← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

مسألة: قوله (١): "وَسُئِلَ (٢) عَنِ الحِيتَانِ يَقْتُلُ بَعضُهَا بَعضًا، أَوْ تَمُوتُ صَرَدًا فَقَالَ: لَيْسَ بِهِ بَأسٌ" وهو ممّا اتَّفَقَ عليه مالك وأبو حنبفة والشّافعيّ؛ لأنّه ماتَ بسببٍ (٣)، وليس من شرطِهِ عند أبي حنيفة (٤) أنّ يكون السّبب من فعل الصَّائدِ، بل يجوزُ أكله عنده متى مات بسببٍ من فعلِ الصَّائدِ أو غير فعله، وما احتاج إلى سبب عند مالك فإنّه يحتاج أنّ يكون السّبب من فعلِ قاصدٍ إلى ذلك، وقد نصَّ على ذلك الأبهري في كلِّ ما ليست له نفسٌ سائلةً أنّ ذكاته بأن يقصد إلى إماتته بفعلٍ ما. وهل يُعتَبَرُ فيه من صفة الفاعلِ ما يُعُتبر في الذّكاة أم لا؟ ففي "العُتبِيَّة" (٥) من رواية أشهب عن مالك؛ أنّه لا يجوز صيد المجوسيّ للجراد إنَّ قتلها بفعله، إِلَّا أنّ تؤخذ منه حيّة (٦). قال ابن عبد الحَكَم: وعلى آخذِها التّسمية عند حَزِّ رؤوسها وأجنحتها، وهذا يدلُّ على أنّ هذا ذكاةٌ لها. قال ابنُ حبيب: أو تُثقَبُ بالإِبَرِ والشَّوْكِ حتّى تموت، أو تُقْلَى أو تُشْوَى (٧).

стр. 2347

باب تحريم أكل كلِّ ذي ناب من السِّباع مالك (١)، عنِ ابنِ شِهَابٍ، عن أَبِي إِدرِيسَ الخَوّلَانِيِّ، عن أبي ثَعلَبَةَ الخُشَنِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: "أَكلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ". الأسناد:. قال الإمام: هذا حديثٌ مُسْنَدٌ صحيحٌ، مُتَّفَقٌ على صحَّتِهِ ومَتْنِهِ، خرَّجَهُ الأيمَّة: البخاريّ (٢) ومسلم (٣)، ورواه يحيى بن يحيى هكذا: "أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ" وروى القَعنَبِي (٤) عن مالك، عن الزّهريّ، عن أبي إدريسّ الخَوْلَانِيِّ، عن أبي ثَعلَبَةَ الخُشَنِيِّ أنّ رسولَ الله ﷺ :" نَهَى عَنْ أَكلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ" وهو الصَّوابُ (٥)، ولم يروه أَحَدٌ كما رواهُ يحيى (٦). الأصول: نَهيُهُ (٧) ﷺ عن أكلِ كلِّ ذِي نَابٍ من السِّباعِ ظاهِرُهُ التّحريم، ويجوزُ أنّ يُحملَ على الكراهية بدليلٍ إنَّ وُجِدَ في الشَّرعِ.

стр. 2348

واختلف في ذلك الأيمَّةُ، هل هو نصُّ في التّحريم؟ فقال به جماعة (١). وقالت جماعة: إنّه محمولٌ على الكراهية، وإنه نهي أدَبٍ وإرشادٍ (٢). فأمّا من قال: إنّه تحريمٌ عامٌّ ومَن فَعَلَهُ وعَلِمَ به فإنّه (٣) عاصٍ آثمٌ، فاستدلَّ بقوله: "إِذَا نَهَيتُكُمْ عَنْ شَيءٍ فَانتَهُوا، وَإذا أَمَرتُكُمْ بِشَيءٍ فَخُذُوا مِنْهُ مَا استَطَعتُمْ" فأطلقَ النَّهيَ ولم يقيِّدْهُ بصفةٍ، وكذلك الأمرُ لم يقيِّده إِلَّا بعدم الاستطاعة، فقالوا: إنَّ مَنْ شَرِبَ مِنْ فِي السِّقَاءِ (٤)، أو مشَى في نعلٍ واحدةٍ، أو قَرَنَ بين تمرتين في الأكل، أو أكل من رأس الصَّحفَةِ (٥)، ونحو هذا وهو عالمٌ بالنّهيِ كان عاصيًا. وقال اَخَرُون: هذه الأشياء مُعَللَة، فهذا عُلِمَتِ العلّةُ أو زالت زال حُكمُهَا. أمّا قولُه: "نهى عن الأكل من رأس الصَّحْفَة" فالعلَّةُ فيه أنَّ البركةَ تزولُ منها. وأمّا "النّهي عن القِرَانِ في التَمر" لِمَا فيه من سوءِ الأدبِ (٦)، وكذلك النّهي عن الشَّربِ من فمّ السِّقَاءِ خوفَ الهَوَامِّ؛ لأنّ أفواه الأسقية تَصعَدُ فيها الهوامُّ، وربّما كان في السِّقَاءِ ما يؤذيه، فهذا جعل عليه شيئًا سَلِمَ منه. وأمّا (٧) من نَصَّ على الكراهية (٨)؛ فإن عَبِيدَةَ (٩) غير معلوم الحِفظِ، وقد روى

стр. 2349

الزّهريّ حديث أَبِي ثَعْلَبَةَ ولم يذكر لفظ التّحريم، وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنّ مالكًا خَرَّجَهُ في (موطّئه) وهذا يدلُّ على تصحيحه لَهُ والتزامه، وهو صريحُ مذهبه، وبه ترجمَ الباب حين قال: "بَابُ تَحرِيمِ أكل كلّ في ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ"، ثمَّ ذكر الحديث، وعقبه بعد ذلك بان قال: "ؤهُوَ الأَمْرُ عِنْدَنَا" (١) فأخبر أنّ العمل اطّرد مع الأثر. واختلفَ العلّماءُ إذا خالفَ العملُ الأثرَ: فمنهم من قدَّم الأثرَ وهم الأكثرون. ومنهم من طرحَ الأَثَر وقدّم العمل، وهو مالك والنّخعيّ، وقد قال النخعىُّ: لو وجدتُ أصحاب النّبيِّ ﷺ يتوضّؤون إلى الكوعَيْن لتوضّأتُ كذلك، وصدَقَ؛ لأنّهم بعدَالتِهِم لا يتركون العمل بما سمعوه إذا ثبت سماعهم له، إِلَّا عن دليلٍ أظهر منه، وفيه تفصيلٌ طويل بيّناه في كتب الأصول (٢). الفقه في تسع مسائل: المسألة الأولى (٣): اختلف العلّماءُ في تحريمِ أكل كلِّ ذِي نابٍ من السِّباعِ: فرَوَى العراقيون عن مالك أنّها كلّها عنده محمولة على الكراهية من غير تفصيل، وهو ظاهرُ "المدوّنة" (٤). ابن كنانة: كلُّ ما يفترسُ ويأكلُ اللَّحم فهو مِمَّا لا يُؤكَل، وما كان سوى ذلك من دوابِّ الأرض وما يعيشُ بنباتِ الأرضِ فلم يأتِ فيه نَهىٌ، قال عيسى عن ابنِ القاسم: وهذا

стр. 2350

في السّباع، فأمّا الطيرُ فإنّها تفترسُ وتأكلُ اللّحم وليس بأكلها بأْسُّ. وأمّا المدنيّون، فقال ابنُ حبيبٍ: لم يختلفوا في تحريم لحوم السِّباع العادية: الأسد والنَّمِر والذِّئب والكلب، وأمّا غير العادية كالدُّبِّ والثّعلبِ والضَّبُعِ والهِرِّ فَيْكرَهُ أكلُها من غير تحريم، قاله مالك وابنُ الماجشون، ولعلّه لم يبلغه قول ابن كنانة، أو بَلَغَهُ وحَمَلَهُ على المنعِ في الجملةِ، وأنّه عنده على ضربين: منه ممنوعٌ على وجه التَّحريمِ. ومنه ممنوعٌ على وجه الكراهية. وأمّا المغاربة من المالكيِّينَ، ففي "الموازية": السَّبُع والنَّمِرُ والفَهْدُ محرَّمة بالسُّنَّة، والذِّئب والثّعلب والهرّ مكروهة، وقد يوجد من قول ابنِ القاسم وروايته عن مالك أنّ ذلك كلّه على الكراهية، كرواية العراقيِّين. واستدلَّ علماؤُنا في ذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية (١)، فليست لحوم السِّباع ممّا تضمّنته الآية، فوجب ألَّا تكون محرّمة. ومن جهة القياس: أنّ هذا سَبُعٌ ذو نَابٍ، فلم يكن محرّمًا كالضَّبُعِ والثَّعلبِ. المسألة الثّانية (٢): وقال قومٌ: لا بأسَ بأكلِ هذه كلّها لحديثٍ وَرَدَ، انفردَ به عبدُ الرَّحمنِ بن عبد الله بن أبي عَمَّار (٣)، وقد وثّقه جماعةٌ من أيمّةِ الحديث، ورَوَوْا عنه هذا، واحتجُّوا به، وهو ثقة مكيٌّ.

стр. 2351

وقال الشّافعيّ (١): يُؤكل الضبُعُ والثعلبُ. وقال مالك وأصحابُه: لا يُؤكلُ شيء من السِّباع الوحشية، ولا الهر الوحشى، ولا بأس باكل سباع الطَّير، وزَادَ ابنُ عبد الخكَم في روايته حكايةً عن مالك قال: وكلّ ما يَفْتَرِسُ ويأكلُ اللَّحم ولا يرعى الكَلأَ، فهو سَبُعٌ ولا يُؤكَلُ، وهذا يُشبِهُ السِّباعَ الّتي نهى رسولُ الله ﷺ عن أكلها، وَرَوَى عن أشهب أنّه قال: لا بأس بأكل الفيل إذا ذُكِّي. وقال ابنُ وهب، قال لي مالك: لم أسمع أحدًا من أهل العِلْم قديمًا وحديثًا بأرضنا ينهَى عن أكل كلّ *ذي مِخلبٍ من الطَّير. قال: وسمعت مالكًا يقولُ: لا يؤكلُ كلُّ* ذي نابٍ من السِّباع، وقال ابنُ وهب وكان اللَّيثُ بن سعد يقول: يؤكل الهرُّ والثَّعلبُ. والحجّةُ لمالك: عمومُ النّهي عن ذلك، ولم يَخُصَّ رسولُ الله ﷺ سبُعا من سبُعٍ، فكلُّ ما وقعَ عليه اسم سَبُعٍ، فهو واقعٌ تحت النّهي، على ما يُوجبُهُ الخطاب وتعرفُه العربُ من لسأنّها في خطابها ومخاطبتها، وليس حديثُ الضَّبُع ممّا يُعارَضُ به حديثُ النّهي عن أكل كلِّ ذي نابٍ من السِّباع (٢). وأمّا الضَّبُّ، فقد ثبت عن النّبيِّ ﷺ إجازةُ أَكْلِهِ (٣)، وفي ذلك ما يدلُّ على أنّه ليس بسبُعٍ يَفْتَرِسُ.

стр. 2352

وقد (١) أجازَ الشَّعبِىُّ أكلَ الأسدِ والفِيل (٢)، وتَلَا قوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية (٣). وكره عطاء أكل الكلب (٤)، وسُئِلَ النّبيُّ ﷺ عنه فقال: "طُعمَةٌ جاهليَّةٌ وقد أغنَى اللهُ عنها" (٥). مسألة (٦): قال القاضي ﵁: لا أعلمُ خلافًا بين المسلمين (٧) أنّ القرد لا يُؤكل ولا يجوز بَيعُه؛ لأنّه لا منفعةَ فيه، وما علمتُ أحدًا رخَّصَ فيه ولا في أكله (٨). المسألة الخامسة: قولُه ﷺ (٩): "أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّباعِ حَرَامٌ": فإن معنى حرام ممنوع، وليس تحريمُه كتحريمِ القرآن؛ لأنّ الكلام في المحرّمات بابٌ عظيمٌ يأتي بيانُه -إنَّ شاء الله- في

стр. 2353

كتاب النكاح (١) في قوله: "تحرم المرأةُ على عمتِها وخالَتها" (٢)، وفي أبواب البيوع الفاسدة (٣)، فالتّحريمُ في كلام العرّب الحِرْمانُ والمَنْعُ، قال الله تعالى ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ (٤) أي منعناه منهنَّ. المسألة السّادسة: في معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية (٥). قال علماؤُنا (٦): الآيةُ عامّةٌ في نَفيِ كلِّ محرَّم، إِلَّا أنّ يدلُّ دليلٌ على تحريم ما لا تتضمّنُه الآية، كما دلّت آية الخمر على التّحريم وإنْ لم يكن ذلك في هذه الآية، وحديثُ تحريم لحوم السِّباع عامٌّ في تحريمها على كلِّ أحدِ، فتُحمَلُ الآية على عمومها، ويخصّ بها الحديث في لحوم السِّباع ونحملُه على المُحرِمين، وكان ذلك أَؤلَى؛ لأنّ الآية مقطوع بصحّتها، وكان التّعلّق بعمومها أَوْلَى من التَعلُّق بعمومٍ مظنونٍ وهو عموم الخَبَرِ. فإن قيل: فما فائدةُ تخصيصِ لحومِ السِّباعِ وسائرِ لحومِ الوَحشِ محرّمة على المُحْرِمِين؟. فالجواب: أنّه لا يمتنع أنّ يخصّ نوعًا من الجنس ليجتهد في إلحاق الباقي به أو مخالفته له، كما يقولون: إنّه نهى عن أكل كلِّ ذي نابٍ من السِّباعِ، وخصَّ بذلك التّحريم، وإن كان غيرُه من الحيوان عندكم حرامًا لم ينصّ عليه.

стр. 2354

وجواب ثانٍ: وهو إنّما خصّها بالذكر لما كانت ممّا أُبيحَ للمحرمِ قتلها ابتداءً، لئلّا يعتقد أنّها بمنزلة بهيمة الأنعام في استباحة لحومها لما كانت بمنزلتها في استباحة قتلها، والأصل في هذا عندي أنّ يخصّ الحديث بقوله ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (١) فالآيةُ عامّةٌ في كلِّ الحيوان، وخاصّة في الإمساك، وحديثُ أبي هربرةَ خاصٌّ في السِّباع، وعامٌّ في لحومها وأحوالها، فنجمع بينها، ونخصّ الحديث ونحمله على الميِّتة منها، بدليل خصوص الآية فيما أمسك علينا، وكانذلك أَوْلَى من تخصيص الآية بالحديث لوجهين: أحدّهما: أنّ الآية معلومةٌ والحديث ليس بمعلومٍ. والثّاني: أنّ عمومْ الآية لم يدخله تخصيصٌ، وعمومُ الحديثِ قد دخلَهُ تخصيصٌ في الضَّبُعِ والثَّعلب عندنا وعند الشّافعيِّ (٢). ووجهُ ذلكَ: أنّ الأغلب من السِّبَاعِ العادية أنّه لا يتمكّن منها إِلَّا بعدَ فَوَاتِ ذَكاتِهَا، فخرجَ الحديثُ على الأغلبِ من أحوالها. وروايةُ مَنْ رَوَى عن مالك التّحريم أظهر لحديث أبي هريرة، وهو نصٌّ في التّحريم وخاصٌّ في السِّباع، وقد قال القاضي أبو إسحاق في "مبسوطه": أحسب أنّ مالكًا حمل النّهي في كلِّ ذي نابٍ من السِّباعِ على النّهي عن أكلها خاصَّة (٣)، فذهبَ مالكٌ إلى أنَّ النَّهي مختصٌّ بالأكل، فالتّذكيةُ طُهْرٌ لغير الآكل، فقال: لا بأس بجلود السِّباع المذكّاة أنّ يصلّى عليها.

стр. 2355

مسألة (١): فهذا قلنا بتحريم لحومِ السِّباع العاديةِ، فقد رُوِي (٢) عن مالك أنّ الدُّب والضَّبُعَ والهِرَّ مكروهة ليست بمحرّمة، وهذا مبني على مذهبه، فإنّ قوله لم يختلف في السِّباع الّتي لا تبدأُ بالأذى غالبًا كالهرِّ والثّعلب والضَّبُعِ، وإنَّما اختلفَ قولُه في العَادِيَةِ الّتي تبدأُ بالأذى غالبًا، فروي عنه التّحريم والكراهية. مسألة (٣): قال الإمام (٤): وأجاز مالك أكل الطير كلّه ما كان له مِخْلَبٌ ومالم يكن له مِخلَب، قال (٥): ولا بأس باكل الصُّرَدِ (٦) والهُدهدِ، ولا أعلمُ شيئًا من الطير يكره أكله (٧). واختلف قولُه في الخُطَّاف، ففي "المستخرجة" (٨) أنَّه لا بأس بأكلها، وقاله ابنُ القاسم. ورؤى ابنُ زياد عن ابن القاسم عن مالك أنّه كره أكلها (٩)، والأوّل أظهر خلافًا لأبي حنيفة (١٠) والشّافعيّ (١١) في قولهما: لا يؤكل كلّ ذي مِخلَبٍ من الطَّير.

стр. 2356

ودليلنا: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية (١)، وهي عامّةٌ فَتُحْمَلُ على عمومها، وقوله تعالى في الجوارح: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية (٢)، ولم يفرِّق بين ذي مِخْلَب وغيره. ومن جهة القياس: أنّ هذا طائر، فلم يكن حرامًا كالدّجاجِ والإِوَزِّ. بابُ (٣) القولِ في الأطعمةِ قال الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٤) واختلفَ العلّماءُ في تفسيرها: فقيل: هي المحرَّمةُ شرعًا. وقيل: هي المستخبثةُ جِبِلَّةً وطَبْعًا على العموم عند النَّاس، لا على الخصوص عند بعض الاشخاص. وقد قيل للنبي ﷺ : أَحَرَامٌ هُوَ؟ قال: لا، ولكنّه لم يكن بأرض قومي فاجِدُني أعافُه (٥)، يعني الضَّبّ، يشيرُ إلى كراهية الاعتياد، وهي مخالفةٌ لكراهية أصل الاستخباث. وقال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ الآية (٦)، فحرّم الله في هذه الآية عشَرةً ترجِعُ إلى أربعةٍ، وهي: الميِّتَة، والدّمُ، ولحمُ

стр. 2357

الخنزير، ومَا أُهِلَّ لغير الله به؛ لأنّ قولَهُ: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ داخلٌ تحت قولِهِ تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ والمُنخَنِقَةُ وأَخواتُها داخلةٌ في الميِّتة إنَّ لم تُدْرَكْ ذَكَاتُها. وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية (١)، فذكر الأربعةَ الّتي ترجِعُ إليها الَايةُ المتقدّمةُ، ورُوِيَ عن ابنِ عبّاس أنّ هذه الآيةَ من آخر ما نَزَلَ (٢)، فقال البغداديون من علمائنا: إنّ كلَّ ما عَدَا هذا حلالٌ، لكنّه يُكْرَهُ أكل السِّباع، وعند فقهاء الأمصار منهم: مالك، والشّافعيّ، وأبو حنيفة، وعبد الملك، أنّ أكل كلّ ذي نابٍ من السِّباع حرامٌ، وليس يَمتنِعُ أنّ تقعَ الزِّيادةُ بعد قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية (٣) بما يَرِدُ من الدّليل فيها، كما قال النّبىُّ ﷺ : "لَا يَحِلُّ دَمُ امرِىءٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإحدى ثَلَاثٍ" فذَكَرَ الكُفرَ بعد الإيمان" والزِّنَى بعد الإحصان، والقتلَ بغير حقٍّ (٤)، ثمّ جاء بعد ذلك بأكثر منها. باب ما يُكْرَهُ من أكلِ الدَّوابِّ يَحيَى (٥)، عَنْ مَالِكٍ: أنّ أحْسَنَ ما سَمِعَ في الخَيْلِ والْبِغَالِ والحَمِيرِ، أنّها لَا تُؤكلُ؛ لَأنَّ اللهَ تَبَارَك وَتَعَالي قَالَ: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ الآية (٦)، وَقَالَ تَعَالىَ فِي

стр. 2358

غافر: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (١)، وَقَالَ تَعَالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (٢). الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٣): قال الإمام: استدلَّ مالِكٌ ﵀ على المنعِ من أكلِ لحومِ الخيلِ والبغالِ والحميرِ بالآيةِ، وذلك من وجهين: أحدهما: أنّ "لام" كّيْ للتّخصيص، وذلك أنّه "أخبر تعالى أنَّه إنّما خَلَقَهَا للرُّكوب والزِّينةِ (٤)، فدلَّ ذلك على أنّه جميعَ ما أباحَهُ لَنَا منها، ولو كانت فيها منفعة غيرها لَذَكرَهَا ليُبيِّن إنعامه علينا. والثّاني: أنّه ذَكرَها، فأخبرَ أنّه خَلَقهَا للرُّكوبِ والزّينةِ، وذَكَرَ الأنعامَ فأخبرَ أنّه خَلَقَها للرُّكوب والأكلِ، فلما عَدَلَ في الخيلِ والبغالِ والحميرِ عن ذِكرِ الأكلِ، دلَّ على أنّه لم يخلقها لذلك، وإلَّا بطلت فائدة التّخصيص بالذِّكر. المسألة الثّانية (٥): اختلفَ العلّماءُ في الخيل: فقال مالك: إنّها مكروهة (٦).

стр. 2359

وقال الشّافعيّ (١): أَكلُها حلالٌ. وقال (٢) مالك: مكروهةٌ، وليست محرّمة ولا مباحة على الإطلاق، وبه قال أبو حنيفة (٣). وقال الشّافعيّ: هى مباحةٌ، وبه قال أبو يوسف، ومحمّد بن الحسن (٤). وقال ابن حبيب: الخيل مُختلفٌ في كراهية أكلِهَا فلا يبلغ بها التّحريم، فجعلها مباحة في أحدَ القولين. ودليلُنا على كراهيتها: أنّه حيوان أهلي ذو حافر، فلم يكن أَكلُه مباحًا، كالبغالِ والحميرِ. اعتراضٌ: ليسَ في وصفِ اللهِ الخيل بالرُّكوب وسكوتِه عن ذِكرِ أكلِهَا ما يُوجب تحريم أكلها، ولو أنّ كلّ ما ذكر الله أنّه لا يصلح لَشيءٍ، أو أنّه ينتفع به بوَجهٍ، وجب بذلك إِلَّا يصلح ولا ينتفعُ به بغير ذلك الوجه، ولوجب بقوله: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ (٥) ألَّا يُؤكَل إذا لم يكن طريًّا. وإذ قال: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ (٦) لا يجوز لنا منها غير الانتفاع بلبسها فقط، ولوجب إذا قال: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ (٧) إِلَّا تجري بما يضرّهم أيضًا، والَّذي يرى تحريم لحوم الخيل، لا ينظر أنّه لولا أنّ النَّبيَّ ﵇ حرّم لحوم الحمُر ما كانت حرامًا، فإنّما أوجب تحريمها لأنّ النّبيّ حرّمها، ولولا ذلك ما كانت محرّمة بالآية، فاللّازم له على هذا المذهب ألَّا يحرم لحوم الخيل لأنّ النّبيّ لم يحرّمها، وأن يقرّها مباحة على أصلها، أرأيت لو أنّ متعسِّفًا تعَسَّفَ فقال: لمّا ذَكرَها اللهُ للرُّكوب والزِّينةِ لم يحلّ أنّ تصرف على غير ما ذكرها له، فحرم بيعها كما حرم مؤاكلتها؛ لأنّها إنّما ذكرت للرُّكوبِ ولم تذكر للأكل، فكذلك لم تذكر

стр. 2360

للبيع وأخذ الأثمان فيها. فإن قال: إنَّ الأُمَّة أجمعت على أنّ بيعها حلالٌ. قيل له: إنَّ كان الاجماعُ عندك حجّة فقل: لمّا اختلفتِ الأُمَّة في تحريمها، وأجمعتْ على أنّها كانت في الأصلِ مباحة، فَقُلْ بما اجتمعوا عليه، وَدَعْ ما اختلفوا فيه. المسألة الثّالثة: وتعلَّقَ (١) من رأى الإباحة، بما رُوي عن جابر بنِ عبدِ اللهِ، قال: نَهَى النّبيُّ ﷺ يرم خَيْبَر عن لحوم الحمر، وأَرخَصَ في لُحُومِ الخَيْلِ (٢). وقال الشّافعىّ (٣): الخيلُ حلالٌ. وقال جابر: ذبحنا فرسًا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ فاكلناه (٤). ورُوِي أنّ النّبيِّ ﷺ أَذِنَ في لحومِ الخيلِ وحرَّم لحومَ الحُمُر (٥)، ولا إشكالَ في أنّ لحومَ الحُمُرِ الأهليّة حُرِّمت يومَ خَيْبَر، لثبوتِ ذلك في الرِّوايةِ الصَّحيحة. واختُلِفَ في تحريمها على خمسةِ أقوالٍ (٦)، وعن مالك في ذلك روايتان، والصحيحُ: أنّ التّحريم منسوخٌ (٧)؛ بما نزلَ بعده بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية (٨)، وأنّ الله تعالى لمّا ذكر الأنعام ذكرها على وجه الامتنانِ للرُّكوب، وكذلك الخيل.

стр. 2361

المسألة الرّابعة (١): أمّا الحُمُر، فاختلفَتِ الرِّوايةُ عن مالك فيها: فقيل: إنّها محرَّمةٌ. وقيل: إنّها مكروهةٌ غير محرَّمةٍ، ذكر ذلك القاضي أبو محمّد (٢)، وذكر ابنُ القصَّار (٣) رواية الكراهية فقط. الدّليل على التّحريم: ما رُوِيَ عن أبي ثعلبة: حرَّمَ رسولُ الله ﷺ لحوم الحُمُر الأهليّة (٤). ووجهُ الرِّوايةِ الثّانية: أنّ هذا حيوانٌ مركوبٌ ذُو حافرٍ، فلم يكن محرَّمًا وإن كان مكروهًا كالخيل. وأمّا البغالُ، فحُكمُها حكمُ الحمُر؛ لأنّها متولّدة منها ومن الخيل. فإن قلنا: إنّ الحُمُرَ مكروهةٌ، فالبغالُ مكروهةٌ. وإن قلنا: إنَّ الحُمُرَ محرّمةٌ، فالبغالُ محرَّمةٌ، وإن الله تعالى ذكرها في معرِضِ الامتنانِ للرُّكوب خاصّة (٥)، وكراهيةُ أكلِ الخيلِ والبغالِ والحميرِ لأجلِ أنّها كُرَاعٌ في سبيل الله، وهو أحَدُ الاْقوالِ في تحريم الحُمُر يوم خَيبَر؛ لأنّه رَوِيَ في الصَّحيح؛ أَن رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ في ذَلِكَ اليوم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُكِلَتِ الْحُمُرُ، أُفْنِيَتِ الْحُمُرُ؟ فَأمَرَ المؤذِّنَ أو المُنَادِيَ فَنَادَى، "أَلَاَ إِن لُحُومَ الحمر قَذ حُرِّمَت" (٦).

стр. 2362

بابُ ما جاء في جُلود المَيْتَةِ مالك (١)؛ عن ابن شهابٍ، حديثُ ابن عبّاسٍ. قولُه (٢):"إذا دُبغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ" حديثٌ صحيحٌ متَّفَقٌ عليه (٣)، خَرَّجَهُ الأيمَّةُ، وفيهِ كلامٌ طويلٌ لأهلِ الأُصولِ والمتفقِّهينَ من أشياخنا، واضطربوا فيها اضطرابًا كثيرًا؛ لأنّه تُعَارِضُه الأحاديث هاهنا، فقال أحمدُ بنُ حنبلٍ (٤): لا يُنتفعُ بجلودِ الميِّتةِ بحالٍ وإن دُبغَ، لحديث عبد اللهِ بنِ عُكَيْم؛ أتانا كتاب رسول اللهِ ﷺ قبلَ موتِهِ بشهرٍ: "لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الميِّتةِ بإِهَابٍ ولا بعَصبٍ" (٥) قال: وهذا معارَضٌ بحديثِ ابنِ عبّاس، لكن هذا معلومُ التّاريخِ، وذلك مجهولُ التّاريخ" ولا خلافَ بين العلّماءِ أنّ المعلومَ التَّاريخِ هو الّذي يُقَدِّم على المجهولِ. الأصول: قال بعضُ عَلمائِنا: هذا الحديثُ في شاةِ ميمونَة خرجَ على سبَبٍ، والعمومُ إذا خرجَ على سببٍ قُصِرَ عليه عند بعضِ أهل الأصولِ، وأُلحِقَ بهذا السَّبب البقرةُ والبعيرُ وشبهُ ذلك، للاتِّفاقِ على أنّ حُكمَ ذلك حُكمُ الشّاةِ. وقال بعضُهم: بل يتعدَّى ويعمُّ بِحُكمِ مقتضَى اللَّفظِ، ويجبُ حَمْلُهُ على كلِّ شيءٍ حتَّى الخنزير.

стр. 2363

وقال بعضُهُم: إنَّ العمومَ يُخَصُّ بالعادةِ، ولم تكن عادَتُهُم اقتناءُ الخنازيرِ حتّى تموت فيَدبَغُوا جلودَها، فخصّ بالعادةِ وخرجَ عن حكمِ الانتفاعِ، وكثيرٌ من العلّماءِ على هذا أنّه لا يُنْتَفَعُ بشيءٍ من الخنزيرِ. وقال بعضُهم: ولا أيضًا الكلبُ، لم يكن من عادَتِهِم استعمال جلده، فخرج عن العمومِ. وقال بعضُهُم: لا يُخَص هذا العمومُ بقوله: "دِبَاغُ الأَدِيمِ ذَكَاتُهُ" (١) فحملَ الذَّكاةَ مَحْمَلَ الدّباغ، فَوَجَبَ أَلَّا يُؤثِّرَ الدِّباغ إِلَّا فيما تُؤَثِّر فيه الذَّكاة، والذَّكاةُ إنّما تُؤثِّرُ عند هؤلاءِ فيما يُستَبَاحُ لَحْمُهُ؛ لأنّ قَصْدَ الشَّرعِ بها استباحة اللَّحم، فهذا لم يبح اللَّحم لم تبح الذّكاة، وإذا لم تعمَل الذّكاة لم يصحّ الدّباغ البتّة. وقد أشار بعض من انتصر لمالك إلى سلوك هذه الطّريقة، فرأى أنّ التّحريم تأكَّدَ في الخنزير، فاختصَّ بنصِّ القرآن عليه، فلهذا لم تعمل الذَّكاة فيه، فلمّا تَقَاصَرَ عنه في التّحريمِ عَمَّا سواهُ، لم يلحق به في تأثير الدِّباغ. وقد سلك أيضًا هذه الطَّريقة أصحاب الشّافعيّ (٢)، ورأوا أنّ الكلب خُصَّ في الشَّرعِ بتغليظ، ولم يرد فبما سِوَاهُ من الحيوان، فَأُلحِقَ بالخنزيرِ. فأمّا الّذي ذكرنا من مخالفتهم في المعنَى، ويرون الدِّباغ أُنزِلَ من الشَّرعِ بمنزلةِ الحياة، لَمَّا كان يحفظ الجلد من التّغيير والاستحالةِ كما تُحفظ الحياة. وتعلَّقَ ابنُ شِهابٍ بحديثِ لم يشترط فيه الدباغُ (٣)، وقد رواهُ مُقَيَّدًا، ولعلّه نَسِيَ ما رواه. وأَلحقَ الأوزاعيُّ وأبو ثَوْر بهذا الّذي اسْتُثْنِيَ جلدَ من يُؤكَل لَحْمُهُ.

стр. 2364

واتفقَ كلُّ من رأى الدِّباغَ مؤثِّرَا في جواز الانتفاع على أنّه يؤثِّر في الشَّاة الطَّهارةَ الكاملةَ، سِوَى مالك في إحدى الرِّوايتين عنه فإنّه مَنَعَ أنّ يؤثر الطَّهارةَ الكاملةَ، وهذا يجبُ أنّ يعتبر فيه قولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ الآية (١)، فإن سلّم أنّ الجلد فيه حياة دخل في هذا الطّاهر، وكلُّ ما يرد في الأحاديث يخصِّصُهُ، تخصيصًا لعموم القرآن بأخبار الآحاد، وفي ذلك اختلافٌ بين أهل الأصول، والخلافُ المتقدِّم كلّه على خَبَرَين متعارضين ما الّذي يستعمل منهما؟ فالمستعمل منهما ما اقتضاه الاعتبار. فأخذ أحمد بن حنبل (٢) بقوله: "لا تَنْتَفِعُوا مِنَ الميِّتة. بِإِهَابٍ وَلَا عَصبٍ" (٣). وأخذ الجمهور بقوله: "إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَد طَهُرَ" (٤) وهذا الحديث خاصٌ، والعامُّ يُرَدُّ إلى الخاصّ، ويكونُ الخاصّ تبيانًا له (٥). التنقيح والفوائد المطلقة في هذا الحديث: وهي ثلاث فوائد: الفائدةُ الأولى (٦): أمّا قولُ من قال من الجَهَلَةِ: إنْ حديث شاة ميمونة خَرَجَ على سبَبٍ، فيكونُ الخلافُ في قصوره على السّبب وهو الشّاة دون غيرها، فهو ضعيفٌ من وجهين: أحدهما: أنّه ليس في الحديث سَبَبٌ، ولا سأل النّبيَّ ﷺ أحذ، وإنّما ابتدأَ البيان قبل السُّؤال. الثّاني: أنْ الأحاديث المطلقة بطهارة الجلد بعمل الدِّباغ بها ينبغي أنّ تَتَعلَّق في

стр. 2365

المسألة؛ لأنّ هذا الحديث عامٌّ في كلِّ جلدٍ من ناقة وبقرة وكلّ ما يُؤكَل إلحاقًا بالشَّاةِ، ولا خلافَ فيه؛ لأنّ الشَّرْعَ أَقَامَ الدِّباغَ مقامَ الذَّكاة حالَ الحياةِ في حفظ الجلد عن الآفات والعفونات. وزعم بعضهم أنّ ذلك لقول النّبيِّ ﷺ : "دِبَاغُ الأَدِيم ذَكَاتُهُ" (١). فلمَّا أَنزَلَ الشَّرعُ الدِّباغَ منزلةَ الذّكاة عمل عملها في طهارة الجلد، وهذا الحديثُ ضعيفٌ لا يُلتَفَتُ إليه ولا يُتَكَلَّم عليه إِلَّا من ليس له بصرٌ بالأحاديث. قد زعم بعض الغَفَلَة أنّ جلد الخنزير يُطهّر بالدِّباعَ، وهو أبو يوسف (٢)، وتعلَّقَ بالعموم في زعمه، ولا وَجْهَ لذلك؛ لأنّ قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ الآية، إنّما يتناول ميتة كانت مباحة قبل الموت (٣)، ثمَّ طَرَأَ عليها التَّحريم، فَرَدَّها الدِّباغُ إلى حالِ التّحليل، هذا معنى اللّفظ، وقال التّرمذيّ (٤): "إنّما يقال: إهابٌ في العربيّة لما يُؤكلُ لَحمُهُ"، وهو نَصٌّ في مسئلتنا، والله أعلمُ. حديث ابن عُكَيم يرويه جماعة عن عبد الله بن عُكَيم: "أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ" وهو مضطرِبٌ ومجهولٌ.

стр. 2366

وأمّا حديث ميمونة المتقدِّم (١)، فاختلفتِ الألفاظُ فيه، ففي بعض رواياته: " هَلا انْتَفَعتُمْ بِإهَابِهَا" وفي رواية: "فَدَبَغتُمُوهُ ثُم انْتَفَعتُمْ بِهِإ (٢). وحديث أنس بن مالك؟ أنّ النّبيَّ ﷺ نَهَى عن جلود السِّباع (٣). العربيّة: قال الهروي (٤): "والإهاب يُجْمَعُ على الأُهُب، والأَهَب" بضمِّ الهمزة والباء وبفتحهما أيضًا. الفقه في ثمان مسائل: المسألة الأولى: اختلف العلّماءُ في جلد الميِّتة على أربعة أقوال (٥): القول الأوّل: أنّه ينتفع به قبل الدِّباغ، قاله ابنُ شهابٍ وغيره للرِّواية المتقدِّمةِ، فإنّ النّبيَّ ﷺ قال: "هَلا انْتَفَعْتُمْ بِإهَابِهَا" مطلقًا. الثّاني: أنّه يُنْتَفَعُ بهِ إذا دُبغ، لقوله: "هَلا أَخَذتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغتُمُوهُ فانْتَفَعُمْ بِهِ" قاله مالك (٦) وأبو حنيفة والشّافعيّ. القول الثّالث: قال ابنُ حنبل: لا يُنْتَفَعُ به (٧).

стр. 2367

الرّابع: أنّ الجمهورَ على المنعِ من الانتفاعِ به قبل الدِّباغ، ومختلفون في الجلد الّذي يؤثّر فيهِ الدِّباغ. وأمّا ابنُ حنبل، فتعلَّق بحديث عبدِ اللهِ بنِ عُكَيم: "أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبلَ مَوْتِهِ بشهرين: أَلَّا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ" الحديث (١). المسألة الثّانية: اختلفَ قولُ مالك فيها اختلافًا مُتَبايِنًا: فمرّةً قال: يُستعملُ ني الجامد دون المائع. وتارةً قال: إنَّ كان ففي الماء وحده. ومرة قال: من سرق جلد ميتة مدبوغًا، نظر، فإن كان في قيمة ... قطع ولم يعتبر فيه ذاته. وتارةً قال: يستعمل على الإطلاق. وهذا إنّما يتبيّن لكم من قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ (٢) الآيةُ نَصٌّ في التّحريم، لا كلام لأحدٍ فيه، ولا مجال للنّظر معه. وقوله: ﴿الْمَيْتَةُ﴾ عموم، فمن الفقهاء من قال: هو عامٌّ في الجُثَّةِ كلِّها، وجميع أجزائها حرامٌ. ومنهم من قال: إنّه يتناول قوله في الميِّتة ما يموت ولا يموت إِلَّا ما كانت فيه حياة، والعظم والشَّعر لا حياة فيه فلا يتناوله التّحريم. ومنهم من قال: أمّا (العظم) ففيه حياة؛ لأنّه يحسّ ويألم فيموت ويحرم. وأمّا "الشَّعْر" فلا حياة فيه، فلا يموت ولا يحرم، ألَّا ترى أنّه يجزئ حال الحياة، فكذلك بعد المماتِ، فهذا مجال يختلف في هذه الأحوال، ويفتقر كلّ فرق منها إلى

стр. 2368

النَّظر والاستدلال، فليوجد في موضعه، فهذه منزلةٌ من النّظر، منزلةٌ أخرى من النظر: لمّا قال اللهُ تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (١) قال المببيِّنُ لنا: لمّا أشكل علينا وَقَدْ مَرَّ بِشَاةِ ميمونة ميتة، هَلا أَخَذتُمْ إِهابَهَا فَدَبَغتَمُوهُ فَانْتفَعْتُمْ بِهِ؟ قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّها مَيْتة، قَال: إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا (٢)، فبيِّن ﷺ أنَّ متناول التّحريم من عموم القرآن الأكل خاصّة، وأَنّ باقي الميِّتة على الانتفاع بالدِّباغ الّذي جعله الله سبحانه بحكمته خلفًا للحياة، فإن الحياة ترفع العفونة عن الجلد ويبقى معها مُهَيَّئًا للانتفاع مع اتصاله باللّحم، كما يفعل الدباغ بالجلد عند إنفراده عن اللَّحْم. منزلةٌ أخرى من النّظر: وأمّا ابنُ شهابٍ فرأى قوله: "هَلَا أَخَذتُم إِهَابَهَا فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ" فأقدم عليه، وأمّا غيرُهُ فرأى قوله: "فَدَبَغتُمُوهُ" ولو عَلِمَهُ ابن شهاب ما تعدَّاهُ. وأمّا ابنُ حنبل فإنّما كان يصحّ ما قالَهُ بشرطين: أحدُهما: لو صحَّ حديثه كصِحَّةِ حديثنا، فإنّ التّعارضَ بين الخَبَرَيْن إنّما يكون إذا اسْتَوَيَا في الصِّحَةِ. وأمّا الشرطُ الثّاني: بان يتعارضَ الخبرانِ لفظًا، ولا معارضةَ هاهنا بينهما؛ لأنّ الجلد يسمى إهَابًا قبل أنّ يُدْبَغَ، وأديمًا بعدَ الدِّباغ، فمتناوَلُ حديث عبد الله بن عُكَيم غير متناولِ حديث عبد الله بن عبّاس. وأمّا مالك، فكان حَب الشّريعة حَبَر اللُّغة، لم يختلف عليه شيءٌ من هذه الأغراض، ولكنّه كان حَوَّاطًا على الدِّين، مُلتَفِتًا إلى مصالحِ الخَلقِ، غَوَّاصًا على معاني الألفاظِ الغَرِيبة، فتارةً نَظَرَ إلى قوله: "هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ" فأشار إلى مجرَّدِ الانتفاعِ، ولم يقل: إنّه يعودُ إلى الحالةِ الأولى، فأعطاه درجةً واحدةً من الانتفاعِ

стр. 2369

حَمْلًا بمُطلق اللَّفظ على أقل ما يَقع عليه الاسم، وهو أصلٌ عظيمٌ من أصول الفقه، اضطربت فيه أقوالُ العلّماءِ، ووفّق فيه مالك حظَّ المعنى، ولا سيّما في الأيمان. ثمَّ نظر تارةً في أقلِّ درجاتِ الانتفاع، فقال تارةً: يستعمل في الجامد ولا سِيَّما والنفس تتقزَّزُ في المائع. وتارةً قال: ففي الماء وحده، إشارة إلى أنَّه مخصوصٌ في الإباحة من أصلٍ محرَّمٍ على خلافِ القياس، فيقفُ حيث وَرَدَ به الشّرعُ خاصّةً. وتارةً قال: يستعملُ على الإطلاق، وهذا القول دهان لم يكن مشهورًا في الرِّواية فإنّه صحيحٌ في الدَّليل؛ لأنّ النّبيّ ﷺ قال في الصّحيح: "إِذَا دُبغَ الإِهَابُ فَقَد طَهُرَ" (١). منزلةٌ أخرى من النَّظر: وأمّا جلودُ السِّباعِ، فلا يخلو أنّ تُؤكَل أو لا تُؤكَل، فإن أُكِلَتْ، فَاستعمالُ جلودِهَا مباحٌ جائزٌ، وإن لم تُؤكَل، فاختلفَ النَّاسُ فيها إذا ذُكِّيَت هل تطهر جلودُها بالذَّكاةِ أم لا؟ فقال الشّافعيُّ (٢): لا تطهر؛ لأنّه ذَبْحٌ لا يفيد مقصوده وهو الأكلُ، أَصْلُهُ ذَبْحُ المجوس. وقال مالك وأبو حنيفة: تطهير لأنّ أَكلَها مقصودٌ، فإذا تعذَّرَ أحدهما جازَ الآخرُ. المسألة الرّابعة: قال ابنُ الجَلّاب (٣): "جلد الميِّتة قبلَ الدِّباغ نجسٌ، وبعد الدِّباغِ طاهرٌ طهارةً

стр. 2370

مخصوصةً يجوزُ بها استعماله في اليابسات وفي الماء وَحْدَهُ من دون المائعات" وهو الّذي صرّح به مالك؛ لأنّه نَظَرَ إلى الحديثِ لقوله: "إِذَا دُبغ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ". والطّهارة (١) على ضربين: ١ - طهارة ترفَع النّجاسة جُملَةً وتُعِيدُ العينَ طاهرًا، كتخليل الخمر. ٢ - وطهارةٌ تُبيحُ الانتفاعَ بالعينِ وإن لم ترفع حكم النّجاسة، كتطهير الدِّباغ جلود الميِّتة على المشهور من مذهب مالك، ويجري ذلك مجرى الوضوء في رَفْعِ الحَدَثِ، والتّيمُّم في استباحةِ الصَّلاةِ مع بقاء الحَدَثِ، وهذَا قريبٌ جِدًّا (٢). المسألة الخامسة (٣): فهذا ثبتَ ذلك، فهذا حكمُ جلد ما يُستباحُ أَكْلُه بالذَّكاةِ، والحيوانُ على ثلاثةِ أَضرُبٍ: مباح وقد تقدَّمَ الكلامُ عليه، ومحرَّمٌ ومكروهٌ. فالمحرَّمُ المتَّفَقُ على تحريمِهِ كالخِنْزِير، فقد قال الأَبهَرِيُّ: لا يُتنَفع بجلده وإن ذُبحَ ودُبغ؛ لأنّه لا يحلّ بذكاةٍ ولا غيرها. والدّليل على ذلك: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَة﴾ الآية (٤)، ثمّ قال الّذي آخر الآية ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ والخِتزِير لا تعمل فيه الذّكاة، وهي أقوى في التَّطهِيرِ من الدِّباغ؛ لأنّ الذَّكاة تعمل في اللّحم وغيره من أجزاء الحيوان، والدِّباغ إنّما يعمل في الجلد خاصّة على الاختلاف، فهذا كانتِ الذَّكاةُ لا تُؤثِّر في جلد الخنزير، فبان لا يؤثِّر فيه الدِّباغ أَوْلَى.

стр. 2371

وأمّا "المكروه" فقال ابن حبيب في جلود السِّباع العادية: لا تُباع ولا يُصلَّى عليها ولا تُلبَس وإن ذُكِّيت، وُينْتَفع بها فيما سِوَى ذلك. قال الإمام: أمّا روايةُ ابن حبيب فعلى روايةِ التَّحريم، وفرّقَ ابنُ حبببٍ بين جلود السِّباع الّتي لا تعدو وبين الّتي تعدُو. فلم يجز الّتي تعَدُو وأجازَ الّتي لا تعدو، مثل الهرّ والثَّعلب، فقال: يجوزُ بيعُها ولباسُها والصَّلاة فيها إذا ذُكِّيت. المسألة السّادسة (١): أنا "جلد الفَرَس" فقال محمّد (٢): لا يُصلَّي فيه وإنْ ذُبحَ ودُبغَ. وقال ابنُ حبيبٍ: لا بأسَ ببيعِهِ والصَّلاة عليه وفيه. وقدِ اتَّفقوا على أنّه جلد حيوان مكروه لا محرّم (٣)، فيتخرّج من هذا أنّ جلد الحيوان المكروه لحمه عند محمّد لا يستباحُ استعمالُه بذكاةٍ ولا دِبَاغٍ، ومعنى ذلك ما رواه عن مالك أنّه إنّما يكره ذكاتها للذَّريعة إلى أكلِ لحومِهَا، فمنع من ذلك لمّا كانت كثيرة الوجود. وقال ابن حبيب ني جلد الفَرَس: لا بأس بِبَيْعِهِ والصَّلاة عليه وفيه، ومعنى ذلك أنّه غير محرم لحمُه، فجازَ أنّ يكونَ جلده طاهرًا كجلود السِّباع الّتي لا تعدو. المسألة السابعة (٤): وأمّا "جلد الحمار والبغل" فقد قال ابن حبيب: لا يُصلَّى بشيء من ذلك وإن ذُبح ودُبغَ. وقال مالك: أَكْرَهُ ذكاتها للذّريعة إلى أكلِ لحومِهَا، فهذا يقتضي أنّها عنده على

стр. 2372

الكراهية، ويحتمل على توجيه ابن حبيب أنّ يكونَ القولُ فيها كالقول في جلد الفرس. وأمّا على رواية التّحريم، فيجب أنّ يكونَ جلدُها ممنوعًا قولًا واحدًا. وإذا ثبت هذا فإنّ العظم ينجس بالموتِ، وبه قال الشّافعيّ (١). وقال أبو حنيفة: لا ينجس بالموت (٢). وقد روى محمَّد عن مالك (٣) أنّه نهى عن الانتفاع بعَظمِ الميِّتة والفيل والادِّهان بهالأولم يطلق تحريمها؛ لأنّ ربيعةَ وعروة وابن شهاب أجازوا الامتشاطَ بها. قال ابنُ حبيب: وقد أجاز ذلك مُطرِّف وابن الماجِشُون وابن وَهْب وأَصْبَغ (٤). واختار قول ربيعة (٥) مالك ﵀. المسألة الثامنة (٦): وأمّا بيعُ عظامِ الميِّتةِ، فَحَكى ابنُ حبيب عن ابنِ الماجشون أنّه لم يسمع أحدًا يرخّص في ذلك، وإذا وقَعَ رُدَّ (٧) الثَّمنُ إلى المبتاع، وذلك عنده في عظام الفيل وغيرها. المسألة التّاسعة (٨): والشَّعْرُ والصُّوف والوَبَرُ لا يُنَجَّسُ بالموتِ، وبه قال أبو حنيفة، غير أنّه استثنى شعْر الكلب والخنزير، وهو أحد قول الشّافعيّ، وقوله الثّاني أنّه لم يفرق بين شَعرِ الميِّتة وغيرها. قال الأبهري: تجوز الخرازة بشعرِ الخنزير؛ لأنّه ليس بنجسِ ولا روحَ فيه.

стр. 2373

والكلام في الفروع في هذا البابِ كثيرةٌ لبابها ما ذكرناه لكم في هذه العاجلة، فاقتصروا على ذلك تنتفعوا إنَّ شاء الله تعالى. باب ماجاء فيمن يضطرّ إلى المَيْتَة قال الإمام: لم يُسنِد مالك في هذا الباب حديثًا، وإنّما اقتصرَ على الآثار والنَّظر، وفيه بين العلّماءِ كلامٌ طويلٌ، ولا بُدَّ من تفسير الآيةِ المطابقةِ لهذا الباب. قوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ الآية (١). العربية: قال علماؤنا: "إنّما" هي كلمةٌ موضوعةٌ للحَصْرِ بمعنى، النّفي والإثباتِ، فتُثْبِت ما يتناوله الخطّاب وتَنْفِي ما عدَاهُ، وقد حصَرَت هاهنا المحرَّم، ولاسيَّما وقد جاءت عَقِيبَ المحلَّل فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ الآية (٢)، فدلّ بهذه الآية على الإِباحةِ على الإطلاق، ثمّ عقَّبَها بالتّحَريم بكلمة "إنّما" الحاصرة، فاقتضَى ذلك الإيعاب للقسمين. وقرله: ﴿الْمَيْتَةُ﴾ وهي في الإطلاق تقتضي العُرْف. والمرادُ بالآياتِ حُكُمًا ما مات من الحيوان حَتْفَ أَنْفِهِ من غيرِ قتلٍ بذكاةٍ أو

стр. 2374

مقتول بغير ذكاةٍ كانت الجاهليّةُ تستبيحُه فحرَّمَهُ اللهُ، فجادلوا فيه، فردَّ اللهُ عليهم على ما في "سورةِ الأنعام". في عموم الآية وخصوصها: قال النَّبيِّ ﷺ :"أُحِلَّت لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَالمَيْتَتَانِ: السَّمَك وَالْجَرَادُ، وَالدَّمَانِ: الكَبِدُ وَالطِّحَالُ" ذَكَرَهُ الدَّارَقُطني (١) وغيره (٢). واختلفَ العلماء في تخصيصِ ذلك: فمنهم من خصَّه في الجَرَادِ والسَّمَك، وأجازَ أَكْلَها من غيرِ ذكاةٍ ولا معالجةٍ، قاله الشَّافعىّ (٣) وغيره. ومنهم من خصَّه في السَّمكِ وحدَهُ، ومنع من أكل الجراد، وهو أبو حنيفة (٤). ومع اختلافِ النَّاسِ في جواز تخصيص *عموم الكتاب بالسُّنَّةِ، فقد اتّفقوا على أنّه لا يجوز تخصيصه *بحديث ضعيفٍ، وهذا الحديث يُروَى عن ابنِ عمر، وعرفنا أَنَّه لا يصحّ سنَدُهُ، وورد في السّمك حديثٌ صحيحٌ حَسَنٌ (٥) عن جابر بن عبد اللهِ أنّه خَرَجَ مع أبِي عُبَيَدَةَ بنِ الجَرَّاحِ حديثُ دابَّة العنبر إلى آخره (٦).

стр. 2375

ويعضده قولُه تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ (١) فصيدُ البحرِ ما صِيدَ وتكلّفَ أَخْذُه، وطعامُهُ ما طَفَا عليه. ومنَ العلماء من خصَّصَهُ في السَّمكِ خاصَّةَ، ورَأَى أكلَ مَيتَيه، ومنعَ مِن أَكلِ الجرادِ إِلَّا بذكاةٍ، قاله مالك. قال القاضي ﵁: وليس في الجرادِ حديث يُعَوَّلُ عليه في أكلِ المَيْتَةِ. وأكلُ الجرادِ جائزٌ بالإجماعِ، وفيه أخبارٌ منها: حديث ابن أبي أوفى: "غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ سَبعَ غَزَوَاتٍ نَأكُلُ الْجَرَادَ مَعَهُ" (٢). ؤرَؤى سَلمَان (٣) أنّ رسولَ اللهِ قال: الجَرَادُ أَكثَرُ جُندِ اللهِ، لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ" (٤) وهو من صَيدِ البرِّ. القول في المستثنى من ذلك (٥): حرّم اللهُ المَيتَة ثمّ استثنى حالَ الضَّرورة فقال: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٦)، ثمّ استثنى مِنَ المستثنَى فقالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ (٧). وسُئلَ الفِهْرِيُّ (٨) بالمسجد الأقص عن مسألةٍ، فقيل له: إذا خرج باغيًا أو معتدِّيًا فوجدَ المَيْتَةَ، أيأكلُ أم يموتُ؟ فقال: بل يموتُ ولا يأكلُ. وهذا غير تحقيق نَظَرٍ منه. قال القاضي عبد الوهّاب: إنَّ أرادَ أنْ يأكلَ فَليَتُب، فإذا تابَ ارتفعت عنه سِمَةُ البغي والعُدوان، ودخلَ تحت قولِهِ: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٩).

стр. 2376

استطلاع في النّظر (١): ثمّ اختلفَ العلّماءُ بعدَ ذلك في مسألتينِ (٢): إحداهما: هل يأكلُ من المَيْتَة حتّى يشبعَ؟ أم يأخذُ بقَدْرِ سَدِّ الرَّمَقِ؟ فعن مالك في ذلك روايتان: فأمّا الّتي في "الموطَّأ" (٣) فالأكلُ والشِّبَعُ والزَّادُ، وهو كتابُهُ وصفوةُ مذهبِه ولُبابُه، وكذلك ينبغي أنّ يكون؛ لأنّ الضّرورةَ قَدْ رَفَعتِ التَّحريمَ وأثبتتِ الإباحة، وصيّرت المَيتَةَ في حَقِّهِ كالمُذَكّاةِ. وأمّا المسألة الثّانية: فهو مالُ الغيرِ، هل يقدِّمه على المَيْتَة في الضَّرورة؟ أم يقدِّمُ المَيتَة عليه؟ ولا خلاف بين الأُمَّة أنّه إذا أَمِنَ العُقوبةَ أنّه يأكلُ من مال الغير؛ لأنّ مالَ الغبير يَقْبَلُ الإِباحةَ بإذنٍ، والمَيْتَةَ لا تَقْبَلُ الإباحةَ بحالٍ. مسألة ثالثةٌ في مذهبِ المخالف ليست في مذهبنا: وهو أكلُ لحمِ الآدَمِيِّ عند الضَّرورةِ إذا وجدَهُ ميتًا (٤)، فقالوا: لا يؤكَلُ؛ لأنّ حرمتَهُ ميتًا كحرمتِهِ حيًّا. ومنهم من قال: إنّه يأكَلُ. والأوّل أظهر وأصحّ. إيضاح مُشكِلٍ (٥): رُوِيَ أنّ رسول الله ﷺ نزلَ بأسفلِ بَلْدَحَ (٦)، فَجَالَسَهُ زَيْدُ بن عَمرو بن نُفَيْلٍ، فَقَدَّمَ النّبيُّ ﷺ (٧) سُفرَة فِيهَا لَحْمٌ، فقال زيدٌ: إنِّي لَا آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَهُ عَلَى

стр. 2377

أَنْصَابِكُم (١)، فقيل في السُّؤالِ: كيفَ تَنَزَّهَ زيدٌ عمَّا يُذْبَحُ للأنصاب واحتمَلَهُ النَّبيِّ ﷺ للزَّاد، وهذا ممّا اتّفقتِ على تحريمِهِ، وقد كان النّبيُّ ﷺ على ملَّة إبراهيم. قلنا: أجابَ العلّماءُ عن ذلك بأجوبةٍ كثيرةٍ لُبابُها أربعةٌ: الجواب الأوَّلُ: أنّ النّبيَّ ﷺ لم يكن يلتزمُ قبلَ المَبْعَثِ شَرْعًا، وإنّما كان مُنَزَّهًا معصومًا عن كلّ مُضِلَّةٍ ودَنَاءَةٍ حتّى جاءَهُ الحقُّ، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ (٢) يعني: على غيرِ شَرعٍ ملتزم، وهو أَؤلَى التّأويلات في ذلك. الجوابُ الثّاني: أنّ النّبيَّ ﷺ كان على شرعٍ قبلَ المَبعَثِ، لقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ الآية (٣)، ومن آياته أنّ أحدًا لم يَعلَمهُ ولا نَقَلَهُ سَندًا ولا خَبَرًا. الجوابُ الثّالثُ: أنّ هذا خبرُ واحدٍ، وخبرُ الآحادِ إنّما هو حُجَّةٌ فيما طريقُه العلّمُ لا العملُ، وهذه مسألة مطلوبٌ فيها العلم. الجوابُ الرّابعُ: أنّ المحرّمَ إنّما هو الذّبحُ على النّصبِ والإهلالُ لغير اللهِ، وهذا هو المحرّمُ القبيحُ الكُفْرُ، فأمّا أكلُه بعد ذلك فليس من الذَّبح في شيءٍ، ألَّا ترى أنّ الأُضحيّة تُذبَحُ للهِ ثمّ تُؤكَلُ للدُّنيا، والعبادَةُ إنّما هي في الذَّبحِ والنَّحر خاصّة، فكان النّبيُّ ﷺ مُنزَّها عن الدَّناءَةِ والحرامِ والكفرِ، ولم يكن هنالك شرعٌ في تحريمِ الأكل، فكان يأكلُ من طعامِ أهلِ بيتِهِ قبلَ المَبعَثِ، كما ناكلُ نحن من طعام أهل الكتابِ بعد ذبحهم على ما هو عليه، وهذا وإن كان كلامًا خارجًا عن الأصول، ولكن الأوّل أقوى في النَّظر والتَّنزيهِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 2378

الفقه في عشر مسائل: المسألة الأولى (١): قولُه في هذا الباب (٢): "في الرَّجُلِ يُضطَرُّ إِلَى المَيِّتَةِ". وهذا كما قال، وهذا اللَّفظُ إذا أُطلِقَ في الشَّرعِ فإنّما يُطلقُ على غيرِ المُذَكَّى، وإن كان المذَكَّى ميتًا فلا يجوزُ أَكلُ المينة، لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ الآية (٣)، والمعنى: حُرَّم عليكم أكلُها، وهذا مع السَّعَةِ، وأمّا مع الاضطرارِ فيجوزُ أكلها، والأصلُ في ذلك قولُه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية (٤). المسألةُ الثّانية (٥): قوله (٦): "يَأكُلُ حَتَّى يَشبَعَ وَيتَزَوَّدَ" يريدُ: إذا اضطُرَّ فإنّه لا يقتصرُ على ما يُسَدُّ رَمَقَهُ بل يشبع ويتزوّد؛ لأنّها مباحةٌ له كما يفعل في الطّعام المُبَاح. وقال ابنُ حبيب (٧)، إنّما يأكل ما يقيمُ رَمَقَهُ، ثمّ لا يأكل منها حتّى يصير من الضَّرورةِ إلى الحالةِ الَأُولى، وبه قال ابن الماجِشُون؛ لأنّ الإباحة إنّما تثبت له فيما يَرُدُّ به نَفْسَه، وذلك يوجدُ فيما دون الشِّبَعِ، فما زاد فلا يتَنَاوَل لحفظ النّفس فكان ممنوعًا منه، وحكاه عبد الوهّاب (٨).

стр. 2379

وقد رَوَى ابنُ حبيب عن ابن الماجشون أنّه من تَغَذَّى فهي محرّمةٌ عليه يَوْمَهُ، ومن تَعَشَّى فهي محرَّمة عليه ليلَهُ وَيوْمَهُ، ثمّ بعد ذلك إن وَجَدَ بنفسه قوّة، مضَى على ذلك، وإن دخلَهُ ضعفٌ وخافَ الموتَ أو قارَبَهُ، جازَ له أنّ يأكلَ منها ما يردّ نفسَهُ وينهضه في سفره. وتعلَّق ابنُ حبيبٍ بما رَوَى الأوزاعيّ، عن حسّان بن عَطِيَّة، عن أبي واقِد اللَّيثي؛ أنّ رجُلَا قال للنَّبىِّ ﷺ : إِنّا نَكُونُ بِأرْضِ تُصِيبُنَا فِيهَا المَخْمَصَة، فَمَتَى تحلّ لَنَا المَيتَة؟ فَقال لَهُم: "إِذَا لَمْ تَصطَبحُوا أو لم تَغتَبِقُوا ولم تَحْتَفئُوا (١) بقلَا، فَشأنُكُم بِهَا" (٢) والاحتفاء جَمعُ البقلِ وأكلُه (٣)، وذلك يدلُّ على أنّها لا تُؤكَل الميِّتَة ما وَجَدَ الرَّجلُ ما يعلِّله من بقل أو غيره. المسألةُ الثّالثة (٤): قولُه (٥): "في الرَّجُلِ يُضطَرُّ إِلَى المَيْتَةِ، أيأكُلُ مِتهَا وهُوَ يَجِدُ ثَمَرَ القَوْمِ؟ " هو كما قالَ، إنَّ من وجدَ المَيتَة مضطرَّا إليها ووجدَ مَا لا يمكنُه الوصول إليه، فلا يخلو أنّ

стр. 2380

يكون ممّا لا قطعَ فيهِ كالثَّمَرِ المعلَّقِ والزَّرْعِ القائمِ ونحوِهِ، أو يكون ممّا فيه القَطْع إذا أُخِذَ على وجه السَّرقةِ كالمالِ في الحِرْزِ. فإن كان ممَّا لا قَطْعَ فيه، فقد قال مالك من رواية محمّد عنه: إن خَفِيَ له ذلك فلياخذ منه، وأمّا إن وجدّ ثَمَرًا أو زَرعًا أو غَنَمًا لقوم، فظن أنّهم يصدِّقُونه ولا يُعَدٌّ سارقًا، فليأكل من ذلك أحبّ إلىَّ من المَيتَة، فشَرَطَ في المسألةِ الأُولى وهو في الثَّمرِ المعلَّقِ أنّ يخفى له ذلك لمعنيين: أحدهما: أنّ يعلمَ أنّه لَا إِثمَ عليه في ذلك فيما بَينَهُ وبين الله، وإنّما يجبُ أنّ يحترِزَ في ذلك منَ المخلوقين لِنَفْسِهِ، فربَّما أوذِيَ أو ضُرِبَ ولم يُعْذَر بما يَدَّعِيهِ من الضَّرورةِ. وشرَطَ في القِسمِ الثّاني أنّ يصدِّقوه، وهو في الثَّمَرِ الّذي قد آواه إلى حرزه، والغنم الّتي في حرزها، والزّرع الّذي حَصَدَ وأوى إلى حرزه، ولذلك قال: ربّما تقطع (١)، ولم يشترط أنّ يخفى له ذلك؛ لأنّ أَخذَهُ على وَجْهِ السِّتر هو الّذي يقطعُ فيه، فإنّما يجب أنّ ياخذَه معلنًا إنَّ علم أنّهم يصدِّقونه، وإن لم يعلم فلا يتعرّض لذلك؛ لأنّه يؤدي إلى قطع يَدِهِ، والّذي يأخذ من الثَّمر المعلَّقِ لَهُ أنّ يأخذَهُ على وجه الاسْتِتَارِ؛ لأنَّ ذلك لا يوجب قطع يَدِهِ بحال. المسألة الرّابعةُ (٢): وقولُه (٣) "في الزَّرعِ والثَّمَرِ يَأكُل مِتهُ مَا يرُدُّ جُوعَهُ وَلَا يَحمِلُ مِنُهُ شَيئًا" ففرَّق بينَهُ

стр. 2381

وبينَ المَيتَةِ. ووجه ذلك: أنّ هذا مالٌ لغيره، فهو ممنوعٌ منه لِحَقِّ الله وَلِحَقِّ مَالِكِهِ، فليس له منه إِلَّا ما يردُّ جُوعَهُ ولا يزيد على ذلك شيئًا. وأمّا المَيْتَة، فأنّها ممنوعةٌ لحقِّ الله تعالى، وحقوقُه تعالى إِذا استُبِيحَت للضَّرورةِ تجاوزت الرُّخصةُ فيها موضعَ الضَّرورة، وحقوقُ الآدميِّينَ لا تتجاوز مواضع الضَّرورة، وهذا الفرق إنّما هو على رواية "الموطَّأ" (١)، وأمّا على رواية ابنِ حبيب - وهي الرِّواية الثّانية عن مالك - فلا فرق بينهما. المسألة الخامسةُ (٢): قوله (٣): "وذَلِكَ أَحَب إِلي من أنّ يَأكُل المَيتَةَ يريد: ما أكله من الثَّمر والزَّرع مباحُ العين أيضًا، وإنّما مُنِعَ لحقِّ الغيرِ، وإذا بلغتِ الضَّرورةُ إلى استباحةِ المَيتَةِ، فقد لَزِمَ صاحب الثَّمَر والزَّرع أنّ يعطيَهُ منه ما يردُّ رَمَقَه إنَّ لم يكن عنده ثَمَنٌ، أو يبيعه منه إنَّ كان عنده ثَمَنٌ، فهذا أخذ بِقَدْرِ ذلك فقد تعلَّق به حقّه، وكان مباحًا له من الوجهين: من جهةٍ أنّه مباحٌ في نفسِهِ، ومن جهةِ أنّه قد لزم صاحبه تسليمه إليه. وأمّا المَيتة، فليست بمباحةٍ في نفسها، فكان أكل هذا الطّعام الّذي هو مباحٌ في نفسه أَوْلَى. وإنّما خصّ مالكٌ الزَّرعَ والثَّمَرَ والماشيةَ دون سائرِ الأموالِ؛ لأنّ هذه الّتي ينتفعُ المضطرُّ بوجودِهَا، وفي ذلك آثارٌ خَرَّج التّرمذيُّ في "كتابه" (٤) منها أحاديث في باب الرُّخصة في أكل الثِّمارِ للمارّ بها من حديثِ ابنِ عُمَرَ؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ

стр. 2382

دَخلَ حَائِطًا فَلْيَأكُل وَلَا يَتَّخِذ خُبنَةً (١) " (٢)، وفيه حديثٌ صحيحٌ أيضًا، قوله ﷺ : "مَا مِنْ مُسلِم يَغرِسُ غَرسًا أَوْ زَرْعًا فَيَأكُل مِنْهُ إِنْسَانٌ، أَوْ طَائِرٌ، أَوْ دَابَّةً، إِلَّا كُتِبَت لَهُ حَسَنَاتٌ يومَ القِيَامَةِ" (٣). ورأى فقهاءُ الأمصارِ أنْ كلَّ أحدٍ أَوْلَى بمالِهِ ومِلكِهِ، ولم يكن لهم أنّ يطلقوا النَّاسَ على أموال النَّاس، ففي ذلك فسادٌ عظيمٌ. ورأى بعضهم: أنّ ما كان على طريقٍ لا يُعدَل إليه ولا يُقصَد، فلياكل منه المارّ، ومن سعادَةِ المَرءِ أنّ يكون له مالٌ على الطَّريقِ؛ لأنّه يكسِبُ في ذلك الحسنات والمكارم، والَّذي ينتظمُ في ذلك أنّ المحتاج يأكل، والمستغنى يمسك، وعليه تَدُلُّ الأحاديث. المسألةُ السّادسة: في حلب المواشي بغير إذن أهلها ذكر التّرمذيُّ (٤) فيه حديثَ الحَسَن، عن سَمُرَةَ؛ أنّ النَّبىَّ ﷺ قال: "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ فَإن كَانَ فيهَا صَاحِبُهَا فَلْيَستَأذِتهُ، فَإِنْ لَمْ يُجِب فلْيَحْلِبْ وَيَشْرَبْ وَلَا يَحْمِل". قال القاضي: الكلامُ في هذا الحديث إنّما هو في سماعِ الحَسَنُ من سَمُرة (٥)؛ أنّ النّبيّ ﷺ ... الحديث، ولكن الحديث صحيحٌ، وهو محمولٌ على ابنِ السَّبيل المحتاج، وقد خرج النَّبىُّ ﷺ مَعَ أَبِي بَكرٍ مُهَاجرًا إِلَى المَدِينَةِ فَمَرَّا بِغنَمِ فَأَوَيَا إلى ظِلِّ شَجَرَةٍ

стр. 2383

وَوَجدَا رَاعِيًا فَسَألَاهُ، لِمَنِ الغَنمُ؟ فَذَكَرَ رَجُلًا مِنَ قُرَيش، فَاسْتَحْلبَاهُ فَحَلَبَ لَهُم وشَرِبَ النَّبِىُّ، وقد بينَّا في غيرِ مَا موضعٍ وجهَ شربه وأنّه محمولٌ على العادةِ في القَدْرِ اليسيرِ، وعلى العادةِ في احتلابِ المارِّ اللَّبن وشُربِهِ، أو على أنّ ذلك جائزٌ للمحتاجِ أو على النّبيِّ ﷺ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية (١)، أو على أنّ ذلك مال كافرٍ فلم يكن لأحدٍ عليه يدٌ، وقد حقّقنا تلك الأغراض في "النّيِّرين". المسألةُ السّابعةُ (٢): فإن وجدَ المضطرُّ المُحرمُ مَيتَةً وصيدًا، أكلَ الميِّتةَ ولم يُذَكِّ الصَّيدَ؛ لأنّ بذكاته يكون مَيتَة، وقتلُه محرم عليه حَالَ إحرامِهِ، وقال محمّد بن عبد الحكم: لو كان لي ذلك لأكلتُ الصِّيدَ. فرعٌ (٣): فإِن وجدَ المضطرُّ مَيتَةً وخِنْزِيرًا، فالأظهرُ عندي أنّ يأكل الميِّتَةَ ويمتنع من الخِنْزِير؛ لأنّه مَيتَة، ومع أنّه لا يستباحُ بوجهٍ. ولا يجوزُ للمضطرِّ أكل لحم ابن آدم وإن خاف الموت، خلافًا للشّافعيّ (٤). ودليلُنا: أنّ من لا يجوز له قتله لحفظ نفسه فإنّه لا يجوز له أكل لحمه، أصلُ ذلك: أكل لحمه حيًّا. المسألةُ الثّامنةُ (٥): فإذا ثبتَ ذلك، فإنّ المضطرَّ إلى المَيتَة أكثر ما يكون ذلك في السَّفَر على ما

стр. 2384

ذكرنا، وقاله ابنُ حبيب، وأمّا في الحواضر فلا يجوز له، والسَّفرُ في ذلك لا يخلو أنّ يكون سَفَرًا مُباحًا أو مكروهًا أو محظورًا. فأمّا "المباحُ" فهو الّذي يجوزُ لنا أنّ نُرَخِّصَ في أكل المَيتَة. وأمّا "المُحَرِّم" فالمشهورُ من مذهبِ مالك أنّه لا يجوزُ له ذلك، ففرَّق بينه وبين القَصْرِ في سَفَرِ المعصيةِ. وروَى زياد بن عبد الرّحمان أنّ العاصي في سَفَرِه يقصرُ الصَّلاة ويفطر في رمضان، فسوَّى بين ذلك كلِّه، وبه قال أبو حنيفة (١). وقال ابن حبيب: لا يحل له أكل المَيتَة إِلَّا من ضرورةٍ، وبه قال الشّافعيّ (٢). ووجه الأوّل: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية (٣)، ولأنّه لا خلافَ أنَّه لا يجوز له قتل نفسه بالإمساك عن الأكل، فإنّه مأمورٌ بالأكلِ على وجهِ الوجوب، ومن كان في سفر معصيةٍ لا تسقط عنه الفروض والواجبات من الصّوم والصّلاة؟ لأنّهَ يلزمُه الإِتيان بها كلما ذكرنا. ووجهُ القولي الثّاني: أنْ هذه المعاني على وجه التّخفيف والعون على الأسفارِ المباحةِ للحاجةِ إليها، فلا يُباحُ له أنّ يستعينَ بها على المعاصي، وله سبيلٌ إلى أنّ لا يقتلَ نفسَهُ، قال ابن حبيب: وذلك بأن يتوب ثمّ يتناول المَيْتَة، وقد تعلَّق ابنُ حبيبٍ في ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ (٤) فاشترطَ ألَّا يكون باغيًا، والمَسافرُ على وجه الحرابة، أو قطع رحم، أو طالب إثم باغٍ ومتعدٍّ، فلم يوجد فيه شرط الإباحة. المسألة التّاسعةُ (٥): فإذا ثبت ما بيَّنَّاه، فمنِ اضطرَّ إلى شرب الخمرِ لجوعٍ أو عطشٍ حيثُ يجوز له أكل

стр. 2385

المَيْتَة، فهل له أنّ يشربها؟ ففي ذلك روايتان: فروى ابنُ القاسم عن مالك في "العُتبية" (١): لا يشربها ولن تزيدَهُ إِلَّا عطشًا (٢). وقال الأبهري (٣): لا يشربها؛ لأنّها لا تغني من الجوع ولا تُروِي من عطشٍ فيما يقال، وأمّا إنَّ كانت تُشْبع وتروي فلا بأس أنّ يشربها. وفي "النّوادر" (٤) عن ابنِ حبيب فيمن غصّ بطعامٍ وخافَ على نفسهِ، أنَّه يجوز له أنّ يتجرّع الخمرَ، وقاله أبو الفرج (٥). وروى أصْبغُ (٦) عن ابن القاسم: يشرب المضطرُّ، الدَّمَ ولا يشرب الخمرَ، ويأكل المَيتَة ولا يقرب ضوال الإِبل، وقاله ابنُ وهبٍ (٧). المسألة العاشرةُ (٨): وأمّا التّداوي بالمَيْتَة، فالمشهورُ من المذهبِ أنّه لا يحلُّ بوجه. وقال سحنون: لا بأسَ أنّ يُداويَ جرحَهُ بعظام الأنعام المذكّاة، ولا يداويه بعظام مَيْتَة (٩). وإن جعل في قرح أو جرح فلا يصلّي به حتّى يغتسل، وقد خفَّفَ ابن الماجشون أنّ يصلِّي به. فهذا قلنا: لا يجوز التّداوي بها ويجوز استعمالُها للضّرورة، فالفرقُ بين التّداوِي وبين الشُّرب للضّرورة ما قاله، وذلك أنّ التّداوي لا يُتَيَقَّن البُرْء بِهِ، فلم يجز أن يستعمل
следующие страницы →