- حاولنا أنّ نكون مقتَصِدِين أشدَّ الاقتصاد في التّعليق على النّصّ؛ لأنّنا مؤمنون بأنّ الاستكثار في هذا الجانب سيكون على حساب تحرير النَّصِّ وتحريره من التّصحيفات والتّحريفات؛ ولأنّ الهدف من القراءة والضَّبْط هو محاولة إخراج النُّصِّ بصورة صادقة كما وَضَعَه مؤلِّفه كَمًّا وكيفًا، بقَدْرِ الإمكان، فالغاية القُصوى من قراءتنا هي تحرير النَّصِّ، ومحاولة فهمه فهما صحيحًا، ومع ذلك فلقد سمحنا لأنفسنا بالتّعليق على بعض المواضع ممّا رأينا أنَّه يخدم النّصُّ ويقرِّبُه من الباحثين.
- خَرَّجنا أحاديث أغلب "مُوَطَّأ يحيى" وذلك بتَتَبُّع من رواه عن مالك من تلامذته، سواء كانوا من أصحاب الموطّآت، أم من الرُّواة الَّذين رووا عنه خارج "الموطَّأ".
- عَزَوْنَا الآيات القرآنية، وخرّجنا جلّ الأحاديث النّبويّة الشريفة والآثار, بصورة نرجو أنّ يكون التّوفيق قد حالَفَنا في جُلِّها.
- ترجمنا لبعض الأعلام الّذين وَرَدَ ذِكْرُهُم في النّصِّ ترجمة موجَزَة، وكرهنا التّعريف بكل الأعلام لقلّة الجدوى.
- كما عرُّفنا بالغمور والمبهَم من الواضِع والبلدان، بالقَدْرِ الُّذي يخدم النَّصِّ ويوضِّحه وييسِّر الانتفاع به، وتغاضَينا مُتَعمِّدين التّعريف بالمشهور.
- شرحنا بعض الألفاظ الغريبة.
- خَرُّجْنا -بقَدْرِ الاستطاعة- الأشعار والأرجاز بالرّجوع إلى الدّواوين ومجاميع الشِّعْر وكُتُب الأدب.
стр. 282
- ذيَّلْنا كل جزء بفهرست إجمالي للموضوعات، وأخلصنا الجزء الثامن للفهارس الفنية المختلفة، الَّتي تُيسِّر على الباحث الوصول إلى المعلومات والمعارف المتضمّنة في الكتاب في يُسْرٍ لا يشوبهُ عُسر.
وأخيرا، فلقد توخَّينا لهذا الكتاب كلّ أسباب النُّجح، وتَلَّمسناها من مظَانِّها، ومع ذلك فهناك جملة من العبارات الَّتي لم تستقم لنا، فلم نوفَّق إلى إقامتها، فنرجو ألَّا نكون قد أسأنا وأفسدنا من حيث أردنا "الإحسان والإصلاح. فالباحث مهما بذل من جهد، وتَكَبَّد من عَناءٍ، فلن يكون بمَنْجَاةٍ من الزَّلَل والقُصور، وبمأمَنِ من الكَبْوَة والعِثَار. نسأل الله سبحانه أنّ يكتب لنا السداد في أعمالنا كلّها، وأن يمدَّنا بالتّمكن والنشاط في هذا الجهاد الشريف، من أجل إحياء إرثنا المخطوط، ومنه وحده نرجو الرِّضا ونلتمسُ المثوبة.
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
وكتب ذلك بمكة المكرمة:
عائشة السليمانية ومحمد السُّليماني
أولاد الشّيخ الحسين السُّليمانيّ الحمُّوديّ الإدريسي الحسَنِيّ
في اللَّيلة الَّتي يُسْفِرُ صباحُها عن يوم الثّلاثاء ٢٤ من شهر رمضان
المبارك عام ١٤٢٧ من هجرته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم
بمنزلهم بحي الروضة
стр. 283
نماذج مختارة من النُّسَخ المُعْتَمَدة في القراءة والضَّبْط
стр. 284
نماذج مختارة من نسخة المكتبة الوطنية بالجزائر (ج)
стр. 285
الصفحة الأولى من نسخة الجزائر (ج)
стр. 286
بداية نسخة الجزائر (ج)
стр. 287
نهاية السفر الثاني من نسخة الجزائر (ج)
стр. 288
الصفحة الأخيرة من نسخة الجزائر (ج)
стр. 289
نماذج مختارة من نسخة الزاوية الحمزاوية بالراشدية بالمغرب الأقصى
السفر الأوَّل (غ)
السفر الرابع (م)
стр. 290
صفحة عنوان السفر الأوَّل من نسخة الزاوية الحمزاوية (غ)
стр. 291
بداية السفر الأوَّل من نسخة الزاوية الحمزاوية (غ)
стр. 292
نهاية السفر الأوَّل من نسخة الزاوية الحمزاوية (غ)
стр. 293
صفحة عنوان السفر الرابع من نسخة الزاوية الحمزاوية (غ)
стр. 294
بداية السفر الرابع من نسخة الزاوية الحمزاوية (م)
стр. 295
آخر صفحة من السفر الرابع من نسخة الزاوية الحمزاوية (م)
стр. 296
نماذج مختارة من نسخة محمَّد بن عبد الكريم الفكون المغربية ملك الحاج نجيب الدمناتي (غ) (م)
стр. 297
صفحة عنوان نسخة الفكون وهو السفر الثاني
стр. 298
بداية السفر الثاني من نسخة الفكون
стр. 299
نهاية السفر الثاني من نسخة الفكون
стр. 300
آخر لوحة من نسخة الفكون
стр. 301
نماذج مختارة من نسخة من خزانة القرويين بفاس (ف)
стр. 302
بداية نسخة القرويين (ف)
стр. 303
نهاية نسخة القرويين (ف)
стр. 304
نموذج من نسخة علال الفاسي بالرباط
стр. 305
بداية نسخة علال الفاسي
стр. 306
نموذج من نسخة علال الفاسي
стр. 307
المسالِك في شرح مُوَطَّأ مالِك
لأبي بكر محمَّد بن عبد الله بن العربيّ المعافريّ
стр. 308
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على محمَّد وآله وسلَّم تسليمًا
قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربيّ ﵁:
الحمدُ للهِ الَّذي أكرمَنَا بأفضَلِ المِلَلِ، وَشَرفَنَا بأكْرم النِّحَل، ونَبَّهَنَا على قواعد الأحكام، وبَيَّنَ لنا الحلال من الحرام، وهدانا إلى الصّواب، وعلَّمَنا الكتاب، حتّى عرفنا بتوفيقه مثار الآراء ومنشأ الاختلاف، ومآخذ العِلَل ومواقع الزَّلَل، وأقدرنا إلى الحقِّ المنزل من السَّماء.
وإنّ آراء المجتهِدينَ في أحكام الدِّين ليست على سوانح النّصائح وفواتح المناهج، وإنَّ ما لا يوافقُ الشّرعَ المنقول، مطروحٌ وإنْ قبلته ظواهر العقول. ثمّ إنّ أحكام الله تعالى في الوقائع تفوت الحدّ وتتجاوز المَرَاد، مع استنباط المُرَاد الَّذي هو الأساس ومنه الاقتباس، وذلك في إبدل البدائع، فَسُبْحان منْ بعثَ في الأميِّينَ رسولًا منهم بشريعة، يحارُ (٧) فيها فحصُ الفاحصين وقصدُ القائسين. قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (١)، وقال جلّ ثناؤُه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ (٢)
стр. 309
اعلموا -أنارَ اللهُ قلوبَكُم للمعارف، ونبَّهَنا وإياكُم على الآثار والسُّننِ السّوالف- أنّه إنَّما حملني على جَمْع هذا المجموع بما فيه -إن شاء الله- كفاية وقُنوع أمور ثلاثة، وذلك أنّه ناظرتُ يومًا جماعة من أهل الظّاهر الحَزْميَّة، الْجَهَلَةِ بالعِلْم والعُلَماء، وقلَّة اللهم، على موطأ مالك بن أنس، فَكُلٌّ عَابَهُ وَهَزَأَ بِهِ. فقلت لهم: ما السّبب الَّذي عبتمُوهُ من أجله؟
فقالوا: أمورٌ كثيرةٌ:
أحدها: أنّه خَلَطَ الحديثَ بالرَّأيِ.
والثاني: أنّه أدخل أحاديثَ كثيرة صِحَاحًا وقال: ليس العمل على هذه الأحاديث.
والثالث: أنّه لمْ يفرِّق فيه بين الْمُرْسَلِ من الموقوت، والمقطوع من البلاغ، وهذا من إمام -قد صَحَّتْ عندكم إمامَتُه في الفقه والحديث- نقيصةٌ، إذ قد أَسْنَدَ كلُّ مُصَنِّفٍ في كتابه أحاديثَهُ.
فقلت لهم: اعلموا أنّ مالكًا ﵀ إمامٌ من أيِمَّة المسلمين، وأنّ كتابه أجلّ الدّواوين، وهو أوَّلُ كتاب أُلِّفَ في الإسلام، لم يُؤَلَّف مثله لا قَبْلَهُ ولا بعدَهُ، إذْ قد بناه مالك ﵀ على تمهيد الأصول للفروع، وَنَبَّهَ فيه على عِلْمٍ عظيمٍ من مُعْظَم أصول الفقه التي ترجع إليه مسائله وفروعه. وَأَنَا - إِنْ شاء الله- أنبِّهكمَ على ذلك عِيَانًا، وتُحيطونَ به يقينًا، عند التّنبيه عليه في موضعه إن شاء الله.
وإن كان مَنْ سَلَفَ من الأيمّة المتقدِّمين من الفقهاء والمحدِّثين قد وضع فيه كُتُبًا كثيرةً، وإن كانت كافية شافية، وبالغَرَضِ الأقصى وافية، لكن لم يَسْلُكوا فيها هذا الغَرَض من أصول الفقه وعلوم الحديث، واستخراج النُّكَتِ البديعة والعلوم الرّفيعة.
وأقدِّم في صدر هذا الكتاب مقدِّماتٍ ثلاثًا:
стр. 310
المقدِّمةُ الأولى: في التّنبيه على معرفة فضل مالك ﵀ ومناقبه وسَلَفِهِ، وذكر موطَّئه وشرفه.
المقدِّمةُ الثانية (*): في الردِّ على نفاة القياس من الظّاهريّة الحزميَّة، وإثبات ذلك من كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله ﵇ والإجماع.
المقدِّمةُ الثّالثة: في معرفة الأخبار وقَبُولِ خبر الواحد العدْل، ومعرفة علوم الحديث، وتبيين الْمُرسَلِ من الْمُسنَد، والموقوف من المرفوع والبلاغ. والكلام في الرِّواية والإجازة والمناولة، والقول في حدّثنا وأخبرنا، هل هما واحدٌ أم لا؟
وإن كان الشّيخ الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ قد نَبَّهَ أيضًا على ذلك في "كتاب التّمهيد لما في الموطَّأ من الأسانيد" ولكنَّه كتابٌ صَعْبٌ على الطّالب اكتسابه، ويملّ القارئ قراءته، ولم يُشْبعْ فيه من فروع المسائل وقواعد النّوازل.
وقد كان الإمام القاضي أبو الوليد الباجي قد أشبع أيضًا القول في هذا الفنّ، وَأَغفَل أيضًا كثيرًا من علوم الحديث الَّذي تضمنه "كتاب الموطَّأ".
وأما غير هؤلاء من المؤلِّفين والشّارحين لكتاب "الموطَّأ" فلا يُلتفَتُ إليهم؛ لأنّها كتُبٌ ليست بمفيدةٍ للطّالب، مثل القَنَازِعِي (١) والْبُونيّ (٢) وابن مُزَيْن (٣) فلا يُعَوَّلُ عليها. وآخر كتابٍ قيّد فيه علوم جليلة وفوائد خطيرة، فه و"كتاب القبس لشرح موطَّأ مالك ابن أنس" ﵁.
стр. 311
والكلامُ في شرح "الموطَّأ" إنما هو على كتاب يحيى بن يحيى اللّيثي، الَّذي دخل الأندلس وأدخله.
قال الإمام- الحافظ ﵁: أذكر في هذا المجموع- إنْ شاء الله تعالى- ما قّيَّدْتُه عن العلماء والمَشيخة العُلْيَا، من نوادر الغريب في اللّغة والفقه الخطير، بعد أنّ أَذْكُرَ فيه فضائل مالك ولُمَعًا من أخباره.
أمّا يحيى بن يحيى الرّاوي عنه هذا الكتاب، فهو يحيى بن يحيى بن كثير اللَّيثيّ،- يُكنَى أبا محمَّد، وهو بَرْبَرِيّ الأصل من مصمودة من بني ليث، وكان خَيِّرًا وَقُورًا عاقلًا، آخذًا في هيئته بزيِّ مالك وسَمْتِهِ. سمع من مالك"الموطَّأ"، وسمع بمكَّةَ من سفيان بن عُيَيْنة، وسمع بمصر من اللّيث بن سعد، ومن عبد الرحمن بن القاسم. وقَدِمَ الأندلس بعِلْمٍ كثير، فَفَشَتِ الرِّواية على رأي مالك. ولم يُعْطَ أحدٌ في الأندلس من الْحُظوَة وعظيم الجاه ما أعطِيَهُ يحيى بن يحيى (١). وكان متغلِّبًا على الإمام عبد الرحمن بن الْحَكَم، حتى إنّ كان لا يقدَّم قاضيًا ولا كاتبًا ولا وزيرًا إلَّا بمشورته (٢)، وكان يلبس ثوب الوَشْيِ الرَّفيع، قيمته المال الكثير، ويدخل به على الأمراء (٣)، وكان غنيا. لكنّه عابَهُ أهل الأندلسَ بكثرة الوهم في كتابه، وكان الَّذي انْتُقِدَ عليه مواضع كثيرة نحو من ثلاثين موضعًا (٤)، وكان يقول في روايته: إلا بأس أنّ يدخل يخفيه ويعليه" وهو تصحيفٌ
стр. 312
والتصحيح بخُفَّيْهِ ونَعْلَيْهِ، فسئل يحيى عن تفسير ذلك، فقال: يسنده ويحسنه (٢) وهذا خطأ وَوَهَمٌ.
وكان يروي أيضًا فيما رأيتُه له في حديث عائشة (١) أنّها قالت: "تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ ﷺ بينَ حافتي وذافتي" والصواب: "بين حَاقِنَتِي وذاقِنَتِي (٢) " (٣).
وتوفي سنة أربع وثلاثين ومئتين، في أيام عبد الرحمن بن الحَكَم.
المقدِّمة الأولى
وهي تنقسم على نوعين:
النّوع الأوَّل: في التّرغيب في الحضِّ على قراءة "الموطَّأ"، وذكر لُمَعٍ من أخبار مالك بن أنس، وذكر فضائله، وشرف موطّئه، وذكر فضيلة طلب العِلْم .
قال الله العظيم: ﴿يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٥).
стр. 313
قال الشّافعيّ ﵁: العِلْمُ (١) يدورُ على ثلاثةٍ: مالكُ بنُ أنسٍ، وسفيانُ ابنُ عُيَيْنَةَ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ (٢).
وقال أحمدُ بنُ شُعَيْبِ النَّسائيّ: أُمناءُ الله على عِلْمِ رسوله ﷺ : شُعْبَةُ بنُ الحَجَّاجِ، ومالكُ بنُ أنس، ويحيى بنُ سعيدٍ القطّانُ (٣).
قال (٤): وما أحَدٌ عندي أجلَّ بعد التّابعين من مالك بن أنس، ولا أوثقَ ولا آمَنَ على الحديث منه، ثمّ بعدَهُ شعبةَ في الحديث، ثم بعده يحيى بن سعيدٍ القطّانِ، ليس بعد التَّابعين أوثقُ منهم على الحديث، ولا أقلُّ روايةً عن الضعفاء منهم.
وكان الشّافعيُّ ﵁ يقولُ: لولا مالكُ بنُ أنسٍ وسفيانُ بن عُيَيْنَةَ لذَهَبَ عِلْمُ الحِجَازِ (٥).
وقال الشّافعيُّ: كان مالكُ إذا شكَّ في الحديث طَرَحَهُ كُلَّه (٦).
وقال محمدُ بن عبدِ الْحَكَمِ: سمعتُ الشّافعيَّ يقولُ: إذا ذُكِرَ العلماءُ فمالكٌ النَّجْمُ (٧).
قال (٨): والثُّوريُّ إمام، إلَّا أنّه يَرْوِي عن "الضُّعفاء" قال: وكذلك ابنُ المبارَك من أجَلِّ أَهْلِ زمانِهِ، إلَّا أنّه قَيَّدَ (٩) عن الضُّعفاء.
стр. 314
وقال عبدُ الرحمن بن مهديِّ: لا يكونُ إمامًا في العِلْم من يأخذُ بالشَّاذِّ من العِلْمِ، ولا يكونُ إمامًا في العِلْمِ من يروي كلّ ما يَسمَعُ. قال: والحفظُ: الإتقانُ (١).
قال أبو عمر (٢) ﵁: "ومعلومٌ أنّ مالكًا كان أشدَّ النّاس تَرْكًا للشّذوذِ في العِلْمِ، وأقلَّهم تكلُّفًا، وأتقَنَهُم حِفظًا، ولذلك صار إمامًا".
وقال مالك: لاَ يُؤخذُ العِلْمُ من أربعةٍ، وَيؤخذُ مِمَّا سوى ذلك، لا يؤخذ من سَفِيهٍ. ولا من صَاحبِ هَوًى يَدْعُو النَّاسَ إلى هَوَاهُ. وَلاَ مِنْ كَذَّابٍ يكذِبُ في أحاديثِ النّاس وإنْ كان لا يُتَّهَمُ في أَحَادِيثِ رسول الله ﷺ . ولا ممن له فضلٌ وَوَرَعٌ وَعِبَادَةٌ إذا كان لا يعرفُ مَا يَحْمِلُ وما يُحَدِّثُ به (٣).
قال مالك ﵁: أدْركتُ بهذ البلدةِ مَشْيَخَةً أَهْلَ فّضْل ودِينٍ وصلاحٍ يُحَدِّثونَ النَّاس، ما سمعتُ مِنْ أَحَدٍ منهم قَطُّ شيئًا. قِيلَ لَهُ: يا أبا عبد الله، ولِمَ؟ قال: ما كانوا يعرفون مَا يُحَدِّثون بِهِ (٤).
وكان مالكٌ ﵀ يقولُ: إنَّ هذا العِلْمَ دِينٌ، فانظُروا عمَّن تأخذُون دِينَكُم. قال: ولقد أدركْتُ سبعينَ ممّن يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ عند هذه الأساطينِ- وأشار إلى المسجد مَسْجِدِ رسولِ الله ﷺ فما أخذتُ عنهم شيئًا، وإنّ أحدَهُم لو أؤتُمِنَ على بيتِ مالٍ لكان أمينًا، إلَّا أنّهم لم يكونوا من أهل هذا الشَّأنِ. قال: وقَدِمَ علينا ابنُ شِهَابٍ
стр. 315
وكنّا نتزاحمُ على بابِه (١).
وقال يحيى بنُ مَعِينٍ: آلةُ هذا الحديث الصِّدقُ (٢).
وقال بِشْرُ بنُ بَكْرٍ: رأيتُ الأوزاعيَّ في المنام مع جماعةٍ من العلماءِ في الجنَّةِ، فقلتُ: وأين مالكُ بنُ أنسٍ؟ فقال: رُفِعَ، قلتُ: بِمَ ذا؟ قال: بِصِدْقِهِ (٣).
وقال مُصْعَب بن عبد الله الزُّبَيْريُّ قال: سمعتُ أبي يقول: كنت جالسًا مع مالكِ ابنِ أنسٍ في مسجد رسول الله ﷺ ، إذْ جاء رجلٌ فقال: -أيُّكُم أبو عبدِ الله؟ فقيل له: هذا: فجاءَ وسلَّمَ عليه واعتنَقَهُ وقَبَّلَ بين عيْنَيه وضَمَّه إلى صَدْرِه، وقال: واللهِ لقد رأيتُ البارحةَ رسولَ الله ﷺ جالسًا في هذا الموضع، فقال: عليَّ بمالكٍ، فَاُتِيَ بك وأنت تَرْتَعِدُ فرائصُك، فقال لك: ليس بك بأسٌ يا أبا عبد الله، وكَناكَ، وقال لك: اجلِسْ، فجلستَ، فقال: افتَحْ حَجْرَكَ، ففتحتَ، فملأه مِسكًا منثورًا، وقال: ضُمَّه إلى صدرك وبُثَهُ في أمتِي، قال: فبكَى مالكٌ بكاءَ طويلًا، وقال: الرُّؤيا بُشْرَى، وإنْ صَدَقَتْ رؤياك، فهو العِلْمُ الَّذي أودَعَنِي اللهُ سبحانه (٤).
وكان الشّافعيُّ يقول: ما بعدَ كتابِ الله تعالى كتابٌ أكثر صوابًا من موطّأ مالكِ بن
стр. 316
أنسٍ (١).
وقال أيضًا: ليس بعد كتاب الله تعالى أنفع منه (٢).
وقال عَمْرُو بنُ أبي سَلَمَةَ: ما قرأتُ كتابَ الجامع من موطّأ مالكِ بنِ أنسٍ إلَّا جاءَني آتٍ في المنامِ، فقال لي: هذا كلامُ رسولِ الله ﷺ حقًّا (٣).
وقال ابنُ عبد الواحد صاحب الأوزاعيّ: عَرَضْنَا على مالكٍ الموطَّأ في أربعينَ يومًا، فقال: كتابٌ أَلَّفْتُهُ في أربعين سنةً، قرأتموه عليّ في أربعين يومًا، ما أَقَلَّ ما تفقَهُونَ فيه (٤).
وقال له أبو جعفَرٍ المنصور: دَعْنِي أكتبُ الموطَّأ بالذَّهَب وأحرقُ الكُتُبَ، وأبعثُ بِنُسَخٍ من الموطَّأ إلى البلدانِ، فقال له مالكٌ: يا أميرَ المؤمنينَ، فإنّ العِلْم كثيرٌ (٥)
وأما نَسَبُه فمعروفٌ، قد ذَكَرَهُ ابن قُتَيْبَةَ في "المعارف" (٦) والواقديُّ (٧) وغيرُ ذلك (٨).
стр. 317
وأمّا مولدُه فذكَرَ ابنُ بُكَيْرٍ أنّه وُلِدَ سنة ثلاثٍ وتسعينَ (١).
وقال محمدُ بنُ عبدِ الحَكَم: وُلِدَ مالك سنةَ أربعٍ وتسعينَ، وفيها وُلدَ اللَّيثُ بن سَعْدٍ (٢).
وقيل: وُلدَ مالكٌ سنةَ أربع وتسعين، وتوفِّي بالمدينة لعشرٍ خَلَوْنَ من ربيعِ الأوّلِ سنةَ تسع وسبعين ومئةٍ (٣). ومَرِضَ يومَ الأحدِ لتمام اثنين وعشرين يومًا، وغسَّلَهُ ابنُ كِنانَةَ وسعيدُ بنُ دَاوُدَ (٤).
قال حبيبٌ: وكنتُ أنا وابنُه يحيى نَصُبُّ عليه الماءَ، وأَنْزَلَهُ في قَبْرِهِ جماعةٌ (٥).
قال أبو عمر (٦): "كان لمالكٍ ﵀ أربعةٌ من الوَلَدِ: يحيى، ومحمّدٌ وحمّادٌ، وأمُّ أبيها (٧)، فأمَّا يحيى وأمّ أبيها فلم يُوصِ بهما إلى أحَدٍ، وأمّا حمّاد
стр. 318
ومحمّدُ فأَوْصَى بهما إلى إبراهيمَ بن حبيبٍ رجلٌ من أهل المدينة.
وأَوْصَى مالك ﵀ أنْ يُكَفَّنَ في ثياب بيضٍ، وُيصلَّى عليه في موضع الجنائز، فصلّى عليه عبدُ الله (١) بنُ محمَّدِ بن إبراهيمَ بن محمدٍ بن عليَّ بنِ عبدِ الله بن عبَّاسٍ؛ وكان واليًا على المدينة (٢)، وبلَغَ كَفنُه خمسةَ دنانيرَ.
وترك ﵀ من النَّاضِّ (٣) ألْفَيْ دينارٍ وستَّ مِئَةِ دينار (٤) وألفَ درهمٍ (٥).
قال الإمام (٦): فكان الَّذي اجتمعَ لوَرَثَتِهِ ثلاثةَ اَلافِ دينار (٧).
وقال سُحْنُونٌ: تُوُفي مالك ﵀ وهو ابنُ سبعٍ وثمانينَ سنةً، وأقام بالمدينة مُفْتِيًا بين أظهُرِهِم ستّين سنةً (٨).
стр. 319
وقيل: حَمَلَتْهُ أمهُ سَنَتَيْن (١)، وقيل ثلاثَ سنينَ (٢)، كلُّ ذلك أقام في بَطنِ أمِّهِ (٣).
وكان ﵀ أشقر شديد البياض، كبير الرّأس أصلع، ولم يكن بالطّويل (٤).
وكان (٥) رجلًا مَهِيبًا، لم يكن في مجلسه شيءٌ من المِرَاءِ واللَّغط ولا رفع صوت، وكان القُرّاء يسألونه عن الحديث فلا يُجِيبُ إلَّا في الحديثِ الواحدِ (٦)، وربّما أذنَ لبعضهِم فقرأ عليه، وكان له كاتبٌ قد نسخ كتابه (٧)، يقال له حَبِيب، يقرأ فيه للجماعة، فليس أحدٌ ممِّن يحضر مجلسه يدنو ولا يَنْظُرُ فيه (٨) ولا يَستفهم، هَيبةً لمالك، وإجلالًا له، وكان حبيب إذا قرأ وأخطأ، فَتَح عليه مالك، وكان ذلك قليلًا.
стр. 320
وكان مالك يجلسُ في منزلٍ له على ضِجَاعٍ، وكان له نَمَارق مطروحة يَمْنَةَ ويَسْرَةً.
وكان يحيى بن عبد الحميد يروي حديثًا (١)؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "يُوشَكُ أنّ يَضْرِبَ النَّاسُ أكْبَادَ الإِبِلِ، فلا يَجِدُونَ عالِمًا أَعلَمَ من عَالِمِ المدينةِ" (٢).
فقال يحيى بنُ معينٍ: سمعتُ ابنَ عُيَيْنَةَ يقول: أظنّ أنّه مالك بن أَنَس (٣).
والكلام في فضلِه وأخبارِه أكثر من أنّ تُحْصَى، أضربنا عن ذِكْرِها.
فصل
اختلف الناسُ أي كتابٍ وُضِعَ في الإسلام أوّل على ثلاثة أقوال:
القول الأوَّل - قيل: إنّ أوَّلَ كتاب صُنِّف في الإسلام، وقُرِىءَ على النّاس "موطَّأ مالك بن أنس"، وهو قولُ جماعة كثيرة. وكان مالك من أصحاب الحديث، ثمّ اتَّبَعَ ربيعةَ بنِ إبي عبدِ الرَّحمن فقال برأيه. وألَّفَ كتابًا في الحلال والحرام والفرائض والأحكام والشّرائع سمّاه "الموطَّأ"، ورَوَى فيه أحاديث عن رسول الله ﷺ وخالفها وقال: "ليسَ العَمَلُ عليها" والعملُ عندَه ما أدركَ عليه العمل بالمدينة دون سائرِ الأمصارِ؛ لأنّها دار الهجرة ومنزلِ الوحيِ، ومنها تفرقّتِ الصّحابةُ في الأمصارِ، فَهُمُ الْحُجَّةُ على