة".
و"سراج المريدين": وهو كتابٌ جليلٌ مُفيدٌ في معناه، نحا فيه منحى التصوُّف.
و"الإنصاف في مسائل الخلاف".
و"تلخيص التلخيص".
وتُوُفِّيَ على مقربة من مدينة فاس، في شهر ربيع الأوُّل، وقيل: في الآخر من سنة: ثلاث ...
وقيل: مولده لثمان بقين من شعبان سنة: ثمان وستِّين وأربع مئة.
ويبدو أن مالك النُّسخة كان من العلماء، فلخّص هذه التّرجمة الَّتي تقتربُ في صياغتها وترتيب معلوماتها من صيغة ترجمة ابن الزُّبير في "صلته"، كما يتجلى ذلك من المقارنة بينهما من خلال ما احتفقالنا، البُنَّاهي مثلا في "قضاته": ١٠٦ (ط. بروفنسال) من نقول عن ابن الزبير.
بقيت الإشارة إلى أن المرحوم بكرم الله تعالى أستاذنا العلّامة محمّد المنوني؛ قد تناول هذه النُّسخة بالذِّكر الموجَزِ في مقالة له بعنوان: "مكتبة الزّاوية الحمزاوية صفحة من تاريخه"، نشره في مجلة "تطوان" صفحة: ١١٦، تحت رقم: ٢٤ (١) وهو بالنُّصّ:
стр. 268
"كتاب "ترتيب المسالك في شرح مُوَطَّأ مالك"، لأبي بكر محمّد ابن عبد الله ابن العربيّ المعافري، الأندلسي، الإشبيلي، المتوفَّى سنة: ٥٤٦ هـ ١١٥١م. مجلّدان: الأوّل والرّابع الَّذي يبتدئ من كتاب "الشُفْعة"، وهما معا مكتوبان بخطِّ أندلسيِّ عام: ٥٧٩ هـ".
ولنا ملاحظات على ذلك:
الملاحظة الأولى: خُلُوُّ التّعريف من معالم التّعريف العلميّ، فلا تنصيص على عَدَد الصّفحات، ولا على بدايات كلّ مجلَّد على حِدَة، ولا على المعلومات الضرورية في مقاس الكتاب وعدد الأسطر وغير ذلك، مما يدل على أنَّه لم يحظ عنده بالتّأمُّل اللاّزم، ولا شكٌّ أنّ وراء ذلك ضيق الوقت، وعدم توفُّر العوامل المساعدة على التّحقيق والتّدقيق.
الملاحظةُ الثانية: تحديد وفاته سنة: ٥٤٦ هـ هو إثباتٌ للمرجوح وإعراضٌ عن الرّاجح المشهور.
الملاحظة الثالثة: أنّه سمَّى الكتاب: "ترتيب المسالك"، ولم يُعِر اهتماما لما جاء في أوُّل السِّفْر الأوَّل صفحة: ٣، ونهايته في صفحة: ٣٠١ من أنَّه كتاب "المسالك في شرح موطّأ مالك"، ولعلَّ الشّيخ كان متأثرًا بما وقَر في ذِهْنِه عند بعض مُتْرجِمِي أبي بكر بن العربيّ أنَّ له كتاب "ترتيب المسالك"، فتابع ما عندهم مقلِّدًا إياهم، وليس الأحوط والأوْلى، إذ إعمال ما جاء على هذه الذخيرة أولى من إهماله؛ إلَّا إذا كان يقصد من طرف خفيِّ إلقاء ظلال من الشَّكِّ على العنوان المثبت على النُّسخة، وتقديم بديل عنه، وهو ما عرضنا له بالمناقشة في أثناء تحقيق عنوان الكتاب (١).
стр. 269
تتكون نسخة الزاوية الحمزاوية من سِفْرَيْن كما سبقَ الإيماء إلى ذلك، أوّلهما يبتدئ بالمقدِّمة إلى ما قبل جامع الصلاة. وقد أثبت النّاسخ في نهاية الجزء الفقرة التالية:
"كمل السِّفْر الأوَّل والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على محمّد الخاتم وعلى آله وسلم تسليما، وذلك من كتاب "المسالك في شرح مُوَطَّأ أبي عبد الله مالك" ﵁ وغفر له ورحمه، ويتلوه في الثاني: جامع الصلاة، مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن إبي قتادة الأنصاري؛ أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل إمامة بنت زينب بنت رسول الله ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها".
ومعنى ذلك: أن هذا الجزء قد تضمن من الكتب: وقوت الصلاة، والطهارة، والصلاة، والسهو، والجمعة، والصلاة في رمضان، وصلاة الليل وصلاة الجماعة، وقصر الصلاة في السِّفْر، وشارف كتاب العيدين.
أمّا السِّفر الرّابع فعذرنا في الإشارة إليه والتعامل معه، أنَّه كان لنا مضيئا لا يتصلّ بالنُّسخة على العموم، حيث استطعنا أن نصل إلى بعض الإفادات:
أوّلها: التّقسيم الرُّباعي المستفاد من نهاية النُّسخة.
ثانبا: أنَّ السِّفْرين معًا بخطِّ واحدٍ.
ثالثا: تأكيد أنَّ اسم الكتاب "المسالك" اعتمادًا على الصّفحة الأولى من السِّفْر الرّابع الَّتي جاء فيها: "الرّابع من المسالك لابن العربيّ ﵁".
стр. 270
رابعا: تاريخ نسخ الكتاب المثبث على الصّفحة الأخيرة من السِّفْر الرّابع وهو: سنة: ٥٧٩ هـ.
خامسا: خصائص الخطّ، والّذي هو واحد في السِّفْرَيْن من كونه أندلسبا فيه الضَّبط بالقلم لبعض الكلمات المشكلة، وفيه علامات المقابلة والإهمال وغير ذلك.
وقد رمزنا للسِّفْر الأوّل من هذه النُّسخة بحرف: "غ"، وابتداء من السِّفْر الرابع والّذي بدايته كتاب الشُّفْعَة، رمزنا للنُّسخة بحرف: "م".
نسخة الفكّون (١):
بدايتها: جامع الصلاة وينتهي آخرها في أثناء كتاب الحجّ، وتتكون من ١٢٩ لوحة، بخط أندلسي مليح، كتبها محمَّد بن عبد الله ابن محمّد الصولاتي [كذا] في القرن السابع (٦٧٠ هـ).
وهي مِلْك الحاج نجيب الدَّمْنَاتي [كاتب العدل بمحكمة دَمْنَات بمرّاكش] وقد آلت إليه من تَرِكَة القائد عمر الكلاوي، وكان قد اشترى قصره بمحتوياته،
стр. 271
ومنها: خزانة كتب نادرة، ظلَّ الحاج نجيب يُزوِّد بها جائزة الحسن الثاني للمخطوطات، من ذلك هذه النُّسخة الَّتي عرضت سنة: ١٩٧١ م، و"شرح غريب الموَطَّأ" لابن حبيب الَّذي استقرَّ أخيرا بمكتبة الحرم المكِّي الشَّريف. والكتاب قبل أن يستقر في خزانة القائد الكلاوي كان من محتويات المكتبة الفكونية (١) الّتي سارت بذكرها الركبان، واحتوت ذخَائر وأعلاقا ذهبت شذر مذر، وانتهبتها يد الاستذمار الفرنسي عند دخوله الجزائر غازيا.
وعلى الصفحة الأولى منها: "الثاني من المسالك شرح مُوَطَّأ مالك، تأليف الإمام أبي بكر ابن العربيّ ﵁"، وذلك بخط أندلسي مغلظ، وأسفل منه بقلم دقيق: "في نوبة الفقير لربِّه: محمّد بن عبد الكريم الفكّون غفر الله له".
وفي اللوحة ١٢٨/ ب، تلقانا عبارة: "كمل السِّفْر الثاني من كتاب المسالك في شرح مُوَطَّأ أبي عبد الله مالك".
وفي اللوحة ١٢٩/ أ، ما يتمم ذلك وهو: "تأليف الإمام أبي بكر ابن العربيّ ﵁، والحمد لله رب العالمين، يتلوه في الثالث: وكان الفراغ منه خامس ذي الحجة عام ٦٩٠هـ, على يد الفقير إلى ربِّه: محمّد بن عبد الله بن محمّد (الصولاتي) [كذا]
أمات الله كاتبه مُحِبًّا ... لأصحاب النَّبي مع النَّبيّ
стр. 272
وأسكنه بذلك دار عدن ... جوار الله ذي العرش العليِّ"
وهي نُسخَة بخطِّ أندلسيِّ مَلِيحٍ، غير مشكول، وقع تمييز العناوين فيه والفصول والفروع والفوائد والأقوال بتغليظها، والتزم فيها الناسخ بالإشارة إلى ترابط شطري الورقة بالتعقيبة المعروفة بالرَّقاص.
كما وقعت الإشارة في النُّسخة إلى بعض الحروف المهملة، بإثبات علامات الإهمال، ولكن ذلك غير مُطَّرد.
وقد رمزنا لهذه النُّسخة ب "غ"، إشارة إلى أنَّها من المغرب، وابتداء من كتاب الجهاد رمزنا لها بحرف (م) إشارة إلى أنها من المغرب.
نسخة القاهرة:
وهي من محفوظات دار الكتب المصرية بالقاهرة، حديث طلعت ٧٩٣، وتشتمل على ١٣٠ لوحة, تنتهي عند الكلام على آخر حديث من كتاب قصر الصلاة في السَّفَر، باب العمل في جامع الصلاة، حدثنا ابن شهاب، عن ابن المسيب؛ أنه قال: "ما صلاة يُجلس في كلّ ركعة منها ... "، ويليه في الجزء الثاني "باب جامع الصلاة". قال النّاسخ: "كمل السِّفْر الأوَّل من كتاب المسالك في شرح الموَطَّأ للإمام أبي عبد الله مالك على يد العبد الفقير إلى الله تعالى محمّد بن عبد الله بن محمّد الصولاتي، في خامس عشر محرم سنة: واحد وتسعين وستّ مئة".
وواضح أن هذه النُّسخة تُشكِّل الجزء الأوّل، وتمامُها هو الَّذي يملكه الحاج نجيب الدّمناتي؛ لأنّهما معًا متكاملتان، تَقَاربَ تاريخ نسخهما إحداهما في ذي الحجة عام ٦٩٠هـ, والثّانية: في ١٥ محرم ٦٩٤ هـ.
стр. 273
أي استغرق نسخ أحد السِّفْرين شهرًا على يد ناسخ واحدٍ، وهو محمّد بن عبد الله بن محمّد الصولاتي، ويشاء الله أن يتفرَّق السِّفْران؛ أحدهما ظلَّ بالغرب بعد أن طاف في أماكن نعرف منها قسنطينة عند آل الفكّون، والآخر نجهل مساره إلى أن استقرَّ عند طلعت بالقاهرة.
وقد يجمع الله الشتيتين بعد ما ... يظنان كلّ الظنّ أن لا تلاقيا
وقد رمزنا لهذه النُّسخة بـ "في" إشارة إلى أنّها من القاهرة.
نسخة القرويين (١):
أما وصف النُّسخة؛ فقد أغنانا عن ذلك الأستاذ العابد الفاسي في "فهرس مخطوطات خزانة القرويين": ١/ ١٨٨ (رقم: ١٨٠)، الَّذي جاء فيه ما يلي: "السِّفْر الثاني منه بخط مغوبا صحيح، عار عن وثيقة التحبيس، أوَّله كتاب الجهاد وأحكامه، وآخره أسماء النَّبيّ ﵇. وبآخر هذا السِّفْر ما صورته: "تم الكتاب بحمد الله وعونه، على يد عمر بن يوسف الفناني، في يوم الأربعاء لاثني عشر خلون من شهر ذي القعدة سنة: أحد عشر وسبع مئة، فرحم الله كاتبه وقارئه وكاتبه، ومن دعا بالغفرة والرحمة، آمين رب العالمين". وعقب هذا ورقتان في مناقب بعض (ح) أوَّله مناقب أبي ذر، وآخره مناقب سعد بن معاذ، مخروم من آخره، ويظهر أنَّه من صنيع أبي بكر المذكور، والكلٌ بخطٍّ مغربي، أوراقه: ١٢٢، مسطرته: ٤٢، مقياسه: ٣٢/ ٢٣.
стр. 274
وما لم يتعرّض له الأستاذ العابد هو ما يتعلّق ببعض خصائص النُّسخة من الإسقاط والإلحاقات والمقابَلَة؛ ولم نجد عبارة صريحة في آخر النُّسخة تدل أنَّ على النُّسخة مقابلة على الأصل المنتسخ منه، ولكن يقوم مقام العبارة الدالة على المقابلة وجود دارات بين فقرات النُّسخة، وفي "خلها نقطة إشارة المقابلة كما هو متعارف على ذلك عند علماء الضبط.
ولا نجازف إذا قلنا بأن الأصل الَّذي تفرعت منه هذه النُّسخة له صلة ما بنسخة كتبت في عهد المؤلِّف ﵀؛ لأننا لم نجد الترحم المعتاد في مثل هذه الحالة، بل على العكس فإنّ عبارة "وَفَّقَهُ الله تعالى وسدَّده" الَّتي وردت في أصل السِّفر لا يمكن أنّ تكون دعاء يتّجه إلى الميِّت؛ بل الأرجح أنّ تكون دعاء للحَيِّ، وفي ذلك ما يدلُّ على أنّ الأصل أو أصل الأصل احتياطًا يرجعُ إلى عهد المؤلِّف الَّذي وقع الدُّعاء له بالتّوفيق والتّسديد.
وأورد الناسخ مناقب أبي ذر ومعاذ وأبي هريرة وعمرو بن العاص والبراء بن عازب وبلال وسعيد بن معاذ. وقد سبق إلى المخاطر أنَّ ذلك قطعة من العارضة، وبالرجوع إلى مطبوعة العارضة تبيَّن أنَّ ما جاء في الوقتين أوسع وأطول وغير متطابق مع ما في العارضة، وقام احتمال أنّ تكون مطبوعة العارضة من أصل غير تام، ولكن ذلك غير مُتَّجه؛ لأنَّ سياق المناقب في العارضة هو غيره في الورقتين، إضافة إلى أنَّ المؤلِّف يتكلّم عن أبي عيسى الترمذي في سياق لا يدُّل على أنَّه يتناول أحاديث مؤلِّفه بالشرح.
أمّا نسبة ما في الوَرَقَتَيْن إلى أبي بكر ابن العربيّ فهي نسبة صحيحةٌ، تفطَّن إلى ذلك المرحوم بكرم الله تعالى الأستاذ العلَّامة العابد الفاسي في "فهرست
стр. 275
مخطوطات خزانة القرويين ": ١/ ٨٨. ونصُّ عبارته: "ويظهرُ أنه من صنيع أبي بكر، ولعلَّه كان مترددًا في ذلك كما يشهد بذلك قوله: "يظهر"، ونحن لم يظهر لنا ذلك، وإنما تأكد لنا؛ لأن فقرات في الورقتين بعينها قد وردت في العارضة مثل: كلامه في مناقب أبي ذر، وهو في العارضة: ١٣/ ٢٠٩ - ٢١٠. وكلامه في مناقب أبي هريرة، هو في العارضة: ١٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦.
- إحالته على كتاب المشكلين [مشكل القرآن والسنة:].
- ونقله في مناسبتين عن شيخه الفهري، ويقصد به الطرطوشي نزيل الإسكندرية، وطريقة عرضه للقضايا وترتيب للمسائل، هي نفسها كما في مختلف كتبه، وهو منحى قد ألِفناه واستأنسنا به، بحيث لا يكاد يخفى علينا كلامه.
واحتمال أنّ تكون الورقتان نقلا من كتاب "سراج المريدين" احتمال قوى، ولولا الاحتياط لجزمنا، وتحدث نفس أحدنا أنَّ ما ورد في الصفتن سبق أنّ قرأناه في "سراج المريدين"، وحال بيننا وبين المقابلة بُعد أصولنا عنّا.
وقد رمزنا لهذه النُّسخة ب "ف" إشارة إلى كونها من فاس.
استدراك:
نسخة محمَّد المنوني:
كان شيخنا محمَّد المنوني -رحمة الله عليه- يمتلك جزءا من كتاب "المسالك في شرح مُوَطَّأ مالك" يبدأ بكتاب الزكاة، وينتهي في أواخر كتاب الصيام، وباَخره نقص يسير، كُتِبَ على وَرَقٍ مشرِقِىٍّ، بخطٍّ أندلسيٍّ، يعودُ إلى
стр. 276
أوائل القرن التاسع الهجري تقديرًا. ومن أسف لم نستطع تصوير هذه النُّسخة في أثناء حياة الشيخ، وبعد وفاته ﵀، بيعَت مكتبتُه للقصر الملكي بالرباط، وتسرَّبت بعض المخطوطات والكتب النّادرة خارج الغرب، ولا ندري إن كانت هذه النُّسخة لازالت داخل المغرب أم هاجرت أسوة بمثيلاتها إلى خزائن العالم الَّذي يبذل بسخاء لا نظير له للحصول نفائس إرثنا الإِسلامي.
نسخة علال الفاسي:
بعد انتهائنا من قراءة وضبط نَصِّ "المسالك" قمنا بزيارة خزانة مؤسسة الزعيم المغربي علال الفاسي، فأطْلَعَنا -مشكورا- الأستاذ عبد الرحمن الحريشي -رحمة الله عليه- على مجلَّد يتضمّن السِّفْر الأوّل والثاني من "كتاب المسالك" والمخطوط نسخة عتيقة كتبت بخط أندلسي، من خطوط القرن السابع الهجري ظنا وتخمينا، وقع بترٌ بأوّل وآخِر كلّ سِفْرٍ منهما، وفي ثناياهما أيضًا، ووقع جبرها باستكمال البتر بخط مغربي حديث، وهو ظاهر في الصفحات العشر الأولى. ولم نعتمد هذه النُّسخة في القراءة والضبط لوقوفنا عليها بأخَرَة.
نسخة محمَّد الطاهر بن عاشور:
لم نقف عليها، والراجح أنها الآن من محفوظات المكتبة العاشورية بتونس، وقد اعتمدها الشيخ ابن عاشور في "كَشْف الْمُغَطَّى" (١) وذكر أنها جزء هو ربع ثالث من شرح أبي بكر بن العربيّ المسمى "ترتيب المسالك".
стр. 277
الخطوات المتَّبَعَة في قراءة النَّصِّ وضَبْطِه
وقد اتّبعنا الطريقة التالية:
بدأنا بقراءة الأصل ونسْخِه في صبرٍ وأناةٍ، وقد استغرق ذلك سنين عددًا، نظرًا لعدم توفّر نُسْخة مصحّحة محرَّرة، وقد راعينا في عملية النَّسْخِ ما يلي:
- التزمنا في نسْخِ المخطوط بالرَّسم الإملائي المعاصر، فاجتهدنا في جُلّ الواضع رسم همزة الابتداء؛ لإنّ عدم رسمها يؤدِّي إلى تغيير المعنى، مثل: أعذار وإعذار، وأعلام وإعلام، وأنّ وإنّ، كما وضعنا نقطتي الياء لئلّا تلتبس بالألف المقصورة مثل: أبي وأبى، والهَدْي والهُدَى، كما حوصنا على وضع علامة التّشديد في موضعها ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.
- أوْلَينا اهتمامنا وعنايتنا بعلامات التّرقيم وتقسيم الفقرات، حتّى يتمكّن القارئ من فهم مراد المؤلِّف بيسر وسهولة.
- أثبتنا ما نعتقد أنّه صواب في المتن، بعد عملية اختيار وانتقاء مقارن، مصاحب لتأمُّل بصيرٍ دونَ كَلَلٍ أو مَلَلٍ، ثمّ أشرنا في الهامش إلى ما رأيناه مرجوحًا أو مخالفًا للصّواب.
وقد اقتضى منّا هذا تخصيص هامشين: الهامش الأوّل بالأرقام الهندية، وقد اقتصرنا فيه على ذِكْرِ الفروق بين النُّسَخ، وأخلصنا الهامش الثّاني المرقَّم
стр. 278
بالأرقام العربية لمختلف التّعليقات على المتن. ولم نلتزم هذا المنهج في كلّ أجزاء الكتاب، بسبب ظروف الطِّباعة. كما أنّ العمل بصفة عامة لم يجر على وتيرة واحدة، بسبب انعدام المشاركة التامة في كل المواضع، ولكن حاولنا توحيد العمل، ودمج ما اتّفقنا عليه، مما أوجد -ولله الحمد- نوعا من الانسجام في القراءة والضبط والتعليق.
- وأوْلَينا اهتمامنا أيضًا بالفروق الَّتي لها أثرٌ في قراءة النّصِّ، حيث يترتّب على إختلاف رسم الكلمة فيها تغيير المعنى, وأهملنا مُتعمِّدين -في الغالب الأعمّ- ما كان واضحًا بَيِّنَا أنّه من سَهْوِ النُّسَّاخ أو جَهْلِهم، وكذلك لم نشأ أنّ نُثْقِل الحواشي بإثبات الفروق الطّفيفة، كحروف العطف، ومجيء الفاء مكان الواو أو العكس، أو سقوط نفطة من الذال أو التاء أو الياء.
- وجدنا في مواضع ليست بالقليلة أنّ سياق الكلام يحتاج إلى إضافة حرف أو كلّمة يظهر أنها ساقطة من المتن، ولم نجد في النّسخ ما يُرشِد إلى إكمال ذلك النّقص، فاستجزنا للضّرورة إدراج الإضافة في الصُّلب، مع التّنبيه على ذلك في الهامش، إلَّا أنّنا حاولنا قَدْرَ الإمكان إلَّا نتسرع في إكمال السَّقط باجتهاد منِّا، بحيث نضع ألفاظًا وعبارات ونقحمها في الصّلب على غير أساس علميّ، بل راعَيْنا أنّ نكمِّل النّقص في حالة واحدة، وذلك عندما يكون المؤلِّف قد ذكر هذا النّصّ في كُتُبه الأخرى كالقبس أو العارضة أو الأحكام، أو يكون قد نقل نصًا عن الباجي أوابن عبد البر أوابن رشد أو المازَرِيّ وغيرهم، ففي هذه الحالة استجزنا الاستعانة بتلك المصادر لسَدِّ النقص الموجود بالنُّسَخِ؛ لأننا نعتقد أنّه لا يجوز بحال من الأحوال التصرُّف في من النُّسخة بالزيادة أو النُّقصان.
стр. 279
- اعتنينا بضبط آيات القرآن الكريم على ضوء ما جاء في الصحف المتداوَل ضبطًا تامًّا، وأهملنا الإشارة إلى الأخطاء الواردة في رسم بعض الآيات وكتابتها، وذلك بعد التّثبُّت إنّ ما حَدَثَ هو خطأ مقطوعٌ به، ولا وجْهَ له لا قراءةٍ من القراءات القرآنية، وكنّا لا نتسرّع لا التّخطئة بمجرد النّظَر في الصحف الشريف الَّذي بين أيدينا [رواية حفص أو ورش] لاحتمال أنّ يكون المؤلِّف قصد من إيراد الآية على إحدى القراءات، فيكون التصرّف فيها مجانبا للصّواب. وكنّا نوَدُّ لو استطعنا إثبات نصّ رواية ورش، ولكن من أسَفٍ لم نستطع الحصول على برنامج هذه الرِّواية المعتمدة في الغرب الإِسلامي.
وكذلك اجتهدنا في ضبط أغلب الأحاديث النَّبويّة الشريفة بالشّكل ضبطًا تامًا، على ضوء ما جاء لا مصادر الحديث النّبوي، كما لم نُغفِل ضبط بعض الكلمات الَّتي تدعو الحاجة إلى ضبطها، أمْنًا من اللّبس، وحفاظا على أداء المعنى، وراعَيْنا في ذلك اختيار الوجه المشهور في الضّبط بالشَّكل عند علماء النّحو واللُّغة، كما تجنّبنا ضبط الكلّمات التي تحتمل مختلف الأوجه، وقد نضبطها أحيانا بإثبات أكثر من وجه، إذ لا شَكَّ عندنا أنّ الضّبط بالشَّكْلِ هو سبيل لإدراك المعاني والتمييز بين الدّلالات المتعدّدة للكلمة الواحدة الَّتي يتنوعّ معناها باختلاف حركاتها, ولذلك جاء اجتهادنا في شكل الأحاديث النبويّة والأشعار تشكيلاً يُزيلُ عنها الإبهام والوهم، وكذلك الأمر في تشكيل بعض الألفاظ الَّتي يلتبس معناها إذا أهمِلَ شكلها، كالمبنيّ للمجهول، والكلّمات الَّتي فيها تصغير أو تشديد، وقد حاولنا -قَدْرَ الاستطاعة- الدِّقَّة والحرص، مع التّريُّث والتّحرُّز من الانسياق إلى المسموع المألوف، وذلك بالرّجوع إلى المعاجم اللَّغوية.
стр. 280
- استعنّا في تقويم النَّصِّ وتحريره بالمصادر الَّتي نقل منها المؤلِّف أو استفاد منها، إلا أننا كنا حَذِرين شديد الحَذر؛ لأنّه يحتمل أنّ يكون المؤلِّف قد تصرَّفَ في المادة المنقولة زيادة ونقصًا، تغييرًا وتبديلًا، وقد كان الأمر سهلًا ميسورًا في النّصوص الَّتي عزاها المؤلِّف إلى أصحابها, ولكن جلّ الأقوال والاقتباسات أوردها المؤلِّف دون عَزْوِها إلى قائلها، وإنّما أوردها مُصَدَّرَة ببعض العبارات المبهمة نحو: وقيل، وقال بعض العلماء، وقال علماؤنا، وربّما أهمل هذا أيضًا، ممّا استَوْجَب مِنّا جُهدَا مضاعَفًا في الكشف عن النّقول، وقد ألهمنا الله الصّواب في الكشف عن كثير من النّقول، فوثّقناها بفضل الله تعالى ومَنِّه وكَرَمه، واجتهدنا في إثبات جُلّ الفروق في الهامش، باعتبار أنّ تلك المصادر نُسَخٌ أخرى من المخطوط، مع العلم أنّ المؤلِّف -رحمة الله عليه- يُورِد أحيانًا بعض النّصوص من حِفْظِه دون الرُّجوع إلى الأصل، أو يحتمل أنّ يكون قد غّيَّرَ عمدًا بعض الألفاظ وتصرُّفَ فيها، وفي هذه الحالة كنا نعلِّق في الحاشية على ما ظهر لنا من المقارنة بالأصل المنقول منه.
- ربطنا الكتاب ب "الموطَّأ" طبعة الأستاذ بشار عواد معروف، وذلك بالإشارة إلى كلّ حديث مشروح في الهامش.
- قارنا قَدْرَ المستطاع بين "كتاب المسالك" ومؤلِّفات ابن العربيّ الأخرى، وقد دعانا إلى ذلك سببٌ منهجيٌّ عامٌّ، من حيث إن فكر كلّ عالِمٍ يُمثِّلُ وَحْدَة واحدة؛ فالإشارة وربط الأفكار بعضها ببعض يساعدُ على فهم مراد المؤلِّف، ويزيدنا طمأنينة إلى صحّة النَّصِّ ووثاقته.
стр. 281
- حاولنا أنّ نكون مقتَصِدِين أشدَّ الاقتصاد في التّعليق على النّصّ؛ لأنّنا مؤمنون بأنّ الاستكثار في هذا الجانب سيكون على حساب تحرير النَّصِّ وتحريره من التّصحيفات والتّحريفات؛ ولأنّ الهدف من القراءة والضَّبْط هو محاولة إخراج النُّصِّ بصورة صادقة كما وَضَعَه مؤلِّفه كَمًّا وكيفًا، بقَدْرِ الإمكان، فالغاية القُصوى من قراءتنا هي تحرير النَّصِّ، ومحاولة فهمه فهما صحيحًا، ومع ذلك فلقد سمحنا لأنفسنا بالتّعليق على بعض المواضع ممّا رأينا أنَّه يخدم النّصُّ ويقرِّبُه من الباحثين.
- خَرَّجنا أحاديث أغلب "مُوَطَّأ يحيى" وذلك بتَتَبُّع من رواه عن مالك من تلامذته، سواء كانوا من أصحاب الموطّآت، أم من الرُّواة الَّذين رووا عنه خارج "الموطَّأ".
- عَزَوْنَا الآيات القرآنية، وخرّجنا جلّ الأحاديث النّبويّة الشريفة والآثار, بصورة نرجو أنّ يكون التّوفيق قد حالَفَنا في جُلِّها.
- ترجمنا لبعض الأعلام الّذين وَرَدَ ذِكْرُهُم في النّصِّ ترجمة موجَزَة، وكرهنا التّعريف بكل الأعلام لقلّة الجدوى.
- كما عرُّفنا بالغمور والمبهَم من الواضِع والبلدان، بالقَدْرِ الُّذي يخدم النَّصِّ ويوضِّحه وييسِّر الانتفاع به، وتغاضَينا مُتَعمِّدين التّعريف بالمشهور.
- شرحنا بعض الألفاظ الغريبة.
- خَرُّجْنا -بقَدْرِ الاستطاعة- الأشعار والأرجاز بالرّجوع إلى الدّواوين ومجاميع الشِّعْر وكُتُب الأدب.
стр. 282
- ذيَّلْنا كل جزء بفهرست إجمالي للموضوعات، وأخلصنا الجزء الثامن للفهارس الفنية المختلفة، الَّتي تُيسِّر على الباحث الوصول إلى المعلومات والمعارف المتضمّنة في الكتاب في يُسْرٍ لا يشوبهُ عُسر.
وأخيرا، فلقد توخَّينا لهذا الكتاب كلّ أسباب النُّجح، وتَلَّمسناها من مظَانِّها، ومع ذلك فهناك جملة من العبارات الَّتي لم تستقم لنا، فلم نوفَّق إلى إقامتها، فنرجو ألَّا نكون قد أسأنا وأفسدنا من حيث أردنا "الإحسان والإصلاح. فالباحث مهما بذل من جهد، وتَكَبَّد من عَناءٍ، فلن يكون بمَنْجَاةٍ من الزَّلَل والقُصور، وبمأمَنِ من الكَبْوَة والعِثَار. نسأل الله سبحانه أنّ يكتب لنا السداد في أعمالنا كلّها، وأن يمدَّنا بالتّمكن والنشاط في هذا الجهاد الشريف، من أجل إحياء إرثنا المخطوط، ومنه وحده نرجو الرِّضا ونلتمسُ المثوبة.
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
وكتب ذلك بمكة المكرمة:
عائشة السليمانية ومحمد السُّليماني
أولاد الشّيخ الحسين السُّليمانيّ الحمُّوديّ الإدريسي الحسَنِيّ
في اللَّيلة الَّتي يُسْفِرُ صباحُها عن يوم الثّلاثاء ٢٤ من شهر رمضان
المبارك عام ١٤٢٧ من هجرته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم
بمنزلهم بحي الروضة
стр. 283
نماذج مختارة من النُّسَخ المُعْتَمَدة في القراءة والضَّبْط