← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وقولُه (١) في البعير: "فليَضَع يَدَهُ عَلى سَنَامِهِ، وَلْيَتَعَوَّذ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ" إشارةٌ إلى قَولِهِ: "إنّها أولادهنّ" (٢). المسألةُ الثّانيةُ (٣): قولُ الرّجُلِ عن أُختِهِ إذا خطبت إليه أنّها أحدثت (٤)، أرادَ أنّها زَنَت، وأنّها أصابت ما يُوجِبُ عليها حدّ الزِّنَى، فأنكرَ ذلك عليه عمر، ولعلّها قد كانت أَقْلَعَتْ وتَابَت، فلا يحلّ ذكر ذلك؛ لأنَّ الله تعالى يقولُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (٥)، ولا يجوزُ للوَلِيِّ أنّ يُخبرَ من حال وَليَّتِهِ إِلَّا بما يجبُ ردَّها وهي العيوب الأربعة (٦). المسألةُ الثّانيةُ (٧): فإن قيل: إذا عَلِمَ الرَّجلُ من وَليَّتِهِ عَيْبًا، هل يَستُرُهُ على الخاطِبِ أو ينشُرُهُ؟ قلنا: أمّا عيبُ الأَبْدَانِ فلا خلافَ في وجوب ذِكرِهِ، فإن كَتَمَهُ فهو غاشٌ، عليه الإثمُ إجماعًا، وعليه الغُرْمُ للصَّداقِ، إنَّ كان ذلك العيبُ ممَّا يُوجبُ ردَّ النَّكاحِ؛ لأنّه غارٌّ له بالقول، ولا خلافَ بين المالكيّة أنّ الغرَرَ بالقولِ يُوجِبُ الضَّمانَ على الغَازِّ، خلافًا لأبي حنيفة (٨) والشّافعيّ (٩). ووقعت مسائلُ ظَنَّ الغافلونَ حين جاء فيها غُرورٌ من قول قائلٍ، فلم يَرَ عليه مالكٌ ضَمَانًا؛ أنّه اختلافُ قولٍ، وإنّما ذلك لأنّهم لم يَعلَمُوا حدَّ الغُرُورِ المُوجبِ للضّمان.

стр. 2592

وأمّا إنَّ كان العَيبُ من طريقِ الأديان، فهو على قسمين: ١ - إنَّ كان في الخُلُقِ؛ كحِدَّةٍ تكون في المرأةِ، أَوْ لِينٍ زائدٍ، فَيُستحبُّ له ذِكْرُ ذلك، فإن سكتَ عنه فإِنّه ليس عليه شيءٌ. ٢ - وأمّا إذا كان في الدِّينِ، فحرامٌ عليه ذِكْرُهُ؛ لأنّه إنَّ كان الّذي وقَعَ منها عَثرَة، فَمُقِيلُ العَثَرَاتِ قد سَتَرَهَا والنِّكاحُ يَعْصِمُ، وإن كانت مُنبَهِرَةً (١) فليس يلزَمُ الوَليَّ ذِكرُ ذلك؛ لأنّه لم ينفرِدْ بعِلْمِهِ، والنِّكاحُ قَيدٌ وعِصمَةٌ، فإذا أَدخلها فيه زالَ الانبهارُ. المسألةُ الرّابعةُ (٢): إذا طلَّقَ الرّابعةَ من أزواجِهِ، فله أنّ يتزوَّجَ أختَها أو سواها في عِدَّتِها، إذا لم تَكُنِ الرَّجعَةُ مُستَحَقَّةٌ في العِدَّةِ. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ ذلك؛ لأنّ العِدَّةَ أَثَرٌ من آثارِ النِّكاحِ، وعِلَاقَةٌ من علائقه محبوسةٌ لحقِّهِ، فكانت بمنزلة الرَّجعِيَّةِ (٣). قلنا: الرَّجْعِيَّةُ زوجةٌ، بدليلِ بقاءِ الميراثِ والنَّفَقَةِ والسُّكنَى، فإِنّه إذا كان الطّلاقُ بائِنًا، فهي أجنبيَّةٌ منه، بدليل أنّه إنَّ وَطِئَها لَزِمَهُ الحدُّ، فجاز له نكاح أختها وأربع سواها لو انقطعت عدَّتُها. المسألةُ الخامسةُ (٤): فإن كانت رجعيَّة، فلا يجوزُ أنّ يتزوَّجَ أختها, ولا عمَّتها, ولا خالتها, ولا رابعة غيرها، وهذا متَّفَقٌ عليه من أقوالِ العلّماءِ؛ لأنّ أحكامَ الزَّوجيَّة باقيةٌ بينهُمَا.

стр. 2593

المسألة السّادسة (١): قوله (٢): "ثَلَاثٌ لَيسَ فِيهِنَّ لَعِبٌ" يريد أنّه لا يَثْبُتُ فيهِنَّ حُكم اللّاعب. ورَوَى ابنُ الموَّاز عن مالك في الرَّجُلِ يقولُ للرَّجُلِ وهو يلعبُ: زَوِّجْنِي ابنتك وأنا أُمْهِرُهَا كَذَا. فقال له الآخر على لَعِبٍ: نَعَم. فذلك نكاحٌ لازِمٌ، هذا المشهورُ من المذهب. المسألةُ السابعةُ (٣): رُوِيَ أنّ سودةَ بنتَ زَمْعَة أسنَّت وكبرت وخَشِيَت أنّ يطلَّقَها رسولُ الله ﷺ ، فآثرتْ بيَوْمِها عائشةَ، فأقرَّهَا رسولُ الله ﷺ على نكاحها ولم يقسم لها (٤). قال مالك: وليس يَلْزَمُها البقاء على ذلك، ولها أنّ ترجع فيه. وقال أبو حنيفة (٥) والشّافعيّ: ليس لها أنّ ترجعَ فيه؛ لأنّه حقٌّ أسقَطَتهُ، فلا رجوعَ لها فيه، كما لو أسقطت خيارَهَا. والصّحيحُ، أنّ لها الرّجوع؛ لأنّ الهِبَةَ للقسم كان مع بقاءِ السَّببِ الموجب له وهو النِّكاح، فما دام سبب القسم باقٍ، فإعطاء الهِبَةِ باقٍ، وهذا معنى دقيق تفطَّن له مالك وخَفِيَ على غيرِهِ. المسألةُ الثّامنةُ (٦): فإذا قلنا: لها الرّجوع، وجب على الزَّوجِ أنّ يرجعَ إلى العدل بينهما أو يطلّق، ولذلك آثَرَ رافع بن خديج الطّلاقَ، ولم يُؤثِر المساواة بينهما، وذلك جائز حَسَبَ ما تقدَّم بيانُه في الكتاب، والحمد لله.

стр. 2594

كتاب الطلاق وشرح أبوابه ومقدِّماته المقدّمة الأولى (١) في اشتقاقه الطّلاقُ مأخِوذٌ من قولك: أطلقتُ النَّاقةَ إذا أرسلْتَها من عِقالٍ وقَيدٍ، فكأَنَّ ذاتَ الزّوجِ موثَقَةٌ عند زوجِهَا، فإذا فارَقَها أطلَقَها من وَثَاقٍ. وعلى ذلك قولُ النَّاسِ: هي في حِبَالِكَ، إذا كانت تحتك، يرادُ أنّها مرتبطةٌ عندَكَ كارتباطِ النَّاقةِ في حبَالها. ثمّ فَرَّقوا بين الحركاتِ من فِعْل النَّاقةِ وفعل المرأة، والأصلُ واحدٌ، فقالوا: طَلَقتِ النَّاقةُ، بفتح اللّام، وقالوا: طَلُقتِ المرأةُ، بضمِّ اللّام، وقالوا: اطْلقت النَّاقة، وطلّقت المرأة. وقال أبو حاتم في كتاب "الزّينة": (٢): "الطّلاقُ مُشتَقٌ من قولِكَ: أطلقتُ البعيرَ إذا أرسلته من وَثَاقِهِ، ويقالُ: بَعِيرٌ طَلْقٌ، إذا لم يكن عليه قَيْدٌ ولا عِقَالٌ" (٣). "ويقال: طَلُقت المرأةُ فهي طالقٌ، بضم اللّام، إذا طلَّقَها زوجُها، وطلقت النَّاقةُ من وَثَاقِهَا، بفتح اللّام". "وطلَّقَ الرّجلُ المرأةَ تطليقًا، إذا طلَّقَها فبانت عنه، فإذا أردتَ مرَّةً واحدةً قلتَ: تطليقةً، وتطليقتين، وثلاث تطليقاتٍ، وامرأةٌ مطلَّقَةٌ، وطالِقٌ، ونساءٌ طَوَالق"، والجمع أيضًا طُلَّقٌ، فهذا معنى بَيِّن، كما أنّ النّكاح والسّفاح ضدّان، وكما أنّ النّكاح والتّزويج اسمان للمُجامعة في الحالِ، كما بَيَّناهُ في كتاب النّكاح.

стр. 2595

المقدِّمة الثّانيةُ (١) قد قدَّمنا أنَّ النِّكاحَ قد ينعقدُ للأَبَدِ، ولا يجوزُ فيه الأمَدُ، ويُقْصَدُ به الأُلْفَةُ والنَّسْلُ الّذي تكثُرُ به الأُمَّةُ، ويدومُ به العملُ الصّالحُ، هذا هو المقصودُ منه، إِلَّا أنَّه قد تتعذّرُ الأُلْفَةُ، ويقعُ بين الزوجينِ النَّفْرَةُ. فلو بَقيَ على حالِهِ من اللُّزومِ، واستمرَّ على صفةٍ من التَّأبِيدِ، لكان في ذلك ضَررٌ بالزَّوجينِ، فشرعَ اللهُ تعالى - كما قدَّمنا- النِّكاحَ للأُلْفَة، وشَرَعَ الطلاقَ مَخلَصًا عندَ وقوع النَّفْرَةِ، وهو أمرٌ لا ينبغي أنّ يكون إِلَّا عندَ وقتِ الحاجةِ. فقد رَوَىَ أبو داود (٢): "أبغَضُ مَبَاحٍ إِلَى اللهِ الطَّلَاقُ". ورَوَى أيضًا (٣): "أيُّمَا امْرَأةٍ سَألَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ من غَيْرِ عُذْرٍ أو مِنْ غَيرِ مَا بَأسٍ لَمْ تُرِحْ رَائحَةَ الجَنَّةِ". فينبغي للرَّجُل أنّ يُوقِعَهُ -كما قلنا- عند الحاجةِ إليه، بشروطه الّتي بَيَّنَهَا الله تعالى فيه، مفيدًا للمنفعة، خالصًا عن المَضَرَّةِ. وهو على ضربين: كاملٌ بالحريَّةِ، وناقصٌ بالرِقَّ والعُبوديَّةِ. ومن وجهِ آخر على قسمين: سُنَّةٌ، وبدعةٌ، وقد يَعْرَى عنهما. وطلاقُ السُّنَّةِ (٤) هو: ١ - ان يطلِّقَها واحدةً. ٢ - وهي ممّن تحيض.

стр. 2596

٣ - طاهرًا لم يمسّها في ذلك الطُّهر. ٤ - ولا يَقْدُمُهُ طلاقٌ في حَيضٍ. ٥ - ولا يَتبَعُهُ طلاقٌ في طُهْرٍ يتلُوهُ. ٦ - وَخَلَا عن العِوَضِ. فهذه ستَّةُ شروطٍ مُسْتَقرَأَةٌ من الحديثِ، عن ابنِ عمر قال: طَلَّقتُ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ، فَذُكرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ لِعُمَر: "مُرْهُ فَليُرَاجِعهَا، ثُمْ لِيُمسِكهَا حَتى تَطهُرْ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطهُرَ، ثُمَّ إنَّ شَاءَ طَلَّقَ، وَإنْ شَاءَ أَمسَكَ، فَتِلكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ الله بِهَا أنّ يُطَلَّقَ لها النِّسَاءُ" (١). فَحَكَمَ رسولُ الله ﷺ بوُقوعِ الطَّلاقِ في الحَيضِ حينَ أمرَ بالرَّجعةِ منه، خلافًا لدَاوُد من المبتدعة، حيث يقولُ: إنَّ الطَّلاقَ في الحَيضِ لا يَلْزَمُ (٢)، وهذا في إثباته كافٍ، وقد استوفيناه في "مسائل الخلاف". وقد تفطَّنَ البُخَاريُّ بثاقبِ ذهنِهِ وفَهمِهِ لنُكتَةٍ؛ وهي أنّ الطَّلاقَ مكروهٌ، وقد كشَفَ الزَّوجُ الزّوجةَ وكَشفَتهُ، فمِنَ المُرُوءَةِ ألَّا يكشفَها لغيرِهِ إِلَّا عند الحاجة كما بَيَّنَّاه، ويستحِي الرَّجلُ بعد ما كان بينه وبين زَوْجِهِ من المخالَطَةِ أنّ يواجهَها بالطَّلاقِ (٣)، إِلَّا أنّ تواجِهَهُ هي بمكروهٍ، وأدخلَ حديثَ المستعِيذَةِ؛ بَأن امرَأَة دَخَلَت عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لِلْبِنَاءِ بهَا، فَلَمَّا خَلَا بِهَا قالَتْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، قالَ لَهَا: "لَقَد اسْتَعَذتِ بِعَظِيمٍ، الحَقِي بِأَهلِكِ" (٤). تفسير: وأمّا قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٥) لم يكن عند الجاهليَّةِ للطّلاق عَدَدٌ، وكانت عندهم

стр. 2597

العدَّة مقدّرة. وقال عُروة: كان الرَّجلُ يطلِّق ثمّ يراجعُ امرأته قبلَ أنّ تنقضي عدَّتُها، فغضِبَ رجلٌ من الأنصارِ على امرأته، فقال لها: لا أَقرُبُكِ ولا تَحِلَّينَ، فقالت له: كيف؟ قال: أُطلَّقُكِ حتّى إذا جاءَ أَجَلُكِ رَاجَعْتُكِ، فَشَكَت ذلك إلى النَّبىِّ ﷺ فأَنزلَ اللهُ تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١). وقال (٢): إنَّ هذه الآية عُرَّفَ فيها الطَّلاقُ بالأَلف واللّام، واختلفَ النّاسُ في تأويلِ التَّعريفِ. فقيل: معناهُ الطّلاقُ المشروعُ مَرَّتانِ، فما جاءَ على غيرِ هذا فليس بمشروعٍ، وهو مذهبُ الرَّافضةِ (٣). وقيل: الطَّلاقُ الّذي فيه الرَّجْعَيةُ مَرَّتَان. وقيل: الطّلاقُ المَسْنُونُ مَرَّتَانِ، قاله مالك. وقيل: الطّلاق الجائزُ مَرَّتَانِ، قاله أبو حنيفة (٤). وسيأتي بيانُه في موضعه إنَّ شاء الله. المقدّمة الثّالثة في تمليكه الزّوج لأنّه أمرٌ جعلَهُ الله بأيدي الأزواج، وملَّكُهم إيَّاهُ دونَ الزَّوجاتِ، فقال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ الآية (٥)، وقال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية (٦).

стр. 2598

(١) وهو أيضًا على وجهين: مباحٌ، ومحظورٌ. فالمباحُ منه: ما كان على الصِّفَةِ الّتي أمرَ اللهُ بها. والمحظور منه: ما وقعَ بخلافِها. فأمّا الصَّفةُ أمتي أمرَ الله بها، هيَ ما ذَكَرَهُ في كتابهِ، حيثُ يقولُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ الآية (٢). وقرأَ ابنُ عمر: "لِقُبُلِ عِدَّتِهنّ" (٣) معناه: في موضعٍ يعتددن به، وهو أنّ يطلِّقَها في طُهْرٍ لم يمسّها فيه، * كما بينّاه قَبْلُ، وأن لا تكونَ حائضًا * (٤). وإنّما نُهِيَ المطلّقُ أنّ يطلّقَ في الحَيضِ؛ لأنّه إذا طلَّقَ فيه طوَّل عليها العدَّةَ وأَضَرَّ بها وعطَّلَها؛ لأنّ ما بَقِيَ من تلك العِدَّة لا يُعتَدُّ به في إقرائها، فتكونُ في تلك المُدَّة كالمعلَّقَةِ، لا مُعتَدَّةً ولا ذات زَوْجٍ ولا فارغة من زَوج، وقد نَهَى النّبيُّ ﷺ عن ذلك، والله تعالى نهى عن إضرار المرأة بتطويل العِدَّة عليها، بقولِهِ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ الآية (٥). وذلك أنّ الرَّجلَ في الجاهليَّةِ، كان يطلَّقُ المرأة ثمَّ يُمهِلُها، فإذا قَرُبَ انقضاء عِدَّتها، رَاجَعَها ليُطَوَّلَ عليها العِدَّة، فَنَهَى الله عن ذلك. وأمَّا طلاقُ السُّنَّةِ الّذي أمرَ اللهُ به عبادَهُ وعلَّمَهُم إيَّاهُ، هو أنّ يُطلِّقَ الرَّجلُ امرأَتَهُ طاهرًا من غيرِ جِمَاعٍ طَلْقَةً واحدةٍ، ثمَّ لا يُتْبِعها طلاقًا، فيكونُ أحقّ برجْعَتِها، شَاءَت أو أَبَتْ، ما لم تَنقضِ عِدَّتُها لقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ الآية (٦)، وبلوغُ الأَجَلِ في هذه

стр. 2599

الآية المُقَاربة، بدليلِ إجماعهم على أنّها تَبِينُ من زَوّجها بانقضاءِ عِدَّتِهَا, ولا يكونُ له إليها سبيلٌ، وذلك كثيرٌ في القرآنِ، موجودٌ في لسانِ العربِ، أنّ يُسَمَّي الشيءُ باسمِ ما قَرُبَ منه، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ (١) معناه: إذا أردتَ أنّ تقرأ القرآن فاسْتعِذ بالله، ومثل هذا كثير (٢). البابُ الأوّلُ ما جاءَ في البَتَّة الفقه في أربع مسائل: المسألةُ الأولى (٣): قول مالك (٤): "مَا جَاءَ في البَتَّة" أي: في حُكمِ البَتَّة. رَوَى مُسلم (٥)، عن أبي الصَّهْبَاءِ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ أنْه قال: "كَانَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ عَلَى عهْدِ زسُولِ اللهِ ﷺ وَاحِدَةٌ، وَزمَانَ أَبِي بَكرٍ، وَصَدْرًا من خِلَافةِ عُمَرَ، فَلَمَّا تَتَابَعَ النَّاسُ في الطّلَاقِ، قالَ عُمَرُ: لَقَدِ استَعجَلُوا في أَمرٍ كَانَت لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمضَينَاهُ عَليْهِمْ، فَأَمضَاهُ عَلَيهِم". وعَقَّبهُ بروايةٍ أخرى من طريق ثانٍ (٦)؛ قال: "كَانَتِ البَتَّةُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ وَاحِدَةً" الحديث إلى آخره، ولم يُدخِلِ البخاريُّ هذا الحديثَ؛ لأنّ أبا الصَّهْبَاء انْفرَدَ به

стр. 2600

ولم يتابِعْهُ عليه أحد من أصحابِ ابنِ عبَّاس. وقد أدخلَ مالكٌ في رَدِّهِ حديثَين: ١ - أحدُهما في هذا الباب، أَنَّ رَجُلَا قالَ (١):"طَلَّقْتُ امْرَأَتِي مِئةَ طَلْقَةٍ، مَاذا ترَى عَلَىَّ؟ قَال لَهُ: طَلُقَت مِنْكَ بِثَلاثٍ، وَسَبعٌ وَتِسْعُونَ اتَّخَذتْ بِهَا آيَاتِ اللهِ هُزُوَا" (٢). ٢ - ثمَّ أدخلَ في "بابِ طلاقِ البِكْرِ" حديث محمّد بن إِيَاس بن البُكَير مُسْنَدًا (٣): "أَنَّ رَجُلَا طَفقَ افرَأَته ثَلَاثًا، ثُمَّ جَاءَ يَسْتَفْتِي ابْنَ عبَّاسٍ، فَقَال لهُ هُوَ وَأَبُو هُرَيرَة: لَا نَرَى "أنّ تَنْكِحَهَا حتّى تَنكِحَ زَوجًا غَيرَكَ، قالَ لَهُمَا: إِنمَا طَلَاقِي وَاحِدَةٌ، وَكَانَ قبْلَ الدُّخُول، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَ مِنْ يَدِكَ ما كَانَ لَكَ من فَضْلٍ" فهذا يدلُّ من قولِ ابنِ عبَّاسٍ في الخَبَرَينِ جميعًا أنّ الثَّلاثَ في عهدِ رسولِ الله وفي كلِّ عَهْدٍ كانت لَازِمَةً. وفي "البخاريّ" (٤) و"مسلم" (٥) حديث العَجلانيّ في اللَّعان: فطَلَّقها قَبْلَ أنّ يَأمُرَهُ رسولُ الله، وأَقرَّهُ، فَصَارت سُنَّةَ يُحْكمُ بَهَا على من جاء بَعْدَهُ. وإنّما معنى الحديثِ الّذي رواهُ أبو الصّهباءِ؛ أنّ النَّاسَ كانوا على السُّنَّةِ يطَلِّقُونَ واحدةً يَحُلُّون عَقْدَ النّكاحِ بها, ولا يخرُجون عن السُّنَّة فيها، وتمادَى الحالُ كذلك حياةَ رسولِ الله ﷺ ، وخلافةَ أبي بكر، وصدرًا من خلافةِ عُمَرَ، فصارَ النَّاسُ يُطَلَّقون بَدَلَ الواحدة ثلاثًا، فجمعوا ما كان الله قد فَرَّقَه عليهم، واستَعْجَلُوا ما كان الله أخَّرَهُ عنهم، فأُلزِمُوا ذلك.

стр. 2601

وقد رَوَى النَّسَائىُّ (١)، عن محمودِ بن لَبِيدٍ؛ أنّ رجلًا طَلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا في زمَنِ رسولِ الله ﷺ ، فقام رسولُ الله ﷺ مُغْضَبًا يقولُ: "أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ الله وَأَنَا حَيٌّ بَينَ أَظْهُرِكُم؟ " فَقَامَ رَجُلٌ يقولُ: يا رسُولَ اللهِ، أَقْتُلهُ؟ فهذا معنى الحديث، ليس معناه ما تَوَهَّمَتهُ المُبتَدِعَةُ والجُهَّالُ من أنّ طَلاقَ الثّلاثِ إذا قالها الرَّجلُ في كلمةٍ لا يَلْزَمُ، وقد ضربتُ شرقَ الأرضِ وغرِبَها، فما رأيتُ ولا سمعتُ أحدًا يقولُ ذلك (٢)، إِلَّا أنّ الشِّيعة الخارجين عن الإسلام يقولون في الظَّاهر: لا يقع الطّلاق على المرأةِ حتّى يُطَلِّقَها واحدةً، ويضعَ يَدَهُ على رأسها، ويقول للشُّهودِ: إنَّ هذه طالقٌ، في حماقاتِ تُجَانِسُ عقائدهم الخيثة. المسألةُ الثّانية (٣): قوله (٤): "طلَّقتُ امْرَأتِي مِئَةَ طلْقَةٍ" قال علماؤنا (٥): يحتملُ إيقاعها مُجتَمِعَة ومفترقة، ولا تأثير للزّائد على الثلاث في جَمْعها إِلَّا ما له من التّأثير في تفريقها، وذلك أنّه أِثمَ فيها, ولا يعتدُّ عليه بشيءٍ منها (٦)، ولا تأثيرَ لهُ في الحُكم إِلَّا في الاستثناء، وهو إذا قال: طلّقتك مئة إِلَّا تسعة وتسعين، فقد رُويَ عن سحنون أنّهاَ ثلاثٌ، ورُوِيَ عنه أنّه قال: لا يقعُ عليه إلّا تطليقة واحدة، فمن جَعَلَ ما زادَ على لفظ الثّلاث،

стр. 2602

ليس له غير حكم الثّلاث، ألزمه الثّلاث، بمنزلة قوله: أنت طالق ثلاثًا إِلَّا ثلاثًا. ومن جعلَ للفظ المئة تأثيرًا، جعل له لما زاد من الاستثناء تأثيرًا، فلم يبق من الطّلاق إِلَّا واحدة. باب ما يجوز إيقاعه من الطّلاق (١) الفقه في ستّ مسائل: المسألةُ الأولى (٢): قال علماؤنا (٣): الطّلاقُ يُعتبرُ بثلاثِ معانٍ: العدد، والصِّفة، والزّمان. وقال عبدُ الوَهّاب (٤): الطّلاقُ على ثلاثة أضرب: طلاق سنّة، وطلاق بدعة، وطلاق لا يوصف بسُنَّةٍ ولا بدعة. ومعنى طلاق السُّنَّة: أنّه واقع على الوجه الّذي وَرَد الشَّرْعُ بإيقاعِهِ عليه. ومعنى طلاق البدعة: أنّه واقعٌ على غيرِ ذلك الوجه. وهذه الثّلاثة الاقسام تصِحُّ من جهةِ الزّمان، فأمّا من جهة العَدَدِ والصِّفةِ، فلا تكونُ إِلَّا قسمين: سُنَّةٌ وبدعَةٌ. فأمّا العدد: فإذا وقع أكثر من واحدة فقد وَقَعَ بغير السُّنَّةِ. وقال الشّافعي: هو مطلق (٥)، للسُّنَّة. ودليلنا: قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية (٦)، ولا يخلو أنّ يكون أمرًا بصفةِ

стр. 2603

الطّلاقِ، أو يكونَ إخبارًا عن صِفَةِ الطَّلاقِ الشَّرعيِّ. ومن علمائنا من قال: الألفُ واللّامُ للحصرِ، وهو ألَّا يكون الطّلاق الشّرعيّ على غير هذا الوجه. فإن قالوا: المرادُ به الطّلاق الرَّجْعِيّ طلقتانِ. قيل لهم: إذا استقلَّ الكلام دون إضمار، لم يرجع الإضمار إِلَّا بدليلٍ، وقد بيَّنَّاهُ في "الأصول". المسألةُ الثّانية (١): فَمَنْ أَوْقَعه بلفظ الثّلاث (٢) لَزِمَهُ ما أَوْقَعه، وبذلك قال جماعة العلماء. وحكى عبد الوهّاب في "إشرافه" (٣) عن بعض المُبتَدِعَة (٤)؛ أنّه قال: تلزمه طلقة واحدة، وعن بعض أهل الظَّاهرِ لا يلزمه شيءٍ (٥). وإنّما يُرْوَى هذا القول عن الحَجِّاج بن أَرْطَاة، ومحمد بن إسحاق (٦). والدّليلُ على ما نقوله: إجماعُ الصَّحابة؛ لأنّ هذا مرويٌّ عن ابنِ عمر، وعمران بن حصين، وابن مسعود، وابن عبّاس*، وأبي هريرة، وعائشة ﵃ ولا مخالِفَ لهم، وما روي عن ابن عبّاس* من رواية طاوس (٧)، قال فيه بعض

стр. 2604

المُحَدِّثين: هو وَهْمٌ، وإنّما وَقَعَ الوَهْمُ في التَأويلِ (١). وعندي: أَنَّ الرَّوايةَ صحيحةٌ؛ لأنّ طاوُس قويُّ الحِفْظِ إِمَامٌ فيما نَقَلَ. المسألةُ الثالثةُ (٢): اختلفَ العلّماءُ في البَتَّةَ: فرُوِيَ عن ابن عمر أنّه قال: هي واحدةٌ، وبه قال أبَان بن عثمان (٣). وقال عليّ: هي ثلاث. وقوله (٤): "إنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَانَ يقْضِي في البَتَّة بِالثَّلاثِ" إنّما استدلَّ بذلك مالك لأنّ مروان كان أمير المدينة، وفي زمان جماعة الصّحابة والتّابعين، وكان لا يقضي إِلَّا عن مَشُورَتِهِم، فهذا تكرَّرَ قضاؤُه في البَتَّة ثلاثًا، دلّ على أنّه كان الظّاهر من قولهم والمعمول به. قال علماؤُنا (٥): وهذا في المدخول بها، فأمّا غيرُ المدخولِ بها، فإنْ نَوَى الثّلاث أو لم ينو شيئًا، فلا خلافَ في المذهبِ أنّها ثلاث، وإن نَوَى واحدة ففيها روايتان: إحداهما: لا ينوي وتلزمه الثلاث، وبه قال سحنون وابن حبيب.

стр. 2605

والزواية الأخرى: ينوي (١). فالرواية الأولى مبنيَّةٌ على أنّ البَتَّةَ لا تَتَبَعَّضُ، ولا يَصِحُّ الاستثناءُ منها (٢). والرّواية الثّانية مبنيَّةٌ على أنّ البَتَّةَ تتبعّض، ويَصِحُّ الاستثناءُ منها (٣)، وعلى هذا الاختلاف يجب أنّ يُحْمَلَ القولُ في الخُلْع وكلِّ طلاقٍ لا تعقبه رَجْعَة. المسألةُ الرّابعةُ (٤): فإذا قلنا: إنّه ينوي في غير المدخولِ بها، فإنّه يحلف أنّه ما أراد إِلَّا واحدة، قاله مالك في البتّة، والبائنة، والخليّة، والبريّة. وقال سُحْنُون: إنّما يحلِفُ إذا أرادَ نكاحها, وليس عليه يمينٌ قبلَ إرادَةِ النِّكاحِ ونحوِهِ (٥)، وهو قولُ ابن الماجشون. المسألةُ الخامسةُ: قال علماؤُنا: ألفاظُ الطَّلاقِ ثلاثٌ: تصريحٌ في العَدَدِ وفي الطَّلاقِ، فهذا إذا قال: أردتُ أقلَّ، لم يُصَدَّق. وتصريحٌ في الطَّلاقِ كنايةٌ في العَدَدِ، فهذا يُصَدَّق. فأمّا التّصريحُ في الطَّلَاقِ، فيقالُ له: كم أردتَ؟ فإن قال: ثلاثًا، صُدَّق عندنا، وبه قال الشّافعيّ (٦). وقال أبو حنيفة (٧): لا يُصَدَّق في قوله: إنّها ثلاث، وإنّما كان لا يُصدَّق عنده؛

стр. 2606

لأنَّ اسم الفاعلِ عندَهُ لا يقتضي العَددَ، وعندنا يقتضي العدد، ألَا تَرَى إلى قولهم: امرأةً حائضٌ، هل يقتضي عَدَدًا؟ فإنّ مقتضَى اسم الفاعل يقتضي العدد. قالوا: قوله "أنتِ طالق" يقتضي طلاقًا؛ لأنّ اسمَ الفاعلِ يدلُّ على مصدرٍ، والمصدر يقتضي العدد، بخلاف اسم الفاعل، كأنّه قال: أنت طالقٌ طلاقًا، فقولنا "طلاقًا" يحتمل العدد ويدلُّ عليه. وأيضًا: فإنَّ أبا حنيفة (١) نقض أصله في المُعتدَّةِ؛ لأنّ الرَّجُلَ إذا قال لزوجه: أنتِ مَعْتَدَّة، فقد قال: إنّه يُصَدَّقُ فيما يقول إنَّ قال ثلاثًا أو واحدة. وأمّا الكناية في الطّلاقِ والعَدَدِ، فكقوله: اذهبي، والحقي بأهلك، فهذا يُصَدَّقُ في الطَّلاقِ وفي العَدَدِ. فرع: إذا قال الرَّجلُ لزوجته: أنا مِنْكِ طالقٌ، فعند مالك (٢) والشّافعيّ (٣) أنّ الطلاقَ يقعُ عليها وقال أبو حنيفة (٤): لا طَلاقَ عليها. فرع: وأمّا إذا قال لعبده: أنا منك حُرٌّ، فقدِ اتَّفقَ الأيِمَّةُ الثّلاثة أنّ ليس عليه شيءٌ. فوجهُ القولِ بينَ المسألتين في بابِ النِّكاحِ معقودٌ عليه، مقيَّدٌ بالنِّكاحِ كالزّوجة،

стр. 2607

فلذلك صحَّ فيه إضافة الطّلاق الّذي هو حلّ العَقْدُ، والعَقدُ إليهما جميعًا، بخلافِ العبدِ والسَّيِّدِ في مِلْكِ اليَمينِ، فإن السَّيِّدَ فيه مَالِكٌ مَحْضٌ لا مَملُوكيَّةَ فيه، والعبدُ مملوكٌ مَحْضٌ لا مَالِكِيَّةَ لَهُ، فلذلك لا يَصِحُّ إضافةُ الحريَّةِ الّتي هي إبطال المملوكيّة إلى العبد الّتي هي فيه دون السَّيِّد الّذي هو خالٍ عنها. المسألةُ السّادسةُ: هل يجبُ الطلاقُ بالنِّيَّةِ أم لا؟ فلمالك ﵀ في هذا قولان: أحدهما: أنّه يجبُ بِالنِّيَّةِ أنّ يطلِّقَ في قلبِهِ. الثّاني: أنّه لا يقعُ، إلّا أنّ يقترِنَ به لفظٌ وإن لم يدلُّ عليه، مثال ذلك: لو قال "اسقني ماء" وأرادَ الطّلاق، وقعَ عليها، والأول أشبَهُ وأصَحُّ. وعند الشّافعي (١) وأبي حنيفة (٢): أنّه لا يجبُ الطّلاقُ بالنِّيَّةِ، إِلَّا أنّ يقترنَ بلفظٍ يدلُّ عليه تصريحًا أو كنايةً. باب الخَلِيَّةِ والبَرِيَّة الفقه في مسائل: المسألة الأولى (٣): سمَّى اللهُ النِّكاح في القرآن نِكاحًا، وزواجًا، واختلفَ العلّماءُ، هل له لفظٌ آخَرُ سِوَى هذين أم لا؟ وقد بيَّنَّا ذلك فيما تقدَّمَ، وأَشرنَا إلى حديث الموهوبة، وسمَّى اللهُ تعالى الطَّلاقَ في القرآنِ بثلاثة أسماء: الطّلاق، والفِراق، والسَّراح. واختلفَ العلّماءُ في ألفاظِ الطَّلاقِ صريحًا وكنايةً:

стр. 2608

فقال الشّافعيُّ: الصَّريحُ ما وردَ في القرآنِ، والكنايةُ ما عَدَاهُ (١). واختلفَ أشياخُنا في ذلك: فقال القاضي أبو محمّد عبد الوهّاب (٢): الصّريحُ لفظُ الطّلاق وحدَهُ. وقال القاضي أبو الحسن (٣): الصَّريحُ لفظُ الطّلاقِ والفِرَاقِ، والحَرَامِ، والخَلِيَّة، والبَريَّة. وتحقيقُ القولِ في ذلك يرجِعُ إلى فصلّين: أحدُهُما: يرجِعُ إلى تحقيقِ لفظِ الصَّريحِ، وهو الخالصُ في الدَّلالةِ على الشَّيء الّذي لا يحتملُ سوَاهُ، مأخوذٌ من اللَّبنِ الصّريحِ الّذي لم يَشُبْهُ شيءٌ، بناءً على ما بيّنّاهُ في "أصول الفقه" من أنّ المعقولَ في الأَلفاظِ تَبعٌ للمحسوس. والثّاني: أنّه إنّما يُفتَقَرُ إلى الفرقِ بينَ الصَّريحِ والكنايةِ بحرفٍ واحدٍ، وهو أنَّ الصريحَ ما لا يُنَوَّى فيه الحالف، والكناية ما يُنوِّى. فإذا ثبت هذا وتحقَّقتُمُوهُ، فقول القاضي أبي محمّد: هو صريحُ مذهب مَالك؛ لأنّ مالكًا يُنَوَّي في الخَليَّةِ والبَرِيَّةِ، وحبلُكِ على غَارِبكِ، وهي من الصَّريحِ في عُرْفِ الطَّلاق، فدل على أنّ الصّريحَ عندَهُ لفظُ الطَّلاقِ خاصَّةً الّذي ليس فيه احتمالٌ، والَّذي وقعَ شرعًا وعُرْفًا عليه، ألَّا ترى إلى قولِ عمرَ بن الخطّاب ﵁ للرَّجُل الذِي قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ: مَا أَرَدت به؟ قال: أرَدتُ الفِرَاقَ، فنَوَّاه فِيهَا (٤). وقد قال مالك: لو علِمتُ أنَّ عمر قال ذلك لقُلتُ به (٥).

стр. 2609

فإن قيل: فكيف قال ذلك مالك وهو يرويه؟ قلنا: روَاهُ مقطوعًا، فأعجَبُهُ مَقْطَعُهُ، ولم يَرْوِهِ مُسْنَدًا فيَلْزَمُه حُكمُه، هذا هو الصّحيحُ. ومن علمائنا من قال: إنّما توقَّفَ مالك فيه؛ لأنَّه لم يَعْلَمْ هل كان ذلك قبلَ الدُّخول أو بعدَهُ؟ فلم يرَ مالكٌ إجزَاءَ التَّنْويَة في المدخولِ بها، وجوَّزَهُ في الّتي لم يُذخَل بها؛ لأنَّ الواحدةَ تُبِينُها. وقد قال جماعة من العلماء: إنّه يُنَوَّى في كلَّ حالٍ، وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّ في "حَبْلُكِ على غَارِبكِ" لا يكونُ أظهرَ من قولِهِ: "طلّقتُكِ"، فإن حَلَّ العِقَال في الذَّهابِ كوَضعِ الحبلِ على الغارِبِ فيه، وكالتَّخْلِيَةِ فيما يُترَكُ، وكالتَّبرِئَةِ فيما يَسْقُطُ. وهذه كلُّها ألفاظٌ إنَّ لم تكنْ مثلَ الطّلاق فلا تكونُ فوقَه، ولو قال رجلٌ لامرأته: طلّقْتُكِ، لَنُوَّيَ كذلك إذا قال: خَلَّيتُكِ، وكذلك الْبتَّة القطعُ. وقد اختلفَتِ الصَّحابةُ فيها، وغلَّب مالكٌ قضاءَ علىٍّ بالكوفة بأنّها ثلاثٌ (١) على قضاء عمرَ بالمدينة بأنّها واحدةٌ. أمّا النَّسائي (٢): فقد رَوَى حديثًا فيمن قال لامرأته: أمرُكِ بِيَدِكِ؛ أنّها ثلاثٌ، ولكنّه حديثٌ مُنكَرٌ (٣)، والصّحيح أنّها واحدةٌ؛ لأنَّ الرَّجلَ يملِكُ أَمرَ المرأةِ على الإطلاق، والمقصودُ منه استمرارُ قَيْدِ النِّكاحِ عليها أو إطلاقها، فإذا قال لها: أمرُكِ بِيَدِكِ، فقد

стр. 2610

جعلَ إليها البقاءَ والزَّوالَ، فلا تملِكُ منه إِلَّا الأَقلَّ وهي الواحدةُ، وتُنَزَّلُ في ذلك منزلةَ الوكيلِ، فإنْه لا يملِكُ بالوكالةِ إِلَّا الأقلَّ ممَّا يَسْتَقِلُّ به، لكنّه إذا ناكرها حَلَفَ للبراءَة من الاحتمالِ، وله عليها الرَّجْعَةَ، كما أنّ له الرَّجْعَةَ لَو تَوَلَّى هذا الطَّلاق. عارضة (١): قال الإمام ابنُ العربيِّ: لا خلافَ بين علمائِنَا أنّ الرَّجْعَةَ لا يمْلِكُ الزَّوجُ إسقاطهَا؛ لأنّه حقٌّ أثبتَهُ اللهُ شَرْعًا، وشَرَعَ إسقاطَه بطريقِ العِوَضِ، واستقرَّ في نصابِهِ الَّذي وضعَهُ الشَّرعُ فيه. ولذلك قال علماؤُنا عَنْ بَكرَةِ أَبِيهِم: إنَّ من قال لزوجته: أَنتِ طالقٌ، ولا رَجْعَةَ لي عليكِ، أنَّ الطْلاقَ يَلْزَمُ، وما عَدَاهُ لَغوٌ. فجهل بعضُ الغَافلينَ المتأخِّرين، وكتبَ في براءات المُطَلِّقين: "فارقَ فلانٌ زوجهُ فلانةَ بطَلَّقةٍ واحدةٍ، مَلَكَت بها أمرَ نفسِهَا، لتَسْقُطَ الرَّجْعَةُ، فتَسقُطُ النَّفَقَةُ عنه والكُسْوَةُ" وهذه جهالةٌ عظيمةٌ، فإنّه لو صرَّحَ وقال لها: مَلَّكتُكِ أمرَ نَفْسِكِ، ما سقطتِ الرَّجعةُ، فكيف تسقُطُ هاهنا؟ وهذا بديعٌ فتأمَّلْهُ. الفروع: وهي سبعة: الفرعُ الأوَّلُ: قوله (٢): "حَبلُكِ عَلَى غَارِبِكِ": تصريحٌ في الطَّلاقِ وفي العَدَدِ.

стр. 2611

بيان ذلك: أنّ النَّاقةَ يُجعلُ الحبلُ في رِجْلَيهَا، فإذا أرادوا تركَها جَعلوهُ على غارِبِهَا لكي تَسِيب، ولا يطلبونها بعد ذلك (١). فكذلك المرأةُ إذا قال لها: حبلُكِ على غَارِبِكِ، لا يكون له عليها رَجْعَة، خلافًا لأَبي حنيفة والشّافعيِّ (٢). الغَارِبُ من الجَمَلِ: مقدَّمُهُ ما بين سَنَامِه إلى كَتِفيْهِ. فرع ثانٍ: إذا قال: أنت عليَّ حرامٌ، ففيه قولان: الشّافعيُّ يقول: عليه كفَّارة يمينٍ (٣). وقال أبو حنيفة (٤) ومالك: عليه الطَّلاق. وقال مالك فيه أيضًا روايتان. أمّا المشهورُ في "موطَّئِهِ" (٥) وفي "المدوّنَة" (٦) أنّها: ثلاث. ورُويَ، عن مالك أنّها طلقةٌ بائنةٌ. وأمّا من قال: إنّها كفّارة يمينٍ، فدعوى؛ لأنّ النَّاس اتَّفقوا على أنّ مجرَّدَ قولِهِ: أنتِ طالق، أنتِ حرام، وأنت علىَّ كظَهْرِ أُمِّي، أنّه ليس بيمينٍ.

стр. 2612

وإنّما اختلفوا في كونِهِ يمينًا إذا عُلَّقَ بشرطٍ، مثل أنّ يقول: إنْ فَعَلْتِ كذا وكذا فأنت طالق، وأنتِ حرام، وأنت منِّي كظهر أُمِّي. فرع ثالث (١): وقولُه (٢) في الحرام: "إِنَّهَا ثَلَاثٌ" هو قولُ زَيد بن ثَابِت (٣). وقد رُويَ عن عليّ ﵁ أنّه قَضَى بها في عدي بن قيس الكلابي، وقال له: والّذي نفسي بِيَدِهِ لَئِن مَسِسْتَهَا قبلَ أنّ تتزوّج غيرَكَ لأرجُمَنَّكَ (٤). وهو الّذي عوَّل عليه مالك وذهبَ إليه، وأنّها في غير المدخولِ بها نَوى واحدةً أو ثلاثًا، وإن زَعَمَ أنّه لم يَنوِ طلاقًا لم يُصَدَّق. وأمّا الخليّةُ والبريّةُ أنّها ثلاث، هو المشهورُ من مذهبِ مالك. واختلفَ علماؤُنا في وقوعِ الطَّلْقَةِ الواحدةِ البَائنةِ في المدخولِ بها: فرُوِيَ عن ابنِ القاسمِ (٥) في الّذي يقولُ لامرأَتهِ أنتِ طالقٌ طلاقَ الخُلْعِ، أنّها واحدة. وكذلك إنَّ قال: خالَعْتُكِ، أو بَارَأْتُ امرأتي، أو افتدت منِّي. قال أَصْبَغُ: وكذلك إنَّ قال: صالحتُ امرأَتِي، أخذ منها عِوَضًا أو لم

стр. 2613

يأخذ، فهي طَلْقَةٌ بائنة، أو هي مُبارئة. وتال مُطَرِّف في الّذي يقول لها: أنتِ طالقٌ طلاقَ الخُلْعِ: هي طَلْقَةٌ رجعيَّةٌ (١)، ولا يكون طلاق خُلْعٍ إلّا بعَطِيَّةٍ. وقال ابنُ الماجشون: هي البَتَّةُ، وبه قال أشهبُ وسُحْنُون (٢). الفرعُ الرّابع (٣): فإن قال لها: سَرَّحْتُكِ، وقال: ما أردت به الطَّلاق. فقد روى محمّد، عن ابن القاسم؛ أنّه يُقْبَل منه ويحْلِف، إِلَّا أنّ يكون ذلك جوابًا لسؤالها الطّلاق. فإن قال: أردت واحدة. فقد رُوِيَ عن أشهب أنّه قال: له نِيَّتُهُ ويحلِف. فإذا قلنا في "سَرَّحْتُكِ" إنّها واحدةٌ إنَّ نَوَى، فإن لم يَنْوِ شيئًا، فقد قال أشهب: هي واحدةٌ حتَّى ينوِي أكثر من ذلك (٤)، وقاله مالك (٥). الفرع الخامس (٦): وأمّا قوله: "خَلَّيْتُ سَبيلَكِ" فقد رَوَى ابنُ القاسم أنّه إنَّ قال: لم أُرِد طلاقًا، لم يُقْبَل ذلك منه، بخلافِ "فَارَقْتُكِ" و"خلَّيْتُكِ" والفرقُ بينهما: أنّ "خَلَّيتُ سَبِيلَكِ" لا يكادُ

стр. 2614

يُسْتَعمَل إِلَّا في الطَّلاقِ، ولو كانَ قبلَهُ ما يقتضيهِ لوَجَبَ أنّ يُقْبَلَ منه. فإن قال: أردتُ الطَّلاقَ ولم أَنْوِ عددًا. فقد رَوَى ابنُ وَهْبٍ عن مالك: هي واحدةٌ حتّى يَنْوِي أَكثرَ من ذلك (١)، وبه قال ابنُ عبدِ الحَكَم. وقال ابنُ القاسم: إنّها ثلاث (٢)، وبه أخذ أَصْبَغ ومحمد. فإن قال: أردت واحدة. فيجيءُ على رواية ابنِ وَهْبٍ أنّه يُصَدَّق دونَ يَمينٍ, ويجيءُ على رواية ابنِ القاسِمِ عن مالك له نِيَّتُه ويَحْلِف. الفرعُ السَّادسُ (٣): قوله (٤): "شَأنُكُم بهَا" وقال: لم أرد بذلك إلّا إباحة ما سألتموني (٥)، لم يكن عليه شيءٌ، وأمّا (٦) إذا قال ذلك على ما قدَّمناه، وقال: لم أُرِدّ طلاقًا، فإِنّه لا يُصَدِّق؛ لأنّ هذه ألفاظٌ جَرَتِ العادةُ باستعمالها في الطَّلاقِ، فهذا وقعَ على وجهٍ يُفْهَمُ منه ذلك حُمِلَ عليه. الفرعُ السَّابعُ (٧): وإن قال: "بَرئْتِ مِنَّي، وبَرِئْتُ مِنّكِ (٨) فهو سواءٌ، وكذلك لو قال لها: أَنْتِ مِنِّي بَائِنٌ، وأنَا مِنْكِ بَائِنٌ، وأنّا مِنْكِ طَالقٌ، أو أَنّتِ مِنَّي طَالِقٌ. وقال أبو حنيفة: إنْ أضافَ الطَّلاقَ إلى نفسه بلفظِ الطَّلاقِ لم يَلْزَم، وذلك إذا قال: أنا مِنْكِ طالقٌ (٩).

стр. 2615

ودليلُنا: أنّها جِهَةٌ لو أضافَ إليها الطَّلاق بلفظِ البينُونَةِ ثَبت حُكمُهُ كجهةِ الزَّوجةِ، والله أعلمُ. باب ما يُبَيِنُ من التّمليكِ العربيّة (١): قال الإمام: التّمليكُ هو تَفْعِيلٌ من التَّمليك، وهو نقلُ المِلْكِ من يَدِ من هُوَ له إلى غيرِهِ، ولا يخلو المِلْكُ من أنّ يَقْبلَ النّقلَ أو لا يقبله، فإن قبلَ النَّقلَ، جازَ التَّمليكُ فيه وإلّا لم يجز. والتّمليك في الطّلاق: ضربٌ من التّوكيل، وصورتُه: أنّ يقولَ لزوجتِهِ: ملَّكتُكِ أَمْرَ نَفسكِ، أو جعلتُ أمركِ بيدِكِ، أو طلاقكِ بيدكِ، أو فِراقكِ إليك، أو شبه ذلك، فلا يخلو إذا فعلَ الزَّوجُ ذلك أنّ تجيبه في المجلس، أو تخرج من المجلسِ غير مُجيبة، وإنْ خرجت غير مجيبة، هل يبطلُ الّذي جعل إليها أم لا؟ فعن مالك ﵀ في ذلك روايتان: ١ - إحداهُما: أنّه يبطلُ، ووجُهُه: أنّها ما دامت في المجلسِ تتعرّض أنّ تجيب، فهذا خرجت من المجلسِ، فُهِمَ منها الإعراض عمَّا جعلَ إليها. ٢ - ووجهُ القولِ بأنَّه لا يبطلُ وإن خرجت من المجلس: أنّ الحقَّ صارَ إليها، فلا يسقط إِلَّا بتوقيفٍ من الحاكِم، أو إسقاط ظاهِرٍ. وإن أجابت، فلا يخلو أنَ تجيب بجواب مُبْهَمٍ، أو بجوابٍ مُفَسَّرٍ.

стр. 2616

فإن أجابت بجوابٍ مُبْهَمٍ، كان لها أنّ تفسَّرَهُ فيما بعدُ من غير توقيتٍ؛ لأنَّ الجوابَ قد حصلَ، وإنّما بَقِيَ التَّفسيرُ. وإن أجابت بجوابٍ مُفَسَّرٍ، فلا يخلو أنّ تُجِيبَ بما يكونُ طَلْقَةٌ واحدةً، فيعملُ عليها، أو بما يكونُ ثلاثًا، فإن كانت بثلاث، أو بِما يحتملُ الثَّلاثَ، كان له أنّ يناكِرَهَا، فيقول: مَا أردتُ بِالتَّمليكِ إِلَّا واحدة، فيحلِفُ على ذلك ويعمل عليه، ولكن المناكرة لا تنفعه إِلَّا بثلاثِ شروطٍ: الأوّل: أنّ يُنَاكِرَهَا في الحالِ من غيرِ تأخيرٍ. الثّاني: أنّ يقولَ: نويتُ الواحدةَ مع التَّمليكِ لا بعدَ التّمليك. الثالثُ: أنّ يكونَ التمليكُ ابتداءً من غيرِ شرطٍ، فإن كان بشرطٍ، مثل أنّ يقولَ لها: إنَّ تزوّجْتُ عليكِ فَأمْرُكِ بيدِكِ، وشبه ذلك، فلها أنّ تقضي بالثّلاث في مثل هذه الصُّورة، وليس لها أنّ تناكر؛ لأنَّ المفهومَ من مقارَنَةِ الشَّرطِ انقطاع العِصْمَةِ، ولأنَّه قَطَعَ العِصْمَة بواحدةٍ، بخلافٍ إذا قال لها ابتداءً: أَمْرُكِ بِيَدِكِ، فإنّه إنّما جعل لها المِلْكَ. العربية: التخيير قال الإمامُ: هو أنّ يقولَ الرَّجلُ لامرأَتِهِ: اختَارِي، فاختارَتْ نفسَهَا، فقد بَانَت منه. وقال قومٌ: إنِ اختارتْ زوجَهَا فهي واحدةٌ، وزوجُها أحقُّ بها, وإنِ اختارت نفسَها فهي تطليقَةٌ. وهو مأخوذٌ من الاختيار، وكانت المختارة تأخذُ ما تَعْلَم أنّه خيرٌ لها وأحبّ إليها, ولأنّه جعل الاختيار إليها، يقال: اخترت الشيءَ، ومعناه: اخترت خِيرَتَهُ، وخَيرَهُ. وهو مشتقٌّ من الخيرة. الفقه في مسائل: المسألة الأولى؟ قال علماؤُنا: التَّخييرُ خلاف التَّمليك. وصُورتُه أنّ يقولَ لها: خَيَّرتُكِ في نَفْسِكِ، فلها أنّ تقضي في الثَّلاث، وليس له أنّ يُنَاكِرَهَا، بخلاف التّمليك فإنَّ له أنّ يُنَاكِرَهَا في التّمليك.

стр. 2617

والفرقُ بينهُئا: أنَّ في التّمليكِ جعلَ إليها ما كان إليه وهو الطّلاق الواحد، فأمّا الثّلاث، فهي حرام فلا تدخل تحت الإِذن، بخلافِ التّخيير، فإنّ معناهُ البقاء أو الزّوال عنها، وبالواحدة لا يزول، فلأجل ذلك كان لها أنّ تقضى بالثّلاث، ولم يجز له مُنّاكرتها. فرعٌ: فإن خيَّرَها في نفسِهَا، فاختارت واحدة أو اثنين، فقد بَطلَ خيارها عند مالك؛ لأنّها قَضَتْ بما ليس لها. وقال عبدُ الملك بن الماجِشُون: كملت عليه الثلاث؛ لأنّها اختارت بعض ما لا يتبعْض، يكمل عليها، كما لو قال لها: أَنْتِ طالقٌ نصف طَلْقَةٍ. فرعٌ: فإن ملكها، فقالت: لا أُطلَّقُ نفسي، أو خيَّرَهَا، فقالت له: قدِ اخترْتُكَ، أو قد رَدَدْتُ ما جَعَلْتَ إلَيَّ، لم يكن ذلك شيئًا. وقال بعضُ المتقدِّمين: يكونُ ذلك طلقة رَجْعِيَّة. والدَّليلُ على بُطلَانِهِ: ما رَوَى البخاريُّ (١) ومسلم (٢) عن عائشة: أنّ النّبيّ ﷺ خيَّرَ أَزواجَهُ فاخترنَهُ، فلم يكن ذلك طَلَاقًا. وفي (٣) الصَّحيحِ أنّ النبيَّ ﷺ خَيَّرَ أَزْوَاجَهُ حينَ نزلت عليه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية (٤)، قالت عائشة: فَبَدّأَ بي، وقال: "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا, ولا عَلَيكِ أنّ تَسْتَعجِلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ"، وَقَرَأَ عَلَيْهَا الآيَة، فَقَالَتْ لَهُ: أَوَ فِي هَذَا أَسْتَأمِرُ أَبَوَيَّ؟! بَل أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ والدَّارَ الآخِرَةِ، ثُمَّ قَالَتْ:

стр. 2618

يا رَسُولَ اللهِ، لَا تُخبِر أَحَدًا من أَزوّاجِك أَنِّي اختَرْتُك، قال: "إِنِّي لَمْ أُبْعَث مُعَنِّتًا". قالَت عَائِشَةُ أَكَانَ طَلَاقًا (١). وبهذا اسْتُغُنِيَ عن حديثِ قُرَيْبَة (٢) وشبهه (٣). نكتةٌ بديعة (٤): في الفرق بين التّخيير والتّمليك اختلفَ النّاسُ فِيهِمَا: فمنهم من قال: هي واحدةٌ في الحُكمِ التّخيير والتّمليك. ومنهم من فرّق بينهما، وإليه صَغَا مالكٌ، جعلَ التَّخييرَ ثلاثًا والتَّمليكَ واحدةً، في تفصيلٍ مَذهَبِىٍّ بيانُه في "الكتاب الكبير". والحُجَّةُ فيه: أنّ الطَّلاقَ بِيَدِ الرَّجُلِ، فإذا صَرَفَهُ إلى المرأةِ فلا يخلُو من ثلاثة أوْجُهٍ: ١ - إمّا أنّ يصرِفَهُ إليها استنابةً وتوكيلًا، مثلَ أنّ يقولَ لها: طَلَّقي نفسَكِ، فيكونُ ذلك لها بِحسب ما يُعطِيهِ قولُه. ٢ - وإمّاَ أنّ يَصرِفَه إليها تمليكًا، وذلك على معنى الهِبَة، إذ التَّمليكُ إمّا أنّ يكونَ بعوَضٍ أو بغيرِ عِوَضٍ، فإن كان من غير عِوَضٍ فهو من قَبِيلِ الهِبَةِ، فيُحْمَلُ التبرُّعُ على الأقلّ، وهو الواحدةُ.

стр. 2619

٣ - وإمّا أنّ يُخَيَّرَها، ومطلَقُ التَّخييرِ يقتضي التَّرَدُّدَ بين الزوجيَّةِ والخروج عنها, ولا يكونُ الخروجُ عنها بالواحدةِ، فإن الرَّجعيَّةَ زوجةٌ، فلم يبق إِلَّا الثّلاثُ (١)، أو الواحدةُ البائنة، على تفصيلٍ في المذهبِ، وتفريع في تصوير الاختيارِ ولَفْظِهِ، وبيانِ فائِدَتِهِ إذا وقعَ وحُكْمِهِ، وليس في آيةِ التَّخْيِير حُجَّةٌ لأحَدٍ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ الآية (٢). فخَيَّرَهُنَّ بين الدُّنيا والآخرة، وقال لهنّ: إنَّ اخترتُنَّ الدُّنيا فاُطَلِّقكُنَّ وأُمَتِّعْكُنَّ، فلم يجعْلِ الطَّلاق بأيديهنِّ، وإنّما أرادَ استعلامَ ما عِنْدَهُنَّ، ثمّ يُنْفِذُ بعد ذلك حُكمَهُ فيهِنَّ. بَابُ الإيلاء التّرجمة (٣): قال الإمامُ: أدخل مالكٌ (٤) ﵀ حديثَ عَلِىَّ بْنِ أبي طَالِبٍ ﵁؛ أنَّهُ كَان يَقُولُ: إِذا آلَى الرَّجُلُ في امْرَأتهِ، لَمْ يَقَعْ عَلَيهَا طَلَاقٌ، وإن مَضَتِ الأَرْبَعَةُ الأَشْهُرِ حَتَّى يُوقَفَ. فإِمَّا أنّ يُطَلِّقَ، وإمَّا أنّ يَفيءَ. وأدخلَ مالك (٥) مِثْلَهُ، عن عبدٍ الله بن عُمَرَ؛ ليُبَيَّنَ أنَّ فقهاءَ الكوفةِ والمدينةِ من الصَّحابة قد اتَّفقوا على أنَّ الطَّلاقَ لا يَقعُ على المُولَى بمُضِىِّ المُدَّة (٦) حتّى يُوقَفَ،

стр. 2620

خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه من الكوفيَّينَ (١) الّذين يقولون: إنَّ الطَّلاقَ يَقَعُ بِمُضِىِّ المُدَّةِ من غير تَوْقِيفٍ، فَعَجِبَ مالكٌ لهم من أين تَلَقَّفُوها، وعالِمُهُم الأكبرُ، ومُفتِيْهم الأعظمُ، وهو عَلِيٌّ يخالِفُهُم فيها، وهي مسألةٌ عسيرةٌ جِدًا، اختلفَ فيها الصّحابةُ، والتَّابعون، وفقهاءُ الأمصارِ، وسبيلُ الحُجَّةِ فيها غير لائحةٍ، والخلافُ إنَّما ينشأُ فيها من آية الإيلاء، وهو قوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ الآية (٢)، بَيَّنَ فيها ثلاثةَ عَشَرَ حكمًا, من مُهمِّها ومن أعظَمِها هذا الحُكمُ؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) فهذا يدلُّ على وجوب فَيْئَةٍ بعد مُضِىِّ المُدَّةِ، ثمَّ قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ الآية (٤)، وفيه تَنَازُعٌ بين علمائِنَا، يأتي بيانُه إنَّ شاء الله. العربيّةَ (٥): قال الإمام: الأصلُ في هذا الباب قولُه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ الآية (٦) , وفي قراءة ابنِ عبّاس: "الَّذِينَ يقسمُونَ" (٧) وهو من القَسَمِ، وهو اليمينُ أيضَا. فالإيلاء في اللُّغةِ مَصْدَرٌ، هو من آلى يولي إيلاءً، ومصدرُ كلّ فعلٍ يكونُ على أَفْعَلَ يكونُ على ضربين (٨): أفعلَ يُفْعِلُ إفعالًا، تقول: أكرمَ يكرمُ إكرامًا، وهو مأخوذٌ من الألية،

стр. 2621

والألية: اليمينُ والحَلْفُ، ويقال: آلى الرّجلُ من امرأَتِهِ، إذا حَلفَ إيلاءً أي حَلْفًا. فصل الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (١): قال علماؤنا (٢) في "المبسوط": "الإيلاءُ: هو اليمينُ" إِلَّا أنّه في الشَّرعِ مستعمَلٌ في القَسَم على الامتناع من وطء الزوجة، قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ الآية (٣)، معناه: يقسِمُون على الامتناع من وَطءِ نِسَائِهِم. وصورته: أنّ يحلِفَ الرَّجلُ على تركِ وَطءِ زوجتهِ أكثر من أربعة أشهر، بيمينٍ يلزمُهُ فيها حكمٌ، سواءٌ كان ذلك الحكم كفَارةً، أو طلاقًا، أو عتاقًا، أو نذْرًا. وقال الشّافعيُّ (٤): لا يكونُ الإيلاءُ إِلَّا في الحلْفِ بالله خاصَّة، لقوله: "مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيحلف بالله أَوْ ليصمُتْ" الحديث (٥). المسألة الثّانية: أدخلَ مالكٌ ﵀ حديث عليّ بن أبي طالب في الإِيلاءِ على مذهبه في أنَّ الحاكمَ يُوقِفُ المُوْلِيَ بعدَ مُضِيِّ الأربعة، فإذا أنّ يفيءَ, وإما أنّ يُطَلِّقَ، وبه قال الشّافعيُّ (٦) ردًّا على أبي حنيفة (٧) في قوله: إنَّ تمضي الأربعة الأشهر من غيرِ وَطءٍ، بَطَلَ دونَ توقيفِ الحاكِمِ، واحتجَّ بأنّ قالَ: إنّها مُدَّةٌ: ضُرِبَت للوَطء, فوقعَ الطّلاقُ عَقِبَهَا كالعِدَّةِ. ودليلُنا: قولُه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ الآية (٨)، ولنا فيها أدلّة:

стр. 2622

أحدها: قولُه: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ الآية (١). وهذا يقتضي أنّ يَكون هنالك قولٌ مسموعٌ في العادَةِ، ومرورُ الزَّمانِ ليس بمسموعٍ في العادة. الدّليلُ الثّاني: - وهو أقواها -وهو أنّ اللهَ سبحانه قال: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (٢) ثمّ قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ الآية (٢)، وقال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا﴾ (٢) بعد مُضِيَّ الأربعة الأشهر. وأبو حنيفة يجعلُ ذلك في نفسٍ الأَربعةِ الأشهر (٣). المسألة الثّالثة: قال مالك: إنَّ طلاقَ المُوْلِي يكونُ رَجْعِيًّا، وبه قال جماعةُ العلّماءِ، إِلَّا أبا ثَوْر، فإنّه يقول: إنّها طَلْقَةٌ بائنةٌ، فهذا مع عِلْمِهِ وتبَحْبُحِهِ في الفقه وأَدِلَّتِهِ. ودليلُنا عليه: أنّ الطّلاق إنّما يكونُ لأَجْلِ الامتناعِ من الوَطءِ، فإذا كان رَجْعِيَّا، أَمْكَنَهُ أنّ يَسْتَدْرِكَ ذلك في العِدَّةِ. وقال مالك: إذا تَرك الوَطءَ مضارًّا من غيرِ يمينٍ، دخلَ عليه الإِيلاء، وإن لم يحلف على تركه عند مالك، خلافًا للشّافعي وأبي حنيفة في قولَيْهِما. فرعٌ: قال مالك: إيلاءُ العبدِ نصف إيلاء الحرّ (٤). وقال الشّافعيَّ: هو سواء مثل إيلاء الحرّ، لعموم الآية (٥). ودليلنا: أنّه حكمٌ من أحكامِ فرقة النِّكاح، فكان العبدُ فيه على الشَّطْرِ مع الحُرِّ كالطَّلاق.

стр. 2623

المسألةُ الرّابعة (١): قال علماؤنا (٢): والإيلاءُ يجبُ حُكْمُهُ بكلِّ يمينٍ يجبُ على الحالِفِ بها شيءٌ، كالحالِفِ بالله أو بصفةٍ من صفاته. قال محمّد: مثل أنّ يحلِفَ بسلطانِهِ، أو قُدْرَته، أو رحمته، أو نُورِه، أو حمده، أو ثنائه، زاد في "المبسوط" عن ابن الماجِشُون: أو عَظَمَتِهِ، وعنِ ابنِ القاسم: أو بجَلَالِهِ، أو بشيءٍ من صفاته. ووجه ذلك: أنّ هذه أيْمانٌ تلزمُ بها الكفَّارة، فَثَبَتَ بها الإيلاءُ، كقوله: لَا واللهِ، وبَلَى واللهِ، وهذا لا خِلَافَ فيه. فإن قال: "أحلِفُ" أو "أُقسِمُ" فقط، فقد قال (٣): لا يدخل عليه إيلاء إِلَّا أنّ يريدَ بالله فيكون مُوليًا (٤). وقال ابنُ القاسم (٥): و "أَعْزِمُ" أو "أَعْزِمُ على نفسي" عندي مثل أُقْسِمُ، فكذلك قولُه: إِلَّا أنّ يريد بالله. فرعٌ (٦): فإن حلَفَ بشيءٍ من العباداتِ، مثل أنّ يحلِفَ بالصِّيامِ، فقال: إنَّ وَطِئتُكِ فعلىَّ صيام شهر، فهو مُوْلٍ، وكذلك كلّ ما يلزمه الوفاء به من طلاقٍ، أو عِتْقٍ، أو حَجٍّ، وهذا أحد قولي الشَّافعي (٧).

стр. 2624

وقال في الجديد: لا يكونُ مُوْلِيًا إِلَّا باليمينِ بالله (١). ودليلُنا: الآيةُ، قولُه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ الآية (٢). المسألةُ الخامسةُ (٣): في إيلاءِ العبيدِ قوله (٤): "إيلاءُ العَبدِ مِثْل إيلاء الحُرِّ" يريد أنّه مثل إيلاء الحرّ في لزومه حكم الأَيْمَان، واعتبار مدّة التَّربُّص والتَّوقيف عند انقضائها، مع بقاءِ اليمينِ. وقولُه (٥): "إِنَّ إيلَاءَ العَبْدِ شَهْرَانِ" هو قولُ مالك، سواء كانت تحتّهُ حرّة أم أَمَة. وقال أبو حنيفة: إيلاءُ العبدِ مِنَ الأَمَةِ شهرانِ، ومِنَ الحُرِّةِ أربعة أشهُرِ (٦). وقال الشّافعي (٧): إيلاؤه منهما أربعة أشهرٍ. ودليلُنا: ما استدلَّ به عبدُ الوهّاب (٨): أنّ مدّةَ الإيلاءِ يتعلَّقُ بها حكمُ البَيْنُونَةِ، فوجبَ أَلَّا يساوي فيه الحرُّ العبدَ (٩). والصّحيحُ: أنّ إيلاءَهُ شهرانِ، وعليه جمهورُ العلّماءِ، واللهُ الموفِّقُ للصَّوابِ.

стр. 2625

بابُ الظَّهارِ قال الإمام (١): الأصلُ في هذا الباب: الكتابُ والسُّنَّةُ، وهو مأخوذٌ من الظَّهْرِ، وقد كانتِ الجاهليةُ تقولُ: أنتِ كظهرِ أُمِّي، (٢) وإنّما اختصَّ الظَّهرُ بالتَّحريم في الظِّهارِ دون سائر الأعضاء وإن كانت أَوْلَى بالتّحريم منه؛ لأنّ الظَّهر موضع الرُّكوب، والمرأة مركوبةٌ عند الغِشيَانِ، فإذا قال الرّجلُ لامرأته: أنت عليَّ كظهر أُمِّي، فإّنما أرادَ أنّ ركوبَها للنِّكاح عليه حرامٌ، كَرُكُوب أمِّه للغِشيَانِ، فأقام الرُّكوبَ مقامَ النِّكاحِ؛ لأنّ النّاكحَ راكبٌ، وأقام الظَّهرَ مقامَ الرُّكوبِ؛ لأنّه موضع الرُّكوب، وهذا من لطيف الاستعارة للكناية. وله (٣) في الشّرع ألفاظٌ وأحكام تختصُّ به. الفقه في خمس وعشرين مسألة: الأولى: قال علماؤنا: الظهارُ مُحَرَّمٌ لثلاثةِ أدلَّةٍ: أحدها: قولُه تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ الآية (٤). الثّاني: قولُه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (٥) والمغفرةُ لا تكونُ إِلَّا في ارْتِكَابِ الذَّنبِ. الثالثُ: أنّه كَذِبٌ؛ لأنّه شَبَّهَ فيه فَرْجًا محلَّلًا بِفَرْجٍ مُحرَّمٍ، والكذِبُ حَرَامٌ (٦). المسألةُ الثّانيةُ (٧): الظَّهارُ تشبيه ظَهْرٍ مُحَلَّلٍ بِظَهْرٍ مُحَرَّمٍ، على وجهِ الإيقاع لا على وجه الإخبار، على طريقِ التَّعريفِ لا على طريقِ التّحقيقِ.

стр. 2626

المسألةُ الثّالثة: الظِّهارُ صريحٌ وكِنَايَةً، كما أنّ الطّلاقَ صريحٌ وكنايةٌ. فصريح الظِّهار: أَنْتِ عليّ كَظَهْرِ أُمِّي، أو ظَهْرُكِ كَظَهْرِ أُمِّي. وكنايته: أنّ يقولَ: أَنْتِ عَلَىَّ كَأُمِّي، أو مثل أُمِّي، أو يذكر عُضوًا غير الظَّهر من زوجته، أو عُضْوًا أيضًا غير الطهر ممّن أشبه بها. فعندنا أنّه يَلزمُه هذا الظِّهار بالكِنَايَةِ، وبه قال أبو حنيفة (١). وقال الشّافعي (٢): لا يَلزمُه الظِّهارُ إِلَّا في الظَّهر وحدَهُ، محتجًّا بلَفْظِ القرآنِ. ودليلُنا: أنّه قولٌ يحرمُ الفَرْج له بالقسمة إلى تصريحٍ وكنايةٍ كالطّلاق، ولأنّه شبَّهَ عُضْوًا محلّلَا بعُضْوٍ مُحَرَّمٍ، فلزم، كما لو شَبَّهَهَا بظَهْرِ أُمِّه. المسألةُ الرَّابعةُ: لا فرقَ بين أنّ يشَبَّهَ الكلِّ بالكُلِّ، أو البعضَ بالبعضِ، أو الكلِّ بالبعضِ، أو البعضَ بالكلِّ. المسألةُ الخامسةُ: إذا شبَّهها بالأجنبيَّات، فهو ظِهَارٌ عند مالك (٣)، وهو طلاقٌ عند عبد الملك (٤)، ولَغوٌ عند الشّافعيّ، لكن قال: فيه كفّارة اليمينِ. ووجهُ قول مالك: أنّه شَبَّهَ عُضْوًا مُحَلَّلًا بعُضوٍ مُحَرَّمٍ، فَحَرُمَ عليه، فكان ظِهارًا كما في الأُمِّ. ووجهُ قول عبد الملك: أنّ الأصلَ في التَّحريمِ هو الطَّلاق، وإنَّما كان في ذوي المحارم ظِهَارًا بالنَّصِّ، وبَقِيَ في غيرِهِنَّ على أصلِهِ.

стр. 2627

المسألةُ السّادسةُ: إذا ظاهرَ من أمَتِهِ، أو أمّ ولده، كان ظِهَارًا عند مالك (١). وقال أبو حنيفة (٢) والشّافعي (٣): ليس بشيءٍ، واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمِّهَاتِهِمْ﴾ الآية (٤) وليستِ الأَمَةُ وأمّ الولَدِ منهُنَّ. ودليلُنا: أنّه فَرْجٌ أبيحَ لَهُ وَطْؤُهُ بالمِلْكِ، فلَزِمَهُ فيه الظِّهار، أصلُه فَرْج زوجتِهِ. المسألةُ السابعةُ (٥): إذا قال: أَنتِ عَلَىَّ مثل أُمِّي، فإنّه يكون ظِهارًا، نَوَى أو لم ينوِ. وقال أبو حنيفة (٦) والشّافعي (٧): إنَّ نَوَى الظِّهارَ كان ظِهارًا، وإن لم يَنْوِ لم يكن شيئًا. ودليلُنا: أنّه شَبَّهَ مُحَلَّلًا بمُحَرَّمٍ فكان ظِهَارًا، أصلُه إذا قال: أَنْتِ عَلَيَّ كَظهْرِ أُمِّي. فصل قال الإمامُ: قد بيَّنَّا أنَّ الظِّهارَ مأخوذٌ من الظَّهْرِ، ومعناه: أنَّ محلَّ الرَّكوبِ الظَّهر، والجِمَاعُ نوعٌ من الرُّكوبِ. فمعنى "أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي" أي رُكُوبكِ عليَّ حرامٌ كرُكُوبِ أمِّي. واختلفَ علماؤُنا في فرعٍ، وهو: أنّ (٨) الظِّهارَ: تحريمُ الوَطْءِ المُباحِ من الزَّوجةِ والأمَةِ، وهل يحرمُ عليه الاستمتاع بالقُبْلَةِ والمباشَرَةِ وغير ذلك؟ اختلف أصحابُنا في ذلك:

стр. 2628

فقال مالك في "المدوّنة" (١) لا يُقَبِّلُ ولا يُبَاشِرُ، ولا ينظرُ إلى صَدْرِها, ولا إلى شَعْرِها، وفي "المختصر الكبير": ولا إلى شيءٍ منها حتَّى يُكَفِّر؛ لأنّ ذلك لا يَدْعُو إلى خيرٍ، ولا بَأْسَ أنّ يكونَ معها في بيتٍ واحدٍ إذا كان ممّن يُؤمَنُ. وفي "التّفريع" (٢): "لا يُقَبِّلُ ولا يباشرُ، ولا بأسَ أنّ ينظُرَ إلى الوجهِ والرّأسِ واليدينِ وسائر الأطراف قبلَ أنّ يُكَفِّرَ". ومن علمائنا من حملَ ذلك على التَّحريم كالوَطْءِ، وبه قال: عبد الوهّاب (٣). ومنهم مَنْ حمَلَهُ على الكراهية، لئلّا يدعو إلى الجِمَاعِ المُحَرَّمِ، وبه قال الشّافعيّ (٤). المسألةُ الثامنةُ (٥): إذا قال لأجنبيّة: إنَّ تَزَوَّجتُكِ فَأنْتِ عَلَى كَظَهْرِ أُمِّي، أو أَنْتِ طَالِق، فإنّه يلزمه عندَنَا (٦)، فإذا تزوَّجها، طُلِّقت عليه ولزمه الطِّهار. ولا يَطَأ حتَّى يُكَفِّر إذا خصَّ قبيلة، أو بَلْدَة، أو جِنْسًا، فإن عمَّ لم يلزمه شيءٌ. وقال أبو حنيفة يَلزَمُه فيها (٧). وقال الشَّافعي: لا يَلزَمُه فيها (٨). واحتجّ الشّافعيّ بأنّه تَصَرَّفَ فيما لا يملك، فكان لَغوًا كسائِرِ التصرُّفات الباطلةِ. واحتجّ أبو حنيفة بأنّه حُكمٌ ألزمه نفسَهُ، فَلَزِمَهُ مع العُموم والخُصوصِ، كما لو قال

стр. 2629

لكلَّ امرأةٍ تزوَّجها بعد أنّ مَلَكَ عِصمَتَها: أنتِ طالقٌ. ودليلنا: هذا بعينه، غير أنّنا نقول فيه: يلزمُه إذا خصَّ، ويسقط إذا عمَّ. فإن أَلزَمْنَاهُ العمومَ كان اعتداءً وبَغيًا؛ لأنّه حَرَّمَ على نفسه جميعَ ما أباحَهُ الله تعالى له. والله تعالى يقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾: الآية (١)، فجعلَهُ اعتداءً وإثما. المسألةُ التّاسعةُ: لا تجبُ الكفّارةُ في الظِّهارِ بنفس القول، حتَّى ينوي العودَ، خلافًا لمجاهد، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٢). المسألةُ العاشرةُ: العَودُ ما هو في هذه المسألة؟ وفيه خلافٌ كثيرٌ: قيل: إنّه العَزمُ على الإمساك. وقيل: إنّه الوَطءُ نفسه (٣). وقال الشّافعيّ (٤): هو أنّ يمكنه أنّ يُطَلَّق فلا يُطلِّق. ودليلُنا على بطلانه: قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ الآية (٥)، و"ثمّ" للتَّرَاخِي. ووجهُ القولِ أنّه العَزْم على الإمساك: أنّ الظِّهَارَ هو العَزْم على ترك الوَطْءِ، فضدّه هو العزم على الإمساك. ووجه القول بأنّه الوَطْءُ: أنّ المخالَفَةَ للقَوْلِ الأوَّلِ إنّما تحقّقُ بِفِعْلِهِ.

стр. 2630

المسألةُ الحادية عشرة: يُحرَّمُ الظِّهارُ كلِّ استمتاعٍ سوى الوطء؛ لأنّ اللَّفظَ يقتضيهِ كما قدَّمنا. المسألة الثّانية عشرة: إذا عادَ لها - على الاختلاف في العوْدِ- لَزِمَتْهُ الكفّارة، لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١). المسألةُ الثّالثة عشرة: إذا لَزِمَتهُ الكفَّارة، فلا يُجزئه مَنْ فيه عَقْد عِتْقٍ من تدبيرٍ أو كتَابةٍ أو عِتْقٍ إلى أَجلٍ (٢)، خلافًا لأبي حنيفة، حيث قال: يُجزيء جميعهُنَّ إِلَّا أمّ الولد (٣). ودليلُنا: أنّه شخصٌ ... السَّيِّد، فيه عَقد عِتْقٍ، فلا تجزئ معه الكفّارة كأمّ الولد (٤). المسألة الرّابعة عشرة (٥): لا تُجْزىءُ الرَّقبةُ الكافرةُ في الظِّهارِ (٦)، وبه قال الشّافعيّ (٧). وتال أبو حنيفة: تجزئ (٨)، لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٩) فعمَّ. ودليلُنا: أنّه كفَّارة، فلم تجز بالكافر ككفّارة القَتْل، ولأنّها قُربة فلا يجوز صَرْفُها للكافر كالزَّكاةِ.
следующие страницы →