← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

كتاب الضّحايا ولا بدَّ في صدر هذا الكتاب من ثلاثِ مُقَدِّماتٍ: المقدِّمة الأولى في سرد الآي والآثار في فضيلة الأُضحِية قال الإمام: وليس في فَضلِ الأُضْحِيَّة حديثٌ صحيحٌ يُعَوَّلُ عليه، وقد رَوَى النّاسُ فيها عجائب لم يصحّ منها شيءٌ (١)، ومنها قوله: "إنَّهَا مَطَايَاكُم إلى الجَنَّةِ، غَيْرَ أَنَّهُ مأْجُورٌ في ذلك وَمَخلُوفٌ لهُ" (٢). والأصلُ في هذا الباب قصة إبراهيم الخليل، وما ابتلاهُ الله به من ذبْح ابنه، ثمّ فِدَائِهِ بِذبحٍ عظيم، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ ... الآية (٣)، القصة مذكورة في "الكتاب الكبير" (٤) بأبدع بيانٍ. وقولُ الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ الآية (٥).

стр. 2207

وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ الآية (١). معناه: فصلَّ لربَّك، وانحر كذلك، فتكون الآية على هذا عامة في الضّحايا والهدايا. وقيل: يعني صلاة الصُّبْح عند المشعر الحرام، ثمّ النَّحر بَعْدَها بمِنًى. وقيل: يعني صلاة العيد ثمّ النَّحر بعدها، وأن الآية نزلت بالمدينة وأمّا الحجِّ فلا صلاة عيد فيه. وقيل: يعني به وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى في الصّلاة عند النَّحر وهو الصّدر (٢). وقيل: يعني به استقبال القِبْلَةِ. هذا ذكرُ الآي، وأمّا الأثر والنظر، فقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ (٣) يعني: ذكر الثّواب، وقولُ الله يُوجِبُ الفضيلةَ، وعلى هذا تكونُ الأضحية (٤) سُنَّةَ من سنن الإسلام وشرعًا من شرائعه، قال رسول الله ﷺ : "أُمِرْتُ بِالنَّحْرِ وَهُوَ لَكُمْ سُنَّة" (٥)، وقال ﷺ : "مَا مِنْ نفَقةٍ بَعْدَ صِلَةِ الرحِمِ أَعظَم أَجرًا عِنْدَ الله من إرَاقَةِ الدَّمَاء" (٦). وفي الحديث الحسن (٧) أنّه قال ﷺ : "مَا عَمِلَ آدَمي يَوْمَ النَّحْرِ مِنْ عَمَلِ أحَبَّ إلى اللهِ مِنْ إِرَاقَةِ الدِّمَاءِ، أوْ من إِرَاقةِ دَمٍ، وإنها لَتَأتِي يَومَ القِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا

стр. 2208

وَأظْلافهَا، وَإِنَّ دَمَهَا لَيَقَعُ مِنَ اللهِ بِمَكانٍ قَبْلَ أنّ يَقَعَ عَلَى الأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا" (١). وقولُه: "بِقُرُونِهَا وَأَظْلَافِهَا وَأَشعَارِهَا" يريد: لا يضيع شيئًا منها، وأنّه لَيُجْزِئهُ ويُجَازى عليه، فلذلك يُسْتحَبّ عظم الضّحية وكمال شعرها وجمال خَلْقِهَا. ومن حديث أبي جَنَاب - واسمه يحيى بن أبي حيّة الكلبي (٢)، عن عكرمة، عن ابن عبّاس؛ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "ثَلَاثٌ هِيَ عَلَىَّ فَرضٌ (٤) وَهِيَ لَكُمْ تَطَوُّعٌ: النَّحْرُ وَالوِتْرُ وَرَكعَتَا الفَجْر" (٣). وفي "كتاب مسلم" (٤) و"الدّاودي" (٥) عن عَامِر أبي رَمْلَة، قال: أنبأنا

стр. 2209

مِخْنَفُ بن سُلَيْم قال: ونحن وقوفٌ مع النَّبيَّ ﷺ بعرفاتٍ قال: قال: "أَيها النَّاس إِنَّ عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ في كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَةً وَعَتِيرَةً، أَتَدْرُون مَا الْعَتِيرَةُ؟ هِيَ الّتي يَقُولُ لَهَا النَّاس الرَّجَبِيَّة" إسنادُهُ ضْعيفٌ (١). وفي "الدّاودي" (٢) و"النَّسَائي" (٣) عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ أنّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أُمِرْتُ بِيَوْمِ الأَضْحَى عِيدًا جَعَلهُ الله لِهَذِهِ الأُمَّة"، فَقَالَ رَجُلٌ: فإِنْ لَمْ أَجِد إِلَّا مَنِيحَةَ أَهْلِي، فَلِي أنّ أُضَحِّي بِهَا؟ قالَ: "لَا، وَلَكِن تَأخُذ مِنْ شعرِكَ وَأظفَارِكَ، وَتَقُصُّ شَارِبَك، وَتَحْلِقُ عَانَتَكَ، فَذَلِكَ تَمَامُ أُضحِيَتِكَ عِنْدَ اللهِ ". وقال ابن حبيب (٤): إنَّ الأُضحية من السُّنَنِ الّتي الأخذُ بها فضيلة وتركها خطيئة، وإنها أفضل من الصّدقة وإن عَظُمت، وأفضلُ من العتق (٥)، ونحوه في "المدوّنة" (٦) فيمن اشترى أُضحِيَة فلم يُضح حتّى مَضَت أيّامُ النَّحرِ أنّه آثِمٌ، فعلى هذا هي واجبة.

стр. 2210

المقدِّمة الثّانية على من تجب قال علماؤنا (١): والأُضْحِيةُ سُنَّةٌ من سُنَنِ الإسلام (٢) على مَنْ وُجدَت فيه خمس خصَالٍ: ١ - الإسلام. ٢ - والحريّة. ٣ - والقدرة عليها. ٤ - وكونه حلالًا غير حرامٍ. ٥ - ودخول أيّام النَّحر. وقال علماؤنا (٣): والأُضحِيَة واجبةَ على المُقِيم والمسافرِ، والذَّكرِ والأُنثَى، والصَّغير والكبير. وقد قال مالك: يُضحِّي الوَصيُّ عن اليتيم من مالِهِ، ويلزم الأبَ أنّ يُضَحِّي عن بَنِيهِ الذُّكور والإناث ما كانت نفَقتُهُم له لازمة، أمّا الذُّكور فحتّى يحتلِمُوا، والنّساء حتَّى يتزوَّجن ويدخُلْنَ مع أزواجهنّ، ولا يلزمه أنّ يُضَحِّي عن امرأته (٤)، ولا عن

стр. 2211

أُم وَلَدِه، ولا يلزم أُمِّ الولد أنّ تُضَحِّي عن نفسها (١)، وكذلك من فيه بقيةُ رِقِّ لا تلزمه الأُضحية، والاختيارُ فيه عند مالك ﵀: أنّ يضحِّي عن كلِّ نفسٍ شاةً (٢)، فإن ضحّى بشاةٍ واحدةٍ عن جميع أهلِ بيتِهِ أجزأَهُمْ (٣). المقدِّمة الثّالثة قال علماؤنا (٤): وشرائطُ صِحَّةِ الذَّبيحة أربعة أشياء: ١ - أنّ يكونَ الذَّابحُ مسلمًا، أو كتابيًا يهوديًا أو نصرانيًا. ٢ - والثّاني: النِّيَّةُ. ٣ - والثّالث: العقلُ. ٤ - والرّابع: أنّ يكونَ عارفًا بالذَّبْحِ قادرًا عليه، سواءًا كان بالغًا أم لا، أو كان ذكرًا أو أنثى. وشرائطُ الذَّكاةِ ثلاثةُ أشياءِ (٥): ١ - قطعُ ثلاثة عروق: الحلقومُ والوَدَجَانِ. ٢ - يكونُ قطعُ ذلك في نسقٍ واحدٍ لا يرفع الشَّفرة قبل تمام قطعها ثمّ يردّها. ٣ - الثّالثة: أنّ تكون شفرته حادّة غير مُعَذِّبة. وللذبح أربع سُنَنٍ:

стр. 2212

١ - إحداد الشَّفرة. ٢ - واستقبالُ القِبْلَةِ. ٣ - والبَسْمَلَة. ٤ - والصَّبر عليها حتّى تبرد ثمَّ تُسْلَخ. قال علماؤنا (١): أيَّامُ النَّحر ثلاثة أيّام: يوم النَّحر ويومان بعدَهُ، وهي الأيَّام المعلومات الّتي ذكر اللهُ في كتابه فقال: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ الآية (٢)، يُضَحِّي فيها من طُلُوع الفجر إلى غروب الشّمس، إِلَّا في اليوم الأوّل فلا يُضَحِّي فيه إِلَّا بعدَ صَلاةِ العيد ونَحْرِ الإمام، ويُسْتَحَبُّ في اليومِ الثّاني أنّ يؤخِّر إلى ضَحْوَة، وكذلك يستحب في الثّالث. فإن ضّحى فيهما قبلَ الضَّحْوة وبعدَ طلوع الفجرِ أَجزَأَهُ. وأمّا من لم يُضَحِّ في يومِ النَّحْر حتّى زالتِ الشّمسُ: فقيل: إنَّ الأفضلَ أنّ يُضَحِّي في بقيَّةِ النّهارِ. وقيل: إنَّ الأفضلَ أنّ يُؤَخِّر إلى ضُحَى اليوم الثّاني. وأمّا اليومُ الثّالثُ، فيضحِّي مَنْ فاتَهُ الذَّبْح بعد الزَّوال؛ لأنّه ليس ثَمَّ وقتٌ ينتظره (٣).

стр. 2213

والضَّحيَّةُ لا تجبُ إِلَّا بالذَّبْح، خلافًا للهدايا الّتي تجبُ بالتّقليدِ والإشعار. وقد روى ابن القاسم عن مالك (١) ما يدلُّ أنّها تجب بالتّسمية قبل الذَّبْح، فقال: لا تُجَزُّ الضّحيّةُ بعد أنّ تسمَّى، فإن فعَلَ انتفعَ بِصُوفِهَا ولم يَبِعْه. قال سحنون (٢) وأَشْهَب: لا بأس بِبَيعِهِ إذا جَزَّهُ قبل الذَّبْحِ، وخفّف ذلك أَصْبغ، وهذا الّذي بني عليه هو أنّها إنّما تجب بالذّبح، وهو المشهورُ في المذهب، والله أعلم.

стр. 2214

باب ما ينهى عنه من الضحايا مالك (١)، عن عمرو بن الحارث، عن عبيد بن فيروز، عن البراء بن عازب؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِل عَمَّا يُتَّقَى مِنَ الضَّحَايَا؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ وَقَال: "أَربَعٌ"، وكان البراء بن عازب يُشير بيده ويقولُ: يَدِي أَقصَرُ من يَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "العَرْجَاءُ البَيِّنُ ظَلعُهَا، وَالعَوْرَاءُ البَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالمَرِيضَةُ البيِّنُ مرَضُها. والعَجْفَاءُ الّتي لا تُنقِي". الإسناد: قال القاضي: هذا حديثٌ صحيحٌ، خَرَّجَهُ التّرمذيّ (٢)، والنّسائي (٣)، وأبو داود (٤)، عن البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ، كما خرّجه مالك، وفي إسناده كلامٌ (٥). قيل: إنَّ عَمْرو بن الحَارِث لم يسمع هذا الحديث من عُبَيْد بْنِ فَيرُوزٍ، ذَكَرَهُ عليّ بن المديني (٦)، وإنّما جاء به الباجي (٧) عن أحمد بن خالد قال: نا ابن وَضَّاح، عن سحنون، عن ابن وَهب، عن عَمرو بن الحَارِث واللَّيث بن سَعْد؛ أنّ سليمان بن عبد

стр. 2215

الرحمان الدِّمَشقِيّ حدّثهما عن عُبَيد بن فَيْرُوز مَوْلَى بني شَيْبَان، عن البراءِ بن عَازِب، فذكر الحديث، وهذا هو سَنَدُهُ الصَّحيح الّذي لا غُبَارَ عليه. الفقه في ستّ عشرة مسألة: المسألة الأولى (١): قوله: "سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَاذَا يُتَقى مِنَ الضَّحَايَا" فيه دليلٌ على أنّ لها عندهم صفات يُتَّقَى بعضُها، ولذلك سأله عما يُتَّقَى منها, ولو لم يعلم أنّ فيها شيئًا يُتَقَّى لَمَا سألَهُ هل يُتَّقَى منها شيءٌ أم لا. والَّذي يُتَّقَى منها على ضربين: ١ - ضربٌ يتعلّق به عدم الإجزاء. ٢ - وضربٌ تتعلّقُ به الكراهة. وقد ذكر رسولُ الله ﷺ صفات جامعة من جهة النَّصِّ ومن جهة السُّنَّة، وجمعَ ذلك في أربع صفاتٍ ليسهل على السائل حفظها، وأشار بيده ليكون في ذلك تذكرة له ومَنعًا من النِّسيان. أمّا (٢) من جهةِ النَّصِّ فهو في قوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ الآية (٣). وقوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ الآية (٤).

стр. 2216

المسألة الثّانية: قوله "العَرْجَاءُ البَيِّنُ ظَلْعُهَا" (١) قال علماؤنا: بدأَ رسولُ اللهِ ﷺ بِالعرجاء، وذَكَر بعدها ثلاث عيوب، فتتركَّب عليها وتشبهها عيوبٌ كثيرة. وقال شيخنا أبو بكر (٢): العيوبُ الّتي لا تجوزُ ثلاثة عشر (٣)، وهي: العوراءُ البَيِّنُ عَوَرُهَا, والعَرْجاءُ البَيِّنُ ظْلْعُها، وإن كان عرجًا خفيفًا لا ينقص مشْيَهَا ولا عَيْبَ عليها فيه فلا بأس أنّ يضحِّي بها، والمريضةُ البَيِّنُ مرضها، والجرباء، واليابسة الضَّرع، والعَجْفَاءُ الّتي لا تُنْقِي، والمقطوعةُ الأذن، والقطعُ اليسيرُ كالسِّمَةِ ونحوها فلا بأس بذلك، والمكسورةُ القرن الّذي يدمي فإن كان لا يدمي فلا بأس بذلك، والَّذي بها دبرة كبيرة أو جُرْحٌ كبير. وقال عليّ بن أبي طالب: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أنّ نسْتَشْرِفَ العَينَ وَالأُذُن، وَأَنْ لَا نُضَحِّي بِعَوْرَاء وَلَا مُقابَلَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا خَرْقَاءَ وَلَا شَرْقَاءَ" (٤). وقال أيضًا (٥): (وَلَا بِعَضْبَاء الأُذُن وَالْقَرْنِ" قال: "ولا بِبَترَاءَ وَلَا بِجَدْعَاءَ" خرَّجه أبو

стр. 2217

داود (١)، والترّمذي (٢)، والنسائي (٣). وفي الحديث (٤) قال: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عنِ الْمُصْفَرَّةِ وَالْمُستَأْصَلةِ وَالبَخقَاءِ والمُشَيَّعَةِ والكَسْرَاء". العربيّة: قوله: "العَضبَاء" ما قُطِعَ نصفُ أذنها فما فوقَهُ. "والمُصْفَرَّةُ" الّتي تستأصل أذنها حتّى يبدو صِمَاخُهُ. و"المُشيًعَةُ" الّتي لا تتبعُ الغَنَمَ ضعفًا وعجَفَا. و"الكَسْرَاءُ" الكَسِيرَةُ. وقول مالك (٥): "كانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَتَّقِي مِن الضَّحَايَا والبُدْنِ الَّتِي لمْ تُسِنَّ وَالَّتِي نقصَ من خَلْقِهَا، وَهَذَا أَحَبُّ ما سَمِعتُ في ذلك". قال ابن قُتيْبَة (٦): "معنى "لم تُسِنَّ"، أي: لَمْ تَنْبُت أسنانُها، كأنّها لم تُعْطَ أسنانًا، وهي كما تقول: فلانٌ لم يُلْبَن، أي: لم يُعْطَ لَبَنًا، وفلانٌ لم يُعْسَل، أي: لم يُعطَ عَسلًا، وفلان لم يُسْمَنْ، أي: لم يُعْطَ سَمْنًا"، وهذا ما انتهى في الأضاحي إلينا (٧).

стр. 2218

المسألة الثّالثة (١): قوله: "العَرْجَاءُ البَيِّنُ ظَلْعُهَا" العرج على ضربين: ١ - ضَرْبٌ يَمْنعُ الإجزاءَ. ٢ - وضربٌ لا يمنعُهُ. فأمّا ما يمنعُهُ فقد قال ابن الجلّاب (٢): "هي الشَّديدةُ العرج الّتي لا تلحق الغنم" فهذه الّتي لا تُجْزِئ. وقال أبو حنيفة: تُجْزِئ (٣). وذلك (٤) مبنيٌّ على قوله: "العَرْجَاءُ البَيِّنُ عَرجُهَا" ولا شكً أنّها تمشي، وأمّا الّتي لا تمشي فلا يقالُ فيها عرجاء؛ لأنْ العرج من صفات المَشْي. ومن جهة القياس: أنّها مريضة فوَجَبَ أنّ لا تجزئ، أصله المريضة البّيِّن مَرَضُها. وأمّا العرجُ الخفيفُ (٥)، فلا بأس به (٦)، وَرَوَى ابن حبيب عن مالك أنّه استخفّها إذا لم يمنعها أنّ تمشي بسَيْرِ الغَنَمِ (٧)، وذلك صحيح؛ لأنّ عرج هذه ليس بَبَيَّنٍ. المسألة الرّابعة (٨): قوله: "وَالعَورَاءُ البَيِّنُ عَوَرُهَا" يريدُ الّتي ذهبَ بصرُ إحدى عينيها، يقال: عارتِ

стр. 2219

العينُ، إذا ذهب بصرها، ويقال عين عوار وعوراء، ولا يقال عمياء، ولا ينقص ذلك من لحمها، وإنّما ينقص بعض خَلْقِهَا عن حال السَّلامةِ. فينبغي أنّ يُتَّقَى في الضَّحايا ما كان بمعنى ذلك. ونقصانُ الخِلْقَةِ على ثلاثة أضرب: ١ - ضربٌ يَنقُصُ منافعَها وجسمَها، فهذا لم يعد بمنفعةٍ في لحمها منع الإجزاء كعدم يدٍ أو رِجْلٍ. ٢ - وضربٌ يَنْقُص المنانغ دون الجسم، كذهاب بصر العين أو ذهاب الميز ممّا له تأثيرٌ كالعَوَرِ والعَمَى والجُنون، فهذا يمنعُ الإجزاءَ، ولم أجد لأصحابنا نصًّا في الجنون (١). ٣ - وأمّا الضربُ الثّالث: فهو نُقصانُ الجسمِ دون المنافع، كذهابِ القَرْن والصُّوف وطرف الأذن والذَّنب، ممّا كان منه من باب المرض أو ممّا يُشوِّهُ الخِلْقَة أو يَنْقُصُ جزءًا من لحمها (٢). وقيل: "العَوْرَاءُ" يحتمل أنّ يريد ذات العَوَار وهو العيبُ كلّه (٣). فرع (٤). وإن كان بالعينِ بياضٌ، فإن كان على النّاظر وكان يسيرًا لا يمنعها أنّ تُبْصِر، أو

стр. 2220

كان على غير النّاظر لم يمنع الإجزاء، قاله ابن الموّاز في"كتابه" (١)، وأمّا إنَّ منعها الرُّؤية فهي العَوْرَاءُ الّتي في الحديث، وكذلك الّذي ذهب أكثر بصر عينها. وَروَى ابن الموّاز عن مالك في "كتابه" أنّ الجَدْع يمنع الإجزاء، وأمّا العصب في الأذن فإن استوعب الأذن فإنّه يمنع الإجزاء. وأمّا الشّرقاء والخرقاء والمقابلة والمدابرة. "فالشَّرْقَاءُ": هي المشقوقة الأُذُن. و"الْخَرْقَاءُ": الّتي تُخرَق أذنها. و"الْمُقَابَلَةُ": الّتي يُقْطَعُ طرف أذنها. و"المُدَابَرَةُ" هي الّتي يُقْطَعُ طرفُ ذنبها. وقال ابنُ القصّار (٢): وهذه الصفات (٣) عندي لا تمنَعُ الإجزاءَ (٤). واليسير لا يمنعه. وأمّا شقُّ الأذن فإن مالكًا (٥) كان يُوَسِّعُ في اليسير منه كالسِّمَة ونحوها. والذي عندي أنّ شقَّ الأذن لا يمنع الإِجزَاء إِلَّا أنّ يبلغ مبلغًا يُشَوهُ الخِلْقَة. المسألة السّادسة (٦): فإذا ثبت ذلك، فقد رَوَى ابنُ القاسم عن مالك أنّه لم يَحُدَّ في ذلك حَدًّا بين

стр. 2221

القليل والكثير. قال محمّد في "كتابه": والنِّصفُ كثيرٌ عندي (١). والأصل في ذلك: أنّ طريقَهُ الاجتهاد. وقال أبو حنيفة (٢) في الأُذُن والذَّنَب - والأَلْيَةِ في أحد قَوْلَيْه -: إنّ الثُّلث كثيرٌ، وهو نحو ما رواه ابن حبيب (٣). والقولُ الثّاني: أنّ الثُّلث عنده في حيِّز القليل، وهو نحوُ ما قال ابنُ الموَّاز في الأذن. والأظهرُ في ذلك قولُ أصحابنا - وهو الصّحيح - أنّ ذهاب الثّلث في الأذن في حيِّز اليسير، وفي الذَّنَب في حيِّز الكثير؛ لأنّ الذَّنَب عُضْو من الأعضْاء ذو لحم وعصب، والأذن ليس فيها غير طرف جلد. المسألة السّابعة (٤): وأمّا "السَّكَّاءُ" ففي "المدوّنة" (٥): "أنّها الصّغيرة الأُذن، وقال ابنُ القاسم: هي الصَّمعاء، وهي تُجزِئ عند مالك، وأمّا الّتي خلقت بغير أُذُن فلا خير في ذلك" والَّذي عندي (٦): أنّه إنَّ كانت الأُذنُ من الصِّغر بحيثُ تَقبُحُ به الخِلقَة فإنّه يمنع الإجزاء. المسألة الثامنة (٧): وأمّا "الثَّرْمَاءُ" قال ابنُ حبيب: هي الّتي سقطت أسنانُها من كِبَرٍ أو كَسْرٍ فلا تُجزيء (٨).

стр. 2222

وفي "الموازية": إنَّ سقطت أسنانُها من إثغار أو هَرَم فلا بأس بها (١)، وإن كان من غير ذلك فلا يُضَحَّى بها (٢)، وقال في "المبسوط": لأنّه ينقص من خِلْقَتِهَا. قال: ابن القصّار ذهب إلى أنّ الفتيّة إنّما ذهبت أسنانُها من داءٍ فصارت مَعِيبَة، والهَرِمَة هي التى سقطت أسنأنّها من كِبَرٍ، وهذا أمر معتاد. ووجه ما قاله ابنُ حبيب: أنَّ الهَرَمَ معنى يُضْعِفُ الحيوانَ، فإذا سقطتِ الأسنان منع من الأضحية كالمرض. فإذا قلنا: إنَّ ذهاب الأسنان يمنع من الأُضحية، ففي "كتاب محمّد": لا يمنع ذلك ذهاب السِّنَّ الواحدة (٣)، وفي "المبسوط": إذا سقط لها سنّ أو سنّانِ فهو عيبٌ، ولا يُضحّى بها لأنّه نُقْصَان من خَلْقِهَا. المسألة التّاسعة (٤): قوله: "وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا" فإنّه لا يجوز في الضّحايا مريضة، قال ابنُ القصّار: ذلك لمعان: أحدها: أنّ المرض ينقص لحمها. والثّاني: أَنه يُفسده حتّى تَعَافُهُ النّفس. والثّالث: أنّه يَنقُصُ قيمَتها (٥).

стр. 2223

المسألة العاشرة (١): قوله (٢): "والحَمِرَة" (٣) وهي البَشِمَة لا تجزئ، وكذلك الجَرْبَاء، فما بلغ من ذلك كلَّه حدَّ المرضِ البيِّنِ وجبَ ألَّا يُجْزيء. المسألة الحادية عشرة: قوله: "وَكذلِكَ الْجَلْحَاءُ" قال القاضي ﵁: هي على وزن حمراء، وهي الّتي قرناها صغيران كأنّهما كفتان في رأسها (٤). المسألة الثّانية عشرة (٥): وكذلك لا تجزئ الدَّبِرَةُ من الإبل (٦)، قال ابن القاسم (٧): ومعنى ذلك من قوله: "الدَّبَرَة" الكبيرة. ووجه ذلك عندي: أنّه من المرض الّذي يمنع الإجزاء، كالمكسورة القرن الّذي يدمي، وإن كان الجرح صغيرًا لا يضرّ بالأضحية أو بالهَدْي فليس من باب المرض. المسألة الثّالثة عشرة (٨): قوله: "وَالعَجْفَاءُ" يريد الّتي لا شَحْمَ لها، فإذا بلغت هذا الحدّ من الهزال فإنها لا تجزئ؛ لأنّها خارجة عن المعتاد؛ ولأنّه لا منفعةَ في لحمها ولا طيب له كالمريضة.

стр. 2224

المسألة الرّابعة عشرة (١): قوله (٢): "التِي لَمْ تُسِنَّ"، (٣) هذا اللّفظ يسْتَعمل غالبًا في الهرم؛ لأنّه لا خلاف أنّ الثَّنية من كلِّ نوعٍ تجزئ وإن كانت لم تبلغ حدّ تمام السِّن. ويحتمل أنّ يريد بذلك الّتي لم تبلغ أو تكون مسنّة من البقر، وأكثر ما يعتبر ذلك بالسِّنين، وإن جاز أنّ يتقدم يسيرًا، أو يتأخر يسيرًا على اختلاف الخِلْقَة، والمعتاد أنّه متقارب، فالجذع من الضأن مُختَلفٌ فيه بين الفقهاء: فقال ابن حبيب: هو ابن سنة (٤)، وقاله ابن نافع أيضًا وأشهب (٥)، وعلى هذا أكثر النَّاس، وقاله أبو عُبَيْد (٦). وَرَوَى ابنُ وهب أنّه ابن عشرة أشهر. وَرَوَى سحنون عن ابن زياد: هو ما استكمل ستة أشهر (٧)، وقاله ابن شعبان قال: وقيل ثمانية أشهر.

стр. 2225

وأمّا "الثَّنِيُّ" فقال ابن حبيب: هو ابن سنتين (١) ودخل في الثّالثة. وأمّا "الإبِلُ" فقال ابن حبيب: الجْذَع من الإبل ابن خمس سنين، والثَّنِيّ ابن ستّ سنين (٢). قال أبو عبيد (٣): إذا أتت عليه الخامسةُ فهو جَذَعٌ، فإذا ألقى ثنِيَّتَهُ في السّادسة فهو ثَنِيٌّ. وأمّا "البَقَرُ" فقال ابن حبيب: الجَذَع ابن ثلاث سنين، والثّني ابن أربع. وقال أبو عُبيد (٤): هو أوّل سنة تَبِيعٌ، ثمّ جَذَعٌ، ثمَّ ثَنِيٌ. وقال عبد الوهّاب (٥): الثَّنِيُّ من البقرِ ما لهُ سنتانِ ودخل في الثّالثة، وهذا أشبه بقول أبي عُبَيْد. باب النّهي عن ذبح الأضحية قبل أنّ ينصرف الإمام قال الإمامُ: الأحاديثُ في هذا الباب صِحَاحٌ، خّرَّج مالك فيه حديثين: الحديث الأوّل (٦): حديثُ أَبِي بُرْدَةَ بْن نَيِارٍ ذبَحَ أضحِيَتَهُ قَبْلَ أنّ يَذْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الأَضْحَى، فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَمَرَهُ أنّ يُعِيدَ بضحِيَة أُخرَى، قَال أَبُو بُرْدَةَ: لَا أَجدُ إِلَّا جَذَعًا. فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ : "إنْ لم تَجِدْ إِلَّا جَذَعًا فَاذبَحْ". والحديث الثّاني: حديث عَبَّاد بنِ تمِيم؛ أَنَّ عُويْمِرَ بن أَشْقَرَ ذبَحَ أُضحِيَتَهُ قبل أَنْ يذبحَ الإِمامُ يَومَ الأَضْحَى، وَأَنَّهُ ذَكر ذلِك لرَسُولِ الله ﷺ فَأَمَرَهُ أنّ يُعيد أُضحِيَةً أُخرَى.

стр. 2226

الإسناد: وقع في "البخاريّ" (١) و"التِّرمذى" (٢) و "الدَّاوُدِيّ" (٣) و "النّسائي" (٤) عن البَرَاء قال: قال رسول الله ﷺ : أَوَّلُ مَا نَبْدَأ في يَوْمِنَا هَذَا نُصَلَّي ثُمَّ نَرْجعُ فَننْحَرُ، مَنْ فَعَلَ هَذا فَقَد أَصَابَ نُسُكًا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلُ، فَإنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لأَهْلِهِ وَلَيْسَ مِنَ النُّسُكِ في شَيءٍ. وفي "البخاريّ" (٥) و "مسلم" (٦)؛ عن جُنْدَب بن سفيان البَجَلِيَّ، قال: شَهِدْتُ أَضْحى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَصلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاة رَأَى غَنَمًا قَدْ ذُبِحَتْ، فَقَال: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَليُعِدْ شَاةً مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذبَحْ عَلَى اسمِ اللهِ". وفي "النّسائي" (٧) و"أبي داود" (٨) عن البرَاءِ بْنِ عَازِب؛ قال: خطَبَنَا النّبىُّ ﵇ بَعْدَ الصَّلاةِ ثُمَّ قالَ: "مَنْ صلَّى صَلَاتَنَا وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَقدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْل الصَّلاةِ فَذَلِكَ لَحْمٌ". الفقه في سبع مسائل: المسألة الأولى (٩): هل الإمامُ شرطٌ في الضَّحيَّةِ أم لا؟ والصّحيحُ أنّه شرطٌ في الأُضحيَةِ لِرَدِّ النّبىِّ ﷺ أَبَا بُرْدَةَ بن نِيَارٍ وَأَمْره أنّ يُعِيدَ (١٠).

стр. 2227

وقوله: "إنَّ أبَا بُرْدَةَ ذبَح أُضحِيَتَهُ قَبلَ أنّ يَذبَحَ رَسُولُ الله ﷺ ": يقتضي أنّ يكون ذبْحُهُ الّذي يُجزِئه بعدَ ذبحِ الإمام، فأمّا وقتُ ذبح الإمامِ فهو بعدَ السّلام من الصّلاة، فمن ذَبَحَ قبلَ الصّلاةِ لم يجزئه، وبه قال أبو حنيفة (١). وقال الشّافعيّ (٢): إذا ذهب الوقتُ بمقدار ما يصلِّي ركعتين فقد جاز الذَّبحُ، فمن ذَبَحَ حينئذٍ أجزأَهُ. المسألة الثّانية (٣): فإذا ثبت هذا وأن الذَّبحَ بعدَ الصَّلاةِ هو الجائزُ، فإنّ الإمام يذبحُ أوَّلًا، ثمّ يذبح النَّاس، فمن ذبح قبل الإمام لم يُجزِئه وأَعَادَ، رواه ابن الموّاز وغيره (٤). وقال أبو حنيفة: من ذبح بعد الصّلاة وقبل الإمام أجزأَه (٥). ودليلُنا: الحديث المتقدِّم، وهو أنَّ أبا بُرْدَة ذبح أُضحيّته ... الحديث. والمُضَحُّونَ على ضربين: أحدهما: بحَضْرَةِ الإمام. والآخر: بغير حَضرَتِهِ. فأمّا من كان بحَضرَةِ الإمام، فلا يخلو إمامُه أنّ يُظهِر نَحرَ أضحيَته أو لا يُظْهِر، فإنّ أظهر، ذَبَحَها بأَثَرِ الصّلاة، فمن ذبح قبلَهُ فالمشهور عن مالك أنّ ذلك لا يجزئه ويعيد أضحيَة أخرى وإن لم يُظهِر.

стр. 2228

أضحيَة أخرى (١) وإن لم يُظهِر (٢). وأمّا من كان بموضع ليس به إمام فالمشهور عن مالك أنّهم يتحرّون صلاة أقرب الأيِمّة إليهم وذبحه، ويتحرّون في ذلك مخافة مخالفة الإمام؛ لأنّه يُخَافُ أنّ يكون دخل في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية (٣). فرع (٤): فإن انكشف أنّه ذبح قبل الصّلاة أجزأه؛ لأنّه حكمه حكم الاجتهاد، وقد اجتهد ولم يقصد مخالفة الإمام، كان ظنّ من في المصر أنّ الإمام قد ذبح فذبح قبله، فلا يجزئه؛ لأنّه بَادَرَ وَقدّر، فإن لم يُبَادِر فإنّه يجزئه، وكان على ما قدّره من الاستبراء والكشف (٥). المسألة الثّالثة (٦): فأمّا إنَّ لم يظهر الإمام ذبحَها، ففي "كتاب محمّد" (٧): إنَّ ذبح رجلٌ قبله في وقتِ ذبح الإمام بالمُصَلَّى لم يجزئه.

стр. 2229

وقال أبو مصعب (١): إذا تَرك (٢) الإمام الذَّبح بالمُصَلَّى، فمن ذبح بعد ذلك فهو جائزٌ. وأمّا من كان بموضع ليس فيه إمامٌ مثل أهل القُرَى، فقد رَوَى ابن القاسم عن مالك: يَتَحرَّوْنَ صلاة أقرب الأيمَّة إليهم. المسألة الرّابعة (٣): والذي يُجْزِىء من الأسنان في الضّحايا الجَذَعُ فما فوقه من الضَّأْنِ، ومن المعز والبقر والإبل الثّنىّ فما فوقه. والدّليلُ على إجزاء الجذع من الضّأن: ما أخرجه مسلم (٤) من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا تَذبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلا أنّ يَعْسُرَ عَلَيكُم، فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ". والدّليلُ على أنّ الجذعَ من المعز لا يُجْزِىء: قوله ﷺ : "ولَنْ يُجزِىء عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ" بقوله لأبي بردة بن نيار. فإن قيل: فما الفرق بينهما؟ قيل: نَصُّ الشّريعة، ولا فرق أصحّ منه. ووجه آخر: وهو ما رَوَى ابن الأعرابي أنّه قال: إنَّ المعز والبقر لا تضرب فحولهما إِلَّا بعد أنّ تثنى، والضَّأْن تضرب فحولها إذا أجذعت.

стр. 2230

المسألة الخامسة (١): فإذا ثبت ما قلناه، فالثَّنِيُّ من الضَّأنِ أحبّ إلى مالك من الجَذَع (٢)، رواهُ ابنُ الموَّاز عن مالك (٣). ووجه ذلك: قوله: "إِلَّا أنّ يَعْسُرَ عليكم فتذبحوا جَذَعَة من الضَّأنِ". وفي (٤) ذلك خروجٌ عن الخلاف المَروِي، وفي الثَّنِي أيضًا من تمام الجسم ما يفضل به الجذع، وسيأتي الكلام عليه بعد هذا إنَّ شاء الله. باب ما يستحبُّ من الضحايا مالك (٥)، عن نافع؛ أنَّ عبد الله بن عمر ضحَّى مَرَّةً بالمدينة، قال نافعٌ: "فَأَمَرَني أَنْ أَشترِيَ لَهُ كبْشًا فَحِيلًا أَقرنَ، ثُمَّ أذبَحهُ يَوْمَ الأَضْحَى في مُصَلَّى النَّاسِ ... " الحديث إلخ. إلاسناد: قال الإمام: الحديث صحيحٌ. التّرجمة والعربيّة: قوله: "من الضَّحَايا" واحدُها ضحيَّة مثل قضيّة، ويقال أُضحِيَّة، بضمِّ الهمزة

стр. 2231

وتسكين الضَّادِ وكسر الحاء وتشديد الياء، وجَمْعُهُ أضاحي بتشديد الياء أيضًا، ومن خفَّفَ الياء في الواحدة قال أُضحيَة على البناء الأوّل، غير أنّ الياء مخففة، فيقول في الجميع: أَضَاحٍ بلا ياءٍ في الرّفع والخفض. الفقه في ثلاث عشرة مسألة: المسألة الأولى (١): قوله: "أَنْهُ ضَحَّى مَرَّةً بالْمَدِينَةِ" يريد أنّ هذا الفعل وقعَ منه بالمدينة؛ لأنّ كثيرًا ممّا حكاهُ لا يتأتَّى في غير الأمصار من الذَّبح بالمصلَّى وغير ذلك، وإلّا فقد كان يُضَحِّي في المدينة وفي أَسْفَاره، وقد رُوِيَ عنه؛ أنّه اشترى شاةً في سَفَرِه من رَاعٍ وأَمَرَهُ بذَبْحِهَا عنه. المسألة الثّانية: قولُه: "اشْتَرَى أُضحِيَة من رَاعٍ" (٢) وقولُه لنَافِع: "اشتَرِ ليْ كَبْشًا فَحِيلًا" فيه دليلٌ على وجوبِ الضَّحِيَّة، وهي مسألة اختلف العلماء فيها: فمنهم من قال: إنّها واجبةٌ، وهو أبو حنيفة (٣). ومنهم من قال: هي مستحبّة وهو الشّافعيُّ (٤). وأمّا علماؤنا فقالوا: إنها سُنَّةٌ مستَحَبَّةٌ في "الموطَّأ" (٥).

стр. 2232

وقال محمّد بن الموّاز: هي سُنَّةٌ واجبةٌ (١). وقال ابن القاسم بالوجوب، ومال ابن حبيب إليه. وقد سُئِلَ عبد الله بن عمر عن الأُضحيَّة أواجبةٌ هي أم لا؟ فقال: "ضَحَّى رسولُ الله ﷺ وَضَحَّى المسلمون بعدَه" (٢)، ولم يُجب فيها بشيء، لا بِنَفْىٍ ولا بإثبات. تفصيل (٣): أمّا من نَزَعَ إلى الوجوبِ فإنّه استدلّ بما رواه ابن سُلَيْم (٤): أنّ النّبيَّ ﷺ قال: "عَلَى أَهْلِ كُل بَيتٍ أُضْحِيَّةٌ وَعَتِيرَةٌ في كلِّ عَامٍ"، والعتيرةُ هي المذبوحةُ في رجب (٥). وتعلَّقَ من نَفَى الوجوبَ بحديث يرويه شُعْبَةُ بن الحَجَّاج، عن مالك بن أنسٍ، وخرّجه مسلم (٦)، وهو قوله ﷺ : "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أنّ يُضَحِّيَ، فَلَا يَحْلِقَنَّ شَعْرًا وَلَا يَقْلِمَنَّ ظُفُرًا، حَتَّى ينْحَرَ أُضْحِيتَهُ" فعلَّقَ الأُضحية بالإرادة والاختيار،

стр. 2233

والوجوبُ لا يتعلَّق بها, لأنّها تثبتُ قَسْرًا في الذِّمَّة والأصل في ذلك براءة الذِّمَّة وفراغ السّاحة، وقد تعارضت أدلَّةُ الوجوب، ولم يبق إِلَّا فعل النّبيّ ﷺ وهو محمولٌ على الاستحباب، ولذلك تفطّن مالك فقال (١): "بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الضَّحَايَا" ولا استحباب فوق ما فعله النّبيُّ ﷺ ، ولا اختيار فوق اختيارِهِ، وقد اختار الأَقْرَن الفحيل، الأسود الأطراف، السّمين، وذلك أصحّ من رواية أبي دَاود (٢) والنّسائي (٣) في المُوجيَّينِ (٤)؛ فإن الوجاء نقصٌ، وقد اختلف العلماء فيه، فَمِن أغربِ ما رُوِيَ عن مالك أنّ الخَصِىَّ أفضل من الفحيل. قال علماؤنا: لأنّه أسمنُ. قلنا: ولكنه ليس بأكملَ. وقال مالكٌ في "المبسوط": الذَّكَرُ والأُنثى سواءٌ (٥) يعني في الإجزاء، فأما في الأفضل فالذَّكَرُ أفضلُ. المسألة الرّابعة: قال علماؤنا: المقصودُ في الأفضل السّلامة من العُيوب.

стр. 2234

وقد روى ابنُ الموَّاز؛ أنّ الأُضحية لازمةٌ للمسافر كلزومها للمقيم بحديث ابنِ عمر المتقدِّم، وهو على الاستحباب. المسألة الخامسة (١): قوله: "كَبْشا فَحِيلَا أَقْرَنَ" وفيه خمسُ معانٍ: أحدُها: أنّ الأُضحيَة لا تكون من غير بهيمة الأنعام. والثّاني: أنّ الضَّأْن أفضل. والثّالث: أنّ ذكورَها أفضل. والرّابع: أنّ الفحلَ منها أفضل. والخامس: الأقرن أفضل من الأجمّ. المسألة السّادسة (٢): فالأوّل أنّ الأُضْحيّة لا تكون إِلَّا من بهيمة الأنعام: الضّأن والمعز والإبل والبقر، ولو ضربت فحول البقر الانسيّة إناث البقر الوحشيّة * فقد قال الشّيخ أبو إسحاق: اتّفق أصحابنا أنّه لا يضحَّى بها، واختلفوا إذا ضربت فحول الوحشيّة إناث الإنسيّة*، والَّذي أقول به إجازةُ ذلك كلِّه، ومعنى ذلك: أنّ كلَّ ولد تَبَعٌ لأمِّه في الجنس والحكم، وإنّما يختلف ذلك في ولد آدم، وإنّما منع من ذلك من قال بالمنع من أصحابنا إذا كانت الفحول وحشيّة، لتغلب الحَظْرِ على الإباحة، والله أعلم. وقد رتَّبَ الفقهاءُ ذلك في كتبهم فقالوا (٣): أفضلُ الضّحايا الكبشُ الفحِيلُ الأبيضُ،

стр. 2235

الأقرنُ الأكحل الأعين, الّذي يمشي في سواد ويأكل في سواد. وقد رُوِيَ أنّ هذه كانت صفة الكبش الّذي فُدِيَ به الذّبيح إسماعيل (١). وقالوا (٢) في التّفضيلِ: وفحولُ الضَّأْنِ في الضَّحايا أفضلُ من خِصْيانها، وخصْيانُها أفضلُ من إناثها، وإناثُهَا أفضل من فحول المعز، وفحولُ المعزِ أفضل من خِصْيانها، وخِصْيانها أفضل من إناثها، وإناثها أفضل من الإبل والبقر، وذُكورُ الإبلِ أفضل من إناثها، وإناثُ الإبل أفضل من ذكور البقر، وذكورُ البقر أفضل من إناثها، قاله ابن شعبان. وقال عبدُ الوهّاب (٣): "أفضلُها الغَنَم، ثمّ البقر ثمّ الإبل"، وهو الصّواب، لأنّ المُرَاعَاة في الضَّحايا طِيبُ اللَّحم ورطوبتُه؛ لأنّه يختصّ به أهلَ البيت دون الفقراء بخلاف الهدايا (٤). والدّليلُ على ذلك: أنّ النّبيّ ﷺ إنّما ضَحَّى بالغَنَم، ولو كانت الإِبلُ أفضل لضَحَّي بها. ومما يدلُّ أيضًا على أنّها أفضل من الإِبل في الضَّحايا؛ أنّ الله فَدَى الذَّبيح من الذَّبح بكبشٍ، فقال في كتابه العزيز: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ (٥). ورُوِيَ أنّ الله أنزله من الجنَّة، وأنَّه رعى فيها خمسين عامًا أو خمسين خريفًا (٦).

стр. 2236

وأمّا الهدايا، فالإبلُ أفضل لكثرة لحمها، ثمّ البقر، ثمّ الضَّأْن. وذهب الشّافعيُّ (١) إلى أنّ الأبلَ أفضل من الغنم، واحتجَّ على ذلك بقول رسول الله ﷺ : "مَنِ اغْتَسل وَرَاحَ في السَّاعَةِ الأُولَى فَكَأنَّمَا قرَّبَ بَدَنَةً ... " الحديث (٢) والضَّحايا قربانٌ. قال القاضي (٣): وهذا لا حجَّةَ فيه؛ لأنّه إنّما أراد الهدايا، وقد رُوي ذلك في غير حديث "الموطَّأ": "مَنْ رَاحَ في السَّاعةِ الأُولَى فَكأَنَّما أَهْدَى بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعةِ الثَّانيَةِ فَكأَنَّمَا أهدَى بَقرَةً ... " الحديث (٤). المسألة السّادسة (٥): فذهب مالك وأصحابه أنّ الضَّأْنَ في الضحايا أفضل من البقر، ومذهب ابن شعبان أنّ الإبل أفضل من البقر، وحَكى ابنُ الجلّاب (٦) وعبدُ الوهّاب في معونته (٧) أنّ البقر أفضل. وقال الشّافعيّ (٨) وأبو حنيفة (٩): الإبلُ أفضل، ثمّ البقر، ثمّ الغنم. ودليلنا: ما رُويَ عن النبي ﷺ ؛ أنّه ضحَّى بكَبْشَينِ أقْرَنَين أمْلَحَيْن (١٠)، ومثلُ

стр. 2237

هذا لا يُستعملُ إِلَّا فيما واظبَ عليه، ومعلوم أنّ النّبيّ ﷺ لا يُوَاظِبُ في خاصَّتِهِ إِلَّا على الأفضل. وأمّا الرِّواية الثّانية، فمذهبُ مالك (١) أنَّ يكون ذُكور كلّ جنسٍ أفضل من إناثه. المسألة السّابعة (٢): قولُه لنَافِع: "أَذْبَحهُ يَوْمَ الأَضحَى"، على وجه الاستنابة، وذلك جائزٌ للضَّرورةِ، وقد كرههُ مالك من غير ضرورة. والأصلُ في جوازه: القياس على الهدايا؛ لأنّه حيوانٌ شُرعَ ذَبْحُهُ على وَجْهِ القُرْبَةِ، فَصحَّت الاستنابة فيه كالهدايا. وإنّما استنابة ابن عمر من ضرورة لأنّه كان مسافرًا، والأحسن أنّ يذبح الرَّجُلُ أُضْحيته بيده، لما روي عن أنس بن مالك أنّ رسول الله ﷺ ضَحَّى بِكَبْشيْن أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بيَدِهِ (٣). المسألة الثّامنة (٤): فإذا قلنا: تجوز الاستنابة، فإن استنابَ مسلمًا أجزأه، وإن استناب كتابيًا فهل يجوز أم لا؟ فقال ابن القاسم في "المدوّنة" (٥): يعيدها. وروى عنه أشهب أنّه قال: تجزئه. توجبه (٦): فوجهُ قول ابن القاسم: أنّ الكافرَ لا تصحُّ منه نِيَّةُ القُربة وإن صحَّت منه نيّة

стр. 2238

الاستنابة، فإذا ذبحها لم تكن فِدْيَة وكانت ذبيحة مباحة. ووجهُ قول أشهب: أنّ من صَحَّ ذبحُهُ لغير الأُضحيَة، صَحَّ ذبحه للأُضحيَة كالمسلم، فرع (١): قال علماؤنا (٢): والاستنابة فيها بالتّصريح أو بالعادة. فأما التّصريح: فبِأَن يأمر بذبحها عنه (٣). وأمّا العادة: ففي "المدوّنة" (٤) عن ابن القاسم فيمن ذبح أُضحيّته مثل الوليّ إنَّ كان في عِيَالِهِ, أو يذبحها ليكفيه أجزأه. وإن كان على غير ذلك لم يجزئه (٥). وإن كان صديقه (٦) حتّى يصدَّقُة في ذلك. وقال (٧) في "الموازية": لا تجزئه، وإن كان ممّن في عياله وهو ضامن، يريد - والله أعلم - إذا كان غير مأمور بذلك ولا قائم بجميع أموره في ذلك.

стр. 2239

فرع (١): ومن ذبح أُضحية صاحبه غَلَطًا لم يجز المذبوح عنه، وإن فعل ذلك كلّ واحدٍ منهما بأُضحيَة صاحبه ضمنها، قاله مالك في "المدوّنة" (٢). ووجهُ ذلك: أنّ كلَّ واحد منهما مُتَعَدٍّ على أُضحيَة صاحبه فلزمه ضمأنّها؛ لأنّ الخطأ والعَمْدَ في المال سواءٌ، وإذا ضمنها الذّابحُ لم تجزئ المُتَعَدِّي؛ لأنّها تكون لمن ضمنها إنَّ ضمنها له، وإن لم يضمنه إيّاها ورَضِيَ بها مذبوحة لم تُجْزِئ أيضًا؛ لأنّه قد كان معه ملكها لما كان له من تضمين المُتَعَدِّي، وإنّما عادت إلى حالها من الملك الصَّحيح بترك التضمين، وذلك بعد الذَّبح ولو كان هَدْيًا، فقد رَوَى ابنُ القاسم وابنُ وَهْب عن مالك في "الموازية": تُجْزِىء عمّن قلّده لا عمن نحوه (٣). ورَوى أشهب (٤) أنّها لا تجزئهما (٥). المسألة التّاسعة (٦): وإنّما أمرَ ابن عم نافعًا بذبحها يوم الأضحى لأنّه أفضل، وأمره بذبحها في

стр. 2240

المصلَّى لأنّ الأُضحيَّة من القُرَبِ العامَّة فالأفضلُ إظهارها؛ لأنّ في ذلك إحياء سنّتها. وقال ابن حبيب (١): يُستحبّ الإعلان بها لكي تُعْرَف وَيعْرِف الجاهل سنَّتها وما يلزمه منها، وكان ابنُ عمر إذا اشترى أضحيّة يأمر غلامه بحملها إلى السوق ويقول: هذه أُضحيّة ابنُ عمر أراد أنّ يعلن بها، وأن (٢) يُنَشِّط النَّاس على مثل فعله. وليس شراؤُها بواجبٍ لكونها أُضحيّة. المسألة العاشرة (٣): قوله: "وَحَلَقَ ابْنُ عُمَرَ رَأْسَهُ حِينَ ذُبِحَ الكَبْشُ" (٤) ولعلّه امتنع من ذلك حتّى ضحَّى، على وجه الاستحباب، ولم ير ذلك واجبًا عليه. وقد رَوَى الأبهري وابن القصّار (٥) أنّه يُستحَبُّ لمن أراد أنّ يُضَحي ألَّا يقصّ ولا يَقْلِم ظفرًا حتّى يُضَحِّي. قالا: ولا يحرم ذلك عليه، وبه قال الشّافعيّ (٦). وقال أبو حنيفة: ليس في ذلك استحباب (٧). وقال أحمد وإسحاق: يحرمُ عليه الحَلْق وتقليم الأظفار (٨).

стр. 2241

ودليلُ الاستحباب: ما رُوِيَ عن النّبيّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ رَأى هِلَالَ ذِي الحِجَّة، فَأَرَادَ أنّ يُضحِّيَ، فَلَا يَأَخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا من أَظفَارِهِ حتَّى يُضَحِّي" (١) فوجه الدّليل: أنّ هذا نهيٌ، والنَّهْيُ إذا لم يقتض التَّحريم حمل على الكراهية. ودليلُنا على نفي الوجوب: حديث عائشة في كتاب الحجِّ (٢) "فلَمْ يَحْرُمْ علَى رُسُولِ الله ﷺ شَيءٌ أَحَلَّهُ اللهُ حًتَّى نَحَرَ الْهَدْي" ولا خلاف أنّ النَّبىِّ ﷺ ضحَّى في ذلك العام. المسألة الحادية عشرة (٣): قوله (٤): "وَكَانَ ابن عُمَر مَرِيضًا لمْ يَشْهَدِ الْعِيدَ". يقتضي أنّ مرضَهُ منعه من الصّلاة (٣) مع النَّاس، ولم يمنعه من إنفاذ الضَّحِيَّة في ماله، وهي قُربة كالصّدقة والعِتْق، لما كان ماله يتَّسِعُ لذلك، وذلك أنّ حكمَ الأُضحيَّة قبل ذبحه حكم ماله يُورث عنه، قاله مالك في "المختصر"، و"الموازية". المسألة الثّانية عشرة: اختلفَ العلّماءُ في الأُضحية يموتُ صاحبُها قبل أنّ تُذْبَح: فقال مالك: إذا تشَاحَّ أهل الميراث فيها، باعوها وكانت ميراثًا.

стр. 2242

وقال الأوزاعي: إذا مات قبل يوم النَّحْر، فإنّها تُذْبَح عنه يوم النَّحْر؛ لأنّها قُرْبَة وشبه صدقة ولا تكون ميراثًا، إِلَّا أنّ يترك ديْنًا لا وفَاءَ له إِلَّا من تلك الأُضحيَّة، فتُباعُ في دَينِهِ. وقال أحمد بن حنبل (١) وأبو ثور: تُذْبَح، لأنّها من القُرَبَات الّتي يَنْتَفِعُ الميَّتُ بها. ولو (٢) مات عن هّدْيِهِ بعد أنّ قلَّده، ففي "العُتْبيَّة" (٣) عن ابن القاسم أنّ للغُرَمَاء بيعه (٤)، كَمَا لَهُم بيعُ ما أعتق وردّ عتقه. وهذا عندي (٥) حكم الأُضحية بعد الإيجاب بالقول على مذهب من رأى ذلك من أصحابنا. فرع (٦): ولو مات بعد ذَبْح أُضحيَّته، فقد قال مالك في "المختصر": هي لورثته ولا تباع في دَيْنِهِ (٧)، رواه في "العُتْبِيَّة" (٨) عيسى عن ابن القاسم. ووجهُ ذلك: أنّها فاتت بالذَّبح، وصارت في حكم المستهلك كما لو أكلها. والفرقُ بين ذبحها وتقليد الهَدْي: أنّ الهدي لا يضمن بالتّقليد، والذّبح تضمنُ به الأُضحيَة، فكان ذلك فوتًا فيها. فإذا قلنا: إنها تُورَث (٩)، فإنّ لهم أكلها. وقال مطرّف وابن الماجشون عن مالك: يُنْهَوْنَ عن بيعها.

стр. 2243

ولا خلافَ بين أصحابنا في المنع من البيع؛ لأنّه قد انتقل إليهم ملكها، وأمّا قسمتُها، فقد أجاز ذلك مالك من رواية مُطَرِّف وابن الماجشون (١). واختلف قولُ مالك وأصحابه في القسمة، هل هي تمييز حقٍّ أو بَيْعٍ (٢)؟ فرعٌ (٣): وهذا حكمُ من انتقل إليه حكمها بالميراث، فأما من انتقل إليه بِهِبَةٍ أو صَدَقَة، فقد رَوَى ابنُ حبيبِ في "كتاب الحدود" عن أَصبَغ: للمُعْطِي بيع ذلك إنَّ شاء (٤). وحكَى ابنُ المَوّاز عن مالك: ليس له بيع جلدها (٥) بجلد ولا غيره (٦). فرعٌ (٧): وإن باع شيئًا من لحمها أو جلدها، ففد قال ابن حبيب: من باع جلدها جَهْلًا، فلا ينتفع بالثَّمَن، وعليه أنّ يتصَدَّق به. ورُوِيَ عن سحنون؛ أنّ من باع جلد أُضحيته أو شيئًا من لحمها، إنَّ أَدْرَكَ ذلك قبل أنّ يفوت فسخ، وإلَّا جعل ثمنه في ماعون أو طعام، ويجعل ثمن اللَّحم في طعام يأكله. وقال ابن عبد الحَكَم: من باع جلدها فَلْيَصْنَع بثمنه ما شاء من إمساك أو غيره. وهذا (٨) إنّما هو في حُكمِ ثمن المَبِيع بعد بيعه وفواته، وأمّا البَيعُ فَمُتَّفَقٌ على منعه.

стр. 2244

ويحتمل أنّ يكون ابن عبد الحَكَم ذهب إلى قول أبي حنيفة في تجويزه بيع جلد الأضحية بما سِوَى الدّراهم ممّا يُعان وُينْتَفَع به (١)، غير أنّ هذا حكم الثّمن عنده إذا فات البَيْعُ، والله أعلم. فرع (٢): ومن تلف له شيء منها عند صانع بدباغٍ أو خرزِ أو غصبٍ أو تَعَدٍّ، لزمه ضمانُه، وقد قال ابن القاسم: كمن سُرِقَ له رأس أضحية في الفُرْنِ، استحبّ له ألَّا يغرمه شيئًا، وكأنّه رآه بيعًا. وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون وأَصْبَغ: له أخذ القيمة ويصنع بها ما شاء. وكذلك قيمة الجلد يضيع أو إذا استهلك، ألَّا ترى أنّ من حلف ألَّا يبيع ثوبه، فَغَصَبَهُ غاصبٌ، أنّ له أخذ القيمة، له أنّ يأخذ من اللّحم المستهلك ما شاء من طعام أو حيوان، ولا يجوز ذلك في البيع. فوجهُ قول ابن القاسم: أنّ هذا إنَّ أخذ القيمة فهو نوعٌ من المعاوضة، وهي ممنوعةٌ في الأُضحية. فرعٌ (٣): وأمّا صوفها، فإن جُزَّ قبل أنّ يذبحها، فقد رَوَى محمّد عن أشهب: له ذلك. وَرَوَى ابن القاسم عن مالك في "الموازية" و "العُتبِيَّة" (٤): لا يجزئه.

стр. 2245

توجيهٌ (١): فوجهُ قول مالك: أنّ تعيينها للأُضحية قد أثّر المنع في أخذ شيءٍ منها كاللَّحم. ووجهُ قولِ أشهب: أنّه معنى تجوز إزالته قبل الذَّبح دون مَضَرَّة، فجازَ له أخذ ذلك منها. مسألة (٢): إذا ثبت ذلك، فَإنْ جَزَّهَا، فقد قال ابنُ القاسم: قد أساء وتُجزئه، وينتفع بالصُّوف ولا يبيعه (٣). وقال سحنون: لا أرى ببيعه بأسًا ويأكل ثمنه (٤). وقال أشهب: له بيعه ويصنع بثمنه ما شاء؛ لأنّها لم تجب قبل الذّبْح. وأمّا بعد الذَّبح فله جزّ صوفها. فرع (٥): وإذا نتجت الأُضحيّة، فقد رَوَى محمّد عن أشهب: لا يجوز ذبح ولدها معها. وقال مالك (٦): إنَّ ذبحه مع أمِّه فحسن. فوجه القول الأوّل: أنّ سنّ الأُضحيّة معتبر، وهو معدوم في السَّخْلة. ووجه القول الثّاني: أنّه تبع لأمِّه، فلا يعتبر إِلَّا بصفاتها دون صفته كالصوف واللّبن.
следующие страницы →