← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

المسألةُ الثّالثة: الظِّهارُ صريحٌ وكِنَايَةً، كما أنّ الطّلاقَ صريحٌ وكنايةٌ. فصريح الظِّهار: أَنْتِ عليّ كَظَهْرِ أُمِّي، أو ظَهْرُكِ كَظَهْرِ أُمِّي. وكنايته: أنّ يقولَ: أَنْتِ عَلَىَّ كَأُمِّي، أو مثل أُمِّي، أو يذكر عُضوًا غير الظَّهر من زوجته، أو عُضْوًا أيضًا غير الطهر ممّن أشبه بها. فعندنا أنّه يَلزمُه هذا الظِّهار بالكِنَايَةِ، وبه قال أبو حنيفة (١). وقال الشّافعي (٢): لا يَلزمُه الظِّهارُ إِلَّا في الظَّهر وحدَهُ، محتجًّا بلَفْظِ القرآنِ. ودليلُنا: أنّه قولٌ يحرمُ الفَرْج له بالقسمة إلى تصريحٍ وكنايةٍ كالطّلاق، ولأنّه شبَّهَ عُضْوًا محلّلَا بعُضْوٍ مُحَرَّمٍ، فلزم، كما لو شَبَّهَهَا بظَهْرِ أُمِّه. المسألةُ الرَّابعةُ: لا فرقَ بين أنّ يشَبَّهَ الكلِّ بالكُلِّ، أو البعضَ بالبعضِ، أو الكلِّ بالبعضِ، أو البعضَ بالكلِّ. المسألةُ الخامسةُ: إذا شبَّهها بالأجنبيَّات، فهو ظِهَارٌ عند مالك (٣)، وهو طلاقٌ عند عبد الملك (٤)، ولَغوٌ عند الشّافعيّ، لكن قال: فيه كفّارة اليمينِ. ووجهُ قول مالك: أنّه شَبَّهَ عُضْوًا مُحَلَّلًا بعُضوٍ مُحَرَّمٍ، فَحَرُمَ عليه، فكان ظِهارًا كما في الأُمِّ. ووجهُ قول عبد الملك: أنّ الأصلَ في التَّحريمِ هو الطَّلاق، وإنَّما كان في ذوي المحارم ظِهَارًا بالنَّصِّ، وبَقِيَ في غيرِهِنَّ على أصلِهِ.

стр. 2627

المسألةُ السّادسةُ: إذا ظاهرَ من أمَتِهِ، أو أمّ ولده، كان ظِهَارًا عند مالك (١). وقال أبو حنيفة (٢) والشّافعي (٣): ليس بشيءٍ، واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمِّهَاتِهِمْ﴾ الآية (٤) وليستِ الأَمَةُ وأمّ الولَدِ منهُنَّ. ودليلُنا: أنّه فَرْجٌ أبيحَ لَهُ وَطْؤُهُ بالمِلْكِ، فلَزِمَهُ فيه الظِّهار، أصلُه فَرْج زوجتِهِ. المسألةُ السابعةُ (٥): إذا قال: أَنتِ عَلَىَّ مثل أُمِّي، فإنّه يكون ظِهارًا، نَوَى أو لم ينوِ. وقال أبو حنيفة (٦) والشّافعي (٧): إنَّ نَوَى الظِّهارَ كان ظِهارًا، وإن لم يَنْوِ لم يكن شيئًا. ودليلُنا: أنّه شَبَّهَ مُحَلَّلًا بمُحَرَّمٍ فكان ظِهَارًا، أصلُه إذا قال: أَنْتِ عَلَيَّ كَظهْرِ أُمِّي. فصل قال الإمامُ: قد بيَّنَّا أنَّ الظِّهارَ مأخوذٌ من الظَّهْرِ، ومعناه: أنَّ محلَّ الرَّكوبِ الظَّهر، والجِمَاعُ نوعٌ من الرُّكوبِ. فمعنى "أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي" أي رُكُوبكِ عليَّ حرامٌ كرُكُوبِ أمِّي. واختلفَ علماؤُنا في فرعٍ، وهو: أنّ (٨) الظِّهارَ: تحريمُ الوَطْءِ المُباحِ من الزَّوجةِ والأمَةِ، وهل يحرمُ عليه الاستمتاع بالقُبْلَةِ والمباشَرَةِ وغير ذلك؟ اختلف أصحابُنا في ذلك:

стр. 2628

فقال مالك في "المدوّنة" (١) لا يُقَبِّلُ ولا يُبَاشِرُ، ولا ينظرُ إلى صَدْرِها, ولا إلى شَعْرِها، وفي "المختصر الكبير": ولا إلى شيءٍ منها حتَّى يُكَفِّر؛ لأنّ ذلك لا يَدْعُو إلى خيرٍ، ولا بَأْسَ أنّ يكونَ معها في بيتٍ واحدٍ إذا كان ممّن يُؤمَنُ. وفي "التّفريع" (٢): "لا يُقَبِّلُ ولا يباشرُ، ولا بأسَ أنّ ينظُرَ إلى الوجهِ والرّأسِ واليدينِ وسائر الأطراف قبلَ أنّ يُكَفِّرَ". ومن علمائنا من حملَ ذلك على التَّحريم كالوَطْءِ، وبه قال: عبد الوهّاب (٣). ومنهم مَنْ حمَلَهُ على الكراهية، لئلّا يدعو إلى الجِمَاعِ المُحَرَّمِ، وبه قال الشّافعيّ (٤). المسألةُ الثامنةُ (٥): إذا قال لأجنبيّة: إنَّ تَزَوَّجتُكِ فَأنْتِ عَلَى كَظَهْرِ أُمِّي، أو أَنْتِ طَالِق، فإنّه يلزمه عندَنَا (٦)، فإذا تزوَّجها، طُلِّقت عليه ولزمه الطِّهار. ولا يَطَأ حتَّى يُكَفِّر إذا خصَّ قبيلة، أو بَلْدَة، أو جِنْسًا، فإن عمَّ لم يلزمه شيءٌ. وقال أبو حنيفة يَلزَمُه فيها (٧). وقال الشَّافعي: لا يَلزَمُه فيها (٨). واحتجّ الشّافعيّ بأنّه تَصَرَّفَ فيما لا يملك، فكان لَغوًا كسائِرِ التصرُّفات الباطلةِ. واحتجّ أبو حنيفة بأنّه حُكمٌ ألزمه نفسَهُ، فَلَزِمَهُ مع العُموم والخُصوصِ، كما لو قال

стр. 2629

لكلَّ امرأةٍ تزوَّجها بعد أنّ مَلَكَ عِصمَتَها: أنتِ طالقٌ. ودليلنا: هذا بعينه، غير أنّنا نقول فيه: يلزمُه إذا خصَّ، ويسقط إذا عمَّ. فإن أَلزَمْنَاهُ العمومَ كان اعتداءً وبَغيًا؛ لأنّه حَرَّمَ على نفسه جميعَ ما أباحَهُ الله تعالى له. والله تعالى يقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾: الآية (١)، فجعلَهُ اعتداءً وإثما. المسألةُ التّاسعةُ: لا تجبُ الكفّارةُ في الظِّهارِ بنفس القول، حتَّى ينوي العودَ، خلافًا لمجاهد، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٢). المسألةُ العاشرةُ: العَودُ ما هو في هذه المسألة؟ وفيه خلافٌ كثيرٌ: قيل: إنّه العَزمُ على الإمساك. وقيل: إنّه الوَطءُ نفسه (٣). وقال الشّافعيّ (٤): هو أنّ يمكنه أنّ يُطَلَّق فلا يُطلِّق. ودليلُنا على بطلانه: قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ الآية (٥)، و"ثمّ" للتَّرَاخِي. ووجهُ القولِ أنّه العَزْم على الإمساك: أنّ الظِّهَارَ هو العَزْم على ترك الوَطْءِ، فضدّه هو العزم على الإمساك. ووجه القول بأنّه الوَطْءُ: أنّ المخالَفَةَ للقَوْلِ الأوَّلِ إنّما تحقّقُ بِفِعْلِهِ.

стр. 2630

المسألةُ الحادية عشرة: يُحرَّمُ الظِّهارُ كلِّ استمتاعٍ سوى الوطء؛ لأنّ اللَّفظَ يقتضيهِ كما قدَّمنا. المسألة الثّانية عشرة: إذا عادَ لها - على الاختلاف في العوْدِ- لَزِمَتْهُ الكفّارة، لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١). المسألةُ الثّالثة عشرة: إذا لَزِمَتهُ الكفَّارة، فلا يُجزئه مَنْ فيه عَقْد عِتْقٍ من تدبيرٍ أو كتَابةٍ أو عِتْقٍ إلى أَجلٍ (٢)، خلافًا لأبي حنيفة، حيث قال: يُجزيء جميعهُنَّ إِلَّا أمّ الولد (٣). ودليلُنا: أنّه شخصٌ ... السَّيِّد، فيه عَقد عِتْقٍ، فلا تجزئ معه الكفّارة كأمّ الولد (٤). المسألة الرّابعة عشرة (٥): لا تُجْزىءُ الرَّقبةُ الكافرةُ في الظِّهارِ (٦)، وبه قال الشّافعيّ (٧). وتال أبو حنيفة: تجزئ (٨)، لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٩) فعمَّ. ودليلُنا: أنّه كفَّارة، فلم تجز بالكافر ككفّارة القَتْل، ولأنّها قُربة فلا يجوز صَرْفُها للكافر كالزَّكاةِ.

стр. 2631

فإن قال: هذا حملُ المُطْلق على المُقيَّدِ، وحمل المنصوص على المنصوص، وهذا لا يجوز، وقد أجبنا عن هذا في "أصول الفقه" (١). المسألة الخامسة عشرة: المعيبُ لا يخلو أنّ يكون عيبًا يُبْطِلُ المنفعةَ، أو عيبًا يسيرًا لا يُؤَثِّر فيها. فالأوّلُ لا تُجزِىء معه الكفّارة، وتُجزِىء مع الثّاني. هذه جملة هذا الباب، وأمّا تفصيلُه: فإنّ الأَعورَ يُجزِىء عند مالك (٢)، خلافًا للشّافعيّ، واحتجّ بأنّه عَيبٌ يُنقصُ الثَّمنَ فلا تُجزِىء معه الكفّارةُ، كما لو كان أقطع اليد. ودليلُنا: أنّه كامل النّظر، فأجزأ في الكفَّارةِ كما لو كان صحيح العين. المسألةُ السّادسة عشرة: الأصمّ (٣)، ومقطوع الإبهام (٤)؛ لأنّها في معنى اليدين والرَّجلين.

стр. 2632

والمجنون لا يجوز (١)، بإجماعٍ من المذهب (٢). المسألة السابعة عشرة: أقطعُ اليدِ الواحدةٍ (٣)، وما كان في معناه، يُجزِىء عند أبي حنيفة (٤)؛ لأنّه ينطلق عليه اسم رَقَبة. ودليلُنا: أنّه عَيبٌ يُبْطِلُ مَنفَعَةً مقصودةً، فلم يُجْزِئ، كما لو كان أَقطَع اليدين. المسألة الثامنة عشرة: الأخرس يُجزئُ عندنا (٥)، خلافًا لأبي حنيفة (٦)؛ لأنّها فقدُ حَاسَّةٍ لا تظهرُ على الجسمِ، فلم تمنع من الإجزاء كما لو كان أصم. المسألة التّاسعة عشرة: مقطوعُ الأُصبُعِ غير الإبهام، اختلفَ علماؤُنا فيه (٧). فوجه القول بأنّه لا يُجزيء: أنّه عيبٌ يُبْطِلُ مقصودَ المنفعةِ فلا يجزئ، كما لو كان مقطوع الإبهام. ووجهُ القول أنّه يُجزِيء: أنّه عيبٌ يسيرٌ فأجزأت معه الكفَّارة كالجسم، فأمّا الأُنمُلَةُ وطرفُ الأُصبُعِ، فإنَّ فَقدَهُما لا يمنعُ الإجزاءَ في الكفّارةِ عند المالكيّين كلَّهم (٨).

стр. 2633

الموفية عشرين: الإطعام في الظّهار بمدِّ هشام (١)، وتقدَّمَ الكلامُ في بابِ فِدْيَةِ (٢) ... الحادية والعشرون: لا يجوزُ له أنّ يطأَ زوجه إذا كفَّرَ بالصَّيامِ عن الظِّهار باللَّيلِ. وقال الشّافعيُّ (٣): يجوزُ وَطؤُها باللَّيلِ؛ لأنّ حُرْمَةَ لَيلِ الظِّهار لا يكونُ بأعظمَ من حرمة اللَّيل في رَمَضَان. قال الإمام: وهذا باطلٌ؟ فإن الله تعالى يقول: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٤) وقد تضمَّنَتْ هذه المسائل الكلام على حديثِ القاسم بن محمّد عن عمر (٥)، والحديث الّذي بعدَه عنه وعن سليمان بن يَسَارٍ (٦)، وكل مسألة في باب الظِّهارِ (٧).

стр. 2634

المسألةُ الثّانية والعشرون: فإذا ظاهرَ من أَرْبَعِ نِسْوَة في كلمةٍ واحدةٍ، لم تكن عليه إِلَّا كفّارة واحدة (١)؛ لأنّه حُكمٌ يَلْزَم به الكفَّارة، فلم يتعدّد بتعدُّدِ محَلَّهِ، كما لَو حلَفَ على أشياءَ كثيرةٍ بِيَمِينٍ واحدةٍ بخلافِ الطَّلاقِ، وذلك إذا كان في كلمةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ الظِّهارَ ليسَ هو حلّ عَقْد وإنّما هو يمين، والطّلاق حلّ عَقد، فلذلك يطلَّق الأربع (٢). المسألة الثّالثة والعشرون (٣): ............ لأنّه ......... .......... المسألةُ الرّابعةُ والعشرون (٤): والظِّهار ينقسم على قسمين: ظِهَارٌ مُطلَقٌ غيرُ مُقَيَّدٍ، وظِهَارٌ مُقَيّدٌ كالطَّلاق سواء. فأمّا "المطلقُ" نهو قولُ الرّجُلِ لامرأته: أَنْتِ عَلَيَّ كظهر أُمِّي. وأمَّا "الظِّهار المُقَيَّد" فإنّه ينقسمُ على الأقسام الّتي قسّمنا عليها الطّلاق المُقَيّد بصفة فيما ذكرنا في "كتاب الأَيمان" ويجرِي الحكمُ فيه على ذلك في الأقسام كلِّها، فما كان منها في الطَّلاق يمينًا بالطّلاق فهو في الظِّهار يمينٌ بالظِّهار. وقد بيَّنَّا حقيقة المظاهرة الّتي أخبر الله بها؛ تشبيه ظَهْرٍ بظهْرٍ، على مقتضى مُطلَق اللّفظ ... .... ... ... .... يرد اللّفظ العام إلى الخاص وغيرها عند وهذا ممَّا لا خلافَ فيه لزومًا وحُكمًا. فإن شبَّهَ أهلَهُ بِعُضْوٍ من أعضاءِ أُمِّه، فجمهور العلماء أنّه يلزمه. وخالفَ أبو حنيفة نقال: إنَّ كان العضو لا يحلَّ بالنّظر إليه لم يلزمه فيه ظهار (٥). وهذا ضعيف؛ لأنّه لا يحلُّ النَّظر منها إلى عُضوٍ بشهوةٍ، وهذا موضعٌ للظِّهار.

стр. 2635

بابُ ظِهار العبيدِ الفقه: قال الإمام: الأصلُ في هذا الباب في ظِهَارِ العبيدِ، قولُه (١) تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٢)، ولم يفرِّق بينَ الأحرارِ والعبيدِ، فلا يصحُّ أنّ يقال: إنَّ العبد لمّا لم يكفّر بالعِتْقِ، فليس من أهلِ الظِّهارِ، كما لا يجوزُ أنّ يقالَ في المُعْسِرِ الضَّعيفِ عن الصّيام: إنّه يقدر على الصّوم وقال مالك: وظِهَارُ الْعَبْدِ كظهار الحرّ؛ إِلَّا في العِتقِ فإنّه لا يصحُّ منه، أَذِنَ له سيِّده أو لم يَأذَن له (٣)؛ لأنّه لو أعتق ولم يكن الولاء له انتقص ركن من أصلِ الشَّرعِ، وهو قولُ النّبيّ ﵇: "الوَلَاءُ لِمَنْ أَعتَقَ" (٤) ولوْ كان له لما تمكَّنَ من الإرثِ به؛ لأنّ الرِّقَّ يَمنَعُ من الميراثِ. وهذه نكتةٌ عظيمة من أصول الفقه: وهو أنّ الشَّيءَ إذا كانت له قيمة مميزة فلم تحصل بَطَل، فإن أَذِنَ له في الإطعام وملّكه ما يُطْعم به جازَ، وإن كان وإن أذن له في الصِّيام أو في الإطعام جازَ. وبعد أنّ شَرَعَ في الصِّيام، أو في الإطعامِ، فهل له أنّ يَرُدَّهُ عنه إلى الآخر؟ فالمسالةُ محتملةٌ للخلافِ. أمّا الصِّيام، فيستوي فيه حُكْمُ الأحرارِ والعبيدِ (٥). وأمّا (٦) العِتْقُ، فلا يثبتُ في حَقِّهِ لوجهين: أحدهما: أنّه محجورٌ عليه في ماله.

стр. 2636

والثّاني: أنّ الولأَ لا يثبتُ له. فأمّا الحجر عليه: فإنّ المحجورَ على ضربينِ: ١ - أحدُهما: أنّ يحجرَ عليه لحقِّ نفسِهِ كالسّفيه (١)، فهذا يلزمُه الطَّلاق والظِّهار. ٢ - * وأمّا المحجور عليه لحقِّ غيره كالعَبدِ؛ فإنّه لا تجوز له الكفارة بالعِتقِ*. وأمّا قولُ مالكٍ (٢) في "المبسوط": إنَّ أَذِنَ له في الإطعام فالصَّيَام أحبُّ إليّ، فقال ابن القاسم: لا أدري ما هذا, وليس كلّ أحد يستطيع الصِّيامَ، والفروع عليه كثيرة. باب ما جاء في الخيار الفقه في مسائل: قال علماؤنا: وكانت في بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُننٍ: أمّا سُنَّة الصَّدقة فقد تقدَّمت في "الزَّكاة"، وأمّا حُكمُ الولاءِ فيأتي في "كتاب العِتْقِ"، إنَّ شاء الله. وأمّا مسألةُ الخِيَارِ فهذا بابه. وفيه مسائل: المسألةُ الأوُلى (٣): ذكر مالكُ (٤) حديثَ بَرِيرَة بأنّها أُعْتِقَت فَخُيِّرَت في زُوْجِها، فاختارت نَفْسَها.

стр. 2637

واخْتُلِف في زوجِها، هل كان حرًا أو عبدًا؟ وتعارضت في ذلك الآثارُ، واختلفَ في ذلك علماءُ الأمصارِ، فعندنَا أنَّ الأَمَةَ إذا أُعتِقَت تحتَ العَبدِ، يثبت لها الخِيَار بين البَقَاءِ معه أو الزَّوالِ عنه، وبه قالَ عبدُ اللهِ بن عمر، وجماعة من الصّحابة والتّابعين والشّافعيّ وأبي حنيفة (١). والدّليلُ عليه: حديث بَرِيرَةَ. قولها (٢): "فَخُيرَت في زَوجِهَا" ومعنى ذلك أنّها كانت أمَة، وكان زوجُها عَبدًا اسمُه مُغِيث، كذلك رَوَى ابن عبّاس ﵁ (٣) فخيَّرَها رسولُ الله ﷺ في البَقَاءِ معه على حُكم الزوجيَّةِ أو المفارقة، ولا خلافَ في ذلك إذا كان الزوجُ عبدًا؛ لأنَّ الحريَّةَ رُتبَةٌ أرفعَ من رتبةِ الرِّقِ، وليس للعبدِ أنّ يتزوَّجَ حرَّةَ إِلَّا بأن يُبَيِّن لها أمره، ولو غَرَّهَا ثمَّ علِمَتْ، كان لها مفارقته، فلمّا تزوَّجَ العبدُ أَمَةً وكانت من نسائه (٤)، لم يكن لها خيارٌ، فلمّا عتقت، كان لها الخِيَار أنّ تفارق، لنقصه عن رُتبتها، أو تُقيم معه. فرع (٥): ولو كانت مدخولًا بها، فقد اختلفَ قولُ مالكٍ في ذلك، فقال مرَّةً: "ليس لها أنّ تُطَلِّق نفسَها إِلَّا واحدة بائنة" هذا الّذي ذَكَرهُ في "المدوّنة" (٦) وأكثر الكتب (٧).

стр. 2638

ثمَّ قال: لها أنّ تطلَّق ثلاثًا (١). المسألة الثّانية (٢): قال أبو حنيفة: إنها تختارُ تحت الحُرِّ كما تختارُ تحتَ العبدِ، وقد بيَّنَّا وحقَّقَّنَا أنَّ الخِيَارَ إنّما وجبَ لها بكمالِهَا تحتَ ناقصٍ، فإذا كَمُلَت تحت كاملٍ، فأيُّ خِيَارٍ لها؟! وذلك مُستَوْفَى في مَوضِعِه من "كتاب العِتْق". المسألةُ الثالثةُ: إذا أعتقت تحت الحُرِّ فلا خِيَارَ لها، وبه قال الشّافعيّ (٣). وقال أبو حنيفة: لها الخِيَار أيضًا (٤). واحتجّ بما رُوِيَ عن بريرة أنَّ زوجها كان حُرًّا, ولأنّها ملكت نفسَها تحت زَوْجٍ فكان لها الخيَار، كما لو عُتِقَت تحتَ العبدِ. ودليلُنا: أنّها كَمُلَت تحت كاملٍ، فلم يكن لها خِيَارٌ، كما لو عتقَت تحتَ مجنونٍ. وأمّا الحديث، فقد اختلفتِ الرّوايةُ فيه: فقيل: كان زوجُها عبدًا. وقيل: كان حرًا. والصّحيحُ: أنّه كان عبدًا. المسألة الرّابعة: إذا فارقتِ الأَمَةُ زوجها، فإنّها تطليقةٌ. ودليلنا: أنّها فُرْقَةٌ نشأت من قِبَل المرأةِ، فكانت تطليقة كفرقة العُنَّةِ، فإن عُتِقَت فإنَّ

стр. 2639

لها أنّ تمنع نفسَهَا منه حتَّى تختار البقاء معه أو الزّوال عنه، فإن أَمكنَتهُ من نفسها سَقَطَ خِيَارُها؛ لأنّ الرِّضَا يُبْطِلُ الخِيَارَ، والوطءُ نهاية الرِّضَا. المسألةُ الخامسة: هذا إذا عَلِمَتْ بالعِتْقِ، فإن جهلت، لم يلزمها بالتْمكين من الوَطءِ إسقاط الخِيَار، فإن عَلِمَتْ بالعِتْقِ، ولكن لم تعلم أنّ لها الخِيَار، لم يَنفَعْها الجَهْلُ (١). باب ما جاءَ في الخُلْعِ قال أبو حاتم في "كتاب "الزَّينة" (٢) "الخُلْعُ مأخوذٌ من خَلَع يَخلَعُ، كأنّ المرأةَ كانت له بمنزلةِ القميصِ والثّوبِ يلبُسه، فإذا فرّق بينهُما فقد خلعَ منه ذلك الثّوب (٣). ويقال: خلعتُ المرأةَ وخلعتُ الثوبَ عنِّي خُلعًا، وإنّما قيل للّذي يكونُ في خُلْعِ المرأة خُلْعٌ - بضَمِّ الخاء -؛ لأنّه مصدرٌ من خلعت خلعًا، فالخاءُ من خلعت مضمومةٌ؛ لأتها خُلعت منه وهو كارِهٌ، ولم يخلعها وهو يريدُ، فهي مخلوعة، والرَّجلُ مخلوعٌ؛ لأنّه فُعِلَ، كما تقول: سُلِبَ فهو مسلوبٌ".

стр. 2640

الفقه في مسائل: المسألة الأولى (١): قال الإمام: مسائلُ الخُلعِ كثيرةٌ، ونُكتَتُهُ أنّه فراقٌ بِعِوَضٍ، كما كان النِّكاح تَلَاقيَّا بعِوَضِ، وحُكمُ العِوَضَينِ في الجوازِ والردِّ سواءٌ، وهو مكروهٌ ككراهيّة الطَّلاقِ. وقد رَوَى التّرمذيُّ (٢) وغيرُه (٣)، عن النّبيِّ ﷺ ؛ أنَّه قال: "المَختَلِعَاتُ هُنَّ المُنَافِقَاتُ"، وذلك إنَّ صحَّ -والله أعلمُ- مع استمرارِ الألفَةِ ودَوَامِ المَوَدَّةِ، فأمّا مع العَجْزِ عن إقامة حدودِ اللهِ تعالى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٤) وهذا بيّن من حديثِ قَيْس بن شمَّاس. وفي "الصّحيح" أنّ النَّبيَّ ﷺ قال لثابِتِ بن قَيسٍ: "خُذْ مِنهَا الحَدِيقَةَ" (٥) فأخذَها وطلَّقها تطليقةً، وهذا يدلُّ على أنّ الخُلْعَ طلاقٌ (٦). وقال الشّافعيُ: إنّه فَسخٌ (٧)، وقد بيَّنَّاهُ في "المسائل"، وقد صرَّحَ في الحديثِ الصَّحيحِ -كما قدَّمناه- أنّه وَقَعَ الخُلْعُ بين يدي النّبيّ ﷺ طَلَاقا، وقد حقّقنَا فيما تَقَدَّمَ أنّ الله تعالى جعلَ الطَّلاقَ مَخلَصًا من النِّكاح، فمتَى ما خرجَ عنه الزَّوجانِ، فخروجُهُما طلاقٌ؛ تَلَفَّظَا به أو ذَكَرَا معناهُ.

стр. 2641

المسألة الثّانية: قال علماؤنا: الخُلعُ جائزٌ، لقولِهِ تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١) ولحديث حَبِيبةَ بِنتِ سَهلٍ في "الموطَّأ" (٢). المسألة الثّالثة: قال علماؤنا: هو مع الخصومة والخِلَافِ، ويصحُّ دونَ خلافٍ ولا خُصومةٍ ولا ضَرَرٍ، إِلَّا مع الرِّضَا الكامِلِ. ودليلُنا: أنّها بذَلَت لزوجِهَا عِوَضًا من مُفَارَقَتِها، فجازَ كما لو كان هنا بلا خلافٍ ولا خصومةٍ ولا ضَرَرٍ. فإن قيلَ: فقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ الآية (٣)، فإنّما جوَّزَ بهذا النّصّ الخُلعَ مع الخلافِ وتَوَقُّعِ ارتكابِ المحظورِ في سُوءِ العشيرةِ مع المرأة. فالجواب: أنّ فائدةَ النَّصِّ على هذه الحال؛ أنّه الغالبُ من وجودِ الخُلع؛ لأنّ شرطَ جوازِ الخُلْعِ ذلك. المسألةُ الرّابعةُ: قال علماؤنا: ويصحُّ إذا كان الضّرر من قِبَلِهَا دُونَه، فهذا كان ذلك من قِبَلِه نفذ الطّلاق، ويردَّ لها ما أخذَ منها. وقال الشّافعيُّ (٤): لا يلزمُه الرَّدّ؛ لأنّه أَخَذَهُ في مقابلة الطّلاق، وقد حصلَ لها ذلك. ودليلُنا: أنّها بريئةٌ مكروهةٌ، فكان لها الرّجوع فيه، لقولهِ: "لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِيءٍ

стр. 2642

مُسْلِمٍ إِلَّا عن طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ" (١). المسألةُ الخامسةُ: الخُلْعُ هو طلاقٌ، وبه قال أبو حنيفة (٢). وقال الشّافعي (٣): هو فسخٌ. وفائدةُ هذه المسألة: أنّ الرَّجلَ إذا خالعَ امرأته، ثمَّ جدَّدَ نكاحَها بعدَ ذلك، فإذا جعلنا الخُلْعَ تطليقة، بقيت معه في النّكاح الثّاني ... ... لماذا جعلنا الخُلع ........ في النِّكاح الثّاني بثلاث. واحتج الشّافعي على أنّه فسخ بأنّها ......... ............ عن تراضٍ .... فسْخًا. ودليلنا: أنّ .................................... ........ فيما يملكه الزّوج، والّذي يملكه ......... المسألةُ السّادسةُ: ........ الطّلاق ................ الطَّلاق في العِدّة. واحتج أنّها معتدّة ..................... ودليلُنا أنّه ليست له ........ لو انقضت عدّتها الرّجعة لأنّها زوجة بدليل أنّهما يتوارثان وأنّه يجبرها على ......... المسألة السابعة (٤): إذا بذلت العِوَض في الخُلعِ، وشرط الزَّوجُ الرَّجعةَ، ففيها روايتان (٥):

стр. 2643

إحداهما: لا يصح؛ لأنَّ العِوَضَ إنّما تبذلُه في إسقاط الرَّجعة. فمِنَ المُحالِ أنّ يجتمع العِوَض إلى الرَّجْعَة. الثّانية: أنّه يصحّ، وُيجعل العِوَضُ في مقابلة سقوطِ الطَّلقة الواحدة، وتبقى معه بتطلقتين (١). المسألة الثامنة (٢): قال علماؤنا: وله أنّ يتزوجَ المختلعة في العِدَّةِ؛ لأنّ الماء لَهُ. المسألةُ التّاسعةُ: لا نفقة للمبتوتة (٣)، إِلَّا أنّ تكون حامِلًا، وبه قال الشّافعي (٤). وقال أبو حنيفة: لها النّفقة؛ لأنّها محبوسةٌ بحرمة مَالِهِ، فوَجَبت لها النَّفقةُ كالرَّجعية. ودليلُنا: قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ الآية (٥)، فجعل عِلَّة الإنفاقِ الحمل، فثبتَ الحُكمُ بثباتِهِ وزالَ بزَوَالِهِ. ودليلُنا: أنّها ليست له بزوجةٍ، فلم يلزمه لها نفقة، كما لو انقضت عِدَّتُها، وتخالف الرَّجعية، فإنّها زوجة، وقد تقدَّم ذلك. المسألة العاشرة (٦): إذا خالعَ على خمرٍ أو خنزيرٍ وقع الطَّلاقُ بَائِنًا. وقال أبو حنيفة (٧): يقع رجعيًّا، واحتجّ بأنّه بذلُ ما لا يصحّ ملكه، فكأنّها لم تبذل شيئًا. ودليلنا: أنّه أسقط الطَّلاقَ على عِوَضٍ فكان بائنًا، كما لو أسقطته على سائر العِوَض، وهذا العِوَض وإن كان لا يصحّ ملكه فهذا من سوءِ اختيارِهِ، فيرجعُ عليه ويخسرُ، ولا يرجعُ على المرأة بشيءٍ.

стр. 2644

وقال الشّافعي (١): يرجِع عليها بمَهرٍ المِثلِ؛ لأنّه أحد طرفي النّكاح، فإذا بَذَلَ ما لا يصحَّ ملكه، وجبَ الرُّجوع إلى مَهرِ المِثلِ، كابتداءِ النِّكاحِ وانتهائه، وذلكَ أنّ العِوَضَ في ابتدائه واجبٌ ضرورةً. فهذا بذل فيه ما لا يجوزُ، لزمه الشَّرعُ مَهرَ المِثلِ، لِئلَّا يخلو ابتداء النّكاح من عِوَضٍ يخالفُ انتهاءَهُ، فإنّه لا يلزَم فيه العِوَض شَرّعًا فاذكر ما لا يصحّ أنّ يكون عِوَضًا لم يجب لها شيءٍ؛ لأنّ التَّفريطَ جاءَ من قِبَلِهَا. المسألة الحادية عشرة: يجوزُ الخُلْعُ بالغَرَرِ والمجهولِ (٢)، خلافًا لأبي حنيفة (٣)، والشّافعيّ، حيث قالا: لا يجوزُ بشيءٍ من ذلك. واحتجَّا بأنّه أحد طَرَفَي النِّكاحِ، فلم يجز بمجهول كابتدائه. ودليلنا: أنّ الطَّلاقَ يجوزُ تعليقُه على الإغرار والأخطار، فجاز بالمجهول كالوصيّة، فأما احتجاجهم بابتداء النّكاح، فلا يسلّم لهم؛ فإنّ النّكاح عندنا يجوزُ بالمجهولِ في تفصيلٍ طويلٍ. المسألة الثّانية عشرة: ذكر مالكٌ (٤) أنّه إذا تابعَ طلاق المُختَلِعَة بطلاقٍ بعدَهُ نَسَقًا من غيرِ صُمَاتٍ أنّه يلزم ويلحق بالأوَّل، وهذا شيءٌ ظاهر؛ فإنّ الكلامَ منهُما لم ينقطع، فجازَ الاتِّصال به. بَابُ مَاء جَاءَ في اللَّعَانِ قال الإمامُ (٥): أحاديثُ اللِّعانِ كثيرة المساقِ، أمّهاتُهما حديثانِ:

стр. 2645

أحدُهما: حديثُ سَهلِ بنِ سَعد في شأنِ عُوَيمِر، حسَب ما وردَ في "الموطَّأ" (١). الثّاني: حديثُ هِلَالِ بن أُميَّةَ حين قَذَف زوجتَه بشَريكِ بن السّحمَاء فقال النَّبيُّ ﷺ : "البَيِّنَةُ وإلَّا حَدٌّ في ظَهرِكَ" (٢). فنزلت آية اللِّعان، وكذلك رُويَ في الحديثين. ويحتملُ أنّ يكونا وَقعَا معًا، فكانت الآيةُ بيانًا لهما. ويحتمِلُ أنّ يكون أحدُهما قبلَ الآخر، فنزلت الآيةُ. وقيل أيضًا: في الثّاني نزلت آيةُ اللَّعانِ، أي في مِثلِهِ، والنُّزولُ والبيانُ في الشَّيءِ نُزُولٌ وبيانٌ في مثله، والّذي نزل هو قولُ الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية (٣). وفي هذه الآية أمّهاتٌ من المسائلِ يأتي بيانُها إنَّ شاء الله. قال أبو حاتم (٤): "اللَّعانُ مأخوذٌ من اللَّعنِ، وهو البعدُ، يقال: لَاعَنَ الإِمَامُ بين المرأة وزوجها. ويقال: تَلَاعَنَا" (٥). الفقه في خمس وعشرين مسألة: المسألة الأولى: قال علماؤنا: اللَّعان جائز. والأصل فيه: الكتابُ، والسُّنَّةُ، وإجماعُ الأُمَّةِ، والقياسُ.

стр. 2646

أمّا الكتاب: فقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية (١)، وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآية (٢)، والمَخْلَصُ في الآية الأُولى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ الآية (٣)، فشرَعَ اللهُ اللَّعانَ مَخلَصًا من المِحْنَةِ. وأمّا السُّنَّة: فحديثُ عاصِم وعُوَيمر العَجْلانيَّ. وأمّا الإجماع: فإنّ الأمَّةَ أجمعت على ذلك. وأمّا القياس: فإنّ النَّسَبَ يلزم حرزه للفراش. المسألة الثّانية (٤): في حقيقته وبناؤُهُ فِعَالٌ، تركيبُ كلّ فعلٍ تعلَّقَ باثنينِ، كالقتالِ والخِصَام، سُمِّيَ بأشدِّ ما فيه وهي لَعْنَةُ الله. فقيل: لِعَانٌ، ولم يقل: غِضَابٌ مِنَ الغضبِ، تغليبًا لجانِبِ الرَّجلِ على المرأَةِ، لمَّا كان هو المُسَبِّبَ له والمُتَكَلِّمَ به. ولعنةُ اللهِ هي إبعادُهُ للعبد من جِواره وطردِه له عن قُدسِهِ، وغضَبُ اللهِ يَحتمِلُ أنّ يكون إرادَتَهُ لعذابه، ويَحتمِلُ أنّ يكون نفسَ الفعل بعينه، فيكونُ على التّأويل الأوّلِ من أوصافِ الذَّاتِ، كقولنا فيه سبحانه: عالِمٌ، وقادر، وعلى التَّأويلِ الثّاني يكونُ من أوصافِ الفِعلِ. المسألةُ الثّالثة: قال علماؤنا: في اللَّعان شوائبُ الشَّهادةِ وشوائبُ اليمينِ، فعندنا أنّ المغلَّب فيه شائبةُ اليمينِ، وبه قال الشّافعي (٥). وقال أبو حنيفة (٦): شائبةُ الشَّهادةِ فيه أَغلَبُ.

стр. 2647

ودليلُنا: قولُه ﷺ : "لَولا الأَيمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شأنٌ" (١). وقوله للعَجْلاني: "قُنم فحالفها" و"قم فاحلف" (٢) ولدخول لفظ اليمين فيه، وهو قولُه: "بالله"، وقوله: "أشهد" تأكيدٌ، ولأن شهادتَه لا تقبل لنفسه فكيف يكون اللَّعان شهادة لنفسه؟ ولأنّ لِعَانَ الأَعمى صحيحٌ، مع أنّ شهادته عنده لا تجوز، ولعانُ الفاسقِ صحيحٌ، مع أنَّ شهادته بإجماع الأُمَّةِ لا تصحُّ، فهذا ثَبت أنّ المغلَّب فيه شهادة اليمين، فكذلك يجوزُ عندنا يمين كلّ زوجين حُرَّينِ أو عبدين، عدْلَيْنِ أو فاسقين، أَخرّسَيْنِ أو متكلّمين، خلافًا له. المسألةُ الرّابعة (٣): القولُ في سَبَب اللَّعانِ وذلك بأنّ يَقصِد نفْيَ النَّسبِ الباطل على نفسه، أو يقصد خَلْعَ الفراش الّذي تلَطَّخَ بغيره من بيته، وكلاهُما يَصِحُّ اللّعانُ فيه؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٥) يعني: ذوات الأزواج بغير بيِّنةٍ. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية (٦)، يريد: يَشتُمُون، واستُعير له اسم الرَّمي لأنّه إذايةٌ بالقولِ، لذلك قيل له القَذْفُ، ولِمَا ثبت في الصّحيح عن ابنِ عبّاس؛ أنّ هلال بن أميّة قذف امرأته بشرِيك بن السَّحماء قذفًا (٧)، وقال أبو كَبشَة (٨): وَجُرْحُ اللِّسان كَجُرْحِ اليَدِ (٩)

стр. 2648

فصل قال الإمام: وشروطُ القَذفِ عند علمائنا تِسعَةٌ (١): شرطانِ في القاذِفِ، وشرطانِ في الشَّيءِ المقذوفِ به. وخمسةٌ في المقذوفِ. فالشَّرطانِ اللَّذانِ في القاذفِ: العقلُ، والبُلُوغُ. والشَّرطانِ في الشّيء المقذوف به: فهو أنّ يَقذِفهُ بوَطءٍ يلزمُهُ فيه الحدُّ، وهو الزِّنى، واللَّواط، وشبهه. وأمَّا الخمس الّتي في المقذوف، فهي: العقلُ، والبلوغُ، والإِسلامُ، والحرَّيّةُ، والعِفَّةُ عن الفاحشةِ الْتي رُمِيَ بها، كان عففًا عن غيرها أم لا. قال علماؤنا (٢): والمراد بالرّمي هاهنا: التعييرُ بالزِّنا خاصّة. قال: والنُّكتةُ البديعةُ فيه أنَّه قال: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (٣)، والَّذي يَفتقِرُ إلى أربعة شهداء هو الزِّنى؛ لأنّه فعلُ اثنينِ، وهذا قَاطِعٌ بديعٌ في الباب. وقال علماؤنا (٤): فائدةُ اللَّعانِ: قطعُ النّكاحِ، وسقوطُ الحدِّ، ونفيُ النَّسَبِ، وتأبيدُ التّحريم، ووجوبُ الصِّدَاقِ، وهي: المسألة الخامسة (٥): أمّا قطع النّكاح، فلقوله في الحديث (٦) "فكانَت تِلكَ سُنَّةَ المُتَلَاعِنَينِ"، ولحديثِ ابنِ عمر؛ أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امرَأَتَهُ في زَمَانِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَانتَفَى من وَلَدِه، فَفَرَّقَ

стр. 2649

بَينَهُمَا رَسُولُ ﷺ وَأَلحَقَ الوَلَدَ بِأُمِّهِ (١)، وقُطِعَ النَّسبُ. وأمّا سقوطُ الحدِّ، فمُجْمَعٌ عليه، لقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ الآية (٢). * وأمّا تأبيد التّحريم، فقد اختلفَ فيه العلّماءُ، إذا أكْذَبَ نفسهُ وأَلحَقَ النّسب به، هل ترجِعُ إليه أم لا؟ والصّحيحُ أنّها لا ترجِعُ إليه؛ لما رُوِيَ في ذلك في الأثر* "أنّهما لا يتناكحانِ أبدًا" (٣). والمعنى الظّاهر في النّظر، هو ما جَرَى بينهما من الرَّيبَة يَقْطَعُ الأُلفةَ، ولأنّه قَذَفَها، فَرَفَقَ فيه في دَرْءِ العذاب عنه، وعُوقِبَ بأن لا ترجِعَ إليه، وقد بيَّنَّاها في "مسائل الخلاف". وأمّا الصّداق، ففي الحديث الصّحيح؛ أنّ عُوَيمِرًا قال للنّبيّ ﵇: يَا رسُولَ اللهِ مَالِي مَالِي. وفي الحديث أنّه قال له: "لَا سَبِيلَ لَكَ عليها، إنَّ كنت صدَقتَ عَلَيهَا فَهُوَ بمَا استحْلَلتِ من فَرْجِهَا، وَإِنْ كنت كَذَبْتَ عَليها فَذَلِكَ أَبْعَدُ لك منها" (٤). المسألة السّادسة (٥): يقول علماؤنا: اتّفقَ العلّماءُ على أنّه إذا صرّح بالزِّنَى كان قَذْفًا وَرمْيَا مُوجِبًا

стр. 2650

للحدِّ، فإن عَرَّضَ ولم يُصَرِّح: فقال مالك: هو قَذْفٌ (١). وقال الشّافعي (٢) وأبو حنيفة (٣): ليس بِقَذْفٍ. ومالك أسَدُّ طريقةً فيه؛ لأنّ التّعريض قولٌ يُفهَمُ منه القَذْف، فوجبَ أنّ يكون قَذْفًا كالتَّصريح، والمُعَوِّل على الفهم، وقد قال تعالى مُخبرًا عن قوم شعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (٤). وقال في أبي جهل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (٥). فإن قال له: يا مَنْ وَطِىءَ بين الفَخِذَين. قال ابنُ القاسم (٦): فيه الحدُّ؛ لأنّه تعريضٌ. وقال أشهبُ: لا حدَّ فيه؛ لأنّه نَسَبَهُ إلى فعلٍ لا يُعَدُّ زِنَّى إجماعًا. وقولُ ابنُ القاسم أصْوَبُ من جهة التعريض. وإذا رَمَى صَبيَّةَ يمكنُ وطؤُها بالزِّنا، كان قَذفًا عند مالك. وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: ليس بقَذفٍ؛ لأنّه ليس بزنا؛ إذ لا حدَّ عليها. وَعَوَّلَ مالك على أنّه تعيير تامٌّ، بوطءٍ كامل، فكان قَذفًا، والمسألةُ محتمِلَةٌ مشكلةٌ جدًا. فصل (٧) اختلفَ العلّماءُ فيمن قذَفَ زوجه بشخص بعينه، هل يحدَّ أم لا؟ فإن ... فعند مالك أنّه يحدُّ الرَّجُل؛ لأنّ الأصل الثّابت الحدّ على القَذفِ، وأمّا الزّاني بها فلا ضرورة

стр. 2651

به إلى ذكره، وهو غني عن قذفه، فيبقى على الأصل في وجوب الحدِّ له. وقال الشّافعي (١): لا يُحَدُّ الرَّجُلُ إذا أدخله في لِعَانِه. فرعٌ: واختلفَ العلّماءُ فيمن قذَفَ زوجته، هل يتلاعنان على الجملة؟ أو حتّى يتبيّن وجه دعواه؟ على قولين: أحدهما: قيل: لا يتلاعنان حتّى يتبيّن. وقال بعض علمائنا: واللَّعانُ عقوبةٌ يعاقِبُ الله الزّانيةَ به. وقوله (٢): "يَقتلهُ فَيُقتَل به" قال الإمام: جعله بعضُ النَّاس على أنّ الزّوج إذا قتَلَ رَجُلًا وزعمَ أنّه وجدَهُ مع امرأته يُقْتَل به، ولا يصدَّق إِلَّا بِبَيِّنَة، لأنّه ﵇ لم يُنكِر عليه ما قال. وقوله (٣): "فطلَّقَهَا ثلاثًا" احتجَّ به الشّافعيّ (٤) على جواز الطّلاق الثلاث في كلمة واحدة، وانفصل علماؤُنا عن هذا بأنّها قد بانت منه باللِّعان، فوقعت الثّلاثة على غير زوجته، فلم يكن لها تأثير. المسألة الثامنة: هل تُلاعِنُ بادِّعاءِ الرَّؤية مطلقة، أَو بمجرَّدِ القَذفِ؟ ففيه عن علمائنا روايتان: إحداهما: أنّه يُلاعِنُ، لقوله: "قد زنت" خاصّة، لعموم قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (٥). والأخرى: أنّه لا تُلاعن إِلَّا بالرّؤية؛ لأنّ الزِّنا لا يكونُ إِلَّا معها.

стр. 2652

المسألة التّاسعة (١): هل يكفيه في اللِّعان أنّ يقول: "رأيتُها تزني" مطلقًا، أو يُبَيِّن بيان الشُّهودِ، روايتان: إحداهما: يبيَّن كالشّهود؛ لأنّه سبب الزِّنا، فلَزِمَه البيان كالشّهادة. المسألة العاشرة: تكفيه الرَّؤية المطلقة، لعموم قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية (٢). المسألة الحادية عشرة: في حُكم الشّهادة (٣) والأصلُ فيه قولُه: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (٤)، قد بيَّنَّا الحِكْمَة في شهادة الزِّنا أنّهم أربعة؛ لأنّه فعل اثنين؛ لأنّ الله سبحانه كثَّرَ وعدَّدَ الشُّهُودَ في الزِّنا على سائر الحقوق، رغبةً في السَّتْرِ على الخَلْقِ، وحقَّقَ كيفية الشّهادة، أنّ يقول: رأيتُ ذلك منها كالمِرْوَدِ في المُكحُلَة، فلو قالوا: رأينا ذلك منه في ذلك منها، نوى بها الزّنا المُوجِب للحدّ. قال ابنُ القاسمِ: يكونون قَذَفَة. وقال غيرُه: إذا كانوا فقهاء والقاضي فقيهًا كانت شهادة. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّ عَدَدَ الشُّهودِ تَعَبُّدٌ، ولفظَ الشَّهادةِ تعَبُّدٌ، وصِفَتَها تعبُّدٌ، فلا يُبَدَّل شَيءٌ منها بغيره، حتَّى قال علماؤنا: إنَّ مِنْ شرطِ أداءِ الشّهادةِ أنّ يكونَ ذلك في مجلسٍ واحدٍ، فإن افترقوا لم تكن شهادة. وقال عبد الملك: تُقبَلُ شهادتُهُم مُجتَمِعين ومفترقين.

стр. 2653

فرأى مالك أنّ اجتماعهم تَعَبُّدٌ، ورأَى عبد الملك أنّ المقصودَ أداءُ الشّهادةِ واجتماعُها، وهو أقو ى. وقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الآية (١). قيل: حدُّ القذْفِ من حقوقِ اللهِ تعالى كالزِّنَا (٢). وقيل: إنّه حقٌ من حقوق المقذوف، قاله مالكٌ، والشّافعيُّ (٣). أصلٌ (٤): وقوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ الآية (٥)، علَّقَ الله تعالى على القَذْفِ ثلاثة أحكام: الحدّ، وردّ الشّهادة، والفِسْق، تغليظًا لشأنّه، وتفخيمًا لأمره، وقوَّةً في الرَّدْعِ عنه. وقال علماؤنا: وردُّ الشهادةِ من عِلَّةِ الفِسْقِ، فإذا زالَ بالتّوبةِ زالَ رَدُّ الشّهادةِ، لقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ (٦)، ولا خلافَ أنّ التَّوبةَ تُسْقِطُ الفِسْقَ. فرعٌ: واختلفَ العلّماءُ في ردِّ الشّهادةِ: قيل: تُقبَلُ قبلَ الحدِّ وبعدَ التَّوبةِ، قاله مالكٌ، والشّافعيّ، وغيرهما من جمهور العلماء.

стр. 2654

وقيل: إذا قَذَفَ، لا تُقبلُ شهادتُه أبَدًا، لا قَبْلَ الحدُّ ولا بعدَهُ، وهو مذهب شُرَيح. وقيل: تُقبَلُ قبل الحدِّ، ولا تُقبَلُ بعدَه وإن تابَ، قاله أبو حنيفة (١). وقيل: تُقبَلُ بعدَ الحدِّ وتُقبَل قبلَهُ، وهو قول النّخعي. قال الإمام: وهي مسألة طبوليّة، وبالجملة فإنّ أبا حنيفةَ يجعلُ ردُّ الشّهادةِ من جملةِ الحدِّ، ويرى أنَّ قَبُولَ الشّهادةِ ولايةٌ قد زالت بالقَذفِ (٢). وتعلّق علماؤنا بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (٣)، وقالوا: إنَّ هذا الاستثناء راجعٌ إلى ما تقدَّم، ما عدا إقامة الحدّ فإنّه يسقط بالإجماع، وقد بيّنَّاه في "مسائل الخلاف". المسألة الثّانية عشرة: إذا أراد نفي الولد فلا يَدَّعِي الوطء بعد رؤية الزِّنا؛ لأنّه إذا ادَّعَى الوطءَ بعدَ رؤيةِ الزَّنَا فقد وجد شيئًا يستند إليه، في تفصيلٍ طويلٍ. المسألة الثّالثة عشرة (٤): إذا نَفَى حمل امرأته، فإن ادّعى استبراءً بعد الوَطء (٥)، كان له أنّ يُلَاعِن، وإن لم يدَّعِ الاستبراءَ، ففيه قولان: أحدهما: أنّه يُلاعِن؛ لأنَّ نفيه الحمل بتضمّن.

стр. 2655

والآخر: أنّه لابدّ من ذِكرِ استبراء الحَمل، فإنّها يحتمل. المسألة الرّابعة عشرة: في قَدْر الاستبراء (١) ففيه قولان: أحدُهما: أنّها حَيضةٌ واحدةٌ لأنّها تحصلُ البراءة للرّحم. دليلُه: مِلْكُ اليمينِ (٢) المسألة الخامسة عشرة (٣): الاستبراء ثلاثة حيضٍ؛ لأنّه استبراء النِّكاحِ. المسألة السّادسة عشرة: إذا اعترفَ بالحملِ وادَّعَى رؤية الزِّنا , ففيها ثلاثة أقوال: قيل: يُحدُّ ويُلحق به الولدُ ويُلاعِن. وقيل: يلاعن (٤) وينفي الولد عنه، فإن اعترفَ به بعدَ ذلك حُدَّ ولحق به. وقيل: يلاعن لينفي الحدّ، ويُلْحَق به الولد (٥)؛ لأنّ اللِّعان جُعِلَ لأحدٍ أمربن، فإذا وُجِدَ أحدهما وُجِدَ اللّعانُ. المسألة السّابعة عشرة: ينتفي النّسب بلعان الزّوج وحدَهُ؛ لأنّ النَّسبَ به يلحق، فبلعانه ينتفي، وأمّا لعأنّها فتنفى الحدّ به عنها (٦).

стр. 2656

المسألة الثّامنة عشرة: في صفة لفظه وهو أنّ يقول: أشهد بالله لقد رأيتُها، أو: قد رأيتُها تزني، ولقد رأيتُ فَرْجَه في فَرْجِها كالمرود في المُكْحُلة - على الخلافِ الّذي قدّمناهُ في الشُّهودِ- يقول ذلك أربع مرَّات، ثمّ يقول في الخامسة: لعنةُ الله عليه إنَّ كان من الكاذبين. وفي نفي الحَمْلِ يقول: ليس هذا الحَمل منّي، ولقد زَنَت إنِ ادَّعى زنَّا، وتحلف هي على نقيضِ قوله (١). المسألة التّاسعة عشرة: ولا تتمُّ الفُرقَة بينهما إِلَّا بلعانهما جميعًا، خلافًا للشّافعي (٢) حيث قال: تقع الفُرقة بينهما بلعانه. ودليلُنا: حديث عُوَيْمِر، في قوله (٣): "كَذَبتُ عَلَيهَا" إلى أنّ قال: "فكانت تلك سُنَّةَ المتلاعِنَينِ". المسألة الموفية عشرين: هل يفتقرُ اللِّعان إلى حُكمِ حاكمٍ أم لا؟ نقال قومٌ: لا يكونُ ذلك إِلَّا عند الإمام. وقال قومٌ: لا يحتاجُ إلى حُكْم حاكمٍ بالفُرْقَة بينهما. قيل: تقعُ الفُرْقةُ بنفسِ اللِّعان (٤)، خَلافًا لأبي حنيفة (٥)، واحتجّ بقوله ﵇: "لا تَحِلُّ لَكَ أَبَدًا" (٦). ودليلُنا: هذا الخبر بعينه؛ فإنّه أخبر ﵇ عن شَرْعِهِ، فلا يحتاج إلى حُكْمِ حاكمٍ معه، ألَّا ترى أنّ الحاكمَ لو لم يحكُم بالفُرقة ثبتت ضرورة، وليس للإمام أنّ يأمره بإثر ذلك بطلاق.

стр. 2657

المسألة الحادية والعشرون (١): واللَّعانُ جائزٌ في كلِّ وقتٍ من أوقاتِ النَّهارِ، قاله مالك فى "كتاب محمّد". وقال ابنُ وَهبٍ: لا يكون إِلَّا بإثر صلاة (٢). وقال مالك أيضًا: "وبإثر مَكْتوبَةٍ أحبّ إليَّ (٣)، وقد كان ذلك عندنا بالعصر، ولم يكن سُنَّة" (٤) يريد أَنَّها يمين فتعلّقت بالوقت والمكان، والتّغليظ على وجه الاستحباب، لما رَوَى أبو هريرة عن النّبيَّ ﵇ أنّه قال: "ثلاثة لا ينظرُ اللهُ إليهم يومَ القيامةِ ولا يزكّيهِم، رجلٌ كانَ له فَضْلُ ماءٍ على طريقٍ فمنَعَهُ عن ابنِ السَّبيلِ، ورجلٌ بايعَ إمامًا لا يبايعه إِلَّا لدُنيا، فإن أعطاهُ منها رَضِيَ، وإن لم يعطه منها سَخِطَ، ورجل أقام سِلْعَتَهُ بعدَ العصر، فقال: بالّذي لا إله إِلَّا هو لقد أعطيت فيها كذا وكذا فصدّقه" (٥). وأمّا التغليظُ بالمكان، فإنها يمينٌ في مَا لَهُ بَالٌ، كاليمين في الحقوق، وعلى هذا جماعةُ العلّماءِ. المسألة الثّانية والعشرون (٦): هل يكون ذلك في المسجد أم لا؟ فقد رَوَى ابنُ جُرَيْجٍ، عن ابنِ شهاب في هذا الحديث: "فَتَلَاعَنَا في المسْجِدِ وَأنا شاهِدٌ" (٧). وقال ابن الماجِشُون: لا يكون إِلَّا بإثر صلاة في مقطع الحقوق. وكأنّه جعل ذلك شرطًا، وفي ذلك فائدة اجتماع النَّاس كما قدَّمنا. وأمَّا اليهوديّةُ والنّصرانيةُ فتلاعِنُ بحيث

стр. 2658

تعظَّمه من البيعِ والكنيسة، قاله مالك (١). فرع (٢): فإن منع عذرٌ من دخول المسجد ومقطع الحق، فلا يخلو أنّ يكون انقضاؤُه معتادًا كالحيضِ، أو لا يكون معتادًا كالمرض، فإن كانت حائضًا لَاعَنَ هو لما يريدُ من الاستعجالِ ويخاف أنّ ينزل به مانعٌ من اللِّعان. ويحتمل أنّ يلزمه ذلك، ليَدرَأَ عن نفسه الحدّ، وتُؤخِّر هي إلى أنّ تطهر فتلاعن. فإن كان مريضًا وكانت مريضة، أرسل الإمامُ إلى المريض منهُمَا عُدُولًا (٣)، رواهُ أَصبَغُ عن ابن القاسم في "العُتبيّة". ووجه ذلك: أنّه حكمٌ من سنَّتِه التّعجيل، والمرضُ لا يدرى له غاية، فسقطَ التغليظُ بالمكان للضّرورة، والله أعلمُ. المسألة الثّالثة والعشرون (٤): جاء في اللِّعان ذكرُ الشّهادة واليمين، واختلفَ العلّماءُ، هل المُغَلَّبُ فيه جهةُ الأيمان أو جهةُ الشّهادة؟ وقد بيّنَّا ذلك في "مسائل الخلاف". والدّليلُ عليه: قول النّبي ﵇: "والله لولا الأيمَانُ لكان لِي وَلهَا شأنٌ" (٥). وقال الله في القرآن: ﴿بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٦)، ﴿بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٧) ولأنّه يَدْرَأُ بيمينه عن نفسه العقوبة، ولو كانت شهادةً لثبتَ بها الحقُّ على غيره، وإذا ثبت أنّ المُغَلَّب فيه جهةُ اليمينِ، فإِنّه يُلاعِنُ المسلمُ والكافرُ، والعبدُ والحُرُّ، والعدلُ والفاسقُ، والأعمى والبصيرُ.

стр. 2659

المسألة الرّابعة والعشرون (١): اعلموا أنّ العلّماءَ اختلفوا، هل اللَّعانُ عقوبةٌ أم لا؟ فقال أبو حنيفةَ وأهلُ العراق: إنّه عقوبةٌ، وربّما ظهر هذا ببادىء الرّأي لما فيه من هَوْل المُطَّلع، وقد قال النَّبيّ ﵇: "أحدُكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ منكُما تائبٌ" (٢). والصّحيحُ أنّه ليس بعقوبة، وإنّما هو خَلاصٌ من الدَّناءَةِ، كما بيَّناهُ. أمَّا إنَّ الكاذبَ منهما عاصٍ بِفُجُورِهِ، متعرِّضٌ للَعنَةِ الله وغَضَبِهِ، لكنّه غيرُ مُتَعيِّن عندنا؛ ولذلك قلنا: إنّه يبقى بعدالته بعد اللِّعان، وعلى مرتبته في الإسلام، ورَبُّك أعلمُ بباطنِ الحالِ وعاقبةِ الأَمر. المسألة الخامسة والعشرون (٣): قد بيَّنا أنّه ليس لها سُكنَى، ولا نفَقة، ولا مُتعَة؛ لأنّ الفُرْقَة قبلَ البناءِ وما تدَعيه من الوَطءِ لا يُوجِبُ لها تكميل الصّدَاق ولا السْكنَى مع إنكار الزَّوْجِ، كالنِّصف الثّاني من الصّداق (٤). وحَكَى ابنُ الجَلَّابِ (٥) أنّه ليس لها من الصّداق شيءٍ. ويحتمل أنّ يكون ذلك لأنّه فسخٌ، وإنّما يجب نصف الصّداق قبل البناء. فصل (٦) وقع في "مسلم" (٧) و"البخاريّ" (٨) أنّ رجلًا - قيل: إنّه سعد - فقال: يا رسول الله، إِنّ امرَأتِي زَنَت فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ: "إِن جَاءَتْ بِهِ أَكْحَل أجعَدَ أَحمش السَّاقَيْنِ" وفي حديث آخر"إنْ جَاءَتْ بهِ جَعْدًا قططًا" (٩) قال الهروي (١٠): "الجعدُ في صفة الرِّجالِ يكون مَدْحًا ويكون ذَمًّا، فهذا كان مَدحًا فَلَهُ معنيان:

стр. 2660

أحدهما: أنّ يكون معصوب الخَلْق شديدًا. والثّاني: أنّ يكون شَعْره غير سَبط؛ لأنّ السُّبوطة أكثرُها في شعور العَجَمِ. وأمّا الجَعْدُ المذمومُ، فله معنيان: أحدهما: أنّ يكون معصوب الخَلْقِ شديد القِصَرِ، المتردد (١). والآخر: البخيلُ، يقال: رجلٌ جَعْد اليدين وجَعد الأصابع". والقَطَطُ: الشّديدُ الجُعُودَةِ، يقال رَجَلٌ جَعدٌ، وشَعرٌ جَعْدٌ بَيِّنُ الجُعودةِ، وقَطَطٌ بَيِّنُ القطوط. وقوله: "أحمش السّاقين" أي: دقيق الساقين (٢). قال الهروي (٣): "يقال: امرأة حمشاءُ السّاقينِ كَرْعَاءُ اليدين، إذا كانت دقيقتهما" (٤). وقال غيرُه: الحُمُوشةُ دِقَّةُ السّاقينِ (٥). وقوله: "إنَّ جاءت به سَبِطًا" قال علماؤنا (٦): السَّباطَةُ: استرسالُ الشعر (٧) والسَّباطَةُ أكثرُ ما هي في الرِّجال، تقولُ العربُ: رَجُلٌ سَبَطٌ وسَبطٌ -بفتح الباء وكسرها لغتان -: بَين السّبوطَةِ، وكذلك شَعْرٌ سَبَطٌ. وقوله: "خذلًا آدَمَ" (٨) الخذلُ -بِخَاءٍ مُعجَمةٍ مفتوحةٍ والدّالِ المُهمَلَةِ -وهو الممتلىءُ السّاقين. "والآدم" الشّديدُ السُّمرَةِ، وجمعُه أُدْمٌ، مثل أحمر وحُمْر. وأمَّا "آدم" فإنّه مشتقٌّ من أَدَمَةِ الأرضِ، أي: وجهها، فسمي بما خلق منها، وجمعه آدمون.

стр. 2661

وقوله: "هل فيها من جُمَلٍ أَوْرَقٍ" (١) قال الإمام: الأورَقُ الأسْمَرُ، ومنه يقال للرَّماد: أورق، وللجماعة: وُرْقٌ. مسألةٌ في ميراث ولد الملاعَنَة (٢) قولُه (٣): "إنَّ وَلَد الزِّنا وَوَلَد الملاعنة ترثُ أُمُّهُ وإخوتُه" (٤)؛ لأنّه لا يتّصل نَسَبُهُ إِلَّا من جهة أمِّه؛ لأنّه لا يحتاج في إلحاقه بها إلى عقد. فبذلك لا ينتفي عنها بلعان ولا إقرار بالزِّنا، وإنّما ينتفي عن الأَب؛ لأنّه لا يلحق به إِلَّا بعدَ نكاحٍ أو مِلْكِ يمين، وإذا كان وجه التّوارث من جهة الأبِ يبطل كلّ ميراث بسببه، ولَمَّا ثبتَ ميراث الأُمّ، ثبت كلّ ميراثٍ بِسبَبِها، على ما يأتي بيانُه إنَّ شاء الله.

стр. 2662

باب طلاق البِكْر الفقه في مسائل: المسألة الأولى (١): قولُ أبي هريرة وابن عبّاس للذي طلّق ثلاثًا قبل البناء: "لَا نَرَى أنّ تَنْكِحَها حَتَّى تَنكِحَ زوجًا غَيرَكَ" (٢) تصريحٌ بوقوعِ الثَّلاثِ على غير المدخولِ بها، وعلى ذلك جمهورُ الصَّحابةِ والتَّابعينَ، ومالك وجمهورُ الفقهاء، وقال طاوس (٣) وعمرو بن دينار وعطاء (٤): هي واحدةٌ سواءٌ وقع ذلك في لفظ واحدٍ أو ألفاظٍ متتابعةٍ. ودليلُنا: قولُه تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية (٥)، وهذا عامٌّ في المدخول بها أو غير المدخول. ومن جهة النّظر والمعنى: أنّ كلّ من صحَّ إيقاعُ الواحدة عليها، صحَّ أنّ يكمل لها الثّلاث، كالمدخول بها. وقال علماؤنا: الواحدة تبين البِكْر وأيُّ فائدةٍ في الثّلاثة. المسألة الثّانية (٦): وقول السّائل (٧): "إِنَّمَا طَلَاقِي وَاحِدَةٌ" يحتملُ أنّ يريدَ بذلك أنّه أَوقَعَهَا في دفعَةٍ

стр. 2663

واحدةٍ، وهو أنّ يقول: أنتِ طالقٌ ثلاثًا (١). قال النخعي: إذا قال لها: أنتِ طالقٌ ثلاثًا، لزمته (٢)، وإذا قال لها: أنتِ طالقٌ، أنتِ طالقٌ، أنتِ طالقٌ، لزمته واحدةٌ (٣). ورواه عن ابن عبّاس (٤). وقال مالك: يلزمهُ الطّلاق (٥) إذا اتّصل كلامُهُ؛ لأنّ كلَّ كلام يصحُّ منه الاستثناء، فإِنّه يصحّ العطف عليه، كطلاق المدخول بها، وإنه يطلق بقوله؛ لأنّه عطف عليها بالواو والتي هي للتّشريك، فأدخل الثّاني في حكم الأوَّل. فإذا قال: أنت طالقٌ، أنت طالقٌ، أنت طالقٌ، قال ابَنُ القاسم: إنّها تُطَلَّقُ. وروى إسماعيل القاضي في "المبسوط": "إنها لا تطلَّق إِلَّا واحدة، قال: لأنّه إنّما أراد التأكيد". ووجهُ قولِ ابنِ القاسمِ؛ أنّ قولَه: "أنت طالقٌ" لا يَقَعُ الطّلاقُ بنفس هذا القول حتّى يُخبر ما بعدَهُ، فلمّا قال بعدَ ذلك: أنتِ طالقٌ أنت طالقّ أنت طالقٌ، عُلِمَ أنَّه إنّما أراد ثلاثًا. والدّليلُ عليه: أنّ قول الرَّجُلِ لامرأته: أنت طالق، عُلم أنّه لا يقع عليه الطّلاق بنفس هذا اللّفظ حتّى يعرف ما يأتي بعده جواز الاستثناء يقع في اللّفظ بعد القول أنت طالق. المسألةُ الثالثةُ (٦): فيمن طَلَّقَ ثلاثًا قبلَ البناءِ, ثمّ تزوَّجَها وهو يَرَى ذلك حلالًا، فإنّه يُفرُّق بينهُما،

стр. 2664

ولها المَهرُ كاملًا، قالَهُ الزُّهْرِيُّ والشَّعْبِىُّ، وهو قولُ مالكٍ. وقال النَّخْعيّ: لها مَهْرٌ ونصف. ووجهُ القولِ الأوَّل: أنّ النِّكاحَ الفاسدَ أضعف من النِّكاح الصَّحيح، فإذا لم يجب في النِّكاح الصّحيح إِلَّا مهرٌ واحدٌ فكذلك في الفاسد. بابُ طلاقِ المريضِ قال الإمامُ: أمّا حديثُ عبد الرّحمن بن عَوف في باب طلاقِ المريضِ وقضاء عثمان بن عَفَّان في المَبتُوتَةِ (١)، فَمُسْنَدٌ إلى إجماعِ الصَّحابةِ؛ لأنّه لم يُعْرَف لعثمان في هذه المسألةِ مُخَالِفٌ. فإن قيل: إنَّ عبد الرّحمن خالفَ في هذه المسألة إذ طلّقها في المرضِ. قلنا: عبدُ الرّحمن بن عَوف ماتَ، وحينئذٍ وقع الخِصَامُ في القضيّة، والإجماعُ كان بعدَ موتِ عبد الرّحمن فَصَحَّ، ولم يُعدّ خلافُه السَّابق. وإذا ذَكَرَ أحدٌ من الصَّحابةِ قولًا وانتشرَ ولم يُنقَلْ خِلافُهُ، هل يكونُ إجماعًا أم لا (٢)؟ اختلفَ العلّماءُ فيه على ثلاثةِ أقوالٍ: أحدها: ما قَوَّمْنَا أنّه إجماع (٣).

стр. 2665

الثّاني: أنّه لا يكون إجماعًا (١). الثّالث: إنَّ كان من أَمْرٍ يلزم الأنصار بقوله، فسكوت الباقين فيه لا يُعدُّ إجماعًا. قال الإمام: والصّحيح منها مذكور في "الأصول" وعَوَّلَ علماؤنا في هذه المسألة على قصّة عثمان وعَلَى فصل التّهمة في الفرار من الميراث، كما عَوَّلُوا عليه في إبطال الأمر، وفي مسائل كثيرة. وأمّا (٢) قوله (٣): "إنَّ طَلْحَةَ كانَ أَعلَمُهُم بذلكَ" يريد: بحكم هذه القضيّة. الفقه في مسائل: أحدها: في صِفَةِ المرضِ، وما يلحقُ به من المعاني الّتي تجري مجراهُ في بقاء حُكمِ الميراثِ. والثّانية: في حُكمِ طلاقِ المريض. ١ - أمّا صفة المرض (٤)، فقد قال مالك في "كتاب محمّد": إنَّ كان مَرَضًا يُقعِدُ صاحبهُ عن الدُّخولِ والخروج، وإن كان جُذَامًا، أو بَرَصًا، أو فَالِجًا، فإنّه يُحجَبُ فيه عن مالِهِ، وإن طَلَّقَ فيهِ وَرِثَتْهُ، وليس للقُوَّةِ والرّيح والرَّمدِ، كذلك إذا صَحَّ البَدَنُ، وكذلك ما كان من الفَالِجِ والبَرَصِ والجُذَامِ يَصِحُّ معه بَدَنُه ويتصرَّف، فهو كالصّحيحِ. قال محمّد: ولم يختلف قولُ مالكٍ وأصحابُهُ في الزَّاحِفِ في الصَّفِّ أنَّه كالمريضِ. فأمّا من نالَتْهُ شدَّةٌ في البحر، فلم يره ابنُ القاسم كالمريضِ، وأَرَاهُ رواه عن مالك، وقال أشهب: هو كالمريض. المسألة الثّانية (٥): في حكم طلاق المريض
следующие страницы →