← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

به المنفعةُ العامَّةُ في الخَلِيقَةِ، ولم يُسَاعَدْ على هذين الأصلّين، وهو في القولِ بِهمَا أقومُ قِيلًا، وأهدَى سبيلًا، وقد بَيَّنَّا ذلك في "كتاب النِّكاح" إنَّ شاء الله. فصل (١) أمّا حديثُ الرِّبَا، فهو أصلٌ مُتَّفَقٌ عليه بين الأُمَّةِ، وقد تكلَّموا فيه على أربعةِ أقوالٍ: ١ - فقال الشّافعيُّ: يجري في كلِّ مطعومٍ خاصّةً (٢). ٢ - وقال أبو حنيفةَ: في كلِّ مَكِيلٍ ومَوْزُونٍ (٣). ٣ - وقال مالك: يجري في كلِّ مُقْتَاتٍ (٤)، على تفصيلٍ طويلٍ. ٤ - وقال ابن الماجِشُون: يجري الرِّبا في كلِّ مالٍ. ولم يَقُل أحدٌ من الأُمَّةِ أنَّ الرِّبا يقتصِرُ على هذه الأعيانِ السِّتَةِ، لا مِنَ الصّحابةِ فَمَنْ دُونَهُم، بل كانوا يَتَحَرَّوْنَ الرِّبَا، ويتأسَّفُونَ على أنَّ البيانَ لم يَقع فيه بالجلاءِ، وقد كان عمرُ بنُ الخطّاب يقولُ على منبرِ رسولِ اللهِ: "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا آيَةَ الرِّبَا، فَدَعُوا الرِّبَا والرِّيبَةِ" كما تقدَّمَ (٥). وأمّا حديثُ ابن عبّاسٍ في السَّلَمِ، فإن اللهَ شَرَعَهُ مُعَيَّنَا في الحالِ، مضمونًا في الذِّمّة. وأمّا القرآنُ، فحديثُ بقرةِ بني إسرائيلَ (٦)، قال ابنُ عبّاسٍ: لو أنّهم إذ سَمِعُوا الأمرَ

стр. 2767

بادَرُوا إلى أيِّ بقرةٍ كانت لأَجْزَأَهُمْ، ولكنّهم شدَّدُوا فشدَّدَ اللهُ عليهِمْ، ولم يزَالُوا يساَلُونَ وتُوصَفُ حتّى نُعِتَتْ (١) لهم. وأمّا السُّنَّة، فقد رُوِيَ في الأَثرِ -وهو حديث لا بَأسَ به- أنَّ النَّبيِّ ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ الْمَرْأَةَ تَصِفُ الْمَرْأَة لِزَوْجِهَا حَتَّى كَأَنَّهُ ينْظُرُ إِلَيْهَا" (٢). وأمّا المُعَايَنَةُ، فقد أجمعَ العلّماءُ على إدراكِ المُعَيَّنَاتِ بالصِّفاتٍ، لمعرفةِ الخُدودِ، والقُدُودِ، والشُّعورِ، والأَطرافِ، ونحوِ ذلك (٣). وأمّا قولُه (٤): "فَي ابْتَاعَ طَعَامًا فلَا يبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيهُ" فليس فيه تعليلٌ، وإنّما هو شرعٌ مَحْضٌ، واختلفَ العلّماءُ فيه على أربعة أقوال: ١ - فمنهُمْ مَنْ قال: إنّه جارٍ في كلِّ شيءٍ، وهو الشّافعىُّ (٥)، وتعلَّقَ في ذلك بما رُوِيَ عن النَّبىِّ ﵇ أنَّه "نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ ورِبْحِ ما لم يُضْمَنْ " (٦)، ورُوِيَ أنَّه لما وَلَّى عتَّابَ بن أَسِيْدٍ على مكَّةَ قال: "انْهَهُمْ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقبَضْ أَوْ ربح مَا لَمْ يُضْمَنْ" (٧)، وهذان

стр. 2768

الحديثانِ خَرَّجَهُمَا الدَّارقطنىّ (١)، وغيره، وليسا بصحيحين. ٢ - ومنهم من قال: يُحْمَلُ كلُّ شيءٍ على الطَّعامِ الّذي وَرَدَ فيه الحديثُ، بقياس أنَّه مَبِيعٌ لم يُقْبَضْ فلم يَجُزْ بَيْعُهُ كالطّعامِ، وهذا معنَى قولِ ابن عبّاسٍ: "وَأَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ مِثْلَهُ" (٢) وهذا فاسدٌ؛ لأنّا قد بَيَّنَّا أنَّه شرعٌ محضٌ وتَعَبُّدٌ صِرْفٌ، لا يُفْهمُ المعنى فيه، ولا تُعْقَلُ عِلَّتُهُ، وإنّما يكونُ الإلحاقُ عندَ فهمِ العِلَّةِ، وعَقْلِ المعنى، فَيُرَكَّبُ عليه مَثْلُه. ٣ - الثّالثُ: قولُ أبي حنيفة: هذا عامٌّ في كلِّ شيءٍ، إِلَّا في العَقَارِ (٣)؛ لأنّ العَقَارِ ليس فيه قبضٌ، إذ لا يُنْقَلُ ولا يُحَوَّلُ، وقال: إِن العَقًارَ لا يُضمَنْ بالغَضبِ؛ لأنَّه لا يُنْقَلُ ولا يُحَوَّلُ، وقد بيَّنَّا ذلك في "مسائل الخلاف "أنَّ هذا فاسدٌ، فإنّه لولا تصوُّرُ القَبْضِ في الغَصْبِ ما صحَّ أنّ يكونَ لأحدٍ به اختصاصٌ، ولا له عليه يدٌ، لكن القَبْضَ في كلِّ شيءٍ على قَدْرِ صِفَتِهِ، فالمنقولُ قبضُه إِتْيَانُه إِلَيْكَ، والعَقَارُ قَبْضُهُ مَشْيُك إليه. وقال ابنُ المَاجِشُونِ وجماعةٌ معه: يُحْمَلُ على الطَّعامِ كلُّ مَكِيل؛ لأنَّه في معناه ولفظِهِ، ونُزِّلَ عليه الموزونُ؛ لأنّه في معناهُ الخاصِّ به، وليس الّذي يُعْرَفُ من بابِ القياسِ، وإنّما هو من بابِ كونِ الشَّيءِ في معنَى الشّيءِ الّذي يُعْرَف قبلَ التَّفَطُّنِ لوجهِ النَّظَرِ. وقيل في الحُجَّةِ له: لَمَّا كان الطِّعامُ منه ما يُكَالُ، ومنه ما يُوزَنُ، وانقسمتِ الحالُ فيه، حُمِلَ عليه ما كان مثلَه، وقد بيَّنَّا أنَّ ذلك شرعٌ غيرُ معلَّلٍ، فلا يَصِحُّ الإلحاق بما يُغْنِي عن إعادَتِهِ.

стр. 2769

الرّابع: قولُ مالكٍ: إنّه مخصوصٌ بما وَرَدَ في الحديثِ دونَ إلحاقٍ ولا تعليلٍ، وقالَ ﵇: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتّى يَسْتَوْفِيَهُ" (١) فلذلك جوَّزَ بيعَهُ في الهِبَةِ قَبْلَ قَبْضِه. وأمّا الشُّبهَةُ، فإنّه في أَلْسِنَةِ الفقهاءِ عبارةٌ عن كلّ فعلِ أَشْبَهَ الحرامَ (٢) فلم يكن * منه، ولا بَعُدَ عنه، ويُسمِّيها علماؤنا الذّرائعَ، ومعناه: كلُّ فعلٍ يمكنُ أنَّ يُتَذَرَّعَ به أي* يُتَوْصَّلَ به إلى ما لا يجوزُ، وهي مسألةٌ انْفَرَدَ بها مالكٌ دونَ سائرِ العلماء, وقد مهَّدْنَا القولَ عليها في "مسائل الخلاف" قرآنَا وسُنَّةَ، وإجماعًا من الأُمَّةِ، ولو لم يكن في ذلك إلّا الاتِّعاظُ ببني إسرائيلَ فإنّه حرَّم عليهم الصَّيْدَ في يومِ السَّبتِ، فكان الحُوتُ يجرِي في النَّهرِ أكثرَ من الماءِ وأُبِيحَ في سائرِ الأيّامِ، فكانوا لا يَجِدُون حُوتًا فيه، فتذرَّعُوا إلى صيدِ الحُوتِ في الأيامِ المباحةِ بأن سَدُّوا منَافِسَ الحُوتِ ومنافذَهُ عندَ رجوعِهِ، فلمَّا أرادَ أنّ يرجِعَ ضُرِبَتْ في وُجُوهِهِ الأسدادُ، فأصبح الماءُ كله حُوتًا، وأصبحوا هم قِرَدَة خاسئين. وأجمعتِ الأُمَّةُ أنَّه لا تجوزُ شهادةُ الأَبِ لابنه وإن كان عَدْلًا (٣). وأمّا المقاصدُ والمصالحُ، فهي أيضًا مِمَّا انفردَ بها مالك (٤) ﵁ دونَ سائرِ العلماء" ولابُدَّ منها, لِمَا يعودُ من الضَّرَرِ في مُخَالفَتِها، ويدخلُ من الجَهَالَةِ في العُدُولِ عنها، وقد رأيتم في ذلك تمهيداتٍ وقواعدَ، يطلقُ البيانُ عليها إنَّ شاء الله. وإذا انتهَى الكلامُ إلى هذا المقام، فلابُدَّ من تأسيسٍ قواعدَ عَشْرِ ينبني عليها معنَى الكتاب، ويرجِعُ إليه النّاظرُ في أثناءِ الأبوابِ.

стр. 2770

القاعدةُ الأُولى (١) تحقيق الرِّبا قال الإمامُ: سمعتُ القاضِيَ الزِّنجانىُّ ببيتِ المقدسِ يقولُ: قال اللهُ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) قال: هذه الَايةُ منتظِمَةٌ لكلِّ بَيْعٍ صحيحٍ وبَيْعٍ فاسدٍ، فأمّا البَيْعُ الصّحيحُ فقد أشرنا إليه، ولكنَّ حدَّه عندَهم (٣): كلُّ بيعٍ سَلِمَ مِنَ الرِّبَا والجَهَالَةِ، فإنّ البَيْعَ إنّما هو مُقَابَلَةُ المالِ بالمالِ، ولابُدَّ أنَّ يكونَ المالانِ من الجِهَتَيْنِ مُقَدَّرَيْنِ، والتَّقديرُ على قسمين: ١ - تقديرٌ تولاَّهُ الشَّرعُ في الأموالِ الرِّبَوِيَّةِ. ٢ - تقديرٌ يَتَوَلّى المتعاقِدَانِ ذلك باختيارِهِمَا، وذلك في سائرِ الأموالِ. القاعدةُ الثّانيةُ (٤) الفسادُ يرجِعُ إلى البَيْعِ من ثلاثةِ أشياءَ: ١ - إمّا من الرِّبا. ٢ - وإمّا من الغَرَرِ والجهالة. ٣ - وإمّا من أكلِ المالِ بالباطلِ. وحَدُّهُ: أنَّ يَدخُلا في العَقْدِ على العِوَضِيَّةِ,، فيكونُ فيه ما لا يقابِلُه عِوَضٌ؛ لأنّا قد بيّنا أنَّ البيوعَ (٥) تنقسمُ على ثلاثةِ أقسامٍ: ١ - بيوعٌ جائزةٌ. ٢ - وبيوعٌ محظورةٌ.

стр. 2771

٣ - وبيوعٌ مكروهةٌ. فالبيوعُ الجائزةُ هي الّتي لم يحظرها الشَّرْعُ، ولا وَرَدَ فيها نَهْىٌ، وإنّما قُلنا ذلك؛ لأنّ اللهَ تعالى أباحَ البَيْعَ لعبادِهِ وأَذِنَ لهم فيه إذْنًا مُطْلَقًا، وأباحَهُ عامَّةً في غير ما آيةٍ من كتابِهِ، مثل قولِهِ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (٢) وقالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية إلى قولِهِ: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ (٣) إلى غير ذلك من الآياتِ. القاعدةُ الثّالثةُ (٤) قال لنا الشّاشىُّ (٥) الإمامُ بمدينة السّلام: الصفقةُ إذا جَمَعتْ مَالَيْ رِبًا من الجهتين، ومعهُما أو مع أحدِهما ما يخالِفُه في القِيمَةِ، سواءٌ كان من جنسِهِ أو من غيرِ جنسهِ، فإنّ ذلك لا يجوزُ، مثالُه: أنّ يَبيعَ رَجُلٌ من آخرَ مُدًّا من قمحٍ ودِرْهَمًا بمُدَّيْنِ ودرهمٍ؛ لأنَّ (٦) أجناسَ البُيُوعِ تنقسمُ إلى أربعةِ أقسامٍ: ١ - بَيعُ مُرَابَحَةٍ. ٢ - وبَيْعُ مُكَايَسَةٍ. ٣ - وبَيْعُ مُزَايَدَةٍ. ٤ - وبَيْعُ اسْتِمَانَةٍ واسْتِرْسَالٍ، وقال ابنُ حبيبٍ: إِلَّا أنّ الاسترسالَ إنّما يكونُ في الشِّراءِ دون البَيْعِ، وليس ذلك بصحيحٍ من القولِ، ولا فَرْقَ في ذلك بينَ البَيْعِ والشِّراءِ.

стр. 2772

وأمّا بَيْعُ المُرَابحةِ فإنّه على وجهينِ: أحدُهما: أنّ يُبايِعَهُ على رِبْحٍ مسمَّى على جملةِ الشّيء. الثّاني: أنّ يُبايعَهُ على أنَّ يُرْبِحَهُ للدّرهم دِرهما, وللدِّرهم نصف دِرْهَم،*وللعشرة أحد عشر درْهمًا، أو أقل من ذلك أو أكثر، ممّا يتفقان عليه من الأجزاء. فأما إذا بَايَعَهُ على أنَّ يُربِحَهُ للدِّرهم درهمًا، أو للدِّرهم نصف درْهَم*، أو للعشرة أحَدَ عَشَر دِرْهَمًا وما أشبه ذلك، فإنّ ما كان في السِّلعة المبيعة ممّا له عينٌ قائمةٌ، كالصبغ والكِمْرِ والفَتْلِ وما أشبه ذلك، فإنّه بمنزلةِ الثَّمَنِ يُحْسَبُ، ويُحْسَبُ له الرِّبح. وأمّا ما ليس له عينٌ قائمة، فإنّه على وجهين: أحدهما: ما يختصُّ بالمُبْتَاعِ. والثّاني: ما لا يختصُّ به، على وجوهٍ نُبَيِّنُها إنَّ شاء الله. القاعدةُ الرّابعة (١) قولُه ﵇: "لا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ، وَلَا الْفِضَّةَ بالْفِضَّةِ، وَلا الْبُرَّ بِالْبُرِّ ... " الحديث إلى قولِهِ: "إِلَّا سَواءً بسَوَاءٍ، عَيْنًا بعَينٍ، يَدًا بَيدٍ" (٢) فقال العلّماءُ: الجهلُ في التَّمَاثُلِ في فسادِ البَيْعِ كالعِلْمِ بالتَّفاضُلِ؛ لأنّ النَّبيَّ ﵇ شَرَطَ السّواءَ في الكَيْلِ والمِثْلَ في العدَدِ، واتَّفقَ عليه جميعُهم، إِلَّا أنَّ مالكًا قال: إنَّ العِلْمَ بالتَّمَاثُلِ يجوزُ أنَّ يُدْرَكَ بالتَّحرِّي في الأموالِ الرَّبَوِيَّة، ونَصَّ على ذلك في البَيْضِ بالبَيضِ، والخُبْزِ بالخُبزِ، واللّحمِ باللّحمِ، والقَدِيْد باللَّحم، وشبه ذلك. واختلفَ علماؤُنا في نقل ذلك عنه، فتارةً جعلوهُ عامًا، وتارةً جعلوهُ خاصًّا فيما ذكرنا، والصَّحيحُ عمومُه؛ لأنّ مالكًا جعل الحَزْرَ والتَّخْمِينَ طريقًا من المعرفة بالظَّاهرِ من

стр. 2773

التَّماثُلِ، إذِ الكَيْلُ لا يُوصَلُ به إلى حقيقةِ التَّماثُلِ، إذ يجوزُ أنَّ يتفاضلَ الكَيْلانِ والمُدَّانِ في وَضْعِ القمح فيهما، فالّذي أخذَ على المُكلَّف القصدُ إلى التَّماثُلِ فعلَاً، والقصدُ إلى اجتنابِ التَّفاضُلِ بمعيارٍ شرعيٍّ، والحَزْرُ والتَّخمِينُ معيارٌ في الشَّرعِ أيضًا. وَيحتَمِلُ أنَّ يكونَ مالك أجرَى ذلك في اليسيرِ، وحيثُ لا يَحْضُرُ الكَيْلُ، والله أعلم. القاعدةُ الخامسةُ (١) القولُ بالعُرْفِ قلت للفقيه أبي بكر (٢): إنَّ الله قال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ الآية (٣)، فهذه حُجَّةٌ في القضاءِ بالعُرْفِ. قال: ليس المرادُ هاهنا بالعُرْفِ العَادَةَ، وإنَّما المرادُ به المعروفُ الّذي هو ضدُّ المُنْكَرِ. قلتُ له: فقد قال الله تعالى في قصّةِ يوسفَ: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ الآية (٤). قال: ذلك شرْعٌ لمن قَبلَنَا, وليس بشَرْعٍ لنا. فسَكَتُّ، وهو ممّا لم يَقَعْ فيه إنصافٌ؛ لأنَّه ليس في مذهب مالك خِلَافٌ في أنّ شَرْعَ من قَبْلَنَا شَرع لنا، وأوَّلُ من تفطَّنَ لهذا من فقهاءِ الأمصارِ مالكٌ، وعليه عَوَّلَ في كلِّ مسألةٍ (٥). وقد اتَّفَقَ العلّماءُ على حُكْمٍ؛ وهو: إذا باعَ الرَّجُلُ سِلْعَةَ بدينارٍ فإنَّه يُقْضَى له بغالِبِ نقدِ البَلَدِ، ولا يُنْظَرُ إلى سائرِ النُّقُودِ المختلفةِ، فيحكمُ بفسادِ البَيْعِ حتّى يُعَيَّنَ منها واحدًا.

стр. 2774

ومن أعظم مسائل العُرْفِ والعادَةِ مسألةُ العهدةِ، وقد انفرد بها مالكٌ دونَ سائرِ الفقهاءِ، وقد رَوَى في ذلك ابنُ وَهْب أنَّ النَّبيِّ ﵇ قضَى في العُهْدَةِ بثلاثة أيّامٍ وأربعةٍ (١)، وهي أنَّ السِّلْعَةَ بعد قَبْضِ المُبْتَاعِ في ضمانِ البائعِ حتَّى تمضِيَ ثلاثةُ أيّامٍ من وقتِ البَيْعِ، في كلِّ آفةٍ تَطْرَأُ على المَبِيع، ما عَدَا الجُنُونَ والجُذَامَ والبَرَصَ فإنّه يُفْضَى فيها بعُهْدَةِ سَنَةٍ، وَعوَّلَ علماؤنا على أنَّ هاتين العُهْدَتَينِ إنَّما يُقْضَى بهما لمن يَشْرُطُهما، أو حيث تكونُ العادةُ جاريةً بها. وقد قال قومٌ: إنّها إنّما كانت في المدينة لِكَثْرَةِ حُمَّاهَا، والحُمَّى لا تنكشفُ إِلَّا في الرّابعِ، وهذا غَلَطٌ بيِّنٌ، فإنَّ الباريءَ تعالى قد نقلَ الحُمَّى عن المدينةِ - ببركة النَّبِيِّ الصَّادقِ ﷺ إلى الجُحْفَةِ، حتَّى لم يبقَ لها أَثَرٌ إلى يومنا هذا (٢)، مع أنّها تَحُلُّ بين حَرَّتَيْنِ، وهي إحدى معجزاتِهِ. القاعدةُ السّادسةُ (٣) في معرفةِ الغِشِّ وهو كَتْمُ العَيْبِ، يكتمُهُ البائعُ عَنِ المُبْتَاع إذا جَهِلَهُ، وذلك ممنوعٌ عادة وممنوعٌ شرعًا، فإن جِبِلَّةَ الجِنسيَّةِ تقتضي بحكم الاعتياد ألَّا يَرْضَى أحدٌ لجِنْسِه إِلَّا بما يرضَى به لنفسه، والشّريعةُ قد مَنعت منه تحقيقًا لهذا الغَرَضِ، وقد مرَّ رسولُ اللهِ ﷺ

стр. 2775

على رَجُلٍ يبيعُ طعامًا مُصْبَرًا، فأدخلَ يدَهُ في الصُّبْرَةِ، فرأَى فيها بَلَلًا قد أصَابَتْهُ السَّمَاءُ، فأخْرَجَهُ إلى ظاهرِ الصُّبْرَةِ، وقال: "مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا" (١). ويدخلُ فيه بيعُ الصُّبْرَةِ يعلَمُ البائعُ كَيْلَها ولا يَعْلَمُ المُبْتَاعُ ذلك، فلا يجوزُ حتَّى يَعْلَمَا ذلك جميعًا أو يَجْهَلَا ذلك جميعًا، وهي مسألةٌ يُحاجَى بها على الطَّلَبَةِ، فيقال لهم: هل يجوزُ بَيْعُ المُجازَفَةِ؟ فيقولون: لا، وذلك جائزٌ، فإنَّهما إذا جَهِلاها جميعًا، أو عَلِمَاها جميعًا، جازَ ذلك كما قدَّمنا، وإنّما يَمْتَنِعُ ذلك من الجهةِ الواحدةِ. ومِنْ ذلك: يَدْخُلُ الرَّجُلُ السُّوقَ بِفَصٍّ يَظُنُّه زُجَاجًا، فإذا رآهُ المشتري تحقَّقَ أنَّه فَصُّ ياقوتٍ، فهذا غِشٌّ، إنِ انعقدَ البَيْعُ عليه لم يَجُزْ، وكان البائعُ بالخِيَارِ، ونظائرُهُ كثيرةٌ. القاعدةُ السّابعةُ (٢) اعتبارُ الحاجةِ في تجويز الممنوعِ، كاعتبار الضّرورةِ في تحليلِ المُحَرَّمِ. ومن ذلك: استثناءُ القَرْضِ من تحريمِ بَيْعِ الذَّهبِ بالذَّهبِ إلى أجلٍ، وهو شيءٌ انْفَرَدَ به مالكٌ ولم يجوِّزه أحدٌ من العلّماءِ سِوَاهُ، لكن النَّاسَ كلَّهم اتَّفقوا على جوازِ التّأخيرِ فيه من غيرِ شَرْطٍ بِأجَلٍ، فهذا جازَ التَّفرُّقُ قبلَ التَّقابُضِ بإجماعٍ، فضَرْبُ الأَجَل أتمُّ للمعروفِ وأَبْقَى للمَوَدَّةِ. وَعَوَّلَ في ذلك علماؤُنا على قولِ النَّبيِّ ﵇: "أنَّ رَجُلًا كَانَ فِيمَنْ قبلَكُمْ

стр. 2776

اسْتَسْلَفَ من رجُلٍ أَلْفَ دِينَارٍ إِلَى أَجَلٍ، فَلَمَّا جَاءَ الأَجَلُ، طَلَبَ مَرْكَبًا يَخْرُجُ فِيهِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَجِدْهُ، فَأَخَذَ قِرْطَاسًا وَكَتَبَ فِيهِ إِلَيْهِ، وَنَقَرَ خَشَبَةً فَجَعَلَ فِيهَا الْقِرْطَاسَ وَالأَلْفَ دِينَارٍ، وَرَمَى بِهَا في الْبَحْرِ، وَقَالَ: اللهُمَّ إِنَّهُ قَدْ قَالَ لِي حِينَ دَفَعَهَا إِليَّ: اشْهَدْ لِي، قُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، وَقَالَ: ائْتِ بِكَفِيلٍ، قُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ وَكيلًا، اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الكَفِيلُ بِإِبْلاغِ الأَلْف، قَال: فَخَرَجَ صَاحِبُهُ إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ يَحْتَطِبُ، فَرَفَعَ الْبَحْرِ لَهُ الْعُودَ فَأَخَذَهُ، فَلَمَّا فَلَقَهُ وَجَدَ الْمَالَ والْقِرْطَاسَ، ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ وَجَدَ مَركبًا فَأخَذَ الْمَالَ ورَكِبَ فِيهِ وحَمَلَ المالَ إِلَيهِ، فَلَمَّا عَرَضَهُ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: قَدْ أَدَّى الله عَنْكَ أمَانَتكَ" (١). فإن قيل: هذا شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا. قلنا: كلُّ مَا ذَكَرَ النَّبِيُّ لنا ممَّا كان عَمَلًا لِمَنْ قَبْلَنَا في مَعْرِض المدحِ فإنَّه شَرْعٌ لنا، وقد مهَّدنا ذلك في "الأصولِ" (٢). ومن ذلك: حديثُ العَرَايَا، وبَيْعُ التَّمْرِ على رؤوسِ النًخْلِ بالتَّمرِ الموضوعِ على الأرضِ. ومن ذلك: استثناءُ نَخْلَةٍ من النّخلاتِ، وذلك جائزٌ في القليلِ دونَ الكثيرِ، وبناهُ علماؤُنا وكثيرًا من مسائل البيوع على أنَّ المُسْتَثْنَى هل هو مَبِيعٌ مردودٌ بالاستثناء، أو مُبْقَى على أصلِ المِلْكِ، وهذه جهالةٌ عظيمةٌ، وخَلْطُ النَّسخ بالاستثناءِ، فإنَّه لا خلافَ بين العقلاءِ ولا بين العلماء في أنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ بالخطاب الثّاني لِمَا تضمَّنَهُ الخطابُ الأوَّلُ (٣)، وأنَّ الاستثناءَ بَيَانٌ بالخطابِ الثّاني لِمَا احْتَمَلَهُ الخطابُ الأوَّلُ من عمومٍ أو خصوصٍ (٤). ولو أنَّ أحدًا من العلّماءِ يقولُ: إذا قالَ الرَّجلُ لزوجه: أنتِ طالِقٌ ثلاثًا إِلَّا واحدَةً،

стр. 2777

أنَّه يلزَمُه الثلاثُ؛ لأنّا قد دخلت في الثّلاثِ، ولو أراد أنَّ يُخْرِجَها بعد إدخالها لكان حرامًا؛ لإجماع الأُمَّةِ. وكذلك لو قال رَجُلٌ لزوجه: أنتِ طالقٌ إِلَّا أنّ يشاءَ فُلَانٌ، فإنّه لم يَقُلْ أَحَدٌ من الأُمَّةِ: إنَّ الطَّلاقَ قَدْ وَقَعَ، والاستثناءَ بعد ذلك رفعٌ له، وإنّما هو شرطٌ موقوفٌ عليه، فلا تُعَوّلُوا على هذه المسألةِ في شيءٍ من الفروعِ فإنَّه أصلٌ باطلٌ. القاعدةُ الثّامنةُ (١) في حالة الجَهَالَةِ قدِ اتَّفقتِ الأُمَّةُ على أنَّه لا يجوزُ إِلَّا بيعُ معلومٍ بمعلومٍ بأيِّ طريقٍ مِن طُرُقِ العلّمِ وَقَعَ، وإنّما اختلفَ العلّماءُ في تفاصيلِ طُرُقِ العِلْمِ: فمنها ما قاله مالك (٢) وأبو حنيفة (٣)؛ أنّ البَيْعَ على الصِّفَةِ يجوزُ، وخَصَّصَهُ مالك في بَيْعِ البَرْنَامَجِ (٤) ولا يَدْرِي ما في جَوْفِه. وقال الشّافعي (٥): لا يجوزُ في ذلك البَيْعُ على الصِّفَة؛ ليس لأنّ الصِّفَةَ ليست طريقًا إلى العِلْمِ، ولكنّ لأنَّ الصّفَةَ بَدَلٌ عن المعاينةِ، والأخذُ بالبَدَلِ لا يجوزُ إِلَّا مع عَدَمِ القُدْرَةِ على المبدَلِ، وههنا تُمكِنُ الرُّؤْيَةُ لِمَا في البَرْنَامِجِ بِحَلِّهِ.

стр. 2778

قلنا: في حَلَّهِ مشقَّةٌ، فَلْيُعَوَّلْ على خَبَرِ الواحِدِ، ويجوزُ العملُ على خَبَرِهِ إجماعًا في سَلَامةِ السِّلْعَةِ وعَيْنِها وفي طيبِ النَّقْدِ وزَيْفِهِ. وكذلك يجوزُ العملُ في صفَةِ المَبِيعِ وحِلْيَتِهِ، والصِّفةُ طريقٌ إلى العلّمِ بلا خلافٍ، فَوَجَبَ أنَّ يُصَارَ إليها عند الحاجةِ، وكذلك يجوزُ المصيرُ إلى البَدَلِ عند الحاجةِ في العباداتِ، فكيفَ في المعاملاتِ!؟. ومسألةُ البَرْنَامجِ مسألةٌ عظيمةٌ للتُّجَّارِ، فهم يتبايعونَ على ذلك، ولا يختلفونَ في الأغلبِ (١)، وهذا مُستمدٌ من قاعدةِ المصلحةِ في رَفْعِ الحَرَجِ والمشقَّةِ عن الخلْقِ، وقد شاهَدْتُ ذلك، بأن يخرج كلّ أحدٍ برنامجه، ويبيعه منه على الصِّفةِ, ولا يختلفونَ، وهي أمانةٌ عظيمةٌ. القاعدةُ التّاسعةُ (٢) ثبتَ عن النَّبيِّ ﵇ في المبيعاتِ النّهي عن سبع وثلاثين منها: ١ - الغَرَرُ. ٢ - المُلَامَسَةُ. ٣ - وَالمُنَابَذَةُ. ٤ - حَبَلُ الْحَبَلَةِ. ٥ - الْمَلَاقِيحُ.

стр. 2779

٦ - الْمَضَامِينُ ٧ - بَيْعُ الحَصّى. ٨ - بَيْعُ الثُّنْيَا. ٩ - بَيْع العُرْبَان. ١٠ - شَرْطَانِ في بَيْعٍ. ١١ - بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ. ١٢ - بَيعُ ثمرةٍ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا. ١٣ - الْمُزابَنَةُ. ١٤ - المُحَاقلَةُ. ١٥ - المُخَابَرَةُ. ١٦ - المعاومة. ١٧ - الرُّطَبُ بالتَّمْرِ. ١٨ - الكَرْمُ بالزَّبِيبِ. ١٩ - بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفّى. ٢٠ - وعن (١) بَيْع وَسَلَفٍ. ٢١ - لا تُصَرُّوا الإبلَ والغَنَمَ. ٢٢ - وَنَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَاهِنِ. ٢٣ - وَنَهَى عَن ثَمَنِ السِّنُّوْرِ. ٢٤ - وَنَهَى عَنْ حُلْوَانِ الكَاهِنِ. ٢٥ - وَنَهى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لبادٍ. ٢٦ - النَّجِشُ. ٢٧ - بيعُ الرّجُل على بَيْعِ أخِيهِ. ٢٨ - رِبْحُ ما لم يَضْمَنْ.

стр. 2780

٢٩ - التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الأُمِّ وَوَلَدِهَا. ٣٠ - كِرَاءُ الأَرْضِ. ٣١ - عَسِيبُ الفَحْلِ. ٣٢ - بَيْعُ نَقْعِ الماءِ. وَنَهَى عَنْ بَيْعِ: ٣٣ - الْخَمْرِ. ٣٤ - والميِّتة. ٣٥ - وَالدَّمِ. ٣٦ - والأصنامِ. ٣٧ - ونَهَى تعالى عن البَيْعِ يوم الجمعة. فهذه سبعةٌ وثلاثون مَبِيعًا وَرَدَ النَّهيُ عنها، قَبَضَها: "مسلم" و "البخاريّ" و"الترمذيّ" و"أبو داود" و"النسائي" فاطلبوها فيها. تفصيل وشرح ما تقدَّم فأمّا "الغَرَرُ" فهو كلُّ أمرٍ خَفِيَت عاقبتُهُ وانْطَوَى أَمْرُهُ. وقفَ رُؤبة على رَجُلٍ فَسَاوَمَهُ ثَوْبًا، فَقَلَبَهُ فَلَمْ يُعْجِبْهُ، فقال له: أَعِدْهُ على غَرِّهِ. ذَكَرَهُ (١) مسلم (٢) من طريقِ أبي هريرةَ، ولم يذكره البخاريُّ؛ لأنْ راويًا واحدًا مَرَجَهُ مَعَ المُلَامَسَةِ والمُنَابَذَةِ، وسائرُ رواةِ الحديثِ لم يُدخِلوهُ، فتوقَّعَ البخاريُّ أنّ يكونَ تفسيرًا للمُلَامَسَةِ وَالمُنَابَذةِ، إذ هو في الدَّرجةِ الثّانيةِ من الحديثِ، وقد زهَقَ في الأُولى، فلو قال النَّبيِّ ﷺ : "لَا تَبَايَعُوا غَرَرًا"

стр. 2781

لكان في الدَّرجة الأُولى، ولو قال: "لا تبَايَعُوا هَكَذَا" وأشارَ إلى قِصَّةِ فيها غَرَرٌ، لَعَلَّلْنَا وعدَّيْنَاها إلى نظائرها. وأمّا "الْمُلَامَسَةُ" و "الْمُنَابَذَةُ" فهو بَيْعٌ كان أهل الجاهليّة يتبايعونَهُ، وفي تفسيرِهِ خلافٌ، كلُّه يرجعُ إلى المُخَاطرةِ والجَهَالةِ، منه أنَّ يقولَ: إذا لَمَسْتَ الثَّوبَ فقد وَجَبَ البَيْعُ، وإذا نَبَذْتُ هذه الحصاةَ الّتي في يَدِي، فهو بيعُ الحَصَى أيضًا، أو إذا جعلتُ الحَصَاةَ على هذا الثَّوب (١). وأمّا "حَبَلُ الْحَبَلَةِ" فقيل: هو بَيْعُ النّتاجِ الثّاني، وبيعُ الموجودِ المجهولِ لا يجوزُ، فكيف المعدومُ؟!. وقيل: كانوا يجعلونَهُ أجَلًا، فلا يجوزُ إنَّ كانَ مجهولًا، كان كان ميقاتًا معلومًا - كما قال مالك في الجدَادِ والعطاء - فذلك جائزٌ (٢). وأمّا "المَلَاقِيحُ" فهي ما في ظُهورِ الفُحولِ، و"المَضَامِينُ" ما في بطونِ الإناثِ، وذلك مجهولٌ معدومٌ، وقد قال جميعُ أهلِ اللُّغةِ: إنَّ الملاقيحَ ما في بُطونِ الإناثِ، وأطالوا في ذلك الكلامَ، واستشهدوا في ذلك بالأشعارِ، ونحن لا نحتاجُ إلى ذلك؛ لأنَّه لا يجوزُ كَيْفَمَا كانَ (٣). وأمّا "الثُّنْيَا" (٤) فهي في اللُّغة عبارةٌ عن الرُّجوعِ إلى ما مضَى، أو عن ما مَضَى،

стр. 2782

ويتصرَّفُ في البَيْعِ على وجوهٍ كثيرةٍ، منها؛ إنْ جئتَنِي بالثَّمَنِ إلى وقتِ كذا رَدَدْتُ عليك، وإن لم تَأْتِني إلى وقتِ كذا فلا بَيْعَ بيني وبينَكَ، وفي ذلك تفصيلٌ بين علمائنا، منه جائزٌ ومنه ممنوعٌ، يأتي بيانُه إنَّ شاءَ الله. وأمّا "بَيْعُ العُرْبَانِ" فقد فَسَّرَهُ مالك، وتفسيرُهُ يرجِعُ إلى قاعدةِ: أكْلِ المالِ بالباطلِ؛ لأنَّه قال (١): "إِنْ تَمَّ الْبَيْعُ فَالْعُرْبَانُ مِنَ الثَّمَنِ، وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ الْبَيْعُ فَالْعُرْبَانُ لَكَ، وَإِذا كَانَ لَمْ يَتِمّ فَفِي مُقَابَلَةِ مَنْ يَكُونُ" رواه مالك (٢) عن "صحيفة عَمْرو بن شُعَيْب" وهي صحيحةٌ صحَّحَهَا البخاريّ في حديثِ "الرُّباعيات" (٣) وصحَّحَهَا الدَّارَقُطْنِي (٤)، فإذا وَجَدْتُمُ الطريقَ إليها صحيحًا فَخُذُوا بها، وإنّما تَرَكَهَا أكثرهُم لعَدَمِ الثِّقَةِ في طريقها (٥)، لا لِعَدَمٍ في ذاتها. وقد اعترضَ عليها بعضُهُم (٦) فقال: إنّما ردُّها لاحتمالها؛ لأنّ عَمْرو بن شُعَيْب بن محمّد بن عبد الله بن عَمْرو إذا قال عن* جدِّه، احتملَ أنَّ يكونَ الأقربَ، فيكونُ مُرْسلًا، واحتمَلَ أنّ يكونَ*جدَّهُ الأعلى، فسَقَطَ بالاحتمال. وليس هذا بلازمٍ؛ لأنّ عبدَ الله بنَ عَمْروٍ كَتَبَها عنِ النَّبيِّ ﵇ (٧) وصارت مُتَوَارَثَةَ في أولادِهِ متوالدةً في أحفادِهِ،

стр. 2783

فإنْ أرادَ عن جدِّه الأقرب وهو محمّدٌ، فمحمّدٌ إنّما أخذَ الصّحيفةَ عن عبد الله، ولو أنّ مَالِكًا يَقِفُ عليها مثلًا لجازَ لَهُ أنّ يقولَ: قال رسولُ الله، وهكذا نحنُ إلى يومِ القيامةِ. وقد كان عند أولاد تَمِيمٍ الدّاريِّ بِحَبْرُونَ -قرية إبراهيمَ- كِتَابُ النَّبيِّ ﷺ في قِطْعَةِ من أَدِيم فيه (١):"بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا أَقْطَعَ مُحَمّدٌ رَسُولُ اللهِ تَمِيمًا الدَّارِيَّ؛ أقْطَعَهُ قَرْيَتَيْنِ حَبْرُون (٢) وعَيْنُون (٣) - قريتي إبراهيم الخليل- يسير فِيهمَا بِسِيرَتهِ" وشاهدَ النّاسُ كتَابَهُ، إلى أنّ دَخَلَتْهُمَا الرُّومُ سنةَ ثنتين وتسعينَ، ولقد اعترضَهُ فيهما بعض الولاةِ ليأخُذَهما من يده إبَّانَ كونِي بالشَّامِ، فحضَرَ مجلسَه القاضي حَامِدٌ الهرويُّ (٤) وكان حَنَفِيًّا في الظَّاهر، ومعتزليًّا في الباطنِ، مُلْحِدًا شَاغِبًا، وكان الوالي سُكْمَانَ بن أرتق (٥)، فاستظهرَ أولادُ تَمِيمٍ بكتابِ النَّبيِّ، فقال القاضي حامدٌ: هذا الكتابُ لا يَلْزَمُ؛ لأنَّ النَّبىِّ أَقْطَعَ

стр. 2784

مالا يَمْلِكُ، فاسْتُفْتِيَ الفقهاءُ، فقال الطُّوسي (١) - وكان بها حينئذٍ -: هذا كافرٌ، والنَّبيُّ ﷺ كان يُقْطِعُ الجنّةَ، ويقولُ: قصرُ عمرَ، وقصرُ فلانٍ (٢)، فكيف لا يُقْطِعُ الدُّنيا وقد قال ﷺ : "زُوَيت لِيَ الأَرْضُ" الحديث (٣) فَوَعْدُهُ صادقٌ وكتابُهُ حقٌّ، فَخَزِيَ القاضي والوَالِي، وبَقِيَ أولادُ تَمِيمٍ بكتابِهم في قريتِهم. وأمّا "بيعتان في بيعةٍ" فهو ثابثٌ من طريقِ أبي هريرةَ (٤)، واختلفَ النَّاسُ فيه وفي تفسيرِهِ على ستَّةِ أقوالٍ (٥): الأوَّلُ: قال الشّافعيُّ (٦): هو أنَّ يقولَ: أبيعُكَ داري بكذا وكذا، على أنَّ تَبِيعَنِي غلامك بكذا، فهذا وجبَ لي غلامُك، وَجَبَتْ لك داري، وهذا يَنْبَنِي على بَيْعِ مجهولٍ بشيءٍ مجهولٍ، لا يدري كلُّ واحدٍ منهُما على ما وقعتْ عليه صَفْقَتُهُ. والثّاني: أنَّ يقول له: أبيعُكَ ثوبي هذا بِنَقْدِ عشرة، أو بتأخير عشرين، ولا يفَارِقُه على إحدى البَيْعتينِ، هكذا قاله أبو عيسى (٧). وأمّا "بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ" فهو شيءٍ قد اتَّفقتْ عليه الأُمَّةُ، وهو من بابِ الغَرَرِ وإليه يعودُ (٨)، إِلَّا أنَّي رأيتُ لمالك جوازَهُ في "العُتْبِيَّة" (٩) وقد تكلَّمنا عليه في "كتب المسائل"،

стр. 2785

وبيَّنَّا كيفيَّةَ خروج مسألةِ مالكِ على الأصل الجائزِ، وقلنا في بعض تأويلاته: إنَّما جَعَلَهُ رَسولًا وَوَاسِطَةً ولم يَجْعَلهُ بائعًا ولا مُبْتَاعًا (١). فصل وأمَّا "بَيْعٌ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أنَّ يَبدُوَ صَلَاحُهَا" فيأتي بيانُه إنَّ شاء الله (٢)، وكذلك "المُزَابَنَة" و "المُحَاقَلَة" و"المُخَابَرَة" و "الرُّطَبُ بالتَّمْرِ" و"الكَرْم بالزَّبِيبِ" و"بيعُ الطَّعامِ قبل أنّ يُسْتَوْفَى". وأمّا"بَيْعٌ وَسَلَفٌ" فإنّما نَهَى عنه لتضادِّ العَقْدَينِ، فإنّ البَيْعَ مَبْنِيٌّ على المشاحَّة والمغابنة، والسَّلَفُ مَبْنِيٌّ على المعروفِ والمُكَارَمَةِ، وكلُّ عَقْدَينِ يتضادّان وصفًا لا يجوزُ أنّ يجتمِعَا شَرْعًا، فاتَّخِذُوا هذا أصلًا (٣). وأمّا "التَّصْرِيَةُ" فاختلفَ العلّماءُ فيها: فمنهم من جعلَهَا عَيْبًا، فتكونُ من أكلِ المالِ بالباطلِ. ومنهم من جعلَهَا غِشًّا، وقد بيَّنَّا ذلك في "الخلاف". وأمّا "ثَمَنُ الكَلْبِ" فلا يخلو أنّ يكون مأذونًا في اتِّخاذه، أو غيرَ مأذونٍ، والحديثُ مَحْمُولٌ على ما حَرُمَ اتِّخَاذُهُ. فأمّا ما يجوزُ اتِّخاذُهُ فبيعُهُ جائزٌ، وقد اختلفَ علماؤُنا في ذلك: ومَنْ قال منهم: لا يجوز بيعه، قال: تَلْزَمُ القِيمَةُ لمن أَتْلَفَةُ، فبعيدٌ عن الصَّوابِ، والصّحيحُ جوازُ البَيْعِ فيه من غيرِ كلامٍ، وقد قَرَّرْنَا ذلك في كتابِ "الإنصاف لتكْمِلَةِ كتابِ

стр. 2786

الإِشْراف" وقد تقدَّم القولُ في اقتنائه، وكلُّ ما جازَ اقتناؤُه جازَ الانتفاع به، صار مالًا وجازَ بذلك العِوَض فيه. واختلفَ علماؤنا في بَيْعِهِ (١)، هل هو محرَّمٌ أو مكروهٌ؟ وصرَّحَ مالك بالمنعِ في مواضع، والصَّحيحُ في الدَّليلِ جواز البَيْع، وبه قال أبو حنيفة (٢). وقال الشّافعيُّ: لا يجوزُ بَيْعُهُ (٣). وظنَّ بعضُهُم أنَّ النَّهيَ عن ثَمَنِ الكلبِ إنّما هو في المأْذُونِ في اتِّخاذِهِ؛ لأنّ المأمورَ بقَتْلِه لا يُنْهَى عن بَيْعِهِ. قلنا: هذه غفلةٌ عظيمةٌ، كان أَمَرَ بقتلها، ثمّ نَسَخَ الأمرَ بالقتلِ، وأَذِنَ في اتِّخاذِهِ (٤)، وكان بعد ذلك جوازُ البيعِ أو النَّهيُ عنه. وقال بعضُهُم: إنّه قَرَنَهُ بحُلْوَانِ الكَاهِنِ، فدلَّ على أنَّه حرامٌ، ودليلُ القرَائِنِ أضعفُ دليلٍ، لا يَشْتَغِلُ به المحقِّقُون من علمائنا. فصل وأمّا"السِّنَّوْرُ" فانفردَ مسلم بروايةِ النَّهي عن بَيْعِهِ (٥)، فإن سَلِمَ عن العِلَّةِ الّتي ذكرناها في أوّلِ "الكتابِ" (٦) فإنَّ ذلك محمولٌ على المصلحةِ، وأن النَّبيِّ ﵇ أراد أنَّ تكون السَّنَانِيرَ مسترسلةً على المنازلِ تحميها من الفَأْرِ من غير اختصاصٍ فَجَازَ. وأمّا حُلْوَانُ الكَاهِنِ" وهو الثّالث والعشرون من المحرّمات، فهو مُحَرَّمٌ بإجماعِ

стр. 2787

الأُمَّةِ؛ لأنَّ ذلك من أَكْلِ المالِ بالباطلِ؛ لأنَّه مالٌ في مقابَلَةِ فِسْقٍ؛ لأنَّه ثمنٌ لِلكَذِبِ والضِّلالِ، فيكونُ محرَّمًا كالميِّتةِ والدَّمِ وما أشبهَ ذلك؛ لأنَّه من بابِ معرفةِ طلب الغَيْبِ، وهذا ممّا لا يُدْرَكُ: وأمّا "رِبْحُ مَا لَمْ يضْمَنْ" فإنّما لم يَجُزْ لأنَّ بيْعَهُ لا يجوزُ؛ لأنّ ما لم يَضْمَنْ، إمّا لأنَّه لم يَمْلِكهُ فيكون من بيع ما ليس عندَك، وإمّا لأنَّه غيرُ مقدورٍ على تسليمِهِ، فيكونُ من بابِ بَيْعِ الغَرَرِ والمُخَاطَرَةِ. وأمّا "بَيْعُ حَاضِرٍ لِبَادٍ" و"النَّجَش"و"بَيْعُ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعُ أَخِيهِ" فيأتي بيانُه إنَّ شاء الله في "شرح الأبواب". وأمّا "التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الأُمِّ وَوَلَدِهَا" فاختلفَ العلّماءُ فيه على ثلاثةِ أقوالٍ: ١ - فمنهم من قال: ذلك لِحَقِّ الأُمِّ في التَّوْلِيهِ, وقد وردَ في الحدِيثِ: "لا تُوَلَّهُ (١) والدةٌ على وَلِدِها" (٢). ٢ - وقيل: لحقِّ الطِّفلِ (٣). ٣ - وقيل: لحقِّ اللهِ. فالبَيْعُ فاسدٌ في ذلك، إِلَّا على القولِ بأنّه حقٌّ للأُمِّ فيقِفُ على إجازتِهَا، وقد خَرَّجَ التّرمذيُّ (٤) في ذلك حديث أبي أيوب: "مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللهُ بَينَهُ وبَيْنَ

стр. 2788

أَبِيهِ" وهو حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ، وذكر حديث عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: "وَهَبَ لِي رَسُولُ الله ﷺ غُلَامَيْنِ أَخَوَينِ، فَبِعْتُ أحَدَهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: مَا فَعَلَ غُلَامكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: بِعْتُهُ، فَقَالَ: رُدَّهُ" (١) حَسَنٌ غريبٌ. وهي مسألةٌ غريبةٌ (٢)، اختلفَ العلّماءُ فيها على أربعةِ أقوالٍ: الأوَّل: أنَّه لا يُفَرِّق بين والدةٍ ووَلَدِها, ولا بينَ الوالِدِ وولَدِهِ، ولا بين الأَخَوَين والأُختين، قاله أبو حنيفة (٣). الثّاني: قال ابنُ القاسم: يُفَرِّقُ (٤) بين الوالِدِ ووَلَدِه (٥). الثّالث: أنَّ ذلك في الحَرْبِيَّاتِ لا في المُوَلِّدات الّذين وُلِدُوا في أرضِ الإسلامِ (٦). الرّابع: تجوزُ التَّفرقةُ إذا أَذِنَتْ في ذلك الأُمّ (٧)، وقال ابنُ الفاجِشُون: لا يجوزُ ذلك، وقد قال ابنُ عبد الحَكَم: لا يُفَرِّقُ بينَهُما. الخامس: في التّوجيه.

стр. 2789

قال الإمامُ: وهذه المسألةُ تنبني على أنّ المَنْعَ هل هو حقٌّ للهِ أو للأُمِّ أو حقٌّ للوَلَدِ؟ وفي ذلك للعلّماء ثلاثة أقوال: الأوَّل: أنَّه حقٌّ للوَلَدِ. الثّاني: أنَّه حقٌّ للأُمِّ. الثّالث: أنّه حقٌّ للهِ. فإنْ قلنا: إنّه حقٌّ للهِ، لم يعمل الرِّضا في إسقاطه. وإن قلنا: إنّه حقٌ للأُمِّ، عمل فيه الرِّضا. وإن قلنا: إنَّ ذلك حقٌ الولد للرِّفق به، لم يَجُز. وأمّا الأخوان، فحديثُ علىِّ حُجَّةٌ عليه، وقال علماؤنا: نحملُهُ على الاستحبابِ (١). وأمّا "التّفرقة" ففي ذلك خمسة أقوالٍ: الأوَّل: إذا ثَغَر -بالتّاءِ المعجمةِ باثنين من فوقها- يعني: إذا سقط ثُغْرُهُ، قاله مالك (٢). الثّاني: إذا عرفَ ما يُؤمَر به وُينْهَى عنه. الثّالث: إذا بَلَغَ سبع سنينَ (٣). الرّابع: إذا بَلَغَ الحُلُم، قاله أبو حنيفة (٤).

стр. 2790

الخامس: إذا بلغَ عشر سنينَ، قاله ابنُ وهبٍ عن مالك واللَّيْث (١). والصَّحيح أنَّه حقّ للأُمِّ، والمسألةُ أصوليّةٌ أكثر من فروعيّة. وأمّا "كِرَاءُ الأرضِ" فسيأتي بيانُه إنْ شاءَ الله. وأمَّا "عَسْبُ الفَحْلِ" (٢) فجمهورُ العلّماءِ على أنّه لا يجوزُ، حَمَلَهُ مالك على أنّ يكونَ يُقْصَدُ به الإلقاحُ، وأمّا لو كان نَزَوَاتٍ معلومةً فهو جائزٌ، وهو الصّحيحُ؛ لأنَّه أَمْرٌ مأذونٌ فيه شرعًا، محتاجٌ إليه عادةٌ، معلومٌ بالتّقدِير، فلا وَجْهَ لِرَدَّهِ إِلَّا من طريق الجهالةِ الّتي أشرنا إليها في اشتراطِ الإلقاحِ، وفي المُضِىِّ على العادة فيه. وأمّا "بَيْعُ المياهِ" فرُوِيَ في الأثرِ: "نَهَى النَّبِيُّ ﵇ عَنْ نَقْع البِئْرِ" (٣) وَرُوِيَ "نفع" بالقاف والفاء، وَرُوِيَ: "لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ الْكَلأَ" (٤) والأحاديثُ فيه صِحَاحٌ. نَهَى النَّبِيُّ ﵇ عن بَيْع الماءِ (٥)، واختلفَ العلّماءُ في تفسيرِهِ، فقال كلُّ واحدٍ وأطالَ، وجُمْلَتُهُ ترجِعُ إلى ثلاثةِ أَقوالٍ (٦). ١ - الأوَّل: قال مالك (٧): إذا كان الماءُ في بئرٍ مملوكةٍ، فلا يدخلُ الحديثُ

стр. 2791

فيها، وإذا كانت في الصَّحارِي، ففيها الحديث، ويكونُ في الشّفةِ لا في الزَّرْعِ. ٢ - وقال ابنُ حبيب: الفضلُ في الزّرعِ مباحٌ، كالفَضْلِ في الشّفة (٣). ٣ - وقال الشّافعىُّ (١) نحو قول مالك أنَّه في الآبار الفَلَوِيَّةِ لا المملوكة. قال الإمام: الماءُ مباحٌ، الأصلُ فيه قولُه: "النَّاسُ شُرَكَاءُ في ثَلَاثٍ: الْمَاءُ، وَالْكَلأُ، وَالنَّارُ" (٢) أسكنَ اللهُ الماءَ في الأرضِ، فمن أَنْبَطَهُ كان أحقّ به من غَيْرِه، فإذا أخذَ منه حاجتَهُ، رجعَ الفضلُ إلى الأصلِ وهو الإباحة والاشتراك، هذا في ماءِ الأرضِ المشترَكَة، وأمّا ما في الأرضِ المملوكةِ؟ فإن قلنا: إنَّ المَالكَ يستولي على باطنِ الأرضِ كاستيلائه على ظاهرها، فالماءُ له. وإن قلنا: إنّه لا يملِكُ إِلَّا ظاهرَها، فليس له من الماء إِلَّا مَا لَهُ في الأرض الفَلَوِيَّةِ، وعلى هذا الأصل بَنَى أصحاب مالك قولهم: إِنَّ مَنِ أنّهارتْ بِئْرُهُ واحتاجَ إلى ماءِ جَارِهِ أنَّه يعطيه له بغير ثَمَنٍ، إذ لا خلافَ من قوله في وجوبِ الأعطاءِ، لاِنِ اختلَفُوا في جهة الإعطاءِ. كما اتّفق النَّاسُ على أنّ صاحبَ الماءِ أحقّ بالأصلِ، قال النَّبِيُّ ﵇: إنَّهُ لَا حَقَّ لَكُمْ في الْمَاءِ فقال: وَالّذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُذَادَنٌّ رِجَال عن حَوْضِي أو قال: رَجُلٌ، الحديث (٣)، وقال: "ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللهُ إِليْهِمْ يَوْمَ الْقيامَةِ"، فذكَرَ رَجُلًا كان له فضل ماءٍ

стр. 2792

بالطَّريقِ فمَنَعَهُ من ابنِ السَّبيلِ (١)، وهذا يدلُّ على ترجيحِ إحدى روايتي مالك في تحريم بَيْعِ فَضْلِ الماء، على الرِّوايةِ الأُخرى في الكراهِيَة. وكذلك اختلفَ قولُ مالكٍ في الكَلأ الّذي ينبتُ في الأرض المملوكة، هل يجوزُ له منعُهُ أم لا؟ فقيل: له مَنْعُهُ؛ لأنَّه مالك أرضه. وقيل: ليس له منعه؛ لأنَّه لم يتكلَّف فيه. والأوَّلُ أصحَّ؛ لأنَّه رِزقٌ سَاقَهُ اللهُ إليه في خالصِ ملكه، والكلأُ الّذي حرم عليه منع الماء هو الكلأ الّذي ليس بثابتٍ في ملكه. فصل (٢) وأمّا "كَسْبُ الْحَجَّامِ" فهو خبيث، و"مَهْرُ الْبَغِىِّ" فلا كلامَ فيهِ لفسادِهِ. وأمّا "كَسْبُ الْحَجَّامِ" فقد وردت فيه ثلاثة أحاديث كلُّها صِحَاحٌ: الأوَّلُ: أنَّ النَّبىَّ ﵇ احْتَجَمَ وَأَعْطَاهُ صَاعًا من طَعَامٍ (٣)، وَرُوِيَ: "صَاعَانِ" (٤)، ورُوِيَ "مِنْ تَمْرٍ" (٥)، وَرُوِيَ: "فَأَعْطَاهُ أُجرته" (٦). الثّاني: أنَّ النَّبيِّ ﵇ قد نهى عنه، فلم يَزَلْ يستأذنه حتّى قال له: "اعْلِفْهُ نُضَّاحَكَ" يعني: رقيقك (٧)، رواه ابن مُحَيِّصَةَ الأنصاريّ عن أبيه (٨).

стр. 2793

الثّالث: هذا الّذي تلوناهُ آنفًا. وكلُّها مُعَارَضَةٌ، وبعضها أَخْلَف من بعض. أمّا قوُله (١):"كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ" فهو نَصٌّ في التَّحريمِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٢). وأمّا قولُه (٣): "اعْلِفْهُ نُضَّاحَكَ" فكأنَّه مشتبه، فنزّهه عنه في ذاته، وأمرَهُ بإطعامهم للإِبِلِ لا للرَّقيق، كذا رواهُ يَحْيَى؛ لأنّ ما لا يرضاه لنفسهِ في الطُّعْمَةِ لا يرضاهُ لرقيقه؛ لأنّهم مكلَّفون في الحلال والحرام والشّبهة بمثل ما كلّف، بخلاف الإبل والبقر والبهائم، فإنّه لا تكليفَ عليها، وأمّا ما أعطاه إيّاه أجرةً، فدليلٌ على الحِلِّ المُطْلَقِ، فإنَّ النَّبيَّ ﵇ لا يدخل في شُبْهَةٍ، لِمَا هو عليه من رَفِيعِ المنزلةِ ومَرَاتِبِ العصمة، ولو ثبتَ التّاريخ في المتقدِّم منها من المتأخِّر، فينبغي التّرجيحُ أو التّأويلُ، فورودُ النَّهْي فيه يُحملُ على أنَّه كانت معاملة مجهولة، يحتجِمُون إلى وقت النّتاج، أو الجَدَادِ، أو الحَصَادِ، فيعطي معلومًا، فيكونُ عِوَضًا عن عمل مجهولٍ، أو يكونُ مجهولًا، فيكون عِوَض مجهولٍ عن مجهولٍ، فأعلَمَهُم النَّبىُّ ﵇ بتحريمِ ذلك، وعرفوه بينهم، فأعطاهم النَّبىُّ ﵇ معلومًا عن معلومٍ. وأمّا التَّرجيحُ؛ فإنَّ الجوازَ أقوى من المنعِ للحاجةِ إليه، فكان النَّبيُّ ﵇ منع منه، فلمّا رأى الحاجةَ إليه رخَّصَ فيه.

стр. 2794

وقد يُحْمَلُ النّهيُ عن كَسْبِ الحَجَّامِ على ما حُمِلَ عليه النّهي عن كَسْب الأَمَةِ، فإنّها كانت في الجاهليّة تكسِبُ بفَرْجِهَا، فيرجعُ النّهيُ إلى ما لا يجوزُ، فإذا اكتسبت بيدها جازَ، فكذلك كَسْب الحجّام كان عندهم مجهولًا، فإذا تعاملوا بينَهُم بمعلومٍ جازَ، لِمَا رُوِيَ أنّ النَّبىَّ ﵇ احتجمَ، فيه دليلٌ على أنّ ثَمَنَ المنافِعِ يجوزُ أنّ يجري فيه المتعاملان على العادةِ والمُرُوءَةِ، فهذا عملَ له أنّ يعطيه أجره الواجب له جازَ، وإن زادَهُ شَكَرَ، وإن خَاسَرَهُ صَبَرَ، أو طلب مبلغ حقِّه، وهو مأخوذٌ من قاعدةِ العُرْفِ، إحدى القواعد العشرة الّتي ترتب عليها أحكام المعاملات في المذهب المالكي. وأمّا "النَّهْيُ عَنِ الْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ" (١) فذلك لحقِّ الله، وأغربُ ما فيه ما تَفَطَّنَ له بعضُ أصحابِنا، فإنّهم اتّفقوا على نَقْضِهِ وإن فاتَ، قالوا كلُّهم: يضْمَنُ القِيمَة، إِلَّا مالكًا الغوّاصَ، فإنّهه قال: يَضْمَن الثَّمَن، لنُكتَةٍ بديعةٍ، وهي أنّ القيمةَ لا سبيلَ إلى معرفتها أبدًا؛ لأنّ ذلك ليس بوقتِ بَيْعٍ لأَحَدٍ، فرجعنا إلى الثَّمَنِ ضرورةً الّذي قرَّرَهُ على نفسِهِ وَرَضِيَ ذلك الآخرُ به. القاعدةُ العاشرة (٢) في بَسْطِ المقاصِدِ والمصالح الّتي أشرنا إليها قَبْلَ هذا وقدِ اتَّفقتِ الأُمَّةُ على اعتبارِها في الجُملةِ، ولأجلها وَضَعَ اللهُ الحدودَ الزّواجرَ في الأرضِ استصلاحًا للخَلْقِ، حتّى تَعَدَّى ذلك إلى البهائمِ، فَتُضْرَبُ البهيمةُ استصلاحًا، وإن لم تُكلَّفْ، تَسَبُّبًا إلى تحصيل قصدِ المكلِّفِ، وأقَربُ من ذلك أنّ الطِّفلَ يُضرَبُ

стр. 2795

على التَّمَرُّن على العبادات لا ضربَ تكليفٍ، ولكن ضَرْبَ تأنِيسٍ وتدريبٍ، حتّى يأتيَهُ التّكليفُ على عادةٍ، فَتخِفُّ عليه المشقَّةُ في العبادة. ولقد انتهتِ الحالُ بالشّيخِ المعظَّم أبي بكر الشّاشىِّ القَفَّال إلى طرْدِ ذلك حتَّى في العباداتِ، وصنَّفَ في ذلك كتابًا كبيرًا سمَّاهُ "محاسن الشّريعة" (١) وليس له فيه نكتَةٌ بديعةٌ (٢). والدّليلُ على صِحَّة ما صار إليه مالكٌ مِنْ انفرادِه في تعويلِهِ عليها واختصاصِهِ بها دون سائرِ العلماء، اتّفاقُ أربابِ الحَلِّ والعقْدِ على أنّ الجماعةَ يُقْتَلُون بالواحدِ قِصَاصًا؛ استبقاءً للباقِينَ واستصلاحًا لحَالِهِم، وقد قَتَلَ عمرُ نَفَرًا بواحدٍ قتلُوهُ غِيلةً، ولم يَلتفِتْ عمرُ إلى الغِيلَة، بل قال: لو تَمَالأَ عَلَيْهِ أَهْل صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ (٣)، فإن أَلْفًا يُقْتَلُونَ باغتيالِ حمارٍ، فكيف باغتيالِ إنسانٍ (٤)؟! فدلَّ على أنَّ المُعتبرَ إنّما كان بالرّدعِ. وكذلك اتّفقوا على أنَّ حِرْمَانَ القاتلِ الميراثَ رَدْعًا وسَدًّا للذَّريعةِ. وكذلك قال عمرُ: مَنْ نَكَحَ في الْعِدَّةِ لا يتناكحان أبدًا (٥). وكذلك وَقَعَ تأبيدُ التَّحريمِ في اللِّعانِ (٦). وكذلك راعَى مالكٌ المقاصدَ في تحقيقِ الجِنْسِيَّةِ في الأموالِ الرَّبَوِيَّةِ. وقال سائرُ

стр. 2796

الفقهاءِ: إنّما يُعتبرُ الجِنْسُ في الصُّورة والهيئَةِ، وما قاله مالك أَوْلَى؟ لأنّ المطعوماتِ والحيوانات لم تكن أجناسًا بصُوَرِها، وإنّما كانت أجناسًا بمنافِعِها المقصودة منها وصفاتِها الّتي تتفاوتُ بها، حتَّى جعلَ مالكٌ الشّعيرَ والقمحَ صِنْفًا واحدًا، وهي أَعْسَرُ مسألةٍ علينا في الأجناسِ، لكن رأى مالك ﵁ قربَ ما بينهما، إذ لُبابُ الشَّعيرِ يُوَازِي دقيقَ الخُشْكَارِ (١) فيلتقيان على الطّرفين. وكما تُراعِي حُزمَةُ الرَّبَا في التّفرقةِ باعتبار* الثّمنيّة، وفي الأعيان الأربعة باعتبار* القُوتِ والطَّعامِ، كذلك يراعي في الجِنسِ أنّ يقولَ في علّة الرِّبا: مقتاتٌ جنسيّ، فلا يجوزُ التفاضلُ مع الأَجَلِ* في المُقْتاتَينِ، كانا جنسين أو جنسًا واحدًا، كذلك لا يجوزُ التّفَاضُلُ مع الأجَلِ* في الجنسِ الواحد، كانا مُقتاتَين أو غير مُقتاتَين. وكذلك اعتُبِرَ قَصدُ المعروفِ في العَرَايَا، واستُثنِيَتْ من قواعد الرِّبا لخروجها عن مقصودِ البَيع في المكايسةِ، وانخراطها في شِعْبِ الرِّفقِ والمُكَارَمَةِ، وعليها بَنَى مالكٌ مسائلَ الأثمان كلّها. إذا تمهّدت هذه القواعدُ، عُدْنَا إلى الأبوابِ، وأرينَاكُم بناءَها عليها، ورجوعَها إليها، حتّى تعلموا شفوفَ مالكٍ في الإدراكِ على سائرِ العلماء, وتكونُوا متَّبعِينَ له في الحقيقة، سالكين معه على الطَّريقةِ.

стр. 2797

بَابُ مَا جَاءَ فِي بَيْعِ العُزبَانِ مَالِك (١)، عَنِ الثِّقَةِ (٢)، عَنْ عَمرِو نجنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبيه. عن جَدِّهِ؟ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيعِ الْعُرْبَانِ. قال الإمام: يقالُ: إنَّ الثِّقة الّذي لم يسمّه مالك في سَنَدِ هذا الحديث هو: بُكَيْر بن عبد الله بن الأشجّ (٣). وقد تكلَّمَ النَّاسُ في سَنَدِ هذا الحديث، فقال يحيى بنُ مَعِينٍ: أحاديث عَمْرو بن شُعَيْب عن جدَّه صِحَاحٌ. وقال قوم (٤): هي واهيةٌ؛ لأنّها بِيدِهِ صُحُفٌ، ولم يَسْمَع بعضُهُم من بعض. وأمّا الثِّقَةُ، فهو بُكَيْر بن الأشجّ (٥)، ولم يرو عنه مالك (٦)، وإنّما رَوَى عن وَلَدِهِ مَخْرَمَة (٧)، ويكنى بأبي المِسْوَر، تُوُفِّيَ في زمان هشام. ولم (٨) يذكر عنه (٩) مالك في "الموطَّأ" إِلَّا هذا الحديث، وحديث: "الرَّاكِبُ شَيطَانٌ والراكبان شيطانان، وَالثلاثَةُ نَفَرٌ" (١٠).

стр. 2798

ويقال: عُرْبَان وعُربُون، وأُربَان وأُرْبُون (١). قال الإمام (٢): أَكثرُ ما عوَّلَ فيه مالك وفيما بعدَهُ ذكر المُفْسِدَات للبيوع، لِمَا بيْنّاهُ من أنّ البَيْعَ الصّحيحَ محصورٌ، والفسادَ يَبعُدُ حَصْرُهُ، فأشارَ ﵁ إلى جُمَلِ المْفْسِدَاتِ في الأبوابِ، فمسألةُ العُرْبان، ترجعُ إلى قاعدةِ أكلِ المالِ بالباطلِ. ومسألةُ "بَيعِ العَبْدِ التَّاجِرِ الْفَصِيحِ، بِالأَعْبُدِ مِنَ الْحبَشَةِ" (٣) تَنْبَنِي على اعتبارِ الجِنْسِ بالمقاصد. واستثناء الجِنْسِ من البطن، مبنيٌّ على قاعدةِ الغَرَرِ والجَهَالَةِ، وعلى أكلِ المالِ بالباطلِ أيضًا؛ لأنّه ضيّع من ثمنها في غير مقابلة. شيءٍ. ومسألةُ "الجَارِيَة الّتِي سَأَلَ في إقالَتِهَا، وَيزِيدُهُ عَشرَة دَنَانِيرَ نَقْدًا إلى أجَلٍ أبْعَدَ مِنَ الأَجَل الَّذِي كَان قَدْ ابْتَاعَ إِلَيْهِ" (٤) مبنىٌّ على قاعدةِ الصَّفْقَة إذا اجتمع مال ربًا ومال آخر. الفقه في ثلاث مسائل: الأولى: نَهْيُهُ عن بَيْعِ العُرْبَانِ فهو أنّ يشتري الرَّجُلُ دارًا بمئة دينار ويعطِي المشتري للبائعِ دينارًا أو يقولُ له: إنَّ أتيتُكَ بالثَّمَنِ إلى أجَلِ كذا تم البيعُ بينَنَا، وإن لم آتِ فالدِّينارُ لكَ، فمثلُ هذا لا يجوزُ على حالٍ. وحديث آخرأنّه "نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ" (٥) فإذا قلنا: نهى عن بيعِ الغرَرِ، فقد تضمَّن

стр. 2799

هذا كلّ غَرَرٍ بالنَّصِّ وصار داخلًا فيه، وإذا قلنا: "نُهِيَ عَنْ بَيعِ الْغَرَرِ" دخل فيه كلّ غَرَرِ بالتَّسْميةِ، فقد دخلَ البَيْعُ في هذا اللّفظ بالنَّصِّ، ودخلَ الغَرَرُ بالتَّسْميةِ. المسألةُ الثّانيةُ (١): قوله: "نَهَى عَنْ بَيْعِ العُربَانِ" البَيعُ معروفٌ، وهو يَفتقرُ إلى إيجابٍ وقَبُولٍ، ويَلزَمُ بوجودِهما بلفظِ الماضي، فإذا قال (٢): بِعْنِي، فقال (٣): بِغتُك، فحكى عَلماؤُنا العراقيُّون أنّ التبيعَ يصِحُّ ويَنعَقِدُ. وقال أبو حنيفة (٤) والشّافعي: لا ينعقدُ حتّى يقول المبتاعُ بعد ذلك: اشتريتُ، أو قَبِلْتُ. دليلُنا: كلُّ ما كان إيجابًا وقَبُولًا في عَقْدِ النِّكاحِ، كانَ إيجابًا وقَبُولًا في عقد البَيعِ، كما لو قال: قبِلتُ، بعد إلاِيجابِ (٥). وليس للإيجاب لفظٌ مُعيِّنٌ، وكلُّ لفظٍ أو إشارةٍ فُهمَ منها الإيجاب (٤) لَزِمَ بها البَيْع، إِلَّا أنّ في الألفاظِ صريحًا لا يَحتَمِلُ (٦)، مثل أنّ يقول: بِعْتُكَ فَرَسِي، فيقولُ: قد قَبِلتُ (٧). وأمّا الألفاظ (٨)، فلا يَلزَمُ البَيْع بها بمجرِّدِها، حتّى يَقتَرِن بها عُرْفٌ أو عَادَةٌ. الثّالثة: فإذا ثبت هذا فنقول: الأشياء الّتي تدخل البيع من الفساد أربعةٌ: ١ - إمّا أنّ يكونَ الفسادُ في الثَّمَنِ. ٢ - أو المَثمُونِ. ٣ - أو البائع.

стр. 2800

٤ - أو المبتاع. فهذه الأربعة الأشياء، فمتى دخلَ الفسادُ في شيءٍ من هذه الأربعة فسدَ البَيعُ، إِلَّا أنّ يكونَ الغرَرُ يسيرًا لا يمكن الاحتراز منه، فإنّه مَعفُوٌّ عنه، كالطِّير في البَرِّ يجد فيها موضعًا لا يدركه النظر غالبًا يجده غير ... ، ومثل الهَدمِ اليسير يوجَدُ في البِنَاء وما أشبه هذا؛ لأنّ العلَّة قَلَّ ما تقعُ بمثل هذا الغرَرِ اليسير. وأمَّا الفساد الّذي من غير الرّكن، فهو فساد لكنه يسقط ويصح البَيعُ، مثالُ ذلك: أنّ يبيع خادما وسِلعَة على أنّ يسلفه عشرة دنانير، فإنّه لا يجوز؛ لأنّ البَيع والسلف منهى عنه، فهذا أسقط الشرطُ جاز البيع، والفروعُ على هذا كثيرة. بابُ مَا جَاءَ في مَالِ المَمْلُوكِ رَوَى ابنُ عُيَينَة، عن الزّهريُّ، عن سَالم، عن أببه، عن عمر، عن النّبيِّ ﵇؛ أنّه قال: " مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ للبَائِعِ، إِلَّا أنّ يشتَرطَهُ المبتَاعُ" (١). قال الإمامُ: أوقفَ مالك هذا الحديث في "الموطَّأ" (٢) عن نافع عن ابنِ عمر، ولم يبلغ به النَّبيّ ﵇. وقال أبو عمر (٣): "هذا أحد الأحاديث الأربعة الّتي أسنَدَها سالم، وأَوقَفَها نافع عن ابن عمر"، والحديثُ مُسْنَدٌ صحيحٌ من طُرُقٍ (٤). قال الإمامُ (٥): هذه المسألة تنبنِي على القاعده العاشرة، وهي المقاصدُ والمصالحُ؛

стр. 2801

لأنّ الرجُلَ إذا اشترى عبدًا له ذَهَبٌ بِذَهَبٍ، فالقاعدةُ الثالثةُ تمنعُ منه من جهةِ الرِّبَا، والقاعدةُ العاشرةُ في المقاصدِ والمصالحِ تقتضي جوازَهُ؛ لأنّه إنّما المقصودُ ذاتُه لا مالُه، والمالُ وَقعَ تَبَعًا. وقال علماؤنا: أصل البيع يقتضي إِلَّا يجوز بَيع العبد وماله؛ لأنّ مثل هذه المسألة لا تجوز، ألَّا تَرَى أنّ بَيعَ سِلعةٍ وذهبٍ بذهبٍ لا يجوز، لكنّها مستثناة من الأصول. واختلفَ العلّماءُ في العبدِ هل يملكُ أَوْ لا يملك؟ فذهب مالك إلى أنَّ العبدَ يَملِكُ (١). قلنا: ما فائدةُ الخلافِ في هذه المسألة؟ فالجواب: إِن فائدتها في معنى دقيق، وهو أنّ العبدَ إذا قلنا: إنّه يملك على مذهبنا، كان له أنّ يشتري الإِمَاءَ، ويطأ بملك اليمين. وإذا قلنا: إنّه لا يملك، لم يكن له ذلك. وقال أهلُ مكّةَ والعراق: إنَّ العبدَ لا يطأ البتَّةَ. وقال مالك: إنّه يطأ. وحُجةُ مالك في أنّ العبدَ يملكُ: حديث النّبيّ ﵇: "مَنْ بَاعَ عَبدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلبَائعِ، إِلَّا أَنْ يَشتَرِطَهُ المُبتَاعُ" قال مالك: وهذه إضافة، كما تقول: مال زيد، وألفاظُ الرَّسولِ ﵇ ذات معانٍ مفيدة. واحتجّ أيضًا مالك بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] الآية- إلى قوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ﴾ [النور: ٣٢] (٢)، والفقر والغنى صفتان لا يخبر بهما إِلَّا عن من يملك (٣). واحتجّ أهلُ العراق والحِجَاز على أنَّه لا يملك، بأنّها إضافة محل، كما يقال: سَرْجُ الدّابةِ، وبابُ الدّار، فجعلوها إضافة محلّ. بَابُ مَا جَاءَ فِي العُهْدَةِ قال الإمام (٤): العُهدةُ تنبني على القاعدةُ الخامسة، وهي الرّجوعُ إلى العُرفِ الّذي تنبني عليه أكثرُ المسائلِ الشّرعيةِ.

стр. 2802

الفقه في ثلاث مسائل: الأولى: قولُه (١): "لَا عُهْدَةَ فِي شَيءٍ مِنَ السِّلَعِ وَالحَيَوَان إِلَّا فِي الرَّقِيقِ" اختلف أصحابنا في أيّام العُهدَةِ الثلاث، هل تدخلُ في أيّام الاستبراء أم لا؟ فقال ابنُ القاسم: تدخل (٢). وقال أشهب: لا استبراءَ إِلَّا بعد أيّام العُهدَةِ، غير أنّ أشهب نقضَ أصله في مسألةٍ بأن قال: زكاةُ الفطرِ في أيّام العُهدَة على المشترِي. الثّانية (٣): قوله (٤): "كَانَا يذكُرَانِ في خُطبَتِهِمَا عُهدَةَ الرَّقِيق" يريد أنّها من الأمور المشهورة المؤكّدة. وقوله (٥): "العُهدةُ" معناها عندنا: تعلُّقُ البيع بضمان البائع مدّة معلومة، وذلك أنّ البيع بما فيه العُهدَة لازمٌ، ولكنّه مُرتَقَبٌ، فإن سَلِمَ في العُهدة لزمهما جميعًا، وإن أصابه نقْصٌ، لزم البائع وثبتَ الخيار للمبتاع في إمضائه أو ردِّهِ، كَعَيبٍ دَلَّس بِهِ البائع أنّه لا تنفعه براءته (٦) من التّدليس بالعيب الّذي ظهر في مدّة العُهْدَة، وهي مضافة إلى ملكه ما (٧) تعلّقت العُهدَة به. الثّالثة: في محل العُهدَة من البلاد (٨) فاختلف العلّماءُ في ذلك:

стр. 2803

فقال ابنُ حبيب: قال المصريّون: لا تلزم أهل بلد عُهْدَة الثّلاث حتّى يحملهم السّلطانُ عليها، ومثلُه روى ابن القاسم عن مالك. وقال ابنُ حبيب: روى المدنيّون عن مالك؛ أنّه يُقْضَى بها في كلِّ بلدٍ، وعلى الإمام أنّ يحكم بها على من عرفها وجهلها، قبل التّقدم فيها وبعده. ووجه الرِّواية الأولى: العُرْفُ جارٍ فيها بالمدينة (١). ووجه الرِّواية الثّانية: أنّ ذلك من مقتضى العَقد لأنّه من تمامِ التَّسليمِ. الرّابعة: في محلّها (٢) أمّا محلُّها من المبيع، ففي الرّقيق خاصّة، والفرقُ بينها وبين سائر المبيعات ما ذكرنا من أنّ لها تمييزًا تكتمُ به عيوبه، فَجُعِلَتِ العُهدَةُ لاختبار حاله، حكاه عبدُ الوهّاب (٣) عن ابن الجَهْم (٤)، وهذا ضد ما يُحتاج إليه؛ لأنّ هذا دليلٌ على جواز البيع بالبراءة، والصّحيح عندي ما ذكره غيره من أنّ للرقيق أفهامًا تخبر عن أسباب أمراضه قبل ظهورها، فيكون كِتمَانُ السِّرِ بذلك تدليسًا يَقُومُ مقامَ تدليسه، ولها فروعٌ كثيرةٌ أَضْربنا عنها.

стр. 2804

بَابُ الْعَيْبِ في الرَّقِيقِ ذكر فيه حديث ابن عمر؛ أَنَّهُ بَاعَ غُلَامَهُ بثَمَانِ مِئَةِ درهمٍ، وَبَاعَهُ بالبَرَاءَة (١). قال الإمام (٢): الحديثُ صحيحٌ. هذا الباب يَنْبَنْي على القاعدةُ الثّانية، وهي أكلُ المال بالباطلِ؛ لأنّه اشترى منه عبدًا بعشَرَةِ، فكلُّ جُزءٍ من العشَرَةِ قَابَلَ كلِّ جُزءٍ من أجزاء العَبْد، وَوَازَى كلَّ صفةٍ من صفاته المقصودةِ للمُبتاعِ تحصينًا من العيوب. الفقه في مسائل: الأولى: قولُه (٣): "عَلَى البَرَاءَةِ" وفي بيع البراءة ثلاثةُ أقوالٍ (٤): الأوّل: أنّه لا يجوزُ بحالٍ (٥). الثّاني: أنّه يجوزُ (٦). الثّالث: أنّه يجوزُ في الرَّقيق خاصّة (٧). ووجه من أجازَهُ على الإطلاق: حديث عبد الله بن عمر؛ لأنّه أصلٌ في بَيعِ البراءة؛ لأنّ الأصلَ في البراءة إِلَّا جوَازَ، فإذا أوجب الحديث جوازها جازَ،

стр. 2805

وأمّا وجه من قال: إنّه لا يجوز على الإطلاق في كلِّ شيءٍ ممّا يدخله الغَرَر. وأمَّا حُجَّة من أجازه في الرّقيق خاصّة، قياسًا على حديث عبد الله بن عمر. فنقول: سِلعَةٌ من السِّلَعِ، جاز بيعُها بالبراءة كالرّقيقِ، وقضاءُ عثمان ﵁ في قصّة عبد الله بن عمر، ولم يوجد له مخالفٌ، فكان إجماعًا. ٢ - الثّانية: في معرفة العقود الّتي يجب فيها الرَّدِّ (١). ٣ - الثّالثة: في معرفة العيوب الّتي يثبت بها الرَّدِّ (٢). أمّا العقود، فعلى ثلاثة أضربٍ: ١ - عَقد مختصٌّ بالعِوَضِ، كالبيع والنِّكاح، فهذه يثبت بها حُكْمُ الرَّدِّ. ٢ - والثّاني: عَقْدٌ مختصٌّ بالمكارمة، كالهِبَة لغير الثّواب، والصِّدقة، فهذا لا يَثْبُتُ فِيهِ حُكمُ الرَّدِّ. ٣ - والثالثُ: عَقدٌ ظاهِرُهُ المكارَمَة، وله تَعَلُّقٌ بالعِوَضِ، كالهبَة للثّواب لمدّة، فالموهوب له لا يردّ بعيب، حكاه إسماعيل القاضي عن عبد الملك، وعن المُغِيرَة: لا ردَّ ولا في البَيْع المفسد. ووجه ذلك: أنّ هذه عقودٌ جرتِ العادةُ أنّ يكون العِوَضُ فيها أكثر (٣)، وهذا ينافي الرَّدِّ بالعَيب. ٣ - الثّالثة: في بيانِ العُيوبِ الّتي يجبُ بها الرَّدُّ مُجملةً؛ ذلك أنّ خِيَارَ الرَّدِّ على ضربين: أحدُهما: ما يثبتُ بغير شرطٍ.
следующие страницы →