← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

وقوله: "هل فيها من جُمَلٍ أَوْرَقٍ" (١) قال الإمام: الأورَقُ الأسْمَرُ، ومنه يقال للرَّماد: أورق، وللجماعة: وُرْقٌ. مسألةٌ في ميراث ولد الملاعَنَة (٢) قولُه (٣): "إنَّ وَلَد الزِّنا وَوَلَد الملاعنة ترثُ أُمُّهُ وإخوتُه" (٤)؛ لأنّه لا يتّصل نَسَبُهُ إِلَّا من جهة أمِّه؛ لأنّه لا يحتاج في إلحاقه بها إلى عقد. فبذلك لا ينتفي عنها بلعان ولا إقرار بالزِّنا، وإنّما ينتفي عن الأَب؛ لأنّه لا يلحق به إِلَّا بعدَ نكاحٍ أو مِلْكِ يمين، وإذا كان وجه التّوارث من جهة الأبِ يبطل كلّ ميراث بسببه، ولَمَّا ثبتَ ميراث الأُمّ، ثبت كلّ ميراثٍ بِسبَبِها، على ما يأتي بيانُه إنَّ شاء الله.

стр. 2662

باب طلاق البِكْر الفقه في مسائل: المسألة الأولى (١): قولُ أبي هريرة وابن عبّاس للذي طلّق ثلاثًا قبل البناء: "لَا نَرَى أنّ تَنْكِحَها حَتَّى تَنكِحَ زوجًا غَيرَكَ" (٢) تصريحٌ بوقوعِ الثَّلاثِ على غير المدخولِ بها، وعلى ذلك جمهورُ الصَّحابةِ والتَّابعينَ، ومالك وجمهورُ الفقهاء، وقال طاوس (٣) وعمرو بن دينار وعطاء (٤): هي واحدةٌ سواءٌ وقع ذلك في لفظ واحدٍ أو ألفاظٍ متتابعةٍ. ودليلُنا: قولُه تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية (٥)، وهذا عامٌّ في المدخول بها أو غير المدخول. ومن جهة النّظر والمعنى: أنّ كلّ من صحَّ إيقاعُ الواحدة عليها، صحَّ أنّ يكمل لها الثّلاث، كالمدخول بها. وقال علماؤنا: الواحدة تبين البِكْر وأيُّ فائدةٍ في الثّلاثة. المسألة الثّانية (٦): وقول السّائل (٧): "إِنَّمَا طَلَاقِي وَاحِدَةٌ" يحتملُ أنّ يريدَ بذلك أنّه أَوقَعَهَا في دفعَةٍ

стр. 2663

واحدةٍ، وهو أنّ يقول: أنتِ طالقٌ ثلاثًا (١). قال النخعي: إذا قال لها: أنتِ طالقٌ ثلاثًا، لزمته (٢)، وإذا قال لها: أنتِ طالقٌ، أنتِ طالقٌ، أنتِ طالقٌ، لزمته واحدةٌ (٣). ورواه عن ابن عبّاس (٤). وقال مالك: يلزمهُ الطّلاق (٥) إذا اتّصل كلامُهُ؛ لأنّ كلَّ كلام يصحُّ منه الاستثناء، فإِنّه يصحّ العطف عليه، كطلاق المدخول بها، وإنه يطلق بقوله؛ لأنّه عطف عليها بالواو والتي هي للتّشريك، فأدخل الثّاني في حكم الأوَّل. فإذا قال: أنت طالقٌ، أنت طالقٌ، أنت طالقٌ، قال ابَنُ القاسم: إنّها تُطَلَّقُ. وروى إسماعيل القاضي في "المبسوط": "إنها لا تطلَّق إِلَّا واحدة، قال: لأنّه إنّما أراد التأكيد". ووجهُ قولِ ابنِ القاسمِ؛ أنّ قولَه: "أنت طالقٌ" لا يَقَعُ الطّلاقُ بنفس هذا القول حتّى يُخبر ما بعدَهُ، فلمّا قال بعدَ ذلك: أنتِ طالقٌ أنت طالقّ أنت طالقٌ، عُلِمَ أنَّه إنّما أراد ثلاثًا. والدّليلُ عليه: أنّ قول الرَّجُلِ لامرأته: أنت طالق، عُلم أنّه لا يقع عليه الطّلاق بنفس هذا اللّفظ حتّى يعرف ما يأتي بعده جواز الاستثناء يقع في اللّفظ بعد القول أنت طالق. المسألةُ الثالثةُ (٦): فيمن طَلَّقَ ثلاثًا قبلَ البناءِ, ثمّ تزوَّجَها وهو يَرَى ذلك حلالًا، فإنّه يُفرُّق بينهُما،

стр. 2664

ولها المَهرُ كاملًا، قالَهُ الزُّهْرِيُّ والشَّعْبِىُّ، وهو قولُ مالكٍ. وقال النَّخْعيّ: لها مَهْرٌ ونصف. ووجهُ القولِ الأوَّل: أنّ النِّكاحَ الفاسدَ أضعف من النِّكاح الصَّحيح، فإذا لم يجب في النِّكاح الصّحيح إِلَّا مهرٌ واحدٌ فكذلك في الفاسد. بابُ طلاقِ المريضِ قال الإمامُ: أمّا حديثُ عبد الرّحمن بن عَوف في باب طلاقِ المريضِ وقضاء عثمان بن عَفَّان في المَبتُوتَةِ (١)، فَمُسْنَدٌ إلى إجماعِ الصَّحابةِ؛ لأنّه لم يُعْرَف لعثمان في هذه المسألةِ مُخَالِفٌ. فإن قيل: إنَّ عبد الرّحمن خالفَ في هذه المسألة إذ طلّقها في المرضِ. قلنا: عبدُ الرّحمن بن عَوف ماتَ، وحينئذٍ وقع الخِصَامُ في القضيّة، والإجماعُ كان بعدَ موتِ عبد الرّحمن فَصَحَّ، ولم يُعدّ خلافُه السَّابق. وإذا ذَكَرَ أحدٌ من الصَّحابةِ قولًا وانتشرَ ولم يُنقَلْ خِلافُهُ، هل يكونُ إجماعًا أم لا (٢)؟ اختلفَ العلّماءُ فيه على ثلاثةِ أقوالٍ: أحدها: ما قَوَّمْنَا أنّه إجماع (٣).

стр. 2665

الثّاني: أنّه لا يكون إجماعًا (١). الثّالث: إنَّ كان من أَمْرٍ يلزم الأنصار بقوله، فسكوت الباقين فيه لا يُعدُّ إجماعًا. قال الإمام: والصّحيح منها مذكور في "الأصول" وعَوَّلَ علماؤنا في هذه المسألة على قصّة عثمان وعَلَى فصل التّهمة في الفرار من الميراث، كما عَوَّلُوا عليه في إبطال الأمر، وفي مسائل كثيرة. وأمّا (٢) قوله (٣): "إنَّ طَلْحَةَ كانَ أَعلَمُهُم بذلكَ" يريد: بحكم هذه القضيّة. الفقه في مسائل: أحدها: في صِفَةِ المرضِ، وما يلحقُ به من المعاني الّتي تجري مجراهُ في بقاء حُكمِ الميراثِ. والثّانية: في حُكمِ طلاقِ المريض. ١ - أمّا صفة المرض (٤)، فقد قال مالك في "كتاب محمّد": إنَّ كان مَرَضًا يُقعِدُ صاحبهُ عن الدُّخولِ والخروج، وإن كان جُذَامًا، أو بَرَصًا، أو فَالِجًا، فإنّه يُحجَبُ فيه عن مالِهِ، وإن طَلَّقَ فيهِ وَرِثَتْهُ، وليس للقُوَّةِ والرّيح والرَّمدِ، كذلك إذا صَحَّ البَدَنُ، وكذلك ما كان من الفَالِجِ والبَرَصِ والجُذَامِ يَصِحُّ معه بَدَنُه ويتصرَّف، فهو كالصّحيحِ. قال محمّد: ولم يختلف قولُ مالكٍ وأصحابُهُ في الزَّاحِفِ في الصَّفِّ أنَّه كالمريضِ. فأمّا من نالَتْهُ شدَّةٌ في البحر، فلم يره ابنُ القاسم كالمريضِ، وأَرَاهُ رواه عن مالك، وقال أشهب: هو كالمريض. المسألة الثّانية (٥): في حكم طلاق المريض

стр. 2666

فمن طَلَّقَ امرأته في مَرَضِهِ، وَرِثَتْهُ وإن مات بعد انقضاء عِدَّتِها، وبعد أنّ تزوّجت غيره، إذا اتَّصَلَ مَرضُهُ إلى أنّ تُوُفِّي، خلافًا للشّافعيِّ (١) في قولِهِ: إنَّ المبتوتَةَ في المرضِ لا تَرِثُ. والدّليل: أنّ عبدَ الوهابِ قالَ (٢): إنَّ ذلك إجماع الصّحابة؛ ولأن ذلك يُرْوَى عن عمر، وعثمان، وعليّ وغيرهم ولا مخالفَ لهم، إِلَّا ما يُروَى عن ابن الزبير (٣)، وسنذكرُهُ إنَّ شاء الله. المسألة الثّالثة (٤): لو طَلَّقها بنُشُورٍ، أو خُلْعٍ، أو لِعَانٍ، فإنَّ حكمَ الميراثِ باقٍ، خلافًا لأبي حنيفة؛ لأنَّ عثمانَ وَرِّثَ امرأةَ عبد الرّحمن بن عَوف وقد سأَلَتْهُ الطّلاقَ. ومن جهة المعنى: أنّ الإذن لا يسقط في ميراثِ الوارثِ، كما لو أذن الابن لأبيه في إخراجه من الميراث. فرع: فإن ارتَدَّ في مَرَضِهِ، ثمَّ رَجَعَ، ثمّ مات في مرضه ذلك، لم تَرثه؛ لأنّ بارتداده انفَسَخ النِّكاح، ورجوعُهُ إلى الإسلام ليس برُجوعٍ. فرع: ولو أَقَرَّ في مرضِهِ أنَّهُ طلَّقَ البتَّةَ في صحّته، لم يُصَدَّق، وورثته إذا أنكرت ذلك. ووجهُ ذلك: أنّه يدَّعِي ما يُسقِطُ ميراثها, ولا يقبل ذلك منه في حالةٍ ليس له إخراجها من جُملةِ الوَرَثةِ.

стр. 2667

المسألة الرّابعة (١): ولو مات، فشهد الشّهودُ أنّ الزّوجَ كان طلَّقَها البتَّةَ في صِحَّتِهِ، فقد جعلَهُ ابنُ القاسم كالمطلِّق في المَرَضِ؛ لأنّ الطّلاق إنّما يقعُ يومَ الحُكْمِ، ولو وقعَ يومَ القولِ لكانَ فيه التّخيير. فرع (٢): ومن طَلَّقَ في صحَّتِهِ طلقةً ثمَّ مرِضَ، فأَردَفَها ثانية ثمَّ ماتَ، فلها الميراث في العِدَّةِ؛ لأنّها تبْنِي على عِدَّتِها من الطّلاقِ الأوَّل، ولو ارتَجَعَ من الأَوَّلِ انفسختِ العِدَّةُ، ثمَّ إنَّ طلَّقَها بعد ذلك في المَرَضِ كان الطّلاقُ حكمه، فَوَرَثَتهُ وإن مات بعد انقضاءِ العِدَّةُ، قاله ابن الموّاز. المسألةُ الخامسةُ (٣): فلو طلَّقَ زوجته النَّصرانيَّة أو الأَمَة في مَرَضِهِ، ثمَّ أسلمت النّصرانية، وأُعْتِقَتِ الأَمَة بعد العِدَّة، ثمّ ماتَ، وَرِثَتَاهُ، رواه أَصْبغُ عن ابن القاسم في "العُتبيّة" (٤)، وقال سحنون: لا تَرِثَانِهِ ولا يُتَّهَم في ذلك، وكذلك لو طلَّقَها البَتَّةَ، إِلَّا أنّ يطلِّق واحدة وتموتُ في العِدَّةِ، سواء إنَّ أسلمت هذه أو أُعْتِقَت هذه فَتَرِثَانه. المسألةُ السّادسةُ (٥): فيمن حلفَ في مَرَضِهِ ليَقْضِيَنَّ فلانًا حقَّه، فمرِضَ الحالفُ ثمَّ حَنِثَ في مَرَضِهِ ومات عنه.

стр. 2668

قال أبو حنيفة والشّافعي: لا تَرِثُه. وقال المغيرة: إنَّ كان بَيِّنَ الملك فلم يقضه فامرأته تَرِثُه كالمطلِّق في المرض، وإن كان عديمًا فَطَرَأَ له مَالٌ لم يعلم به حتّى مات حَنِثَ ولا تَرِثُه. قال سحنون: ولا أعرفُ هذا ولا أراهُ. وقال أصحابنا: إنّها ترثُه بكلِّ حالٍ؛ لأنّه طلاقٌ. ووجه قولِ المغيرة: أنّه لم يكن له مال علم به، فلم يقصد طلاقها، والله أعلم. فصل (١) قال الإمام أبو بكر بن العربي: هذه المسألةُ من المصالح الّتي انفردَ بها مالكٌ دونَ سائرِ العلّماءِ، فإنّه رَدَّ طلاقَ المريضِ عليه، تهمةٌ له في أنّ يكونَ قَصَدَ الفرارَ من الميراثِ، وخالَفَهُ سائرُ الفقهاءِ، والحقُّ له؛ لأنّ المصلحةَ أصلٌ، وَقَطْعُ الحقوقِ لا يُمَكَّنُ منها بالظُّنون، وقد طَلَّقَ عبدُ الرّحمن بن عَوف زوجه تُمَاضِرَ، فاتَّفَقَ عثمانُ وعلىٌّ على الميراث، وقضَى عثمانُ به، وهو قَوِيٌّ في بابِ المصلحةِ، فَأخبَرَ به مالك، وكان موتُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوف عن أربعِ زَوجَاتٍ، فصُولِحَت تُمَاضِرُ عن رُبعِ الثُّمُنِ بثمانين أَلفًا (٢). ورأى أبو حنيفة (٣) توريثَ المطلَّقَةِ في المَرَضِ، ولكن إذا ماتَ وهي في العِدَّةِ، وهي سخافةٌ، وقد بيّنّاها في "مسائل الخلاف" وأوضحنا أنّ التُّهمَةَ لا ترتفعُ بانقضاءِ

стр. 2669

العِدَّةِ، فأيُّ فائدةٍ في اشتراطها؟! وكذلك وَرَّثَ عثمانُ نساءَ ابنِ مُكمِل (١) على ما تقدَّمَ بيانُه. باب ما جاء في متعة الطّلاق قال الإمام: ليس للمُتْعَةِ عندنا حَدٌّ معروفٌ. ورُوِيَ أنّ أعلاها خادِمٌ وأدناها ثوبٌ. وليست المُتعَةُ عندنا واجبةً، بدليل قولِهِ تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢)، ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٣)، وهو الّذي استدلّ به سحنون بقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ وقال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: من أراد أنّ يُحسِنَ أحسن، وهذا من أخلاق المحسنين، ولا مُتعَةَ للمُختَلِعَةِ ولا المفتدية. قال الإمام: وإنّما لم يكن لهنّ مُتعَة؛ لأنّهُنَّ معطيات ... أنّ خمسة أَمتِعَةٍ لهُنَّ يأتي بيانهنّ إنَّ شاء الله. الفقه في ستّ مسائل: المسألة الأُولى (٤): قولُه (٥): "فَمَتَّعَ بِوَلِيدَةٍ" يريدُ أعطاها إياها بأَثَرِ طَلَاقِهِ إِيّاها، قال الله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا﴾ الآية (٦). واختلفَ العلّماءُ في المُتْعَةِ؛ فذهب مالكٌ إلى أنّها ليست مِمَّا يُجْبَرُ عليها المطلِّقُ،

стр. 2670

وقال: إنها لحقَّ عليه، ولا يُقضَى بها عليه، وليحرِّضه السُّلطان عليها, ولا تحاصّ الغُرمَاءُ بها، وهي لكلِّ مطلَّقَةٍ، لا تردُّ شيئًا ممّا أخذت، وهي على المَوْلَى إذا طُلِّقَ عليه، قاله محمّد؛ لأنّه طلاقٌ سَلِمَ من نهاية المُقَابَحَةِ وارتجاعِ شيءٍ من الزَّوجةِ. المسألةُ الثّانيةُ (١): والتي لم يُسمّ لها الصّداق إذا دخلَ بها, لها المُتعَة والصَّدَاق؛ لأنّها مطلَّقة لا ينتزع منها شيءٍ، ولا فارقت عن مُقابَحَةٍ، فكان لها المُتعَة، كالتي سمَّى لها ودخل بها. المسألةُ الثالثةُ (٢): فإن طلَّقها بعد البناءِ، ثمّ رَاجَعَ قبلَ أنّ يُمَتَّعَ، فلا مُتعَةَ لها، قاله ابنُ وَهبٍ وأَشْهَب؛ لأنَّ المُتْعَةَ تسليةٌ عن الفِراقِ، والتّسليةُ بالارتجاعِ أعظم. المسألةُ الرّابعةُ (٣): قال علماؤُنا (٤): كلُّ فُرقةٍ من قِبَلِ المرأةِ قبْلَ البِنَاءِ وبعدَهُ فلا مُتعَةَ لها. ووجهُ ذلك: أنّها لما اختارت الفراق، فلا تسلّى عن المشّقَّة الّتي تلحق بها. المسألة الخامسة (٥): وقال القاسم بن محمّد: لا مُتعَةَ في نكاحٍ مفسوخٍ، ولا فيما يدخله الفَسْخُ بعدَ صِحَّةِ العَقدِ، مثل ملك أحد الزّوجين صاحبه. وأصلُ ذلك، قولُه تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية (٦)، فكان هذا مُختَصًا بالطَّلاق، والله أعلمُ.

стр. 2671

المسألة السّادسة (١): فإن جهلَ المُتعَةَ حتّى مضت أعوامٌ، فليرجع ذلك إليها إنَّ تزوّجت، أو إلى وَرَثَتِهَا إنَّ ماتت، رواهُ محمّد عن ابنِ القاسم. وقال أَصبَغُ: لا شَيءَ عليه إن ماتت، وبه أقولُ (٢). قال مالك: وهي على قَدرِ الرَّجُل والمرأة، لقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ (٣). وروَى ابنُ وهب عن ابنِ عبّاس أنّه: أعلاها الخادمُ (٤)، ودون ذلك الورق ودون ذلك الكسرة. وقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ (٣) أي أعطوهن. قال: مَتَّعْتُ الرَّجُل إذا أعطيته، وقاله أبو عبيدة (٥) والهروي (٦). باب ما جاء في طلاق العَبْدِ قال الإمامُ (٧): الطّلاقُ عندنا مُعتَبَرٌ بِالرّجال دونَ النِّساءِ، وبه قال الشّافعيّ (٨)، وعند أبي حينفة (٩) معتبرٌ بالنِّساءِ, والعِدَّة بالرِّجالِ. والمسألةُ عظيمةُ المَوقِعِ، بيانُها في "مسائل الخلاف"، والمُعتَمَدُ لنا في المسألةِ أنّ الطّلاقَ ملكٌ للرِّجال، والمِلكُ إنّما يُعتَبَرُ فيه صفةُ المالك لا صفةُ المملوك، وهذا لا غُبَارَ عليه، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾

стр. 2672

ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ الآية (١)، ولا متعلَّقَ لنا في عُمُومِه ولا في تخصيصه ولا لهم، كما لا متعلّق في قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية (٢)، لا لنا ولا لهم، فإنّ كِلَا العُمومين لابُدَّ من تخصيصه، فتخصيصُ عُمومِ* الطّلاقِ بمالِكِ الطّلاق وصاحبه، وتخصيصُ عموم* العِدَّة بالمتعبِّدَةِ بالعِدَّةِ وفائدتها، أَولى من تخصيصِ كلّ عمومٍ منها بما ليس منه، واللهُ أعلمُ. الفقه في ستّ مسائل: المسألة الأولى: بَوَّبَ مالكٌ على طلاقِ العَبدِ، ولم يذكرهُ في الباب , وإنّما ذكر المُكَاتَبَ، وإنّما كان ذلك لقوله ﵇: "المُكَاتَبُ عَبدٌ مَا بَقِيَ عَلَيهِ دِرْهَمٌ" (٣)؛ لأنّ حُكمَ العَبدِ والمُكَاتَبِ في الطَّلاقِ سواءٌ، وَلِمَا رواهُ التّرمذيّ (٤) عن النَّبيِّ ﵇: "الطّلاقُ بالرِّجالِ والعِدَّةُ بالنِّساء" (٥) ومثال ذلك في المسألة أنّ الرَّجلَ إذا كان حُرًّا وزوجَتُهُ أَمَةٌ أنّه يراجِعُها بعدَ تطليقتينِ ولا تحرمُ إِلَّا بالثّلاث، فالطلاقُ معتَبَرٌ بالرّجال. ومعنى العِدَّة بالنِّساء, أنّ الزَّوجَ إذا كان عبدًا وزوجته حُرَّة، فإنّ عدَّتها معتبرَةٌ بالحيضِ، والعِدَّةُ مُعتَبَرَة بالنِّساء، وكذلك إذا كان الرَّجُلُ عبدا؛ لأنّ حُكمَ الرّجلِ العبدِ في الطّلاق كغيره. وذكر مالك ﵀ هذه الآثار في هذا الباب رَدًّا على أهل العراق حيثُ قلبوا القضيَّة، وقالوا: الطّلاقُ بالنِّساء والعّدة بالرِّجال.

стр. 2673

المسألة الثّانية (١): وقولُه (٢): "حَرُمَتْ عَلَيك" يقتضي أنّ معنى التّحريم استيفاء الطّلاق، وكذلك ما قبله، وعلى هؤلاء أهل اللّغة الّذين نزلَ القرآنُ بلسانهم. وقولُه (٣): "إِنْ مَنْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ في النِّكَاحِ، فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْعَبْدِ" - وهي المسألة الثّالثة (٤) - يريد أنَّ السَّيِّد لا يُفَرِّق بينه وبين زوجته ولا يُوقع طلاقًا, ولا يمنع العبدَ من إيقاعِهِ، وإن كان له مَنْعُهُ من النِّكاح، وبه قال جمهور الصّحابة وجمهور الفقهاء. ورُوِيَ عن جابر وابنِ عبّاس (٥) أنّ الطَّلاقَ بيد السَّيِّد. وقال غيرهما: إنَّ كان السَّيِّدُ زَوَّجَهُ فالطلاقُ بَيَدِ العبدِ، وإن كان اشتراه مُزَوَّجًا فليس لَهُ أنّ يفرِّقَ بينهُمَا. ودليلُنا: أنّ السَّيِّدَ لَمَّا أَذِنَ في النِّكاح فقد أَذِنَ له في سائر أحكامِهِ، كما مَلَّكَهُ الإستمتاع. المسألةُ الرَّابعةُ: إذا تزوّج العبد بغير إذن سيّده ................ لم يجزه وأراد فسخه فَسَخَهُ (٦). ................ كيلًا. وقال أبو حنيفة: لها عشرة دراهم. وقال الشّافعيّ: لا يتقدّر لكن إنَّ أعطاها ربع درهم جاز. ................ المسمى من الصداق على سَيِّدِهِ، وكان ممّا استحلّ

стр. 2674

به الفرْجَ لئلا يذهب البضع بَاطِلًا. وأمّا الأَمَةُ فإنْ تزوّجت بإذن سيِّدها جاز، وإن تزوَّجَت بغير إذْنِ سيِّدِهَا فإن النّكاحَ يُفْسَخُ بإجماعٍ من الفقهاء قبلَ الدُّخولِ وبعدَهُ (١)، ولا يكون موقوفًا على إجازةِ السَّيِّد كما كان موقوفًا على العبدِ إذا تزوَّجَ بغير إذن سيِّدِهِ. فإن قيل: ما الفرقُ بين المسألتين في أنَّ نكاحَ العبدِ موقوفًا ونكاحَ الأَمَةِ مفسوخٌ؟ فالجواب أنّ نقُول: العبدُ هو من أهل من ينكح، وإنّما كان نكاحُه موقوفًا من أجل السَّيِّدِ، وأمّا الأَمَة فإنّما لم تُنْكَح ونُسِخَ قبلَ الدُّخولِ وبعدَهُ لأنّه حقٌّ لله تعالى، وإنّما كان حقًّا لله تعالى لأنَّهُ يقولُ: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ الآية (٢) وهذه، أَمَةٌ قد نَكَحَتْ بغير إذْنِ أَهْلِها. وفروعُ هذا الباب كثيرةٌ، لُبَابُها ما سَرَدْنَاهُ لكم. باب نَفَقَةِ الأَمَةِ إذا طُلِّقتْ وهي حامِلٌ الفقه فى ثلاث مسائل: المسألةُ الأُولى (٣): قولُه (٤): "لَا تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى عَبْدٍ، وَلَا عَلَى حُرٍّ طَلَّقَا مَمْلُوكَةً" يريدُ الطَّلاقَ البائنَ، فلا نَفَقَةَ لها وإن كانت حامِلًا؛ لأنَّ ابنها رقيقٌ لسيِّدَّها، وبهذا قال الشّافعيّ وجمهورُ الفقهاء. ورُوِيَ عن الحسن (٥) والحَكَم (٦)؛ أنّ النَّفَقَةَ على الزّوج إذا طلّقها وهي حامل.

стр. 2675

المسألةُ الثّانيةُ (١): قال علماؤنا (٢): وكذلك العبدُ يطلِّقُ الحُرِّة حاملًا، فلا نَفَقَةَ عليه؛ لأنّ نَفَقَةَ الزّوجيّة قد بطلت بالطّلاق البائن، وليس للعبد أنّ يُنفِقَ مالًا لسَيِّدِهِ فيه حقّ الانتزاع على ابنه وهو حرٌّ، كما ليس له ذلك بعد الولادة. المسألةُ الثَالثةُ (٣): وقولُه (٤): "وَلَيْسَ عَلَى حُرٍّ أنّ يَسْتَرْضِعَ لابْنِهِ وَهُوَ عَبْدٌ لقومٍ آخَرِينَ" وكذلك ليس عليه نَفَقَة. وأجمعَ العلّماءُ على هذا ممّن يقول بالنَّفَقَة على الحامل وممّن لا يقول بذلك. ووجهه: أنّ العبدَ نَفَقَته على سيِّدِه دون ابْنِهِ، وهذا عبدٌ لموالي الأمّ فكانت نفقته عليه، واللهُ أعلمُ. باب عدّة الّتي تفقد زوجها قال (٥) اللهُ العظيمُ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ الآية (٦). قيل: إتها ناسخةٌ لقولِهِ: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (٧) قال علماؤنا: كانت

стр. 2676

عِدَّةُ الوفاةِ في صَدْرِ الإِسلامِ حَوْلًا كاملًا، كما كانت في الجاهليّة، ثمّ نَسَخَ اللهُ ذلك بأربعةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، قَالَهُ الأكثرون من علمائنا (١). وقيل: إنّها منسوخةٌ بقوله: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ * الآية (٢)، تعتدُّ حيث شاءت؛ رُوِيَ عن ابن عبّاس (٣) وعطاء* (٤). التّربُّصُ: الانتظار، ومُتَعَلِّقُهُ ثلاثة أشياء: النّكاح، والطِّيب، والخروج والتَّصرُّف. أمَّا "النّكاح" فإذا وضعت المتوفَّى عنها زوجُها ولو بعدَ وَفاتِه بلحظةٍ حلَّتْ. وقيل: لا تحلُّ إلاَّ بانقضاءِ الأَشهُرِ، قاله ابنُ عباس. وقيل: لا تحلُّ إلاَّ بعدَ الطُّهْرِ من النِّفاس، قاله الحسن والأوزاعيّ، وسيأتي بيانُه. وأمَّا "الطِّيبُ والزِّينةُ" فقد رُوِي عن الحسن أنّه كان يجوِّزُ ذلك لها (٥).

стр. 2677

والآيةُ عامَّةٌ في كلِّ متزوّجةٍ، مدخولٍ بها أو غير مدخولٍ بها، كبيرةٍ أو صغيرةٍ، أَمَةٍ أو حُرَّة، حامِلٍ أو غير حاملٍ، كما تَقَدَّم، وهي خاصَّةٌ في المُدَّةِ؛ فإن كانت أَمَةً فتعتدُّ نِصْفَ عِدَّة الحُرِّة إجماعًا، إِلَّا ما يُحْكَى عن الأَصَمِّ؛ فإنَّه سَوَّى فيه بين الحرَّة والأَمَة، والحجّةُ عليه: الإجماع على ذلك، واللهُ أعلمُ. قال أهل اللُّغةِ: (١) فقدُ الشّيءِ هو تَلَفُهُ بعدَ حُضُوره، وعدَمُهُ بعدَ وجُودِهِ، قال اللهُ العظيمُ: ﴿وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿زَعِيمٌ﴾ (٢)، فالمفقودُ هو الّذي يغيبُ حتّى ينقطع أَثَرُهُ ولا يُعْلَم خَبَرُه، وهو على أربعةِ أَوْجُهٍ: ١ - مفقودٌ في بلاد المسلمين. ٢ - ومفقودٌ في بلاد العَدُوِّ. ٣ - ومفقودٌ في صَفِّ المسلمينَ في قتالِ العَدُوِّ. ٤ - ومفقودٌ في حرب المسملينَ في الفِتَنِ الّتي تكونُ بينهم، على ما نبيّنه في "المسائل" إنَّ شاء الله. الفقه في خمس مسائل: المسألةُ الأوُلى (٣): قال الإمامُ ابنُ العربيّ: مسالةُ المفقودِ وقعَتْ في زَمَانِ عمرَ، فقضَى فيها عمر

стр. 2678

بالمصلحة، ورأَى أنّ بقاءَهَا تنتظِرُهُ ضَرَرٌ بِهَا، وأنّ الاْستعجالَ على الغائِبِ قبل الاستيناء به ضرَرٌ عليه. المسألةُ الثّانيةُ (١): أمّا المفقودُ في بلاب المسلمينَ، فالحكمُ فيه إذا رَفَعَت أمرهَا إلى الإمام أنّ يكلِّفَها إثبات الزَّوجيَّة والمغيب، فهذا أثبتت ذلك، كَتَبَ إلى وَالي البلدِ الّذي يُظَنّ أنّه فيه، أو إلى البلد الجامع إنَّ لم يظنّ به في بَلَدٍ بعينه مستبحثًا عنه، ويعرِّفُه في كتابه إليه باسْمِهِ ونَسَبِهِ وصِفَتِهِ وَمَتْجَرِهِ، ويكتُب هو بذلك إلى نواحي بَلَدِهِ، فهذا وَرَدَ على الإمام جواب كتابه بأنّه لم يُعْلَمْ أنّه حيٌّ ولا وُجِدَ أثرٌ، ضَرَبَ لامرأته أجلًا أربعة أعوام إنَّ كانَ حُرَّا، أو عامين إنَّ كان عَبْدًا، ينفق عليها فيه من ماله. وفي "مختصر ابن عبد الحكم": أنّ الأجلَ يُضرَبُ من يوم الرَّفْع. وقال الأبْهَرِيُّ: إنّما ضُرِبَ لامرأة المفقودِ أجل أربعة أعوامٍ؛ لأنَّه أَقْصَى أَمَد الحمل، وهو تعليلٌ ضعيف؛ لأنّ العِلَّةَ لو كانت في ذلك هذا، لَوَجَبَ أنّ يستوي فيه الحرّ والعبد، لاستوائهما في مُدَّةِ لحوق النَّسَبِ، وَلَوَجَبَ أنّ يسقط جملة في الصَّغيرة الّتي لا يوطأ مثلُها إذا فُقِدَ زوجُها فقام عنها أبوها في ذلك، فقد قال: إنّها لو أقامت عشرين سنة، ثمّ رَفعَت أمرَهَا، لَضُرِبَ لها أجل أربعة أعوام، وهذا يبطلُ تعليله إبطالًا ظاهرًا. (٢) وقد تكلّم العلّماءُ في وجهِ الحِكْمَةِ في ضربِ عُمرَ الأجل أربعةَ أَعوامٍ.

стр. 2679

فقال بعضُهم: إنَّما ذلك لاختبارِ حالِهِ في الجهاتِ الأربع: في الشّرقِ، والغرب، والشّمال، والجنوب، فجعل لكلِّ جهةٍ عامًا، وهذا ممّا يمكِنُ أنّ يكون قَصَدَه ولا يُقطَعُ عليه. وقيل: إنّما ضَرَبَ لها عمر الأجل أربعة؛ لأنّها المُدَّة الّتي تبلغها المكاتبة في بلاد الإسلام سيرًا وعَودًا، وهذا يبطل أيضًا على القولِ بأنَّ الأجلَ إنَّما يُضرَبُ بعدَ الكَشْفِ والبحثِ، وإنّما حُكمُهُ أنّ يقالَ على مذهبِ من يَرَى ضربَ الأَجَلِ من يومِ الرَّفعِ، وفيه أيضًا نظرٌ، وإنّما أُخِذَت الأربعة أعوام بالاجتهاد؛ لأنّ الغالبَ أنَّ من كان حيًّا لا تخفَى حياتُه مع البحث عليه أكثر من هذه المُدَّة، ووجبَ الاقتصار عليها؛ لأنّ الزّيادةَ فيها والتّقصير منها خَرْقٌ للإجماع؛ لأنّ الأُمَّة في المفقود على قولين: ١ - أنّ زوجته لا تتزوّج حتَّى يُعْلَم موتُه، أو يأتي عليه من الزّمان ما لا يحيى إلى مِثْلِهِ. ٢ - والثّاني: أنّه يباحُ لها التّزويج إذا اعْتَدَّت بعدَ تربُّصِ أربعة أعوام. فلا يجوز إحداث قولٍ ثالثٍ. والَّذي ذَكَرَهُ الأَنجهَيري من أنّ أكثر مُدَّة الحمل أربعة أعوام هو ظاهر ما في كتاب العِتقِ الثّاني من "المُدَوَّنة" (١)، وهو مذهبُ الشّافعيّ (٢). وذهب ابن القاسم إلى أنّ أكثَرَهُ خمسة أعوابم. وروَى أشهب عن مالك سبعة أعوام، على ما رُوِيَ أنّ امرأة ابن عجلان ولدت لسبعة أعوام. وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثّوريّ إلى أنّ أقصاه عامانِ، واختارهُ الطحاويّ (٣)، استدلالًا بقوله : ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٤) فلا يصحّ أنّ يخرجَا منها ولا واحد منهما، فلمّا خرجت عنها سائر الأقرال لم يبقَ إِلَّا هذا القول الَّذي لم يخرج قائله

стр. 2680

بها، عنها فكان هو أَوْلَاها بالصَّوابِ. المسألةُ الثّالئةُ (١): وأمّا المفقودُ في بلادِ الحربِ، فَحُكمُهُ حُكْم الأَسير، لا تتزوّج امرأته، ولا يقسم ماله حتَّى يُعْلَم موتُه، أو يأتي عليه من الزَّمان ما لا يحيى إلى مثلِهِ في قول أصحابنا كلهم، حاشا أشهب فإنَّه حَكمَ له بِحُكْمِ المفقودِ في المالِ والزّوجة جميعًا. واختلفَ العلّماءُ فيمن سار في البحر إلى بلاد الحرب ثمّ فُقِدَ: فقيل: إنّه كالمفقودِ في بلادِ المسلمين، لإمكانِ أنّ تكون الرِّيحُ قد رَدَّتهُ إلى بلادِ المسلمينَ، إلّا أنّ يُعْلَم أنّه صار في بعضِ جزائر الرُّومِ ثمَّ فُقِدَ بَعْدُ. وقيل: كالمفقودِ في بلاد الرُّومِ. المسألةُ الرّابعةُ (٢): وأمّا المفقودُ في صفِّ المسلمينَ في قتالِ العَدُوِّ، ففي ذلك أربعة أقوال: أحدهما: روايةُ ابنِ القاسمِ عن مالك في "سماع عيسى" (٣) أنّه يُحْكَم لَهُ بحُكْمِ الأسيرِ، فلا تتزوّج امرأتُه، ولا يقسم مالُه، حتّى يُعلم موتُه، أو يأتي عليه من الزَّمانِ ما لا يحيى إلى مثله. الثّاني: روايةُ أشهب عن مالك (٤)؛ أنَّه يُحْكَم له بحُكْمِ المقتولِ، بعد أنّ يُتلَوَّمَ (٥) له سنة من يوم يُرفَع أمرُهُ إلى السُّلطان، ثمَّ تعتدُّ امرأتُه وتَتَزوَّجُ ويُقسمُ مالُه، وإن كان لم يتكلْم في الرِّواية على قسم ماله فهو المعنى واللهُ أعلمُ، وسواء كانت المعركة في بلاد الحرب أو في بلاد المسلمين إذا أمكن أنّ يُؤْسَر فيخَفَى أَمْرُهُ، فحَمَلَهُ ابنُ القاسم في رواية عيسى عنه على أنَّه أسير، وحمله مالك في رواية أشهب عنه على أنَّه قتيل.

стр. 2681

وأمّا إنَّ كان بموضعٍ لا يمكن أنّ يخفى أَسْرُهُ إنَّ أُسِرَ، فحكْمُهُ حكم المفقودِ في حربِ المسلمينَ في الفِتَنِ. الثَالثُ: أنَّه يُحْكَم له بحُكْمِ المفقودِ في جميعِ الأحوالِ، فيضرب له الأَجل أربعة أعوام، ثمَّ تعتدُّ امرأته وتتزوّج، ولا يقسم ماله حتّى يَأتي عليه من الزَّمانِ ما لا يحيى إلى مِثلِهِ. حكى هذا القول ابنُ الموّاز. الرّابعُ: أنّه يُحْكَم له بِحُكْمِ المقتولِ في الزَّوجة، فتعتدُّ بعدَ التَّلَوُّمِ وتتزوَّج، وبحُكْمِ المفقودِ في مالِهِ فلا يقسم حتّى يُعْلَم موتُه، أو يأتِي عليه من الزَّمان ما لَا يحيى إلى مِثْلِهِ، وهو قول الأوزاعي. وتأوّل رواية أشهب عن مالك على ذلك، وهو بعيدٌ. وأمّا المفقود في حرب المسلمينَ في الفِتَنِ الْتي تكونُ بينهم، ففي ذلك قولان: أحدهما: أنَّه يُحْكَم له بِحُكْمِ المقتولِ، في زوجته وماله، فتعتدُّ امرأتُه ويقسم مَالُهُ، قيل: من يوم المعركة قريبة كانتَ أو بعيدة، وهو قول سحنون، وقيل: بعد أنّ يتلوّم له على قَدْرِ ما ينصرف مَنْ هَرَبَ أو انْهَزَمَ. فإن كانت المعركةُ على بُعْدٍ من بِلَادِهِ مثل إفريقية من المدينة، ضُرِبَ لامرأته سَنَة (١)، ثمَّ تعتدّ وتتزوج ويقسم ماله. وقيل: إنَّ العِدَّةَ داخلةٌ في التَلوُّم، واختلفَ في ذلك قول ابن القاسم والصّواب أنّ العِدّة داخلة في التَّلوُّم؛ لأنَّه إنَّما تلوّم له* مخافة أنّ يكون حُيَّا* (٢).

стр. 2682

باب ما جاء في الأقراء في عِدَّة الطّلاق وطلاق الحائض قال الإمام: القُرْءُ كلمةٌ محتملةٌ للحيضِ والطُّهْرِ. والأصلُ فيه، قولُه تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) وذلك راجعٌ على الطُّهْر؛ لأنَّه مذكَّرٌ، ولو أرادَ الحَيْضَ لقال: "ثلاث حيض" لأنّ الحَيْضَ مؤنَّثٌ. واتَّفقَ أهلُ اللُّغةِ على أنَّ القُرْءَ الوقتُ. والطّلاق الشّرعي: هو فُرقة الزّوجة. وذَكَرَ مالكٌ عن عائشة؛ أنَّ الأَقْرَاءَ الأَطْهَارُ (٢). الفقه في ثمان مسائل: المسألة الأُولى (٣): اختلفَ النَّاسُ من الفقهاء وأهلِ اللُّغة في الأقراء اختلافًا كثيرًا, ولا شكَّ في أنَّ زمانَ الحيضِ يُسمَّى قُرْءًا، كما أنَّ زمانِ الطُّهْرِ يُسمَّى قُرْءًا, ولكن نُوَضِّحُ أنَّ المرادَ في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٤) أنَّه زمانُ الطُّهْرِ، لثلاثَهِ أَوْجهٍ:

стр. 2683

أحدها: أنَّ حقيقةَ القُرْءِ اجتماعُ الدَّمِ، والدَّمُ إنّما يَجتمِعُ في مُدَّةِ الطُّهْرِ، والحَيْضُ هو سَيلَانُ ما اجتَمعَ. الثّاني: أنَّ الله يقولُ في كتابه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) وبَيَّنَ النّبيُّ ﷺ أنَّ الطّلاقَ في الطُّهْرِ لا في الحَيْضِ. الثّالث: أنَّ الأحكامَ ترتبطُ بأسبابِهَا، وسببُ العِدَّة الطّلاقُ، فيجبُ أنّ تكونَ مُقترِنةً به. وليس لأهل العراق ولا لغيرهم من المخالِفِينَ بعد هذا في الاعتراضِ عليه شيءٌ يَنْفَعُ (٢). ولذلك أَمَرَ النّبيُّ عبدَ الله بنَ عُمرَ حين طَلَّقَ امرأتَهُ وهي حائضٌ بالرَّجعة، لِئلّا تَطُولَ عليها العِدَّةُ، فإنّ زمانَ الحَيْضِ الّذي وقعَ الطَّلاقُ فيهِ لا يُحْتَسَبُ لها به، فيمضي عليه الطّلاقُ الّذي أَلْزَمه نفسَه، ويُجْبَرُ على الَّرَّجعةِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عن المرأةِ، فتجتمعُ الفائدتان. المسألةُ الثّانيةُ (٣): قال الإمام: والمُعتَدَّاتُ على ثمانيةِ أقسامٍ: الأوّل: مُعْتَادَةٌ، فهذه عِدَّتُها ثلاثةُ قُرُوءٍ، كما قال الله تعالى (٤)، أو وَضْعُ الحَمْلِ كما أخبر الله (٥). الثّاني: من تأخَّرَ حَيْضُها بمَرَضٍ (٦). الثَالث: من تأخَّرَ حَيْضُها لِرَضَاعٍ، فأمّا مَنْ تأخَّرَ حيضُها لمرضٍ، فتُقِيمُ تِسْعَةَ أَشهُرٍ، ثمَّ تأتي بثلاثةِ أَشْهُرِ عند الكُلِّ من علمائنا.

стр. 2684

وقال أَشْهَبُ: إنّما تَعْتَدُّ بعدَ السَّنَة، كما في قصَّةِ حَبَّانَ الّذي رواهُ مالك في "الموطَّأ" (١)، والمريضةُ والمُرْضِعُ سواءٌ. والصّحيحُ* هو الأوَّلُ. الرَّابعُ: من تأخّر حَيْضُها لغير شيءٍ، فإنّها تتربَّصُ سنةً ما لم تَرْتَبْ، فإذا ارتابت، تقيمُ عامين في قول عائشة (٢) وأهل العراق (٣)، وأربعٌ في قولٍ (٤)، وفي قول علمائنا إلى خمسٍ (٥)، وسَبْعٍ (٦)، فإن تمادت الرِّيبةُ، فلا تَحِلُّ أبدًا حتّى ينقطعَ، عند أشهبَ، والشّافعىّ* (٧)، وأبي حنيفةَ. وقد وقَعَت روايةٌ لمالكٍ، والصّحيحُ أنَّ الزِّيادةَ على مُدَّةِ الحملِ لا اعتبارَ لها؛ لأنّ مدَّةَ الحملِ لا تُعْلَم بدليل الشّريعة، وإنَّما تُعلمُ بِمُسْتَمِرٍّ من العادةِ. وقد زعموا أنّهم وَجَدوا الولادةَ بعدَ سبعةِ أعوامٍ من الوَطْءِ، ورَبُّك أعلمُ بما تُكِنُّ البطونُ. وقد سمعتُ من يقولُ: أقصى الحمل سبعة أشهرٍ، وهي نُكتَةً فلسفيَّةٌ، واعراضٌ عن الدِّيانة قَصِيَّةٌ، وخلافُ إجماعِ الأُمَّةِ، فلا ينبغي أنَّ يُلْتَفَتْ إليه. الخامس: المستحاضةُ، قال ابنُ القاسم وسعيد بن المُسَيَّب: تُقيمُ سَنَةً (٨). وقال غيرُهما: تقيمُ حتَّى تزولَ الرِّيبة. السَادس: صغيرةٌ، عدَّتُها ثلاثةُ أَشْهُرٍ (٩)، سواءٌ كانت حُرِّةً أو أَمَةً.

стр. 2685

وقال عبدُ الملك: في الأَمَةِ شهرٌ ونصفٌ. وقال غيرُهُ: شهران. وقد اتُّفِقَ على أنَّ عِدَّتُهَا في الوَفَاةِ شهرانِ وخمسُ ليالٍ. السّابع: اليائسةُ، وهي مِثلُها (١)، وقد نصَّ اللهُ عليها في مُحْكمِ كتابِه، فقال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الآية (٢). الثّامن: المشكلةُ، وهي الّتي قاربت من الصَّغيرة سِنَّ الحَيضِ، وقارَبَت من الكبيرةِ سنَّ انقطاع الدَّمِ، فتبني على الأَشْهرِ باتِّفاق من علمائنا إِلَّا إنَّ ارتابت، فإِنِ ارتابت فَتَحْصُلُ في القسمِ الرّابعِ وهي المُرتابةُ. المسألة الثّالثة: قال (٣) علماؤُنَا (٤) - رحمةُ اللهِ عليهم-: وإنّما شُرعَ الإِقراءُ ليعلم براءَة الرَّحمِ، وليغلب على الظَّنِّ براءته. فهذا حاضت حَيْضَة، كانت من العلّامات على براءَةِ الرَّحِمِ، فإذا حاضت الثّانية والثالثة، تأكَّدَ براءة الرَّحِمِ، فحلّت للأزواج ولم تنتظر بقيّة الحَيْضَة. وقال (٥) أهلُ العراقِ (٦): إنْ الأَقراءَ هي الحيض. والدَّليلُ على صحّةِ مذهبِ مالكٍ، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية (٧)، أي في مكان يعتددن به، كما قرأ ابنُ عمر: "فطلقوهنّ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ" (٨) وهي قراءة تُسَاقُ على طريقِ التَّفسيرِ (٩). وبَيَّنَ النَّبِيُّ ﵇ أنَّ ذلك أن يطلِّقها في طُهْرٍ لم يمسّها فيه (١٠)، فدلَّ ذلك على أنَّ الطُّهْرَ الّذي يطلِّقها فيه تعتدُّ به، وأنَّه من أقرائها, ولو

стр. 2686

كانت الأقراء الحيض- كلما قال أهل العراق- لكان المطَّلقُ في الطُّهْرِ مطلَّقاٌ لغير العِدَّةِ. ومن جهة المعنى: أنَّ الْقُرْءَ مأخوذٌ من قَرَيتُ الماءَ في الحَوْضِ، أي جمعتُه فيه، والرَّحِمُ يجمعُ الدَّمَ في مدَّةِ الطُّهْرِ، ثمَّ يرخيه في مُدَّة الحَيْضِ. وموضعُ الخلافِ إنّما هو: هل تحلُ المرأةُ بدخولها في الدَّمِ الثالثِ؟ أو بإنقضاء آخره؟ فمن قال: إنَّ الأقراء هي الأطهار، يقول: إنَّها تحلُّ بدخولها في الدِّم، ومن قال: إنَّها الحيض، يقول: إنّها لا تحلُّ حتّى تتمّ الحيضة. المسألة الرّابعة (١): وقد رَوَى يحيى بن يحيى في تفسير قراءة ابن عمر: "فَطَلِّقُوهُنَّ لِقُبُلِ عِدَّتهِنَّ " قال يحيى بن يحيى: قال مالك: يريدُ أنَّ يطلِّقَهَا في كلّ طُهْرٍ مَرَّةُ. قال أبو محمّد الأصيلي: لم يَرْوِ هذا التّفسير عن مالك إلّا يحيى بن يحيى. المسألة الخامسة (٢): قوله (٣): "أنّ ابنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وهيَ حَائِضٌ" يحتملُ أنَّ يثبت ذلك بإقرارها، أو بِبَيِّنَةٍ من النِّساءِ. فإن أَقَرَّتْ أنَّها حائضٌ، وأنكر ذلك الزَّوج، قال ابن سحنون عن أبيه: هي مُصَدَّقَةٌ في ذلك، وكذلك تُصَدَّق أيضًا المتوفَّى عنها زوجُها في العِدَّةِ، ولا يُكْشَفُ على الحائض، ولا يَنْظُر إليها النِّساء، وُيُجْبَر على الرَّجْعَةِ. ووَجْهُهُ: أنَّ هذا حكمٌ من الأحكامِ في الحيضِ، فكانت مُصَدَّقَة فيه مثل انْقِضَاء العدَّة.

стр. 2687

ورَوَى أَصْبَغُ عنِ ابنِ القاسمِ فيمن طلَّقَ امرأته، فقالت: طَلِّقَني في الحيضِ، فقال: بل وأنتِ طاهرةٌ، القولُ قولُه، ومعنى ذلك أنَّ تقولَهُ بعد ما طهرت، وإذا قالت قبل أنّ تُقِرّ بالطُّهْرِ فالقولُ قولُها. المسألة السّادسة (١): ولا يجوزُ أنّ يُصَالِحَ امرأتَهُ في الحيضِ، قاله ابنُ القاسمِ وأَشْهَب. وأمَّا الطّلاقُ الّذي يكونُ بغَلَبَةٍ من السُّلطانِ فيمن به جنُونٌ، أو جُذَامٌ، أو بَرَصٌ، أو عُنَّة، فقد قال مالك وابن القاسم: لا تُطَلَّق عليه في دَمٍ حَيْضٍ ولا نِفَاسٍ. والأَمَةُ تُعْتَقُ في الحيضِ لا تختار حتّى تَطُهر، فإن فعلت مَضَى. وأمّا المَوْلَى، فروَى أشهب عن مالك وابن القاسم: لا تُطَلَّق عليه في الحَيْضِ. وَرَوَى ابنُ القاسم عنه أنّها تُطَلَّقْ عليه. المسألة السَّابعة (٢): قوله (٣) "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا" يقتضِي وجوب الاِرْتجاعِ عليه، وذلك لازِمٌ ثمّ لكلِّ من طلَّقَ في الحيضِ أنَّ يراجِعَ إذا كان له عليها رَجْعَة. فأمّا "العِنِّين" فلا رَجْعَةَ له؛ لأنَّه طلَّقَ قبلَ الدُّخولِ، وأمَّا غيره فَلِزَوَالِ مُوجِبِ الطَّلاقِ، مثل أنَّ يُفِيقَ المجنونُ ويوسر المُعْسِرُ، وقد قال محمّد (٤): لِكُلِّ واحدٍ منهم الرَّجعة.

стр. 2688

قال: ومَن طلَّقَ منهم حائضًا أُجْبِرَ على الرَّجعةِ، خلافًا لأبي حنيفة (١) والشّافعيّ (٢) في قوليهما: يُؤْمَرُ بها ولا يُجْبَرُ. ودليلُنا: ما تقدَّمَ من قولِهِ "فَتِلْكَ الْعِدَّةُ التِي أَمَرَ اللهُ أنّ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاء" (٣). ومن جِهةِ المعنى: أنَّه مضارّ بتطويل العِدَّةِ، فمُنِعَ من ذلك وأُجْبِرَ على الرَّجْعَةِ. المسألة الثّامنة (٤): قولُه (٥): "حَتَّى تَطْهُرَ، ثمّ تَحِيضَ ثُمَّ تطْهُرَ، ثُمَّ إنَّ شَاءَ طَلَّقَ، وَإِنْ شَاءَ أمْسَكَ" قال البغداديون: معنى ذلك أنَّ يُمْسِكَها في الطُّهْرِ ليتمكَّنَ من الوَطءِ إِن شاءَ؛ لأنَّ مقصود النِّكاح المبتدأ والرَّجعة الوطءُ، فلذلك شُرعَ له أنَّ يُمسِكها في طُهْرٍ يكون له فيه الوَطءُ إِن شاءَ. قال اللهُ العظيم: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ (٦) وقال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ الآية (٧)، فَشَرَطَ الإصلاحَ (٨)، ومعناه: أنّ يكون على سُنَّةِ النّكاحِ، ولفظُ الرَّجعةِ يدلُّ على وقوع الطَّلاقِ، ولو لم يقع لقال: "مُرْهُ فَلْيُمْسِكْهَا" هكذا روى نافع عن ابن عمر، وهو أَثْبَتُ النَّاسِ. قوله: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا" الرَّجْعَةُ -بفتحِ الرَّاءِ- إذا طلَّقها تطليقة أو تطليقتين فراجَعَها رجعة، وأَصْلُهُ من الرُّجوعِ، أي راجعها بالنِّكاح، معناهُ: يرجع عن الطَّلاقِ رَجعةً -بالفتح- وهي بفعلة، والمبارأة مَأخوذةٌ من البراءَةِ، وهو أنّ يفترقَ أحدهما عن صاحبه عن غير عِوَضٍ منهما. ومن ذلك اشتقَّت البراءة النّبيّ بكتبها النَّاس بينهم.

стр. 2689

باب عِدَّة المرأة في بيتها اذا طُلِّقت فيه فقه في خمس مسائل: المسألةُ الأُولى (١): قوله (٢): "فَانْتَقَلَهَا عَبدُ الرَّحْمَنِ" يريدُ: مِنْ موضعِ عِدَّتِها، وذلك أنّ السُّكْنَى وإن كان حقَّا من حقوق الزَّوجيّة فإنّ المقصودَ منه حِفْظ النَّسَبْ، ولحقِّ الله تعالى به تعلُّقٌ، فليس للزّوجةِ إسقاطُهُ، وقد قال مالك: للمبتوتة السُّكنَى على زوجِها في العِدَّة (٣)، ويُحْبَس ويُباعُ عليه فيه مالُهُ. المسألةُ الثّانية (٤): فإن لم يكن له مالٌ، فقد قال مالك: ذلك عليها (٥)؛ لأنَّه إنَّما يجبُ عليه بشرطِ اليَسَارِ، فيكونُ عليها أنَّ تُسْكِنْ نَفْسَهَا كما عليها أنَّ تُنْفِق (٦)، وهذا في المدخولِ بها الّتي تُوطَأ، وإن كانت غير مدخولٍ بها، فَانْتَقَلَهَا أهلها لِعِلَّةٍ، لم يكن لها سُكْنَى في وَفَاةٍ ولا طلاقٍ، صغيرة كانت أو كبيرة، قاله مالك في "الموّازيّة". المسألةُ الثالثةُ (٧): فإن كانت أَمَة، فقد قال محمّد: لم يختلِف أصحابُنا أنَّ لها السُّكْنَى في الفراق، كان الزوجُ حرَّا أو عبدًا، إذا بُوِّئَتْ بَيْتًا.

стр. 2690

وقال مالك: تَعْتَدُّ حيثُ كانت، إنَّ كانت عند أهلها، (١) اعتدّت عندَهُم (٢)، وإن كانت عندهم بالنّهار، وتَبِيتُ عندَ زوجِهَا باللَّيلِ، اعتدَّت في منزله. قال أشهب: إنَّ كان يُنْفِق عليها، فعليه السُّكْنَى، وإلّا فلا (٣). ووجهُ ذلك (٤): أنَّ سُكْنَى العِدَّة معتبر بالسكنى في حالي الزّوجيّة. فإن لم يكن لها سُكْنَى في حالِ الزّوجيَّة وَوَقْتِ كمالِ النِّكاحِ، فلا يجبُ لها حال الفِراقِ. المسألة الرّابعةُ (٥): سؤالُه عن المطلّقة في بيتٍ بكراءٍ (٦)، يريدُ الّتي قد دخلَ بها زوجُها، وكان الطلاقُ رجعيًا، فقال سعيد: "الْكِرَاءُ عَلَيهِ" يريد كراء العِدَّةِ، وأمَّا كراء السُّكنَى في مُدَّةِ الزّوجيَّة فلا (٧)، لاتِّفاق الجميعِ على أنَّ السُّكنَى تجبُ على الزَّوجِ (٨). ولا خلافَ بين الفقهاء في الرَّجعيَ، وإن اختلفوا في البائن. ودليلُنا: قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ الآيةُ (٩)، والأمر يقتضي الوجوبَ، وإنَّما خُوطِبَ بذلك مَنْ طَلَّقَ، وقد كان الإنفاق والسُّكْنَى لازِمَيْنِ له قبلَ الطَّلاقِ، فلمَّا أُمِرَ بالسُّكْنَى بعدَ الطَّلاقِ، يقتضي ذلك أنَّ حُكْمَهُ بعدَ الطَّلاقِ غير حكم الإنفاق؛ لأنّ للزّوجة إسقاط النَّفَقَةِ قبلَ الطَّلاقِ وبعدَهُ، وليس لها إسقاط السُّكْنَى ولا نقله عن مَحَلِّهِ. وقد رُوِيَ عن عمر (١٠) وابنِ مسعودٍ (١١)، أنَّ المَبْتُوتَةَ لها النَّفَقَة والسُّكْنَى خاصَّة.

стр. 2691

وأمّا النَّفَقَة، فتختصُّ بالحامل، قال الله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ الآية (١). وقد ذهبت طائفةٌ إلى أنَّه ليس لها سُكْنَى ولا نَفَقَة، وقد قال مالك وجمهور الفقهاء: إنَّ لها السُّكْنَى فقط، لقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ الآية. باب ما جاءَ في نَفَقَةِ المُطَلَّقةِ قال (٢) الإمامُ: هذه المسألةُ وأقرانُها مِنْ ذِكْرِ العِدَّةِ والاسْتِرْضَاعِ أحْكَمَها اللهُ في "سُورة النِّساءِ الصُّغْرَى" (٣). الفقه في أربع مسائل: المسألةُ الأوُلى (٤): قوله (٥): "أنَّ أبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ" يريد آخر طَلْقَة بَقِيَتْ له، وقد بَيَّنَ ذلك الزُّهريّ (٦) فى روايَتِهِ عن عُبَيْدِ الله؛ أنَّ أبا عَمْرٍ بن حَفص أرسلَ امرأَتَهُ فاطمة بنت قّيْس بتطليقةٍ كانت بقيت لَهُ. وقول رسول الله ﷺ لها: "وَليسَ لَكِ نَفَقَةٌ" هذا بَيِّنٌ في أنَّ المبتُوتَةَ غير الحاملِ لا نَفَقةَ لها، خلافًا لأبي حنيفة والثّوريّ (٧) في قولهما: لكُلِّ مطلَّقةِ النَّفَقَة في العِدَّة. ودليلُنا: قولُه ﵇ لفاطمة بنت قَيْس: "ليْسَ لَكِ نَفقَةٌ". ومن جهة المعنى: أنّها بائِنٌ بالطّلاقِ، فلم تجب لها النَّفَقَة، كغير المدخول بها.

стр. 2692

المسألةُ الثّانيةُ (١): فإن كانت حاملًا، فلها النَّفَقَةُ من أجلِ الحملِ، قال اللهُ العظيم ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ الآية (٢)، وهذه روايةُ أبي سَلَمَة، وهي أصحّ من روايةِ أهلِ الكُوفةِ: الشّعبيّ (٣) وغيره (٤)؛ أنَّ رسول الله قال: "لانَفَقَة لَكِ وَلَا سُكْنَى" وإنّما هو تأويلٌ ممّن رَوَى ذلك، أو رَوَى عنه على المعنى دونَ لَفْظِ الحديث، لّما أَمَرَهَا رسولُ اللهِ أنَّ تعتدَّ في بيتِ أُمِّ شَرِيكٍ أَوْ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وأبو سَلَمَة نقلَ كلّ واحدٍ من الحُكْمَينِ على وجهه، والله أعلم. المسألة الثالثةُ (٥): قوله (٦):"وَاعْتَدَّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ" يقتضي اختصاص هذه السُّكْنَى بمدّة العِدَّةِ، وأنّها أمرٌ لازِمٌ لها، وبَدَلٌ من الاعتداد في بيت زوجها، وَرُوِيَ أنَّ ذلك كان لعلّة (٧). المسألة الرّابعة: وأمّا السُّكْنَى، فلا خلافَ فيه على ما قدّمناهُ، ولا يجوزُ له أنَّ يُخْرِجَها منه إِلَّا أنّ تأتي بفاحشةٍ مُبَيِّنَةٍ. كلُّ ما كان في القرآن فاحشة مُبَيِّنَة فهو البذاء من اللِّسان (٨)، وهذا (٩) يقتضي أنّ من الفاحشة ما ليست ببيِّنَةٍ، وليس ذلك الزِّنَا في قول من قال ذلك؛ لأنّ أمر

стр. 2693

الزِّنا واحدٌ، إذا غابت الحَشَفَةُ في الفَرْجِ وَجَبَ الرَّجْمُ، وإلى هذا ذهب ابنُ عبّاس، وقال: لو كان الزِّنا الفاحشة كما يقولونَ أُخْرِجَت فَرُجمَتْ، وإنّما الفاحشةُ النُشُوزُ (١) وسوءُ الخُلُقِ. قال عبد الوهّاب: فإذا كَثُرَ النُّشُوزُ بينهُمَا ولم يطمع في إِصْلاحِهِ انتقلت إلى مسكن غَيْرِه. فصل (٢) قال ابنُ العربيِّ: وقولُه تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ الآية (٣)، فصارتِ الإقامةُ بالبيتِ حقًّا للهِ تعالى، لا يجوزُ للزّوج ولا للمرأةِ إسقاطُه، خلافًا للضَّحَّاكِ. ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٤) وأصحُّ ما قيل في الفاحشةِ أنَّها كلُّ معصيةٍ، وهو الّذي اختاره الطَّبريّ (٥)، ومن جُملتها البَذَاءُ على الأهلِ، ولهذا المعنَى خرَجَتْ فاطمةُ بنتُ قيسٍ عن بيتها. والنَّفقةُ واجبةٌ لها -كما قال مالك- إن كانت رجعيّةً بكلِّ حالٍ (٦)، وإن كان بائنًا فليس على حرٍّ ولا عبدٍ طلَّقَ مملوكةٌ نَفَقَةٌ، ولا عبدٍ طلَّقَ حُرَّةً طلاقًا بائنًا. باب عِدَّة الأَمَة في طلاق زوجها الفقه في ثلاث مسائل: المسألةُ الأُولى: قولُه (٧):"في طلَاقِ الْعَبْدِ الأَمَةَ إِذَا أُعتِقَتْ فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الأَمَةِ" وهو كما قال،

стр. 2694

وهذا إذا كان الطّلاقُ رجعيًا أو بائنًا فإنّها تتمادَى. وقال بعضُ أشياخِنَا (١): الأَمَةُ إذا طلَّقها زوجُها ثمَّ عُتِقَتْ، فإنّها لا تنتقلُ إلى عِدَّةِ الحُرِّة، وفيه قولٌ واحدٌ؛ لأنّ الحُكْمَ ثبتَ عليها وهي أَمَةٌ، فلا يبطلُ العِتْقُ ما وَجَبَ عليها من الطَّلاقِ، وكالكافرِ إذا قَتلَ الكافرَ ثمَّ أسْلَمَ، فإنَّه لا يَسْقُطُ عنه القتلُ بإسلامه، إِلَّا أنَّ ابنَ القاسمِ خالفَ أصلَهُ في الظِّهارِ، وذلك أنَّه قال: إنَّ الرَّجُل إذا ظَاهَرَ يلزمُه العِتْق، فإن كان لا يجد الرَّقَبَةَ، انتقلَ إلى الصّومِ، فإنْ مَضى له من الصَّومِ يَسيرٌ، وَوَجَدَ له رَقَبَة، رَجَعَ إليها، فإن كان مَضَى له كثيرٌ، فإنّه يُتِمُّ الصَّومَ. المسألةُ الثّانيةُ: وأمَّا عِدَّةُ الأَمَةِ، فإنَّها حَيْضَتَانِ لإجماعٍ من الأُمَّةِ (٢). فإن قيل: لم لا تكونُ حَيضَة ونصف، إذِ الأَمَةُ في الحُيْضِ والطّلاق على النِّصفِ من الحُرِّة. فالجواب: أنَّها لا تتبعَّض، فلذلك تَمَّت حيضتين. فإن قيل: فلم لا تكونُ في واحدةٍ؟ فالجواب: أنَّه غَلَبَ الحَظْرُ على الإباحة. المسألة الثّالثة: وأمّا استبراءُ الرَّحِمِ، فإنَّه بحَيْضَةٍ واحدةٍ. فإن قيل: فلأيِّ شيءٍ جُعَلَت الثّلاثةُ في الحُرّةِ والاثنانِ في الأَمَة؟ قلنا: الزّائدُ على الواحدةِ عبادةٌ، وزِيدَتِ الحرّةُ على الأَمَةِ بواحدةٍ. والدّليل على أنَّ الرَّحِمَ يستبرىء بحيضة واحدةٍ أنَّ الأَمَةَ توطأ بعدَ استبرائها بِحَيْضَةٍ. باب ما جاء في الحَكْمَيْنِ قال (٣) الإمامُ: هذه مسألةٌ نصَّ اللهُ عليها، وحَكَمَ بها عند ظُهورِ الشِّقاقِ بين الزَّوجينِ واختلافِ ما بينَهُمَا، وهي مسألةٌ عظيمةٌ اجتمعتِ الأُمَّةُ على أصلها في البعث،

стр. 2695

وإن اختلفوا في تفاصيل ما يَتَرَتَّبُ عليه، ومن جملةِ اختلافِهِمْ في قوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ (١) فهل المراد الزّوجان أم الحَكَمَانِ؟ فأدخل مالك (٢) قول على - رضي اللهُ - عنه أنَّ المرادَ به الحَكَمَانِ، وهو الصّحيحُ؛ لأنّ الكلامَ مُرْتَبِطٌ بهِمَا، مَعْطُوفٌ عليهما، مُجَاوِرٌ لَهُمَا، فهو بهما أَلْيَقُ، وَرُجُوعُهُ عليهما أَحَقُّ، وقد بيَّنَّا ذلك في "كتاب الأحكام" (٣) وبسطناهُ كما يجبُ، وعجبًا لأهلِ بلادنا حيث غَفَلُوا عن مُوجِبِ الكتابِ والسُّنَّةِ في ذلك، وقالوا: يُجعَلان على يَدَي أمينٍ، وفي هذا من مُعَانَدَةِ النَّصِّ مالًا يَخْفَى عليكم، فإمَّا إذا وقعَ الشِّقَاقُ بينهُمَا لأَجْلِ المَسِيسِ فاتَّفَقَا على أنَّه لايَمَسُّها، فإنَّ العلّماءَ اتَّفقوا على أنَّه يُضْرَبُ له أجلُ سَنَةٍ من يومِ تَرَافُعِهِ، قال علماؤنا: يُخْتَبَرُ بها حالُهُ في الأَزْمِنَةِ الأربعة المتغايرةِ في السَّنَة، هل يستطيعُ فيها مَسِيسًا أم لا؟ فإن تبيَّنَ عَجْزُهُ فيها حِيلَ بينَهُ وبينَها، على ما يأتي بيانُه في موضعه إنَّ شاء الله. الفقه في أربع مسائل: المسألةُ الأُولى: (٤) الأصلُ في هذا الباب قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ الآية (٥)، ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ المُخَاطَبَ بقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ الحُكّام، والمراد بقوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا﴾ أنّهما الحَكَمَانِ، ومن صِفَاتِهِمَا الّتي هي شرطٌ في صِحَّةِ كونهما حَكَمَيْنِ: الإسلام، والبلوغ، والحرية، والذّكُورية، فإن عُدِمَ شيءٌ من ذلك، لم يجُزْ تحكيمهما برضَا الزَّوجينِ ولا ببعثة السْلطان، قاله مالك (٦)، وكذلك العدالةُ، ولهُمَا صفاتٌ أُخَر

стр. 2696

هي من صفاتِ كَمَالِهِمَا، أنّ يكونا من أهلِهِمَا، وأن يكونا فقيهينِ عَدْلَينِ. ومتَى نقصَ من هذه الأربعة شيءٌ لم يكونا حَكَمَيْنِ. وأمّا أنّ يكونا فقيهينِ فَمُسْتَحَبٌّ، وكونُهُمَا عَدْلَينِ يُغْنِيَ عن ذلك، ولأجل ذلك قال مالك: ينبغي أنَّ يكونَ القاضي فقيهًا، فان فاتَهُ الفقه، فليكُن عَدْلًا؛ لأنَّه إنَّ كان عَدْلًا أمسكَ عمّا لا يُحْسِن وتَكَلَّمَ فيما يُحْسِن، وإن كان غير عَدْلٍ حَكَمَ برأيِهِ وَهَوَاهُ. وَلْيَكُونَا من أهلهما، فإن لم يوجدا عَدْلَينِ فليكونا من غير أهلهما من الجيران، ويُنْظَرانِ فإن رَأَيَا أنَّ يُصْلحَا صلحا، وإن رَأَيَا أنّ يُفَرِّقَا ,ولا يحتاجَانِ إلى اختيار الزَّوجِ في الفِرَاقِ، خلافًا للشّافعي (١) وأبي حنيفة (٢). والدّليلُ على ذلك، قولُه: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾ الآية (٣)، فسمَّاهُ حَكَمًا، فلو افتقرَ إلى رِضا الزَّوجِ لم يكن حَكَمًا وإنّما هو وكيلٌ. واحتجَّ أبو حنيفة بقول عليّ بن أبي طالب، وذلك أنَّه قال للزَّوج: "أَتُحِبُّ أنّ تَذْهَبَ مَعَكَ؟ فَقَالَ: لَا" ولا حُجَّةَ لهم في ذلك، بل هي حُجَّة عليهم؛ لأنّ عليَّا ﵁ قال: "لَتَذْهَبَنَّ مَعَكَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِكَ" (٤). المسألةُ الثّانية (٥): قولُه: ﴿فَابْعَثُوا﴾ (٦) قيل: هو خطابٌ للحُكَّامِ، ويحتملُ على مذهبِ مالكٍ أنّ يكونَ خطابًا لوَلِيِّ اليتيمينِ، وذلك أنَّه ليس لأحدٍ أنّ يبعث الحَكَمَيْنِ إلّا الحاكمُ أو الزَّوجانَ، أو أولياء الزّوجين إنَّ كانا محجورين، وهذا معنَى ما في "المُدَوّنة" (٧).

стр. 2697

وإنّ وَجْهَ نَظَرِ الحَكَمَيْنِ أنَّ يَنْظُرا في أمرِهِمَا، فإن رَأَيَا الإِساءَةَ من قَبَلِهِ فُرَّقَا بينهُما، وان رأيا الإساءة من قِبَلِهَا تركاهُما. وإنّما يحكُمَانِ على وجهِ الحُكمِ لا على وجهِ الوَكَالَةِ والنِّيابةِ، فينفذ حكمُهُمَا. وحُكمُ الحَكَمَيْنِ باقٍ إلى يومِ القيامةِ، لم يُرْفَع حُكمُهُ ولا فُسِخَ أَمْرُهُ. باب يمينِ الرَّجُلِ بِطَلاقِ ما لم يَنْكِحْ الفقه في تسع مسائل: المسألةُ الأوُلى (١): "فيمن حَلَفَ بِطَلاقِ امْرَأَةٍ قَبْلَ أنّ يَتَزَوَّجَهَا" (٢) يريد إن أضَافَ الطَّلاقَ إلى النِّكاحِ، وأمّا إذا لم يضفه فإنّه لا يلزم، مثل أنَّ يقول لأجنبية: أنت طالقٌ، ثمّ يتزوَّجها، فهذا لا خلافَ أنّه لا يلزمه شيءٌ. قال ابن حبيب: هذا مجتمعٌ عليه، وإنّما يلزم إذا قال: إنَّ تزوّجتُك فأنت طالق. المسألة الثّانية (٣): فإذا أضافَهُ إلى النِّكاح، فالّذي ذهب إليه مالك وأبو حنفية (٤)؛ أنَّ ذلك يلزمه في التّعيين. وقال الشّافعيّ: لا يلزمه شيءٌ من ذلك (٥). وقد روى ابنُ وَهْبٍ عن مالك؛ أنَّه أفتى رجُلًا حَلَفَ بذلك، أنّه لا شيءَ عليه إن

стр. 2698

تزوّجها، قاله ابن وَهْب (١). المسألة الثّالثة (٢): ولو قال: كلُّ امرأةٍ أتزَوَّجُها إِلَّا فلانة طالقٌ، فإن كانت الّتي استثنى زوجته (٣)، قال ابنُ القاسِم: يلزمه، وكأنَّه قال: مَعَكِ، بخلاف إذا لم تكن تحته. قال محمّد: لا شيءَ عليه في الوَجْهَينِ، رُويَ نحوه عن ابن القاسم (٤). والَّذي يقول: كلُّ امرأةٍ أتزوَّجُ إِلَّا فلانة طالقٌ، اختلف فيه مالك وأصحابُهُ، فَرَوَى عنه المصريّون ألَّا شيء عليه كمن عمَّ (٥). وكذلك إذا استثنى ذات زوج؛ لأنَّه راجٍ أنّ تتخلّى من الزّوج فيتزوَّجُها، وكذلك لو

стр. 2699

تزوَّجَها فطلَّقَها البتَّةَ للزمته اليمين، إِلَّا أنّ يتزوّجها في عِدَّةٍ، فتحرمُ عليه تحريمًا مؤبَّدًا. وقال مُطَرِّف: إنَّ كانت ذات زوجٍ، أو تزوَّجَها فَأبَتَّها, لم تلزمه اليمين، ولو طلَّقَها طلقةً أو طلقتين لزمته اليمين. المسألة الرّابعة (١): ومن قال: كلُّ ثَيَّبٍ أتزوَّجُها طالقٌ، ثمّ قال: كلُّ بِكرٍ أتزوَّجُها طالقٌ، فرَوَى عيسى عنِ ابنِ القاسمِ؛ أنَّه لا تلزمُه الثّانية (٢). ورَوَى ابنُ وهبٍ عن مالك: تلزمُه اليمينان (٣). فرعٌ (٤): ومن حَلَفَ ألَّا يتزوّج بالإسكندريَة، فلا يخلو أنَّ ينويها وعملها (٥)، أو ينويها خاصّة، أو لا ينوي شيئًا، فإن نواها لزمه ذلك، وإن نواها خاصّة ففي "كتاب ابن حبيب" (٦): إنَّ نَوَى الحاضرة لزمه فيمن على مسافة الجمعة. قال ابنُ كنانة وابن الماجِشُون وأَصْبَغ قالوا: وإن لم ينوِ شيئًا لزمه في مسيرة يومٍ حتّى يجاوز أربعين ميلًا حيث يمكن تقصير الصّلاة. المسألة الخامسة (٧): ومن حَلَفَ بطلاقِ من يتزوّجها بالمدينة، ففيإ "العتبيّة" (٨) عن ابنِ القاسم: لا بأسَ

стр. 2700

أنَّ يُوَاعِدَ بالمدينة ويعقد نكاحها بغيرها. ووجهُ ذلك: أنَّ المُرَاعَى عقد النّكاح، فإذا انعقدَ بغيرها فلا حِنْثَ عليه (١). المسألةُ السّادسةُ (٢): فيمن حَلَفَ بطلاقِ من يتزوّجها من أهل مصر، فتزوَّجَ مَنْ أبوها مصريٌّ وأمّها شاميّةٌ، قال ابن أبي حازم (٣): يَحنثُ، والولد تبعٌ للأبِ دونَ الأُمِّ. المسألة السّابعة (٤): ومن حَلَفَ فقال: كلُّ امرأةٍ أتزوَّجُها حياتي فهي طالقٌ، لم يلزمه شيءٌ. ولو ضَرَبَ أجلًا، فقد رَوَى ابنُ حبيب عن ابنِ الماجِشُون (٥): إن كان ممّن يُشبه أنّ يعيش إلى ذلك الأَجل لزمه، وإلّا لم يلزمه، والتَّعميرُ في ذلك تسعونَ سنة. وقال محمّد (٦): العشرون سنة كثير يتزوّج. وقال مالك: لا يتزوّج فيها (٧)، إِلَّا أنَّ يخاف العَنَتَ. فرعٌ (٨): ومن قال لامراته: أنتِ الطّلاق (٩)، يلزمُه ذلك على ما قال، ولا خلافَ فيه إذا وقع على هذا الوجه. وقوله: كُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا طَالِقٌ (١٠)، لا يلزمه (١١).
следующие страницы →