الثّالث: أنَّ يكون في الحَوْلَيْنِ قبلَ الانفصال، وما قَارَبَ ذلك على أحدِ مذاهبِ أصحابِنَا.
الرّابع: أنّ يكونَ اللَّبْنُ مفردًا، لم يختلط بما يغيب فيه فيستهلك (١).
الخامس: أنَّ يكونَ اللَّبَنُ قوتًا له دون غيره.
قال الإمام: هذا ما حكاه الأَيِمّة من المُتَفقِّهينَ، ففيه معانٍ يأتي بيانُها إنَّ شاء الله.
المقدّمةُ الثّانية (٢)
اعلم أنَّ الرَّضاعَ حُرْمَة وذِمَّةٌ أَلْحَقَهَا اللهُ بالنَّسَبِ، كما ألْحَقَ حُرْمَةَ المُصاهرةِ به. والرَّضاعُ آكدُ منها؛ لأنّه بعضِيَّةٌ، كما أنَّ حُرْمَةَ النَّسَب من البعضِيَّةِ، ولما كان مُلْحَقًا بالنَّسَبِ، ذَكَرَهُ اللهُ بعده فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمِّهَاتُكُمْ﴾ (٣) فاستوفَى مُحَرَّماتِ النَّسَبَ، ثمّ ذكَرَ مُحرَّمات الرَّضاع، فقال: ﴿وَأُمِّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ الآية (٤)، ولم يَزِدْ، واقتصَرَ على الأُمِّ من الأُصول، وعلى الأُختِ من الفروع.
أمّا إنّه قد وَرَدَ حديثانِ صحيحان تَمَّمَ بهما النُّبيُّ ﵇ معنَى البيانِ، وجاءَ فيهما بموعُودِ الوَعْدِ الصَّادقِ في قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٥)، ورُوِيَ عن عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَاكَ تَنَوَّقُ (٦) في قُرَيْشٍ وَتَدَعُنَا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ: "وَعِنْدَكُمْ شيْءٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: وَمَنْ؟ قُلْتُ: ابنةُ حَمْزةَ، قال: إنّما هيَ بِنْتُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ لَا تَحِلُّ لِي" (٧).
стр. 2732
وَرَوَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُول اللهِ، هَلْ لكَ فِي أنّ تنْكِحَ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ: أَوَ تُحِبِّينَ ذلِك؟ قال: قُلْتُ: إِنِّي لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيّةِ، قال رسولُ اللهِ: إِنَّها لَا تَحِلُّ لِي. فَقَالَتْ: فَقدْ حُدَّثْنَا أَنَّكَ تُرِيدُ أنّ تنْكِحَ بِنْتَ أبي سَلمَةَ. قَال رَسُولُ اللهِ: ابْنةُ أُمِّ سَلَمَة؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: "إِنَّها لَوْ لَمْ تكُنْ رَبيبَتِي فِي حِجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضاعَةِ أَرْضَعَتنِي وَأَبَا سَلَمَة ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ" (١).
وكانت ثُوَيْبَةُ جاريةً لأبي لهَبٍ، أرْضَعَتْ رسولَ اللهِ وَحمزةَ وأبا سَلَمَةَ (٢).
وقد رَوَى أهلُ التّاريخِ: أنَّ حمزة كان أكبرَ من النَّبيِّ ﵇ بأربع سنينَ (٣). ورُوِيَ أَنَّه كان أكْبرَ منه بِسَنَتَيْنِ (٤)، فيَحْتَمِلُ أنَّ يكونَ رَضَاعُ النَّبيِّ ﷺ مع حمزةَ في مُدَّةٍ واحدةٍ، ويَحتَمِلُ أنّ يكونَ في مُدَّتَيْنِ، واللهُ أعلمُ.
المقدِّمة الثّالثة (٥) في حقيقة الرّضاع الّتي يتعلّق بها التّحريم
واعلم أنَّ كلَّ فَمَيْنِ تَنَاوَلا ثَدْيَا واحدًا في وقتٍ واحدٍ، أو في وقْتَينِ مختَلِفَينِ، فإنّ المُرضعَ أمٌّ لَهُمَا، وهما أخوان من الرَّضاعةِ.
стр. 2733
والثّالثُ: أنَّ كلَّ فحلٍ دَرَّ بِهِ لبنٌ ارتضَعْتَه، فكلُّ أختٍ له من النَّسَبِ عمَّةٌ لَكَ من الرَّضاعةِ.
والرّابعُ: أنَّ كلَّ ثدْيٍ ارتضَعْتَةُ، فإنّ كلَّ أختٍ له من النَّسبِ خالةٌ لك من الرَّضاعةِ.
الخامسُ: أنَّ كلَّ فَمَينِ جَمَعَهُمَا ثَدْيٌ واحدٌ في وقتٍ أو وقتينِ كما تَقَدَّمَ، فإنّ كلَّ بنتٍ للمُجْتمِعِ معَكَ عليه مِن أُنْثَى أو ذَكَر، فإنَّه ابنُ أخٍ لك أو ابنُ أختٍ، فصار لَبَنُ الأمِّ قرآنيا، وصار لَبَنُ الفَحْل بالسُنَّةِ، قَالَتْ عَائشَةُ: إنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ عِنْدَهَا، وَإنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأذِنُ. الحديث إلى آخره، قال فيه: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلَادَةِ" (١).
وهذه الكلماتُ صحيحةٌ، قد ثَبَتَتْ عنِ النَّبيِّ ﷺ مُنْفَصِلةً عنه، مَرْوِيَّةً من طُرُقٍ سِوَاهُ، وهو عمومٌ مُتَّفَقٌ عليه، لم يدخُلْهُ تخصيصٌ بإجماعٍ.
هذا هو أصلُ الرَّضاعِ المُتَّفَقِ عليه، وفيه خلافٌ كَثيرٌ بينَ العلّماءِ، وتفصيلٌ طويلٌ في الفروعِ، ذَكرَ منه مالك فصلّين: أحدهما: تقدير الرَّضَاع.
الفصل الأوّلُ في زمان الرَّضاع
وفيه ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنَّه حَوْلَانِ (٢).
الثّاني: أنَّه يزيدُ على الحَوْلَيْنِ الشّهر والشّهرين (٣).
стр. 2734
فوجْهُ القولِ الأوَّلِ: قولُه تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (١)، فَحَدٌّ، والحدودُ لا يُزَادُ فيها.
ووجة قولِ ابن القاسم هو الأصَحُّ (٢)، ذَكَرَهُ أبو محمّد بن أبي زيد أنَّه قال: المقدَّراتُ على ضربينِ مُقَدَّرٌ حَتْمٌ لابُدَّ منه، ومُقَدَّرٌ اختياريٌّ فيه مثنويّة، فإنّما هو على الاختيار، فيكونُ اليسيرُ فيه تَبعًا، كالشّهرِ والشّهرينِ للحَوْلَيْنِ، وأمّا ما زادَ على الحَوْليْنِ العشرة أيّام والخمْسَة عشر، فَيَحْتَمِلُ أنَّ يزيدَها استطهارًا لما خشي أنَّ ينقص من الأَشْهُر.
تنبيه:
فإذا ثبت هذا، فرضاعُ من زادَ على الحَوْليْنِ عند مالك داخلةٌ في حُكْمِ الكثيرِ، ولا يحرمُ بذلك.
وقد اعترض عليه بحديث سالم مولى أبي حُذَيْفَة الّذي جاء في "الموطَأ" (٣)، لكنّ الصّحابة اختلفت في العمل به (٤)، فقال أبو محمّد بن أبي زَيْد مُوَاجِهَا لمالك: إنَّ تحريمَ
стр. 2735
دخول الرَّجُل على المرأةِ الأجنبيّةِ ثابثٌ بالإجماعِ، متَّفَقٌ عليه بالإجماع، فالتّحريمُ متَّفَقٌ، والتّحليلُ مُتَيَقّنٌ، وحديثُ سالم مُخْتَلَفٌ فيه، ولا يُترك متّفقٌ لمُخْتَلَفٍ فيه، ويُحْمَلُ حديثُ سالم على الخَصوصِ.
الفصل الثّاني في صفة الرّضاع
وفيه ستّ مسائل:
وقد قال مالك ﵀ (١) -: "كُلُّ مَا أَنْبَتَ اللّحْمَ وأَنْشَرَ العَظْمَ من رَضَاعَةِ الصَّغِيرِ يحرمُ، كَالْمَصَّة والمَصَّتَيْنِ".
فعُورِضَ بقولِ النَّبىِّ ﵇: "لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ والإِمْلَاجَةُ وَالإِمْلَاجَتَانِ" (٢).
قال أبو عُبَيْد (٣): يعني: بالإمْلَاجَة المصّ، يقال: مَلَجَ الصّبىُّ إذا رَضَعَ أُمِّهُ مَلْجًا، ومَلِجَ يَمْلَجُ (٤)، وأَمْلَجَتِ المرأةُ صَبِيَّهَا. والإمْلَاجةُ: أنَّ يمصَّ ثديها (٥) مرّةً واحدةً.
стр. 2736
المسألة الثّانية:
فإن خالط اللَّبَن طعامٌ أو مَرَقٌ أو شيءٌ من الأشياءِ، فأَكَلَهُ الصَّبىُّ، ففي المسألة قولان:
أحدهما: أنَّه يحرم (١).
والثّاني: أنَّه لا يحرم، وهو قولُ ابن القاسم (٢).
ووَجْهُ مَنْ قال بقولِ ابنِ القاسمِ لا يحرم: أنّ أجزاءَ اللَّبَنِ مستهلكةٌ، وقد ذهبت أجزاؤُه ولا حُكْمَ له.
وَوَجْهُ من قال لا يحرم: أنّ اللَّبَنَ موجودٌ فيه، تنتَقِلُ أجزاؤُه إلى غيره.
المسألةُ الثّالثة (٣):
فإن كان ما يدرّ من ثَدْي المرأةِ ماء أصفر أو غيره، فلا يحرم، رواه ابن سحنون عن ابنِ القاسِم (٤)؛ لأنّ الرَّضاعَ مختصٌّ باللبَنَ، فوجب أنَّ يختصّ حُكْمُه به دون سائر المائِعَاتِ.
المسألةُ الرّابعةُ:
فإنِ احتقنَ صَبِيٌّ بلَبَنِ فوصل إلى جَوْفِه، فقال ابنُ القاسم: كلُّ ما وصلَ إلى الحَلْقِ أَفْطَرَ، وما أفطر به وقع التَّحريمُ (٥)، وهذا يبيّن أنّ تكون الحُقنَةُ لَبَنًا خالصًا، لا أنّ يكون مع الحُقْنَة غيرها فيستهلك أجزاء اللَّبَنِ مع ذلك، فتكونُ المسألةُ حينئذٍ حولان، ولا خلافَ أنّ الحُقْنَة تُفْطِر الصّائمَ؛ لأَنّها تصِلُ الجَوْفَ (٦).
стр. 2737
المسألةُ الخامسةُ:
إذا استغنى عن الطّعام فَفُطِمَ قبلَ الحَوْلَينِ، ثمّ أرضع بعد استغنائه عن الطّعامِ؟ ففي المسألة قولان:
هل يحرمُ هذا الرِّضاع أم لا؟
فمذهبُ ابن القاسم (١) أنَّه لا يحرمُ بعد أنَّ استغنى عن الطَّعام.
فإن فُطِمَ بعد حَوْلٍ أو أقلّ:
فقال أشْهَب ومطرّف وابن الماجِشُون: إنّه يحرمُ وإن استغنى عن الطَّعامِ، ما دام في حَوْلَيْنِ قبل تمام زمان الرَّضاع.
المسألة السّادسة (٢):
ولو وَلَدَت امرأةٌ من رَجُلٍ، فأرضعتِ المولودَ وفَطمَتْهُ، ثمّ أرضعت بعد الفِصَالِ بذلك اللّبَنِ طِفْلًا آخرَ، لكان ذلك الرَّجُل أَبًا لَهُ، قاله ابن القاسم (٣).
ووجهه: أنَّ أصلَ ذلك اللّبَن من وَطْئِهِ، فجميعُهُ مضافٌ إليه حتّى يقطعه وطءٌ لغيره.
فرع (٤):
وإن طلّقها وهي تُرْضِع، فتزوّجت غيره، فحملت منه، ثمَّ أرضعت طفلًا، قال ابنُ القاسم (٥): اللّبنُ لهما ما لم ينقطع لبن الأوّل، ورواه ابنُ نافعٍ عن مالك.
ووجهه: أنّ لِوَطْءِ كلّ واحدٍ منهُما تاثيرًا في ذلك اللَّبَنِ (٦)، ولم يذكر محمّد
стр. 2738
"فحملت منه". ولا معنى لاعتبار الحَمْلِ، وإنّما يُعتبرُ الوَطْءُ، قاله عبدُ الوهّاب (١).
فرعٌ (٢):
وهذا إذا كان اللّبن عن وَطءٍ حلالٍ أو حرامٍ، قاله عبد الوهّاب (٣)؛ لأنَّه لبن امرأةٍ، فكان له تأثيرٌ، كما لو حَدَثَ عن وطءٍ حلالٍ.
قال الإمام: وهذا عندي إنَّ كان عن وطء زِنا؛ فإنَّه يُنْشِىءُ الحُرْمَةَ من جهة المرأةِ، وأمّا إنَّ كان بشُبْهَةٍ يُلحَق فيها النَّسب، فإنَّه ينشرُها من الجِهتين؛ لأنّ حُكْمَ الرَّضاعِ تابعٌ للنَّسَبِ.
الفصل الثّالث في صفة اللّبن
وهي مسالةُ لَبَنِ الفَحْلِ وهو الزّوج (٤)، وفيه ثلاث مسائل:
المسألةُ الأولى (٥):
اختلفَ العلّماءُ في لَبَنِ الفَحْلِ: فطائفةٌ أنْزَلَتْهُ منزلةَ الأُمِّ (٦)، وهو قولُ مالكٍ وجميع أصحابه (٧)، والشّافعي (٨) وأبي حنيفة (٩) وأصحابهما، والثّوريّ، وأحمد (١٠)، وأكثر أهل العلم (١١).
стр. 2739
وطائفةٌ كرهته، منهم: القاسم بن محمّد (١)، وعُروَة بن الزّبير، ومجاهِد (٢)، والشّعبّي (٣).
وطائفةٌ رخّضت فيه، منهم: سعيد بن المُسَيّب، وسليمان بنيسار، وعطاء (٤)، والنّخعيّ (٥).
وعلى تحريمهِ العمل، وانّما اختلفوا فيه -واللهُ أعلمُ- لأنّهم جعلوا مخالفةَ عائشة للحديث الّذي رَوَتْهُ في ذلك عِلَّةً فيه، ورُوِيَ عنها أنّها كانت لا ترى التّحريمَ من قِبَل الفَحْلِ، فكان يدخل عليها من أَرْضَعَتْهُ بنات أخيها وبنات أختها, ولا يدخل عليها من أرضعته نساء إخوتها (٦)، وهي الّتي رَوَتْ عن النّبيّ ﵇ تحريم لبن الفحل، وقالت به بعد أنّ أوقفت على ذلك النّبيّ ﵇، فقالت: يا رسولَ اللْهِ، إِنّمَا أرْضَعَتْنِي الْمَرأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ (٧).
والحُجًةُ في السُّنَّة لا فيما خالَفَها (٨)، وإن خالفَها الرّاوي لها.
وقيل: إنْ مُخالفَتَهُ لها تُبَطِلُ العمل بها، إذْ لا يمكن أنَّ يرويَ الرَّاوِي الحديثَ ثمّ يتْرُكُ العمل به إلّا وقد عَلِمَ النَّسخَ فيه، إذ لو تَرَكَهُ وهو يَعْلَم أنَّه منسوخٌ، لكانَ ذلك جُرْحَةً فيه، وليس ذلك عندنا بصحيح؛ لاحتمالِ أنّ يكونَ يَتْرُكُه لتأويلٍ تأَوَّلَهُ فيه، فلا يلزم غيرَهُ من العلماء اتِّباعه على ما تأوَّلَهُ باجتهادهِ.
فلعلّ عائشة تاولَّتْ أنّ ذلك رخصة لها في شأن أفْلَح خاصّة، كما تأَوَّلَ سائرُ أزواجِ
стр. 2740
النَّبيِّ ﵇ في رَضَاعَةِ سَالِم، فرجعْت إلى ظاهرِ القرآنِ في قوله تعالى: ﴿وَأُمِّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ الآية (١). ولهذا المعنَى اختلفَ العلّماءُ في تحريمِ لَبَنِ الفَحْلِ على ما ذكرناهُ عنهم.
المسألةُ الثّانيةُ (٢):
اختلفَ العلّماءُ في الفَحْلِ هل تقعُ به الحُرْمَة؟ فأوقعَ به الحُرمة جمهورُ الفقهاءِ.
وذُكِرَ عن ابنِ عمر وعائشة وغيرِهِمَا من الفقهاءِ أنَّه لا يؤثِّر ولا يتعلَّق به التّحريم.
وحجًتُهُم الآية، قولُه: ﴿وَأُمِّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ الآية (٣)، ولم يذكر البنت كما ذكرها في التّحريم في ذلك (٤)؛ لأنَّه ليس بنصٍّ , وذِكْرُ الشّيءِ لا يدلُّ على سُقُوطِ الحُكْمِ عما سواهُ، وهذا الحديث نصِّ فيه على إثباتِ الحُرمةِ فيه لعائشة، فكان أَوْلَى بأن يُقَدَّم.
حديثُ قولِ أمِّ حبيبة للنّبي: أُخبِرْتُ أَنَّكَ تَخْطُبُ دُرَّةَ بنتَ أبي سلمة ... الحديث المتقدِّم (٥).
стр. 2741
الفصل الرّابع في بيانِ ما تقعُ الحُرْمَةُ من الرَّضَاعِ
حديث:"لَا تُحْرَّمُ المَصَّةُ والْمَصَّتَانِ، والإِمْلَاجَةُ والإمْلَاجَتَانِ".
قال الإمام: حديثُ المَصَّةِ والمَصّتَينِ لم يُخرِجه البخاريّ وخرَّجَهُ مسلم (١) والنَّسائي (٢) والدّارقطني (٣) من روايةِ أُمِّ الفَضْلِ، بألفاظٍ متقاربةٍ، في بعضها: "لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ والمصّتانِ والإملاجةُ والإملاجتانِ"، ورواهُ ابنُ وهبٍ عن مالك بتحريم المصَّةِ والمصَّتينِ على ما وقع في "المدوّنة" (٤)، فوجبَ أنَّ يسقط لهذا الاختلاف، ولذلك لم يُخرجه البخاريّ واللهُ أعلمُ، وكذلك اضطربَ فيه ابن الزُّبير، فرواه عن عائشة ومرَّةً عن النَّبيِّ ﵇، ومرّة عن أبيه، فَرَدَّهُ العلّماءُ من أجلِ هذا الاختلاف.
قال الإمام (٥): وهذا كلُّه لا حُجَّةَ فيه؛ لثُبُوتِ عبدٍ الله بنِ أبِي مليكة عليه، وهو إِمامٌ عظيمٌ أدركَ ثلاثبن من أصحاب النَّبيِّ ﵇.
قولُه (٦): "مِنَ الرَّضَاعَةِ" قال ابنُ السِّكِّيت (٧) وغيرُه: فيه لغتان: كسرُ الرّاءِ وفتحُها، وكذلك الرّضاع يقال: رَضِعَ بفتح الضّاد وكسيرها, لغتان (٨)، وَرَضُعَ -بضم الضَّاد-: إذا كان لئيمًا فهو رَاضِعٌ، وجمعُه رُضَّع، ومنه قول سَلَمَة (٩):
стр. 2742
خُذْهَا وأَنَا ابْنُ الأَكَوَعْ
واليَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعْ
أي: يوم هلاك اللَّئام.
وأمّا قولُه (١): "إِنَّما الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ" أي: الّذي يُسقَى من الجُوع اللّبن هو الرّضيع الّذي له حرمة.
واللِّقَاحُ: ماءُ الرَّجُل, ويقالُ بفتحِ اللّامِ، قاله الخليل (٢)، وأمّا اللِّقاحُ -بكسرِ اللّام- فهو جَمْعُ لِقْحَة (٣).
الفقه في ستّ مسائل:
المسألةُ الأولى (٤):
فمذهبُ مالكٍ وجميعِ أصحابِهِ -وهو قولُ أكثر أهل المدينة-؛ أنّ قليلَ الرَّضاعةِ وكثيرها يُحَرَّمُ؛ لأنَّه ظاهر القرآن، وحديث المَصَّةِ والمَصَّتين أيضًا.
وأمّا حديث عائشة (٥): كَانَ مِمَّا نَزَل فِيمَا أَنَزَلَ اللهُ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرَّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُول اللهِ وَهُوَ مِمَّا يُقْرَأ في الْقُرْآنِ.
قال الإمامُ: وهذا ممَّا لا تصحُّ به حُجَّة؛ لأنّها أحالت على القرآنِ في الخمس رَضَعَاتٍ، ولم توجد فيه، ولذلك قال مالك (٦): ليس العملُ على هذا.
стр. 2743
وقال من ذهب إلى الأخذ بالخَمْسِ رَضَعَاتٍ: إنَّ هذا ممّا نُسِخَ خَطُّهُ وَبَقِيَ حُكْمُه كآية الرَّجْمِ، وهذا لا يصحّ؛ لأنّ نسخَ القرآنِ لا يصحُّ أنَّ ينسخ إلّا بأمر اللهِ، ولا يصحْ إِلَّا في حياةِ النَّبيِّ ﵇، وأمّا بعد وفاتِهِ، فلا يجوزُ أنّ يذهبَ من صدورِ الرَّجالِ، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) وقد أَخبَرَتْ هيَ أنَّ رسولَ الله ﷺ تُوُفِّيَ وَالخمْسُ رَضَعَاتٍ تُقْرَأُ في الْقُرْآنِ، ولو كان ذلك لَمَا سَقَطَ من القرآدب، فلعلَّها أرادت أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ تُوُفِّيَ وهُن ممّا يُفرَأنَ منَ القرآنِ المنسوخِ، أي يعلم أنَّ ذلك كان قرآنًا فَنُسِخَ خَطُّهُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ كآية الرَّجمِ، فكان مِمَّا يُذْكَرُ في القرآنِ المنسوخِ خَطُّهُ، والله أعلمُ.
المسألة الثّانية (٢):
قال علماؤنا (٣): والرَّضَاعُ يَحْرُمُ بِلَبَنِ المسلماتِ والمشركاتِ، الحرائرِ والإِمَاءِ، الأموات والأحياء، من قِبَلِ الأُمِّ ومن قِبَلِ الفحل، إنَّ كان الوطءُ حلالًا، أو بوجهِ شُبْهَةٍ، يلحق به الولد.
واختلفَ العلّماءُ إذا كان الوَطْءُ حرامًا لا شُبْهَةَ فيه كَوَطْءِ الزِّنا، ومن تزوَّجَ مَنْ لا تحلُ له وهو عَالِمٌ، هل تَقَعُ به الحرمَة مِنْ قِبَلِ الفحل أم لا؟ على قولين، فكان مالك ﵀ يرى أنَّ كلَّ وَطْءٍ لا يلحق به الوَلَد فلا يحرم بِلَبَنِهِ، يريد من قبل فحله، ثمّ رجع إلى أنَّه يُحَرِّمُ، وإلى هذا ذهب سحنون، وقال: مَا عَلِمْتُ مَنْ قال مِنْ أصحابنا أنّه لَا يُحَرِّمُ، إلّا عبد المَلِك، وهو خطأ صريح وقد أمر النَّبيُّ ﵇ سودة بأن تحتجب من وَلَدٍ أَلْحَقَهُ بِأَبِيهَا، لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بعُتْبَةَ (٤).
стр. 2744
قال ابنُ الموّاز: وإذا أرْضَعَت بلَبَنِ الزِّنَا صبِيًّا فهو ابنٌ لها , ولا يكون ابنًا للَّذي زَنَى بها, ولو كانت صبيَّةَ فتزوَّجها الزَّانِي بها, لم أَقْضِ بفَسْخِ نكاحِهِ، وأَحَبُّ إلَيَّ أنَّ يجتنب ذلك من غيرِ تحريمٍ، وأمّا ابنتُهُ منَ الزِّنا، فلا يتزوَّجُها , وإن كان ابن الماجِشُون قد أجازَهُ، ومكروهُهُ بَيِّنٌ، لقوله ﵇ لسَوْدَة في الوَلَدِ الّذي أَلْحَقَهُ بأبِيها: "احْتَجِبِي مِنْهُ" لمّا رأى من شَبَهِهِ بِعُتبَة، فكيف يَتَزَوَّجُهَا عُتْبَة لو كانت جارية؟.
المسألة الثّالثة (١):
قال علماؤنا (٢): وتقعُ الحُرْمَةُ بلَبَنِ البِكْرِ، والعجوزِ الّتي لا تلد، وإن كان من غير وَطْءٍ، إذا كان لَبَنًا, ولم يكن ماءً أصفر لا يُشْبِهُ اللَّبَنَ.
وأمّا الرّجل، فلا تقعُ الحُرْمَةُ برَضَاعِه وإن كان له لبنٌ، وما أَظُنُّه يكون، فقد أنكر ذلك مالك فقال: وإنّما يُحّدِّثُ بهذا قومُ نفاقٍ.
المسألة الرّابعة:
اختلافَ العلّماءُ في حُرْمَةِ رِضَاعِ الكبيرِ، فجمهورُ الفقهاء على أنَّه لا يُؤَثِّرُ ولا يُحَرِّمُ، وإنّما (٣) يحرمُ منه ما كانَ في وقتِ الرَّضاعِ، كما قال سعيد بن المُسَيِّبِ: "لا رَضَاعَةَ إِلَّا مَا كَانَ في الْمَهْدِ، وإلّا مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَالدَّمَ" (٤) وذلك مَرْوِيٌّ عنِ النَّبيِّ ﷺ .
وذهب دَاوُد إلى أنَّه يؤثر (٥) لأجل حديث سالم (٦)، وقد قال فيه: "أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِينَ عَلَيْهِ" هذا (٧) الحديث حَمَلَهُ مالك وأكثر أهل العلم على أنَّه خاصّ بسالم مَوْلَى أبي
стр. 2745
حُذَيْفَة، كما حَمَلَهُ أزواجُ النَّبيِّ ﷺ مَا عَدَا عائشة. وممّن (١) قال: إنَّ إرضاعَ الكبيرِ ليس بشيءٍ، عمر بنُ الخطّابِ، وعليّ بن أبي طالب ﵃ وابنُ مسعود، وأبو هريرة، وابنُ عبّاس، وسائرُ أزواج النَّبيِّ ﷺ غير عائشة، وجمهورُ التّابعين، وفقهاء الأمصار، وحجّتُهم قوله ﷺ : "إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِن المجَاعَةِ" (٢)، وَ"لَا رَضَاعَةَ إِلَّا مَا أَنْبَتَ اللّحْمَ وَالدَّمَ" (٣).
المسألةُ الخامسةُ (٤):
قال علماؤنا (٥): ويُستحَبُّ للأمِّ أنَّ تُرْضِعَ ولدَها، فإنّه رُوِيَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "ليْسَ لَبَنٌ يرضع بهِ الصَّبِيّ أَعْظَم بَرَكَةً عَلَيْه مِنْ لَبنِ أُمِّهِ" (٦) ولذلك كانتِ المطلَّقةُ أحقّ برِضَاعِ ولَدِها بما ترضعه غيرها، ويُكْرَهُ الظَّؤُوْرَةُ (٧) من اليهود والنَّصارى، لِمَا يُخْشى أنّ تطعمهم الحرام، أو تسقيهم الخّمْرِ. ويُكْرَهُ رضاع الحَمْقَاءِ، وذات الطِّباع المكروهة، لِمَا رُوِيَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال:"الرِّضَاعُ يُغَيّرُ الطِّبَاعَ" (٨).
قال عبدُ الملك: ولذلك كانتِ العَرَبُ تسترضعُ أولادَها في أهلِ بيتِ السِّخَاءِ، أو بيتِ الوَفَاءِ، أو بيتِ الشّجاعةِ، وما أَشْبَهَ ذلك من الأخلاقِ الكريمة.
المسألة السّادسة (٩):
"اختلفَ العلّماءُ في شهادة المرأة في الرِّضاعِ، وإن كانوا قد اتَّفَقُوا على الوِلَادَةِ، على تفصيلِ فيه، ومختصر الخلافِ في ذلك الآن في الخاطر سبعة أقوال:
القولُ الأوّل: أنّها تُقبلُ شهادتهُنَّ في الرَّضاع في الجملةِ. وقال أبو حنيفة: لا
стр. 2746
مدخلَ لها في ذلك (١).
الثّاني: أنّها تُقْبَلُ وتُجْزِىءُ في ذلك واحدةٌ (٢)، على ما يأتي بيانُه إنَّ شاء الله.
الثّالث: أنَّه لا يجزىءُ فيها أقلّ من امرأتين (٣).
الرّابع: أنَّه لا يجزىءُ في ذلك أقلّ من أربع نِسْوَة، قال الشّافعي: في كلِّ شيءٍ (٤).
الخامس: قال أبو حنيفة: إنَّ كان ممّا يشهدن فيه ما بين السُرَّة إلى الرَّكْبَة، قُبِلْت واحدةٌ (٥).
السّادس: لا تُقبَلُ أقلّ من ثلاث نَسْوَة.
السّابع: أنّه يُجزئُ في ذلك شهادةُ امرأةٍ واحدةِ، قاله ابنُ عبّاس، ومن الفقهاءِ: أحمد وإسحاق (٦).
قال الإمام: والّذي عندنا أنَّه تقبلُ في هذه النّازلةِ، ولا تُقبَلُ في الدِّماءِ ولا في الفُروجِ.
جامع ما جاء في الرَّضاعةِ
قال الإمام: حديثٌ رَوَتهُ جُدَّامَةُ بِنْتُ وَهْبٍ الأَسَدِيَّة، حديث الغِيلَةِ (٧)، وهو حديثٌ صحيحٌ.
стр. 2747
العربيّة:
قال علماؤُنا المحدِّثون: هي جُدَّامة بضمّ الجيم وبتشديد (١) الدَّالِ المُهْمَلَةِ (٢)، والغِيلَةُ: بكسرِ الغَيْن ولا يجوز الفتح (٣).
وأصلُ الغِيلَة هاهنا: الشّرَ، يقال: غَايَلَهُ، أي: أَضَرَّهُ، وتقولُ، في تصويف الغِيل، قد أغال الرَّجُل وَلَدَهُ يُغِيلُه إِغّالةً وغَيْلًا، والولدُ مُغَالٌ، ومُغْيَلٌ والاسم منه الغيلة، والغِيلَةُ أيضًا -بكسر الغين-: أنَّ يخدع الرَّجُلُ الرَّجُلَ فيقتله (٤).
الأصول (٥):
قال الإمامُ: قول النَّبيِّ ﷺ (٦): "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ".
ذكر علماؤُنا في ذلك: أنَّه دليلٌ على جَوازِ حُكْمِ النَّبيِّ ﷺ بالاجتهادِ؛ لأنَّه لو كان وَحْيًا لم يَرِد عنه إِلَّا ما يَرِد نَسْخًا, ولكنَّ الحِكْمَةَ في ذلك والنُّكْتَةَ فيه أمرٌ يجبُ أنَّ تُحَصِّلُوهُ؛
стр. 2748
وهو أنَّ النَّبىِّ ﷺ -كان استقرَّ عندَهُ من الشَّريعةِ بالوحي المُنزَّلِ، أنَّ الضَّرَرَ والمُضَارَّةَ حرامٌ، ورأَى مجرى العادةِ أنّ الماءَ رُبَّمَا أغالَ اللَّبَنَ فأَضعفَ الطّفلَ، فأرادَ أنّ يَنْهَى عنه لِعُمُومِ تحريمِ الضَّرَر، ثمّ تَذكَّرَ أنَّ الحالَ في ذلك منقسمةٌ، منها ما يَضُرُّ، ومنها لا يضُرُّ، فأمسكَ عن ذلك إبقاءً لتحليلِ الوَطْءِ على أصلِه، أمّا إنّه حقٌّ للزّوِجِ، فإن شاءَ أنّ يستوفِيَهُ لم يَسْقُطْ يقينُ حقِّه الواجبِ بالشَّكِّ في ضَرَرِ المولودِ، وإن رأَى أنَّ يُسْقِطَ حقَّه أخْذًا لولده بالأحوطِ، ولم يَكُنْ للمرَأةِ في ذلكَ كلامٌ؛ لأنَّ الزَّوجَ يَفْضُلُها بالقوّاميّةِ الّتي جعلَها اللهُ عليه في قولِه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآية (١).
تَمَّ
كتابُ الرّضاع والحمد للهِ (٢)
تمَّ بحمد اللَّه ومَنِّه الجزء الخامس
بالتجزئة السُّليمانية، ويليه الجزء
السّادس، وأوّله: كتاب البيوع
стр. 2749
المسالك في شرح مُوَطَّأ مالِك
للقاضي أبي بكرمحمد بن عبدالله بن العربيّ المعافريّ
(المتوفَّى سنة: ٥٤٣هـ)
قرأه وعلّق عليه
محمّد بن الحسين السُّليماني
عائشة بنت السُّليماني
قدَّم له
الشّيخ الإمام يوسف القَرَضَاوي
رئيس الاتحاد العالمي لعلّماء المسلمين
المجلد السّادس
دَار العَرَبَّ الإسْلامي
стр. 2750
دَار الغرَبَّ الإسْلامي
جميع الحقوق محفوظَة
الطبْعة الأولى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
دار العرب الإِسلامي
ص: ب. ٥٧٨٧ - ١١٣ بيروت
جميع الحقوق محفوظة. لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في
نطاق استعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل
إلكترونية أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو
الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر
стр. 2751
المسالك في شرح مُوَطَّأ مالِك
للقاضي أبي بكر محمّد بن عبد الله بن العربيّ المعافريّ
(المتوفَّى سنة: ٥٤٣ هـ)
المجلد السّادس
стр. 2752
كتاب البيوع
ولا بدّ فيه من مقدِّماتٍ وقواعدَ وتمهيداتٍ تُفسِّر لَكَ ما أشْكلَ منه، وتوضِّحُ لك ما خَفِيَ منه، وإقامة الأدلَّة من الكتاب والسُّنَّةِ. قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) وهذه الآيةُ الأصلُ في جَوَازِ البيوعِ كلِّها، واختلفَ العلّماءُ فيها، هل هي مُجْمَلَةٌ أو عامَّةٌ؟ والصَّحيحُ عندنا أنَّها عامَّةٌ في كلِّ بيْعٍ.
فإن قيل: فإذا كانتِ الآيةُ عامَّةَ، فَلأَيِّ شيءٍ لم تجزْ بعضُ البيوع؟
قلنا: ما نقضّ البيوعَ لم يجُز؛ لأنّها خرجَت بدليلٍ، وهو قولُه ﵇، وما دَاخلَهُ فسادٌ لم يجز؛ لأنّ حدَّ العامِّ: ما اشتمل اثنانِ فصاعدًا.
وقولُه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ (٢) قالت ثَقِيف: كيف نتبرّأ عن الرِّبا وهو مثل البَيْع؟ فنزلت فيهم الآية (٣).
قال علماؤنا: الرِّبَا كناية عن استجابةٍ في البُيْعِ وقَبْضِهِ بالْيَدِ؛ لأنّ ذلك إنَّما يفعَلُه المُرْبي قَصْدًا لما يأكلُه (٤).
والرِّبا في اللّغة: الزِّيادة، وكان الرِّبَا عندهم معروفًا، يُبَايع الرّجلُ الرّجلَ إلى أجَلٍ، فإذا جاء الأجَلُ، قال: تعطني أم تربي على ما عليه؟ أو تضرب أجلًا آخر؟ فحرَّمَ اللهُ الرِّبا، وسيأتي بيانُه في موضعه إنَّ شاء الله.
стр. 2753
المقدِّمة الأولى (١) في حقيقة العَقْد
قال القاضي الزَّنْجَانِيُّ ببَيْتِ المقْدِس: البيْعُ والنِّكاحُ عَقْدَانِ يتعلَّقُ بهما قِوَامُ الإنسانِ، وذلك أنَّ اللهَ خَلَقَ الآدميِّ محتاجًا إلى الغداءِ مُشْتَهِيًا للنِّساءِ، وخَلَقَ له ما في الأرضِ جميعًا، كما أخبر في صادق كتابه، ولم يترُكْهُ سُدىً يتصرَّفُ في اقتضاءِ شَهَواتِه ويستمتعُ بنفسه باختياره كما فعَلَ بالبهائم؛ لأنَّه فَضَّله عليها بالعقل الّذي جعَلَه لأجله خليفةً في الأرض، وبتعارُض الشّهواتِ والعقل تَعَيَّنَ أنّ يكون هنالك قانونٌ ينفَصِلُ به وَجْهُ المنازعةِ بين الأمرين، فتستَرْسِلُ الشّهوةُ بحُكْمِ الجبِلَّةِ، وتقيِّدُها العلّائقُ بحُكْم الشّريعة، وجعلَ لكلِّ واحدٍ من المكلَّفين اختصاصًا يقالُ له: المِلْكُ، بما يتهيَّاُ به النّفعُ، وجعل له سببينِ:
أحدُهما: يُثْبِتُهُ ابتداءً، وهو الاصطيادُ، والاحتشاشُ، والاحتِطابُ، والاقتِطاعُ، على اختلافٍ وتفصيلٍ.
والثّاني: ينقُلُه من يَدٍ إلى يَدٍ، وهو على وجهين:
أحدُهما: بغير عِوَضٍ، وهو الهِبَةُ.
والثّاني: بعِوَضٍ، وهو البَيْعُ وما في معناه، وهذا بَابُهُ، وله شروطٌ كثيرةٌ، ومُفْسِداتُهُ أكثرُ، لِمَا قضَى اللهُ أنّ يكونَ الفسادُ أكثرَ مِنَ الصَّلاحِ، والشّرُّ أضعافُ من الخَيْرِ، ولذلك تمتلىءُ النَّارُ بأهلِهَا وتبقَى الجنّةُ خاليةً حتَّى يُنْشِىءَ اللهُ لها خَلْقًا آخرَ.
стр. 2754
المقدِّمةُ الثّانية في حَصْرِ شُرُوطِهِ
وهي ثلاثةٌ:
أحدُها: أهليةُ المُتعاقِدَيْنِ، وهو أنّ يكون كلُّ واحدٍ منهُمَا عاقلًا بالغًا، على اختلافٍ وتفصيلٍ، لم يَتَقدّمْ عليه حَجْرٌ باتِّفاقٍ، ولا أَدْرَكَهُ سَفَةٌ في مالِهِ على اختلافٍ (١)، على ما نبيَّنُه إنَّ شاء الله، فنقول (٢):
يكون فسادُ البيعِ من خمسةِ أوجُهٍ:
١ - منها ما يرجِعُ إلى المَبِيع.
٢ - ومنها ما يرجعُ إلى الثَّمَنِ.
٣ - ومنها ما يتعلَّقُ بالمتعاقِدَيْنِ.
٤ - وما يرجعُ إلى صفةِ العَقْدِ.
٥ - وما يرجعُ إلى الحال الّتي يقعُ العَقْد فيها.
وأمّا ما يرجعُ إلى المَبِيعِ، فأن يكون ممّا لا يصحُّ بيعُهُ، وذلك خمسة أشياءٍ:
١ - الإنسانُ الحُرّ.
٢ - والخمرُ (٣).
٣ - والخنزيرُ (٣).
٤ - والنّجاسةُ.
٥ - وما لا منفعةَ فيه، نحو خَشَاش الأرضِ والضَّفادع (٤) ونحو ذلك.
стр. 2755
وأمّا الراجعُ إلى الثَّمَن، فَأَن يكونَ ممّا لا يحلّ تملّكه.
وأمّا الرّاجعُ إلى المعاقِدَيْنِ، فأن يكونا أو أحدهما ممّا لا يصحُّ عندَهُ، ولذلك أربعة أوصاف:
١ - الصّغَرُ.
٢ - والجُنونُ.
٣ - والحَجْرُ عليه في الكثيرِ وغيرِهِ.
٤ - والجهلُ بالمَبِيعِ.
وأمّا ما يرجعُ إلى صفةِ العَقْدِ، فأربعةُ أشياءٍ:
١ - الرِّبَا ووجوهُهُ.
٢ - والغَرَرُ وأبوابُهُ.
٣ - والمزابَنَةُ وأحكامُها.
٤ - والبَيعُ والسَّلفُ في عَقْدٍ واحدٍ.
وأمّا ما يرجعُ إلى حال العَقْدِ، فأحد عشر شيئًا:
١ - البيعُ على بَيْعِ أخيهِ (١).
٢ - الثّاني: التّبايعُ في حالِ الخُطْبة والصّلاةِ يوم الجمعة.
٣ - الثّالث: بيعُ نجش (٢).
٤ - الرّابع: بيعُ العُرْبَانِ.
٥ - الخامس: بيعُ المُنابذةِ (٣).
٦ - السّادس: بَيْعُ المُلامسةِ (٤).
٧ - السّابع: بَيْعُ الحصاة (٥).
стр. 2756
٨ - الثّامنُ: ببعتان في بيعة.
٩ - التّاسعُ: ما يعلم صاحبه وزنه وكيله، فيبيعُه جُزَافًا على ظاهرِ المذهب.
١٠ - العاشرُ: بيع الموقوف.
١١ - الحادي عشر: بيعُ الغائبِ على خيارِ الرُّؤيةِ (١).
فصل (٢)
وأمّا البيوعُ المحظورة، فإنّها تنقسمُ إلى قسمينِ:
أحدُهما: ما كانَ محظورًا لحقِّ الآدميِّ.
والثّاني: ما كان محظورَا لحقِّ الله.
فأمّا ما كان محظورًا لحقِّ الله، فإن ذلك ينقسم إلى أربعةِ أقسامٍ:
أحدُها: ما كان محظورًا لتعلُّقِهِ بالمحظولي في الشَّرعِ، دون أنَّ يطابقه نهىٌ، أو يُخِلُّ فيه شرطٌ من الشَّرائطِ المُشْتَرَطَة في صحَّتِه.
الثّاني: ما طَابَقَهُ النّهي ولم يُخِلَّ فيه شرطٌ من الشَّرائطِ المُشترَطَةِ في صِحَّته.
الثّالث: *ما أخلَّ فيه بشرطٍ من شرائط صحَّتِه.
الرّابع*: بيوعُ الشّروطِ، وهي الّتي يسمِّيها الفقهاء بيوع الثنيا.
وأمّا القسمُ الأوَّلُ وهو ما كان محظورًا لتعلُّقِهِ بالمحظورِ دونَ أنّ يطابِقَه نهىٌ أو يخل فيه شرطٌ من شرائطِ صحَّتِهِ، مثل أنَّ يَبِيعَ قبلَ الصّلاةِ في آخرِ وقتِهَا بقَدْر ما لا يُدْرِكُهُ قبل تمامه إِلَّا ركعة من الصّلاةِ، ويعلَم أنَّه يفوته جميع الوقت باشتغاله بالبَيْعِ، ومثلُ البَيْعِ والشِّراءِ في موضعٍ مغصوبٍ* وما أشبه ذلك؛ فإنّ البيعَ على هذا الوجه حرامٌ محظورٌ غير جائز، إِلَّا أنَّه إذا وقع لم* يُفْسَخ، فاتَ أو لم يَفُت باتِّفاق، إِلَّا ما كان من هذا النوع علّة الحَظْرِ فيه باقية ببقاء المَبِيعِ، مثل شراء النّصرانىّ المُصْحَف والمسلم،
стр. 2757
وغير ذلك؛ فإنَّه يُفْسَخ، لبقاءِ علَّةِ الحَظْرِ فيه بعدَ البَيْعِ، وقيل: إنّه لا يُفْسَخ وتُرْفَعُ العلَّة بِبَيْعِ المشتري، في كلامٍ طويلٍ لهم.
المقدِّمة الثّالثة في معرفة الرِّبا وأبوابه
قال اللهُ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ الآية (١)، فلفظ البَيْع عامٌّ؛ لأنّ الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللّام صار من ألفاظ العموم، قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ الآية (٢)، فاستثنَى من الإنسان جماعة المؤمنين لاقتضائه العموم، واللَّفظُ العامّ إذا وَرَدَ فإنّه يُحْمَلُ على عُمُومِهِ، إِلَّا أنَّ يأتيَ ما يخصُّهُ، فإن خَصَّ منه شيئًا، بَقِيَ ما بعدَ الخُصوصِ أيضًا، فيندرجُ تحت قويهِ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ الآية (٣) كلّ بيعٍ إِلَّا ما خُصَّ منه بالدَّليلِ، وقد خصَّ منه بأدلَّةِ الشَّرعِ بيوعٌ كثيرةٌ، فيبقى ما عداها على أصلِ الإباحةِ منه، ولذلك قنا في البيوعِ الجائزةِ إنّها ما لم يحظرها الشَّرعُ، ولا وَرَدَ فيها النّهيُ.
قال علماؤنا (٤): الرِّبا في الصَّرْفِ وفي جميعِ البيوعِ، وفيما تقرَّرَ في الذِّمةِ (٥)، حرامٌ مُحَرَّمٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ وإجماعِ الأُمَّةِ.
فأمّا الكتابُ، فقولُه تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ الآية (٦)، وقولُه: ﴿يَا أَيُّهَا
стр. 2758
﴿الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ الآية (١) وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ الآية (٢)، والنّهي إذا قُرِنَ به الوعيدُ، عُلِمَ أنَّ المرادَ به التّحريم.
وقولُه تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآية (٣)، يريدُ نهيَ تحريمٍ؛ لأنَّه عَطَفَهُ على ما نصّ على تحريمه، إِلَّا أنَّ الاحتجاجَ بهذه الآية على تحريم الرِّبا إنّما يصِحُّ على مذهب مَنْ يرى أنَّ ما أخبر اللهُ تعالى به من شرائعِ مَنْ قَبْلَنَا من الأَنبياء لازمٌ لنا، إِلَّا أنّ يَأتيَ في شَرْعِنا ما ينسخه عنّا، وإلى هذا ذهب مالك (٤) ﵀؛ لأنَّه قد احتجَّ في "مُوَطَّئِهِ (٥) بقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ الآية (٦)، يريد في التّوراة، وهو الصّحيحُ، لقوله ﵇: "إِذا نَامَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيهَا ثُمً فَزعَ إلَيهَا فلْيُصَلِّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا في وَقْتِهَا، فَإِنَّ اللهَ تعَالَى يقولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٧) " (٨) والخطابُ بهذا إنّما هو لمُوسَى ﵇، وهذا بَيَّنٌ، وقدِ اختلفَ العلّماءُ في ذلك على أربعةِ أقوالٍ:
أحدهما: أنّها لازمةٌ لنَا جملةً من غيرِ تفصيلٍ (٩)، بدليلِ قولِه : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ الآية (١٠).
стр. 2759
الثّاني: أنّها غيرُ لازمةٍ لنا جملةً من غيرِ تفصيلٍ (١)، بدليلِ قولِهِ تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٢).
الثّالث: أنّها غيرُ لازمةٍ لنا إِلَّا شِرعة إبراهيم ﵇، لقولهِ تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية (٣)، وقولِهِ: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية (٤).
الرّابع: أنّها غير لازمةٍ لنا إِلَّا شِرْعَة عيسى؛ لأنّها آخر الشّرائع المتقدِّمة، وكلُّ شِرْعَةٍ ناسخةٌ للّذي قَبْلَها، وهذا القولُ ضعيفٌ؛ لأنّ شِرْعَةَ عيسى إذا كانث ناسخةً لِمَا قَبْلَها من الشّرائعِ، فشريعتُنَا ناسخةٌ لشِرْعة عيسى، وهذا لا غُبَارَ عليه.
فصل (٥)
وأمّا قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ﴾ الآية (٦)، المعنى: الّذين يربون في تجارتهم في الدُّنيا، لا يقومونَ يوم القيامة من قبورهم إِلَّا كما يقومُ الّذي يتخبَّطُهُ الشّيطانُ من المَسُّ، أي: يصرعُه من الجنونِ.
وُيرْوَى (٧) أنَّ أَكَلَةَ الرِّبا يُعْرَفُونَ يوم القيامة أنّهم أكَلَة الرِّبَا يأخذُهُم خَبَلٌ يُشْبِهُ الخَبَلَ الَّذِي يَأخُذُهُمْ في الآخِرَةِ بالجُنُونِ الّذِي يَكُونُ في الدُّنْيَا.
وفي الصّحيحِ أنّ النَّبيَّ ﵇ حَدَّثَ عَنْ لَيْلَةِ الإسْرَاءِ فَكَانَ في حَدِيثِهِ أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ عَلَى سَابِلَةِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ يُنْطَلَقُ بهِمْ إلى النَّارِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ الآية (٨)، ثُمً قَالَ: وإِذَا أَنَا بِرِجَالٍ بُطونُهُمْ كَالبُيُوتِ، فَيَقُومُون فَيَقَعُونَ بِبُطُونِهِمْ، قَالَ:
стр. 2760
قُلْتُ: يَا جبْريلُ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ أَكَلَةُ الرِّبَا، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآية: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ الآية (١)(٢).
وفي "صحيح البخاريّ" (٣) عن النَّبيِّ ﵇ قال: "رَأَيْتُ اللّيْلَةَ رَجُالٌ أَتَيَانِي، فأخْرَجَانِي إِلَى أَرْضِ مُقَدَّسَةٍ، فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَينَا عَلَى نَهْرٍ مِنْ دَمٍ، فِيهِ رِجَالٌ قَائِمُونَ في وَسَطِ النَّهْرِ، وَرَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقبَلَ الرّجَالُ الَّذينَ في النَّهْرِ، فَإِذَا أَرَادُوا أنّ يَخْرُجُوا رَمَى فِي فِيهِمْ بِحِجَارَةٍ فَرَجَعُوا كَمَا كَانُوا، فَقُلْتْ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ الّذِيْنَ رَأَيْتَ في النَّهْرِ: هُمْ أَكَلَةُ الرَّبَا".
وأمَّا السُّنّةُ، فمنها ما رواهُ ابن مسعود؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤكِلَهُ وشَاهِدَهُ وَكَاتِبَهُ (٤)، قال: هُمْ سَوَاءً (٥)، ومن ذلك تحريم التّفاضُلِ بين الذَّهَبِ والفِضَّةِ، على ما يأتي بيانُه إنَّ شاء الله.
وأمّا الإجماعُ، فمعلومٌ من دِينِ الأُمَّةِ ضرورةً أنّ الرِّبَا يحرمُ في الجملةِ، وإن اختلفوا في تفصيل مسائله، على ما نبُيَّنُه إنْ شاء الله.
واختلفَ العلّماءُ في لفظِ "الرِّبا" الوارد في القرآنِ، هل هو مِنَ الألفاظِ العامّةِ الّتي يُفْهَمُ المرادُ بها وتُحملُ على عمومِهَا حتّى يأتي ما يخصِّصُها؟ أو من الألفاظِ المُجْمَلَةِ الّتي لا يُفْهَمُ المرادُ منها من لَفْظِها وتَفْتَقِرُ في البيانِ إلى غيرها؟ على قولين، والّذي
стр. 2761
يدلُّ عليه قولُ عمر بن الخطّاب ﵁ "كَان من آخِرِ مَا أَنَزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ آية الرِّبَا، فَتُوُفّي رسولُ اللهِ وَلَمْ يُفَسِّرْهَا (١)، فَلَمَّا لَمْ يُفَسِّرْهَا عُلِمَ أنَّه لم يَعُمّ جميع وجوه الرِّبا بالنَّصِّ عليها, للعلّمِ الحاصلِ أنَّه ﷺ قد نصَّ على كثير منها، من ذلك:
تحريمُهُ صلّى الله عليه عن التّفاضُل بين الذَّهَبَيْن وبين الوَرِقَيْنِ، ونهيُهُ ﵇ عن بَيعِ وَسَلَفٍ، وعن بَيْعِ ما ليس عِنْدَكَ، وعَنْ بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ، وعن بَيْعِ المُلَامَسَةِ , وعن بَيْعِ الثّمارِ قبلَ أنّ يَبْدُوَ صَلَاحُها، وما أَشْبَهَ ذلك؛ لأنّ هذه الأحاديث تُحْمَلُ على البيانِ والتّفسير لمَا أَجْمَلَ اللهُ في كتابه من ذِكْرِ الرَّبَا، وما لم ينصّ عليه ﷺ من وجوه الرِّبا، فَإنّه أَحَالَ فيه على طُرُقِ الأدِلّة أدِلّة الشّرع وبيَّنَ وجوهها، وما تُوُفِّي رسولُ الله إِلَّا بعدَ أنَّ كَمُلَ الدّينُ، وبعد أنَّ بين كلّ ما يحتاجه النَّاس، قال اللهُ تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية (٢).
قال (٣): وممّا يدلُّ على ما تأَوَّلنا حديثُه ﵇ في جميع أنواع الرِّبَا، وقولُ عمر: "إِنكُم تَزْعُمُونَ أَنَّا نَعْلَمُ أَبْوَابَ الرَّبَا، وَلأَنْ أَكُونَ أَعْلَمُهَا أَحَبَ إلَيَّ مِنْ أنّ يَكُونَ لِي مِثْل مِصْر وَكُورِها, ولكن من ذلك أبوابٌ لا تخفينّ على أحدٍ: أَنْ تُبَاعَ الثَّمرة وهي مُعْصِفَةٌ (٤) لم تطب، وأنْ يُبَاعَ الذَّهَبُ بِالوَرِقِ والورقُ بالذَّهَبِ نَسِيئًا (٥). فأخبرَ ﵁ أنّ من وجوهِ الرِّبَا ما هو بَيّنٌ جَلِيٌّ لِنْصِّ النَّبيِّ ﵇ عليه، ومنه ما هو باطنٌ خَفِيٌّ لِعَدَمِ
стр. 2762
النَّصِّ فيه، وتَمَنَّى أنَّ تكونَ جميع وجوه الرِّبَا ظاهرة جلية يعلمه بنصِّ النَّبيِّ ﵇ عليها, ولا يفتقر إلى طَلَبِ الأدِلَّةِ في شيءٍ منها، واللهُ (١) لَمَّا أراد أنَّ يَمْتَحِنَ عبادَهُ ويبتليهم فَرَّقَ بين طرق العِلْمِ، فجعلَ منها ظاهرًا جليًا وباطنًا خفيًّا، ليُعْلَمَ الباطنُ الخَفِىُّ بالاجتهادِ والنَّظَرِ من الظّاهر الجلىِّ، فرفعَ بذلك الّذين آمنوا والّذين أُوتُوا العلّمَ درجاتٍ، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ الآية (٢).
قال علماؤنا (٣): فمنِ استحلَّ الرِّبا فهو كافرٌ حلالُ الدَّمِ يُسْتَتَابُ، فإن تابَ وإلَّا قُتِلَ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٤) يريد عاد إلى الرِّبا مستحلًّا له؛ لأنّ الخلودَ في النّار من صفاتِ الكافرينَ.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ الآية، إلى قولِهِ: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية (٥) أي: إنْ لم تفعلوا فتقبلُوا ذلك وتُقِرُّوا به ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية (٦)، أي: فاعلموا أنكم مُحَارَبُونَ من اللهِ ورسولِهِ لأنّكم مشركون.
وقد بيَّنَّا أنّ أصلَ "الرِّبَا" لغةً وشرعًا: الزّيادةُ، يقال: رَبَا الشَّيْءُ يَرْبُو، إذا زَادَ وعَظُمَ، وأرْبَى فلانٌ على فلانٍ إذَا زادَ عليه، يُرْبِي إرْبَاءً، وقيل للمُرْبِيْ: مُرْبٍ لزيادته الّتي يستَزِيدُها في دَيْنِهِ لتأخره إلى أجلٍ، أو غير ذلك.
وأمَّا من باعَ بَيْعًا أَرْبَى فيه غير مُسْتَحِلٍّ للرِّبا، فعليه العقوبة المُوجِعَة إنَّ لم يُعْذَر
стр. 2763
بجهلٍ، وُيفْسَخُ البَيْع ما كان قائمًا في قول مالك وجميع أصحابه.
والحُجَّةُ في ذلك: أنَّ النَّبيِّ ﵇ أَمَرَ السَّعْدَيْنِ أنَّ يَبِيعَا آنِيَةً مِنَ المَغَانِمِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَبَاعَا كلَّ ثَلاثَةٍ بِأَرْبَعَةٍ عَيْنًا، أَوْ كُلَّ أَرْبَعَةٍ بِثَلاثَةٍ عَينَا، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَرْبَيْتُمَا فَرُدَّا" (١).
فإن فاتَ البَيْعُ، فليس له إِلَّا رأس المال، قَبَضَ الرِّبا أو لم يقبضه. فإن كان قَبَضَهُ ردَّهُ إلى صاحِبِهِ. وكذلك مَنْ أَرْبَى ثمَّ تابّ منه، فليس له إِلَّا رأس مَالِهِ، وما قَبَضَ من الرِّبا وجب عليه ردّه إلى مَنْ قَبَضَهُ منه، وإن لم يعلمه، تَصَدَّقَ به عنه، لقوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ الآية (٢).
وأمّا مَنْ أَسْلَمَ وله رِبًا، فإن كان قَبَضَهُ فهو له، لقولِهِ تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ الآية (٣)، ولقولِهِ ﵇: "مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ" (٤).
وأمّا إنَّ كان الرَّباَ لم يقبضه، فلا يَحِلّ له أنَّ يأخذه، وهو موضوعٌ عن الّذِي هو عليه، ولا خلافَ في هذا أَعْلَمُهُ، لقولِهِ: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ الآية (٥).
قيل: نزلت هذه الآية في قَوْمٍ أَسْلَمُوا, ولهم على قومٍ أموالٌ مِنَ الرِّبا كانوا أَرْبَوا عليهم، وكانوا قد قبضوا بعضه وبقي، فَعَفَا اللهُ لهم عَمَّا كانوا قبضوه، وحرَّمَ عليهم اقتضاء ما بَقِيَ منه (٦).
стр. 2764
وقيل: إنَّ هذه الآية نزلت في العبَّاس بن عبد المطَّلِب ورَجُلٍ من بني المُغِيرَة كانا يُسْلِفَان في الرِّبا، فجاء الإسلام ولهم أموالٌ عظيمةٌ في الرِّبَا، فأنزلَ اللهُ تعالى هذه الآية بتحريمِ اقتضاءِ ما بَقِيَ لهُما من الرِّبَا، فلم يقبضوا ذلك (١).
وقال رسولُ اللهِ ﷺ في حُجَّةِ الوَدَاع: "أَلَا إِنَّ كُلَّ رِبًا كَانَ في الجاهِلِيَّةِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلِ رِبًا يُوضَعُ رِبَا الْعَبَّاس بْن عَبْدِ الْمُطَّلِب" (٢).
المقدِّمة الرّابعة (٣) في تمهيدِ القواعدِ وترتيبِ الأحاديثِ الواردة فيى البيوعِ
اختلفَ النَّاسُ في أصولِ البُيُوعِ، فأَدَارَها المتكلِّمون على أربعةِ أحاديثَ، وأَدَارَهَا الفقهاءُ أيضًا على أربعةٍ، وزادَ مالكٌ فيها أصْلَيْنِ، ونحن نُبَيِّنُ ذلك على معنىَ يُوافِقُ غَرَضَ مالك في "الموطّأ" خاصّةٌ، ونُفَرِّعُ على قالَبِ كلامِهِ فيه فنقولُ:
الأصولُ سِتَةٌ: أربعةٌ من الحديثِ، واثنانِ من المعنى.
الحديثُ الأوَّلُ: حديثُ الرِّبا، قال النَّبيِّ ﵇: "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ وَالْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ، وَلَا الشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَلَا التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَلَا الْمِلْحَ بِالْمِلْحِ، إلّا سَوَاءٌ، عَيْنًا بِعَيْنِ، يَدًا بِيَدٍ" (٤) وهذا لفظ الحديث.
الثّاني: قَدِمَ النَّبيُّ ﵇ المدينةَ وهم يُسْلِفُون في الثِّمَارِ السَّنَة والسَّنَتَينِ، فقال ﵇: "مَنْ أَسْلَفَ فلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" (٥).
الثّالث: رَوَى ابنُ عُمَرَ وزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ، عن النَّبيِّ ﵇ في بَيْع الثِّمارِ؛ أمّا ابنُ عُمَر فقال: نَهَى النَّبيُّ ﵇ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا (٦)، فذكَرَهُ في
стр. 2765
الدَّرَجَةِ الثّانيةِ، ورواه زيدُ بنُ ثابتٍ في درجته الأُولى فقال: قال النَّبيُّ ﵇: "لَا تبايعُوا الثِّمَارَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا" (١) وزادَ عنه ﵇ فبيَّنَ عِلَّةَ المَنْع فقال: "أَرَأَيْتَ إنْ مَنَعَ اللهُ الثّمَرَةَ فَبِمَ يَأخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ" (٢) لكنّه عَقَّبَ عليها بما غيْر الدّليلَ وَأتعبَ في التّأويل، فقال: كَالمشُوْرَةِ لهم، فجعلَ ذلك زيدٌ في ظاهرِ الحديثِ رَأيًا عَرَضَهُ لا نَهْيًا حَرَّمَهُ، وسيأتي تحقيقُ ذلك في موضعه إنَّ شاء الله.
الرّابع: حديثُ ابنِ عمرَ وابن عبّاسٍ، قوله: "مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ" (٣) زادَ ابنُ عبّاسٍ: "وَأَحْسَبُ كُلَّ شَيءٍ مِثْلَهُ" (٤).
وكان بعضُ الأصوليِّينَ قد عَدَّ في جُملة الأربعة الأحاديث أَنَّ النَّبِىَّ "نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ" (٥)، ومعنى هذا الحديث صحيحٌ، ليس في الصّحيحِ لفْظُهُ، لكن وَرَدَ في الصَّحيحِ طرفٌ من معناهُ، وهو أنَّ النَّبيِّ ﵇ "نَهَى عَنِ اللَّمْسِ والْمُنَابَذَةِ" (٦).
وأمّا المعنى فإنّ مالكًا زَادَ في الأصولِ:
١ - مراعاة الشّبه، وهي الّتي يسمّونها الذّرائع (٧).
٢ - والثّاني (٨): المصلحةُ، وهو كلُّ معنىً قامَ به قانونُ الشَّريعةِ، وحَصَلَتْ
стр. 2766
به المنفعةُ العامَّةُ في الخَلِيقَةِ، ولم يُسَاعَدْ على هذين الأصلّين، وهو في القولِ بِهمَا أقومُ قِيلًا، وأهدَى سبيلًا، وقد بَيَّنَّا ذلك في "كتاب النِّكاح" إنَّ شاء الله.
فصل (١)
أمّا حديثُ الرِّبَا، فهو أصلٌ مُتَّفَقٌ عليه بين الأُمَّةِ، وقد تكلَّموا فيه على أربعةِ أقوالٍ:
١ - فقال الشّافعيُّ: يجري في كلِّ مطعومٍ خاصّةً (٢).
٢ - وقال أبو حنيفةَ: في كلِّ مَكِيلٍ ومَوْزُونٍ (٣).
٣ - وقال مالك: يجري في كلِّ مُقْتَاتٍ (٤)، على تفصيلٍ طويلٍ.
٤ - وقال ابن الماجِشُون: يجري الرِّبا في كلِّ مالٍ.
ولم يَقُل أحدٌ من الأُمَّةِ أنَّ الرِّبا يقتصِرُ على هذه الأعيانِ السِّتَةِ، لا مِنَ الصّحابةِ فَمَنْ دُونَهُم، بل كانوا يَتَحَرَّوْنَ الرِّبَا، ويتأسَّفُونَ على أنَّ البيانَ لم يَقع فيه بالجلاءِ، وقد كان عمرُ بنُ الخطّاب يقولُ على منبرِ رسولِ اللهِ: "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا آيَةَ الرِّبَا، فَدَعُوا الرِّبَا والرِّيبَةِ" كما تقدَّمَ (٥).
وأمّا حديثُ ابن عبّاسٍ في السَّلَمِ، فإن اللهَ شَرَعَهُ مُعَيَّنَا في الحالِ، مضمونًا في الذِّمّة. وأمّا القرآنُ، فحديثُ بقرةِ بني إسرائيلَ (٦)، قال ابنُ عبّاسٍ: لو أنّهم إذ سَمِعُوا الأمرَ
стр. 2767
بادَرُوا إلى أيِّ بقرةٍ كانت لأَجْزَأَهُمْ، ولكنّهم شدَّدُوا فشدَّدَ اللهُ عليهِمْ، ولم يزَالُوا يساَلُونَ وتُوصَفُ حتّى نُعِتَتْ (١) لهم.
وأمّا السُّنَّة، فقد رُوِيَ في الأَثرِ -وهو حديث لا بَأسَ به- أنَّ النَّبيِّ ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ الْمَرْأَةَ تَصِفُ الْمَرْأَة لِزَوْجِهَا حَتَّى كَأَنَّهُ ينْظُرُ إِلَيْهَا" (٢).
وأمّا المُعَايَنَةُ، فقد أجمعَ العلّماءُ على إدراكِ المُعَيَّنَاتِ بالصِّفاتٍ، لمعرفةِ الخُدودِ، والقُدُودِ، والشُّعورِ، والأَطرافِ، ونحوِ ذلك (٣).
وأمّا قولُه (٤): "فَي ابْتَاعَ طَعَامًا فلَا يبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيهُ" فليس فيه تعليلٌ، وإنّما هو شرعٌ مَحْضٌ، واختلفَ العلّماءُ فيه على أربعة أقوال:
١ - فمنهُمْ مَنْ قال: إنّه جارٍ في كلِّ شيءٍ، وهو الشّافعىُّ (٥)، وتعلَّقَ في ذلك بما رُوِيَ عن النَّبىِّ ﵇ أنَّه "نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ ورِبْحِ ما لم يُضْمَنْ " (٦)، ورُوِيَ أنَّه لما وَلَّى عتَّابَ بن أَسِيْدٍ على مكَّةَ قال: "انْهَهُمْ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقبَضْ أَوْ ربح مَا لَمْ يُضْمَنْ" (٧)، وهذان
стр. 2768
الحديثانِ خَرَّجَهُمَا الدَّارقطنىّ (١)، وغيره، وليسا بصحيحين.
٢ - ومنهم من قال: يُحْمَلُ كلُّ شيءٍ على الطَّعامِ الّذي وَرَدَ فيه الحديثُ، بقياس أنَّه مَبِيعٌ لم يُقْبَضْ فلم يَجُزْ بَيْعُهُ كالطّعامِ، وهذا معنَى قولِ ابن عبّاسٍ: "وَأَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ مِثْلَهُ" (٢) وهذا فاسدٌ؛ لأنّا قد بَيَّنَّا أنَّه شرعٌ محضٌ وتَعَبُّدٌ صِرْفٌ، لا يُفْهمُ المعنى فيه، ولا تُعْقَلُ عِلَّتُهُ، وإنّما يكونُ الإلحاقُ عندَ فهمِ العِلَّةِ، وعَقْلِ المعنى، فَيُرَكَّبُ عليه مَثْلُه.
٣ - الثّالثُ: قولُ أبي حنيفة: هذا عامٌّ في كلِّ شيءٍ، إِلَّا في العَقَارِ (٣)؛ لأنّ العَقَارِ ليس فيه قبضٌ، إذ لا يُنْقَلُ ولا يُحَوَّلُ، وقال: إِن العَقًارَ لا يُضمَنْ بالغَضبِ؛ لأنَّه لا يُنْقَلُ ولا يُحَوَّلُ، وقد بيَّنَّا ذلك في "مسائل الخلاف "أنَّ هذا فاسدٌ، فإنّه لولا تصوُّرُ القَبْضِ في الغَصْبِ ما صحَّ أنّ يكونَ لأحدٍ به اختصاصٌ، ولا له عليه يدٌ، لكن القَبْضَ في كلِّ شيءٍ على قَدْرِ صِفَتِهِ، فالمنقولُ قبضُه إِتْيَانُه إِلَيْكَ، والعَقَارُ قَبْضُهُ مَشْيُك إليه.
وقال ابنُ المَاجِشُونِ وجماعةٌ معه: يُحْمَلُ على الطَّعامِ كلُّ مَكِيل؛ لأنَّه في معناه ولفظِهِ، ونُزِّلَ عليه الموزونُ؛ لأنّه في معناهُ الخاصِّ به، وليس الّذي يُعْرَفُ من بابِ القياسِ، وإنّما هو من بابِ كونِ الشَّيءِ في معنَى الشّيءِ الّذي يُعْرَف قبلَ التَّفَطُّنِ لوجهِ النَّظَرِ.
وقيل في الحُجَّةِ له: لَمَّا كان الطِّعامُ منه ما يُكَالُ، ومنه ما يُوزَنُ، وانقسمتِ الحالُ فيه، حُمِلَ عليه ما كان مثلَه، وقد بيَّنَّا أنَّ ذلك شرعٌ غيرُ معلَّلٍ، فلا يَصِحُّ الإلحاق بما يُغْنِي عن إعادَتِهِ.
стр. 2769
الرّابع: قولُ مالكٍ: إنّه مخصوصٌ بما وَرَدَ في الحديثِ دونَ إلحاقٍ ولا تعليلٍ، وقالَ ﵇: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتّى يَسْتَوْفِيَهُ" (١) فلذلك جوَّزَ بيعَهُ في الهِبَةِ قَبْلَ قَبْضِه.
وأمّا الشُّبهَةُ، فإنّه في أَلْسِنَةِ الفقهاءِ عبارةٌ عن كلّ فعلِ أَشْبَهَ الحرامَ (٢) فلم يكن
* منه، ولا بَعُدَ عنه، ويُسمِّيها علماؤنا الذّرائعَ، ومعناه: كلُّ فعلٍ يمكنُ أنَّ يُتَذَرَّعَ به
أي* يُتَوْصَّلَ به إلى ما لا يجوزُ، وهي مسألةٌ انْفَرَدَ بها مالكٌ دونَ سائرِ العلماء, وقد مهَّدْنَا القولَ عليها في "مسائل الخلاف" قرآنَا وسُنَّةَ، وإجماعًا من الأُمَّةِ، ولو لم يكن في ذلك إلّا الاتِّعاظُ ببني إسرائيلَ فإنّه حرَّم عليهم الصَّيْدَ في يومِ السَّبتِ، فكان الحُوتُ يجرِي في النَّهرِ أكثرَ من الماءِ وأُبِيحَ في سائرِ الأيّامِ، فكانوا لا يَجِدُون حُوتًا فيه، فتذرَّعُوا إلى صيدِ الحُوتِ في الأيامِ المباحةِ بأن سَدُّوا منَافِسَ الحُوتِ ومنافذَهُ عندَ رجوعِهِ، فلمَّا أرادَ أنّ يرجِعَ ضُرِبَتْ في وُجُوهِهِ الأسدادُ، فأصبح الماءُ كله حُوتًا، وأصبحوا هم قِرَدَة خاسئين.
وأجمعتِ الأُمَّةُ أنَّه لا تجوزُ شهادةُ الأَبِ لابنه وإن كان عَدْلًا (٣).
وأمّا المقاصدُ والمصالحُ، فهي أيضًا مِمَّا انفردَ بها مالك (٤) ﵁ دونَ سائرِ العلماء" ولابُدَّ منها, لِمَا يعودُ من الضَّرَرِ في مُخَالفَتِها، ويدخلُ من الجَهَالَةِ في العُدُولِ عنها، وقد رأيتم في ذلك تمهيداتٍ وقواعدَ، يطلقُ البيانُ عليها إنَّ شاء الله.
وإذا انتهَى الكلامُ إلى هذا المقام، فلابُدَّ من تأسيسٍ قواعدَ عَشْرِ ينبني عليها معنَى الكتاب، ويرجِعُ إليه النّاظرُ في أثناءِ الأبوابِ.
стр. 2770
القاعدةُ الأُولى (١) تحقيق الرِّبا
قال الإمامُ: سمعتُ القاضِيَ الزِّنجانىُّ ببيتِ المقدسِ يقولُ: قال اللهُ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) قال: هذه الَايةُ منتظِمَةٌ لكلِّ بَيْعٍ صحيحٍ وبَيْعٍ فاسدٍ، فأمّا البَيْعُ الصّحيحُ فقد أشرنا إليه، ولكنَّ حدَّه عندَهم (٣): كلُّ بيعٍ سَلِمَ مِنَ الرِّبَا والجَهَالَةِ، فإنّ البَيْعَ إنّما هو مُقَابَلَةُ المالِ بالمالِ، ولابُدَّ أنَّ يكونَ المالانِ من الجِهَتَيْنِ مُقَدَّرَيْنِ، والتَّقديرُ على قسمين:
١ - تقديرٌ تولاَّهُ الشَّرعُ في الأموالِ الرِّبَوِيَّةِ.
٢ - تقديرٌ يَتَوَلّى المتعاقِدَانِ ذلك باختيارِهِمَا، وذلك في سائرِ الأموالِ.
القاعدةُ الثّانيةُ (٤)
الفسادُ يرجِعُ إلى البَيْعِ من ثلاثةِ أشياءَ:
١ - إمّا من الرِّبا.
٢ - وإمّا من الغَرَرِ والجهالة.
٣ - وإمّا من أكلِ المالِ بالباطلِ.
وحَدُّهُ: أنَّ يَدخُلا في العَقْدِ على العِوَضِيَّةِ,، فيكونُ فيه ما لا يقابِلُه عِوَضٌ؛ لأنّا قد بيّنا أنَّ البيوعَ (٥) تنقسمُ على ثلاثةِ أقسامٍ:
١ - بيوعٌ جائزةٌ.
٢ - وبيوعٌ محظورةٌ.