← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

النِّكاحُ الجائزُ، وشروطُه خمسةٌ: ١ - ٢ - متعاقدان حصلت فيهما أهليّةُ العَقْدِ. ٣ - ووليٌّ استَقلَّ بأهليَّةِ الولايةِ. ٤ - وصَدَاقٌ يقبَلُ العَوَضِيَّة. ٥ - وإعلانٌ يُفَارِقُ بهِ السِّفَاح الّذي حرَّمَ الله. فإذا اختلَّ شرطٌ من هذه الشّروط تَطَرَّقَ الفسادُ إلى هذا النِّكاح، ومداخِلُ الاحْتِلالِ لا تُحصَى؛ إِلَّا أنّ مالكًا ﵀ أراد بالتَّبْوِيب أُمَّهات الفَسَادِ ومشهوراتِه، وحَصَلنا منها على ثلاثِ مسائلَ: ١ - المسألةُ الأُولى: نكاحُ الشِّغارِ وهو المُعَاوَضَةُ بالبُضعِ بالبناتِ والأَخَوَاتِ (١). وهو في العربيَّة (٢) مأخوذٌ من المُشَاغَرَةِ، وهو رفعُ الكلبِ ساقه عند بوله، فصار عاقد النِّكاحِ علَى الشِّغَارِ قاصدًا إلى رفع الصَّدَاق (٣)، فتصيرُ الزَّوجة موهوبَة بغير صَدَاقٍ، فلذلك يُفسَخُ النِّكاحُ متى عُقِدَ على الشِّغارِ. ورأَى ابنُ القاسم استحبابًا أنّ يفُسَخَ بغير طَلَاقٍ (٤). وكذلك نكاحُ السِّرِّ لا خير فيه. واختلفَ النَّاسُ في الشِّغَار جوازًا وفسادًا، واختلفَ قولُ مالك فيه أيضًا فَسخًا وإمضاءً، وله صُورٌ، أشدّها أنّ يقول: زَوَّجتُك ابنَتِي على أنّ تزوّجَنِي ابنتَكَ. وهذا هو

стр. 2557

الّذي فسَّرَ الراوي في الحديث، وليس من كلام النّبيّ ﷺ . وفي اشْتِقَاقه كلام، أَصَحُّهُ أنّه النِّكاحُ الخالي من الصَّدَاقِ، من قولهم: بَلَدٌ شَاغِرٌ، إذا كان خَاليًا. وهذا العَقدُ على هذا الوجه لم يَفسُد؛ لأنّه خَلَا عن الصَّدَاقِ، وإنّما فَسَدَ لأنّه جُعِلَ فيه صداقًا ما ليس بصداق، وقُوبِلَ البُضْعُ بِالبُضْعِ. فأمّا نكاحٌ يُعقَدُ لا للصَّدَاقِ فيه في ذِكْرٌ فهو جائز إجماعًا. وقد قال: "أبو المعالي الجُوَيْنِيُّ" إنّه إنّما فسَد نكاحُ الشِّغارِ من جهةِ أنّه عُلَّق على شرطٍ، والنِّكاحُ لا يَقْبَلُ الإِغرارَ والإخطار بخلافِ الطَّلاقِ، وفيه تفصيلٌ، بيانُه في "المسائل" بأدلَّةٍ استوفيناها في "مسائل الخلاف"، والإشارةُ فيه إلى ما كانت الجاهلية تفعلُهُ، وقد هدم اللهُ نكاحَ الجاهليّة بالإسلامِ. ٢ - المسألةُ الثّانيةُ (١): ذِكرُ نكاح السِّرِّ وله صُوَرٌ؛ أشدُّها مالم يكن فيه شاهِدٌ، وهو الّذي يُرْجَم فاعلُه إذا عُثِرَ عليه فادّعاهُ ولم يثبت. وأمّا إذا وقعت الشَّهادّةُ عليه وتواصَوا بكِتمَانِهِ، فقد اختلفَ فيه علماؤُنا، والصّحيحُ جوازُه؛ لأنّ الله تعالى جَعَل الشّهادةَ غايةَ الإعلام. وقد يكونُ التّواصي بالكِتْمَانِ لغَرَضٍ لا يعودُ إلى النِّكاح، فلا يَقدحُ ذلك فيه،

стр. 2558

وأحاديثُ الإعلان والضَّرب عليه بالدُّفّ لم يَصِحَّ منها شيءٌ، وقد بينَّا ذلك في "شرح الصحيحين" بأحسن بيان إنَّ شاء الله. مسألة (١) في مقارنة الشّهادة لعَقد النِّكاح فلا خلافَ أنّه الأفضل، لاخّتلافِ النَّاسِ في ذلك، وليس عندنا ذلك بشرطٍ في صحَّتِه، ويجوزُ عندنا أنّ ينعَقِدَ بغيرِ شهادةٍ، ثمّ يقعُ الإشهادُ بعدَ ذلكَ، وبه قال: ابنُ عمر، وعروةُ بنُ الزّبير، والحسن، وعطاء. ومن المحدّثين: عبد الرّحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون. وقال أبو حنيفة: لابدّ من شَاهِدَيْنِ وإِن كانا فاسقين، ويجوز فيه رجلٌ وامرأتان (٢). فإن عَرِيَ عن الشَّهادةِ دونَ العَقْدِ، وَجَبَ فَسْخُهُ لفسادِهِ، وأقلّ ذلك شاهِدَا عَدْلٍ، وبه قال الأوزاعيُّ والثَّوريُّ. مسالةٌ أُخرَى (٣) في صِفَةِ من يثبُت النِّكاح بشهادَتِهِ فإنّه لا يثبت بأقلّ من شاهِدَيْن من الرِّجال، وكذلك الطّلاقُ والرَّجْعَةُ، وبه قال الشّافعيّ (٤). وقال أبو حنيفة: يثبت برَجُلٍ وامرأتين (٥). ودليلُنا: قولُه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ الآية (٦)، والأمرُ يقتضي الوُجُوب. ٣ - المسألةُ الثّالثةُ (٧) الّتي تعرَّضّ لها مالك في "الموطَّأ": تزويجُ الوَلِيِّ الثَّيَّبَ

стр. 2559

بغيرِ إِذْنِها (١). وهو مردودٌ إجماعًا، وعَقَّبَ ذلك بالنِّكاح في العِدَّة (٢)، وهو مفسوخٌ بإجماعٍ من الأُمَّةِ. وإنَّما اختلفوا إذا كان الوِقَاعُ في العِدَّةِ، هل يتأبّدُ التّحريمُ عليه فيها أم لا؟ فقال مالك بتأبيده. وقال جمهورُ العلّماءِ: لا يَتَأبَّدُ. ومالكٌ أقومُ قِيلًا، وأهْدَى سبيلًا؛ لأنّه تَعلَّقَ في ذلك بقَضَاءِ عمرَ بنِ الخطّاب ﵁، وقضاءُ عمرَ معضودٌ بالأدِلَّة، فإنّه استعجلَ بالنِّكاحِ في العِدَّةِ أمرًا كانت له فيه أَنَاةٌ، ومن استَعْجلَ شيئًا قبل وَقتِه وحِلَّه بالمعصيةِ، قُضِيَ عليه بِحِرْمَانِه، كالوارِث إذا قتل مَورُوثهُ، وهذا بَيَّنٌ لا خفاءَ فيه إنَّ شاء الله تعالى. باب نكاح الأَمَة على الحُرَّة الفقه في مسائل: المسألة الأولى (٣): اختلفَ قولُ مالكٍ في ذلك على تفصيلٍ بيانُه في "المسائل"، وهي مسألةٌ مُشكلةٌ

стр. 2560

جدَّا؟ لأنّها تعارضت فيها آيتان، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الآية (١)، ثمّ قال في آخر الآية: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٢)، فهذا عامٌّ مُستَرسِلٌ على الأحوالِ. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية (٣)، ثّم قال في آخر الآية: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ (٤). وليس الإشكال في أنّ نكاح الأَمَة المُطْلّقَةِ في آية "النُّور" مُقَيَّدٌ بالشَّرطَين في آيةِ "النِّساء"، بل ذلك إجماعٌ من الأُمَّةِ، وإنّما وقع الاختلافُ فيها في كيفيّة الشَّرطِ وهو تفسيرُ "الطَّولِ". فَمِنَ السلَفِ من قال: إنَّ الطَّولَ أنّ يكون* تحتَه حُرَّةٌ. ومنهم من قال: إنَّ الطَّوْلَ أنَ يكون* عندَه من المالِ قَدْرَ ما يَبذلُ في الصَّدَاقِ لها والنَّفَقةِ عليها، فكان المعنى على التّأويل الأولِ: من لم تكن عنده حرّةٌ وخافَ الزِّنَى فليتَزَوَّجْ أَمَةً وهذا إذا كَشَفْتَهُ هكذا فَسَادٌ في الكلام، وتثبيجٌ، فإن لم يكن تحته حُرَّةَّ وخافَ الزِّنَى تزوّج حزة، فلابُدَّ من تَمَامِ الكلامِ ونظامِهِ، وتحقيقِ الشّرطينِ، أنّ يُفَسَّرَ الطَّولُ بالقُدْرةِ على المالِ في بَذْلِ الصَّدَاقِ والنَّفَقَة، وهذا ما لا غُبَارَ عليه. وأمّا مالك وغيرُهُ من العلّماءِ فقال: إنَّ الحُرَّةَ لها حقٌّ في اجتماعِها في النّكاح مع الأَمّة، وذلك معلومٌ من نصِّ الآيةِ، فإنّ الله أَطلَقَ نكاحَ الحَرَائِرِ وقيَّدّ نِكاحَ الإِمَاءِ بما انتفت بذلك التّسويةُ بينهما، فهذا معلومٌ بظاهر النَّطرِ، وبَقِيَ تفصيلُ الحالِ في

стр. 2561

اجتماعِ الحُرَّةِ مع الأَمَةِ أو فرقَتِهما بذِكرِ صفتِه وطريقتِه في "المسائل" مُسْتَوْفىَ إنَّ شاءَ اللهُ تعالى. فرع: وأمّا إنَّ تَزوَّجَ الأَمَةَ على الحُرَّةِ، فقد كان من قول مالك المنعُ من ذلك مع وُجودِ الطَّوْلِ (١). ثمَّ رجعَ فقال: يجوزُ، وتُخَيَّرُ الحُرَّةُ، وهو قولُ ابنِ المُسَيَّب، وبه أخذَ ابنُ القاسِم (٢). وقوله (٣): "لَا يَنبغِي أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً، وَهُوَ يَجِدُ طوْلًا" هذا هو المشهورُ من المذهب، والله أعلمُ. باب النَّهي عن نكاحِ إِمَاءِ أهلِ الكتابِ الفقه في مسائل: المسألة الأولى (٤): اختلفَ العلّماءُ فيها: فصارَ أهلُ الكوفةِ إلى أنّ نكاحَهَا جائزٌ، منهم أبو حنيفة (٥). وقال أهلُ الحِجَازِ وأهلُ المدينة: لا يجوزُ ذلك، منهم الشّافعيُّ (٦)، واتّفقوا على أنَّه يجوزُ وَطؤُها بمِلكِ اليمينِ.

стр. 2562

وقال المخالفُ أبو حنيفة: كلُّ محلٍّ حَلَّ وَطْؤُهُ بِمِلْك اليمينِ حَلَّ وَطْؤُهُ بِالنِّكاحِ، وهذا لا غُبَارَ عليه، غير أنّ مالكًا والشّافعىَّ عَوَّلَا على أصل، وهو قولُه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١) وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية (٢). فاحتجَّ مالكٌ (٣) بتَخصيصِ الآيةِ في الإذن في نِكاحِ الفتياتِ المؤمناتِ دون مُطْلَقِ النّساءِ، وهذا نصٌّ منه على التَّعلُّقِ بالتَّخصيصِ، والقولِ بدليلِ الخطّاب، ولم يختلف قَطُّ في ذلك قَوْلُه، وإنّما يُترَكُ دليلُ الخطابِ إذا عارَضَهُ ما هو. أَقْوَى منه، وقد قال مالك: إذا تعارضَ العمومُ ودليلُ الخطابِ، قُدَّمَ العمومُ عليه؛ لأنّه يتناولُ المسألةَ بلفظه، ودليلُ الخطابِ يتناوَلُها بمعناه، واللَّفظُ يُقَدَّمُ علَى المعنى، وقد بيَّنّا ذلك في "أُصولِ الفقهِ". وقال ابنُ عمرَ (٤): لا يجوزُ نكاحُ الحُرَّة الكتابيَّةِ؛ لأنّ الله تعالى يقولُ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٥) وأيٌّ شِرْكٍ أعظمُ من أنّ يقال: عِيسَى وَلَدُ اللهِ (٦)، فرَأَى أنّها داخلةٌ في عُمومٍ هذه الآية، والتَخصيصُ أَوْلَى في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (٧) والآيتانِ لو كانَتَا عامَّتينِ لَمَا كان لابْنِ عمرَ أنّ يُرَجِّحَ التّحريمَ بتَعَارُضِ العامَّينِ وتَوَازُنِهِما. فأمّا إذا اجتمعَ الخاصُّ والعامُّ، أو العامُّ والخاصُّ، فإنَّ الخاصَّ يُقَدَّمُ إجماعًا من الأُمَّةِ. وههنا غريبةٌ، وهي: أنّ علماءَنَا -رحمةُ اللهِ عليهِم- كرِهوا نكاحَ الحرائِرِ الكتابياتِ، ونصَّ عليه مالكٌ في غير ما مَوضِعٍ من كُتُبِ أصحابِه؛ لأنّ ولدَها مُعَرَّضٌ

стр. 2563

لشُربِ الخمرِ وأَكْلِ الخنزيرِ، وعَرَقُها يتَّصِلُ به عند مضَاجَعَتِها، وهذا يلزَمُه في اتّخاذها أَمَةً فَرْطُ أَذًى لا يتأَتَّى له عَنْهُ انْفِصَالٌ، ولم تَزَل الصّحابةُ والتَّابعونَ يَتَسَرَّونَ الكوافرَ وينَكِحُون، وقد أذِنَ الله بالتَّحليلِ في"كتابه"، وخاطبَ بذلكَ جميعَ خَلْقِهِ، لاسِيَّمَا وفي استِفْرَاشِها عزةٌ للإسلام. وقد بيَّنَّا وجهَ ذلك المعنى الّذي غاصَ عليه في "كُتب المسائل" فَليُنظَر هنالك. باب ما جاء في الإحصان الأُصول (١): قال سعيدُ بنُ المسَّيبِ (٢): "المْحُصَنَاتُ أُولَاتُ الأَزْوَاجِ، وَيَرجِعُ ذَلكَ إِلَى أَنَّ الله حَرَّمَ الزَّنَا". وهذه الآية (٣) مُشْكِلَةٌ، واختار مالكٌ فيها تأويلَ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ (٤). وللعلّماء فيها ثلاث تأويلات: أحدها: قولُ سعيدٍ هذا. القولُ الثّاني: أنّهن السَّبَايَا ذوَاتُ الأَزواجِ، يَهْدِمُ السِّبَاءُ نِكاحَهُنَّ، فَيَحِلُّ الوطءُ لمالِكِهِنَّ إذا اسْتَبَرَّأَهُنَّ، قالَهُ عطاءٌ وطاوُسٌ (٥). القول الثّالث (٦): قال عَبِيْدَةُ السَّلمَانيُّ: المرادُ بالآية ما زادَ على الأربعِ، ثُمَّ قال:

стр. 2564

﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (١)، ثمّ قال: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢) فأباح ذلك (٣). وقد بيَّنَّا إشكال هذه المسألة في كتاب "الأحكام" (٤) على أحسنِ مَسَاقٍ، والإشارةُ في الكلامِ فيها: أنّ بناءَ "إحصان" في لسان العرب وصلبُه "ح ص ن " ومعناه عندهم المنعُ حيثُما وردت معانِيهِ. وقد يَرِدُ الإحصانُ بمعنى الإسلام، وقد يَرِدُ بمعنى العِفَّة، وقد يرِدُ بمعنى التّزويج، وقد يَرِدُ بمعنى الحريّة، وكلُّ ذلك في القرآن، إِلَّا الإحصانَ فإنّه بمعنى الإسلام، وإذا ركَّبْتَ معاني الإحصان على الآية لم تجد فيها أقوى من قول سعيد بن المُسيَّب الّذي اختارَهُ مالك؛ لأنّا إِنْ قلنا: إنَّ المرادّ بذلك جميعُ النِّساء - كما قال طاوسٌ وعطاءٌ - تَثَبَّجَ (٥) معنى الآية؛ لأنّ الله قد فصَّل المحرَّمات قبلَها، وأحكمَ بيانَها، وجعلَ المُحصناتِ من جُملَتِهِنَّ، فلو كُنَّ جميع النِّساء ما انتظمَ بذلك مساقُ الفَصَاحةِ، ولا كان أيضًا لقولِهِ تعالى بعد ذلك: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٦) معنًى، وعلى هذا تترَكَّبُ مسألةُ بَيعِ الأَمَةِ المُزَوَّجةِ، هل يكون طلاقًا أم لا؟ وعُمُومُ هذه الآية يقتضي ذلك، إِلَّا أنّ السُّنَّة خصَّصَتْهُ بحديثِ بَرِيرَة حين اشترَتهَا عائشةُ (٧)، فلم يكن ذلك طلاقًا لها، وبقيَ سائرُ العُمومِ على مُطلَقِهِ. ولا خلافَ بين الأُمَّةَ أنّ العبدَ والأَمَة لَيْسَا بمُحْصَنَيننِ إحصانَ الكمالِ الّذي تتعلَّقُ به الحدودُ، وذلك لقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ الآية (٨)، يعني: فإذا تَزَوَّجْنَ، وهذا أحدُ موارد الإحصان، ونقَصَ العبيدُ إحصانَ الحُريةِ.

стр. 2565

الفقه في ثمان مسائل: المسألة الأولى: في صفة المُحْصن (١) فإن من صِفَتِهِ أنّ يكونَ بَالِغًا حُرًّا، مُسْلِمًا، يَصِحُّ منه الجِمَاعُ. فأمّا شرطُ البلوغِ، فالدّليلُ عليه، قوله: "رُفِعَ القَلم عَنْ ثَلَاثٍ" (٢) وذَكَرَ الصّبيّ والمجنون. وقد اختلف العلّماءُ في العَقلِ، فأمّا الصّغير فإنّه يكون مُحْصَنًا بجماعةٍ. وأمّا أعتبار الحُرِيَّة، فالدّليل عليه عموم الآية، وما قدّمناه من الحديث قبلَهُ. الثّانية: أنّ يكونَ النِّكاحُ والوَطْءُ صحيحين، مثل أنّ يَطَأها وهي حائضٌ أو مُحْرِمة، فعندنا أنَّ إجماعَ الأُمَّةِ على أنّ العَقْدَ لا يقعُ به الإحصان، هذا إذا كان النِّكاحُ صحيحًا, ولا يكون نكاح شُبْهَةٍ، فهذا وَطِئَهَا في الحَيضِ وكان النِّكاح صحيحًا، فعندنا أنّه لا يقعُ به الإحصانُ، خلافًا لأبي حنيفة والشّافعيّ، فإنّهما يقولان: الوطءُ قد حَصَل على كمالِهِ، والعَقْدُ صحيحٌ. ودليلُنا: أنّ الإحصانَ كمالٌ، وهو إذا وَطِىء فأفْضَى، ولا يقعُ الكمالُ إِلَّا بالكمالِ.

стр. 2566

المسألةُ الرّابعةُ: إذا تزوّجَ الحُرُّ أَمَةً فإنّها تُحْصِنُهُ ولا يُحْصِنُها. وإذا تزوّج عبدٌ حُرَّةَ فإنّه يُحْصِنُها ولا تُحْصِنُه، وليسَ من شرطِ النِّكاحِ أنّ يُحصِنَ كلٌ واحدٍ منهُما صاحبَهُ، بل من شرطِهِ أنّ يقعَ الإحصانُ لأَحَدِهِما. المسألةُ الخامسةُ: وهو أنّ يتزوّجَ الرَّجلُ البالغُ الصَّبِيَّةَ الصَّغيرةَ تُطِيقُ الوَطْءَ، فإنّه لا يُحْصِنُها وتُحصِنُه؛ لأنّها لا تمنعه لذّته. المسألةُ السّادسةُ: وهو أنّ يتزوَجّ الرِّجُلُ البالغُ الصَّبيَّةَ الصّغيرةَ الّتي لا تُطِيقُ الوَطْءَ، فإنّه لا يُحْصِنُها ولا تُحْصِنْه؛ لأنّ وَطأَهُ لها كالجُرْحِ. المسألةُ السّابعةُ: إذا تزوّجَ المجنونُ المرأةَ فوطِئَها، فإِنّه يُحْصِنُها ولا تُحْصِنُه. المسألةُ الثامنةُ: إذا تزوّجَ الرَّجلُ امرأةً فدخلَ بها، فاختلفا في الوطء، فقالت: لم يطأني، وقال هو: وطأتُها، أو قالت هي: وَطِئَنِي، وقال هو: لم أطأها. فقال ابنُ القاسِم: الإحصان على مَنْ أقرّ بالوطءِ. وقال ابنُ عبد الحَكَم: لا يقعُ الإحصانُ إِلَّا بإقرارِهِمَا, ولا يكونُ الإحصانُ إِلَّا بالجِمَاعِ في الفَرْجِ على وجهِ الإباحةِ، فإذا غَابَتِ الحَشَفَةُ في الفَرْجِ، فإنّه يجبُ الإحصانُ بذلك.

стр. 2567

باب ما جاء في نكاح المتعة قال الإمام: الأصول في مسائل: المسألة الأولى (١): في تحريمه إجماعًا ونكاحُ المُتْعَةِ من أغربِ ما وردَ في الشّريعةِ، ونُسِخَ، وكان مباحًا في صَدْر الإسلامِ، ثمَّ نَهَى النَّبيُّ ﷺ عنه يومَ خَيْبَرَ (٢)، ثمَّ أباحَهُ في غَزوَةِ حُنَينٍ، ثمَّ حرَّمَهُ بعد ذلك، فَتَدَاوَلَها النَّسخُ مرَّتينِ، وليس لها أختٌ في الشَّريعةِ إِلَّا مسألةَ القِبْلَةِ، فإنّ النَّسخَ طَرَأَ عليها مرَّتينِ، ثمَّ استقرّتْ بعدَ ذلك، فبيَّنَهُ مسلم من طريق الرَّبيعِ بنِ سَبْرَة الجُهَنِيَّ (٣)، فصارَ لا يجوزُ نكاحُ المُتعَةِ باتِّفاقٍ مِنَّا ومنهُمْ؛ لأنَّ الإجماع انْعَقَدَ بعدَ النَّبيِّ ﷺ من الصَّحابةِ على ذلك. لكن يُحْكَى (٤) أنّه مذهب ابن عبّاس وَحْدَهُ، ثمّ إنه سمع رجلًا ينشدُ في الحّجِّ بمَكَّة: يا صاحِ هل لكَ في بيضاءَ نَاعِمَةٍ ... تَكونُ مَثْواكَ حَتَّى مَصدَرَ النَّاسِ (٥) وُيرْوَى: يصدر النَّاس.

стр. 2568

ثمّ رجعَ عن ذلك وقال: إنّما كنتُ اعتقدْتُه رُخْصَةً منَ النَّبيِّ ﷺ فإذَا النَّاسُ قد اتَّخَذُوهُ للفَاحشة، فأَشْهَدَ على نفسِهِ أنّه قد رَجَعَ عن ذلك (١)، فانعقدّ الإجماعُ على تحريمهَا (٢)، فإذا فعلَهَا أحدٌ يُرْجِم في مشهورِ المذهب. وفي روايةٍ أُخرى عن مالك أنّه لا يُرْجم؛ ليس لأنّ نكاحَ المُتعَةِ ليسَ بحرام، ولكن لأصلٍ آخرَ لعلّمائنا غريبٍ انْفردوا به دون سائر علمائنا، وهو أنّ ما حُرِّم بالسُّنَّةِ هل هو مثل ما حُرِّمَ بالقرآن أم لا؟ فمِن راويةِ بعضِ المدنيِّينَ عن مالك، أَنّهما ليسا بسَوَاءٍ، وهذا ضعيفٌ، وقد بيَّناه في "أصول الفقه"، وقد حقَّقْنَا القولَ فيه أنّهما سواءٌ في العملِ كان افْتَرقَا في العِلْمِ. وأمّا نكاح المُتعَةِ، فهو أكبرُ من ذلك كلِّه وأَقْوى منه، وإنّ تحريمَه ثبتَ بإجماعِ الأُمَّةِ، والإجماعُ أكثرُ من الخَبَرِ. الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٣): قال علماؤنا (٤): المُتْعَةُ: هي النِّكاحُ المُؤَقَّتُ، مثل أنّ يتزوَّجَ امرأةً إلى شَهْرٍ أو

стр. 2569

نحوِهِ، فإذا انقضَى، بَطَلَ النِّكاحُ، قاله: ابنُ الموّاز. زادَ ابنُ حبيب: أو مثل أنّ يقولَ المسافرُ يدخلُ البَلَدَ: أَتَزَوَّجُكِ ما أَقَمْتُ. وقد كانت في أوّلِ الإسلام فنُسِخَت. قال علماؤُنَا (١): فإنْ وقع في عصرنا يُفْسَخُ، قبلَ البِنَاءِ وبَعْدَهُ (٢). ووجه ذلك: نَهيُ النَّبيِّ ﷺ ، والنَّهيُ يقتضي فسادَ المَنْهِيِّ عنه. ومن جهة المعنى: أنّه عَقْدُ نكاحٍ فاسدٍ فَسَدَ بعَقْدِهِ، فوجبَ أنّ يُفْسَخَ قبل البناءِ وبعدَهُ. المسألةُ الثّانيةُ (٣): فإن تزوَّجَ رجلٌ امرأةً على أنّ يأتيها نهارًا ولا يأتيها لَيلًا. فروى محمّد، عن ابنِ القاسِم، عن مالك؛ أنّه كَرِهَ ذلك، وقال: لا خَيرَ فيه. فإن وَقَعَ، فروَى محمَّد، عن ابنِ القاسِم؛ أنّه يُفْسَخُ قبلَ البِنَاءِ، ويُثْبَتُ بعدَهُ. وقال ابنُ الجَلَّاب (٤): يُفْسَخُ قبلَ البناءِ وبعدَهُ. ووجه ذلك: أنّهَ قد شرطَ في النّكاح ضدّ مقتضاه؛ لأنّ مقتضاه تأبيد المُوَاصِلَة واستكمالها أعني: الملك على منفعة البُضعِ، فلا يجوزُ أنّ يشترطَ ما يمنعُ من ذلك، ولذلك لم يكن لها زوجان. وإنّما قلنا: يُفْسَخُ على الوجهين؛ لأنّ الفساد في العَقْدِ.

стр. 2570

المسألة الثّالثة (١): ويجبُ لها (٢) عندَ ابنِ القاسِم مَهْر المِثْلِ، وعند محمّد بن الموّاز المسمّى، وبه قال ابنُ الجَلّاب (٣)، وهو الصّواب؛ لأَنّ الفسادَ في العَقدِ دون المَهْرِ. فرع (٤): ومن تزوَّجَ امرأةً لا يريدُ إمساكَهَا، إِلَّا أنّه يريدُ أنّ يستمتعَ بها مدَّةً ثمَّ يفارِقُها؟ فقد روى محمّد، عن مالك؛ أنّ ذلك جائزٌ، وليس من الجميلِ (٥)، ومعنى ذلك ما قاله ابن حبيب؛ أنّ النّكاحَ وقعَ على وَجْهِهِ, ولم يشترط شيئًا، وإنّما المُتْعَة ما اشتُرِطَت فيها الفُرتَة قبلَ المِلْكِ. وقد يتزوّج الرَّجُلُ المرأةَ على غير إمساكٍ، فيسرَّهُ أَمْرُهَا فيمسكُها، وقد يكونُ ضدّ ذلك فيفارِقُها. المسألة الرّابعة (٦): قوله (٧): "وَلَوْ كُنْتُ تَقدَّمْتُ فِيها لَرَجَمْتُ" يريدُ: أَعلمتُ النَّاسَ إعلامًا شائعًا حتّى لا يَخفَى ذلك على أحدٍ، فمن فعَلَهُ بعدَ ذلك رَجمتُه، فأشار بذلك إلى أنّه من جَهِلَ التّحريم - وكان الأمر المُحَرِّم ممّا يخفَى وقد تقدَّمَت فيه إباحة - فإِنّه يُدْرَأْ فيه الحدّ.

стр. 2571

وروي (١) أنّه يُرجم من فَعَلَ ذلك اليوم إنَّ كان مُحصنًا، ويُجلَد من لم يُحصَن. وروى (٢) مُطَرِّف وابن الماجشون وأَصْبَغ عنِ ابنِ القاسم أنّه قال: لا يُرجَمُ وإن دخلَ على معرفةٍ منه بذلك، ولكن يُعاقَبُ عقوبةً مُوجعَةً لا يبلغ بها الحدّ. وقد رُوِيَ فيه عن مالك أنّه قالّ فيه: يُدْرَأُ فيه الحدّ، ويُعَاقَب إِنْ كانَ عالمًا بمكروهِ ذلك. المسألة الخامسة (٣): في توجيه هذه الأقوال أمّا وجهُ القولِ الأوَّل: فما رُوِيَ عن عمر وخطَبَ النَّاسَ به، فلم يُنْكِر ذلك عليه أحدٌ. ووجهُ القولِ الثّاني: ما احتجَّ به أَصْبَغ (٤)؛ أنَّ كلَّ نكاحٍ حرَّمَتْهُ السُّنَّةُ دونَ القرآنِ، فلا حدَّ على من أَتَاهُ عالِمًا عَامِدًا، وإنّما عليه النَّكَال، وكلُّ نِكَاحٍ حَرَّمَهُ القرآنُ أتَاهُ رجلٌ عالمًا عامدًا فعليه الحدّ، وهو الأصلُ الّذي عليه ابن القاسم. قال القاضي: والّذي عندي أنّ ما حَرَّمَتْهُ السُّنَّة وَوَقَعَ الإجماعُ على تحريمِهِ، يثبُت فيه الحدّ، كما يثبت فيما حَرَّمَهُ القرآن. وعندي فيه وجه آخر: وذلك أنَّ الخلافَ إذا انقطعَ، ووقع الإجماعُ على أحدِ أقوالِهِ بعد وفاة قائله وقبل رجوعه عنه، فإنّ النَّاس مختَلِفُونَ في ذلك (٥): فذهبَ القاضي أبو بكر بن الطَّيِّب الباقلَّاني إلى أَنّه لا ينعقد الإجماع بموتِ

стр. 2572

المخالف (١)، فعلى هذا إنَّ المتعة باقيةٌ، وبذلك لا يحدُّ فَاعِلُه، على من رأى أنّ الإجماع لا ينعقِد بموتِ المخَالِفِ. والصّحيح من قولِ علمائِنَا؛ أنّه ينعقد الإجماع بموت إحدى الطَّائفتين، وعلى هذا يُحَدُّ فاعِلُهُ. والصّحيح أنّه مُحَرَّمٌّ، وأنّ ابنَ عبَّاسٍ عَلِمَ الإباحة ولم يَعْلَم التّحريمَ، حتّى أنكر عليه على إباحة ذلك وأعلمه بالتّحريم فرجع عنه. باب ماجاء في نكاح العبيد الأصول (٢): قال الإمام: فائدةُ تَبْوِيبِه لهذا الباب، أنّ العبيدَ داخلونَ في خِطابِ الأحرارِ، يشمَلُهُم القولُ الواردُ في جميع المسلمينَ بجميعِ أحكامِ الشّريعةِ، إِلَّا مَا قام الدّليلُ على تخصيصه. هذا هو المشهورُ من قولِ العلماء، والمتَّفَقُ عليه من المالكيَّةِ، فعلى هذا يَنْكِحُ العبدُ أربعَ نِسْوَةٍ؛ لأنّه داخلٌ في قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية (٣)، بمُطلَقِ اللَّفْظِ العامِّ (٤).

стр. 2573

وفيه للعلّماء سبع مسائل: المسألة الأولى (١): قال مالك: يجوزُ نِكاحُ العبدِ أربعَ نِسْوَةٍ، رواه عنه أشهب (٢). وروى محمّد عن ابنِ وَهْبٍ عنه، أنّه قال: لا يتزوُّجُ العبدُ إِلاّ اثنتينِ، وبه قال الشّافعي (٣)، وأبو حنيفة (٤)، وابن حنبل (٥)، واللَّيْث. التّوجيه: وجهُ القولِ الأوّلِ: قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية (٦)، ولم يُفَرِّق بين الحُرِّ والعبدِ. فإن قيل: إنَّ الخطابّ مُتَوجَّهٌ إلى الأحرار؛ لأنّ نَفَقَات زَوْجَات العبيد على ساداتهم، والله يقول: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ الآية (٧)، معناه: يكثر عِيَالكم، كذلك فَسَّرَهُ زَيْد بن أَسْلَم (٨). والجواب: أنّ هذا التّفسير ممّا انفردَ به مالك، ولا يلزم؛ لأنّه لا يقالُ: عَالَ الرَّجلُ إذا كَثُرَ عِيَالُه (٩)، وإنّما يقالُ: عال إذا مال (١٠)، وعَالَتِ الفريضةُ إذا زَادَ حسابُها، والّذي قال به جماعة من أهل التّفسير أنّ معناه: لا تمِيلُوا (١١)، فَبَيَّنَ ذلك قولُه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾: الآية (١٢).

стр. 2574

فذكر ما لا يحرمُ منه، المَيْل من السَّراري، فلا يلزمُ بينهنَّ العَدْل. ووجهُ القولِ الثَّاني: قولُه تعالَى: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ الآية (١). ومعنى ذلك: إنكارُ مساواةِ العبيد الأحرارَ، فوجب ألَّا يُسَاوى فيه العبدُ الحُرِّ، كالطّلاق والحدّ. المسألةُ الثّانيةُ (٢): فإذا قلنا: إنّه يتزوَّجُ أَرْبَعًا، فإنّه يجوزُ أنّ يكونَ جميعهُنَّ حرائر، وجميعهُنَّ إِمَاء، وبعضهُنَّ حرائر، وسائرهنّ إِمَاء، رواه محمّد، عن أشهب، عن مالك. وقوله (٣) في الباب (٤):"العَبْدُ مُخَالِفٌ لِلْمُحَلِّلِ" يريد: أنّ نكاحَهُ يثبتُ إذا أَذِنَ فِيهِ السَّيَّدُ، ونكاحُ المحُلِّلِ لا يثبتُ على حَالٍ. والفرقُ بينهما: أنّ نِكاحَ العَبْدِ إنّما يُرَدُّ لحقِّ السَّيَّد، فإذا أجَازهُ جَازَ، ونكاحُ المُحَلِّل إنّما يرد لحقِّ الله تعالى، فليس لأحدٍ إجازته. وهنا تتركّبُ ثلاثُ مسائلَ: المسألةُ الأولى: فيمن يمْلِك نكاح العَبْدِ. الثّانيةُ: فيما يجوزُ من عَقْدِهِ على نفسه، ويجوزُ للسَّيَّدِ فَسْخُه. الثالثةُ: في حُكْمِ المَهْرِ والنَّفَقَة. اما المسألة الأولى (٥): فيمن يملك نكاح العبد فإن السَّيَّدَ يَملِكُهُ، وله أنّ يجبرَهُ عليه، وبه قال أبو حنيفة (٦). وقال الشّافعي (٧) في أَحَدِ قَوْلِيهِ: لا يجبرُهُ السَّيَّد على النِّكاح.

стр. 2575

ودليلُنا: قولُه تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الآية (١)، وفيه دليلان: أحدهما: أنّه أمَرَهُم بذلك، ولو لم يَمْلِكُوا الإنكاحَ لَمَا أمَرَهُم به. الثّاني: أنّه قَرَنَ ذِكْرهُم بذِكْرِ الإِمَاءِ، وقد أجمعنا على أنَّ له (٢) إجبار أَمَتِهِ على النِّكاحِ (٣)، وهذا مذهبُ عبد الوهّاب في اسْتِدْلَالِهِ بالقرائِنِ (٤). ومن جهة المعنى: أنّ مَنْ مَلَكَ رِقّهُ فَلَهُ إِجباره على النِّكاحِ كالأَمَةِ. وهذا إذا انفردَ بملكه، فإن كان له فيه شريكٌ، أو كان بعضُه حُرًّا، لم يَمْلِك إجبارَهُ عليه؛ لأنّه لا يملِك انتزاعَ مَالِهِ، فلا يملك إنكاحَهُ كالحُرِّ. فرع (٥): وإذا تزوّجَ بإذنِ سَيَّدِهِ، أو زوَّجَهُ سيَّدُه جَبْرًا، مَلَكَ العبدُ ارتجَاعَ زوجته. ووجهُ ذلك: أنّ السَّيَّد لمَّا أباحَ له التَمتّع بالنِّكاحِ، فقد مَلَكَ جميع أحكامه، فليس له مَنْعُهُ مِن ذلك بعدَ العَقْدِ، كما ليس له مَنْعُهُ منَ الوَطْءِ، والرَّجْعَةُ من أحكامِ النَّكاح، فملكَها العبدُ بذلك. مسألة (٦): ولا يُجْبَرُ السَّيِّدُ على إِنكاح عَبْدِه ولا أَمَتِه، وبه قال أبو حنيفة (٧).

стр. 2576

وقال الشّافعيُّ (١) في أَحدِ قولَيْه: يُجْبَرُ على إنكاح* عَبْدِهِ. مسألة (٢): ولا يُجْبَرُ السَّيَّدُ على إِنكاحِ* مُكَاتَبِهِ، رواه ابن الموّاز عن مالك، وكذلك المُدَبَّرُ، والمُعْتَقُ إلى أجلٍ، والمُعْتَق بعضُه؛ لأنّ مَنْ كان محبوسًا بالرِّقُ، لم يكن له أنّ يتزوَّجَ بإذنِ سَيَّدِهِ المالك لِرقِّهِ، كالعَبْدِ القِنِّ. المَسألةُ الثّانيةُ: في حكم عَقْدِهِ على نفسِهِ وتجويز السَّيِّد له وفسخه (٣) فإِنّه لا يَخلُو إِذا تزوَّجَ العبدُ أنّ يتزوَّجَ بإذنِ سَيِّدِه أو لا، فإن تزوَّجَ بإِذْنِهِ، فنكاحُهُ صحيحٌ وإن باشرَ العبدُ العَقْدَ؛ لأنَّه من جِنْسِ من يصحُّ عَقْدُه النِّكاحَ، وإنّما اعتبرَ في ذلك إذنُ السَّيِّدِ، لتَعَلُّقِ حَقَّهِ بمنافِعِهِ ومَالِهِ. وإن تزوَّجَ بغيرِ إذنِ سيِّدِهِ، فإنّ له فَسْخَه، وهل له إجازته بَعْدُ؟ فالمشهور من المذهب أنَّ له إجازته، وحكَى أبو الفَرَج أنّ القياسَ يقتضِي ألَّا يجوز وإن أجازَه السَّيِّد (٤). المسألةُ الثالثةُ: في حكم المَهرِ والنَّفَقَة (٥) فإنّ العَبْدَ لا يخلُو أنّ ينكِحَ بإذنِ سَيِّدِهِ أو لا، فإن نَكَحَ بإذْنِ سَيِّده، فالمَهْرُ في ذِمَّةِ العبدِ، إِلَّا أنّ يلتَزِمَه السَّيِّد. ومعنى كونه في ذِمَّةِ العَبْدِ: فيما يطرأُ له بعدَ النِّكاحِ من مالِ صدَقَةٍ، أو هِبَةٍ، أو وصيَّةٍ، أو نحوِ ذلك، فيه يتعلَّقُ المَهْرُ والنَّفَقَةُ عليها دونَ مكاسِبِه الّتي هي عِوَض حركاتِهِ بِصَنْعَةٍ أو خِدْمَةٍ. وخالف فيه الشّافعيّ (٦) فقال: النَّفَقَةُ والمَهْرُ في مَكسَبِهِ.

стр. 2577

باب نكاحِ المشركِ إذا أسلمتْ زوجتُه قبلَهُ الإسناد (١): قال الإمام: لم يصحّ في هذا الباب حديثٌ مُسْنَدٌ، إلّا حديثًا مُرْسَلًا لابنِ شهابٍ في "الموطَّأ (٢) ". الفقه في مسائل: المسألة الأولى (٣): قال الإمام: هذه مسألةٌ عظيمةٌ، فيها تفصيلٌ طويلٌ، وتعليلٌ كثيرٌ، فقد يُسلِمَانِ معًا، وقد يُسْلِم أحدُهما قبلَ الآخرِ،* وقد يرتدَّان معًا، أو يرتَدَّ أحدهما قبلَ الآخر* وقد يكونَانِ وَثَنَّيْينِ، وقد يكونَان كِتَابِيَّيْنِ، وقد يكونُ أَحدُهُما وثَنِيًّا والآخرُ كِتابيًّا، وموضعُ بسطِ هذا الكلام في "كتب المسائل"، وعوَّلَ مالكٌ في "الموطَّأ" على صورةٍ واحدةٍ من هذه الصُّوَرِ؛ وهو الإسلام لأحد الزَّوجينِ قبلَ الآخر، بأن أسلمتِ الزَّوجةُ قبلَ الزَّوجِ، وساقَ في ذلك الأحاديثَ الواردة في شأنِ صَفْوَانَ وعِكْرمَةَ (٤)، وهي وإن كانت مراسيلَ عنِ ابن شهابٍ فإنّها مُسْنَدَةٌ عن غيرِهِ (٥)، وقد اشتُهِرَتْ شُهْرةً تقومُ مقامَ الإِسنادِ، ومُرْسَلُ الثَّقَةِ المشهورِ كّالمُسْنَدِ الصَّحيحِ، وإذا ثبتَ لك هذا بإسلامِ الزّوجةِ قبلَ الزَّوجِ، فلتُرَكَّبْ عليه سائرَ الفروعِ في التّفصيل، بحَسَبِ ما يقتضيه الدَّليلَ، كما رَكَّبَ عليه مالك (٦) إسلامَ الزوجِ قبلَ زوجتِهِ، فإن أسلَمَت قبلَهُ، فإنَّه يُوقَفُ، فإن أَسلمَ، وإلا وَقَعَتِ الفُرْقَةُ بينهُمَا، لقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ الآية (٧).

стр. 2578

فلو غُفِلَ عنه حتّى أسلَمَ وهي في العِدَّةِ كان أَوْلَى بها. المسألة الثّانية: في هذا الباب ثلاثةُ أقوالٍ، هو (١) عندنا باطلٌ، وعند أبي حنيفة صحيحٌ (٢)، وعند الشّافعيَّ (٣) فيه ثلاثة أقوالٍ: ١ - أنّه صحيحٌ. ٢ - وأنّه باطل. ٣ - وقال مرَّةً: إنَّه موقوفٌ. فدليلُنا على أنّه باطلٌ: أنّ النّكاح يكونُ بشرائطَ وعِلَلٍ، فهذا لم تُوجد بَطَل النِّكاحُ. والعِلَلُ والشَّرائِطُ الّتي يُحتاجُ إليها: ألَّا يكونَ النِّكاحُ في العِدَّةِ، وأن يكونَ بوَلىٍّ وشهودٍ، وغيرِ ذلك. فإن أُلزِمْنَا أنّ هذه الشّروط إذا وُجِدَتْ في المُشْرِكِ، هل يكونُ النِّكاحُ صحيحًا أو فاسدًا؟ قلنا: إذا وُجِدَتْ هذه الشّرائِطُ، لم يَفْسُد وكان صحيحًا، وهذه الشُّروط لا تُوجّد في نكاح المُشرِكِ بوجهٍ؛ لأنّه إنَّ وُجدَ الوَليُّ عجز الشُّهودُ؛ لأنّ الكفَّارَ لا يكونُ منهم شُهودٌ. وأمّا حجّةُ أبِي حنيفة أنّه صحيحٌ، فإنّه بَنَاهُ على أنّ الكفَّارَ غير مَخَاطبِينَ بفُروعٍ الشَّرِيعةِ. وحجّةُ الشّافعيَّ على قَوْليْهِ اللَّذَين يُوَافِقُ أبا حنيفة ومالكًا فيهما فقد تقدَّمَ.

стр. 2579

وأمّا الثّالثُ الّذي للشّافعىَّ فموقوفٌ، كأنّه يقولُ: لا أدري، ومن لا يدري لا يَلْزَمُهُ الدّليلُ، يَقالُ له: غيرُكَ يدري هذا، ويقيمُ الدَّليلَ عليه. فإن قالوا: فإذا كان نكاحُهُمَا فاسدًا، فلأَيِّ شيءِ يُقرَّانِ عليه إذا أسْلَمَا؟ قلنا: إنّما أَقرَرْنَاهُما عليه للضَّرُورةِ، لأنّا لو قلنا لهما: لا نُقِرّكُما، لكان تَنْفِيرًا، ونحنُ نريد إسلامَهُما، فرُبَّما لو عَلِمَا أنّهما لا يُقَرَّانِ عليه لَمَا دَخَلًا في الإسلام، وجميعُ ما عقَدَهُ المُشرِكانِ، إنَّ كان ممّا يجوزُ أنّ يُقَرَّا عليه أُقِرَّا عليه، مثل أنّ يتزوَّجَ امرأةً في عِدَّتِهَا، أو شبيهًا من ذلك، فإنّهما يُقرَّان عليه. وإن كان ممّا لا يجوزُ أنّ يُقَرَّا عليه، فُرَّقَ بينهُما في حالِ الإسلامِ، مثل أنّ يتزوَّجَ الرَّجلُ منهم عَمَّتَهُ، أو خالَتَهُ، أو أُختَه، أو ما أَشبه ذلك، فلا يُقَرُّ هذا بوَجْهٍ في حَالِ الإِسلامِ. مسألة: فإذا أَسْلَمَ واحدٌ منهُمَا، فلا يخلُو أنّ يكونَ الّذي أَسلَمَ الزَّوْجُ أو الزّوجةُ، فإن كان الزَّوْجُ، فلا يخلُو أنّ تكونَ الزّوجةُ كتابيَّةً، أو مَجُوسِيَّةً، أو وَثنِيَّةً، فإن كانت كِتابِيًّة اُقِرَّ مَعَها؛ لأنّه يجوزُ له ابتداء العَقْدِ في الإسلام، وإن كانت وثنيَّة أو مجوسيَّة، قال مالك (١): ليعْرَض عليها الإسلام، فإن أَسلَمَتْ أُقِرَّتْ معه، وان لم تُسْلِم فُرَّقَ بينهُما؛ لأنّه لا يجوزُ ابتداء العَقْد على مجوسِيَّة، فلا يجوز الابتداء به. وقال أشهبُ: يعرضُ عليها الإسلام طُولَ العِدَّةِ إلى انْقِضَائِهَا، وهي ثلاثة أقراء أو ثلاثة أطهار.

стр. 2580

ودليلُه: أنّه أحد الزَّوْجين فجازَ التربُّصُ له كالطّرفِ الآخر، وهو إذا أسْلَمَتِ الزَّوجةُ وهو كافِرٌ، فإِنّه يُعْرَضُ عليه الإسلام طُول العِدَّة، وهو أحسن، والدّليلُ عليه: حديث صَفْوَان وغيره. باب ما جاء في الوَلِيمَةِ قال الإمامُ: الحديثُ في هذا البابِ مشهورٌ، والأصلُ فيه: حديث جَابِرٍ وعبد الرّحمن بن عَوْف (١). وفيه تسع فوائد: الفائدةُ الأولى (٢): الوليمةُ سُنَّةٌ في النِّكاحِ قائمةٌ، وفائدتُها الشُّهرَةُ والإعلانُ والذِّكرى، وأقلُّها لِذوِي القُدْرَةِ شاةٌ؛ وبعدَ ذلك كيفما استطاعَ كلُّ وَاحِدٍ. وفي الصّحيح؛ أنّ رسولَ الله ﷺ أَوْلَمَ على بَعْضِ أزواجِهِ بصَاعَيْنِ من شَعِيرٍ (٣)، وَأَوْلَمَ عَلَى زيْنَب حَضَرًا (٤)، وعَلَى صَفِيَّةَ سَفَرًا (٥).

стр. 2581

وفي الحديث: "إِذَا دُعِي أَحَدُكُمْ إلَى وَلِيمَةٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأكُلْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلَّ" (١). وقد قال مالكٌ: لا ينبغي لأهل الفَضْلِ أنّ يُسرِعوا إلى الإجابة في مِثْلِ هذا، وإنّما قال ذلك لفسادِ النَّاسِ، وإلّاَ فقد كان النَّبىُّ ﷺ يُجِيبُ كلّ من دَعَاهُ حتّى الخيَّاطَ. ففي صحيح الصّحيح وهو "الموطَّأ" (٢) أَن خَيَّاطًا دَعَاهُ إلَى طعام، فَمَشَى مَعَهُ في نَفَرٍ يَسِيرٍ، وَاتَّبَعَهُمْ رَجُلٌ لَيس مِنْهُمْ، فَقَالَ النّبيُّ: "إِنَّ هَذَا اتَّبَعَنَا" فّأَذَنَ لَهُ (٣). اعتراض: فما الفَرْقُ بين حديثَي النَّبيِّ ﷺ ، وذلك أنّه دُعِيَ إلى طعام الخَيَّاطِ فاتَّبَعَهُم الرَّجُل، فقال النَّبىِّ ﷺ للخيّاط: "أَتَأْذَنُ له"، وبين قوله في دَعْوَةِ أمِّ سلَيم: "قُومُوا" (٤) لكلَّ من معه، ولم يقل لأمّ سليم ولا لزوجها أبي طلحة ما قال للخيّاط. الجواب: قلنا: عن ذلك جوابان: أحدُهما: أنّ الخيَّاطَ لم يُملِّك النّبيَّ ﷺ الطّعام، وإنّما دعاهُ إلى دَارِه، وأكلُ النَّبيِّ ﷺ على حُكمِهِ، فاحتاجَ إلى استئذَانِهِ في ذلك الرَّجُل.

стр. 2582

وفي حديثِ أمّ سليم مَلَكَهُ النبيَّ ﷺ ، بدليلِ قولِهَا لابنها أنس: "أعطه إياه"، وهذا غيرُ قَوِيٍّ. الثّاني: أنّه أَرَاهُم في دعوةِ أمّ سليم المُعْجِزةَ، ولم يُطعِمْهُم من طعامِ أمِّ سليم وإنّما أطعمَهُم بالمعجِزةِ من بَرَكَتهِ ﷺ . وفي دعوة الخياط لم يُرِهم النّبيّ ﷺ في ذلك معجزة. اعتراض آخر: فإن قيل: كيف يُجمَعُ بينَ فعلِ النّبيِّ ﷺ في دَارِ الخيَّاطِ في تَتَبُّعِهِ الدُّبَّاءِ، وبينَ قوله لربيبه عمر بن أبي سلمة: "سّمِّ الله وكُل ممّا يَلِيكَ" (١)، حين رأَى يَدَهُ تطِيشُ في الصَّحفَةِ. الجواب: أنّ تقول: إنَّ الدُّبَّاءَ كانت مفترقة في القَصْعَةِ، فأكلَ النَّبىُّ ﷺ أمامَهُ، ثمَّ جالَتْ يده إلى غير ذلك من المَوَاضِعِ، وكلّ طعام هو واحدٌ، فالإنسانُ لا يجيلُ يدَهُ حيثُ اختارَ، والدُّبَّاءُ فيها صغيرٌ وكبيرٌ، ونضيجٌ وغيرُ نضيجٍ، والله أعلمُ. الفائدةُ الثّانية: في أسماء الأطعمة وهي إحدى عشر: أوّلها: طعام العُرْسِ، وهو طعام الولِيمَةِ. وطعامُ الخِتَانِ، وهو الإعذار. وطعامُ النَّفَسَاء. وطعامُ الزَّائرِينَ. وطعامُ الخُرْسِ (٢). وطعامُ المُسافرِينَ. وطعامُ العَقِيقَة.

стр. 2583

وطعامُ الإملاك. وطعامُ بناء الدَّار. وطعامُ الوَكِيرَةِ (١). وطعام الأولياء. وطعام المأتم. قال الإمام: وتعمُّ هذه الأسماء الدَّعوة. وعند مالك لا تجبُ عندَهُ الإجابة إلى هذه كلَّها، إِلَّا للعُرْسِ الّتي هي الوليمة. وقال سائرُ الفقهاءِ: إنّها كلُّها سواء، واستدلُّوا عليه بقوله: "مَنْ لَمْ يَأتِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى الله وَرَسُولهُ، (٢)، وفي حديثِ أبي هريرة: "فّقّدْ عَصَى أبَا القَاسِم" (٣). وقولُه": "فَقَد عَصَى الله وَرَسُولهُ": هو عامٌّ لجميع الأطعمة؟ قلنا: الألفُ واللّامُ في الدَّعوةِ إنّما هي للعَهِد لا للجِنْسِ، بدليل قولِهِ: "شَرُّ الطَّعامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ" (٤) فَخَصَّ الوَليمَةَ، ثمّ ذكرَ الدَّعوةَ عامَّةَ. وقلنا: ما احتجُّوا به من عُمومِ الدَّعوةِ، يحتملُ أنّ يكونَ عند الوَليمَةِ، داخلٌ فيها، ودخولُ الوَلِيمةِ فيها متَّفقٌ عليه، فما اتَّفِقَ عليه كان أَوْلَى ممّا لم يُتَّفَق عليه، ولا دَليلَ لهم في ذلك. الفائدةُ الثّالثة: فإذا ثبت ذلك، فمن دُعيَ إلى وليمةٍ وفيها لَهْوٌ، هل يجب عليه المضيّ إليها أم لا؟

стр. 2584

قلنا: إنَّ كان اللَّهوُ الدُّفُّ وما أشبهَهُ، جاز المضىّ إليها. وقال أَصبَغُ: لا ينبغي لذوي الشّارة والهَيْئَة أَنْ يمضِي لذلك؛ لأنّه لا يليقُ بمثلِهِ سَمَاعُ الدُّفُّ، وهذا فاسدٌ؛ لأنَّ النّبيّ ﷺ حَضَر ضَربَ الدُّفِّ، ولا يَصِحُّ أنّ يكونَ ذو شَارَةٍ أعظم من الرسولِ ﷺ . فرع: فإذا ثبت هذا، فإنّ عَلِمَ أنّ فيها لهوًا، فهل ينبغي له أنّ يأتيَهَا؟ قلنا: هو مأمورٌ بالإِتيانِ، ومنهىٌ عنِ اللهو. وقد تعارضَ ههنا خَبَرَانِ: أمرٌ ونهيٌ، فَمَنْ نُقَدِّم؟ قلنا: النّهي أَوْلَى. فأمّا إنَّ كان اللَّهْوُ قد حصلَ في الوليمةِ، فَيَنْهَى عنه ما استطاعَ، فإن لم يستطع، خَرَجَ وتَرَكَ القوم. فإن كان في العُرسِ لهوٌ مباحٌ، مثل الدُّفِّ والكَبَرِ (١)، ويكون ذلك عندَ العشاءِ، فلا بأس به، وأمّا إنَّ كان غير مباحٍ، كالعُودِ والطُّنْبُورِ، لم يلزمه. ومتى (٢) كان في الوَليمةِ لهوٌ محظورٌ، يبطُل وجوبُ الإِتيانِ، فمن جاءَ فوجدَ ذلك فليرجِعْ، وعلى ذلك جماعةُ الفقهاءِ. ورخَّص فيه أَبو حنيفة (٣) وقال: لا بَأَس أنّ يقعدَ ويأكلَ، وقولُ الجماعةِ أَوْلَى. حديث عبد الرّحمن بن عَوْف، وفيه فوائد كثيرة (٤):

стр. 2585

الأُولى (١): قوله (٢):"أثَرُ صُفرَةٍ" هو على المجاز: بثيابه (٣). وقد رَوَى هذا الحديث جماعةً، منهم: حمّاد بن سَلَمَة، عن ثابت، عن أنس؛ فقال فيه: "وبِهِ رَدعٌ (٤) مِن زَغفرَانٍ" (٥) فبيَّنَ أنّ تلك الصُّفرَة كانت من زَعْفرَانٍ. فجوَّزَ أصحابُ مالكٍ لباسَ الثَّياب المصبغة بالصُّفْرَةِ. قال يحيى بن عمر في حديث عبد الله بن عمر: أمَّا الصُّفْرَةُ فإنِّي رأيتُ رسولَ الله ﷺ يصبُغُ بِهَا، وَأَنَا أُحِبُّ أنّ أَصبُغَ بِهَا (٦). قال يحيى: يريد ثيابه لَا لِحيَتَهُ. هذا معناه عند أصحاب مالك. وكره أبو حنيفة (٧) والشّافعيّ (٨) للرّجل أنّ يَصبُغَ ثيابَه ولحيتَهُ بالزَّعفران. وقد بيّنا ذلك في "كِتَاب الحَجِّ". الفائدةُ الَثانيةُ (٩): قوله (١٠): فتزوّجتُ على "زِنَة نَوَاةٍ" (١١) أي على "وَزن نَوَاةٍ".

стр. 2586

واختلفَ العلّماءُ في هذا، فقال ابنُ وَهْبٍ: النَّواةُ هي عبارة عن خمسة دراهم، والأوُقِيَةُ أربعون دِرْهَمًا، والنَّشُّ عشرون دِرْهَمًا (١). وقال ابنُ حنبل: النَّوَاةُ ثلاثةُ دراهمَ وثُلُثُ درهمٍ (٢). ومالك وأصحابُه أعرف بعادتهم (٣). الفائدةُ الثّالثة (٤): قوله (٥): "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" ليس في ألفاظ الحديثِ مَا يدلُّ على أنّه كان قَبْلَ البِنَاءِ ولا بعدَهُ، وقد روى محمّد (٦) عن مالك أنّه رأَى أنّ يُولم بعدَه (٧).

стр. 2587

الفائدةُ الرّابعة (١): إذا ثبت هذا، فالّذي أُبيحَ من الوليمةِ ما جرَتْ به العادة من غير سَرَفٍ. والمعتاد منها يومٌ واحدٌ. قال ابنُ حبيب: وقد أُبيحَ أكثر من ذلك (٢)، ورُوِيَ أنّ الأولَ سُنَّةٌ، والثّاني فَضلٌ، والثّالث سُمْعَةٌ. وأجابَ الحسنُ رجلًا دَعَاهُ في اليوم الأولِ، ثمَّ في الثّاني، ثمَّ دَعَاهُ في الثالثِ فلم يجب، ورأى أنّه سَرَفٌ وسُمْعَةٌ وريَاءٌ (٣). وقد رُوِيَ عن ابن المسَيَّب مثله. وقد أَوْلَمَ ابنُ سِييرينَ ثمانية أيّام ودَعَا في بعضها أُبَيًّا (٤)، والعلّماءُ (٥) على الكراهيّة لاستدامة ذلك أيّامًا، وأمَّا أنّ يدعوَ في اليوم الثّالثِ من لم يكن دعاهُ في اليومِ الثّاني، فذلك جائزٌ، وأمّا إذا تكرَّرَ في طعامٍ ثلاثة أَيام أو أكثر، فإنّه نوعٌ من المُبالَغةِ والفَخرِ والسُّمعةِ والرِّياء. الفائدةُ الخَامسةُ (٦): قولُه (٧): "إِذَا دُعِيَ أحَدُكُمْ إِلى ولِيمَةِ فَلْيُجِبْ"، اختلفَ الرُّواةُ في لفظِ هذا

стр. 2588

الحديثِ؛ فقال مالك هكذا، وتَابَعَهُ عليه عبيد الله بن عمر (١). ورَوَى مُوسَى بن عُقْبَة، عن نَافِع، عن ابنِ عمر، عن النَّبىِّ ﷺ : "أَجِيبُوا إِذَا دُعِيتُم" (٢). ورُيَ عن ابنِ عمر أيضًا: "إِذاَ دَعَا أَحَدكُمْ أَخَاهُ فَليُجِبْ عُرْسًا كانَ أَوْ غَيْرهُ" (٣)، وتابَعَهُ على ذلك الزّبيدي (٤). واختلفَ العلّماءُ في حُكمِ ذلك: فقال ابنُ القاسِم عن مالك في "المدنية": إنّما هذا في طَعامِ العُرْسِ، وليس طعامُ الإِمْلَاكِ مثله (٥)، وبهذا قال أبو حنيفة (٦). وقال الشّافعيّ (٧): إجابةُ وليمة العُرّسِ لَازِمةٌ، ولا أُرَخَّصُ في تركِ غيرهَا من الدَّعَوَاتِ (٨) إِلَّا من عُذْرٍ، وَمَنْ تركَهَا لَمْ يُقَل إنّه عاصٍ. قال الإمامُ: وهذا خلافٌ في عبارة، ووجهُ وجوبِهَا: الأمر بذلك، والأمرُ يقتضي الوجوب، هذا هو المشهورُ منْ مذهبِ مالكٍ وأصحابِهِ. ورَوَى ابنُ حبيب عن مالك أنّهَ قال: ليس ذلك عليه حَتْمًا (٩)، فإنِ اشتغلَ فلا إِثمَ عليه، فجعلَهُ على النَّدْبِ.

стр. 2589

تحقيق: قال الإمامُ ابنُ العربي: والَّذي يصحُّ في هذا كلَّه بالنَّظَر -والله أعلمُ- أنَّ إجابةَ الدَّعوة واجبةٌ إذا خلصت نيّة الدّاعي وخلصت الوليمة عمّا لا يُرْضِي الله، ولمّا عُدِمَ هذا سَقَطَ الوُجوبُ على الخَلْقِ، بل حَرُمَ عليهم إتيان ذلك لِمَا فيها اليوم من اللَّهوِ والتَّبرُّجِ وغير ذلك. وأمّا طعامُ الوليمةِ فهو واجبٌ على العمومِ في كلِّ دعوةٍ. وقيل: إنّه تجبُ الإجابة في العُرْسِ خاصّة، وهو ظاهرُ كلامِ الشَّافعيَّ (١)؛ لأنَّ قولَهُ (٢) ﷺ : "مَنْ لَمْ يُجب الدَّعْوَة فَقَدْ عَصَى الله وَرَسُولَهُ" يقتضي وجوب ذلك، وعلى ذلك تأوَّلَهُ جماعة العلّماءِ، وقد نصَّ مالك (٣) وأكثر العلّماءِ على وجوبِ إتيانِ طعامِ الوَليمَةِ. وصِفَةُ الدَّعوةِ الّتي تجبُ الإجابةُ إليها، أنّ يَلْقَى صاحبُ العرسِ الرَّجُلَ فيَدعُوهُ، أو يقول لغيره ادْعُ فلانًا، فإن قال: ادعُ من لقيتَ، فلا بأسَ على من دُعِيَ بمثل هذا أنّ يتخلَّفَ؛ لأنّ صاحبَهُ لم يعينه ولا عرفه، ذكر ذلك ابن الموّاز (٤). فرع (٥): فإذا لَزِمَهُ الإتيان، هل يلزمه الأكل أم لا؟ لم أر فيه نصًّا جليًّا لأصحابنا، وفي المَذْهَب مسائل تقتضي القولين. وروى ابن الموّاز عن مالك؛ أنَّه يجيب وإن لم يأكل أو كان صائمًا.

стр. 2590

وقال أصْبغُ: ليس ذلك بالوكيد، وإنّه تخفيف. فقول مالك مبنيٌّ على وجوبِ إتيان الدَّعوةِ، وأنَّ الأكلَ ليس بواجبٍ (١). وقولُ أَصْبَغ مبنىٌّ على وجوبِ الأكلِ، ولذلك أَسْقَطَ وجوبَ الإتيانِ عن الصّائم. فرعٌ (٢): فإن كان في الوليمةِ زِحَامٌ، وغلق البابُ دونَه؟ فقال ابنُ القاسم عن مالك (٣): هو في سَعَةٍ إذا تخلَّفَ عنها أو رجعَ. ووجه ذلك: أنّه لا يلْزَمُ الإِتيان ولا الابْتِذَال في الزِّخام، فإنَّ ذلك ممَّا يَثلِمُ المُرُوءَةَ، وكذلك إنَّ كان له عُذرٌ من مرضٍ أو غيرِهِ. باب جامع النِّكاح وفيه ثمان مسائل: المسألة الأولى: قوله ﷺ (٤): "فَلْيَأخُذ بِنَاصِيَتِهَا، وَليَدْعُ بِالبَرَكَةِ" إِشارةٌ إلى قوله: "إنْ يكنِ الشُّؤمُ ففي ثلاثة" (٥).

стр. 2591

وقولُه (١) في البعير: "فليَضَع يَدَهُ عَلى سَنَامِهِ، وَلْيَتَعَوَّذ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ" إشارةٌ إلى قَولِهِ: "إنّها أولادهنّ" (٢). المسألةُ الثّانيةُ (٣): قولُ الرّجُلِ عن أُختِهِ إذا خطبت إليه أنّها أحدثت (٤)، أرادَ أنّها زَنَت، وأنّها أصابت ما يُوجِبُ عليها حدّ الزِّنَى، فأنكرَ ذلك عليه عمر، ولعلّها قد كانت أَقْلَعَتْ وتَابَت، فلا يحلّ ذكر ذلك؛ لأنَّ الله تعالى يقولُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (٥)، ولا يجوزُ للوَلِيِّ أنّ يُخبرَ من حال وَليَّتِهِ إِلَّا بما يجبُ ردَّها وهي العيوب الأربعة (٦). المسألةُ الثّانيةُ (٧): فإن قيل: إذا عَلِمَ الرَّجلُ من وَليَّتِهِ عَيْبًا، هل يَستُرُهُ على الخاطِبِ أو ينشُرُهُ؟ قلنا: أمّا عيبُ الأَبْدَانِ فلا خلافَ في وجوب ذِكرِهِ، فإن كَتَمَهُ فهو غاشٌ، عليه الإثمُ إجماعًا، وعليه الغُرْمُ للصَّداقِ، إنَّ كان ذلك العيبُ ممَّا يُوجبُ ردَّ النَّكاحِ؛ لأنّه غارٌّ له بالقول، ولا خلافَ بين المالكيّة أنّ الغرَرَ بالقولِ يُوجِبُ الضَّمانَ على الغَازِّ، خلافًا لأبي حنيفة (٨) والشّافعيّ (٩). ووقعت مسائلُ ظَنَّ الغافلونَ حين جاء فيها غُرورٌ من قول قائلٍ، فلم يَرَ عليه مالكٌ ضَمَانًا؛ أنّه اختلافُ قولٍ، وإنّما ذلك لأنّهم لم يَعلَمُوا حدَّ الغُرُورِ المُوجبِ للضّمان.

стр. 2592

وأمّا إنَّ كان العَيبُ من طريقِ الأديان، فهو على قسمين: ١ - إنَّ كان في الخُلُقِ؛ كحِدَّةٍ تكون في المرأةِ، أَوْ لِينٍ زائدٍ، فَيُستحبُّ له ذِكْرُ ذلك، فإن سكتَ عنه فإِنّه ليس عليه شيءٌ. ٢ - وأمّا إذا كان في الدِّينِ، فحرامٌ عليه ذِكْرُهُ؛ لأنّه إنَّ كان الّذي وقَعَ منها عَثرَة، فَمُقِيلُ العَثَرَاتِ قد سَتَرَهَا والنِّكاحُ يَعْصِمُ، وإن كانت مُنبَهِرَةً (١) فليس يلزَمُ الوَليَّ ذِكرُ ذلك؛ لأنّه لم ينفرِدْ بعِلْمِهِ، والنِّكاحُ قَيدٌ وعِصمَةٌ، فإذا أَدخلها فيه زالَ الانبهارُ. المسألةُ الرّابعةُ (٢): إذا طلَّقَ الرّابعةَ من أزواجِهِ، فله أنّ يتزوَّجَ أختَها أو سواها في عِدَّتِها، إذا لم تَكُنِ الرَّجعَةُ مُستَحَقَّةٌ في العِدَّةِ. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ ذلك؛ لأنّ العِدَّةَ أَثَرٌ من آثارِ النِّكاحِ، وعِلَاقَةٌ من علائقه محبوسةٌ لحقِّهِ، فكانت بمنزلة الرَّجعِيَّةِ (٣). قلنا: الرَّجْعِيَّةُ زوجةٌ، بدليلِ بقاءِ الميراثِ والنَّفَقَةِ والسُّكنَى، فإِنّه إذا كان الطّلاقُ بائِنًا، فهي أجنبيَّةٌ منه، بدليل أنّه إنَّ وَطِئَها لَزِمَهُ الحدُّ، فجاز له نكاح أختها وأربع سواها لو انقطعت عدَّتُها. المسألةُ الخامسةُ (٤): فإن كانت رجعيَّة، فلا يجوزُ أنّ يتزوَّجَ أختها, ولا عمَّتها, ولا خالتها, ولا رابعة غيرها، وهذا متَّفَقٌ عليه من أقوالِ العلّماءِ؛ لأنّ أحكامَ الزَّوجيَّة باقيةٌ بينهُمَا.

стр. 2593

المسألة السّادسة (١): قوله (٢): "ثَلَاثٌ لَيسَ فِيهِنَّ لَعِبٌ" يريد أنّه لا يَثْبُتُ فيهِنَّ حُكم اللّاعب. ورَوَى ابنُ الموَّاز عن مالك في الرَّجُلِ يقولُ للرَّجُلِ وهو يلعبُ: زَوِّجْنِي ابنتك وأنا أُمْهِرُهَا كَذَا. فقال له الآخر على لَعِبٍ: نَعَم. فذلك نكاحٌ لازِمٌ، هذا المشهورُ من المذهب. المسألةُ السابعةُ (٣): رُوِيَ أنّ سودةَ بنتَ زَمْعَة أسنَّت وكبرت وخَشِيَت أنّ يطلَّقَها رسولُ الله ﷺ ، فآثرتْ بيَوْمِها عائشةَ، فأقرَّهَا رسولُ الله ﷺ على نكاحها ولم يقسم لها (٤). قال مالك: وليس يَلْزَمُها البقاء على ذلك، ولها أنّ ترجع فيه. وقال أبو حنيفة (٥) والشّافعيّ: ليس لها أنّ ترجعَ فيه؛ لأنّه حقٌّ أسقَطَتهُ، فلا رجوعَ لها فيه، كما لو أسقطت خيارَهَا. والصّحيحُ، أنّ لها الرّجوع؛ لأنّ الهِبَةَ للقسم كان مع بقاءِ السَّببِ الموجب له وهو النِّكاح، فما دام سبب القسم باقٍ، فإعطاء الهِبَةِ باقٍ، وهذا معنى دقيق تفطَّن له مالك وخَفِيَ على غيرِهِ. المسألةُ الثّامنةُ (٦): فإذا قلنا: لها الرّجوع، وجب على الزَّوجِ أنّ يرجعَ إلى العدل بينهما أو يطلّق، ولذلك آثَرَ رافع بن خديج الطّلاقَ، ولم يُؤثِر المساواة بينهما، وذلك جائز حَسَبَ ما تقدَّم بيانُه في الكتاب، والحمد لله.

стр. 2594

كتاب الطلاق وشرح أبوابه ومقدِّماته المقدّمة الأولى (١) في اشتقاقه الطّلاقُ مأخِوذٌ من قولك: أطلقتُ النَّاقةَ إذا أرسلْتَها من عِقالٍ وقَيدٍ، فكأَنَّ ذاتَ الزّوجِ موثَقَةٌ عند زوجِهَا، فإذا فارَقَها أطلَقَها من وَثَاقٍ. وعلى ذلك قولُ النَّاسِ: هي في حِبَالِكَ، إذا كانت تحتك، يرادُ أنّها مرتبطةٌ عندَكَ كارتباطِ النَّاقةِ في حبَالها. ثمّ فَرَّقوا بين الحركاتِ من فِعْل النَّاقةِ وفعل المرأة، والأصلُ واحدٌ، فقالوا: طَلَقتِ النَّاقةُ، بفتح اللّام، وقالوا: طَلُقتِ المرأةُ، بضمِّ اللّام، وقالوا: اطْلقت النَّاقة، وطلّقت المرأة. وقال أبو حاتم في كتاب "الزّينة": (٢): "الطّلاقُ مُشتَقٌ من قولِكَ: أطلقتُ البعيرَ إذا أرسلته من وَثَاقِهِ، ويقالُ: بَعِيرٌ طَلْقٌ، إذا لم يكن عليه قَيْدٌ ولا عِقَالٌ" (٣). "ويقال: طَلُقت المرأةُ فهي طالقٌ، بضم اللّام، إذا طلَّقَها زوجُها، وطلقت النَّاقةُ من وَثَاقِهَا، بفتح اللّام". "وطلَّقَ الرّجلُ المرأةَ تطليقًا، إذا طلَّقَها فبانت عنه، فإذا أردتَ مرَّةً واحدةً قلتَ: تطليقةً، وتطليقتين، وثلاث تطليقاتٍ، وامرأةٌ مطلَّقَةٌ، وطالِقٌ، ونساءٌ طَوَالق"، والجمع أيضًا طُلَّقٌ، فهذا معنى بَيِّن، كما أنّ النّكاح والسّفاح ضدّان، وكما أنّ النّكاح والتّزويج اسمان للمُجامعة في الحالِ، كما بَيَّناهُ في كتاب النّكاح.

стр. 2595

المقدِّمة الثّانيةُ (١) قد قدَّمنا أنَّ النِّكاحَ قد ينعقدُ للأَبَدِ، ولا يجوزُ فيه الأمَدُ، ويُقْصَدُ به الأُلْفَةُ والنَّسْلُ الّذي تكثُرُ به الأُمَّةُ، ويدومُ به العملُ الصّالحُ، هذا هو المقصودُ منه، إِلَّا أنَّه قد تتعذّرُ الأُلْفَةُ، ويقعُ بين الزوجينِ النَّفْرَةُ. فلو بَقيَ على حالِهِ من اللُّزومِ، واستمرَّ على صفةٍ من التَّأبِيدِ، لكان في ذلك ضَررٌ بالزَّوجينِ، فشرعَ اللهُ تعالى - كما قدَّمنا- النِّكاحَ للأُلْفَة، وشَرَعَ الطلاقَ مَخلَصًا عندَ وقوع النَّفْرَةِ، وهو أمرٌ لا ينبغي أنّ يكون إِلَّا عندَ وقتِ الحاجةِ. فقد رَوَىَ أبو داود (٢): "أبغَضُ مَبَاحٍ إِلَى اللهِ الطَّلَاقُ". ورَوَى أيضًا (٣): "أيُّمَا امْرَأةٍ سَألَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ من غَيْرِ عُذْرٍ أو مِنْ غَيرِ مَا بَأسٍ لَمْ تُرِحْ رَائحَةَ الجَنَّةِ". فينبغي للرَّجُل أنّ يُوقِعَهُ -كما قلنا- عند الحاجةِ إليه، بشروطه الّتي بَيَّنَهَا الله تعالى فيه، مفيدًا للمنفعة، خالصًا عن المَضَرَّةِ. وهو على ضربين: كاملٌ بالحريَّةِ، وناقصٌ بالرِقَّ والعُبوديَّةِ. ومن وجهِ آخر على قسمين: سُنَّةٌ، وبدعةٌ، وقد يَعْرَى عنهما. وطلاقُ السُّنَّةِ (٤) هو: ١ - ان يطلِّقَها واحدةً. ٢ - وهي ممّن تحيض.
следующие страницы →