← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

هي من صفاتِ كَمَالِهِمَا، أنّ يكونا من أهلِهِمَا، وأن يكونا فقيهينِ عَدْلَينِ. ومتَى نقصَ من هذه الأربعة شيءٌ لم يكونا حَكَمَيْنِ. وأمّا أنّ يكونا فقيهينِ فَمُسْتَحَبٌّ، وكونُهُمَا عَدْلَينِ يُغْنِيَ عن ذلك، ولأجل ذلك قال مالك: ينبغي أنَّ يكونَ القاضي فقيهًا، فان فاتَهُ الفقه، فليكُن عَدْلًا؛ لأنَّه إنَّ كان عَدْلًا أمسكَ عمّا لا يُحْسِن وتَكَلَّمَ فيما يُحْسِن، وإن كان غير عَدْلٍ حَكَمَ برأيِهِ وَهَوَاهُ. وَلْيَكُونَا من أهلهما، فإن لم يوجدا عَدْلَينِ فليكونا من غير أهلهما من الجيران، ويُنْظَرانِ فإن رَأَيَا أنَّ يُصْلحَا صلحا، وإن رَأَيَا أنّ يُفَرِّقَا ,ولا يحتاجَانِ إلى اختيار الزَّوجِ في الفِرَاقِ، خلافًا للشّافعي (١) وأبي حنيفة (٢). والدّليلُ على ذلك، قولُه: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾ الآية (٣)، فسمَّاهُ حَكَمًا، فلو افتقرَ إلى رِضا الزَّوجِ لم يكن حَكَمًا وإنّما هو وكيلٌ. واحتجَّ أبو حنيفة بقول عليّ بن أبي طالب، وذلك أنَّه قال للزَّوج: "أَتُحِبُّ أنّ تَذْهَبَ مَعَكَ؟ فَقَالَ: لَا" ولا حُجَّةَ لهم في ذلك، بل هي حُجَّة عليهم؛ لأنّ عليَّا ﵁ قال: "لَتَذْهَبَنَّ مَعَكَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِكَ" (٤). المسألةُ الثّانية (٥): قولُه: ﴿فَابْعَثُوا﴾ (٦) قيل: هو خطابٌ للحُكَّامِ، ويحتملُ على مذهبِ مالكٍ أنّ يكونَ خطابًا لوَلِيِّ اليتيمينِ، وذلك أنَّه ليس لأحدٍ أنّ يبعث الحَكَمَيْنِ إلّا الحاكمُ أو الزَّوجانَ، أو أولياء الزّوجين إنَّ كانا محجورين، وهذا معنَى ما في "المُدَوّنة" (٧).

стр. 2697

وإنّ وَجْهَ نَظَرِ الحَكَمَيْنِ أنَّ يَنْظُرا في أمرِهِمَا، فإن رَأَيَا الإِساءَةَ من قَبَلِهِ فُرَّقَا بينهُما، وان رأيا الإساءة من قِبَلِهَا تركاهُما. وإنّما يحكُمَانِ على وجهِ الحُكمِ لا على وجهِ الوَكَالَةِ والنِّيابةِ، فينفذ حكمُهُمَا. وحُكمُ الحَكَمَيْنِ باقٍ إلى يومِ القيامةِ، لم يُرْفَع حُكمُهُ ولا فُسِخَ أَمْرُهُ. باب يمينِ الرَّجُلِ بِطَلاقِ ما لم يَنْكِحْ الفقه في تسع مسائل: المسألةُ الأوُلى (١): "فيمن حَلَفَ بِطَلاقِ امْرَأَةٍ قَبْلَ أنّ يَتَزَوَّجَهَا" (٢) يريد إن أضَافَ الطَّلاقَ إلى النِّكاحِ، وأمّا إذا لم يضفه فإنّه لا يلزم، مثل أنَّ يقول لأجنبية: أنت طالقٌ، ثمّ يتزوَّجها، فهذا لا خلافَ أنّه لا يلزمه شيءٌ. قال ابن حبيب: هذا مجتمعٌ عليه، وإنّما يلزم إذا قال: إنَّ تزوّجتُك فأنت طالق. المسألة الثّانية (٣): فإذا أضافَهُ إلى النِّكاح، فالّذي ذهب إليه مالك وأبو حنفية (٤)؛ أنَّ ذلك يلزمه في التّعيين. وقال الشّافعيّ: لا يلزمه شيءٌ من ذلك (٥). وقد روى ابنُ وَهْبٍ عن مالك؛ أنَّه أفتى رجُلًا حَلَفَ بذلك، أنّه لا شيءَ عليه إن

стр. 2698

تزوّجها، قاله ابن وَهْب (١). المسألة الثّالثة (٢): ولو قال: كلُّ امرأةٍ أتزَوَّجُها إِلَّا فلانة طالقٌ، فإن كانت الّتي استثنى زوجته (٣)، قال ابنُ القاسِم: يلزمه، وكأنَّه قال: مَعَكِ، بخلاف إذا لم تكن تحته. قال محمّد: لا شيءَ عليه في الوَجْهَينِ، رُويَ نحوه عن ابن القاسم (٤). والَّذي يقول: كلُّ امرأةٍ أتزوَّجُ إِلَّا فلانة طالقٌ، اختلف فيه مالك وأصحابُهُ، فَرَوَى عنه المصريّون ألَّا شيء عليه كمن عمَّ (٥). وكذلك إذا استثنى ذات زوج؛ لأنَّه راجٍ أنّ تتخلّى من الزّوج فيتزوَّجُها، وكذلك لو

стр. 2699

تزوَّجَها فطلَّقَها البتَّةَ للزمته اليمين، إِلَّا أنّ يتزوّجها في عِدَّةٍ، فتحرمُ عليه تحريمًا مؤبَّدًا. وقال مُطَرِّف: إنَّ كانت ذات زوجٍ، أو تزوَّجَها فَأبَتَّها, لم تلزمه اليمين، ولو طلَّقَها طلقةً أو طلقتين لزمته اليمين. المسألة الرّابعة (١): ومن قال: كلُّ ثَيَّبٍ أتزوَّجُها طالقٌ، ثمّ قال: كلُّ بِكرٍ أتزوَّجُها طالقٌ، فرَوَى عيسى عنِ ابنِ القاسمِ؛ أنَّه لا تلزمُه الثّانية (٢). ورَوَى ابنُ وهبٍ عن مالك: تلزمُه اليمينان (٣). فرعٌ (٤): ومن حَلَفَ ألَّا يتزوّج بالإسكندريَة، فلا يخلو أنَّ ينويها وعملها (٥)، أو ينويها خاصّة، أو لا ينوي شيئًا، فإن نواها لزمه ذلك، وإن نواها خاصّة ففي "كتاب ابن حبيب" (٦): إنَّ نَوَى الحاضرة لزمه فيمن على مسافة الجمعة. قال ابنُ كنانة وابن الماجِشُون وأَصْبَغ قالوا: وإن لم ينوِ شيئًا لزمه في مسيرة يومٍ حتّى يجاوز أربعين ميلًا حيث يمكن تقصير الصّلاة. المسألة الخامسة (٧): ومن حَلَفَ بطلاقِ من يتزوّجها بالمدينة، ففيإ "العتبيّة" (٨) عن ابنِ القاسم: لا بأسَ

стр. 2700

أنَّ يُوَاعِدَ بالمدينة ويعقد نكاحها بغيرها. ووجهُ ذلك: أنَّ المُرَاعَى عقد النّكاح، فإذا انعقدَ بغيرها فلا حِنْثَ عليه (١). المسألةُ السّادسةُ (٢): فيمن حَلَفَ بطلاقِ من يتزوّجها من أهل مصر، فتزوَّجَ مَنْ أبوها مصريٌّ وأمّها شاميّةٌ، قال ابن أبي حازم (٣): يَحنثُ، والولد تبعٌ للأبِ دونَ الأُمِّ. المسألة السّابعة (٤): ومن حَلَفَ فقال: كلُّ امرأةٍ أتزوَّجُها حياتي فهي طالقٌ، لم يلزمه شيءٌ. ولو ضَرَبَ أجلًا، فقد رَوَى ابنُ حبيب عن ابنِ الماجِشُون (٥): إن كان ممّن يُشبه أنّ يعيش إلى ذلك الأَجل لزمه، وإلّا لم يلزمه، والتَّعميرُ في ذلك تسعونَ سنة. وقال محمّد (٦): العشرون سنة كثير يتزوّج. وقال مالك: لا يتزوّج فيها (٧)، إِلَّا أنَّ يخاف العَنَتَ. فرعٌ (٨): ومن قال لامراته: أنتِ الطّلاق (٩)، يلزمُه ذلك على ما قال، ولا خلافَ فيه إذا وقع على هذا الوجه. وقوله: كُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا طَالِقٌ (١٠)، لا يلزمه (١١).

стр. 2701

ولو حَلَفَ بطلاقِ امراتِهِ إنَّ تزوَّجَها، ثمّ حَلَفَ إنَّ تزوّج تميميّة فهي طالقٌ، وتلك المرأة من تميم، فتزوَّجَها، فقال محمّد: يقعُ عليها طلقتان. ووجهُهُ: أنَّ اليمينَ الأوَّلَ غير الثّاني، فلمّا حَنَثَ بهما لزمه طلقتان (١). وعلى قول أشهب: لا يلزمُه غير طلقة؛ لأنّها يمينٌ متكَرِّرَةٌ في عين واحد. المسألة الثّامنة: وأمَّا طلاقُ السّكْران، فواقعٌ بإجماعٍ من المذهبِ (٢)، وكذلك إذا بلغ إلى حالةٍ لا يعقلُ فيها، إلّا عند ابنِ عبدِ الحَكَمِ فإنَّه قال: لا يقعُ طلاقُه إذا لم يعقِلْ. وأمَّا طلاقُ المُكْرَهِ، فإنَّه لا يلزمه عندنا (٣)، خلافا لأبي حنيفة (٤). وعلى ذلك دليلان: أحدهما: قول النّبي ﵇: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَاُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ" (٥). وهو ضَعِيفٌ. والدّليلُ الثّاني -وهو قول أبي حنيفة-: إذا حَلَفَ الرَّجُلُ مُكْرَهًا أنّه لا يلزمه شيءٌ, فخالَفَ أصلَهُ في هذه المسألة. المسألة التّاسعة: في طلاق الهازل قال الإمامُ: لستُ أعلمُ خلافًا في المذهبِ في لزومه (٦)، وإنَّما اختلف قول مالك

стр. 2702

في نكاح الهازل، فقال عنه أبو زيد (١): لا يلزمه، والمسالةُ عويصةٌ جدًّا (٢). باب الأيمَان بالطّلاق (٣) الفقه في عشر مسائل: المسألة الأولى (٤): في رَجُلٍ حلَفَ بالطّلاقِ لامرأته ألَّا يُخرِجَها من منزِلِهَا إِلَّا برِضَاها وَرِضَا أخيها وأختها، فرضيتِ المرأةُ أنَّ تخرُجَ مع زوجِهَا، وأَبَى الأخُ والأختُ، وقالت المرأةُ: إنَّما أخَذتُما هذا لي، قال: لا تخرج معه إِلَّا باجتماعهم على الرِّضا. قلنا له: فإن أرادت أنَّ تخرج زائرة وتقيم العشرة والعشرين؟ فقال: إنَّ كان إنّما كان أصل نيَّته على النّقلة فلا شيءٍ عليه في الزّيارة، وإن كان لم ينوِ شيئًا فلا تخرج. المسألةُ الثّانية: مَنْ حلَفَ بالطّلاقِ ألَّا تخرج امرأته من الدّارِ سنة، فجاء سَيْلٌ فخرجت إلى دارٍ

стр. 2703

أخرى، قال: لا أرى عليه شيئًا إذا رجعت إلى دارها بعد زَوَالِ السَّيْلِ (١)، فإن خرجت بعد رجوعِهَا فهي طالقٌ. المسألة الثّالثة: فيمن حلفَ بالطّلاق، فقال لامرأته: أنت طالقٌ إنَّ خَرَجتِ، ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... المسألةُ الرّابعة: ذَكَرَ مالكٌ في الّذي يشتري ثوبًا لامرأته فكرهته، فحلف ألَّا تلبسه، فردّه .... ... ... فلبسته. فقال مالك: هو حانِثٌ، إِلَّا أنَّ يكونَ نوى أو أراد ألَّا تلبسه من ماله، وإلّا فهو حانثٌ (٢). المسألةُ الخامسةُ (٣): قال ابنُ القاسم في رَجُلٍ قال لامرأته: إنَّ مكَّنْتِنِي من رأسكِ أَحْلِقْهُ، أو قال: إن مَكَّنَتِني من حَلْقِ رأَسِكِ فحلَقْتُه فأنتِ طالقٌ، فَأَمْكَنَتْهُ فلم يحلِقْ، قال: امرأتُه طالقٌ. قلت: فلو أراد أنَّ يحلق بعد ذلك وأَمْكَنَتهُ امرأته، قال: ينفعُهُ ذلك وقد حَنِثَ. وقال ابنُ وهبٍ مثله. المسألة السّادسة: قال الرَّجلُ لامرأته: أنتِ طالق يوم يجيء أبي، فإنَّه يمسّ امراته حتّى يجيء أبوه،

стр. 2704

فإن جاء أبوه طلقت عليه (١). المسألة السّابعة: سُئلَ عن العبدِ يقولُ: كلُّ امرأةٍ أتزوّجُها مادمتُ عبدًا فهي طالقٌ، أو يقول: كلُّ امرأةٍ أتزوّجها في أرضِ الإسلام فهي طالقٌ. أو الحرُّ يقول: كلُّ حُرَّةٍ أتزوّجُها ما دمتُ حرا فهي طالقٌ، فإن ذلك يلزمُه؛ لأنّ ذلك أجلٌ بمنزلة الّذي يقول: كلّ امرأة أتزوّجها ما كانت أمِّي حيّة فهي طالقٌ، فهي على مِثْلِ ما قال؛ لأنّ ذلك أجلٌ، فهو بمنزلته وأشدّ. فإن قلت: إنَّ ذلك قد حرَّم النّساء كلهنّ ما دام عبدًا، فليس له أنّ يحرّم النّساء جميعًا. المسألة الثّامنة (٢): قيل لأشهب: الرّجل الّذي يقول للرّجل: احلف لي بالطّلاق، فيقول له: الحلال علىَّ حرامٌ، ويُحَاشِي امرأته، فقال: لا شيءَ عليه. وفي رواية أَصْبَغ أنّها البتَّة. المسألة التّاسعة (٣): وفي الرّجل الّذي يقول لامرأته: أنت طالق أربعًا إِلَّا ثلاثًا، فهي ثلاثٌ. (٤) لو قال: أنت طالق مئة طلقة إلّا تِسْعًا وتسعين، فهي ثلاثٌ (٥).

стр. 2705

المسألة العاشرة: في الرَّجلِ يقول لامرأته: أنت طالقٌ إنَّ شئتِ، فقالت: قد شِئْتُ إنَّ شاءَ فلانٌ، فيوجد الرَّجُلُ قد مات، فلا شيءَ في قولِ ابنِ القاسمِ (١). والكلامُ في هذا النّوع من الفروع كثيرٌ جدًّا. باب أجَلِ الّذي لا يَمَسُّ امرأتَةُ الفقه في ثمان مسائل: المسألةُ الأُولى: قال الإمام: الّذي لا يَمَسُّ امرأتَهُ على ضربين: ١ - ضربٌ لا تُرْجَى إفاقته. ٢ - وضرب تُرْجَى إفاقَتُهُ. فأمّا الّذي لا يُرْجَى صَلَاحُه ولا إِفاقتُهُ، فزوجتُهُ بالخِيَارِ في أنّ تبقَى معه أو تُطَلَّق عليه. والّذي يُرْجَى صَلاحُهُ وإفاقتُهُ، فيضرب له أَجَلُ سَنَةٍ، فإن برأَ وإلا طُلِّقت عليه، وإنَّما يُضْرَبُ له سنة؛ لأنّ في السَّنَّةِ أربع فصول: حَرٌّ وبردٌ، وربيعٌ وخريفٌ، فإن خرجتِ السَّنَةُ، عُلِمَ أنَّه ليس ذلك من الهَوَاءِ، وإنَّما هي عِلَّةٌ لا حيلةَ فيها، فإن تَمَّتِ السَّنَّةُ, وتَعَاوَنَا على الوطءِ فيها، فإنَّه يثبت نكاحُهُ معها ولو مرَّة واحدة. وإن قالت المرأةُ: لم يطأ وقال الرَّجل: وطِئتُها، ففيها روايتان: إحداهُما: أنَّ القولَ قولُه مع يمينه. الثّانية: رواها الوليدُ بن مسلم عن مالك (٢): أنّه يدخلُ معها في بيت ليطأَهَا ثمَّ يخرج، فيدخلُ القوابل عليها، فإن وُجِدَ المنيُّ في فَرْجِهَا عُلِمَ أنَّه وَطِئَهَا، وإن لم يوجَد مَنِيٌّ طُلِّقت عليه.

стр. 2706

المسألة الثّانية (١): قولُه (٢): "مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا" ظاهِرُهُ أنّه معترضٌ عنها ظَنَّ أنَّه يستطيعُ فاعترضَ؛ لأنّ المَجْبُوبَ لا يستعمل ذلك فيه، إِلَّا أنَّ يكونَ بمعنى أنَّه ظهر إلى الزّوجة ذلك منه، والمُؤَثِّر في منع الوطءِ. قال ابنُ حبيب: الاعتراض والعُنَّةُ والخِصَاءُ والجَبُّ. وقال عبد الوهّاب (٣): هي أربعة أشياء. قال ابن حبيب: "والمعترض" هو بصفة من يأتي النِّساء، وربما جامعَ بعضهُنَّ واعترض عن بعضٍ. قال: "والعِنِّينُ" الّذي لا ينتشر ذَكَرُهُ ولا ينقبِضُ ولا ينبسطُ. و"الحَصُورُ" -تفَرَّدَ ابن حبيب بذِكْرِه- هو الّذي خُلِقَ بغيرِ ذَكَرِ أو بذَكَرٍ كالذَّرّةِ. وقال عبد الوهّاب (٤): "العِنِّينُ" الّذي له ذَكَرٌ صغيرٌ لا بمكنه الجِمَاع به. المسألة الثّالثة (٥): وأمّا الخَصِىُّ والعِنِّينُ والمجبوبُ، فمن أَقَرَّ منهم بحاله، فللزّوجة الخيار في فُرْقَتِهِ دونَ ضربِ أجلٍ؛ لأنَّه لا يُرْجَى بُرْؤُهُ. المسأله الرّابعة (٦): ومن أنكرَ منهم ذلك، فقد قال ابنُ حبيبٍ في الحَصُورِ والمَجْبُوبِ المقطوع الذَّكَرِ:

стр. 2707

يُخْتَبَرُ بالجسِّ على الثّوب. والّذي عندي فيه: أنَّه إذا كان غير مُصَدَّقٍ فيه، وكان للنّساء أنَّ ينظرن إلى الفَرْج فيما يصدَّق فيه النِّساء، جازَ للشُّهودِ أنّ ينظروا إلى هذا (١)، وهو أبين في الشّهادة وأبعد ممّا يُكْرَه. المسألة الخامسة (٢): قال علماؤُنا: وبالجملةِ، فإن للمرأةِ أنّ ترد الرّجل فيما يردُّها به، مثل: الحَصُور، والعِنِّين، والخَصِىِّ، والجُنون، والجُذام، والبَرَصُ إذا كان به قَبْلَ العَقْدِ، وأمّا إذا حَدَثَ بعدَ الدُّخولِ بها، فإنَّه يضرب أجل البرءِ سَنَة. المسألة السّادسة (٣): فإذا فُرِّقَ بينهُما بعدَ الأجلِ، ففي "الموّازية" مِنْ رواية أَشهب عن مالك: إنَّ ضرب لها الأجل بُقرب البناءِ، فلها نصف الصَّدَاق. وقد قال مالك مرَّةً أخرى: لها جميعه (٤)، وبه أخذ ابنُ القاسم. المسألة السّابعة (٥): قولُه (٦) في "الّذي قَدْ مَسَّ امْرَأَتَهُ" هو كما قال، إنَّ مَسَّ امرأته ولو مرّة، ثمّ اعترض عنها، فإنّه لا يُضْرَب له أجلٌ، ولا يُفرَّق بينهما، وعلى هذا فقهاء الأمصار، غير أبي ثَوْرٍ فإنّه قال: يُؤجَّل، وهو مَحْجُوجٌ بالإجماع قبلَهُ، ولأن الملامسة الواحدة يكملُ بها الصَّدَاق، فيبطل بها حكم الاعتراض؛ لأنّها بمنزلة استيفاءِ الاستمتاعِ أجمع إذا مَنَعَ منه في المستقبلِ عُذْرٌ، كما لو مات أحد الزّوجين.

стр. 2708

باب جامع الطّلاق قولُه (١):"لِرَجُلٍ من ثَقِيفٍ" يُرْوَى أنَّه غَيْلان بن سَلَمَة الثَّقَفِي الّذي أسْلَمَ وعندَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ أَمْسَكَ أربعًا، وفارق سائِرَهُنَّ (٢)، ولم يحدّ له الأوائل ولا غيرهنَّ. الفقه في أربع مسائل: المسألةُ الأولى (٣): غيلانُ الثَّقَفِىُّ أسْلَمَ وعنده عَشْرُ نِسْوَةٍ، فقال له النّبيّ ﵇:* "أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ " (٤) وهذا من مُرْسَلَاتِ ابنِ شهاب (٥)، وأسنَدَهُ غيرُه (٦)، وكذلك أسْلَمَ فيروزُ الدّيلمىُّ وتحته أختان، فقال له النَّبىُّ ﵇*: "أَمْسِكْ إِحْدَاهُمَا وَفَارِقِ الأُخْرَى" (٧) وهذا نَصٌّ في المسألتين، وبه قال الشّافعي (٨)، وخالفه أبو حنيفة (٩)، فقال في الزّوجات: يُمْسِكُ الأوائلَ ويُفارِقُ الأواخرَ. وفي الأختين يَفْسَخُ نِكاحَ المتأخِّرةِ. فلو

стр. 2709

عَقَدَ نكاحَهما معًا فسخ ذلك النِّكاح، والنَّبيُّ ﵇ أطلقَ القولَ لغَيْلَانَ وفيروزَ، ولم يستَفْصِلْ عن الأوائلِ والأواخِرِ، ولا عن الجَمْعِ في عَقدٍ ولا تفريقٍ، ولو كان الحكمُ يختلفُ في ذلك لاستفصَلَ. ومِنْ أمْلَحِ النّاسِ عبارةً في ذلك ما أَصَّلَهُ أبو المعالي في هذا الحديثِ وأمثاله، فقال (١): تَرْكُ الاسْتِفْصَالِ في حِكَايَاتِ الأَحْوَالِ مَعَ الاحْتِمَالِ بمَنْزِلَةِ الْعُمُومِ في الْمَقَالِ كَحَدِيثِ غيلَانَ. وأدخل مالكٌ في البابِ أحاديث كثيرة منها حديث عمر (٢). المسألة الثّانية (٣): قال علماؤُنا (٤): حديثُ غَيْلَان هذا مبنىٌّ على أنَّ نكاحَ الكُفّارِ فاسدٌ لعدم شروط الصّحة، لكن إذا كان معنى الفساد يفارق العَقْدَ، فذلك يُصَحِّحُهُ الإسلام،* فإن كان يبقى بعد العَقْدِ وأدركه الإسلام، بَطَلَ النِّكاح، وإن انقضَى قبل الإسلام، صحّحه الإسلام*, وذلك أنّ ينكحها في عِدَّتها ثمَّ يسلِم وهي في عِدَّتها، فقال ابن القاسم: يَنْفَسِخ. وقال أشهب: إنْ أسلم بعد إنقضاء عِدَّتها ثبتَ النِّكاحُ (٥).

стр. 2710

فرع (١): ومَنْ أسلمَ وعندَهُ عَشْرٌ أَسْلَمْنَ، فلم يختر حتَّى ماتَ؛ قال محمّد: سمعتُ من قال: إنَّهُنَّ يرثن الثُّمنَ مع الوَلَدِ والرُّبعَ مع عَدَمِه، ومن دخل بها منهُنَّ فلها صداقُها، ومن لم يَبْنِ بِها خُمُس صداقها؛ لأنَّه لم يكن عليه إنَّ لم يدخل بهنّ إِلَّا صداق أربع يقسم بينهنَّ. المسألة الثّالثة (٢): في شرح حديث عمر بن الخطّاب (٣)؛ في أنَّ الرّجل إذا طلّق زوجَهُ ما دون الثّلاثِ، فَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ، ثمَّ عادت إليه، أنّها تَعُودُ إليهِ بِمَا بَقيَ من طلَاقِهِ، ولا يَرفَعُ الزَّوْجُ الثَّانِي الطَّلْقَةَ والطَلْقَتَينِ اللّتين تقدَّمَتَا له، وهذه المسألةُ تُسَمَّى مسألةَ الهَدْمِ. قال علماؤُنا: ليس الزَّوجُ الثّاني بالهادِم. وقال أبو حنيفة (٤): الزّوجُ الثّاني كما يَهْدِمُ الثّلاثة يهدم الواحدة والاثنين. وقال أشياخُنا: الهادِمُ هو الّذي يطلِّقُ امرأتَه تطليقةً أو تطليقتين، ثمّ يزوِّجَها آخر فيطلِّقها، فعندنا أنّها ترجع إلى الزّوج الأوّل بطلقةٍ واحدةٍ، خلافا لأبي حنيفة. وذلك أنّه يقول: الزّوجُ يهدِمُ الثّلاث ويحلّ الزّوجة بعد أنَّ حرمت، فَأَحْرَى وَأَوْلَى أنَّ يهدِم الاثنتين والواحدة. قال الإمام: ولسنا نعلم أنَّ الزوج يهدم الثّلاث، وإنّما هو نهاية التّحريم الّتي ينتهى تحريم إليه. مثال ذلك قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٥) فاللّيلُ نهايةُ الصَّومِ وليس بمُبْطِلِهِ, وكذلك الزّوجُ نهاية التّحريم وليس بمُبْطِلِهِ، وقد حقّقنا ذلك في "المسائل" فَلْيُطْلَبْ فيها.

стр. 2711

باب عِدَّة المتوفّى عنها زوجها قال الإمامُ (١): رُوِيَ عنِ ابنِ عبَّاسِ (٢) أنّه قال: إنّها إنْ كانت حاملًا، فإن عِدَّتَهَا آخِرُ الأَجَلَيْنِ. وقال عامَةُ النّاسِ: إنَّ وَضْعَ الحَمْلِ مُبرِىءٌ لها. والعُمدةُ فيه: حديثُ أمِّ سَلَمَةَ (٣)، وَلَدَتْ سُبَيعَةُ الأَسْلَمِيَّةُ بَعْدَ وفاةِ زوجِهَا بِلَيَالٍ، - وفي روايةٍ: بِنِصْفِ شهرٍ (٤) - فَخَطَبَهَا رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا شَابٌ, وَالآخَرُ كَهْلٌ. فَحَطَّتْ إِلَى الشَّابِّ، فَقَالَ الشَّيخُ: لَمْ تَحِلّ بَعْدُ، وَكَانَ أَهْلُهَا غُيِّبًا، وَرَجَا إِذَا جَاءَ أَهْلُهَا أَنْ يُؤْثِروُهُ بِهَا، فَسَأَلَتْ رَسُولَ الله ﷺ ، فَقَالَ لَهَا: "قَدْ حَلَلْتِ، فانْكِحِي مَنْ شِئْتِ" وهذا دليلٌ لا غُبَارَ عليه، يَنْبَنِي على أصلٍ من أصولِ الفقهِ، وهو تخصيصُ عُمُومِ القرآن بخبرِ الواحدِ (٥)، بَيَّنَ النّبيُّ ﵇ قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٦) وأنّ قولَهُ : ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٧) إذا لم تكن حاملًا، ولعلَّ ابنَ عبّاسٍ لم يَعْلَمْ ذلك (٨) أو رَجَعَ إليه حين عَلِمَ به (٩)، وله في ذلك كلامٌ غامضٌ يتعلَّقُ بالسُّكنَى

стр. 2712

للمُعْتَدَّةِ، وذَكَرَهُ البخاريُ في"كتاب التفسير" (١)، وبَسَطْنَا شيئًا منه في "كتاب أحكام القرآن" (٢). المسألة الثّانية: عِدَّةُ المتوفَّى عنْها زوجُها, لا يخلو أنَّ تكون حاملًا أو غير حامل، فإن كانت غير حامل فعدَّتها أربعة أشهر وعشر. والدّليلُ عليه قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ الآية (٣). وإن كانت حاملًا فعِدَّتُها وضعُها، وقال ابنُ عبّاس: عِدَّتُها آخر الأَجَلَيْنِ؛ لأنَّه لم يبلغه حديث سُبَيْعَة، ولاشكَّ أنّ ابنَ عبّاسٍ رَجَعَ عنه. وعِدَّةُ المتوفَّى عنها زوجُها إذا كانت غير حامل أربعة أشهرٍ وعشرَا، فهذه حيضةً واحدةٌ، وإن لم تر ... حيضة فعِدَّتُها تسعة أشهر. وأمّا أُمّ الوَلَد، فإنّها تستبرىءُ بحَيضةٍ (٤)؛ لأنّ حُكْمَها حكم الأَمَة (٥)، وبحديثِ سُبَيْعَة أَخَذَ علماءُ الأمصارِ. باب المُتَوَفَّى عنْها زوجُها حتّى تَحِلَّ قال الإمامُ: ذكرَ مالك في هذا الباب حديث: الفُرَيْعَة بِنْت مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ (٦)، وَأنَّهَا

стр. 2713

سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﵇ لَمَّا قُتِل زَوْجُهَا، وَذَكَرَت أنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهَا فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﵇: "اعْتَدِّي حَيْثُ شِئْتِ"، ثُمَّ نَادَاهَا فَقَالَ لَهَا: "كَيْفَ قُلْتِ"؟ قَالَتْ: كَيْتَ وَكَيْتَ، فَقَالَ لَهَا: "اعْتَدِّي في بَيْتِ زَوْجِكِ" الحديثُ في هذا الباب حَسَنٌ صحيحٌ (١). قال علماؤُنا: يحتملُ أنّ يكون اجتهادًا من النَّبِيَّ ﵇ على من يَرَى جوازَ الاجتهادِ منه ﷺ ، ثُمَّ نزلَ عليه الوحيُ بخلافِ اجتهادِهِ. ويحتملُ أنَّ يكون أَفْتَى بوحيٍ، ثمَّ نُسِخَ بوحىٍ آخرَ؛ لأنّ الحُكْمَ يُنْسخُ عندَ أهلِ العلّمِ قبلَ الحُكْمِ به، واللهُ أعلمُ. الفقه في ثمان مسائل: المسألةُ الأُولى: أمَّا عِدَّتُها في بيتها، فلا يخلو الزّوج أنّ يكون يملك رقبة المَسْكَنِ، أو لا يملك؟ أو يكون كراءًا، فإن كان لزوجها اعتدَّت فيه بالإجماع من المذهب. كان كان كراءًا، فإن كان غير بيتها، فلا يخلو الزَّوجُ أنّ يكون نَقدَ أو لم ينْقُد، فإن نَقَدَ الكراء سكنت إلى أنّ يتمَّ ذلك النَّقْد، فإن بَقِيَ من الكِرَاءِ عند الّذي أَخَذَهُ رجعَ الورثةُ فيه وكان ميراثًا بينهم، فإن لم يَنْقُد، فإنها تخرج من البيتِ أو إلى الدَّارِ، إِلَّا أنَّ تؤَدي الكراء، فإن لم تُؤَدِّ الكراءَ أُخْرِجَت (٢).

стр. 2714

المسألةُ الثّانيةُ (١): وهل يجوزُ بيع الدّارِ الّتي تعتدُّ فيها، فالّذي عليه الجمهورُ من علمائنا أنَّ ذلك جائزٌ ويشترط فيه العِدَّة. قال ابنُ القاسمِ: لأنَّها أحقُ بالسُّكْنَى من الغُرَمَاءِ (٢). وقال ابنُ عبد الحَكَم: البيعُ فاسدٌ؛ لأنَّها قد ترتابُ (٣). فإن وقعَ البيعُ بالشّرط فَارْتابت، فقال مالك في"كتاب محمّد": هي أحقُ بالمقام وأحبُ إلينا أنّ يكون المُشْتَرِي بالخِيَارِ في الفَسْخِ والإمضاءِ، ولا يرجع بشيءٍ؛ لأنَّه دخل على العِدَّةِ المعتادة. ولو وقعَ البيعُ بشرطِ زوالِ الرّيبة كان فاسدًا (٤). وتال سحنون: لا حُجَّةَ للمشترِي وإن تَمَادَتِ الرّيبة إلى خمس سنين؛ لأنَّه دخلَ على العِدَّة، والعِدَّةُ قد تكونُ خمس سنين (٥)، ونحو هذا روى أبو زيد عن ابن القاسم. قال الإمام: وهذا عندي على قولِ من يرى للمُبْتَاعِ الخِيَار، وأمّا على قول من يلزمه ذلك، فلا تأثيرَ للشَّرْطِ. المسألةُ الثّالثة (٦): لأنَّ كان السُّكْنى غير مقدَّر، مثل أنَّ يسكنها حياته، ثمَّ هي خبْسٌ على غيره بعدَهُ،

стр. 2715

فمات، فقال مالك: لا أَرَى للّذي صارت إليه أنّ يخرجها، وكذلك قال ابنُ القاسمِ في زوجة الأميرِ يموتُ وهي في دار الإمارة. ووجه ذلك: أنَّ الإسكان لمَّا تضمَّنَ الحياةَ إلى حينِ وفاتِهِ، تضمَّنَ ما يَلْزَم من الإسكان بعدَ الوفاةِ، وأمَّا من أسكن مدّة مُقَدَّرَة، فلم يتضمَّن إسكانه ذلك؛ لأنّ هذه المدَّة يصحُّ أنَّ تنقضِي في حياته، والله أعلمُ. المسألة الرّابعة (١): المتوفى عنها زوجها لا نَفَقَة لها كان كانت حاملًا. قال عبدُ الوهّاب (٢): لأنّ نفقةَ الحَمْلِ ليست بدَينٍ ثابتٍ فيتعلَّق بمالِهِ بعدَ موتِهِ، بدليل أنَّه يسقط بالإعسار، وسقوطه بالموت أَوْلَى. المسألة الخامسة (٣): ومَنْ ماتَ أو طلَّقَ مَنْ تعتدُّ بالشُّهورِ، فقد رَوَى محمّد عن مالك؛ أنّها تعتدُّ إلى مثل السّاعة الّتي مات فيها أو طلّق فيها (٤)، ثمّ رجع فقال: تلغي ذلك (٥)، وتُحْصِي ما بَقِيَ من الشَّهرِ، وتحسب بعد تمامه بالأهلّة في الوفاة ثلاثة أشهر، وتتمّ بقيّة الأوّل ثلاثين يومًا، كان تامَّا أو ناقصًا، ثمّ عشرة أيّام. المسألةُ السّادسةُ (٦): وعِدَّةُ الوفاة تلزم الحُرِّة والأَمَة، والصَّغيرة والكبيرة، والّتي حاضت واليائسة، دخلَ بها أه. لم يدخل، وعِدَّةُ جميعهنْ أربعة أشهر وعشر، إِلَّا الأَمَة فعِدَّتُها النّصف إنَّ

стр. 2716

كانت ممّن تحيض، فإن كانت ممّن لا تحيض، فقد قال مالك: عِدَّتُها ثلاثة أشهر (١). قال أشهب: إِلَّا أنّ يؤمن من مثلها العمل فتستبرأ بشهرين وخمس ليال. وَرَوَى محمّد عن مالك أنَّ عِدَّتَها شهران وخمس ليالٍ إن برئت في ذلك الوقت بحيضتها فحاضت، وإذا لم تَبرَأْ فَعِدَّتُها ثلاثة أشهر. المسألة السّابعة (٢): المتوفّى عنها زوجُها * تحضر العُرْسَ، ولا تلبس ما لا تلبسه الحادّ، ولا تبيت إلّا في بيتها *. فإن كانت غير مدخولٍ بها اعتدّت حيث كانت تسكن (٣)، قاله ابن القاسم. وكذلك الأَمَةُ المتوفَّى عنه زوجُها، تعتدُّ (٤) حيث كانت؛ لأنّ موضع المَبِيتِ هو موضع السُّكْنَى، ولذلك كان معنَى المَبِيت هو معنى السُّكْنَى إذا كان مبيتًا متواليًا على وجهِ الاستقرارِ لا على وجهِ الزِّيارةِ. وإذا ماتَ سَيَّدَ الأمَةِ أو أعتقت، فإنَّ ابن القاسِمِ لا يَرَى لها السُّكْنَى. المسألة الثّامنة (٥): قال علماؤُنا (٦):"وَلَا تَبِيتُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَلَا الْمَبْوتَةُ إِلَّا في بَيْتِهَا" (٧) يريدُ

стр. 2717

مسكَنُها، فإن كان واحدًا فهي على ما كانت فيه، وإن كان في حُجْرَتِها بيوتٌ وكانت (١) في بيتٍ منها وفيه كان متاعُها، قال مالك (٢): لا تَبِيتُ إلّا في بيتها أو اسطوانتها وحجرتها، لها أنّ تبيت من ذلك حيث شاءت. ولم يأت في مَبِيتِ المُعْتَدَّةِ في بيتها حديثٌ، لكنّه مضَى عليه العمل، وإنّما أتتِ الأحاديث في النَّهيِ عن الانتقالِ، والفروعُ في هذا البابِ كثيرةٌ جدًا، أصولُها ما أَمْلَيْنَاهُ عليكم. باب عِدَّةِ أمّ الوَلَدِ إذا تُوُفَّي عنها سَيِّدُها الفقه في أربع مسائل: المسألةُ الأُولى (٣): "إِنَّ يَزِيدَ فَسَخَ نِكَاحَ أَمَّ وَلَدٍ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ أَنْ تَعْتَدّ" (٤) لعلَّه أخذ بقولِ ابنِ المُسيِّب والزُّهريّ وعمر بن عبد العزيز (٥)؛ أنَّ عِدَّتها أربعة أشهر وعشر، ورَوَى ذلك قتادة عن رجاء بن حَيْوَة عن قَبِيصَةَ (٦)، وضعَّفَهُ أحمد؛ لأنّ قتادة لم يسمع من رجاء (٧).

стр. 2718

واحتجّ القاسم بالآية (١)، وأمّا من لم يتعلّق بذلك، فلا يصحُّ أنّ يحتجَّ عليه بذلك (٢)؛ لأنَّه يجوز أنّ يثبت الحكم (٣) من غير الآية بقياس أو غيره. المسألةُ الثّانية (٤): قولُه (٥):"إِنَّ عِدًتَهَا حَيْضَةٌ" هو قولُ مالكٍ (٦)، والشّافعيّ (٧)، والشّعبيّ (٨)، وأبِي قلابة (٩)، وابنِ حنبلٍ (١٠). وقالَ أبو حنيفة (١١) والثّوريّ (١٢): عِدَّتُها ثلاث حيضٍ، وهو قولُ علىّ (١٣) وابن (١٤) مسعود والنَّخعيّ (١٥).

стр. 2719

وقال قتادة وطاوُس: عِدَّتُها نصف عِدَّة الحُرِّة (١). ودليلُنا: أنَّ هذه أَمَةٌ موطوءةٌ بمِلْكِ اليمينِ، فكان استبراؤُها بحَيْضَةٍ، أصل ذلك الأَمَة. المسألةُ الثّالثة (٢): فهذا ثبتَ ذلك، فهل عِدَّةٌ أَمِ استبراءٌ محضٌ؟ فذكر عبد الوهّاب أنّها استبراءٌ (٣)، وفي "المُدَوْنة" (٤): "إنَّ أمّ الولد عليها العِدَّة، وعدّتها حيضة كعِدَّةِ الحرائرِ ثلاث حِيَضٍ". فهذا قلنا: إنّها عدّة، فقد قال مالك (٥): "لا أحبُّ أنَّ تُوَاعِدَ أحدًا لنكاحٍ حتّى تَحِيض". وقال ابن القاسم (٦):"وبلغني أنّه قال: لا تبيتُ إِلَّا في بيتها". وروى محمّد عن ابن القاسم؛ أنَّ لها المبيتَ في غير بيتها في العِتْقِ والوَفَاة. المسألة الرّابعةُ (٧): ولو غاب سيِّدُها، فتوفِّيَ بعدَ ما حاضت في غَيْبَتِهِ، لم يُجْزِئها حتّى تعتدّ لوَفَاته، قاله ابنُ القاسم في "المدوّنة" (٨). وكذلد لو انقضت عدّتها من زوجها، فلم يطأها سيِّدها حتّى توفَّي، فإنّ عليها أنّ تعتدّ بحَيْضَةٍ (٩).

стр. 2720

باب عِدَّة الأَمَة إذا تُوُفَّيَ عنها زوجُها أو سيِّدُها الفقه في مسألتين: المسألةُ الأُولى: قال علماؤُنا: عِدَّةُ الأَمَةِ نصف عِدَّة الحُرِّةِ، ولا تنتقل إلى عِدَّةِ الحُرِّةِ وإنْ أُعتقت (١)؛ لأنّ الاستبراءَ .... يسبق .... يكون للزّوج على الأَمَةِ ................... وأمّا إذا أعتقت في عدّة ومات زوجُها، فإنّها تنتقلُ إلى عِدَّةِ الحُرِّة (٢)؛ لأنّها زوجةٌ داخلةٌ تحت قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ الآية (٣). المسألةُ الثّانيةُ (٤): قوله (٥): "عِدَّتُهَا شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ"على ما تقدّم، ولا خلافَ في ذلك، إِلَّا ما رُوِيَ عن ابنِ سِيرِينَ وليسَ بالثّابت عنه أنَّه قال: عِدَّتُها عِدَّةُ الحُرّةِ (٦)، وعلى ما قَدَّمْنَاهُ الإجماع، واللهُ أعلمُ.

стр. 2721

باب ما جاء في العَزْلِ قال الإمامُ: اختلفَ العلّماءُ في هذا البابِ، هل هو على الكراهيّة أو الإباحة؟ فذهبَ الجمهورُ من علمائِنَا إِلى الإباحةِ. وذهب ابنُ عمر (١) وغيرُه (٢) إلى الكراهية. وقال بعضهم: هو الموؤودةُ الصّغرى (٣). ولا خلافَ (٤) بين الأُمَّةِ في جوازِهِ، وانّما كرهَهُ بعضُهم، خصوصًا في الأَمَةِ. فأمّا الحُرِّةُ، فرأى مالكٌ (٥) ألَّا يعزِلَ عنها إِلَّا بإذنها؛ لأنَّه يرى أنَّ حقَّها في الوَطءِ ثابتٌ مدَّةَ النِّكاحِ. وقال سائر الفقهاء: إذا وَطِءَ الزّوجُ أهلَهُ وَطأَةً واحدةً، لم يكن لها أبدًا حقٌّ في طَلَبِ الوَطْءِ. وهذا ضعيف؛ لأنَّه لو حلف ألَّا يَطَأَهَا، ضُرِبَ له أجلُ أربعةُ أَشْهُرٍ إجماعًا بنَصِّ القرآنِ (٦)، فإذا تركه مُضَارًّا، فقد وُجدَ معنَى الإيلاء، والأحكامُ كما قدَّمنا إنَّما تَثْبُتُ بمعانِيهَا لا بألفاظٍ فيها، فوجبَ أنّ يكونَ حقُّها في طَلَبِ الوَطْءِ باقيًا في مُدَّةِ النِّكاحِ. فإذا أَذِنَتُ في العَزْلِ جازَ، وان كان فيها قطعٌ بالتَّوَلُّدِ والنَّشْأَةِ، وقد قال النَّبىُّ ﵇: "مَا عَلَيكُنم أنّ لَا تَقعَلُوا" (٧) والتقدير: كأنّكم تريدون التَّحَرُّزَ ولستم تَقْدِرُونَ على ذلك، "مَا

стр. 2722

من نَسَمَةٍ كَائِنَةِ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلاّ وَهِيَ كَائِنَةٌ" (١)، وَ"إنَّ اللهَ إذا أَرَادَ أنّ يَخْلُقَهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أنَّ يمْنَعَهُ" (٢) حَسَنٌ صحيحٌ (٣)، قويٌّ في البابِ. الفقه في أربع مسائل: المسألةُ الأولى (٤): قال ابنُ العربي: وللوَلَدِ ثلاثةُ أحوالٍ: ١ - حالٌ قبلَ الوُجودِ ينقطعُ فيها بالعَزْلِ، وهو جائزٌ. ٢ - وحالٌ بعدَ قَبْضِ الرَّحِمِ على المَنِيِّ، فلا يجوزُ لأحدٍ حينئذٍ التَّعَرُّضُ له بالقَطْعِ من التَّوَلُّد، كما يفعلُ سَفِلَةُ التُّجَّارِ في سَقْيِ الخَدَمِ عندَ امتساكِ الطَّمْثِ الأدويةَ الّتي تُرخِيهِ، فيسيلُ المَنِيُّ مَعَهُ، فتنقطع اليرلَادَةُ. ٣ - الثّالثةُ: بعدَ خَلْقِهِ قبل أنَّ تُنفَخَ فيه الرُّوحُ، وهو أشدُّ من الأَوَّلَين في المنع والتّحريم، لما رُوِيَ فيه من الأثَرِ: "إِنَّ السِّقْطَ ليَظَلُّ مُحْبَنْطِئًا (٥) عَلى بَابِ الْجَنَّةِ، يقُولُ: لَا أدْخُلُ الجنَّةَ حَتّى يَدْخُلَ أَبَوَايَ" (٦).

стр. 2723

فأمّا إذا نُفِخَ فيه الرُّوحُ، فهو قَتْلُ نَفْسٍ بلا خلافٍ. المسألة الثّانية (١): قولُه (٢): "فَأَصَبْنَا سَبْيًا" يحتمل أنَّ يكون بنو المصطلق، وإن كانوا من العربِ يَدِينُونَ بدِينِ أهلِ الكتابِ، فلذلك جازَ لهُمْ وَطْؤهُنَّ بمِلْكِ اليمينِ والنّكاح، لقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية (٣). ويحتملُ أنَّ يكونوا ممّن يَدِينُ بِدِينِ العربِ، فاستباحوا وَطْأَهُن بعدَ الاسترقاقِ (٤). المسألة الثّالثة: قوله (٥): "أَحْبَبْنَا الْفِدَاءَ" أصلُ الفِدَاءِ قولُه تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٦). فالمَنُّ: العَتَاقَةُ، والفِدَاءُ: أخذُ الفِدَاءِ، ظاهرُه (٧): أنَّ الحَمْلَ الّذي يترتَّبُ يمنعُ الفداء وهو البيع، ولا يصحُّ أنَّ يُرادَ بالفداء الردّ إلى الأهل، على قولنا: إنهنّ قد أَسْلَمْنَ (٨)، ومع ذلك فالفِدَاءِ نوعٌ من البيعِ، فدلَّ هذا على أنَّ الحَمْلَ يمنعُ البَيعَ، وعلى هذا جميع الفقهاء أنَّه لا بجوزُ بيع أمّ الولد.

стр. 2724

المسألةُ الرّابعةُ: قولُ زَيْدِ للحَجَّاجِ: "أَفْتِهِ" (١) فيه دليلٌ على فتوى الطّالب بين يدي المعلِّم، فقال الحجّاج: "إنَّمَا هُوَ حَرْثُكَ إنْ شِئْت سَقَيْتَهُ، وإِنْ شِئْتَ أَعْطَشْتَهُ" (٢) بيانٌ في جوازِ العَزْلِ عن الإماء. وقولُه (٣):إ مَا عَلَيْكُمْ أنّ لَا تَفْعلُوا" "ما" هاهنا استفهامٌ، وظاهرُ هذا الكلام منع العَزْلِ، إِلَّا أنَّه يخرج منه إباحة العزل (٤). وصريحُ المذهبِ: أنَّ العَزْلَ جائزٌ في الأَمَةِ، ولا يجوزُ في الحُرِّةِ إِلَّا بإذْنِهَا؛ لأنّ الوَطْءَ والإنْزالَ من حقَّها، فيكون لها استيفاؤه، وكذلك إنَّ كانت الزّوجةُ أمةً، قيل: يستأذِنُها، وقيل: لا يستأذِنُها (٥). باب القول في الإحداد قال الإمام (٦): الإحدادُ واجبٌ، وهو حقُّ اللهِ تعالى، أمّا القرآنُ فأفادَ وجوبَ التّربُّصِ بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ الآية (٧)، وأفادتِ السُّنَّةُ الإحدادَ، وهي هيئةٌ في التّربُّصِ، وأَذِنَ لهُنَّ في غيرِ الأزواجِ بثلاثةِ أيّامٍ، لِمَا يَغْلِبُ النِّسوانَ من الجَزَع، وَيَسْتَوْلي عليهنَّ من الكَرْب، وما وراء ذلك حرامٌ في غَير الزَّوجِ، واجبٌ في الزّوجِ، وليس ذلك بزيادةٍ في النَّصِّ، وإنَّما هو تفسيرٌ لِكَيْفِيَّةِ التَّربُّصِ كما قدّمنا. وقد كان هذا شرعًا لِمَن

стр. 2725

كان قَبْلَنَا، وعادَةً في الجاهليَّةِ، وكانتِ المرأةُ تُقِيمُ في الجاهليَّةِ على هذه الحالِ من الإحدادِ سَنَةً، وقد كان الله تعالى أمرَ بمتاعِ التَّربُّصِ حَوْلًا في الآية* الآخِرَةِ، ثمَّ ثبت الَحكْمُ بنَقيِ الآية* الأُولى من الأربعةِ الأَشْهُرِ والعَشْرِ، وهَدَمَ اللهُ تعالى ما كان في الجاهليَّةِ، ونسخَ متاعَ الحَوْلِ بهذه الآيةِ قبلَهَا، واللهُ أعلمُ. وإذا قلنا: إنّه حقُّ اللهِ تعالى، فإنّ الاستبراءِ يقعُ بحَيضَةٍ واحدة. والدّليلُ على أنَّه حقُ للهِ: أنَّ الصَّغيرةَ والتي لم تبلُغ يلزمُها الإحداد، والمقصودُ وجودُ النِّيَّةِ والحقُ، فإن عُدِمَتْ يجبُ استيفاء الحقّ كالزّكاة. وقولُ النَّبيِّ ﵇ (١) للّتي اشْتَكَتْ عَيْنَيهَا: "قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ في الجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بالْبَعْرَةِ حَوْلًا" الحديث، على وجهِ التَّغليظِ، والّذي يُقَوِّي أنَّه على التَّغليظِ ما أدخلَهُ مالك من أفعالِ الصَّحابةِ وفِعْلِ أُمَّ سَلَمَة الّتي اشتكَت عَيْنَيهَا، فقال لها النَّبي ﵇: "اكْتَحِلِي بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ". وأمّا الّتي اشْتَكَتْ، فلا يخلو أنّ تكون شَكْوَى تَقْدِرُ على الصَّبرِ معَهُ أم لا؟ فإن قَدَرَتْ على الصِّبرِ لم تَكْتَحِل، وإن لم تَقْدِر اكْتَحَلَتْ؛ لأنَّها ضرورةٌ ودِينُ اللهِ يُسْرٌ. الفقه في تسع مسائل: المسألةُ الأُولى (٢): قولُه (٣):"لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ والْيَومِ الآخِرِ" يحتملُ أنَّ يكونَ هذا الحكمُ

стр. 2726

يَخْتَصُّ بالمؤمناتِ، ويحتملُ أنّ يكونَ على سبيلِ التّرغيب في ذلك، يعني أنَّ هذا لا يتركُهُ من يُؤمِن باللهِ واليوم الآخِرِ، وهذا كقولِهِ ﵇: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ" (١) واللهُ أعلمُ. المسألةُ الثّانيةُ (٢): اختلف قولُ مالكٍ في تَعَلُّقِ الإحداد بالكتابيَّةِ؟ فَرَوَى عنه أَشْهَب: لا إحدادَ عليها (٣)، وبه قال أبو حنيفة (٤). وَرَوَى عنه ابنُ القاسِمِ (٥) وغيره؛ أنَّ عليها الإحداد (٦)، وبه قال الشّافعيّ (٧). المسألةُ الثّالثة (٨): ومن تُوُفّي عن امْرَأةٍ بعدَ البِنَاء، فتبيَّنَ أنَّ نكاحَها فاسدٌ، قال ابنُ القاسم في "المدوِّنة" (٩): لَا إِحْدَادَ عليها، وَلَا عِدَّةَ، وتَسْتَبْرِىءُ بثلاث حِيَضٍ (١٠)، وهذا عندي في الّتي يُفسَخ نكاحُها على كلَّ حالِ، ولم يثبت بَيْنَهُما شيءٌ من أحكامِهِ. وأمّا الّتي ثبتَ بينهما أحكام التّوارُثِ، فإنّها تعتدُّ ويلزمُها الإحداد. المسألةُ الرّابعةُ (١١): قولُه (١٢):"إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا" وهذا على الإيجابِ لا على الإباحةِ،

стр. 2727

فاستثنَى من التّحريمِ الإيجاب، وهذا يقتضي أنَّ لفظةَ "افعل" بعد الحَظْرِ على بابها في الوجوبِ، خلافًا لمن قال من أصحابنا (١) وغيرهم (٢): إِنَّها تقتضي الإباحة، واللهُ أعلمُ. المسألةُ الخامسةُ (٣): قولُه (٤): "امْرَأَة" هو عندنا سواءٌ في كلِّ امرأةٍ أو أمَةٍ، صغيرة أو كبيرة، حُرَّة أو أَمَة (٥)، وبه قال الشّافعيّ (٦). وقال أبو حنيفة: لا إحدادَ على أَمَةٍ ولا صغيرةٍ (٧). ودليلُنا قوله: "لا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ" الحديث، وقد اتَّفَقْنَا أنَّه على الوجوب، فوجبَ أنّ يُحْمَلَ على عمومِهِ (٨). المسألة السّادسة (٩): وقولُه (١٠): "أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيَّتٍ" يقتضي اختصاصه (١١) بالوَفَاةِ، وقد قال مالك (١٢): لا (حدادَ على مطلَّقةٍ، وبه قال الشّافعيّ (١٣).

стр. 2728

وقال أبو حنيفة: عليها الإحداد (١)، وُيزوَى عنِ ابنِ المسيِّب وابن سِيرِين (٢). ودليلُنا: أنَّ هذه مطلَّقَةٌ فلا إحدادَ عليها كالرَّجعيَّةِ. ومعنى الإحداد: الامتناع من الزِّينةِ والطَّيبِ، ويقال منه: أَحَدَّتِ المرأةُ، أي: امْتَنَعَتْ عنِ الطّيبِ والزِّينةِ (٣). المسألةُ السّابعةُ (٤): قوله (٥):"لَا تَلْبَسُ الْحَادُّ شَيْئًا مِنَ الحَلْىِ". قال ابن مزين: سألتُ عِيسى فقلتُ له: من الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ؟ فقال: نعم (٦). وروى محمّد عن مالك: لا تلبس حليًا وإن كان حريرًا. وبالجملةِ: إِنّ كلَّ ما تلْبَسُهُ على وجهِ ما يُستعمل عليه الحَلْي من التّجمُّل فلا تَلْبَسُه الحادُّ، ولم ينصّ أصحابنُا على الجواهرِ واليواقيتِ والزَّمُرُّد وهو داخلٌ تحت قولِهِ: "وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الحَلْيِ" (٧). وقولُه (٨): "وَلَا شَيْءَ مِنَ الْعَصْبِ (٩)، إِلاّ أنّ يَكُونَ عَصْبًا غَلِيظًا" لأنّ (١٠) رقيقَه بمنزلةِ الثّياب المصبغة. وقال محمْد عن مالك: "لا تلبس الأسود إنَّ كان حريرا"، و"لا شيءٍ بغير الوَرْسِ والزّعفران" (١١).

стр. 2729

وقال عبد الوهّاب (١): كلّ ما كان من الألوان يتزيّن به النّساء فلتمتنع منه الحادُّ. المسألةُ الثّامنةُ (٢): قوله (٣):"تُحِدُّ الأَمَةُ" وهذا على ما قالَ، خلافًا لأبي حنيفة (٤)؛ لأنّها مُعْتَدَّةٌ من وفاةٍ كالحُرِّةِ. المسألةُ التّاسعة (٥): وهذا حُكْمُ أمّ الوَلَد والمكاتَبَة والمُدَبَّرة سواءٌ (٦). وقال (٧): "لَيسَ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ إِحْدَادٌ إِذَا هَلَكَ سَيِّدُّهَا" وهو كما قال؛ لأنَّه ليس عليها عِدَّة المتوفَّى عنها زوجُها، وإنَّما عليها أنَّ تحيضَ حيضةً بعدّ وفاتِهِ، وهذا له حُكْمُ الاستبراء. وقد قال مالك: إنَّ هلك وهي حائض لم يجزئها, وليس هذا حكم الاستبراء، وإنّما هو حكم العِدَّة، لكن الإحداد مختصٌّ بِعِدَّةِ المتوفَّى عنها زوجُها. تمَّ كتاب الطَّلاقِ

стр. 2730

كتاب الرَّضاع قال الإمامُ (١): الأصلُ في هذا الكتاب قولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمِّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾.إلى قوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٢). وقولُه ﵇ في الصَّحيح: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" (٣) فكان ذلك من قولِهِ ﷺ بيانَا لِمَا في كتابِ اللهِ وزيادةً في معناهُ، ودليلًا على أنَّ جميعَ القَرَابَاتِ المُحرَّماتِ بالنَّسَبِ مُحَرَّمَاتٌ في كتاب اللهِ بالرَّضاعِ، وإن كان اللهُ لم ينصّ فيه إِلَّا على الأُختِ والأُمّ خاصّة، على ما نُبَيِّنُه إنَّ شاء الله. والكلامُ في الرّضاع يشتمل على أربعة فصولٍ وثلاث مقدِّمات: الأوّل: في معرفة زمان الرَّضاع. الثّاني: في معرفةِ صفةِ الرَّضاعِ. الثّالث: في معرفةِ صفةِ اللَّبَنِ. الرّابع: فيمن يحرمُ بالرَّضاعِ. هذه مقدّمات. المقدّمة الأولى في معرفة شروط الرّضاع وهي ستّة ذكرها أبو محمّد عبد الوهّاب في "التّلقين" (٤) له: أحدها: وصولُ اللَّبَنِ إلى موضعِ الطَّعامِ والشّراب، من جَوْفٍ المولودِ، من أيِّ المنافِذِ كانَ، في زمان الرَّضاعِ. الثّاني: لبنُ امرأةٍ حيَّةً كانت أو ميِّتَةٌ.

стр. 2731

الثّالث: أنَّ يكون في الحَوْلَيْنِ قبلَ الانفصال، وما قَارَبَ ذلك على أحدِ مذاهبِ أصحابِنَا. الرّابع: أنّ يكونَ اللَّبْنُ مفردًا، لم يختلط بما يغيب فيه فيستهلك (١). الخامس: أنَّ يكونَ اللَّبَنُ قوتًا له دون غيره. قال الإمام: هذا ما حكاه الأَيِمّة من المُتَفقِّهينَ، ففيه معانٍ يأتي بيانُها إنَّ شاء الله. المقدّمةُ الثّانية (٢) اعلم أنَّ الرَّضاعَ حُرْمَة وذِمَّةٌ أَلْحَقَهَا اللهُ بالنَّسَبِ، كما ألْحَقَ حُرْمَةَ المُصاهرةِ به. والرَّضاعُ آكدُ منها؛ لأنّه بعضِيَّةٌ، كما أنَّ حُرْمَةَ النَّسَب من البعضِيَّةِ، ولما كان مُلْحَقًا بالنَّسَبِ، ذَكَرَهُ اللهُ بعده فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمِّهَاتُكُمْ﴾ (٣) فاستوفَى مُحَرَّماتِ النَّسَبَ، ثمّ ذكَرَ مُحرَّمات الرَّضاع، فقال: ﴿وَأُمِّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ الآية (٤)، ولم يَزِدْ، واقتصَرَ على الأُمِّ من الأُصول، وعلى الأُختِ من الفروع. أمّا إنّه قد وَرَدَ حديثانِ صحيحان تَمَّمَ بهما النُّبيُّ ﵇ معنَى البيانِ، وجاءَ فيهما بموعُودِ الوَعْدِ الصَّادقِ في قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٥)، ورُوِيَ عن عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَاكَ تَنَوَّقُ (٦) في قُرَيْشٍ وَتَدَعُنَا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ: "وَعِنْدَكُمْ شيْءٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: وَمَنْ؟ قُلْتُ: ابنةُ حَمْزةَ، قال: إنّما هيَ بِنْتُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ لَا تَحِلُّ لِي" (٧).

стр. 2732

وَرَوَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُول اللهِ، هَلْ لكَ فِي أنّ تنْكِحَ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ: أَوَ تُحِبِّينَ ذلِك؟ قال: قُلْتُ: إِنِّي لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيّةِ، قال رسولُ اللهِ: إِنَّها لَا تَحِلُّ لِي. فَقَالَتْ: فَقدْ حُدَّثْنَا أَنَّكَ تُرِيدُ أنّ تنْكِحَ بِنْتَ أبي سَلمَةَ. قَال رَسُولُ اللهِ: ابْنةُ أُمِّ سَلَمَة؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: "إِنَّها لَوْ لَمْ تكُنْ رَبيبَتِي فِي حِجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضاعَةِ أَرْضَعَتنِي وَأَبَا سَلَمَة ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ" (١). وكانت ثُوَيْبَةُ جاريةً لأبي لهَبٍ، أرْضَعَتْ رسولَ اللهِ وَحمزةَ وأبا سَلَمَةَ (٢). وقد رَوَى أهلُ التّاريخِ: أنَّ حمزة كان أكبرَ من النَّبيِّ ﵇ بأربع سنينَ (٣). ورُوِيَ أَنَّه كان أكْبرَ منه بِسَنَتَيْنِ (٤)، فيَحْتَمِلُ أنَّ يكونَ رَضَاعُ النَّبيِّ ﷺ مع حمزةَ في مُدَّةٍ واحدةٍ، ويَحتَمِلُ أنّ يكونَ في مُدَّتَيْنِ، واللهُ أعلمُ. المقدِّمة الثّالثة (٥) في حقيقة الرّضاع الّتي يتعلّق بها التّحريم واعلم أنَّ كلَّ فَمَيْنِ تَنَاوَلا ثَدْيَا واحدًا في وقتٍ واحدٍ، أو في وقْتَينِ مختَلِفَينِ، فإنّ المُرضعَ أمٌّ لَهُمَا، وهما أخوان من الرَّضاعةِ.

стр. 2733

والثّالثُ: أنَّ كلَّ فحلٍ دَرَّ بِهِ لبنٌ ارتضَعْتَه، فكلُّ أختٍ له من النَّسَبِ عمَّةٌ لَكَ من الرَّضاعةِ. والرّابعُ: أنَّ كلَّ ثدْيٍ ارتضَعْتَةُ، فإنّ كلَّ أختٍ له من النَّسبِ خالةٌ لك من الرَّضاعةِ. الخامسُ: أنَّ كلَّ فَمَينِ جَمَعَهُمَا ثَدْيٌ واحدٌ في وقتٍ أو وقتينِ كما تَقَدَّمَ، فإنّ كلَّ بنتٍ للمُجْتمِعِ معَكَ عليه مِن أُنْثَى أو ذَكَر، فإنَّه ابنُ أخٍ لك أو ابنُ أختٍ، فصار لَبَنُ الأمِّ قرآنيا، وصار لَبَنُ الفَحْل بالسُنَّةِ، قَالَتْ عَائشَةُ: إنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ عِنْدَهَا، وَإنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأذِنُ. الحديث إلى آخره، قال فيه: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلَادَةِ" (١). وهذه الكلماتُ صحيحةٌ، قد ثَبَتَتْ عنِ النَّبيِّ ﷺ مُنْفَصِلةً عنه، مَرْوِيَّةً من طُرُقٍ سِوَاهُ، وهو عمومٌ مُتَّفَقٌ عليه، لم يدخُلْهُ تخصيصٌ بإجماعٍ. هذا هو أصلُ الرَّضاعِ المُتَّفَقِ عليه، وفيه خلافٌ كَثيرٌ بينَ العلّماءِ، وتفصيلٌ طويلٌ في الفروعِ، ذَكرَ منه مالك فصلّين: أحدهما: تقدير الرَّضَاع. الفصل الأوّلُ في زمان الرَّضاع وفيه ثلاثة أقوال: أحدهما: أنَّه حَوْلَانِ (٢). الثّاني: أنَّه يزيدُ على الحَوْلَيْنِ الشّهر والشّهرين (٣).

стр. 2734

فوجْهُ القولِ الأوَّلِ: قولُه تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (١)، فَحَدٌّ، والحدودُ لا يُزَادُ فيها. ووجة قولِ ابن القاسم هو الأصَحُّ (٢)، ذَكَرَهُ أبو محمّد بن أبي زيد أنَّه قال: المقدَّراتُ على ضربينِ مُقَدَّرٌ حَتْمٌ لابُدَّ منه، ومُقَدَّرٌ اختياريٌّ فيه مثنويّة، فإنّما هو على الاختيار، فيكونُ اليسيرُ فيه تَبعًا، كالشّهرِ والشّهرينِ للحَوْلَيْنِ، وأمّا ما زادَ على الحَوْليْنِ العشرة أيّام والخمْسَة عشر، فَيَحْتَمِلُ أنَّ يزيدَها استطهارًا لما خشي أنَّ ينقص من الأَشْهُر. تنبيه: فإذا ثبت هذا، فرضاعُ من زادَ على الحَوْليْنِ عند مالك داخلةٌ في حُكْمِ الكثيرِ، ولا يحرمُ بذلك. وقد اعترض عليه بحديث سالم مولى أبي حُذَيْفَة الّذي جاء في "الموطَأ" (٣)، لكنّ الصّحابة اختلفت في العمل به (٤)، فقال أبو محمّد بن أبي زَيْد مُوَاجِهَا لمالك: إنَّ تحريمَ

стр. 2735

دخول الرَّجُل على المرأةِ الأجنبيّةِ ثابثٌ بالإجماعِ، متَّفَقٌ عليه بالإجماع، فالتّحريمُ متَّفَقٌ، والتّحليلُ مُتَيَقّنٌ، وحديثُ سالم مُخْتَلَفٌ فيه، ولا يُترك متّفقٌ لمُخْتَلَفٍ فيه، ويُحْمَلُ حديثُ سالم على الخَصوصِ. الفصل الثّاني في صفة الرّضاع وفيه ستّ مسائل: وقد قال مالك ﵀ (١) -: "كُلُّ مَا أَنْبَتَ اللّحْمَ وأَنْشَرَ العَظْمَ من رَضَاعَةِ الصَّغِيرِ يحرمُ، كَالْمَصَّة والمَصَّتَيْنِ". فعُورِضَ بقولِ النَّبىِّ ﵇: "لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ والإِمْلَاجَةُ وَالإِمْلَاجَتَانِ" (٢). قال أبو عُبَيْد (٣): يعني: بالإمْلَاجَة المصّ، يقال: مَلَجَ الصّبىُّ إذا رَضَعَ أُمِّهُ مَلْجًا، ومَلِجَ يَمْلَجُ (٤)، وأَمْلَجَتِ المرأةُ صَبِيَّهَا. والإمْلَاجةُ: أنَّ يمصَّ ثديها (٥) مرّةً واحدةً.
следующие страницы →