← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

ودليلُ الاستحباب: ما رُوِيَ عن النّبيّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ رَأى هِلَالَ ذِي الحِجَّة، فَأَرَادَ أنّ يُضحِّيَ، فَلَا يَأَخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا من أَظفَارِهِ حتَّى يُضَحِّي" (١) فوجه الدّليل: أنّ هذا نهيٌ، والنَّهْيُ إذا لم يقتض التَّحريم حمل على الكراهية. ودليلُنا على نفي الوجوب: حديث عائشة في كتاب الحجِّ (٢) "فلَمْ يَحْرُمْ علَى رُسُولِ الله ﷺ شَيءٌ أَحَلَّهُ اللهُ حًتَّى نَحَرَ الْهَدْي" ولا خلاف أنّ النَّبىِّ ﷺ ضحَّى في ذلك العام. المسألة الحادية عشرة (٣): قوله (٤): "وَكَانَ ابن عُمَر مَرِيضًا لمْ يَشْهَدِ الْعِيدَ". يقتضي أنّ مرضَهُ منعه من الصّلاة (٣) مع النَّاس، ولم يمنعه من إنفاذ الضَّحِيَّة في ماله، وهي قُربة كالصّدقة والعِتْق، لما كان ماله يتَّسِعُ لذلك، وذلك أنّ حكمَ الأُضحيَّة قبل ذبحه حكم ماله يُورث عنه، قاله مالك في "المختصر"، و"الموازية". المسألة الثّانية عشرة: اختلفَ العلّماءُ في الأُضحية يموتُ صاحبُها قبل أنّ تُذْبَح: فقال مالك: إذا تشَاحَّ أهل الميراث فيها، باعوها وكانت ميراثًا.

стр. 2242

وقال الأوزاعي: إذا مات قبل يوم النَّحْر، فإنّها تُذْبَح عنه يوم النَّحْر؛ لأنّها قُرْبَة وشبه صدقة ولا تكون ميراثًا، إِلَّا أنّ يترك ديْنًا لا وفَاءَ له إِلَّا من تلك الأُضحيَّة، فتُباعُ في دَينِهِ. وقال أحمد بن حنبل (١) وأبو ثور: تُذْبَح، لأنّها من القُرَبَات الّتي يَنْتَفِعُ الميَّتُ بها. ولو (٢) مات عن هّدْيِهِ بعد أنّ قلَّده، ففي "العُتْبيَّة" (٣) عن ابن القاسم أنّ للغُرَمَاء بيعه (٤)، كَمَا لَهُم بيعُ ما أعتق وردّ عتقه. وهذا عندي (٥) حكم الأُضحية بعد الإيجاب بالقول على مذهب من رأى ذلك من أصحابنا. فرع (٦): ولو مات بعد ذَبْح أُضحيَّته، فقد قال مالك في "المختصر": هي لورثته ولا تباع في دَيْنِهِ (٧)، رواه في "العُتْبِيَّة" (٨) عيسى عن ابن القاسم. ووجهُ ذلك: أنّها فاتت بالذَّبح، وصارت في حكم المستهلك كما لو أكلها. والفرقُ بين ذبحها وتقليد الهَدْي: أنّ الهدي لا يضمن بالتّقليد، والذّبح تضمنُ به الأُضحيَة، فكان ذلك فوتًا فيها. فإذا قلنا: إنها تُورَث (٩)، فإنّ لهم أكلها. وقال مطرّف وابن الماجشون عن مالك: يُنْهَوْنَ عن بيعها.

стр. 2243

ولا خلافَ بين أصحابنا في المنع من البيع؛ لأنّه قد انتقل إليهم ملكها، وأمّا قسمتُها، فقد أجاز ذلك مالك من رواية مُطَرِّف وابن الماجشون (١). واختلف قولُ مالك وأصحابه في القسمة، هل هي تمييز حقٍّ أو بَيْعٍ (٢)؟ فرعٌ (٣): وهذا حكمُ من انتقل إليه حكمها بالميراث، فأما من انتقل إليه بِهِبَةٍ أو صَدَقَة، فقد رَوَى ابنُ حبيبِ في "كتاب الحدود" عن أَصبَغ: للمُعْطِي بيع ذلك إنَّ شاء (٤). وحكَى ابنُ المَوّاز عن مالك: ليس له بيع جلدها (٥) بجلد ولا غيره (٦). فرعٌ (٧): وإن باع شيئًا من لحمها أو جلدها، ففد قال ابن حبيب: من باع جلدها جَهْلًا، فلا ينتفع بالثَّمَن، وعليه أنّ يتصَدَّق به. ورُوِيَ عن سحنون؛ أنّ من باع جلد أُضحيته أو شيئًا من لحمها، إنَّ أَدْرَكَ ذلك قبل أنّ يفوت فسخ، وإلَّا جعل ثمنه في ماعون أو طعام، ويجعل ثمن اللَّحم في طعام يأكله. وقال ابن عبد الحَكَم: من باع جلدها فَلْيَصْنَع بثمنه ما شاء من إمساك أو غيره. وهذا (٨) إنّما هو في حُكمِ ثمن المَبِيع بعد بيعه وفواته، وأمّا البَيعُ فَمُتَّفَقٌ على منعه.

стр. 2244

ويحتمل أنّ يكون ابن عبد الحَكَم ذهب إلى قول أبي حنيفة في تجويزه بيع جلد الأضحية بما سِوَى الدّراهم ممّا يُعان وُينْتَفَع به (١)، غير أنّ هذا حكم الثّمن عنده إذا فات البَيْعُ، والله أعلم. فرع (٢): ومن تلف له شيء منها عند صانع بدباغٍ أو خرزِ أو غصبٍ أو تَعَدٍّ، لزمه ضمانُه، وقد قال ابن القاسم: كمن سُرِقَ له رأس أضحية في الفُرْنِ، استحبّ له ألَّا يغرمه شيئًا، وكأنّه رآه بيعًا. وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون وأَصْبَغ: له أخذ القيمة ويصنع بها ما شاء. وكذلك قيمة الجلد يضيع أو إذا استهلك، ألَّا ترى أنّ من حلف ألَّا يبيع ثوبه، فَغَصَبَهُ غاصبٌ، أنّ له أخذ القيمة، له أنّ يأخذ من اللّحم المستهلك ما شاء من طعام أو حيوان، ولا يجوز ذلك في البيع. فوجهُ قول ابن القاسم: أنّ هذا إنَّ أخذ القيمة فهو نوعٌ من المعاوضة، وهي ممنوعةٌ في الأُضحية. فرعٌ (٣): وأمّا صوفها، فإن جُزَّ قبل أنّ يذبحها، فقد رَوَى محمّد عن أشهب: له ذلك. وَرَوَى ابن القاسم عن مالك في "الموازية" و "العُتبِيَّة" (٤): لا يجزئه.

стр. 2245

توجيهٌ (١): فوجهُ قول مالك: أنّ تعيينها للأُضحية قد أثّر المنع في أخذ شيءٍ منها كاللَّحم. ووجهُ قولِ أشهب: أنّه معنى تجوز إزالته قبل الذَّبح دون مَضَرَّة، فجازَ له أخذ ذلك منها. مسألة (٢): إذا ثبت ذلك، فَإنْ جَزَّهَا، فقد قال ابنُ القاسم: قد أساء وتُجزئه، وينتفع بالصُّوف ولا يبيعه (٣). وقال سحنون: لا أرى ببيعه بأسًا ويأكل ثمنه (٤). وقال أشهب: له بيعه ويصنع بثمنه ما شاء؛ لأنّها لم تجب قبل الذّبْح. وأمّا بعد الذَّبح فله جزّ صوفها. فرع (٥): وإذا نتجت الأُضحيّة، فقد رَوَى محمّد عن أشهب: لا يجوز ذبح ولدها معها. وقال مالك (٦): إنَّ ذبحه مع أمِّه فحسن. فوجه القول الأوّل: أنّ سنّ الأُضحيّة معتبر، وهو معدوم في السَّخْلة. ووجه القول الثّاني: أنّه تبع لأمِّه، فلا يعتبر إِلَّا بصفاتها دون صفته كالصوف واللّبن.

стр. 2246

مسألة (١): وأمّا لبنها، فقد قال مالك: له شربه، ولا يجوز شربه من الهَدْيِ ولا ما فَضَلَ عن فصيلها. ووجه ذلك: أنّ الأُضحيّة لم تجب بَعْدُ، والبَدَنَة قد وجبت بالتّقليد مع بقاء حياتها. مسألة: قال مالك: يُستحبُّ للرّجل أنّ يأكل من أُضحيّته ويُطعم الفقراء منها (٢)، لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٣)، وقال أيضًا ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (٤). فقولُه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ قيل: إنّهما واجبان (٥). وقيل: إنّهما مستحبّان (٦). وقيل: الأكل مُسْتحَبٌّ والإطعام واجبٌ (٧)، وهو صريحُ مذهب مالك. وقال ابن وهب وابن القاسم: "القانع" الفقير، و "المُعْتَرّ" الزّائر. وقال ابن وهب وعتبة: إنّه السّائل (٨). وقيل: "المُعْتَرّ" الّذي يعتريك (٩)، و"الْقَانِعُ" الجالس في بيته (١٠).

стр. 2247

وقيل: "القَانِعُ" الّذي يقنع بالقليل، و"المُعْتَرّ" الّذي يمرُّ بِكَ ولا يأتيك (١). وقيل: "القَانِعُ" هو المتعفِّف، و"الْمُعْتَرّ" السّائل (٢). قال القاضي: ومن (٣) النّادر كونهما في العربيّة بمعنىً واحدٍ، قال الحَارِث بن هِشَام: وَشَيبَةُ فِيهِمْ وَالوَلِيدُ وفِيهمُ ... أُمَيَّةُ مَأْوَى المُعَتَرين وذو الرَّحْلِ (٤) يريدُ بالمعترين من يقيم للزّيارة، وذو الرَّحْلِ (٧) من يمرّ بك فَتُضيِّفُه. قال القاضي: والذي عندي فيهما أنّهما متقاربان كمعنى الفقير والمسكين، وحقيقة ذلك: أنّ الله تعالى أمر بالأكل وإطعام الفقير، والفقير على قسمين: ملازِمٌ لك، ومارٌّ بك، فَأَذِنَ اللهُ تعالى في إطعام الكلِّ منهما مع اختلاف حاليهما، ومن هاهنا وهم بعض النَّاس فقال: إنَّ القانع هو جارك الغنيّ، وليس لذلك وجه، والله أعلم.

стр. 2248

باب ادّخَار لحوم الضَّحايا مالك (١)، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكَّىَّ، عَن جَابِرِ بْنِ عَبدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ؛ أَنْ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهى عَنْ أَكلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: "كُلُوا، وَتَزَوَّدُوا وَادَّخِرُوا" (٢)، و "تَصَدَّقُوا" في بعض طرقه (٣). الإسناد: قال الإمام: الحديث صحيحٌ من طُرُقٍ (٤)، وخرّجه الأيمّة (٥)، وفيه علمٌ كثيرٌ. الأصول (٦): قولُه: "نَهى عَنْ لُحُومِ الأضَاحِي" هل يقتضي التّحريم؟ أو يُحْمَل ذلك على الكراهية؟ فظاهرُهُ يقتضي التَّحْريم، وقد يصحّ حمله على الكراهة بدليلٍ إنَّ وُجِدَ. وقد اختلف النّاسُ في تأويله: فتأوَّله قومٌ على التّحريم، وأن النَّسْخَ بإباحته طرأ بعد ذلك. وحَمَلَهُ قومٌ على الكراهية.

стр. 2249

ويحتمل أنّ تكون الكراهة منسوخةً. ويحتمل أنّ تكون الكراهة باقية. ويحتمل أنّ يكون حُكْمُ المنع ثبتَ لِعلَّةٍ فارتفعَ بِعَدَمها، فيكون ذلك المنع - وإِنْ ورد بلفظ العموم - محمولًا على الخصوص بدليل. فأمّا من ذهب إلى القول الأوّل، فتعلَّق بأنّه ﷺ نهى عن أكل لحوم الأضاحي (١)، ثمّ قال: "كُلُوا وَتَزَوَّدُوا"، وإذا وردَتِ الإباحةُ بعد الحَظرِ فهو حقيقة النَّسْخ. وقد رُوِي عن عليَّ ما يدلُّ على استدامة حُكم المنع، وَرَوَى أبو عُبَيْد (٢). قال: شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ عَلِىَّ، فَصَلَّى ثمَّ خَطَبَ فَقَالَ: "إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَاكُم أنّ تَأكُلُوا لُحُومَ نُسُكِكُمْ فَوْقَ ثلَاثٍ" وهذا يدلُّ على أنّه غير منسوخٍ عنده. ورُوِيَ معنى ذلك في الامتناع عن ابنِ عمر (٣). ويحتمل أنّ يكون إنّما مَنَعَ من أجل الدَّافَّة، وأنّ الحاجةَ الواجبة أوجبت ذلك، وأن الحاجة لو نزلت بقومٍ من أهل المَسْكنَة لَلَزِمَ النَّاس مواساتهم، إِلَّا أنّ الأظهر أنّه حكمٌ منسوخٌ، والله أعلم.

стр. 2250

ولو كان لأجل الدَّافّة خاصّة لَمَا اختصَ ذلك بلحوم الأضاحي بل كان يلزم النَّاس مواساتُهُم بها وبغيرها، والحديث منسوخٌ حقيقة (١)، والله أعلم. الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (٢): قوله: "نهى عَنْ أَكل لُحُومِ الأَضَاحِي بَعْدَ ثَلَاثٍ" يريدُ أنّه نهى عن أنّ يأكل منها ذَابحُها بعد ثلاثٍ؛*لأنّه لمّا أباح الذَّبح في الثّلاثة الأيَّام أباح أكل فيها من الأُضحيّة، وقصر إباحة الأكل عليها ليتمكّن المضحِّي بأن يؤخِّر الذَّبح إلى آخرها, ولا يتعذر عليه الأكل منها. ويحتمل أنّ يريد إباحة الأكل بعد ثلاثة أيّام من وقت ذبح أُضحيّته*. لكان ضحّى في آخر أيّام الذبْح، أبيحَ له الأكل منها ثلاثة أيّام؛ لأنّ في منعه منها بعد اليوم والمُدَّة اليسيرة تضييقًا عليه، وفي أَكلِهِ منها بعد ثلاث مُنْتَفَعٌ، ونهى عن أكلها بعد ذلك, والنَّهيُ يقتضي التّحريم، ثمّ نسخ ذلك بإباحة أكله، وهذا من باب نسخ السُّنَّة بالسُّنَّة. وقوله: "فَكُلُوا وَادَّخِرُوا" وقد رُوِيَ ما يقتضي الإباحة (٣) , رَوَى ابنُ الموّاز عن مالك: لا بَأْس على الرَّجل إنْ لم يأكل من بَدَنَتِهِ. وإن (٤) تصدّق بلحم أُضحيته كلِّه،

стр. 2251

فهو أعظم لأجره. ورُوِيَ ما يدلُّ على أنّه على النَّدْب والاستحباب، وهذا ما روى ابن حبيب عن مالك: لو أراد أنّ يتصدّق بلحم أُضحيته كلّه واستغنى عنه فلم يأكل منه شيئًا لكان مخطئًا. توجيه (١): فوجهُ رواية ابن الموَّاز: أنّه حيوانٌ يجري على وجهِ القُرْبَةِ فلم يُؤمَر بالأكل منه. أصل ذلك: ما نَذَرَهُ أو تصدَّقَ به. ووجهُ رواية ابن حبيب: أنّه حيوانٌ يُذْبَحُ على وجه القُرْبَةِ المبتدأة، فكان الأكل منه مشروعًا مندوبًا إليه كالهدي. وقد حكى عبد الوهّاب (٢) عن بعض العلماء أنّه قال: الأكل منها واجب، وهذا قولٌ شاذٌّ بعيدٌ (٣). المسألة الثّانية (٤): قولُه: "وَتَصَدَّقُوا" - وقد سقط من رواية ابن وضاح- (٥) فهو على الاستحباب دونَ الوجوبِ؛ لأنّه لا خلافَ اليوم بين الفقهاء في ذلك، والأصلُ فيه: قولُه في هذا الحديث: "وتَصَدَّقُوا" والأمرُ يقتضي الوجوب أو النَّدْب، فإذا دلَّ الإجماعُ على انتفاء

стр. 2252

الوجوب حُمِلَ على النَّدْب، وقد رُوِي عن مالك: لو أنّ رجلًا تصدَّق بأُضحيته كلِّها (١)، كان مخطئًا، كما لو أكلها ولم يطعم منها. وقال ابنُ المَوَّاز (٢): يُستَحبُّ له أنّ يتصدَّقَ ببعض لحم أُضحيَّته، ولو لم يتصدَّق بشيءٍ منه جازله. المسألة الثّالثة (٣): فإذا ثَبت أنّ الإطعام منها مشروعٌ، فقال ابن حبيب (٤): لم يحدّ ما يطعم ولا ما يأكل، فليأكل وليتصدّق، وما فعل ممّا قلَّ من ذلك أو كثر فهو يُجْزِئ. زَادَ ابنُ الجَلَّابِ (٥): "والاختيارُ أنّ يأكلَ الأقلّ ويقسم الأكثر، ولو قيل: يأكل الثّلث ويقسم الثّلثين لكان حَسَنًا، والله أعلم".

стр. 2253

باب الشَّرِكة في الضَّحايا قال الإمام (١): الأحاديثُ في هذا الباب صِحَاحٌ، وذكر مالكٌ في هذا الباب حديثَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (٢) في الاشتراك في ذلك، وهو محمولٌ على التَّطوُّع، إِلَّا أنّ يكونوا أهلَ بيتٍ، فإن الشّ اة الواحدةَ تُجْزِىءُ عنهم، ألَّا ترى قول النّبيّ ﷺ : "عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيتٍ أضحَاةٌ" (٣)، وإلى حديث أَبِي أَيُّوب (٤): "كُنَّا نُضحِّي بالشَّاةِ الوَاحِدَةِ عَنْ أهل البَيْتِ" (٥) واشتراكُ أهل البيت في ذلك رخصةٌ ورِفْقٌ، وأمّا الشُّركاء الأجانب، فلا يكون ذلك في إقامة السُّنَنِ، وإنّما يكون في النَّوافل.

стр. 2254

الفقه في مسائل: المسألة الأولى (١): قوله (٢): "نَحّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ عَامَ الْحُدَيبِيَّةِ البَقَرَةَ عَنْ سَبعَةٍ وَالْبَدَنَة عَنْ سَبْعَةٍ" يقتضي أنّ البُدنَ والبقر تُنْحَر، وسيأتي بيانُه إنَّ شاء الله (٣). وأمّا ما ذكر من ذَبْح الواحدة عن سبعة، فقد اختلفَ النَّاسُ في ذلك، فمذهب مالك ﵀ أنّه لا يجوز في الهدايا الواجبة ولا فيَ الضَّحايا أنّ يشترك في ثمن الأُضحيّة والبَدَنَة جماعة، فيشترونها ثمّ يذبحونها أو ينحرونها (٤). فأمّا هَدْي التّطوُّع، فالمشهورُ عنه أنّ الاشتراكَ فيه غير جائز (٥). وحَكَى ابنُ القَصَّار أنّه رُوِيَ عنه أنّ ذلك يجوز (٦). ويجوزُ عند مالك أنّ تكون الأُضحيّة لرَجُلٍ واحدٍ فيذبحها عنه وعن أهل بيته ومن في عياله وإن كانوا أكثر من سبعة.

стр. 2255

وفي هذا ثلاث مسائل: الأولى (١): لا خِلافَ أنّ الواحد من بَهِيمَة الأنعام تجزئ الإنسان في أهل بيته، ولكن قال مالك: يستحبّ قول ابن عمر أنّ يضحِّي عن الإنسان بشاةٍ لمن استطاع ذلك. ووجهُ ذلك: أنّه أكثر ثوابًا وأبعد في الاشتراك الّذي بَيَّنَّا في الضَّحايا. المسألة الثّانية (٢): فيمن يجوز للإنسان أنّ يشركه في الأضُحية * فقد رَوَى ابن حبيب عن مالك؛ أنّه* يجوز أنّ يُضَحِّيَ الإنسانُ عن نفسه وعن أهل بيته بالشَّاة الواحدة (٣)، يعني بأهل بيته أهل نفقته، قليلًا كانوا أو كثيرًا. والأصل في ذلك: حديث أبي أيوب المتقدِّم "كُنَّا نُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ يَذْبَحُهَا الرَّجُلُ عَنهُ وَعَنْ أَهْل بيْتِهِ"، زاد ابنُ المَوَّاز عن مالك: ووَلَدَيْهِ الفقيرَيْنِ. قال ابنُ حبيب: وله أنّ يُدْخِل فيها مَنْ بلغَ من ولَدِه وإن كان غنيًّا إذا كان في نَفَقَتِه وبيته، وكذلك من ضمَّ إلى نَفَقَتِه مِنْ أخٍ أو ابن أخٍ أو قريبٍ (٤)، فأباح ذلك بثلاثة أسبابٍ: أحدُها: الإنفاق عليه. والثّاني: المُسَاكَنَة. والثّالث: القَرَابة. قال ابنُ المَوَّاز عن مالك: له أنّ يُدْخِلَ زوجته في الأُضحيّة (٥). ووجه ذلك: ما قدَّمْنَاهُ؛ لأنّ المساكنة والإنفاق موجودان، والزّوجيّة آكَدُ من

стр. 2256

القرابة، قال الله العظيم: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (١). قال مالك في "الموازية": إنَّ شاءَ أنّ يُدخل في أُضحيَّتِهِ أمّ ولَدِهِ ومَن له فيه بقيّة رِقٍّ أَجْزَأَ. ووجهُ ذلك ما قدَّمناه، ولأنّ الوَلَاء لحمة كلحمة النَّسَب، وهو ثابتٌ في أُمِّ الوَلَد وسبَبُهُ موجودٌ فيمن له فيه علقة رِقٌّ. فرع (٢): ولا يُدْخِل يَتِيمَهُ في أُضحِيَّتِهِ ولا يُشرِكه فيها وإن كانا أَخوَيْن، والجَدُّ والجَدَّةُ كالأجانب، قاله ابنُ المَوَّاز عن مالك، يريدُ أنّ الجدّ والجدّة ليسا في نفقته، ولو كانا على ذلك لجاز عندي ما تقدّم في الأقارب. المسألة الثّالثة (٣): في ذكر من يلزمه أنّ يضحِّيَ عنه يلزمُ الرجلَ أنّ يُضَحِّي عن نفسه وعن أولاده ما لَزِمَهُ الإنفاق عليهم، ولا يلزمه أنّ يُضَحِّي عن زوجته ولا رقيقِه ولا أمّ الولد، ولا من فيه بقيّة رقّ. ويصحّ أنّ يدخلوا معه (٤) لقوله: "فَيَذْبَحُهَا عَنْهُ وَعَنْ أَهلِ بَيتِهِ" والّذي عندي أنّه يصِحُّ ذلك بنيَّتِه وإن لم يُعْلِم أهل بيته، ولذلك يدخل فيها صغار ولده ومن لا تصحّ نِيَّته.

стр. 2257

بابّ الضَّحيَّة عمّا في بطن المرأة قال الإمام: الأحاديثُ في هذا الباب صِحَاحٌ. الفقه في مسائل: المسألة الأولى (١): قوله (٢): "الأَضْحى يَوْمَانِ بَعْدَ يَومِ النَّحْرِ": يريد أنّ اليوم الرّابع ليس من أيامِ الذَّبح، وبهذا قال مالك (٣)، وسفيان الثّوريّ وأبو حنيفة (٤). وقال الشّافعيُّ: أيَامُ الذَّبح أربعة (٥). وقد استدلّ ابنُ القصّار في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ الآية (٦)، قال: والأيّامُ المعلومات: يوم النَّحرِ ويومان بعده، والأيامُ المعدودات ثلاثة بعدَ يوم النَّحر، فيومُ النَّحْر معلومٌ غير معدودٍ ولا مجهول، واليومان بعدَهُ معلومان معدودان، واليوم الرّابع معدودٌ غير معلومٍ، وفائدةُ وَصْفِنَا له بأنّه معلومٌ بأنّه من أيّام النَّحر والذَّبح، وفائدةُ وَصْفِنَا له بأنّه معدودٌ أنّه من أيّامِ الرَّمي، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ الآية (٧).

стр. 2258

واستدل مالك (١) ﵀ بقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (٢). وقال ابنُ القصّار (٣): أراد بذلك التّسمية على الذّبيحة، وخصّ بذلك الأيَّام، فوَجَبَ أنّ يتعلّق بها دون اللّيالي على ما نعتقدُه من القول بدليل الخطّاب. قال الإمام: والّذي عندي أنّ التَّعلُّق بهذه الآية ليس من باب دليل الخطّاب، وذلك أنّ الشَّرع وَرَدَ بالذّبْح في زمان مخصوص، وطريق تعلّق النّحر والذّبح بالأوقات، والشّرع لا طريق له غير ذلك (٤)، فهذا وَرَدَ الشّرع بتعلقه بوقب مخصوصٍ لقوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ ونَحَر النَّبىِّ ﵇ وذبح نهارًا، عَلِمْنَا جواز ذلك في النّهار، ولم يجز أنّ نُعَدَّيه إلى اللّيل إِلَّا بدليلٍ، وقد طلبنا في الشَّرعِ فلم نجد دليلًا، ولو كان لوجدناه مع البحث والطَّلَبِ، فهذا من باب الاستدلال بعدم الدّليل (٥). وأعْجَبُ من أشهب أنّه قال: يُجزِىء الهَدْيُ باللّيل دون الأضحية؛ لأنّ الله تعالى ذكَرَ في الهَدْي الأيَّام المعلومات. قلنا: والأيام لفظ ينطلق على اللّيل والنهار، ولكن جرت السُّنَّة بالذَّبح نهارًا وعليه جرى العمل. فصل (٦) وذلك أنّ كلَّ قُرْبَةٍ تكونُ مختصَّةَ بالمتقرِّب فهي جائزةٌ باللّيل والنّهار، وأفضلُها

стр. 2259

باللّيل، وكلُّ قُربَةٍ تتعدّى إلى الغير فإنّها لا تُفْعَل ليلًا، إنّما تُفعل نهارًا حيث ينتشرُ المحتاج، ولو لمِ يكن في ذلك إِلَّا قصّةُ أصحاب الجنَّة ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ (١) وبهذه الآية نَبَّهتُ جماعةً من الطّلبة المبتدئين لأنّ يقولوا: ما تقولون في فرضٍ يُجْزِئُ باللّيل ولا يُجْزِئُ بالنّهار، وسُنَّة تُجزىء بالنّهار ولا تُجزىء باللّيل؟ فالّذي لا يُجْزئ بالنّهار الوقوف بِعَرَفة، والسُّنَّة الّتي تُجزىء بالنّهار ولا تجزئ باللّيل هي الأُضحيّة. المسألة الثّانية (٢): ومن وُلدَ له مولودٌ في أيّام الذَّبح وقد ضَحَّى أو لم يضحِّ، فعليه أنّ يُضَحِّي عنه، قاله ابن حبيب (٣). ووجه ذلك: أنّ وقتَ لزوم الأُضحيّة هو وقت أدائها، وهذا إلى غروب الشّمس من آخر أيّام النَّحر، ومن وُلِد له في ذلك الوقت (٤) أو أسلم مِنَ المشركين (٥)، ثبتَ في حقِّه حكم الأُضحيّة. خاتمة (٦) قال علماؤنا: والأُضحية عن الصّغير والكبير، ذكر وأنثى (٧)، هي واجبةٌ على أهل الآفاق، وأكثر العلماء على أنّها سُنَّة وليست بواجبةٍ، وهذه عبارة يستعملُها أصحابُنا فيما

стр. 2260

تأكَّدَ استحبابُهُ وبلغ صفته وإن لم يجب فعله، فقد قال ابنُ القاسم في "المُدَوَّنة" (١): من تركها أثم, وهذا معنى الوجوب. وقال ابن المَوَّاز في "كتابه": هي سُنَّةٌ واجبةٌ. وقال ابن حبيب: هي من واجباتِ السُّنَنِ وتركها خطيئةٌ. وقال عبد الوهّاب (٢): "أطلَقَ بعضُ أصحابنا (٣) على أنّها واجبةٌ، وإنّما يريدون بذلك أنّها سُنَّة مُؤَكَّدَة" (٤)، وهذا محتملٌ من الأقوالِ غير قول ابنِ القاسم وابنِ حبيبٍ اللذين يُؤَثِّمَانِ تاركها، فإنها لا تحتمل إِلَّا الوجوب، والأوّل هو أشهر في المذهب، وبه قال الشّافعيّ (٥). وقال أبو حنيفة (٦): هي واجبةٌ على من ملك نِصَابًا من أهل الإقامة، دون المسافر والمقيم الّذي لا يملك نصابًا، وذلك مئتا دِرْهَم بعد المنزل والخادم. والدّليلُ عليه: ما خَرَّجه مسلم (٧)، عن أُمِّ سَلَمَة؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ: "إِذَا رَأَيتُمْ هِلَالَ ذِي الحِجَّة ... " الحديث. تمَّ كتاب الأُضحيّة

стр. 2261

كتاب الذّبائح المقدَّماتُ في صدر هذا الكتاب ثلاثة: المقدِّمة الأُولى في إقامة الأدله من الكتاب والسُّنَّة وبيان ما حلل وما حرم قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية (١). قال علماؤنا (٢): معناه: أُحِلَّ لكم المُذَكَّى منها، وما كان في معناه، بدليل قوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ لأنّ المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ بعد ذلك من التّحريم، في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ الآية (٣)، فَعَرَّفَنَا أنّ الذّكاة غيرُ عاملةٍ فيه. وقولُه: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٤): هو ما ذُبحَ على النُّصب ممّا لا يأكلونه. وقوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ هي الّتي تُخْنَقُ بحبلٍ (٥)، أو الّتي صارت بالخناق إلى حال اليأس الّذي لا تُرْجَى معه حياة. وكذلك "المَوْقُودَةُ": المضروبة بالعصا، أو (٦) بالخشب أو بالحَجَر، ومنها المقتولة بقَوسٍ البُنْدُق.

стр. 2262

و"الْمُتَرَدَّيَةُ": هي السّاقطةُ من جبلٍ أو في بئر. و"المتندية": هي المنفلتة، يقال: ندت الدّابَّة، إذا انفلتت من وثاقها فندّت، فخرج وراءها، فرُمِيَت برُمْحٍ أو سيف فماتت، هل يكون ذلك ذكاةً؟ ففيه اختلاف بين العلماء: قيل: هي ذكاةٌ، وهو مذهب الشّافعيّ (١)، واختيار ابن حبيب. وقيل: لا تُذَكَّى به، وهو اختيار مالك (٢). وقوله: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾: هي الشّاة تنطحها الأُخرى. بقرنها، وقرأ أبو ميسرة (٣) ﴿والمنطوحة﴾ وهي فعيلة بمعنى مفعولة. وقوله: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ كان أهلُ الجاهليَّة إذا أكل السَّبعُ شاةً أكلوا بقيَّتها، قاله ابن عبّاس وقتادة (٤) وغيرهما. العربيّة: قولُه: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ الآية، "السَّبُعُ": مأخوذٌ من سبعت اللّحم أي قطّعته، والتّذكية عبارة عن التّمام، ومنه ذكاء السّنّ، وذكتِ النّار إذا عَظُمَ اشتعالُها. وأمّا (٥) الصّحيحة، فلا معنى لذكرها، إذْ لا إشكال فيها. وقولنا: إنَّ المراد بالموقوذة وأخواتها ما صار إلى هذا الحدّ، وفي ذلك كلامٌ طويلٌ أعرضنا عنه. واختلفَ أهل العلم في قوله في هذه الآية: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ هل هو استثناءٌ متَّصلٌ أو منْفَصِلٌ؟ والاستثناءُ المتَّصِلُ: هو ما يُخرجُ من الجملةِ بعض ما يتناوله اللَّفْظ، مثل قوله

стр. 2263

تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ الآية (١)، وهذا كثير. وأمّا الاستثناءُ المنفصلُ، فهو ما لا يخرج من الجملة المتقدِّمة ممَّا يتناوله اللَّفظ، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ (٢)؛ لأنّ الخطأ لا يصحّ أنّ يقالَ فيه: إنَّ له أنّ يفعله. ومثل قوله تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ الآية (٣). قال القاضي ﵁: فمن ذهب إلى أنّ الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ من الاستثناء المتَّصل، أجاز المُنْخَنِقَة وأخواتِها، وإن صارت البهيمة بما أصابها إلى حال اليأس مالم ينفذ لها مقتلًا، وهو مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك في "المدَّونة" (٤) و"العُتبِيَّة" (٥). وأمّا من ذهب إلى أنّه استثناءٌ منفصلٌ، لم يُجز ذكاتها إذا صارت في حالة اليأس ممّا أصابها من ذلك وإن لم ينفذ مقاتلها، وقال: معنى الكلام في الاستثناء المنفصل: لكن ما ذكَّيتُم من غير هذه الأصناف، وهو اختيار مالك في رواية أشهب عنه، وهو قول ابن الماجشون، وابن عبد الحَكَم، وروايتهما عن مالك، وإذا أنفذ مقاتلها ما أصابها من ذلك، فلا تُذَكَّى ولا تُؤكل، فإنها باتِّفاقٍ (٦) سبيل الميِّتة، وإن تحرّكت بعد ذلك، فإنّما هي سبيل الذّبيحة الّتي تتحرَّك بعد الذَّبح، وقد روى ابن القاسم في "كتاب الدّيات" (٧) في الّذي يُنْفِذُ مَقَاتِلَ رَجُلٍ ثمّ يُجهز عليه آخرُ: أنّه يُقتَل به ويُعاقَب الأوّل، فعلى هذه الرِّواية

стр. 2264

يلزم تجويز ذكاة هذه الأصناف بعد إنفاذ المقاتل، هذا على من جعل الاستثناء متَّصِلًا، وهي روايةٌ ضعيفةٌ، والصّواب رواية سحنون أنَّ الأوّل يُقتل به ويعاقب الثّاني. وقد رُوي عن عليّ بن أبي طالب ﵁ أنّ الذّكاة تصحّ فيها ما بقيت فيها حياة بتحريكِ يدٍ أو رِجْلٍ ظاهرةٍ إنَّ كانت منفوذة المقاتل، وهو قول ابن عبّاس، روي أنّه سئل عن ذئب عَدَا على شاةٍ فَشَقَّ بطنها حتّى انتثر قصبتها فأدركت ذكاتها؟ فقال: كُلْ، وما انتثر من قصبتها لا تأكل. المقدِّمة الثّانية في معرفة فرائض الذّكاة وهي (١) أربعٌ: النِّيَّةُ، وهي القَصْد إلى الذّكاة. وقطع الوَدَجين، والحُلْقُوم، والفور. فأما النِّيَّة: فهي فرض بإجماع الأُمَّة، وكذلك قال علماؤنا: لا تصحُّ الذكاةُ إِلَّا بنِيَّة، ولذلك قلنا: لا تصح من المجنون ولا مِمَّن لا يعقل؛ لأنّ الله منعها من المجوس، وهذا يدلُّ على اعتبار النِّيَّة، ولو لم يعتبر القَصْد لم يُبَالِ ممّن وقعت. وأمّا (٢) قطع الوَدَجَين والحلقوم، فإن ذلك فرضٌ عند مالك وأصحابه (٣)، فإِنْ قطعَ الحُلْقُوم ولم يقطع الوَدَجَين، أو قطع الوَدَجَين ولم يقطع الحُلْقُوم، فإنّها لا تُؤكل الذَّبيحة، خلافًا للشّافعىّ (٤) وأبي حنيفة (٥) في قوليهما: إنَّ الذّكاةَ في أربع: الحُلْقُوم، والمَرِيء، والوَدَجَيْن، فإن أنفد منها ثلاثة وبقي واحدٌ أُكِلَت الذَّبيحةُ.

стр. 2265

وقال بعضهم: لا بدّ أنّ يبقى في المُذَكَّى بقية، تَشْخبُ معها الأوداج، ونضطرب اضطراب المذبوح. ولو ذبحها من القَفَا، ثمّ استوفَى القطْع، فأنّهر الدَّم وقطع الحُلْقُوم والوَدَجَين، لم تُؤكل عند علمائنا (١). وقال الشّافعيّ: تُؤكل؛ لأنّ المقصودَ قد حصَلَ (٢). وقولُه (٣): "مَا أنْهَرَ الدَّمَ": فإنها إشارةٌ إلى تجويز الذَّبح بالقَصَب والحجَرِ، إذا وُجِدَ ذلك بصفةٍ تقطع وتذبح الذَّبيحة. نكتةٌ (٤): وإنّما أصاب مالك الغرَضَ في قوله (٥): "إذا ذَبحَهَا وَنَفَسُهَا يجْري وَالعَينُ تَطْرِفُ وَهِيَ تضْطَربُ" إشارة إلى أنّه وُجِدَ فيها قَتلٌ صار باسم الله المذكور عليها ذكاة، أي تَمَامٌ يُحِلُّها أو يطهِّرها، كما جاء في الحديث في الأرض النَّجسة: "ذَكَاةُ الأَرْضِ النَّجِسَةِ الشَّمْسُ" (٦) وهي في الشّريعة عبارة عن إنهار الدَّمِ وفريِ الأَوْدَاج في المذبوح، والنَّحْرِ في المنحور (٧)، والعَقرِ في غير المقدور عليه (٨) كما تقدَّم، مقرونًا ذلك بنيَّةِ القَصْد إليه وذِكْرِ الله عليها، قال رسولُ الله ﷺ : "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسمُ اللهِ عَليْهِ فَكُلُوهُ، لَيْسَ السِّننّ وَالظُّفُر، وَسَأُخبِرُكُمْ: أمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأمَّا الظُّفُرُ فمُدَى الحَبَشةِ" (٩).

стр. 2266

وقال (١): ليس في الحديث الصّحيح ذكرٌ في الذَّكاة بغير إنهار الدَّم، فأما فَرْيُ الأوداج وقَطْعُ الحلقوم فلم يصح فيه شيءٌ. وقال مالك وجماعة: لا تصحُّ الذَّكاةُ إِلَّا بقطعِ الوَدَجَيْن والحُلْقُوم (٢). وقال الشّافعيُّ (٣): تصِحُّ الذَّكاةُ بقطع الحُلْقُوم والمَريء، ولا يُحتاجُ إلى قطع الوَدَجَيْن. وتعلَّقَ علماؤنا بحديث رافع بن خَدِيج؛ أنّ النَّبيِّ ﷺ قال: "اِفْرِ الوَدَجَينِ وَاذكُرِ اسْمَ اللَّهِ" (٤). ولم يَصِحُّ عن النّبيّ ﷺ في هذا الباب شيءٌ، لا لَنَا ولا لَهُم، وإنّما المعمولُ والمُعَوِّلُ على المعنى، فالشّافعيُّ اعتبر قَطعَ مَجْرَى الطّعام والشّراب الّذي لا يكون بعَدَمِه حياة، وهو الغرض من الموت (٥)، وعلماؤنا اعتبروا الموتَ على وَجْهٍ يَطِيبُ معه اللَّحم، ويفترقُ فيه الحلال - وهو اللّحم - من الحرام - وهو الدَّم - بقَطْع الأوداج، وهو مذهبُ أبي حنيفة (٦)، وعليه يدلُّ الحديثُ الصّحيحُ في قولِهِ ﷺ : "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ فَكُل"، هذا بَيِّنٌ لا غُبَارَ عليه. وفي السَّن والظُّفُر أقوالٌ ثلاثةٌ: الأوّل: أنّه يجوز بالعَظْم، قاله مالك في "المدوّنة" (٧).

стр. 2267

الثّاني: أنّه لا يجوز بالعَظْم والسِّنِّ، قاله في "كتاب محمّد" وبه قال الشّافعيُّ (١). والثّالث (٢): أنّ علماءنا أطلقوا على المريضة؛ أنّ المذهب جواز تذكيَّتها ولو أَشْرَفَت على الموت، وإذا كان فيها بقيَّةُ حياة، فإنَّه يُذَكِّيها بما أمكن مخافةَ الفَوْت بالموتِ (٣). المقدِّمة الثّالثة وأمّا سُنَنُ الذَّبح (٤) فأربعة أيضًا: ١ - حدّ الشَّفْرة. ٢ - واستقبال القِبْلَة. ٣ - والتّسمية. ٤ - والصّبر عليها حتّى تبرد. والمَقَاتِلُ المتَّفَق عليها خمسة: ١ - انقطاعُ النّخاع، وهو المخّ في عظام الرَّقَبة والصُّلب. ٢ - وقطعُ الأوداج.

стр. 2268

٣ - وخرق المصير. ٤ - وانتثار الحشوة. ٥ - وانتثار الدِّماغ. ومعنى قولهم في خرق المصير أنّه "مقتل"، إنّما ذلك إذا خرق أعلاهُ في مجرى الطّعام والشّراب، قبل أنّ يتغيّر ويصير إلى حال ترجيع على ما يُعْطِيه النَّظَر. * تمت مقدِّمات الأبواب على بركة الله تعالى، وهي الّتي ذكر مالك في هذا الباب*. باب التَّسمية على الذَّبيحة مالك (١)، عن هِشَام بنِ عُرْوَة، عن أبيه، قال: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيل لَهُ: إِنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يَأتُونَنَا بِلُحْمَانٍ وَلَا نَدْرِي هَلْ سَمَّوُا اللهَ عَلَيهَا أَم لَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَمُّوا اللهَ عَلَيْهَا ثُم كُلُوها". قالَ مَالكٌ: وذلِك في أوَّلِ الإِسْلَامِ. الإسناد: قال الإمام: هذا حديثٌ مُرسَلٌ (٢)، وقد أَسندَهُ جماعةٌ من الرُّواةِ (٣) عن هشام، عن أبيه، عن عائشة (٤)، وهو حديثٌ صحيحٌ، وفيه علْمٌ كثيرٌ، لذلك صَدَّرَ به مالك في صدر هذا الكتاب، والله أعلمُ.

стр. 2269

الفقه في أربع مسائل: المسألة الأولى (١): قوله: "يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ نَاسًا يَأتُونَنَا بِلُحْمانٍ وَلَا نَدْرِي هَلْ سَمَّوُا الله عَلَيهَا أَمْ لَا؟ " وإقرارُ النَّبيَّ ﷺ على هذا السؤال دليلٌ على اعتبار التّسمية في الذَّبح (٢)، وقد اختلف أهلُ العلم في تأثيرِ التَّسمية في الذَّبيحة: فروَى ابنُ القاسم عن مالك في "المدوّنة" (٣) فيمن تعمَّدَ ترك التّسمية على الذَّبيحة لم تُؤْكَل، فإن تركها ناسيًا أُكِلَت، وإلى هذا ذهب الأَبَهَرِيّ (٤) وعبد الوهّاب (٥)، وبه قال أبو حنيفة (٦). وقال أشهب: تُؤْكَل إِلَّا أنّ يترك ذلك مستخِفًا. وقال ابنُ القصّار (٧) وابن الجَهْم (٨): إنَّ تَرَكَها عامِدًا كره أكلها ولم تحرم. وقال الشّافعيّ: من تركها عامدًا أو ناسيًا تُؤكَل (٩). ودليلُنا على وجوب التّسمية وأنّها شرطٌ في صحَّة الذّبيحة مع الذِّكر: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (١٠). ودليلُنا من جهة القياس: أنّ هذا معنى وَرَدَ في الشرع بأنّه فسوق، فوجب أنّ يكون حرامًا، أصلُ ذلك: سائر الفسوق من قَذْفِ المُحْصَنَات والزِّنا وشُرْب الخمر.

стр. 2270

المسألة الثّانية (١): إذا ثبت ذلك، فالذي يُستعمَل من التّسمية، قال ابن المَوَّاز: يُستعمل بسم الله والله أكبر (٢). وقال ابنُ حبيب. ولو قال بسم الله ويقطع، والله أكبر, أو لا إله إِلَّا الله، أو سبحان الله، أو لا حول ولا قوة إِلَّا باللهِ، من غير تسمية أجزأه، ولكن ما عليه النَّاس أفضل: بسم الله والله أكبر. ووجه ذلك: أنّ هذا ذكر الله تعالى. وقال مالك في "العُتْبِيّة" (٣): وإن زاد ذابحُ الأُضْحِيَّة: رَبَّنَا تقبَّل مِنَّا إنَّك أنتَ السَّمِيعُ العلّيم، فهو حَسَنٌ، وكره العلماء أنّ يقال: اللهُمَّ منكَ وإليك، وشدّد الكراهية فيه العلماء (٥) وقالوا (٦): إنّما يقالُ ذلك إذا أعتق. المسألة الثّالثة (٤): وقوله ﷺ : "سَمُّوا الله ثُمَّ كُلُوا" يحتمِل أنّ يريدَ عند الأكل؛ لأنْ ذلك ممّا يَقِىَ عليهم من التَّكليفِ. وأمّا التّسمية على ذبح توَلَّاهُ غيرهم من غير علمهم (٧)، فلا تكليفَ عليهم فيه، وإنّما يُحمَل على الصِّحَّة حتّى يتبيَّن خلافها. ويحتمل أنّ يريدَ: سَمُّوا الله فتستبيحوا أكل ما لم تعرفوا أَذُكِرَ اسمُ اللهِ عليه أم

стр. 2271

لا، إذا كان الذّابح ممّن تصح ذبيحتُه وإن سَمَّى الله تعالى. المسألة الرّابعة (١): وقول مالك: "فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ كَانَ ذَلِكَ" لما رُوِيَ في حديث عائشة (٢) أنّ الذّابحين كانوا حديثي عهدٍ بالإِسلام ممّن يصح ألَّا يعلموا مثل هذا ولم يبلغ بعدُ إليهم الشّرع، أو ممَّن يكثر منهم النِّسيان لمثله، لما لم تَجْرِ لهم به عادة، وأمّا الآن فقد جرت به العادة حتّى لا يكاد ذَابِحٌ يترك التّسمية، ولا يوجد أحدٌ لا يعلم أنّ التّسمية مشروعةٌ عند الذَّبح. حديث مالك (٣)، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ عَبدَ اللهِ بْن عَيَّاشِ بْنِ رَبِيعَةَ المَخزُوميِّ أَمَرَ غُلَامَا لَهُ أَنْ يَذْبَحَ ذَبِيحَةً، فَلَمَّا أَرَادَ أنّ يَذْبَحَهَا قَالَ لَهُ: سَمِّ الله، فَقَالَ الغُلَامُ: قَدْ سَمَّيتُ، قَالَ لَهُ: سَمِّ الله وَيْحَكَ، قالَ لَهُ: قَدْ سَمَّيتُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَيَّاشٍ: واللهِ لَا أَطعَمُهَا أَبَدًا. الفقه في مسائل: المسألة الأولى (٤): قال علماؤنا في معنى هذا الحديث: إنّه ترك التّسمية عامدًا، وهو قول مالك فيمن ترك التّسمية عامدًا أنّها لا تؤكل، وفي "المدوّنة" (٥) قال مالك في تفسير هذا الحديث: "لا أرى ذلك على النَّاس إذا أخبرَ الذَّابحُ بأنّه قد سمَّى"، ورَوَى ابنُ حبيب عن مُطَرِّف عن مالك مثله، فعلى هذا يكون فعل ابن عيّاش على وجهِ الوَرَعِ، والأخذ في خاصَّتِهِ

стр. 2272

بالأَحْوَطِ، ولعَّلَهُ قد أباح لغيره أكلها، أو تصدَّق بها أو أعطاها، وأمّا أنّ يُحرِّم أكلها فلا يجوز ذلك، ولا يجوز اطِّراحها؛ لأنّ في ذلك إضاعة المال. قال مالك (١): وحسبت أنّه اتّهم الغلام حين لم يُسْمِعْهُ التَّسميَة، فمن تورَّعَ كما تورّع ابن عيّاش فلا بأس به. قال عبد الملك: وإنّما الرُّخصة فيما لا تُهْمَةَ فيه، مثل حديث هشام بن عُرْوَة المتقدِّم، وهو الّذي ذكره مالك خلافًا لما ذكره أوَّلًا؛ لأنَّ من اتَّهم غيره بترك التّسمية كان الأحوط اطِّراح ذبيحته والامتناع منها, ولا يصدّق فيما أخبر به من تسميَتِهِ، والله أعلم. باب ما يجوزُ في الذَّكَاةِ حالَ الضَّرُورةِ حديث زيْد بن أَسْلَم (٢)، عن عَطَاء بن يَسَارٍ في هذا الباب حَسَنٌ (٣). الأصول (٤): قال الإمام: اعلم أنّ الله تعالى شَرَّفَ الآدميّ بأن خَلَقَ له غيره، ويسَّرَهُ له في جَلْب منفعة أو دفع مضَرَّة، وزاد في المِنَّة، حتّى أَذِنَ له في إيلام الحيوان الّذي هو نظيرُه في اللَّذَّةِ والأَلَم، وأَمَرَهُ بإتْلاف نفسه وإنزال الأَلَمِ به، تارةً في التَّقَرُّب إليه كالهدايا والأَضَاحىِّ، وتارةً في التَّلذُّذِ به كذبحه للأكل. ونوّعه على قسمين: متأنس يُدْرِكُه بغير

стр. 2273

حَوْلٍ ولا حِيلَةِ، وآخرَ لا يُوصَلُ إليه إِلَّا بالحول أو الحيلة، كالدُّرَّاجِ والطّائر، ويسَّر له الأسباب الّتي يصيدُ بها الدّوارج، وعلَّمَهُ الحِيَلَ الموصلة إليه، وهي الّتي ينزل بها الطّير من العُلُوِّ، وقد بيَّنَّا هذه الأسباب في كتاب التّفسير من هذا الكتاب (١). وأمر سبحانه عند إخباره عن هذه المِنَّة بالرِّفْقِ والتُّؤَدَةِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذبَحْتُمْ فأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أحَدُكُمْ شَفْرتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ" (٢) فلا بد من اعتبار الذّابح والذّبح والمذبوح، وفي ذلك أربع مسائل: المسألةُ الأولى: في صِفَةِ المُذَكِّي المُسْلِم. المسألة الثّانية: في صِفةِ ما يُذَكَّى. المسألةُ الثّالثة: في صِفَةِ الذَّكَاةِ. المسألةُ الرّابعة: في مَحَلِّ الذَّكاةِ (٣). المسألة الأولى: في معرفة صفة الذّابح وهو أنّ يكون كتابيًّا عارفًا، فإنّ المجوسيّ محرّم الذَّبح، وأمّا الذّميّ فمأذُونٌ له في الذَّبْح؛ لأنّه صاحب كتاب. وأمّا اشتراط العِرْفَان في الذَبْح؛ فلأنّه إنَّ لم يعرف الذّبح آلَمَ البهيمةَ، وحَرُمَ الأكل بإِفسادِ الذَّبح، وإنّما جازَ إيلامُها لفائدة الانتفاع بها. وأمّا المذبوحُ، فأن يكون مأْذُونًا في أكله، حلالًا في نفسه، حيًّا، ومعنى قولنا: "حَيًّا" احترازًا من الموقوذة وأخواتها، والمتردِّية، والنَّطيحة، وما أكل السَّبع، حسب ما وردَ تفسيره قَبْلُ، والخَلِيسَة وهي الّتي تُنْزَعُ من يد الذِّئب حسَبَ ما ورد في السُّنَّة (٤)، وبيَّنَّاه قبلُ.

стр. 2274

المسألة الثّانية (١): في صفةِ ما يذكَّى به فإنّه عند علمائنا: كلُّ محدودٍ يمكن به إنفاذ المقاتل وإنهار الدَّمِ بالطَّعْن في لَبَّة ما يُنْحَر، وبفرْي أوداج ما يُذْبح، ممّا لا يختصُّ بطائفة من الكُفَّار في قتل الحيوان للأكل. وقال ابنُ المَوَّاز عن مالك: وقد أجاز رسول الله ﷺ الذَّكاةَ بالحَجَر والشَّظَاظِ (٥) وقال: يريد المروة وشقّة العَصَا والقَصَب، وكلُّ ما أَنْهَرَ الدَّم فَكُلْ، إِلَّا السِّنَّ والظُّفُر. قال محمّد: وهو مذهب مالك. وقال ابن حبيب: ومما يُذَكَّى به الضّرار (٢). وروى ابنُ وَهْبٍ عن مالك في "المبسوط" أنّ كلّ شيءٍ من فخّار أو عظم أو قرن، فجائزٌ الذَّبح به. قال (٣): ولا بَأْس أنّ يذبح بِفَلْقَة العَظم ذكيًا كان أو غير ذكي إذا بَضَعَ اللَّحْمَ وأنّهر الدَّمَ. فحصلَ الخلافُ بين رواية ابن المَوَّاز وبين ما أوردناه قبلُ في الذَّكاة بالعَظْم والظُّفر. وقد اختلف علماؤنا العراقيُّون في ذلك:

стр. 2275

فقال ابنُ القصّارِ في "كتابه" (١): الظّاهر من مذهب مالك أنّه لا يستبيحُ الذّكاة بالسِّنِّ والظُّفُر. ورأيت لبعض أشياخنا (٢) أنّه مكروهٌ ومُبَاحٌ بالعَظم، وعندي أنّ السِّنَّ إذا كان عريضًا محدودًا، والظُّفُر إذا كان كذلك، حتَّى يمكن قطع الحُلْقُوم به في مرَّةٍ واحدةٍ، فإنّه تصِحُّ الذَّكاةُ به، وكذلك سائر العظام متَّصلة أو منفصلة، سواء كان ممَّا يُؤْكَل لحمُهُ أو لا يُؤْكَل. وقال الشّافعيُّ: لا تجوز الذَّكاةُ بذلك (٣)، مثل الرِّواية الأُولى عن مالك. وقال أبو حنيفة: إنَّ كانا منفصلّين صحَّتِ الذّكاة بهما (٤). والرَّواية الّتي نَسَبَها ابنُ القصَّار لأبي حنيفة هي لابنِ حبيب في "الواضحة" (٥) قال: وإذا كان الظُّفُر والسِّنُّ منزوعين وعَظُمَا حتّى يمكن الذَّبْح بهما فلا بَأس بذلك. توجيه (٦): أمّا وجه الرِّواية بالمنع: لما ورد عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، ليسَ السِّنُّ وَالظُّفُرُ، وَسَأُخبِرُكُمْ عَنْهُ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظمٌ، وَأَمَّا الْعَظمُ فَمُدَى الحَبَشَةِ" (٧). ودليلُنا من جهة القياس: أنّ الشَّرعَ قد وَرَدَ باعتبار صفة الذّابح واعتبار صفة الآلة،

стр. 2276

ثُمّ ثبت أنّه ما نَهَى عنه من صفة الذّابح يمنعُ صحَّة الذَّبْح، فكذلك ما نَهَى عنه من صفة الآلة. وتحريرُهُ: أنّ هذا معنى وردَ في الشَّرْع باعتبار صفته في الذَّبح، فلم يجز استعمال ما نهي عنه من ذلك، أَصْلُه الذَّبح. ووجهُ رواية الإباحة: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (١) والذَّكاةُ فَرْيُ الأوداج، وقد وُجِدَ من هذا الّذي ذَبَح بالسِّنِّ والظُّفُر، فوجب أنّ تُؤكَل ذبيحتُه. ومن جهة القياس: أنّ هذا معنى فري الأوداج، فجاز الذَّبح به كالحديد. مسألة (٢): فإذا ثبت ذلك، فقد قال ابنُ القصَّارِ (٣): تجوزُ الذّكاةُ بالسِّنِّ والظُّفْر، وأجاب عن الحديث بجوابين: أحدهما: أنّه يُحْمَل على الكراهية. والثّاني: أنّه يُحمَل على السِّنِّ والظُّفر الصّغيرين اللَّذين لا يصحّ قطع الأوداج بهما. فعلى هذا في المسألة ثلاثة أقوال: * أحدها: أنّه لا تجوز الذّكاة بسِنٍّ ولا ظُفْرٍ متَّصِل ولا منفصل، وهي الرِّواية الّتي حكاها ابن القصّار. عن مالك، وهو الظّاهر من رواية ابن الموّاز. والرواية الثّانية: أنّه تجوز الذّكاة بهما منفصلّين ومتّصلين، وهذا الظّاهر من رواية ابن وهب عن مالك في "المبسوط"، وهو اختيار ابن القصّار (٤). والرواية الثّالثة: تجوز الذّكاة بهما منفصلّين ولا تجوز الذّكاة بهما متّصلين، وهذا الّذي قاله ابن حبيب.

стр. 2277

والرِّواية* الأولى أصَحُّها عندي. ورأيتُ ابنُ القصّار قد شَرَطَ في صفة ما يذكَّى به فري الأوداج والحلقوم في دفعة واحدة، وما كان من ذلك لا يفريهما إِلَّا في دفعات فلا تجوز الذّكاةُ به، وقال: ولو وجد هذا من السِّكين لمنعنا منه. ورأيت ابن حبيب (١) قد قال في المنجل المضرّس: لا خير في الذّكاة به؛ لأنّه لا يقطع كما تقطع الشّفرة إذا ردّدت به اليد للإجهاز. وقال ابن حبيب قوله: "ولا يردّد" يعني لا يرفع يده ثمّ يردّها، ولعلّ ابن القصّار قد أراد هذا (٢). فإن رفع يَدَهُ وقد نسي التّسمية ثمّ أعاد وسمَّى، فقال علماؤنا المالكية: إنَّ تارك التّسمية عَمْدًا لا تُؤْكَل ذبيحته عند مالك (٣) وأبي حنيفة (٤). وقال الشّافعيّ (٥): تُؤكَل. المسألة الثّالثة (٦): في صفة الذّكاة قال علماؤنا (٧): السُّنَّةُ أخذ الشَّاةِ برِفقٍ، وتُضْجَع على شقِّها الأَيسر إلى القِبلَة،

стр. 2278

ويأخذ بيده اليُسرى جلد حلْقِها بين اللَّحْي الأسفل والصُّوف، فيمُدُّه حتّى يتبين البشرة وموضع السّكين في المذبح حيث الجوَزة في الرّأس، ثمّ يسمّي الله تعالى ويمرّ السكين مرًّا مجهزًا بغير ترديدٍ، ثمّ يرفع ولا يخنع وقد أحَدَّ شفرتَه قبل ذلك، ولا يضربُ بها الأرض، ولا يجعلُ رِجلَه على عُنقها, ولا يجرّها برجليها. ووجه ذلك: أنّ الرِّفقَ بها مشروعٌ، لِمَا رَوَى شدّاد بن أوس أنّ النّبيّ ﷺ قال: "إِذَا ذبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحة، وليُحِدَّ أحدكم شفرته ولْيُرِحْ ذبِيحَتَهُ" (١). فرعٌ (٢): فإن تركَ التَّوجيه إلى القِبْلَة، ففي "المدوّنة" (٣): "يَأْكُلْ مِنْهَا، وَبِئسَ مَا صَنَعَ". وقال ابنُ حبيب: إنْ ترك ذلك عامدًا لم تُؤكَل (٤). توجيه (٥): فوجهُ الرِّوايةِ الأُولى: أنّه ترك صفةً مندوبًا إليها، وذلك لا يقتضي فساد الذّبيحة كما لو ذبحها بيسراه. ووجهُ الرَّواية الثّانية: أنّه قد تركَ ما سُنَّ في الذّكاة عَمْدًا، فأَشْبَه ترك التّسمية قولًا، وظاهرُ قولِهِ في "المدوّنة":"وَبْئْسَ مَا صَنَعَ" يقتضي العَمْدَ، والله أعلمُ.

стр. 2279

فرع (١): ومن رفع قبل أنّ يُجهزَ على ذبيحته ثمّ رجع، قال ابنُ حبيب (٢): إنَّ رجع في فَوْرِ الذَّبْح قبل أنّ يذهب ويذبح الذّبيحة، فذلك جائز، وإن رجع بعد أنّ تباعد لم تُؤكل. قال سحنون: لا تُؤكَل وإن رجع مكانَهُ، تأوّل بعض علمائنا: إِن رفعَ يَدَهُ كالمختبرِ، أو ليرجع فيتمّ الذّكاة، ثمّ رجع في فَورِهِ فأتمّها فإنّها تُؤْكَل. وإن كان رفع يَدَهُ على أنّه قد أَتَمَّ الذّكاة ثمّ رجع فأتمّها لم تؤكل. قال أبو بكر (٣): قلتُ للشّيخ أبي الحسن (٤): يجب أنّ يكون الأمر بالعكس، إذا رفع يَدَهُ ليختبر لم تُؤكَل، وإذا رفع على أنّه أتمّ الذَّكاةَ أُكِلت، فَصَوَّبَهُ الشّيخ أبو الحسن. واختلفَ (٥) العلّماءُ في اندقاقِ العُنُقِ من غير أنّ ينقطع النُّخَاع: فرَوَى ابنُ القاسم عن مالك أنّه ليس بمقتلٍ. وَرَوَى ابنُ الماجشون ومُطَرِّف عن مالك أَنه مقتلٌ. فرع (٦): وقال علماؤنا: إذا قُطِعَ الرَّأسُ في الذَّبْح لم تُؤْكَل، فذلك إذا كانت نيّته من أوّل الذَّبْح إبانة الرَّأْس؛ لأَنَّه لم يقصد ذكاةً وإنّما قصد قَتلًا. وقد قيل: تُجزئه؛ لأنّه ذكاةٌ وزيادة، فلا تضرّه الزِّيادة.

стр. 2280

وقولُه ﷺ : "وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ" (١) فيه غريبةٌ لم يذكرها أحدٌ من العلماء، وهي إجابة السّائلِ بأكثر ممّا سأل عنه. وقد اختلفَ علماؤُنا في التّسمية، هل هي شرط في الحلِّ مع الذِّكْرِ أم لا؟ فمشهورُ مذهبنا أنّها شرطٌ (٢). وقال الشّافعيُّ: ليست بشرطٍ (٣). وهي مسألةٌ عسيرةٌ، أغمضُ ما فيها قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٤). فقيل: المرادُ بالآيةِ ما ذُبح لغيرِ الله. قلنا: ظاهرُها تحريم ما لم يُذْكر اسم الله عليه، فنحن مع ظاهِرِ اللَّفظِ ومطلَق القول دون التفاتٍ إلى سببٍ، حسب ما بيَّنَّاه في "مسائل الخلاف". المسألة الرّابعة: في تمييز محلِّ الذّكاة. قال علماؤُنا (٥): "أباحَ اللهُ لنا ما أباح من الحيوان البرِّي بالذّكاة، والذكاةُ ننقسم على ثلاثة أقسام: ١ - ذبحٌ. ٢ - وَنَحْرٌ. ٣ - وعَقرٌ". فالذبح للغنم وشاكلتها، والنَّحرُ للإِبِلِ وما أشبهها، والعَقْرُ في كلِّ مَحَلٍّ عند عدم القدرة.
следующие страницы →