← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

ثُمّ ثبت أنّه ما نَهَى عنه من صفة الذّابح يمنعُ صحَّة الذَّبْح، فكذلك ما نَهَى عنه من صفة الآلة. وتحريرُهُ: أنّ هذا معنى وردَ في الشَّرْع باعتبار صفته في الذَّبح، فلم يجز استعمال ما نهي عنه من ذلك، أَصْلُه الذَّبح. ووجهُ رواية الإباحة: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (١) والذَّكاةُ فَرْيُ الأوداج، وقد وُجِدَ من هذا الّذي ذَبَح بالسِّنِّ والظُّفُر، فوجب أنّ تُؤكَل ذبيحتُه. ومن جهة القياس: أنّ هذا معنى فري الأوداج، فجاز الذَّبح به كالحديد. مسألة (٢): فإذا ثبت ذلك، فقد قال ابنُ القصَّارِ (٣): تجوزُ الذّكاةُ بالسِّنِّ والظُّفْر، وأجاب عن الحديث بجوابين: أحدهما: أنّه يُحْمَل على الكراهية. والثّاني: أنّه يُحمَل على السِّنِّ والظُّفر الصّغيرين اللَّذين لا يصحّ قطع الأوداج بهما. فعلى هذا في المسألة ثلاثة أقوال: * أحدها: أنّه لا تجوز الذّكاة بسِنٍّ ولا ظُفْرٍ متَّصِل ولا منفصل، وهي الرِّواية الّتي حكاها ابن القصّار. عن مالك، وهو الظّاهر من رواية ابن الموّاز. والرواية الثّانية: أنّه تجوز الذّكاة بهما منفصلّين ومتّصلين، وهذا الظّاهر من رواية ابن وهب عن مالك في "المبسوط"، وهو اختيار ابن القصّار (٤). والرواية الثّالثة: تجوز الذّكاة بهما منفصلّين ولا تجوز الذّكاة بهما متّصلين، وهذا الّذي قاله ابن حبيب.

стр. 2277

والرِّواية* الأولى أصَحُّها عندي. ورأيتُ ابنُ القصّار قد شَرَطَ في صفة ما يذكَّى به فري الأوداج والحلقوم في دفعة واحدة، وما كان من ذلك لا يفريهما إِلَّا في دفعات فلا تجوز الذّكاةُ به، وقال: ولو وجد هذا من السِّكين لمنعنا منه. ورأيت ابن حبيب (١) قد قال في المنجل المضرّس: لا خير في الذّكاة به؛ لأنّه لا يقطع كما تقطع الشّفرة إذا ردّدت به اليد للإجهاز. وقال ابن حبيب قوله: "ولا يردّد" يعني لا يرفع يده ثمّ يردّها، ولعلّ ابن القصّار قد أراد هذا (٢). فإن رفع يَدَهُ وقد نسي التّسمية ثمّ أعاد وسمَّى، فقال علماؤنا المالكية: إنَّ تارك التّسمية عَمْدًا لا تُؤْكَل ذبيحته عند مالك (٣) وأبي حنيفة (٤). وقال الشّافعيّ (٥): تُؤكَل. المسألة الثّالثة (٦): في صفة الذّكاة قال علماؤنا (٧): السُّنَّةُ أخذ الشَّاةِ برِفقٍ، وتُضْجَع على شقِّها الأَيسر إلى القِبلَة،

стр. 2278

ويأخذ بيده اليُسرى جلد حلْقِها بين اللَّحْي الأسفل والصُّوف، فيمُدُّه حتّى يتبين البشرة وموضع السّكين في المذبح حيث الجوَزة في الرّأس، ثمّ يسمّي الله تعالى ويمرّ السكين مرًّا مجهزًا بغير ترديدٍ، ثمّ يرفع ولا يخنع وقد أحَدَّ شفرتَه قبل ذلك، ولا يضربُ بها الأرض، ولا يجعلُ رِجلَه على عُنقها, ولا يجرّها برجليها. ووجه ذلك: أنّ الرِّفقَ بها مشروعٌ، لِمَا رَوَى شدّاد بن أوس أنّ النّبيّ ﷺ قال: "إِذَا ذبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحة، وليُحِدَّ أحدكم شفرته ولْيُرِحْ ذبِيحَتَهُ" (١). فرعٌ (٢): فإن تركَ التَّوجيه إلى القِبْلَة، ففي "المدوّنة" (٣): "يَأْكُلْ مِنْهَا، وَبِئسَ مَا صَنَعَ". وقال ابنُ حبيب: إنْ ترك ذلك عامدًا لم تُؤكَل (٤). توجيه (٥): فوجهُ الرِّوايةِ الأُولى: أنّه ترك صفةً مندوبًا إليها، وذلك لا يقتضي فساد الذّبيحة كما لو ذبحها بيسراه. ووجهُ الرَّواية الثّانية: أنّه قد تركَ ما سُنَّ في الذّكاة عَمْدًا، فأَشْبَه ترك التّسمية قولًا، وظاهرُ قولِهِ في "المدوّنة":"وَبْئْسَ مَا صَنَعَ" يقتضي العَمْدَ، والله أعلمُ.

стр. 2279

فرع (١): ومن رفع قبل أنّ يُجهزَ على ذبيحته ثمّ رجع، قال ابنُ حبيب (٢): إنَّ رجع في فَوْرِ الذَّبْح قبل أنّ يذهب ويذبح الذّبيحة، فذلك جائز، وإن رجع بعد أنّ تباعد لم تُؤكل. قال سحنون: لا تُؤكَل وإن رجع مكانَهُ، تأوّل بعض علمائنا: إِن رفعَ يَدَهُ كالمختبرِ، أو ليرجع فيتمّ الذّكاة، ثمّ رجع في فَورِهِ فأتمّها فإنّها تُؤْكَل. وإن كان رفع يَدَهُ على أنّه قد أَتَمَّ الذّكاة ثمّ رجع فأتمّها لم تؤكل. قال أبو بكر (٣): قلتُ للشّيخ أبي الحسن (٤): يجب أنّ يكون الأمر بالعكس، إذا رفع يَدَهُ ليختبر لم تُؤكَل، وإذا رفع على أنّه أتمّ الذَّكاةَ أُكِلت، فَصَوَّبَهُ الشّيخ أبو الحسن. واختلفَ (٥) العلّماءُ في اندقاقِ العُنُقِ من غير أنّ ينقطع النُّخَاع: فرَوَى ابنُ القاسم عن مالك أنّه ليس بمقتلٍ. وَرَوَى ابنُ الماجشون ومُطَرِّف عن مالك أَنه مقتلٌ. فرع (٦): وقال علماؤنا: إذا قُطِعَ الرَّأسُ في الذَّبْح لم تُؤْكَل، فذلك إذا كانت نيّته من أوّل الذَّبْح إبانة الرَّأْس؛ لأَنَّه لم يقصد ذكاةً وإنّما قصد قَتلًا. وقد قيل: تُجزئه؛ لأنّه ذكاةٌ وزيادة، فلا تضرّه الزِّيادة.

стр. 2280

وقولُه ﷺ : "وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ" (١) فيه غريبةٌ لم يذكرها أحدٌ من العلماء، وهي إجابة السّائلِ بأكثر ممّا سأل عنه. وقد اختلفَ علماؤُنا في التّسمية، هل هي شرط في الحلِّ مع الذِّكْرِ أم لا؟ فمشهورُ مذهبنا أنّها شرطٌ (٢). وقال الشّافعيُّ: ليست بشرطٍ (٣). وهي مسألةٌ عسيرةٌ، أغمضُ ما فيها قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٤). فقيل: المرادُ بالآيةِ ما ذُبح لغيرِ الله. قلنا: ظاهرُها تحريم ما لم يُذْكر اسم الله عليه، فنحن مع ظاهِرِ اللَّفظِ ومطلَق القول دون التفاتٍ إلى سببٍ، حسب ما بيَّنَّاه في "مسائل الخلاف". المسألة الرّابعة: في تمييز محلِّ الذّكاة. قال علماؤُنا (٥): "أباحَ اللهُ لنا ما أباح من الحيوان البرِّي بالذّكاة، والذكاةُ ننقسم على ثلاثة أقسام: ١ - ذبحٌ. ٢ - وَنَحْرٌ. ٣ - وعَقرٌ". فالذبح للغنم وشاكلتها، والنَّحرُ للإِبِلِ وما أشبهها، والعَقْرُ في كلِّ مَحَلٍّ عند عدم القدرة.

стр. 2281

وقال غيره (١) بخلاف هذه العبارة: "أمّا الذَّبْح ففي مَا لَهُ دَمٌ سائلٌ من المَمْلُوكِ المَأْسور، والقتلُ فيما كان ممتَنِعًا بنفسه من الصَّيد، وفيما ليس له دمٌ سائلٌ من الحيوان، على ما أحكمته السُّنّة". مسألة (٢): ومحلُّ الذكاةِ في الحيوان على ثلاثةِ أضرُبٍ: ١ - ضربٌ يختص بالنحر. ٢ - وضربٌ يختصُّ بالذَّبْح. ٣ - وضربٌ يجوز فيه الأمران. فأمّا ما يختصُّ بالإبل، فالنّحرُ خاصّة لها. وأمّا ما يختصُّ بالذّبح، فجميع الحيوان المذكّى غير الإبل والبقر. وأمّا ما يجوز فيه الأمران، فالبقرُ. وحُكم الخيل حُكم البقر في الذّكاة لمن استباح أكلها، وقد قال الأَبْهَرِي في "شرحه الكبير": وقد قيل: إنَّ عنق البقر لمّا كان فوق عنق الشاة ودون عنق البعير جاز فيها الأمران، لقرب خروج الدِّمِ من جوفها بالذَّبح والنّحر، ولم يجز الذَّبح في البعير لبُعْدِ خروج الدِّم من جوفها بالذَّبْح. زاد عبد الوهّاب (٣): فيكون في ذلك تعذيبه وزيادة في ألَمِهِ، والنّحرُ فيه أخفّ. وقال الأبهري في الفيل إذا نحر: لا بَأْس بالانتفاع بعظمه وجلده، فخَصَّه بالنَّحْر مع قِصَرِ عنقه.

стр. 2282

ووجه ذلك عندي: أنّه لا عُنُقَ له، ولكن لغِلظِ موضع حلقه واتِّصاله بجسمه لم يذبح وكان له مَنْحَرٌ، فكانت ذَكَاتُه فيه. قال الأبهري: وكذلك لم يجز النّحر في الشّاة لعدم تمكن النَّحر فيها إذ لا لبَّةَ لها. زادَ عبدُ الوهّاب (١): ولِقُرْب موضع النَّحر من خَاصِرَتِها، فلا يتمكّن من نحرها إِلَّا بما يصل إلى جوفها، فيكون كالطَّعن فيه. مسألة (٢). فإذا ثبتَ ذلك، فالذَّبحُ (٣) أفضلُ في البقر، ورَوَى إسماعيل ابن أبي أُوَيْس عن مالك فيمن نَحَرَ بقرةً: بئْسَ ما صَنَعَ؛ لأنّ الله ﵎ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (٤)، فأمر بالذَّبحِ. قال علماؤنا: لا بدَّ أنّ يكونَ على الوجوبِ أو النّدب، وأقلّ أحواله النّدب، وهذا إنّما يَصِحُّ التّعلُّق به على قول من يقول: إنَّ شريعة من قبلنا شريعة لنا إِلَّا أنّ يتبيَّنَ النّسخ للقضيَّة نفسها، وعلى كلِّ حالٍ فقد قال مالك: "إنَّ نُحِرَت تُؤكَل" لِمَا قدّمناه أنّه يجوز فيها الأمران. مسألة: فإذا ثبت ذلك، فإنّ الذَّبحَ في الحَلْقِ، وهو ما دُونَ الجوْزَة يكون إلى الرّأس (٥) ولذلك قال علماؤنا - رحمة الله عليهم - شرطُ الذّكاة خمسة شروطٍ (٦):

стр. 2283

١ - قطعُ الحُلْقُوم. ٢ - وقطع الأوداج. ٣ - وقطعُ المَرِيء. ٤ - وضعُ الجَوْزَةِ الّتي هي مناط ذلك كلِّه من جهة الرَّأس، لأنّك إن ذبحتَ فوقَها لم تقطع شيئًا من ذلك كلِّه، ولا جَرَى من الدَّمِ إِلَّا ما يكون في الرَّأس، ويَعْضُدُه الحديث الصّحيح المُطلَق، حديث أبي أُمَامَةَ المُفَسِّر قطعَ الأوداج والحُلْقُوم لقوله: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ" وقطع الحُلْقُوم؛ لأنَّ من الأطبّاء من يقوَل: إذا سَلِمَ الحُلْقُوم طبت الأوداج، وهذا بعيد، بل المسألةُ بعكسه، قالوا: فيمكن أنّ يعيش فيكون حينئذ إذا ماتَ مقتولًا لا مذكّى، وما أظنُ أنَّ مَنْ قُطعت أَوْداجُه يعيشُ أبدًا، ولذلك قال علماؤنا: إنّه إذا قُطِعَ بعضُ ذلك ولم يُستوفَ أجزأَ. وأمّا المريءُ، فلا أعلم له وجهًا (١)، قال (٢) ابنُ حبيب: وإن لم يفعل ذلك فإنّه لا يقطع الحُلْقُوم، وإنّما يقطع الجلدة المتعلّقة بلَحْيَي الذّبيحة. فإن لم يفعل وتركها (٣) إلى الجسد، فالّذي حَكَى عبدُ الوهّاب أنّها لا تُؤْكَل (٤)، وبه قال ابنُ حبيب وابنُ شَعْبَان، وكذلك رواه ابنُ المَوَّاز والعُتبِيّ وغيره عن ابنِ القاسم (٥).

стр. 2284

ورَوَى ابنُ وَهْب وابنُ عبد الحَكَم عن مالك (١) أنّها تُؤكَل (٢)، وكذلك رواه أشهب (٣) وأبو مصعب وموسى بن معاوية، وقال ابن وضَاح (٤): لم يُحْفَظ عن مالك فيها شيءٌ، ولم يُتَكَلَّم فيها إِلَّا في زمان ابنِ عبدِ الحَكَم وأبي مُصْعَب الزهري ونزلت به. ووجهُ رواية المنع: أنّ الذَّابحَ فوق الجوزة لا يذبح في الحُلْقُوم وهو محل الذّكاة. مسألة (٥): فإذا ثبت ذلك، فإنّ الذَّكاةَ على حالتين: ١ - حال اختيار. ٢ - وحال ضرورة. فأمّا حال الاختيار؛ فإنّ محلّ النَّحْرِ اللَّبَّة، ومحل الذَّبح الوَدَجَان وَالحُلْقُوم، فمن نقل شيئًا من ذلك عن محلِّه، فلا يخلو أنّ ينقله إلى ما هو محلّ للذّكاة، أو إلى غير محلّ الذّكاة، مثل أنّ ينحر ما يجب ذبحه، أو يذبح ما يجب نحره، أو ينقله إلى ما ليس بمحلّ للذّكاة. فأمّا الوجه الأوَّلُ ففي "كتاب ابن المَوَّاز" عن مالك: لا تُؤْكَل ساهيًا فَعَلَ ذلك أو عامِدًا (٦). وقال أشهبُ: تُؤكَل.

стр. 2285

وقال عبدُ الوهّاب (١): إِنّ أصحابنا اختلفوا في ذلك - أعني في رواية المنع - على وجهين: ١ - فمنهم من منع منه كراهيةً. ٢ - ومنهم من منع منه تحريمًا، وبه قال ابن حبيب. وقال عبدُ الوهّاب (٢): وزاد ابنُ بُكَير في ذلك وجهًا ثالثًا وهو أنّه قال: يُؤكل البعيرُ إذا ذُبحَ، ولا تُؤْكَلُ الشَّاةُ إذا نُحِرَتْ. قال (٣): ووجهُ ذلك: أنّ البعيرَ له موضع ذبح وموضع نحر، والشّاة لا منحر لها؛ لأنّ موضع لبتها يقرب من خاصِرَتِها، فيكون كالطَّاعن لها. وأمّا إنَّ ينقل الذّكاة إلى غير محلِّها بوجه، مثل أنّ يذبح في القَفَا فقد قال ابنُ حبيب: إِنْ ذبح في القَفَا أو في الصَّفحة الواحدة، لا أَرَى أنّ تُؤْكَل؛ لأنّه ذَبَحَ في غير المَذبَح، ومثلُه لابن المَوَّاز، ومثله لأشهب في "العُتبِية" (٤) عن مالك أنّها لا تُؤكل، وأمّا من أراد أنّ يذبح في الحلقوم فأخطأ وانحرفَ، فإنها تُؤكل (٥). توجيه (٦): وأنا وجهُ المنعِ من أكل ما ذُبِحَ في القَفَا؛ لأنّ الذّكاة من شرطها أنّ يكون أوّل ما ينفذ من مقاتلها قطع الحُلْقُوم والوَدَجَيْن، ويكون ذلك سبب موت الذَّبيحة،* ومن ذبح في القفا فقد بدأ بقطع العنق وفيه النّخاع وهو من المقاتل، فكان ذلك سبب موت الذّبيحة

стр. 2286

دون فري الوَدَجَيْن والحلقوم، قاله القاضي أبو إسحاق. (١) وأمّا روايةُ أَشْهَب في أنّ مَنْ أخطأَ فانحرفَ فإنَّ ذبيحته تُؤكَل، فإنّها تحتاج إلى تفصيل، وذلك أنّه إِن استوعبَ قطْعَ الوَدَجَين والحُلْقُوم قبلَ قطع النُّخاع، فإنّ ذلك مبيحٌ للذّبيحة؛ لأنّه أتى بشروط الذّكاة، فلا يضرُّه ما زاد من شقّ الجلد بانحرافه، وإن كان لم يستوعب ذلك جملة، أو استوعبه بعد قَطعِ النُّخاع بقطع العُنُق، فإنَّ ذكاتَهُ عندي لا تصحّ، وهو عندي معنى* قول ابن حبيب: إنَّ ذَبَحَ في الصَّفحة الواحدة لم تُؤكَل. مسألة (٢): وأمّا حالُ الضّرورة، فإنّها على ضربين: ١ - ضرورةٌ تمنع من التمكُّن من الحيوان. ٢ - وضرورة تمنعُ من الوصولِ إلى موضعِ ذكاته. فأمّا ما يمنع من التَّمكُّن منه كالبعير الشَّارِدِ، فلا يُقْدَر عليه إِلَّا بِرَمْيِه أو طعنه، فإنّه لا يُؤْكَل ما قُتِل بذلك. والدّليل على ما نقوله: أنّ هذه من بهيمة الأنعام، فلا تُؤكَل إِلَّا بالذّبح أو النَّحْر كالمقدور عليه. مسألة (٣): إذا ثبت هذا، فإن هذا حكم الغَنَم والدّجاج، إذ ليس لها أصل في التَّوحُّش ترجِعُ إليه، وأمّا البقر فقال ابنُ حبيب في "واضحته": عندي أنّ لها أصلًا من بقر الوحش، فإذا توحَّشَت حلَّت عندي بالصَّيد.

стр. 2287

وهذا الّذي قاله فيه نظر؛ لأنّ بقر الوحش ليست بأصل للبقر الإنسيّة، ولا شبهها في خلقٍ ولا صورة الإنسية، وإنّما يتّفقان في الاسم، كما أنّ حمر الوحش ليست بأصلٍ للحمر الإنسيّة، ولا الماعز البرِّي بأصل الغَنَم المعزية الأنسيّة، ولذلك فرّق بينهما في حكم المحرم. وأمّا ما أصلُه التّوحُّش من الظَّباء والأرانب (١) والبُرَك والإوَزّ الإنسيّة إذا استوحشت، ففي "المُدَوَّنة" (٢): كره مالك أنّ يذبحَ المحرمُ الإوزّ والدّجاج ممّا يطير. مسألة (٣): واختلف قولُ مالك في الصَّيد يُرْمَى بسهمٍ مسمومٍ ثمّ يذبح، فقال في "العُتْبِيّة" (٤) و"الموَّازية": لا نأكله، ولعلّ السُّمَّ أعان على قتله، وأخافُ على من أَكلَهُ (٥).

стр. 2288

مسألة (١): ٢ - وأمّا الضّرورةُ الّتي تمنعُ منَ الوصولِ إلى موضعِ الذَّكاةِ، فهي على قسمين: أحدهما: أنّ تمنعَ الوصول إلى محلِّ ذَكاتها, ولا تمنع الوصول إلى مَوْضِعِ نحرِها. الثّاني: أنّ تمنع الوصول إلى موضع ذلك جملة. أمّا الأوَّل: فهو مثل أنّ تمنع الوصول إلى منحر البعير، ولا تمنع الوصول إلى مذبحه، أو تمنع الوصول إلى مذبح الشاة ولا تمنع الوصول إلى منحرها، فهذا قد قال مالك في غير موضع: إنَّ الشاة تُؤْكَل حينئذٍ بالنَّحْرِ والبعير بالذَّبْح. ووجهُ ذلك: أنّ هذه ذكاة في بهيمة الأنعام (٢).

стр. 2289

فصل في جملة مسائل في اعتبار تذكية غير الأنعام من الطَّير والخَشَاشِ وفي هذا الفصل جملة مسائل: المسألة الأولى (١): قال علماؤنا (٢): وأمّا كلُّ دابَّةٍ لها لحم ودم سائل من هوام الأرض كالحيّة والفأرة، فإنّ من احتاج إلى شيءٍ من ذلك لدواء أو غيره، فذكاتُها في الحلق كسائر الذّبائح، أو كالصَّيد بالرَّمْي بالسَّهْم والطَّعن بالرُّمْح إنَّ صيدت مع التّسمية في التّذكية، رَوَى ابنُ حبيب ذلك عن مَالك (٣). ووجهه: أنّ ما لَهُ نفس سائلة فلا يُستباح إِلَّا بالذّبح أو بالنَّحر كالأنعام. المسألة الثّانية (٤): وأمّا ما ليست له نفسٌ سائلةٌ كالجرادِ والحَلَزُون وشبهه (٥)، فلا يجوز أكله والتّداوي به لمن احتاج إليه إِلَّا بالذّكاة، والذي يُجْزِىء من الذّكاة في الجَرَادِ أنّ يفعلَ بها ما لا تعيشُ معه، كقطع رؤوسها وأرجلها من أفخاذها، أو إلقائها في ماءٍ حارٍّ، فحينئذ جاز أكلها.

стр. 2290

وقال ابنُ حبيب في الجراد والحَلَزُون: إنّها تبقر بالشَّوْكِ والإبَر حتّى تموت، أو يُقْلَى الجراد أو يُشْوَى. فأمَّا ما قُطعَ من أجنحتها وأرجُلِهَا، فقد قال مالك: تُؤْكَل (١). وقال أشهب: لا تُؤكَل. وإن أُلْقِيَت في ماءٍ باردٍ أُكِلَت، وقال سحنون: لا تُؤكَل. وإن أُلْقِيَت في ماءٍ حارٍّ أُكِلَت، وَرَوَى سحنون عن مالك أنّها تؤكل في الوجهين. فقول مالك مبنىٌّ على أنّ ما فعل بها ممّا لا تعيش معه أنّها ذكاة فيها. وقول أشهب وسحنون مبنىٌّ على أنّه إنّما تكون الذَّكاةُ بما يتعجّل به موتها، وأمّا ما يتأخر به موتها (٤)، فهل يكون ذكاة أم لا؟ المشهورُ من المذهب أنّه لا يكون ذكاة، خلافًا لابنِ المسيِّب. ودليلُنا: أَن هذا صيدٌ يفتقرُ إلى ذكاةٍ، فلم يكن مجرَّد أخذه ذكاة، أصله الطّير. وحُكمُ الحَلَزُون حكم الجرادِ، قال مالك: ذكاتُه بالسَّلْقِ (٢)، أو بغرز الإبر حتّى يموت، ويسمِّي الله تعالى عند ذلك، كما يسمِّي على قَطْفِ رءوس الجرادِ. وقال الأَبْهَريُّ: والعَقْرَب (٣) والخُنْفُسَاء من احتاج إلى التّداوي بهما فليقطف رءوسهما.

стр. 2291

وقال ابن حبيب: يُؤْكَل، على ما قاله الشّافعيّ (١). المسألةُ الثّالثة: وأمّا خطّاف البيوت، فقد اختلفَ قولُ مالكٍ فيها، فقال ابنُ القاسم عنه: إنّها تُؤكَل، وروى عنه عليّ بن زياد (٢) أنّها لا تُؤكَل، وقوله: "لَا تُؤْكَل" أحبّ إلينا إِلَّا أنّ يُحتاج إلى ذلك. المسألةُ الرّابعة: وأمّا الحيَّاتُ، فإن مالكًا أجازَ أكلَها دونَ اضطرارٍ إليها، وقال أيضًا: لا تُؤكَل إِلَّا إذا احتيج إليها (٣)، وفي كلا الوجهين لا تؤكل إِلَّا بالذّكاة. حديثُ مالك (٤)، عن نَافِعٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، عَنْ مُعَاذِ نجنِ سَعْدٍ أَوْ سَعْدِ بنِ مَعَاذِ؛ أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَت تَرْعَى لقْحَةً بِسَلْعٍ فَأُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْهَا، فَأَدرَكَتْهَا فَذَكَّتهَا بِحَجَرٍ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: "لَا بَأْسَ بِهَا، فَكُلُوهَا". الإسناد: قولُه: "سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، أَوْ مُعَاذُ بْنُ سَعْدٍ" هذا شكٌّ من الرَّاوي، والحديثُ صحيحٌ، مَدَنِيٌّ، خرَّجه مالك ﵀.

стр. 2292

العربيّة: قولُه: "تَرْعَى غَنَمًا لَهَا بِسَلْع": هو جبل بالمدينة (١)،* وسَلَع يرويها بفتح اللّام ابنُ عبد البرّ (٢)، وبإسكأنّها ... (٣) *, والصّواب سَلْع بإسكان اللّام مثل كلب. وقولُه: "كَانَت تَرْعَى لقْحَةً لَها" قال الأَخفَش (٤): الصّواب لقْحَة بكسر اللّام، وجمعُها لِقَاح. و"الشظاظ" العود المحدود الطَّرفِ (٥)، والصّواب فِلْقَة الحَجَر، وذلك يُسمَّى الشَّظَى في لسان العرب. الفقه في إحدى عشرة مسألة: المسألة الأولى (٦): في صفةِ ما يُذَكَّي به من الحجارة، وقد تَقَدَّم (٧). المسألةُ الثّانية (٨): في صفة الذّابح المؤثَّرة في الذَّبح وهو الدِّين، وسيأتي ذِكْرُه. وأمّا "الرِّق" فليس بمؤثِّرٍ في الذَّكاة، فتجوزُ ذكاةُ العبدِ على كلِّ حالٍ.

стр. 2293

المسألة الثّالثة (١): وأمّا ذكاةُ الصّغير والأُنثى، ففي "كتاب ابن الموَّاز" عن مالك: تُكْرَهُ ذكاةُ الصَّبيِّ والمرأةِ من غير ضرورةٍ (٢). وفي "المُدَوَّنة" (٣) عن ابنِ القاسم تجويز ذكاة المرأة من غير ضرورةٍ (٤). ولا بأس بذكاة الصَّبيِّ إذا أطاق الذَّبح، ورُوِيَ أكثرُه عن مالك. وقال ابن حبيب: مختونصا كان أو غير مختون. المسألة الرَّابعة (٥): فإذا قلنا بكراهية ذبيحة المرأة، فهل تكْرَهُ ذبيحة الخصيّ؟ فقال ابنُ شعبان: "تُؤكَلُ ذبيحَتُه" ولم يذكر كراهيّته. وَرَوَى أشهب عن مالك في "العتبية" (٦) أنّه قال: ولا أحبّ ذبيحة الخصيّ، فإن فعل أُكِلَتْ. ووجهُ ذلك: أنّه نَحَا بِهِ نحو الأُنوثة، والله أعلم. المسألةُ الخامسة (٧): قال علماؤنا (٨): ولا تجوزُ ذبيحة السَّكران والمجنون إذا لم يَعْقِلا، رواه ابنُ وَهْب عن مالك في "المبسوط"، زاد ابنُ الموَّاز عن مالك: ولا ذبيحةَ أعجمىٍّ لا يعرفُ الصَّلاة (٩).

стр. 2294

ووجهُ ذلك: أنَّ كلَّ واحدٍ منهم لا يصحُّ منه القَصْد إلى ذكاة، ذلك معتبرٌ في صحَّتها، والله أعلمُ. المسألةُ السّادسة: في بيان ذبائح أهل الكتاب، وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ الآية (١) وقوله: "اليَوْم" قيل: إنّه يوم الاثنين بالمدينة (٢). وقيل: إنّه بمعنى الآن؛ لأنّ العربَ تقول: اليوم يكون كذا، بمعنى الآن، كأنّه وقتٌ الزّمان. وقيل: إنّه يوم عرَفَة (٣). فأما القولُ بأنّه يوم الاثنين فضعيفٌ، وأمّا من قال بأنّه بمعنى الزّمان فمحتملٌ (٤). والصحيحُ أنّه يوم عرَفَة، وفي معناه أقوال (٥): قيل: إنّه معرفة الله، أراد: اليوم عَرَّفتُكُم نفسي بأسمائي وصفاتي وأفعالي فاعرفوني. وقيل: اليوم استجبتُ لكم دعاءَكُم ودعاءَ نَبيِّكُم لكم. وقيل: اليوم أظهركم على عدوِّكم.

стр. 2295

وقيل: طَهَّرْتُ لكم الحرمَ عن دخول المشركين فيه معكم، فلم يحجّ مُشركٌ، ولا طاف بالبيت عريانٌ (١). وقيل: اليوم أكملتُ لكم الفرائضَ وانقطع النَّسخُ. وقيل: معناه كمال الدِّين، وذلك أنّه لم ينزل بعد هذه الآية شيءٌ (٢). فهذه سبعة أقوال (٣)، وقولُه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ الآية (٤). وقيل في ذكر الطّعام قولان: ١ - قيل: إنّه كلّ مطعوم على ما يقتضيه مُطلَق اللُّغة، وكان حالُهم يقتضي ألَّا يُؤكَلَ طعامُهُم لقِلَّة احتراسهم عن النَّجَاسات، لكن الشَّرع يُبِيحُ ذلك؛ لأنّهم أيضًا يَتَوَقَّوْنَ القاذُورات. قال أبو ثعلبة الخُشَنِي: سُئِل رسولُ الله ﷺ عن قُدُور المجوسِ فقال: "أَنقُوهَا غسْلًا واطبُخُوا فِيهَا" وهو حديثٌ مشهورٌ (٥). وغَسلُ آنيةِ المجوسِ فَرْضٌ، وغَسلُ آنيةِ أهلِ الكتابِ فَضلٌ ونَدْبٌ، فإن كان ما في

стр. 2296

الآية يُبيحُ الأكل بعد ذلك فيها، والدليل: ما رواه الدَّارَقُطنِيّ (١) أنّ عمر بن الخطّاب توضَّأَ من جَرَّةِ نصرانيّة، وصحّحه الدَّارَقُطنِيّ. وقال الإمامُ الزاهدُ أبو الفَتح نَصْر بن إبراهيم النّابُلْسِي في ذلك كلامَا لُبَابُه: إنَّ الله قد أَذِنَ في طعامهم، وقد عَلِم أنّهم يسمون غيره على ذبائحهم، ولكنّهم لما تمسَّكوا بكتابٍ، وتعلَّقوا بدليلٍ، جُعِلَت لهم حرمة على أهل الأنصاب. وقد قال مالك ﵀: تُؤْكَل ذبائحهم المُطلَقة، إِلَّا ما ذبحوا يوم عِيدِهم ولأنصابهم (٢). وقال جماعة العلماء: تُؤكلُ ذبائحهُم وإِنْ ذكروا عليها اسم المسيح. قال: وأمّا ما ذُبِحَ للكنائس، فقد سُئِلَ أبو الدَّرْدَاء عما يُذبَحُ لكَنِيسَةٍ يقالُ لها سَرْجِس، فأمر بأكله، وكذلك قال عُبَادَة بن الصَّامت (٣). وقال الشّعبيّ (٤) وعطاء: تُؤكَلُ ذبائحُهُم وإن ذُكِرَ عليها غيرُ اللهِ.

стр. 2297

و ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ هم بنو إسرائيل، ويدخل معهم من دان بدينهم وإن لم يكن منهم. وأكثرُ العلّماءِ أنّ طعامَ الذين أوتُوا الكتاب ذبائحهم. المسألة السّابعة: أمّا ذَبْحُ نَصارَى بني تغْلَب، فاختلفَ العلّماءُ في ذلك: فَرَخَّضَ في أكل ذبائحِهم ابن عبّاس (١)، والنّخعي، والزُّهري (٢)، وإسحاق، ورَوَوْا ذلك عن عليّ بن أبي طالب ﵁. وأمّا ابنُ عبَّاس، فألحقهم بالكِتابيِّين، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ الآية (٣)، وبه قال الشّافعيّ (٤). ومن علمائِنَا من قال: لا تُؤْكَل ذبائح نصارى بني تَغْلِبَ، وبه قال ابن عمر وعائشة، وقالوا: لأنّهم يُحَلِّلُون ما تُحلل النّصارى ولا يحرِّمون ما تحرِّم. وهذا دليلٌ أنه لم يُلحِقهم بهم؛ لأنّهم لم يتولّوهم، ولقد قال بعض علمائنا: إنهم يُعطُوننا نساءهم وأولادهم ملكا في الصُّلح، فيحل لنا وطؤهم، فكيف لا نأكل ذبائحهم؟ المسألة الثّامنة (٥): وإذا علمت أنّ النّصراني يستبيحُ الميِّتة، فلا تأكل من ذبيحته إِلَّا ما شهدتَ

стр. 2298

ذبْحَه (١). قال محمّد (٢): وكره مالك ما ذبحوا للكنائس، أو لعيسى، أو لجبريل، أو لأعيادهم، وزاد عبد الملك بن حبيب: في أكل ما ذُبِحَ لأعيادهم وكنائسهم تعظيمٌ لشركهم. وقال ابنُ القاسم (٣) في النَّصراني يُوصِي بشيءٍ من مَالِهِ للكنيسة فيُبَاعُ: لا يحلُّ للمسلم شِرَاؤُه لِمَا في ذلك مِن تعظيمِ شرائعهم، وَمُشتَرِيهِ مسلمُ سُوءٍ. المسألة التّاسعة (٤): قال علماؤُنا: لا تُؤكلُ ذبيحةُ المرتدِّ وَإنِ ارتدَّ إلى اليهوديّة أو النّصرانية، رواهُ ابنُ حبيب. وقال: "ولا تُؤْكَل ذبيحةُ من يَدَع الصّلاة، ولا ذبيحة من يضيّعها وُيعرَف بالتّهاون بها". ونحا بذلك إلى أنّه ارتدادٌ، قال: "وكذلك قال لي من كاشَفْتُ من أصحاب مالك". وقالوا: لا بأس بذبائح نصارى العَرَب، فإنّهم مثل نصارى العَجَم، وإنّها مباحةٌ لنا بقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ الآية (٥).

стр. 2299

المسألة العاشرة (١): في ذبيحة اليهودي فيما لا يجوز له أكله ممّا ذَكَرَ اللهُ في كتابه من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية (٢). قال ابنُ حَبِيب (٣): هي الإِبِلُ وحمر الوَحْشِ والنَّعَام والإوزّ، وما ليس بمشقوق الخفّ ولا منفرج القامة، وهذا لا يحلُّ أكلُه بذبحِهِم. ووجهُ ذلك: أنّ الذَّكاة مفتقرةٌ إلى النِّيَّة والقَصْدِ، وذلك لا يصح منهم؛ لأنّه عندهم لا يستباح بالذّكاة. وأمّا ما حرّم عليهم من شحوم الحيوان الّذي يستبيحونه، وذلك قولُه تعالى في البقر والغنم: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ (٤) قال ابنُ حَبِيب (٥): هي الشّحوم المَحْضَة الخالصة، مثل الثَّرْبِ والكليتين، وشبه ذلك من الشُّحوم المَحْضَةِ. وأمّا قولُه تعالى: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ الآية (٦)، يعني: ما يغشى اللّحم من الشّحم على الظّهر وسائر الجَسَدِ. وأمّا "الحوايا" فهي المَبَاعِر.

стр. 2300

فكلُّ ذلك عندنا من الشَّحْم وداخل في الاستثناء. قال ابنُ حَبِيب (١): ما كان من هذا محرَّمًا بنصِّ التَّنزيلِ، فلا يحل لنا أكلُهُ بعينه ولا ثمنه. وما لم يكن محرَّمًا عليهم في التَّنزيلِ، مثل الطّرائف وشبه ذلك؛ فإنّه مكروهٌ أكلُه وأكل ثَمَنِهِ. قال: وهذا قولُ مالك وبعض أصحابه. وحكى عبد الوهّاب (٢) أنّ شحومَ اليهودِ المحرّمةِ عليهم مكروهةٌ عند مالك ومحرَّمةٌ عند ابنِ القاسِم وأشهب، وقد رُوِيَ عن مالك (٣). وقال أبو حنيفة (٤) والشّافعىّ (٥): هي مُبَاحَةٌ غير مكروهة. ووجه رواية التّحريم: أنّ هذه ذكاةٌ يَعْتَقِدُ مباشرُها تحريم بعضها وتحليل بعضها، فوجب أنّ يستباح ما يَعْتَقِد تحليله دون ما يعتقد تحريمه، كالمسلم يَعْتَقِد استباحة اللَّحم دون الدِّم. ووجه رواية التّحليل: أنّ هذا مُذَكٍّ يجوزُ أكل لحم ما ذُكَّيَ، فجاز أكل لحمه كالمسلم (٦).

стр. 2301

وأمّا الاطريف (١) ففي "المُدَوَّنة" (٢) أنّه كان مالك يُجيزُ أكله ثمّ كرهه، وقال ابنُ القاسم: أرى أنّ لا يُؤكل. فظاهرُ لفظ ابنِ القاسم المنع جملة، ولو حُمِلَ على التّحريم لَمَا بَعُدَ. ووجهُ جواز ذلك: أنّه قصد إلى استباحة أكله؛ لأنّ ما تجدُه عليه من الوجه المانع من أَكلِه لا يظهر إِلَّا بعد تمام الذَّكاة, فصح قصده إلى إباحته. ووجهُ روايةِ المنع: أنّ هذه ذبيحةٌ مُنِعَ منها الذَّابحُ بالشَّرعِ، فَمُنِعَ منها غيرُهُ، كالصَّيدِ يذبحُهُ المُحْرِم. المسألة الحادية عشرة (٣): قال محمّد (٤): تُؤكل ذبيحة السّامرية (٥)، وهم صنفٌ من اليهود لا يؤمنون بالبَعْثِ. ويُنْهَى المسلمون عن الشِّراءِ من مجازِرِ اليهود (٦)، وُينْهَى اليهود عن البيع منهم، فمن اشترى منهم من المسلمين فهو رجل سُوءٍ، ولا يُفْسَخ شِرَاؤُه وقد ظَلَم نفسَهُ، إِلَّا أنّ يشتريَ منهم مثل الاطريف وشبهه ممّا لا يأكلونه، فيُفسخُ على كلِّ حالٍ. رواه ابنُ حبيب (٧) عن مُطَرِّف وابنِ الماجشون.

стр. 2302

المسألة الثّانية عشرة (١): قال علماؤنا (٢): ولا تؤكل ذبائحُ الصّابئِينَ، وليس بحرامٍ كتحريمِ ذبائح المجوسِ (٣). ولا تؤكل ذبائح المجوس، وليسوا أهل كتاب (٤)، ولو ولّى مسلمًا ذبيحته، فقد اختلف فيها: فأجازَها ابنُ سِيرِين وعَطَاء، وكرهها الحَسَنُ، وقال ابنُ الموَّاز: إنّما يُكرَهُ أكلُها إذا قال للمسلم: اذبحها لنارنا أو لصنمنا، فأمّا لو تضيّف به مسلمٌ فأمَرَهُ بذبحها ليأكل منها، فذلك جائزٌ وإن أَعدَّها لغيره، هذا حكم المَجُوسِ، والصّابئون مُختَلَفٌ فيهم. المسألة الثّالثة عشرة: اختلفَ العلّماءُ في ذبيحةِ الغُلام يكون أحد أَبَوَيه يهوديًّا أو نصرانيًا والآخر مجوسيًّا: فكان الشّافعيُّ (٥) يقول: لا تُؤكَل ذبيحتُه. وقال مالك: الولَدُ منسوبٌ إلى الأَبِ، وهو تبعٌ له في الصَّيدِ والذَّبيحة (٦). ومَالَ الثَّوْريُّ إلى قول مالك. وقال أهلُ الرّأيِ (٧) في الصبى يكونُ أحد أَبَوَيْه مجوسيًّا والآخر من أهل الكتاب: لا بَأْس بأن تُؤكَل ذبيحتُه وصَيدُه، وهو في ذلك بمنزلة النَّصرانيّ منهما.

стр. 2303

باب ما يُكْرَه من الذبيحة في الذّكاة قال الإمام: ذكر مالك في هذا الباب حديثين: الأوّل: حديثُ أَبي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (١)؛ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ شَاةٍ ذُبِحَتْ فَتَحَرَّكَ بَعْضُهَا، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْكُلَهَا، ثُم سَألَ زَيدَ بْنَ ثَابتٍ، فَقَالَ: إِنَّ المَيتَةَ لتَتَحَرَّكُ. ونهاه عن ذلك. الفقه في مسائل: الأولى (٢): قوله: "سَأَل أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ شَاةٍ ذُبِحَتْ فَتَحَرَّكَتْ" (٣) لا يخلو ذلك من ثلاثةِ أحوالٍ: ١ - أحدُها: أنّ تكونَ صحيحة. ٢ - أو تكون مكسورة أَصابها ذلك الكسر، فَعُولِجَت بالذَّبح. ٣ - أو يكون بها مرضٌ، فخيف عليها الموت، فَعُولِجَت. فأمّا إنَّ كانت صحيحة، فإن صَادَفَها الذَّبح وهي مستجمعة الحياة، وهو الّذي

стр. 2304

يُرَاعّى في صِفَةِ الذَّكاة، فلا خلافَ نَعْلَمُه في صِحَّةِ ذكاتِهَا وإباحةِ أكلِهَا، وقاله مالك. المسألة الثّانية (١): وأمّا إنَّ أصابها كسرٌ أو نحوُهُ، وانتهت ممّا أصابها إلى حدِّ الموتِ، فَذُبِحَت فَأَطْرَفَتْ بعدَ الذَّبح بعينها، واستفاضت نَفْسُها، أو تحرّكت بأذنها، أو رَكَضَتْ برجْلِها، فقدِ اختلفَ علماؤُنا فيه: فروى ابنُ حبيب عن ابن القاسم وأَصْبَغ أنّها تُؤكَل (٢)، وهو في "المختصر" من رواية ابن القاسم* عن مالك، وعن ابن الماجشون وابنْ عبد الحَكَم: لا تُؤْكَل، ورواه ابن عبد الحَكَم عن مالك*. فهذا خلافٌ من القوْلِ بيانُه: أنَّ وجهَ قولِ ابنِ القاسم قولُه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية (٣)، فاستثنى من ذلك ما أدركت ذكاته؛ لأنّ المعنى: وما أَكَلَ السَّبُع منه؛ لأنّ ما أَكَل السَّبُع جميعه فقد فَات عَينُه، فلا يقال فيه: إنّه حلالٌ ولا حرام لِعَدَمِه، وقد قال القاضي أبو إسحاق: إنّا لمعنى تحريم ما أكلَ السَّبُع بفَوَات الذَّكاة فيه، ومعنى قولِهِ تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ لكن ما ذكَّيتُم ممَّا لم يأكله السَّبع، وليس باستثناء ممّا تقدّم قَبلُ، وهذا كثيرٌ في القرآن. ووجهُ الرِّواية الثّانية (٤): ما احتجَّ به الأَبْهَرِيّ أنّ معنى المُنْخَنِقَة والموقوذة والمُتَرَدِّية

стр. 2305

والنَّطِيحة الّتي لم تمت بَعْدُ، ولو أرادَ الّتي ماتت لأَغنَى عن ذلك قولُه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (١). وأراد بقوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ إِلَّا ما أدركتم بصفة ما يُذَكَّى، وأَمّا ما بلغ حالًا لا تُرْجَى حياته في الأغلب، فلا يُذكَّى كان أُدْرِكَ حيًّا؛ لأنّ تلك ليست بحياة. قال علماؤنا (٢): "الحكمُ في المُنْخَنِقَةِ وأخواتِهَا أنّها تنقسمُ على هذه الثّلاثة الأقسام: إذا لم تنفذ مقاتلها وَرُجِيَت حياتُها عَمِلَت فيها الذَّكاةُ باتِّفاقٍ، وإذا نفذت مقاتلها لم تعمل فيها الذَّكاة باتِّفاقٍ في المذهب، إِلَّا على قياس رواية أبي زَيد وقد تقدّم (٣) ذكر ذلك (٤) والله أعلمُ. الحديث الثّاني (٥): سئلَ مَالِكٌ عَنْ شَاةٍ تَرَدَّتْ فَانكَسَرَتْ، فَأَدْرَكَهَا صَاحِبُهَا فَذَبَحَها، فَسَالَ الدَّمُ مِنْهَا وَلمْ تَتَحَرَّكْ؟ قَالَ مَالِكٌ: إنْ ذَبَحَهَا وَنَفَسُهَا يجْري وَهِيَ تَطرِفُ فَلْيَأكُلْهَا (٦).

стр. 2306

الفقه في سبع مسائل: المسألة الأولى (١): سؤالُ السَّائل لمالك عن الشَّاةِ الّتي تردَّت، التَّرَدِّي إذا كان منه كسرٌ يؤدَّي إلى ثلاثة أحوالٍ: أحدها: أنّ تنفذ المقاتل، وهي خمسة متّفق عليها: ١ - انقطاعُ النُّخاعِ، وهو عند ابن القاسم وأصْبَغ ومالك من رواية ابن القاسم عنه في "العُتْبِيَّة" (٢) أنّه الشَّحم الأبيض الّذي في وسط فَقارَةِ العُنُق والظَّهر (٣). ٢ - والثّاني: انتثار الدِّماغ. ٣ - والثّالث: فَرْيُ الأَوْدَاج. ٤ - والرّابع: انفتاق المُصْرَان. ٥ - والخامس: انتثار الحُشْوةِ. واختلفَ علماؤُنا في اندقاقِ العُنُقِ من غير انقطاع نُخَاعِه: فروَى ابنُ الماجشون ومُطَرِّف عن مالك أنّ ذلك من المقاتل. وَرَوَى ابنُ القاسِم عن مالك أنّ ذلك ليس بمقتل. فهذه المعاني متى حَصَلَتْ فليس فيها ذكاةٌ، وإن ظَهَرت حياة بعد الذَّبح؛ لأنّ من وصل إلى هذا الحدِّ فقد استحالَ دوام حياتِهِ، وإنّما حَرَكتُهُ من بعد ذلك من بابِ اضطرابِ الميِّت وتحرُّكه عند فوَاتِ نفسه. مسألة (٤): والحال الثّاني: أنّ ينكسر منها عضوٌ وتُرجى حياتُها، فهذا لا خلافَ أيضًا في جواز

стр. 2307

ذكاتها؛ لأنّها تُزجَى حياتُها كالتي لم تنكسر. مسألة (١): والحالة الثّالثة: ألَّا ينفذ مقاتلها، إِلَّا أنّها مع ذلك قد بلغت مَبلَغًا لا يشكّ في أنّها لا تبقى حياتُها، فإن هذه قد اختلفَ قولُ مالك وأصحابه في صِحَّة ذكاتها على ما تقدَّم، ولهذا المعنى اختلفَ جوابُ أَبِي هُرَيزة وزَيد بن ثَابِت. مسألة (٢): وقولُ مالك في الشاة: إِنْ ذَبَحَهَا وَنفَسُهَا يَجْرِي فَلْيَأْكُلْهَا" وذلك يحتملُ وجهين: أحدهما: أنّه قد أدرك الذّكاة لإدراك حياتها، سواةءٌ سألَ الدَّم أم لم يَسِلْ، وقد قال ابنُ القاسم وابنُ كنانة في المريضة: إذًا اضطربت أُكِلَت وإن لم يَسِل دمها. الثّاني: أنّ يكون جوابه مبْنِيًّا على سؤال السّائل، فيكون معناه: أنّ الّتي سالَ دمُها وهي تضطرب فَلْيَأكُلْهَا، فجاوب على الذّبيحة الّتي يجتمعُ فيها الأمران: سَيَلَان الدَّم وحركة النفس، وعلى الوجهين فلم يعتبر الياس من حياتها. وقد تكلَّمنا على إدراك الحياة، ونحن نتكلّم على المعاني الّتي يُستدلّ بها على إدراك الحياة، فقد رَوَى ابنُ حبيبِ عن ابن الماجشون وابن عبد الحَكَم أنّهما قالا: للحياهَ علامات يُستدلّ بها، وهي خمسٌ: سيلان الدّم، والحركات الأربع (٣)، فان كانت صحيحة "فَذَبَحَها، فسَالَ الدّم ولم تتحرّك، فقد قال مالك: لا تُؤكَل. وقال (٤) ابنُ حبيب: تؤكل.

стр. 2308

مسألة (١): وأمّا "المكسورة" فهذا حملنا قول مالك على أنّه أراد: الّتي سالَ دمُها ونَفَسُها يجري وعينها تطرف فلياكلها، فجمع بين جري الدّم والحركة؛ لأنّ جريان النفس وطَرف العين من باب الحركة. وأمّا إذا انفرد سَيَلان الدّم، فلم أَرَ فيه نَصًّا، والأظهر عندي على أصول أصحابنا أنّه لا يجوز أكلها؛ لأنّ مالكًا إنّما أراد بجوابه سَيَلَان الدّم، فإذا لم يسل الدّم فلا تؤكل. مسألة (٢): وأمّا المريضة! فقال محمّد (٣): إذا سالَ دمُها وتحرَّكت بعد الذَّبحِ فإنها تُؤكَل، فإن لم يكن ذلك لم تُؤكَل، إِلَّا أنّ تكون فيها الحياة البَيِّنَة بالنَّفس البَيِّن والعين تَطرِف، فهذا بَيِّنٌ في أنّ الحركةَ تبيحُ الأكلَ دونَ سيلانِ الدّمِ. وقد قال ابنُ القاسمِ وابنُ كنانة (٤): إذا اضطربت أُكِلَت كان لم يسل دَمُها (٥)، وأمّا المريضة فإنْ كان نفسها يجري وحركتها تعرف فإنّها تُؤْكل. قال محمّد: وُيعْرَف ذلك بحركة الرَّجْل والذّنب، قاله زَيْد بن ثابت وابن المُسَيِّب. قال محمّد: والعينُ تَطرِفُ فظاهرُ هذا أنّ المريضة مخالفةٌ للصحيحة؛ لأنّ الصّحيحة تُؤكَل بسَيَلَان الدّمِ خاصَّة، والمريضة لا تُؤكَل بذلك حتّى يقترن بها أحد هذه الحركات الأربع.

стр. 2309

باب ذكاة ما في بطن الذّبيحة قال الإمام: الأحاديث: جاء في الآثار: "ذَكَاةُ الجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ" (١) واتَّفَق الرُّواة على رفع الذَّكاةِ الأُولى، واختلفوا ني رفع الذَّكاة الثّانية ونَصْبِها، وطالَ فيها التَّفْريع. والنِّزاع، وقد أوضحنا ذلك في "مسائل الخلاف" (٢) والأمر فيها قريب. الفقه في أربع مسائل: المسألة الأوُلى (٣): اختلفَ العلّماءُ في هذا الباب: فقال الشّافعيّ: ذكاة الأمِّ تجزئ (٤). وقال أبو حنيفة: لابدّ من ذبحه (٥). وقال مالك (٦) - وغاصَ على الصّواب-:"يُذبح إذا تَمَّ خَلْقُه"؛ لأتها تكون نفسًا أخرى مُودَعَةً في الأُولى، فأمّا إذا لم يتمّ خَلْقه فهو كعُضوٍ من أعضائها، ولا يُذكَّى العضوُ الواحدُ مرَّتينِ.

стр. 2310

قال الإمام ابن العربي: والصَّحيحُ عندي: أنّه إذا خرجَ حُيًّا ذُكِّي، وإن خرج ميِّتًا لم يُذكَّ؛ لأنّ غير ذلك فيه لا يمكن، وذبحه بعد موته لا يفيد. المسألة الثّانية (١): الدّليل (٢) على ما نقولُه: أنّ هذا حكم ثَبَتَ في الأُمِّ فوَجَبَ أنّ يثبتَ في الجنينن، كالهِبَةِ والبيع، ولا يلزم على هذا ما لم ينبت شعره؛ لأنّ ذلك ليس بحيٍّ بَعْدُ، ولا تكون الذَّكاةُ إِلَّا بعذ حياةٍ. وقال الشّافعيّ: يُؤكل وإن لم ينبت شعره (٣). وقال عبد الوهّاب (٤) وغيره من أصحابنا: إنَّ الأشعار دليلٌ على نفخ الرُّوح فيه (٥)، فلا يستباحُ إِلَّا بذكاةٍ، وهو مذهب ابن عمر. والدَّليلُ على ما نقوله: أنّ كلَّ ما لا يستباحُ أكلُه إِلَّا بالذّكاةِ، فإنّ الذّكاة لا تعمل فيه مع عدَمِ الحياةِ، أصلُ ذلك الأُمَّهات. المسألة الثّالثة (٦): إذا ثبت ذلك، فلا يخلو أنّ يخرجَ من الأُمِّ بعدَ ذكاتها، أو في حال حياتها، فإن

стр. 2311

خرجَ بعدَ ذكاتها، فلا يخلو أنّ تكون ممَّن تُرْجَى له الحياة، أو يُشَكُّ في ذلك، أو ييأس منه، فإن رُجِيَت له الحياة، ففي "المَدَنِيّة" عن مالك: لا يُؤكَل إِلَّا بالذَّكاةِ، وكذلك لو شَكَّ في حياته (١). فإن خرجَ ولا يرجى، فإثه يُستحبُّ ذَبحُه، وإن لم يُذْبَح وغفلَ عنه حتّى ماتَ أُكِلَ، قاله مالك في "المدنية" و "العُتبِيّة" (٢). المسألة الرّابعة (٣): قوله (٤) " إذا تمَّ خلقُهُ " يعني أنّه كمل منه ما ظَهَرَ أنّه يكونُ عليه من الخِلقَة، وأمّا لو خُلِق ناقصَ يدٍ أو رِجْلٍ وتمَّ خَلْقُه على ذلك، لم يمنع ما نقص منه من ذَكَاتِه أو إباحة أَكلِهِ. وقولُه قبل هذا: "ذَكاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ" (٥): دليل على أَنَّه بذلك تتِمُّ ذكاته، فيحتملُ أنّ يكونَ أمره بذبحه على وجهِ الاستحباب، ويحتمل أنّ يريد بذلك خروج الدَّم من جوفه، فيخرج منه ما يحتقن فيه لئلا يمنع ذلك من أكله. وقال علماؤنا (٦): ذبْحُه بعد ما يخرج من بطن أمِّه على وجهِ الاستحبابِ (٧)، لا

стр. 2312

على وجه الإيجاب؛ لأنّ ذكاة أمِّه قد شَمِلَته إذا لم يجر فيه الرُّوح (١) يتمّ خَلقُه ونبت شعرُه؛ لأنّ ذلك بمنزلة الدّم المنعقد الّذي فيه. تمّ الكتاب والحمد لله ربِّ العالمين ويتلوه كتاب الصّيد

стр. 2313

كتاب الصَّيدِ قال الإمام: ولابدَّ في صدر هذا الكتاب من مقدِّمات ثلاث: المقدِّمة الأُولى في سَرْدِ الآثار والآيِ في إباحة الصَّيد وأحكامِهِ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ الآية (١). وقال عز من قائل: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ الآية (٢). وقال ﵎ ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ الآية (٣). وقال تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ الآية (٤). وقال: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية (٥). تفسير الآية الأولى: قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ (٦)، الآيةُ تدلُّ على أنّ اختصاص هذا الحكم بالمؤمنين من هذه الأُمَّة؛ لأنّه لم يُخَاطب بها سواهم.

стр. 2314

وقولُه: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾: يدلُّ على إباحته في الجملة، وإطلاقُه على ثلاثة أضرُبٍ: ١ - الأوّل: إمَّا للكسب. ٢ - وإمّا للهو. ٣ - وإمّا للحاجة والالتذاذ. أمّا الضّربُ الأَؤل: للكسب أو للحاجة إلى اللَّحمِ غَنَيًّا كان أو فقيرًا، فلا بأس به، رواه ابنُ حبيب عن مالك (١). وأمّا الخروجُ للصَّيدِ على وجهِ الالتذاذِ، فقد كَرِهَهُ مالك؛ لأنّه معنى يُلْهِي عن ذِكْرِ اللهِ وعن الصَّلاةِ. الآية الثّانية: قولُه: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٢). و ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ (٣): الحلالُ من الرِّزق، وكلُّ ما لم يأتِ تحريمُه في كتابٍ أو سُنَّةٍ فهو من الطَّيِّباتِ، وهو على مذهبِ من يَرَى المسكوت عنه مَبَاحًا، وفي ذلك اختلافٌ وتفصيلٌ طويلٌ. قال القاضي ابن العربي ﵁ (٤) -: والطَّيِّبات ضدّ الخبيثات، وللطَّيب معنيان: أحدهما: ما يلائمُ النَّفْسَ ويلذُّها. الثّاني: مَا أَحَلَّ اللهُ، والخبيثُ ضدّه.

стр. 2315

وقولُه (١): ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (٢) معناه: وما صِيدَ، أي: مَا صَادَهُ (٣) ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ خرجَ مخرَجَ قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ (٤) والكلامُ يدلُّ على أنّهم سألوا عن الصَّيدِ فيما ساَلُوا عنه، وذلك مذكورٌ في الحديث، رُوِيَ عن زَيد الخَيل وعَدِيّ ابنِ حَاتِم أنّهما قالا: يا رسولَ اللهِ، إنَّ لَنَا كِلابًا نَصِيدُ بِهَا البَقَرَ وَالظِّبَاء، فَمِنهَا مَا ندرِك وَمِنهَا مَالَا ندرك إِلَّا ميتًا، وَقَد حَرَّمَ اللهُ المِيتَةَ، فَسكتَ عنهُمَا رَسُول اللهِ ﷺ فَاَتزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الآية (٥). وَرَوَى أبو رَافِع قال: جاءَ جبريلُ إلى النَّبيّ ﷺ يَسْتَأْذِنُ عَلَيهِ فَأذِنَ لَهُ فَقَال: قَد أَذِنَّا لَكَ يَا رَسُول اللهِ، قَالَ: أَجَل، وَلَكِنَّا لَا نَدخُلُ بَيتًا فِيهِ كَلبٌ (٦)، قال أَبُو رَافِع: فَأَمَرَ أنّ نَقتُلَ الكِلَابَ بِالمَدِينَةِ، فَقَتَلْتُ حَتى انْتُهَيتُ إِلَى امرَأَةٍ عِندَهَا كَلبَّ يَنْبَحُ عَلَيهَا، فَتَرَكتُه، ثُمَّ جِئتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخبَرتُهُ، فَأَمَرَنِي بِقَتلِهِ، فَسَكَتَ، فَأتزَل اللهُ تَعَالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ الآية (٧)، وَهَذَا هو الصَّحِيحُ، وقوله (٨): ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ فالجوارحُ معناها: الكَوَاسِب، جرح إذا كسب، فالجوارحُ هي الّتي يُصَادُ بها، وهي الكلابُ والفهودُ والبُزَاةُ والصُّقُورُ، وما أَشبَهَ ذلك. ومن أهل العلم من قال: لا يُؤكَل إِلَّا صيدُ الكلابِ.
следующие страницы →