← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

خرجَ بعدَ ذكاتها، فلا يخلو أنّ تكون ممَّن تُرْجَى له الحياة، أو يُشَكُّ في ذلك، أو ييأس منه، فإن رُجِيَت له الحياة، ففي "المَدَنِيّة" عن مالك: لا يُؤكَل إِلَّا بالذَّكاةِ، وكذلك لو شَكَّ في حياته (١). فإن خرجَ ولا يرجى، فإثه يُستحبُّ ذَبحُه، وإن لم يُذْبَح وغفلَ عنه حتّى ماتَ أُكِلَ، قاله مالك في "المدنية" و "العُتبِيّة" (٢). المسألة الرّابعة (٣): قوله (٤) " إذا تمَّ خلقُهُ " يعني أنّه كمل منه ما ظَهَرَ أنّه يكونُ عليه من الخِلقَة، وأمّا لو خُلِق ناقصَ يدٍ أو رِجْلٍ وتمَّ خَلْقُه على ذلك، لم يمنع ما نقص منه من ذَكَاتِه أو إباحة أَكلِهِ. وقولُه قبل هذا: "ذَكاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ" (٥): دليل على أَنَّه بذلك تتِمُّ ذكاته، فيحتملُ أنّ يكونَ أمره بذبحه على وجهِ الاستحباب، ويحتمل أنّ يريد بذلك خروج الدَّم من جوفه، فيخرج منه ما يحتقن فيه لئلا يمنع ذلك من أكله. وقال علماؤنا (٦): ذبْحُه بعد ما يخرج من بطن أمِّه على وجهِ الاستحبابِ (٧)، لا

стр. 2312

على وجه الإيجاب؛ لأنّ ذكاة أمِّه قد شَمِلَته إذا لم يجر فيه الرُّوح (١) يتمّ خَلقُه ونبت شعرُه؛ لأنّ ذلك بمنزلة الدّم المنعقد الّذي فيه. تمّ الكتاب والحمد لله ربِّ العالمين ويتلوه كتاب الصّيد

стр. 2313

كتاب الصَّيدِ قال الإمام: ولابدَّ في صدر هذا الكتاب من مقدِّمات ثلاث: المقدِّمة الأُولى في سَرْدِ الآثار والآيِ في إباحة الصَّيد وأحكامِهِ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ الآية (١). وقال عز من قائل: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ الآية (٢). وقال ﵎ ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ الآية (٣). وقال تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ الآية (٤). وقال: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية (٥). تفسير الآية الأولى: قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ (٦)، الآيةُ تدلُّ على أنّ اختصاص هذا الحكم بالمؤمنين من هذه الأُمَّة؛ لأنّه لم يُخَاطب بها سواهم.

стр. 2314

وقولُه: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾: يدلُّ على إباحته في الجملة، وإطلاقُه على ثلاثة أضرُبٍ: ١ - الأوّل: إمَّا للكسب. ٢ - وإمّا للهو. ٣ - وإمّا للحاجة والالتذاذ. أمّا الضّربُ الأَؤل: للكسب أو للحاجة إلى اللَّحمِ غَنَيًّا كان أو فقيرًا، فلا بأس به، رواه ابنُ حبيب عن مالك (١). وأمّا الخروجُ للصَّيدِ على وجهِ الالتذاذِ، فقد كَرِهَهُ مالك؛ لأنّه معنى يُلْهِي عن ذِكْرِ اللهِ وعن الصَّلاةِ. الآية الثّانية: قولُه: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٢). و ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ (٣): الحلالُ من الرِّزق، وكلُّ ما لم يأتِ تحريمُه في كتابٍ أو سُنَّةٍ فهو من الطَّيِّباتِ، وهو على مذهبِ من يَرَى المسكوت عنه مَبَاحًا، وفي ذلك اختلافٌ وتفصيلٌ طويلٌ. قال القاضي ابن العربي ﵁ (٤) -: والطَّيِّبات ضدّ الخبيثات، وللطَّيب معنيان: أحدهما: ما يلائمُ النَّفْسَ ويلذُّها. الثّاني: مَا أَحَلَّ اللهُ، والخبيثُ ضدّه.

стр. 2315

وقولُه (١): ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (٢) معناه: وما صِيدَ، أي: مَا صَادَهُ (٣) ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ خرجَ مخرَجَ قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ (٤) والكلامُ يدلُّ على أنّهم سألوا عن الصَّيدِ فيما ساَلُوا عنه، وذلك مذكورٌ في الحديث، رُوِيَ عن زَيد الخَيل وعَدِيّ ابنِ حَاتِم أنّهما قالا: يا رسولَ اللهِ، إنَّ لَنَا كِلابًا نَصِيدُ بِهَا البَقَرَ وَالظِّبَاء، فَمِنهَا مَا ندرِك وَمِنهَا مَالَا ندرك إِلَّا ميتًا، وَقَد حَرَّمَ اللهُ المِيتَةَ، فَسكتَ عنهُمَا رَسُول اللهِ ﷺ فَاَتزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الآية (٥). وَرَوَى أبو رَافِع قال: جاءَ جبريلُ إلى النَّبيّ ﷺ يَسْتَأْذِنُ عَلَيهِ فَأذِنَ لَهُ فَقَال: قَد أَذِنَّا لَكَ يَا رَسُول اللهِ، قَالَ: أَجَل، وَلَكِنَّا لَا نَدخُلُ بَيتًا فِيهِ كَلبٌ (٦)، قال أَبُو رَافِع: فَأَمَرَ أنّ نَقتُلَ الكِلَابَ بِالمَدِينَةِ، فَقَتَلْتُ حَتى انْتُهَيتُ إِلَى امرَأَةٍ عِندَهَا كَلبَّ يَنْبَحُ عَلَيهَا، فَتَرَكتُه، ثُمَّ جِئتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخبَرتُهُ، فَأَمَرَنِي بِقَتلِهِ، فَسَكَتَ، فَأتزَل اللهُ تَعَالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ الآية (٧)، وَهَذَا هو الصَّحِيحُ، وقوله (٨): ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ فالجوارحُ معناها: الكَوَاسِب، جرح إذا كسب، فالجوارحُ هي الّتي يُصَادُ بها، وهي الكلابُ والفهودُ والبُزَاةُ والصُّقُورُ، وما أَشبَهَ ذلك. ومن أهل العلم من قال: لا يُؤكَل إِلَّا صيدُ الكلابِ.

стр. 2316

ومنهم من رأى أنّه لا يُؤكَل إلّا صَيد الكلبِ البَهِيم. ودليلُنا: عمومُ قولِهِ تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ (١) أي الكواسب. وقولُه: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ معناه: معلّمين، أي أصحاب كلاب قد علَّمتوها، وأصلُ التَّكليب: تعليمُ الكلاب الاصطيادَ، ثمَّ كثُرَ ذلك حتَّى قيل لكلِّ معلّم ولكلِّ مَنْ علّم جوارح الصَّيد: مكلَّب، فتكليبُها تعليمُها الاصطياد. نكتةٌ عربية (٢): قال أهلُ اللُّغة: كَلَّبَ الرَّجُلُ وأَكلَبَ إذا اقتَنَى كلبًا. وقال النّبيُّ ﷺ في الحديث الصّحيح: "مَنِ اقتَنَى كَلبًا لَيس بِكَلب مَاشِيَةٍ أَوْ ضَاري، نَقص من أَجرِه كُلَّ يَوْمٍ قيرَاطَان" (٣) والضّاري هو الّذي يَصِيدُ الصَّيدَ في اللُّغة. وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ (١) هو عامٌّ في الكلب الأسود والأبيض. والقولُ في الكلبِ الأسودِ هو شيطانٌ (٤)؛ إِنَّما قاله النَّبيُّ ﷺ في قطعِ الصّلاة (٥). وقال (٦):، فأن أَدرَكتَ ذكاةَ الصَّيدِ فاذبَحهُ دونَ تفريطٍ، فإنْ فرَّطتَ فلا تَأكُلْهُ؛ لأَنَّ النَّبِيِّ ﷺ شَرَطَ ذلك عليك. وقولُه (٧) ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ فالّذي علَّمنا الله هو ما في طَبعِ الصّغير والكبيرِ من

стр. 2317

إشلاء الجَوَارحِ وتضريتها على الصَّيد، فتعليمُ الكلبِ هو أنّ يُشلِيهِ فَيَنشَلِي، ويزجره فَيَزْدَجِر، ويَدعُوه فيُجيب، وكذلك الفُهُود وما أشبهها، وقد تكلّم ابنُ حبيبٍ عليها (١)، وليس قولُه بخلاف لما في "المدوّنة" (٢) لأنّه إنّما أراد بما في "المدوّنة" إنَّ كان يمكن من جوارح الطَّير أنْ يفقه الازدِجَار، وتكلّم ابنُ حبيبٍ على ما يَعلَمُ من حالهَا بالاختبار. وأمّا "النُمُوسُ" فقال ابنُ حبيب (٣): إنها لا تَفْقَهُ التَّعليم، ولا يُؤكَل ما صَادَت إِلا أَن تُدرَك ذَكَاتُه قبلَ أنّ تنفذ مقاتله. وَرَوَى ابنُ نَافِع عن مالك أنّه قال: إنَّ أَكَلَت مِن صَيدِهَا فلا تأكل منه، وإن كانت ممّن يفقه أكلتَ كلّ ما صَادَ. الآية الثّالثة (٤). قولُه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (٥) الظّاهرُ منه أنّه أراد مَا أُدرِكَت ذكاتُهُ أو لم تُدرَك، أَكَلتِ الجوارحُ منه أو لم تَأكل، وهو مذهبُ مالك وجميع أصحابه. وقال ناسٌ: إنّه لا يُؤكَل صيدُ الكلبِ إذا أَكلَ منه. وانذي ذهب إليه مالك وجميعُ أصحابه هو الصّحيح، ولا فرقَ في القياس بين

стр. 2318

الكلب وبين سائر الجوارح، وقد جمع اللهُ بينهما في كتابه، وقد أجمع أهلُ العلم أنّ قتلَ الكلب للصيد ذكاة له، فلا فرق في القياس بين أنّ يأكل من صَيْدِه بعد أنّ يقتله، وبين أنّ يأكل من شاةٍ مذبوحة. المقدِّمة الثّانية (١) في سرد الأحاديث الواردة من الصّحيح ذلك وإباحته وهي أربعة أحاديث: الحديث الأوّل: في الصّحيح عن عَدِيّ بن حَاتِم؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إِذا أَرْسَلتَ كَلبَكَ المُعَلَّمَ، وَذَكَرتَ اسم الله فَكُل، فَإنَّ ذَكَاتَهُ أَخذُهُ، وإن أَدرَكتَهُ حَيًّا فَاذبَحْهُ أَنتَ، وإن أَكَلَ الكَلبُ فَلَا تَأكُل، وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلبِك كَلْبًا آخَرَ فَلَا تَأكُل، فَإِنَّك لَا نَذرِي أَيُّهُما قَتَلَهُ" (٢). الحديثُ الثّاني: رَوَى أبو ثَعلبَة الخُشَنِيّ، عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال: "إِذا أَرْسَلتَ كَلبَكَ المُعَلَّمَ، وَذَكَرتَ اسم الله فَكُل وَإِن أَكَل مِنْهُ"، وقال: "إِذا أَرْسَلتَ كَلبَكَ الّذِي لَيْسَ بِمُعلَّمِ فَإِن أَدرَكتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ" (٣). وفي حديث عَدِي في الصّحيح: "وَإِنْ وَجدتَهُ غرِيقًا في الْمَاءِ فلَا تَأكُل؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَسَهمُكَ قَتَلَة أَمِ المَاءُ" (٤). الحديثُ الثالثُ: رَوَى عَدِيٌّ عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصِيدُ بِالمِعرَاضِ، فَقَالَ رَسولُ الله ﷺ : أمّا خَرَقَ فَكُل، ؤمَا أَصَابَ بِعّرْضِهِ فَلَا تَأكُلُ" (٥)، زادَ النَّسائي (٦): "فَإنَّهُ وَقيذٌ".

стр. 2319

الحديث الرّابع: رَوى مسلم (١) عن أبي ثَعلَبَة، عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال: "إِذَا رَمَيتَ سَهمَكَ فَقَتَلَ فكُل، وإن غَابَ عَنكَ فَأَدْرَكتَهُ فَكُلهُ مَا لَمْ يَبِت". ورَوى: "بَعْدَ ثَلَاثٍ (٢) "، وروى "إِلَّا أنّ يُنْتِنَ" (٣). زادَ النَّسَائيُّ (٤): "أَوْ يَأكُلَ مِنْهُ سَبعٌ". وأمّا قولُه تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ الآية (٥)، فإنّه قد توهَّمَ بعضُ العلماء أنّ المرادَ به تحريمُ الصَّيد في حالِ الإحرامِ، وهذه غلطة، وإنّما المرادُ به الابتلاءُ في حَالتَي الحلِّ والإحرام، ليعلمَ اللهُ مشاهدةً ما عَلِمَهُ غَيبًا مِنَ امتثال مَنِ امتثَلَ واعتداءِ مَنِ اعتَدَى؛ فإنّه عالمُ الغَيب والشَّهادة، يعلَمُ الغَيبَ أوّلًا، ثمَّ يخلُقُ المعلومَ فَيَعْلَمُهُ مَشاهَدَةً، يتغيَّرُ المعلومُ ولا يتغيَّر العلّم. وقوله: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ (٦) قال مالك: يعني بايديكم في المقدورِ عليه، وقوله: ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ يعني في المتعذّر المطلوب، وخصّ الرُّمحَ لأنّه الغالبُ في التَّصرُّف، وكل محدود يلحق به لأنَّه مثلُه. و"المِعْرَاضُ" قد بيَّنَه النّبيُّ ﷺ ، وأنّه يجوز الصَّيدُ به، فهذه الآيةُ تناولت صَيدَ المباشَرَة من الصَّائد دونَ واسطةٍ، وتفصيلُ ذلك يأتي إنَّ شاء الله تعالى.

стр. 2320

الباب الأوّل ترك ما قتل المعراض والحجر الحديث صحيحٌ. الفقه في ستّ مسائل: المسألة الأوُلى (١): قولُ نافع (٢): "رَمَيتُ طائِرَيْن بِحَجَرٍ" لا يخلو أنّ يفعل ذلك متصيِّدًا، أو متصرِّفًا في بعض شأنّه، أمّا الخروجُ للتًصَّيُّد، فإنْ كان ذلك على وجه الالتِذاذِ فقد كَرهَة مالك؛ لأنّه معنى يلهي عن ذكر اللهِ وعنِ الصَّلاةِ، وقد تقدّم بيانه (٣). وقد (٤) استحبَّ مالك الصَّيدَ لمن سَكَنَ الباديةَ، ويقول: هم مِن أَهْلِهِ ولا غِنَى لهم عنه، وكَرِههُ لأهل الحاضرة ورَأى خروجهم إليه من السَّفَهِ (٥). فرعٌ (٦): وأمّا صيدُ الحِيتَان، ففي "العُتبِيّة" (٧) من رواية ابن القاسم؛ أنّ صيدَ البَحرِ والأنّهالي عندي أخفّ لِذوِي المروآت من صيدِ البَّر، وكأنِّي رأيتُه لا يرى به بأسًا

стр. 2321

وأنا قَولُهُ: "رَمَيتُ طائرَينِ بحَجَرٍ" يحتملُ أنّ يرمِيَهُما بحجرٍ واحدٍ، ويحتملُ أنّ يرمي كلّ واحد بحجر. وفي هذا أربع مسائل: أحدها: في صِفَةِ السِّلاح الّذي يُزمى به، الثّاني: في صفة الرّمي. الثّالث: في صفة المَرْمَيّ. الرّابعُ: في منتهى فعل الرَّميَة. المسألة الأولى (١): إنْ ما يصادُ به على ضربين: أحدهما: ما له حدٍّ كالسَّهم والرُّمح (٢). الثّاني: ما لا حدَّ له كالمِعرَاضِ والبُندُقةِ وغير ذلك، فيحتملُ أنّ يكون الحجر الّذي رَمَى به نافع ممّا له حدٌّ وأصاب بحدِّه، ويحتملُ أنّ يكون ممّا لا حدَّ له، وهو الأظهر، لما فعله ابنُ عمر من ضَربِهِ الطائرين حين لم يُدْرِك ذكاتهما، وقد رَوَى ابنُ حبيب عن أَصْبَغ عن ابن القاسم - في رامي الصَّيد بالحَجَر الّذي يقتله فيقطع رأس الصَّيد وهو ينوي اصطياده -: لا يُعجبُنِي، إذ لعلّ الحَجَر قطع رأسه بعرضه، وهذا يحتمل أنّ يكون فيما شكّ فيه من أمره (٣)، ولو كان عَلِمَ أنّه أصابَهُ بحدِّه لجاز له أكله. المسألة الثّانية (٤): في صفة الرّمي فإن ذلك عند مالك نوعٌ من الذَّكاة، فيجب أنّ يكون ممّن تجوز ذكاتُه وعلى

стр. 2322

صفةٍ تصحّ بها، فيحتاج أنّ ينوي الضّاربُ والرّامي الاصطيادَ، وفي "المُدَوَّنَة" (١) عن مالك فيمن رَمَى صيدًا بسكين فقطعَ رأسَهُ وقد نَوَى اصطياده، فلا بَأسَ بأكله، وإن كان لم يَنْوِ، فلا يأكله. ووجهُ ذلك: أنّ ما اعتبرَ فيه صفة الفاعلِ فإنّه يعتبر فيه نيّته، كالذّبح والوضوء والصّلاة وغير ذلك. فرعٌ (٢): وكذلك مَنْ رَمَى صيدًا فأصاب غيرَهُ لم يأكله، ولو أصابه وأصاب غيرَهُ أَكَلَهُ، بمعنى استصحاب النية في ذلك. المسألة الثّالثة (٣): في صفة المرمي فإنّه يُرَاعى فيه صفتان: إحداهما: أنّ يكون أصله التَّوَحُّش. الثّاني: أنّ يكون من الامتناع بصفة لا يتمكَّن من ذكاته. فأمَّا الأوّل، فالأصلُ في ذلك قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ الآية (٤)، فعلى أيِّ وجهٍ تناله رِمَاحُنَا يجب أنّ يحلَّ لنا، إِلَّا ما خَصَّهُ

стр. 2323

الدّليل، وسواء كان مُتَوَحِّشَا على أصله أو تَأَنَّس ثمّ تَوَحَّشَ، والوجه فيه ما قدَّمْنَاه. والدّليلُ على ذلك: أنّ هذا متوحِّشُ الجنس مُمتنع، فجاز أنّ يُذكَّى بالرَّمي والضّرب كائذي لم يتأنّس قطّ. أمّا الثّانية: وهي الامتناع من الذّكاة المعهودة فيه، فهي العلّة في إباحة ما ذكرنا في الصَّيد، ولو تمكّن منه بإِثخَانِ الجراح، أو بِحِبَالَةٍ أو غيرها لم تَجُز ذكاتُه إِلَّا بِما يُذكَّى به الإِنسِيّ؛ لأنّ علَّةَ الامتناع قد عُدِمَت، وهاتان الصِّفتان مؤثِّرتانِ في العملِ لا في النِّيَّة؛ لَأنّ العملَ يتعذّر بها دون النِّيَّة. المسألة الرّابعة (١): في منتهى فعل الرّمية ولا تخلو أنّ تنفذ المقاتل أو لا تنفذها، فإن أنفذت المقاتل فقد كملت فيها الذّكاة، وهو على ضربين: أحدهما: أنّ يبين بها من الحيوان جزءًا. والثّاني: ألَّا يبين بها شيئًا. فإن أبان ذلك فقطعه بنصفين، فإنّه يُؤكل جميعُه، زَاذَ النِّصف الّذي مع الرّأس أو نقص، وبه قال الشّافعيّ (٢). وقال أبو حنيفة (٣): إنَّ قطع الثّلث ممَّا يلي الرّأس، أُكِلَا جميعًا، وإن قطع الثّلث ممّا يلي الفخذ، أكل الثّلثان اللذان يليان الرّأس ولم يُؤكل الثّلث الباقي. قال ابنُ القصّار (٤): وهذا ينبغي أنّ يُفصَّل، فإذا قطع الرّأس أكل الجميع؛ لأنّه مقتول لا مَحَالَةَ، فإن كان الْذي قطع منه سوَى الرّأس يتوهّم أنّه يعيش بعده، فإنّ الَّذي بان منه لا يُؤْكَل وُيؤكل بَاقِيهِ (٥). وهذا وفاق لأبي حنيفة، سواء مات من العقر الأوّل أو غيره.

стр. 2324

وقال الشّافعيّ: إنَّ ماتَ من العقر الأوّل أُكل جميعُه وما بانَ منه، وإن كان لم يمت حتّى رماه رميةً أخرى، فإنّه يُؤكَل الحيوان كلّه ولا يُؤكَل ما بَانَ منه. قال القاضي أبو الوليد (١): "هذا الّذي حكاهُ ابنُ القصّار في هذه المسألة هو القياس، غير أنّه قد رَوَى ابنُ المَوَّاز عن رَبِيعَة ومالك فيمن رَمَى صيدًا فَأَبَانَ وَرِكَيْهِ مع فَخِذَيْه فأنّه لا يُؤكل ما بَانَ منه وُيؤكل باقيه (٢)، وهذا ممّا لا يُتَوَهم أنّ يعيش بعدهُ. ورَوَى ابنُ القاسم في "العُتبيّة" (٣) أنّه إذا ضربه فخَذَلَ وَرِكَيْهِ أنّه يُؤكل جميعه، ولو أبان فخِذَيه ولم تصل إلى الجَوفِ فلا يُؤكَل ما أبان منه وُيؤكل ما بَقِيَ" (٤). فرعٌ (٥): فهذا ثبت ذلك، فإنّه لا يؤكل العضو البائن، فإنّ معنى ذلك أنّ يبين (٦)، أو يكون في حكم البائن، فقد قال ابنُ حبيب: إنَّ كان ممّا يتعلَّق بالجلد أو بيسير من اللَّحم فلا يُؤكَل، وإن كان ممَّا يجري فيه الرُّوح على هيئته فإنّه يُؤكل، ونحوه قال ابن الموّاز غير أنّه لم يذكر يسير اللَّحم (٧).

стр. 2325

فرع (١): وأمّا إذا أنفذ المَقَاتِلَ ولم يبق منه شيءٌ فإنّه يُسْتَحَبّ له أنّ يُذَكِّيه، فإن لم يفعل جَازَ له أكله لكمالِ الذَّكاةِ فيه. فرع (٢): وأمّا قولُ نافع في أوّل الحديثِ (٣): "فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فماتَ" يعني أحد الطَّائرين قبلَ أنّ يُذَكِّيه " فَطَرَحَهُ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ" فلا يخلو أنّ يكون فَاتَت ذكاته لتأخيرِ ذلك مع التَّمَكُّين من تعجيلها، أو يكون فَاتَ لأَنه لم يتمكَّن من الذَّكاةِ لسرعة فَوْتِهِ، فان فات التّأخير وكانت ضربة بعرض حجرٍ فلا يجوز أكلُه؛ لأنّه مَوْقُوذَةٌ، ولو ضَرَبَه بحَجَر ولم ينفذ مقاتله ومات للتّأخير مع التَّمَكُّنِ من الذَّكاةِ لم يجز أكلُه؛ لأنّه كان مقدورًا عليه، فلا يُبَاحُ أكلُه بغير ذكاةٍ كالإنسيّ، ولو ماتَ قبل التَّمكُّن من ذكاتِهِ من غير تفريطٍ لجازَ أكلُه؛ لأنّه غير مقدورٍ عليه. غايةٌ وإِيضاحٌ في قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٤) فَمَدَّ التَحريم إلى غاية، فهذا انْقَضَتِ الغايةُ ارتفع التّحريم، وليس هذا من باب النّسخ (٥) على ما تقرّر في موضعه.

стр. 2326

وأمّا قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ (١) فسيأتي بَعدُ أنّ شاء الله تعالى. مسألة (٢): قوله (٣): "فَأَعَانَهُ عَلَيهِ غيرُهُ من مَاءٍ أَو كَلبٍ"، وهذا كما قال: إنّه إذا أعانَ الصَّائد على صَيدِهِ غيرُهُ ممّا ليس بآلةٍ للصَّيدِ، فلم يَدرِ أنّه ماتَ من فعلِ الصَّائدِ أو من فعل المُعِين فلا يُؤكَل (٤). ووجهُ ذلك: أنّ الصَّيد يحتاجُ إلى النيَّةِ كالذَّكاة، وتُرَاعَى فيه صفة الفاعل والآلة كالذَّكاة؛ لأنّ (٥) النِّيَّة عند علمائنا شرطٌ في الصَّيدِ (٦). مسألة (٧): وقوله (٨): " لَا بأسَ أنّ تَأكُلَ" الصَّيدَ وإن غَابَ عَنكَ مَصْرَعُهُ" قال القاضي ﵁: وهو أيضًا يحتاجُ إلى تقسيمٍ وتفصيلٍ، وذلك أنّ الكلب أو السَّهمَ إذا أَنْفَذَ مَقَاتِلَ الصَّيدِ بمشاهدة الصَّائد، ثمَّ غابَ عنه، فقد كَمُلَت ذَكَاتُهُ، ولا يؤثّر في ذلك مَغِيبُه عنه ولا مَبِيتُه، قال ابنُ القصَّار (٩): وهذا الّذي أرادَ مالك ﵀.

стр. 2327

مسألة (١): لأنَّ لم ينفذ المَقَاتِلَ حَتَّى غاب عنه ثمَّ وجدَهُ ميِّتًا، فقد قال ابنُ القصّار: إذا كان مُجِدًّا في الطَّلَب حتّى وجدَهُ على هذه الحالة، فإنّه يجوز أكلُه، وإن تَشَاغَلَ عنه ثمَّ وجدَهُ ميِّتًا، فإنّه لا يجوز أكلُه، وحَكَى نحوه ابنُ حبيبٍ عن أَصْبَغ. وَرُوِى أنّه إذا تَوَارَى الكلبُ مع الصَّيد، فوجده قد قتلهُ، إنَّ لم يَرَ بالقُربِ صيدًا يُشكَّكُه (٢)، فإنّه حلالٌ فإن شكَّ فلا يَأكُلُ. ومعنى ذلك: أنّ لا يتبيّن له الصَّيد الّذي أرسلَ عليه * ويكون بالموضع من الصَّيد ما يشكّ به في قتل الّذي أرسل عليه*، وهذا شكٌّ في عين الصَّيْدِ، وما ذكرناه أوَّلًا إذا شكّ في صفة قتله. وقال بعضُ الشّافعيّة: إذا زال عن عينه وهو في غير حكم المذبوح، فلا يجوز أَكلُه. والدّليل على ما نقولُه: ما رُوِيَ عنه ﷺ أنّه قال: "إِذَا أَزسَلتَ كَلبَكَ المُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسمَ الله وَقَتَلَ، فَكُلْ". مسألة (٣): وقوله (٤): "وَلَمْ يَبِتْ" (٥) لا يخلو أنّ يكون اصطاده بجارحٍ أو سهمٍ، فإن كان

стр. 2328

بالجارحِ فبات وقتَلَتهُ الجوارحُ بعدَ أنّ غاب عنه، فالمشهور من المذهب أنّه لا يُؤكل، وبه قال الشّافعيّ (١). وقال ابن القصّار (٢) عن مالك في الصَّيد (٣): إته يُؤكَل وإن باتَ، سواء كان صاحبه يطلبه أم لا. وقال أبو حنيفة: إن كان صاحبُه لم ينقطع عنه حلّ أكلُه، وإن كان قد تشاغلَ عنه لم يحل أكلُه (٤). توجيه (٥): ووجة الإمتناع: أنّه إذا بات، جازَ أنّ يكون ما انتشر من السِّباعِ وغيرها باللّيل قتلته دون كلبه، فلا يجوز أكله، وإن كان يجوز هذا بالنّهار إذا غاب عنه أكثره، إِلَّا أنّه يَنْدُرُ بالنّهار (٦). مسألة (٧): وأمّا إنَّ أصابه بسهمه فبات عنه، فالّذي رَوَى ابنُ القاسم (٨): فلا يُؤكل ما صادَهُ بكلب أو سهمٍ أو غير ذلك.

стр. 2329

وقال أَضبَغُ: إنَّ باتَ عنه فوجد فيه أثر سَهمه قد أنفذَ مقاتِلَهُ فَلْيَأكُلْهُ، وأمّا في أثر البازي والكلب فلا يؤكل كان كان مقتولًا. والمعنى فيه: ما قال عبدُ الوهّاب (١) أنّ الفرقَ بين أثر السَّهم والجارح؛ أنّ السَّهم يوجد في موضعه، فإن لم يوجد فيه أثر غيره عُلِمَ أنّه قد ماتَ منه، وأمّا الجوارحُ فإنّ آثارها كآثار غيرها من السِّباع، فصار في هذه المسألة ثلاث روايات: ١ - رواية ابن القصّار أنّه يؤكل إذا بات سواءَ صِيدَ بسهمٍ أو كلب. ٢ - وروابة ابن القاسم: لا يؤكل. ٣ - وقول أَصبَغ: يؤكل ما بَانَ ممّا صيد بسهمٍ فقط. باب ما جاء في صَيْدِ المُعَلَّمات الأحاديثُ: قال الإمام (٢): الأصلُ في هذا الباب قولُه تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (٣) فتعيّن به كلّ جارحةٍ من بهيمةٍ كالكلب والفهد، أو الطائر كالبازي أو الصّقر، ولكنّه ذكَر التّكليب لأحد معنيبن، قال بعضُ علمائنا (٤): التكليب هو التعليمُ، وهو في المعنى الثّاني وهو الأصحّ، وإنّما ذكَر التّكليبَ لأنّه الأغلبُ. وفي الصّحيح عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "مَنِ اقتَنَى كَلبًا إِلَّا كَلبَ صَيدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ

стр. 2330

نَقَصَ منْ أجره كُلَّ يومٍ قيراطَانِ" (١) ومن طريق أبي هريرة: " أَوْ زرْعٍ" (٢) هذا التّأويل لأبي هريرة، تأويل من حَسّنَ الظَّن به وهو الصّحيح، إِلَّا تأويل من أَرادَ القَدْح في روايته وهم قومٌ من الخوارج، فقيل لعبد الله بن عمر: إنَّ أبا هريرة يقول في الحديث (٣): " أَوْ زرْعٍ" فقال: "يَرحَمُ الله أَبَا هُرَيرَةَ، كانَ صاحب زرْعٍ"، يعني: أنّه إذا كان صاحبَ زرْعٍ يكونُ أعلمَ بالمسألةِ من ليس بصاحب زرْعٍ (٤)، وهذا من لُطفِ الله تعالى، فإنّه جعلَ البهائمَ على ضربين: مُسَخَّرَةً مقدورًا عليها، ومُتَوحِّشَةً مُمتَنِعَةً بنفسها، ثمَّ أذِنَ في طلبها بالسِّلاح والجوارحِ، كلُّ ذلك ابتلاءً منه بحِكمَتِهِ وقُدرَتِهِ. قال القاضي: ولتعليم الجوارح شرطان: أحدُهما: الانشلاء والإشلاء. الثّاني: الإجابة عند الدُّعاء. ووقَع في ألفاظ علمائنا: "الانزجارُ عند الزّجر (٥) وليس بشرط (٦)، وهذا يستوي فيه البهائمُ والطَّيرُ، وليس يَلزمُ في الإشلاء رؤيةُ الصَّيد، بل يجوز أنّ يرسله ويُشلِيهِ في

стр. 2331

الجملة، ولكن بشرطِ النِّيَّة - فإنّ الاصطيادَ ذكاةٌ والنِّيَّة فيها شرطٌ كما تقدَّم،- وذِكرِ اسمِ الله، على ما تقدَّمَ في الذّبائح. تنبيه على وهمٍ: قال بعضُ علمائِنَا (١): إنَّ العِقبَانَ والبُزَاة والصُّقور ليست من الجوارح، قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (٢) وإنّما هي الكلاب. الجواب: قلنا له: هذه وهلةٌ لا مرد لها، وأينكَ من الحديث الصّحيح، حديث عَدِي بن حَاتِم قال: سَألْتُ رَسُولَ الله ﷺ عَنْ صيدِ الْبازِي، فَقَالَ: إِذَا أَمسكَ عَليكَ فَكُلْ" (٣). وزَعمَ بعضُ العلّماءِ أنّ الجوارحَ: ماجرح من الكلاب والطّير، وذوات الأظفار: الّتي تجرح بأظفارها وتمسك على نفسها. وأنكرَ بعضُ الأشياخِ هذا وقال: الجوارحُ هي الكواسِبُ، يقال فلانٌ جارحةُ أهلِهِ، أي كاسبهم، وقد صرَّح القرآنُ العزيزُ بذلك في قوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ الآية (٤)، أي اكتسبوا. وقال مجاهد (٥) في قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ (٦) أي: ما كسبتم. الفقه في ثلاث مسائل: الأولى في صفة الجارح، الثّانية في صفة المعلَّم، الثّالثة في معنى الأمساك على الصائد.

стр. 2332

المسألة الأولى (١): أمّا صفةُ الجارحِ الّذي يصحُّ الاصطياد به، فهو كُلُّ جارحٍ يمكنُ أنّ يفهم التَّعليم من ذواتِ الأربع، كالكلبِ والفهدِ والنَّمرِ، ومن الطَّير كالبازي والصَّقْر والباشق والشّاهين والشّذَانِيق (٢) والعُقَاب وغير ذلك، وعلى هذا عامّة الفقهاء، وبه قال مالك وأبو حنيفة (٣) والشّافعيّ، وهو مذهب ابن عبّاس. ورُوِيَ عن ابنِ عمر ومجاهد أنّهما قالا: لا يَحِلّ إِلَّا صيد الكلب، وأمّا صيد سائر الجوارح من الطير وغيرها فلا يحلّ صيدها. وهذه وَهلَةٌ كما تقدَّم. ثمّ أعجب من الحسن بن أبو الحسن أنّه قال: يجوزُ صيد كلّ شيءٍ إِلَّا الكلب الأسود البَهِيم، وبه قال النَّخعي وابن حنبل (٤) وابن رَاهُويَة، وهذا ليس بموضع خلاف، وإنّما اختلف فيه في الصَّلاة لقوله: "الكَلْبُ الأَسوَدُ شَيطَانٌ" (٥). والدّليل على ما نقولُه، قولُه تعالى " ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (٦) هو عامٌّ في كلّ كلبٍ أسود وأبيض وفي كلِّ جارحٍ. ومن جهة القياس: أنّ هذا من الجَوَارحِ المعلَّمةِ، فجازَ الاصطيادُ به كالكلب، وقد تكلّمنا عليه في أوَّل الكتابِ. المسألة الثّانية: في صفة الكلب المعلَّم وهو أنّ يفهم الزّجر والأشلاء، وقال رَبِيعَة: إِذا دُعِيَ الكلبُ فأجاب، وزُجِزَ عن الصَّيدِ فأطاعَ، فهو المعلَّمُ الضّاري، وأمَّا البَازِي والصَّقرُ والعقبَانُ، فإذا أُشلِيَ يأخذُ، وإذا زُجِرَ يتركُ، فهو معلَّمٌ. وقال مالك: المعلَّمُ هو الّذي إذا أرسلتَهُ ذهبَ، وإذا دَعَوتَه أجاب وتوقَّفَ.

стр. 2333

والتّعليمُ عندنا ثلاث مرَّات، إذا أَرسَلنَهُ يقَتلُ الصَّيدَ فلا يأكل منه، وهذا قولٌ معروفٌ. وقال (١) مالك (٢): وليسَ بشرطٍ أَلَّا يأكلَ منه، وهو شرطٌ في تعليمه عند أبي حنيفة (٣) والشّافعيّ (٤). وبالقَولِ الأ وَلِ قال سَلمَان الفارسيّ، وسَعدُ بن أبي وقَّاص، وعليُّ بن أبي طالب وأبو هريرة. واستدلّ علماؤُنا بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (٥) قالوا: فما بَقِيَ بعدَ الأكلِ فهو ممّا أمسك علينا. ومن جهة القياس: أنّ قتل الجوارح ذَكاةٌ يُستَبَاح الصَّيدُ بها، فلا يفسد باكله منه، أَصلُ ذلك إِذا ذَبَحَ. وأمّا من تعلَّقَ بالمنع، فذلك بما رُوِيَ عن النّبيِّ ﷺ من حديثِ عَدي بنِ حَاتِم أنّ النّبيَّ ﷺ قال: إِذَا أَرسَلتَ كَلبكَ المُعَلَّمَ وَذَكَرتَ اسمَ اللهِ علَيهِ فَكُل، وإن قَتلَ فَأَكَلَ فَلَا تَأكُل فإنَّمَا أَمسَكَ عَلَى نَفْسِهِ" (٦). وهذا الحديثُ صحيحٌ، والأخذُ به واجبٌ، غيرَ أنّه عامٌّ، فَنَحملُهُ على الّذي أدركه مَيتًا من الجري أو الصدم فيأكل منه، فإنّه قد صار

стр. 2334

على صفه لا يتعلّق بها الإرسال، فلذلك لم يكن مُمسكًا علينا، يُبَيِّنُ هذا قولُه ﷺ : "مَا أَمسَكَ عليكَ فَكُلْ" (١)، فَإنّ أَخذَ الكلبِ ذكاةٌ، والحديثُ واحدٌ، وإذا كان أخذه ذكاة، ومعنى الذَّكاة أنّ تُبيحَ المُذَكَّى، فلا يفسده ما وُجِدَ بعدَ ذلك من أكلٍ وغيرِهِ (٢)، وإنّما ذكرنا هذا، لإنكار من أنكرَ قول مالك ومُخَالَفَتِهِ (٣)، وإنّمَا تأؤله على وجه سائغٍ ودليل بَيِّنٍ من اتِّفاق علماء الصّحابة المسألةُ الثّالثة (٤): وأمّا معنَى الإمساك علينا، فقد قال ابنُ القصّار: إنْ معناه: أنّ يمسك بإرسالنا، وهو على أصولِنَا بَيِّنٌ؛ لأنّه لا نِيَّةَ له، وإنّما يصيدُ بالمُعَلَّم، فإذا أرسله فقد أمسك عليه، وإذا لم يرسله فلم يمسك عليه (٥). وقال ابنُ حبيب: معنَى قولِه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (٦) ممّا صدنَ لكم. فرعٌ (٧): فإذا ثبت ذلك، فإنَّ الكلبَ إذا لم يُرسَل، وصادَ بإرسالِهِ، فلا يُؤكَل ما قَتَلَ،

стр. 2335

والأصلُ في ذلك قولُه ﷺ : فَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلبِكَ كَلبًا غَيرَهُ، فَخَشِيتَ أنّ يَكُونَ أَخَذَهُ مَعَهُ وَقَتَلهُ فَلَا تَأكُل، فَإِنمَا ذَكَرْتَ اسمَ اللهِ عَلَى كَلبِكَ وَلَمْ تَذكُرهُ عَلَى غَيرِهِ" (١). فرع (٢): فهذا ثبت أنّ الصَّيدَ يحتاج أنّ يُعْتَبَر بالنِّيِّة، فإنّه يجوزُ أنّ يُعتبرَ ذلكَ في جماعةٍ يراها الصَّائدُ، أو يرَى بعضَها، أو لا يرى شيئًا منها، ويختصُّ بموضعٍ لا يختلطُ بغيرِهِ في الأغلبِ، كَالْغَارِ فيه الصَّيد يُرسلُ جارِحَهُ ويَنْوِي جميعَ ما فيه، فإنّه يجوزُ أكلُه، هذا هو المشهور من مذهب مالك وأصحابه. وقال أشهب: لا يصحُّ إرسالُه إِلَّا على ما يراه في حين الإرسال. وأمّا مالا يراه إذا كان الموضع ممّا لا يحبس ولا يمتنع من دخول غيره إليه كالغَيضَةِ، فقد جوّز الإرسال على ما فيها أَصْبَغ، ومنعَ منه ابن القاسم وأشهب، ويتخرّج القولان من قول مالك (٣). فأمّا الإرسال على غير تعيينٍ، مثل أنّ يرسلَهُ على كلِّ صيدٍ يقوم بين يَدَيه، فلا خلافَ (٤) أنّ ذلك لا يجوزُ لعدم التّعيين، كما لو أرسله ونَوَى كلّ صيدٍ أو لم يَنْوِ شيئًا. فرع: وأمّا ما لا يفقه التَّعليم، فلا يجوز أكل صيدِهِ وما قَتَلَ، وإن كان الكلب تَعْلِيمَ

стр. 2336

مجوسيٌّ فلا يصحُّ الاصطياد به، وكذلك اليهوديّ والنَصرانيّ، وقد رَخَّصَ في ذلك جماعة منهم: إسحاق، وسعيد بن المُسَيِّب، والزُّهريّ. فصل في المسائل مسألة: الكلبُ يشربُ من الدِّم دم الصَّيد، فاختلفَ الأيِمَّةُ في ذلك: فقال عَطَاء وأحمد (١) وإسحاق وأبو ثَور: يُؤكَل. وكره ذلك الشّعبىّ وسُفيان الثّوريّ. وأمّا ضرب الكلب على التَّعليم، فقد قال ابنُ عبّاس: إذا قتلَ الكلبُ فأَكَلَ فَاضربه حتّى يمسكَ عليك الصَّيد، فجائرٌ أكلُه بظاهر قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (٢) وهذا على مذهب مالك والشّافعيّ وأبي ثَوْر. مسألة: الكلب يُرسَل على الصَّيد فيوجد معه كلبٌ آخر، لم يؤكل، لقوله: "مَالَم يَكُن مَعَهُ كلبٌ"، وأكثرهم على ألَّا يؤكل. مسألة (٣): واختلف العلماء في جماعة أصحاب الكلاب إذا اجتمعوا وقد أطلقوا كلابهم على صيد، وسمَّى كلّ واحدٍ منهم، وجاء المُرسَلُونَ بها، فأصابوا الصَّيد قتيلًا، ولا

стр. 2337

يدرون من تولَّى قتلَهُ منهم، فكان أبو ثَوْر يقول: إذا كان الصَّيد قَتيلًا قد ماتَ بينهم أُكِلَ الصيدُ، وإن اختلفوا فيه وكانت الكلابُ متعلّقة به كان بينهم، وإن كان مع واحدٍ منها كان صاحبُه أَوْلَى، وإن كان قتيلًا والكلاب نَاحية، أُقرعَ بينهم، فمن أصابته القُرْعَة كان له. وقيل عن أبي ثَور: لا يخلو أنّ يجاوز بالقُرْعَة المواضع الّتي أقرع النّبيّ ﷺ فيها، فيوقَف الصَّيد بينهم حتّى يصْطَلِحوا، فإن خِيفَ فساده بِيعَ الصَّيدُ وَيبقَى الثّمن بينهم حتّى يصطلحوا. وإذا أرسلَ المسلمُ كلْبَه على صيدٍ وسمَّى اللهَ، فَزَجَرَهُ مجوسىٌّ، فأخذَ الصَّيدَ وقتلَهُ، أُكِلَ، هذا قولُ أبي ثور والنُّعمَان وأصحابه (١). وإن أرسلَ مجوسىٌّ، فزجره مسلمٌ وأخذَ الصَّيدَ، لم يُؤكَل في قول أصحاب الرَّأي (٢)، وقولُ أبي ثور مُختَلَفٌ فيه. مسألة: وأمّا الكلبُ ينفلت من يَدِ صاحبِهِ فَيَصطَاد، فقال عَطَاءُ بنُ أبي رَبَاح والأوزاعيُّ: يُؤكَل صيدُه إذا كان للصَّيْد. وقال الأوزاعيُّ (٣): وإن أرسلَ كلبَهُ المعلَّم فَعَرَضَ له كلبٌ معلَّمٌ فقتلاه جميعًا، فهو حلالٌ. فإن عَرَض له كلبٌ غير معلَّمٌ فَقَتلَاه، لم يُؤكَل.

стр. 2338

وقالت طائفة: لا يُؤكَل الصَّيد الّذي قتلَهُ ولم يكن أرسلَهُ صاحبُهُ؛ لأنّه خرجَ بغير إرسالٍ، هذا قولُ ربِيعَة ومالك (١) والشّافعيّ (٢) وأبي ثور وأصحاب الرّأي (٣). قال أبو بكر (٤): وبه أقولُ. مسألة: واختلفَ العلّماءُ فيما يَصِيدُه أهلُ الكتابِ بكلابهم: فقال اللَّيثُ وعَطاء والشّافعىّ (٥): لا بأس بصَيدِهم. وقال مالك: تُؤكَل ذبائحُ أهلِ الكتابِ اليهود والنّصارى ولا يُؤكَل صيدُهُم، وتَلَا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ الآية (٦) قال ابن المُنذِر: والأوّلُ أصحّ (٧). وأمّا صيد المجوسىّ فمكروهٌ بإجماعٍ (٨)، وقال أبو ثور فيه قولان: أحدهما كقَولِ هؤلاءِ والآخر أنّهم أهل كتاب (٩) وهو جائز، وليس ذلك بصحيحٍ. مسألة: واختلفَ العلّماءُ في كلَّ ما يصيده المجوسيّ من السَّمَكِ والجَرَادِ، فكان الحسن البَصْرِيّ والنَّخعي لا يَرَيَانِ بأسًا بصَيد المجوسيّ السَّمَكَ، وبه قال الشّافعيّ (١٠). والنّخعيّ، وأحمد، وإسحاق (١١).

стр. 2339

مسألة (١): قولُه (٢): "إِذَا ذُكِرَ اسمُ الله تَعَالَى عَلَى إِرْسَالِهَا" ظاهرُ هذا اللَّفظ يقتضي أنّ التَّسميةَ شرطٌ في صِحَّة الاصْطِياد، كما هي شرطٌ في صحَّةِ الذّكاة، وقد قال ابنُ القاسِم في "المُدَوَنَة" (٣): "مَنْ تَرَكَ التَّسْميةَ في الصَّيد عَامِدًا لَمْ يُؤكَل صَيدُهُ" ويجري هاهنا من الخلاف في التّسمية ما تقدّم في الذّبيحة، والذي يختصُّ بهذا الباب قولُه تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ فأمرَ بذكر اللهِ، والأمز يقتضِي الوُجُوبَ. مسألة (٤): ويلزم الصائدَ التَّسميةُ حين الإرسال، على ما قال مالك في "الموطَّأ" (٥). وأمّا المجنون والسَّكرانُ، فإنّه لا يؤكل صَيْدهما ولا ذبيحتهما، رواه ابنُ الموّاز عن مالك؛ لأنّ الصَّيدَ يحتاجُ إلى نِيَّةٍ. باب ما جاء في صيد البحر قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ (٦) فحمل (٧) الصَّيد على ما صِيدَ منه لامتناعه، والطَّعام على ما يُتَنَاوَل دونَ تصيّد، وذلك لا يكون إِلَّا في الطَّافي، وهو في الغالِب لا يُعلَم سبب موتِهِ * ولا أنّه مات بسببٍ، فلما استوى عنده ذلك في الإباحة، إمّا لعمومَ الآية أو لغيرها من الأدلّة، رجع عن المنع منه إلى إباحته*

стр. 2340

اما صيدُ البحر فحلالٌ على الإطلاق، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ الآية؟ فقدلُه: ﴿صَيْدُ﴾ ما حُووِلَ بعملٍ، وقولُه: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما لَفَظَ البحر ولم يُحْاوَل اخذُهُ، وكذلك تأوَّلَه عبد الله بن عمر (١). وقال أبو حنيفة: ما لفَطهُ البحر لا يُؤكَل (٢). ومعى قوله: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ يعني: أُحِل لكم صَيْدُ البحر وأكلُه، وهذا عِيٌّ لا يليقُ بعالمٍ، فكيف بكلامِ البارئ سبحانه. وتعلّقَ من رَأَى ذلك بأحاديثَ لا أصلَ لها، أمثلُها، ما رَوَى أبو داود (٣) عن جابِر عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال: "ما أَلقى البَحْرُ أو جَرَزَ عَنْهُ فَكُلُوهُ، وَما طَفَا فَلَا تَأكُلُوُه" وقد ضعّفَهُ أبو دَاوُد، وأبو عيسى (٤)، والصّحيح ما رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال في البحر: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيتَتُهُ" رواه الأيمَّة مالك (٥) وغيره (٦).

стр. 2341

وفي الصّحيح عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ "أَنَّهُم خَرَجُوا في غَزوَةِ السِّيف مَعَ أَبِي عُبِيدَةَ ابن الجَرَّاحِ، فَفَنِيَ زَادُهُمُ - عَلَى صِفَةٍ ذَكَرَهَا أَهلُ السِّيرِ -، فَأَلقَى لَهُمُ البَحرُ حُوتًا يُقَالُ لَهُ العَنْبَرُ، فَأَكَلُوا مِنهُ شَهرًا، وَادَّهنُوا بِهِ، وَشَبِعُوا، وَجَاءوُا مِتهُ بِفَاضِلةِ إلَى المدينة، وَسَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ذلكَ، وَأَهدوْا إِلَيْهِ مِنْهُ فأَكَلَهُ" (١). الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (٢): قولُه في هذا الحديث (٣) "إنَّ ابن عُمَرَ نَهَى عن أَكلِ مَا لَفَظَهُ الْبَحرُ" وذلك على ضربين: أحدهما أنّ يلفظه حيًّا، والثّاني: أنّ يلفظه ميتًا. لمّا اعتقد تحريمه، ثمَّ ظهر إليه أنّ يُعيدَ النَّظر لذكر الآية، فأعادَ نَظَرَهُ فيها، فقرأَ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ (٤) فحمل الصَّيد على ما صِيدَ منه لامتناعه، والطعام على ما يتناول دون تَصَيُّد، وذلك لا يكون إِلَّا في الطَّافِي، وهو في الغالب لا يُعْلَم سبب موته. فإذا ثبت ذلك، فجميعُ صيدِ البحرِ حلالٌ عند مالك. وأمّا كلب الماء وخنزيره، فقد روى أبو القاسم أنّه مكروه (٥)، وقاله ابنُ حبيب، وفي "الموازية": اختلفَ في خنزير الماء، فاجازَ أكله رَبِيعَة، وكرهه يحيى بن سعيد، وظاهرُ القرآنِ والسُّنَّةِ يُبيحُه.

стр. 2342

المسألة الثّانية (١): في التوجيه فوجهُ القولِ الأوَّلِ: ظاهرُ التّسمية، وفي "المُدَوَّنَة" (٢) عنِ ابنِ القاسِم: "لم يكن مالك يجيبُنا فيه بشيءٍ، ويقول: إنكم تقولون خنزير الماء" يريدُ. والله أعلم. التَّعلُّق بعموم قولِهٍ تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ الآية (٣)، ولا سيّما على مَنْ يراعِي في العمومِ موضوعَ اللَّفظ دون عُرفِ استعماله، فمن رَاعَى عُرْفَ العمومِ واستعماله دون موضوعه توقَّفَ عن الجواب، أو حكم بما لم يدخل تحت عُرفِ الاستعمال بالكراهية، وقال ابن القاسم (٤): "إنِّي لأتَّقِيهِ، ولو أكلَهُ رجلٌ لم أره حرْامًا". ووجهُ القولِ الثّاني: قولُه تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ الآية (٥)، وما رُوِيَ عنه (٦) أنّه قال: "هُوَ الطُّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ" (٧). المسألة الثّالثة (٨): وأنا "الجِرِّيتُ (٩) " فأنا أكرهه فإنّه يقال: إنّه من الممسوح (١٠).

стр. 2343

وقوله: "نَهى عَنْ كُلِّ مَا لَفَظَ البَحْرُ" وذلك على ضربين: أحدهما: أنّ يلفظه حيًا. والثّاني: أنّ يلفظه ميِّتًا. فأمّا لفظه حيًّا، فإنّ مذهب مالك جواز أكله، وكذلك ما لفظه مَيَّتًا، سواء ماتَ بسببٍ أو بغير سببٍ، وقاله الشّافعيّ (١). وقال أبو حنيفة (٢): لا تؤكل مَيْتَتُه إِلَّا ما ماتَ بسببٍ، مثل أنّ يؤخذ فيموتُ، أو يموت من شدَّة حرٍّ أو بردٍ، أو تقتله سمكة أُخرى، أو ينضب الماءُ عنه فيموت، أو يلفظه البحر حيًّا فيموت. وأمّا إنَّ مات حَتْفَ أَنفِهِ، ولفظه البحر ميِّتًا، فإنّه لا يُؤكَل. ودليلُنا قوله ﷺ : "الحِلُّ مَيتَتُهُ" وأَيضًا: فإن الذّكاةِ إنّما تكونُ بِقَصْدِ قَاصِدٍ يصِحُّ منه القَصْدُ، ولا خلافَ أنّ ذلك لا يُعتبرُ في الحُوتِ، فوجبَ إِلَّا تعتبر فيه الذّكاة. فهذا ثبت هذا، فإن الكلام فيه في فصلّين: أحدهما في بيان ما يجوز أَكْلُه بغيرِ ذكاةٍ، والثّاني: في بيان مالًا يجوز أكلُه إِلَّا بالذَّكاة. الفصلُ الأوّل (٣) فأمّا ما في الماء من حِيتَانِهِ ودوابِّه، فعلى ضربين: ١ - ضَربٌ لا تبقى حياته في غير الماء، فلا خلافَ في المذهب أنّه يجوز أكل ذلك بغير ذكاةٍ ولا سَبَبٍ.

стр. 2344

٢ - وأمّا ما تبقى حياتُه في البرّ كالضّفادع والسُّلَحْفَاة، ففي "المدوّنة" (١) عن مالك: إباحة أَكْلِهِ من غير ذكاةٍ ولا سبّبٍ (٢)، وروى عيسى عن ابن القاسم: ما كان ماواه في الماء، فإنّه يؤكل بغير ذكاة وإن كان يَرْعَي في البرّ، وما كان مَأوَاهُ في البرّ، فإنّه لا يُؤكَل إِلَّا بذكاةٍ كان كان يعيش في الماء (٣). وفي "المَدَنِيَّة" عن محمّد بن دينار: لا يُؤكَل إِلَّا بذكاةٍ (٤)، وهو قولُ أبي حنيفة (٥) والشّافعيّ (٦). مسألة: ودم السَّمَك نجِسٌ، وبه قال الشّافعيّ (٧). وقال أبو حنيفة: هو طاهرٌ يحلُّ أكلُه (٨). ودليلُنا (٩): قولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ (١٠) وهذا عَامٌ فيحمل على عمومِهِ. ومن جهة القياس: أنّ هذا دمٌ سائلٌ، فوجبَ أنّ يكونَ نَجِسًا كسائر الدِّماءِ.

стр. 2345

الفصل الثّاني (١) في بيان مالًا يحتاج إلى ذكاة كالجراد والحَلَزُون وما يكون فيى البرّ من الحَشَرات والخَشَاش وهي عندي من الّتي ليست لها نَفْسٌ سائلةٌ، فقد رُوِيَ عن مالك في "الموازية" وغيرها أنّه لم يجز أكل الجراد إِلَّا بذكاةٍ، فإن ماتت بغيرِ ذكاةٍ بعد أنّ اصطيدت حيّة، فقد أجازَ أكلها ابن المسيِّب وعطاء، وقالا: أَخْذُهَا ذكاتُها، ولو وُجِدَت ميِّتة لم يجز عندهما أكلها، وأجازَ ذلك مطرِّف من رواية ابن حبيب عنه (٢). فوجهُ قولِ مُطَرِّف: أنّ هذا حيوانٌ مقدورٌ عليه لا تُعتبرُ فيه الذَّكاةُ المخصوصةُ فلم تُعْتَبَر فيهِ ذكاةٌ، أصلُ ذلك الحوتُ. ووجهُ قولِ مالك: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٣) وهذه ميتة. وأيضًا: فإنّ هذا من حيوان البرّ، فلم يجز أكله بغير ذكاةٍ كسائر حيوان البرّ. ووجهُ قولِ مطرِّف: ما تقدّم. قال (٤): وحكمُ الحَلَزُون حكم الجراد لا يؤكل إِلَّا بذكاةٍ. قال ابنُ حبيب: كان مالك وغيرُهُ يقول: منِ احتاجَ إلى شيءٍ من الخَشَاشِ للأكلل أو الدَّواء فلا بأس به إذا ذُكِّيَ كالجراد.

стр. 2346

مسألة: قوله (١): "وَسُئِلَ (٢) عَنِ الحِيتَانِ يَقْتُلُ بَعضُهَا بَعضًا، أَوْ تَمُوتُ صَرَدًا فَقَالَ: لَيْسَ بِهِ بَأسٌ" وهو ممّا اتَّفَقَ عليه مالك وأبو حنبفة والشّافعيّ؛ لأنّه ماتَ بسببٍ (٣)، وليس من شرطِهِ عند أبي حنيفة (٤) أنّ يكون السّبب من فعل الصَّائدِ، بل يجوزُ أكله عنده متى مات بسببٍ من فعلِ الصَّائدِ أو غير فعله، وما احتاج إلى سبب عند مالك فإنّه يحتاج أنّ يكون السّبب من فعلِ قاصدٍ إلى ذلك، وقد نصَّ على ذلك الأبهري في كلِّ ما ليست له نفسٌ سائلةً أنّ ذكاته بأن يقصد إلى إماتته بفعلٍ ما. وهل يُعتَبَرُ فيه من صفة الفاعلِ ما يُعُتبر في الذّكاة أم لا؟ ففي "العُتبِيَّة" (٥) من رواية أشهب عن مالك؛ أنّه لا يجوز صيد المجوسيّ للجراد إنَّ قتلها بفعله، إِلَّا أنّ تؤخذ منه حيّة (٦). قال ابن عبد الحَكَم: وعلى آخذِها التّسمية عند حَزِّ رؤوسها وأجنحتها، وهذا يدلُّ على أنّ هذا ذكاةٌ لها. قال ابنُ حبيب: أو تُثقَبُ بالإِبَرِ والشَّوْكِ حتّى تموت، أو تُقْلَى أو تُشْوَى (٧).

стр. 2347

باب تحريم أكل كلِّ ذي ناب من السِّباع مالك (١)، عنِ ابنِ شِهَابٍ، عن أَبِي إِدرِيسَ الخَوّلَانِيِّ، عن أبي ثَعلَبَةَ الخُشَنِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: "أَكلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ". الأسناد:. قال الإمام: هذا حديثٌ مُسْنَدٌ صحيحٌ، مُتَّفَقٌ على صحَّتِهِ ومَتْنِهِ، خرَّجَهُ الأيمَّة: البخاريّ (٢) ومسلم (٣)، ورواه يحيى بن يحيى هكذا: "أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ" وروى القَعنَبِي (٤) عن مالك، عن الزّهريّ، عن أبي إدريسّ الخَوْلَانِيِّ، عن أبي ثَعلَبَةَ الخُشَنِيِّ أنّ رسولَ الله ﷺ :" نَهَى عَنْ أَكلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ" وهو الصَّوابُ (٥)، ولم يروه أَحَدٌ كما رواهُ يحيى (٦). الأصول: نَهيُهُ (٧) ﷺ عن أكلِ كلِّ ذِي نَابٍ من السِّباعِ ظاهِرُهُ التّحريم، ويجوزُ أنّ يُحملَ على الكراهية بدليلٍ إنَّ وُجِدَ في الشَّرعِ.

стр. 2348

واختلف في ذلك الأيمَّةُ، هل هو نصُّ في التّحريم؟ فقال به جماعة (١). وقالت جماعة: إنّه محمولٌ على الكراهية، وإنه نهي أدَبٍ وإرشادٍ (٢). فأمّا من قال: إنّه تحريمٌ عامٌّ ومَن فَعَلَهُ وعَلِمَ به فإنّه (٣) عاصٍ آثمٌ، فاستدلَّ بقوله: "إِذَا نَهَيتُكُمْ عَنْ شَيءٍ فَانتَهُوا، وَإذا أَمَرتُكُمْ بِشَيءٍ فَخُذُوا مِنْهُ مَا استَطَعتُمْ" فأطلقَ النَّهيَ ولم يقيِّدْهُ بصفةٍ، وكذلك الأمرُ لم يقيِّده إِلَّا بعدم الاستطاعة، فقالوا: إنَّ مَنْ شَرِبَ مِنْ فِي السِّقَاءِ (٤)، أو مشَى في نعلٍ واحدةٍ، أو قَرَنَ بين تمرتين في الأكل، أو أكل من رأس الصَّحفَةِ (٥)، ونحو هذا وهو عالمٌ بالنّهيِ كان عاصيًا. وقال اَخَرُون: هذه الأشياء مُعَللَة، فهذا عُلِمَتِ العلّةُ أو زالت زال حُكمُهَا. أمّا قولُه: "نهى عن الأكل من رأس الصَّحْفَة" فالعلَّةُ فيه أنَّ البركةَ تزولُ منها. وأمّا "النّهي عن القِرَانِ في التَمر" لِمَا فيه من سوءِ الأدبِ (٦)، وكذلك النّهي عن الشَّربِ من فمّ السِّقَاءِ خوفَ الهَوَامِّ؛ لأنّ أفواه الأسقية تَصعَدُ فيها الهوامُّ، وربّما كان في السِّقَاءِ ما يؤذيه، فهذا جعل عليه شيئًا سَلِمَ منه. وأمّا (٧) من نَصَّ على الكراهية (٨)؛ فإن عَبِيدَةَ (٩) غير معلوم الحِفظِ، وقد روى

стр. 2349

الزّهريّ حديث أَبِي ثَعْلَبَةَ ولم يذكر لفظ التّحريم، وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنّ مالكًا خَرَّجَهُ في (موطّئه) وهذا يدلُّ على تصحيحه لَهُ والتزامه، وهو صريحُ مذهبه، وبه ترجمَ الباب حين قال: "بَابُ تَحرِيمِ أكل كلّ في ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ"، ثمَّ ذكر الحديث، وعقبه بعد ذلك بان قال: "ؤهُوَ الأَمْرُ عِنْدَنَا" (١) فأخبر أنّ العمل اطّرد مع الأثر. واختلفَ العلّماءُ إذا خالفَ العملُ الأثرَ: فمنهم من قدَّم الأثرَ وهم الأكثرون. ومنهم من طرحَ الأَثَر وقدّم العمل، وهو مالك والنّخعيّ، وقد قال النخعىُّ: لو وجدتُ أصحاب النّبيِّ ﷺ يتوضّؤون إلى الكوعَيْن لتوضّأتُ كذلك، وصدَقَ؛ لأنّهم بعدَالتِهِم لا يتركون العمل بما سمعوه إذا ثبت سماعهم له، إِلَّا عن دليلٍ أظهر منه، وفيه تفصيلٌ طويل بيّناه في كتب الأصول (٢). الفقه في تسع مسائل: المسألة الأولى (٣): اختلف العلّماءُ في تحريمِ أكل كلِّ ذِي نابٍ من السِّباعِ: فرَوَى العراقيون عن مالك أنّها كلّها عنده محمولة على الكراهية من غير تفصيل، وهو ظاهرُ "المدوّنة" (٤). ابن كنانة: كلُّ ما يفترسُ ويأكلُ اللَّحم فهو مِمَّا لا يُؤكَل، وما كان سوى ذلك من دوابِّ الأرض وما يعيشُ بنباتِ الأرضِ فلم يأتِ فيه نَهىٌ، قال عيسى عن ابنِ القاسم: وهذا

стр. 2350

في السّباع، فأمّا الطيرُ فإنّها تفترسُ وتأكلُ اللّحم وليس بأكلها بأْسُّ. وأمّا المدنيّون، فقال ابنُ حبيبٍ: لم يختلفوا في تحريم لحوم السِّباع العادية: الأسد والنَّمِر والذِّئب والكلب، وأمّا غير العادية كالدُّبِّ والثّعلبِ والضَّبُعِ والهِرِّ فَيْكرَهُ أكلُها من غير تحريم، قاله مالك وابنُ الماجشون، ولعلّه لم يبلغه قول ابن كنانة، أو بَلَغَهُ وحَمَلَهُ على المنعِ في الجملةِ، وأنّه عنده على ضربين: منه ممنوعٌ على وجه التَّحريمِ. ومنه ممنوعٌ على وجه الكراهية. وأمّا المغاربة من المالكيِّينَ، ففي "الموازية": السَّبُع والنَّمِرُ والفَهْدُ محرَّمة بالسُّنَّة، والذِّئب والثّعلب والهرّ مكروهة، وقد يوجد من قول ابنِ القاسم وروايته عن مالك أنّ ذلك كلّه على الكراهية، كرواية العراقيِّين. واستدلَّ علماؤُنا في ذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية (١)، فليست لحوم السِّباع ممّا تضمّنته الآية، فوجب ألَّا تكون محرّمة. ومن جهة القياس: أنّ هذا سَبُعٌ ذو نَابٍ، فلم يكن محرّمًا كالضَّبُعِ والثَّعلبِ. المسألة الثّانية (٢): وقال قومٌ: لا بأسَ بأكلِ هذه كلّها لحديثٍ وَرَدَ، انفردَ به عبدُ الرَّحمنِ بن عبد الله بن أبي عَمَّار (٣)، وقد وثّقه جماعةٌ من أيمّةِ الحديث، ورَوَوْا عنه هذا، واحتجُّوا به، وهو ثقة مكيٌّ.
следующие страницы →