← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

لأنّ الرجُلَ إذا اشترى عبدًا له ذَهَبٌ بِذَهَبٍ، فالقاعدةُ الثالثةُ تمنعُ منه من جهةِ الرِّبَا، والقاعدةُ العاشرةُ في المقاصدِ والمصالحِ تقتضي جوازَهُ؛ لأنّه إنّما المقصودُ ذاتُه لا مالُه، والمالُ وَقعَ تَبَعًا. وقال علماؤنا: أصل البيع يقتضي إِلَّا يجوز بَيع العبد وماله؛ لأنّ مثل هذه المسألة لا تجوز، ألَّا تَرَى أنّ بَيعَ سِلعةٍ وذهبٍ بذهبٍ لا يجوز، لكنّها مستثناة من الأصول. واختلفَ العلّماءُ في العبدِ هل يملكُ أَوْ لا يملك؟ فذهب مالك إلى أنَّ العبدَ يَملِكُ (١). قلنا: ما فائدةُ الخلافِ في هذه المسألة؟ فالجواب: إِن فائدتها في معنى دقيق، وهو أنّ العبدَ إذا قلنا: إنّه يملك على مذهبنا، كان له أنّ يشتري الإِمَاءَ، ويطأ بملك اليمين. وإذا قلنا: إنّه لا يملك، لم يكن له ذلك. وقال أهلُ مكّةَ والعراق: إنَّ العبدَ لا يطأ البتَّةَ. وقال مالك: إنّه يطأ. وحُجةُ مالك في أنّ العبدَ يملكُ: حديث النّبيّ ﵇: "مَنْ بَاعَ عَبدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلبَائعِ، إِلَّا أَنْ يَشتَرِطَهُ المُبتَاعُ" قال مالك: وهذه إضافة، كما تقول: مال زيد، وألفاظُ الرَّسولِ ﵇ ذات معانٍ مفيدة. واحتجّ أيضًا مالك بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] الآية- إلى قوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ﴾ [النور: ٣٢] (٢)، والفقر والغنى صفتان لا يخبر بهما إِلَّا عن من يملك (٣). واحتجّ أهلُ العراق والحِجَاز على أنَّه لا يملك، بأنّها إضافة محل، كما يقال: سَرْجُ الدّابةِ، وبابُ الدّار، فجعلوها إضافة محلّ. بَابُ مَا جَاءَ فِي العُهْدَةِ قال الإمام (٤): العُهدةُ تنبني على القاعدةُ الخامسة، وهي الرّجوعُ إلى العُرفِ الّذي تنبني عليه أكثرُ المسائلِ الشّرعيةِ.

стр. 2802

الفقه في ثلاث مسائل: الأولى: قولُه (١): "لَا عُهْدَةَ فِي شَيءٍ مِنَ السِّلَعِ وَالحَيَوَان إِلَّا فِي الرَّقِيقِ" اختلف أصحابنا في أيّام العُهدَةِ الثلاث، هل تدخلُ في أيّام الاستبراء أم لا؟ فقال ابنُ القاسم: تدخل (٢). وقال أشهب: لا استبراءَ إِلَّا بعد أيّام العُهدَةِ، غير أنّ أشهب نقضَ أصله في مسألةٍ بأن قال: زكاةُ الفطرِ في أيّام العُهدَة على المشترِي. الثّانية (٣): قوله (٤): "كَانَا يذكُرَانِ في خُطبَتِهِمَا عُهدَةَ الرَّقِيق" يريد أنّها من الأمور المشهورة المؤكّدة. وقوله (٥): "العُهدةُ" معناها عندنا: تعلُّقُ البيع بضمان البائع مدّة معلومة، وذلك أنّ البيع بما فيه العُهدَة لازمٌ، ولكنّه مُرتَقَبٌ، فإن سَلِمَ في العُهدة لزمهما جميعًا، وإن أصابه نقْصٌ، لزم البائع وثبتَ الخيار للمبتاع في إمضائه أو ردِّهِ، كَعَيبٍ دَلَّس بِهِ البائع أنّه لا تنفعه براءته (٦) من التّدليس بالعيب الّذي ظهر في مدّة العُهْدَة، وهي مضافة إلى ملكه ما (٧) تعلّقت العُهدَة به. الثّالثة: في محل العُهدَة من البلاد (٨) فاختلف العلّماءُ في ذلك:

стр. 2803

فقال ابنُ حبيب: قال المصريّون: لا تلزم أهل بلد عُهْدَة الثّلاث حتّى يحملهم السّلطانُ عليها، ومثلُه روى ابن القاسم عن مالك. وقال ابنُ حبيب: روى المدنيّون عن مالك؛ أنّه يُقْضَى بها في كلِّ بلدٍ، وعلى الإمام أنّ يحكم بها على من عرفها وجهلها، قبل التّقدم فيها وبعده. ووجه الرِّواية الأولى: العُرْفُ جارٍ فيها بالمدينة (١). ووجه الرِّواية الثّانية: أنّ ذلك من مقتضى العَقد لأنّه من تمامِ التَّسليمِ. الرّابعة: في محلّها (٢) أمّا محلُّها من المبيع، ففي الرّقيق خاصّة، والفرقُ بينها وبين سائر المبيعات ما ذكرنا من أنّ لها تمييزًا تكتمُ به عيوبه، فَجُعِلَتِ العُهدَةُ لاختبار حاله، حكاه عبدُ الوهّاب (٣) عن ابن الجَهْم (٤)، وهذا ضد ما يُحتاج إليه؛ لأنّ هذا دليلٌ على جواز البيع بالبراءة، والصّحيح عندي ما ذكره غيره من أنّ للرقيق أفهامًا تخبر عن أسباب أمراضه قبل ظهورها، فيكون كِتمَانُ السِّرِ بذلك تدليسًا يَقُومُ مقامَ تدليسه، ولها فروعٌ كثيرةٌ أَضْربنا عنها.

стр. 2804

بَابُ الْعَيْبِ في الرَّقِيقِ ذكر فيه حديث ابن عمر؛ أَنَّهُ بَاعَ غُلَامَهُ بثَمَانِ مِئَةِ درهمٍ، وَبَاعَهُ بالبَرَاءَة (١). قال الإمام (٢): الحديثُ صحيحٌ. هذا الباب يَنْبَنْي على القاعدةُ الثّانية، وهي أكلُ المال بالباطلِ؛ لأنّه اشترى منه عبدًا بعشَرَةِ، فكلُّ جُزءٍ من العشَرَةِ قَابَلَ كلِّ جُزءٍ من أجزاء العَبْد، وَوَازَى كلَّ صفةٍ من صفاته المقصودةِ للمُبتاعِ تحصينًا من العيوب. الفقه في مسائل: الأولى: قولُه (٣): "عَلَى البَرَاءَةِ" وفي بيع البراءة ثلاثةُ أقوالٍ (٤): الأوّل: أنّه لا يجوزُ بحالٍ (٥). الثّاني: أنّه يجوزُ (٦). الثّالث: أنّه يجوزُ في الرَّقيق خاصّة (٧). ووجه من أجازَهُ على الإطلاق: حديث عبد الله بن عمر؛ لأنّه أصلٌ في بَيعِ البراءة؛ لأنّ الأصلَ في البراءة إِلَّا جوَازَ، فإذا أوجب الحديث جوازها جازَ،

стр. 2805

وأمّا وجه من قال: إنّه لا يجوز على الإطلاق في كلِّ شيءٍ ممّا يدخله الغَرَر. وأمَّا حُجَّة من أجازه في الرّقيق خاصّة، قياسًا على حديث عبد الله بن عمر. فنقول: سِلعَةٌ من السِّلَعِ، جاز بيعُها بالبراءة كالرّقيقِ، وقضاءُ عثمان ﵁ في قصّة عبد الله بن عمر، ولم يوجد له مخالفٌ، فكان إجماعًا. ٢ - الثّانية: في معرفة العقود الّتي يجب فيها الرَّدِّ (١). ٣ - الثّالثة: في معرفة العيوب الّتي يثبت بها الرَّدِّ (٢). أمّا العقود، فعلى ثلاثة أضربٍ: ١ - عَقد مختصٌّ بالعِوَضِ، كالبيع والنِّكاح، فهذه يثبت بها حُكْمُ الرَّدِّ. ٢ - والثّاني: عَقْدٌ مختصٌّ بالمكارمة، كالهِبَة لغير الثّواب، والصِّدقة، فهذا لا يَثْبُتُ فِيهِ حُكمُ الرَّدِّ. ٣ - والثالثُ: عَقدٌ ظاهِرُهُ المكارَمَة، وله تَعَلُّقٌ بالعِوَضِ، كالهبَة للثّواب لمدّة، فالموهوب له لا يردّ بعيب، حكاه إسماعيل القاضي عن عبد الملك، وعن المُغِيرَة: لا ردَّ ولا في البَيْع المفسد. ووجه ذلك: أنّ هذه عقودٌ جرتِ العادةُ أنّ يكون العِوَضُ فيها أكثر (٣)، وهذا ينافي الرَّدِّ بالعَيب. ٣ - الثّالثة: في بيانِ العُيوبِ الّتي يجبُ بها الرَّدُّ مُجملةً؛ ذلك أنّ خِيَارَ الرَّدِّ على ضربين: أحدُهما: ما يثبتُ بغير شرطٍ.

стр. 2806

والثّاني: لا يثبتُ إِلَّا بشرطٍ. فأمّا ما يثبتُ بغير شرطِ، فهو لكلِّ عَيبٍ ينقص الثّمن، وهو على قسمين: أحدُهما: نقصٌ في عينِ المبيعِ. والثّاني: نقصٌ في غير عَينِه، لكنّه ينقص ثمنه، فالنّقص في عينه، كالعور، والعَمَى، والبياض في العين، والصَّمَم، والخرسِ، والبكم، إِلَّا في الصّغير الّذي لا يتبيّن أمرُه، وما أشبه ذلك. فصل (١) أمّا "الأضراسُ" فإنّ نقْصَ الضِّرسِ عيبٌ في الرّائعة، وليس بعَيبِ في غيرها، إِلَّا أنّ يكون في مقدّم الفَمِ، أو ينقص ضرسان حيث كانا، فإنّه عيبٌ في الذّكَرِ والأنثى. وأمّا "الشّيبُ" فإنّه تردّ به الرّائعة (٢)، وهو في "كتاب محمّد". وقال محمّد: وهو في الشَّابَّة عَيْبٌ. وقال عبد الملك عن مالك: لا تردّ (٣) إِلَّا بكثيره. ويحتمل أنّ تكون الرِّوايتان قولًا واحدًا؛ لأنّ اليسير منه ليس بعَيْبٍ؛ لأنّه شائعٌ، كالخال يكون، والشّعرة والشّعرتان تبدو ولا تُرَى إِلَّا مع التّأمُّل، وأمّا الكثير فإنّه يؤثِّر في الجمال، فاختصّ بالرّائعة دون غيرها. وأمّا "الاستحاضة" فعيبٌ في الرّقيق وَوَخْشِهِ (٤). قال ابنُ حبيب: إنَّ كانت تعتريها المرّة بعد المرّة، فعلى البائع أنّ يُبَيِّن، وإلّا فهو عَيْبٌ تردُّ به. وارتفاعُ الحيض إنَّ كان يعتريها المرّة بعد المرّة لم يَلزمهُ التّبيين، ولم تردّ به.

стр. 2807

والفرقُ: أنّ دم الاستحاضةِ ممّا يُكرَهُ، وتلحق المشقّة في التّوفِّي منه، وليس في ارتفاعِ الحيض شيءٌ من ذلك، والَّذي يقتضبه مذهب "المُدونة" (١) أنّهما سواء. فإن استحاضت، لم يكن ذلك عَيْبًا حتّى يثبت أنّه كان عند البائع. وأمّا "ارتفاعُ الحَيضِ" فالمشهورُ من المذهب؛ أنَّه إذا أتي من ذلك ما فيه ضَرَرٌ عليه (٢)، فإنّه يردّها, ولا خلاف في ذلك في المذهب (٣)، إِلَّا ما قال ابن حبيب في الّتي لم يَأتِ منه في مدّة الاستبراء ما خالف المعهود، وإذا اطّلع على أنَّه كان يتأخّر عند بائعها المرّة بعد المرّة جاز، والله أعلمُ. والحملُ في المرتفعة عَيبٌ، ولا خلافَ في ذلك. وأمّا "الوَخْشَ" فروى ابنُ القاسم عن مالك أنّه عَيْبٌ (٤). قال ابنُ كنانة: ليس بِعَيبٍ (٥)، ورواه أشهب عن مالك. فإذا قلنا يردّ به (٦)، فكيف يكون وجه الرَّدِّ؟ ففي "المبسوط": إنَّ جاءت به لِسِتَّةِ

стр. 2808

أشهرٍ من يوم قبضها لم يردّ البيع، وإن وَلَدَت قبل ذلك كان له الرَّدِّ. ووجه ذلك: أنّها إذا وَلَدَت لسِتَّة أشهر (١)، جازَ أنّ يحدثَ عند المبتاع، فصار له حكم ما يقدم ويحدثُ من العُيوبِ، فإن ولدته لأقلِّ من ستّة أشهر على أنّه عَيبٌ قديم، يثبت الرَّدِّ به. وأمّا "الزَّعَرُ" (٢) فإنّه عَيْب يُردّ به (٣). وقال محمّد: وإن كان في غير العَانَةِ. واختلفَ علماؤنا في تعليل ذلك: فقال سحنون: هو عَيْبٌ؛ لأنّه يذهبُ بلذَّة الوَطءِ، وهذا يقتضي اختصاصه بالفَرْجِ. وقال ابنُ حبيب: لأنّه لا تُتَّقَى عاقبته (٤)، يعني: الجُذَام. وإن كان في آباء الرّقيق مجذومٌ أو مجذومةٌ، فهو عَيْبٌ يُرد به، وَخْشًا كان أو رائعًا، قاله عبد الملك عن مالك. أمّا إنَّ كان أحدهما (٥) أسود، فلا ردّ له، قاله أشهب، وإن كانت ذات عَيب، وفي (٤) "الواضحة" عن مالك أنّه عَيْبٌ في الرّائعة، قال: لمَا يتّقى أنّ يخرج الولد أسود. وأمّا "عيوب الدّوابّ" فإن كان خِلقَةً، كَالعَوَرِ والجَرَدِ، أو حادثًا كالرَّمَصِ والدَّبَرِ، فإنَّه يردّ به، وكذلك سائر المبيعات غير الرِّبَاع (٦). فأمّا "الدّار" إنَّ وُجِدَ بها صَدعٌ، قال ابنُ القاسم (٧): أمّا ما يخاف منه سقوطها فيردّ به، وإلَّا فلا.

стр. 2809

وقال ابنُ أبي زيد: العيوبُ فيها على ثلاثةِ أضرُبٍ: أحدُها: أنّ تستغرق معظم الثّمن، فهذا يردّ به ويرجع بالثّمن. الثّاني: إِلَّا ينقص من الثّمن، فهذا لا يردّ به، ولا يرجع قيمة العَيب. الثّالث: أنّ ينقص من الثّمن ولا ينقص معظمه، فهذا يرجع بقيمة العَيبِ، ولا تردّ به، ورأيت لبعض أصحابنا أنّه تردّ (١). واختلف القائلون بقول ابنِ أبي زيدٍ في تعليل ذلك؟ فقال أبو محمَّد: إنَّ الدار تخالفُ سائرَ المبيعات، بدليل أنَّه إذا استحقّ منها اليسير لزم الباقي بالثّمن. وأيضًا: فلو أطلق أحدٌ العَقْد فيها، واستحقّ بعض جدرأنّها , لم يرجع المبتاع في شيءٍ من الثّمن. وقال غيرُه: العلّةُ أنّها لا تتّخذ غالبًا إِلَّا للقِنيَة، وليس المقصود منها الأثمان. ٤ - الرّابعة (٢): وأمَّا "ما ينقص ثمن المَبِيعِ ولا ينقص جسده، كالإِبَاقِ، والسّرقة، وشرب الخّمْرِ، والزِّنا في العبد عند مالك" فهو عَيْبٌ يردُّ به، وبه قال الشّافعيّ (٣). وقال أبو حنيفة: لا يُردّ به (٤). ودليلُنا: أنّه زنا وُجِدَ في مملوكٍ، فإن له أنّ يردَّه كما لو كان له جارية. وأمّا "البول في الفراش" ففي الكِبَرِ عَيْبٌ يردّ به العَبدُ والأَمَةُ، رائعين كانا أوْ لَا،

стр. 2810

وبه قال الشّافعيّ (١). وقال أبو حنيفة (٢): لا يردّ به العبد، وتردّ به الأَمَة. ودليلنا ما تقدّم. فرع (٣): والظيثُ في العبد، والتَّرَجْلُ في الأَمَة عَيْبٌ،* قال ابنُ حبيب عن مالك: معنى ذلك أنّ يكون العبد متخنِّثا *، ومعنى ذلك أنّه يُؤتَى. وأمّا من اشترى عبدًا على أنّه أعجم، فألفاه فصيحًا، أو على أنّه مجلوب، فألفاه مولّدًا، ففي "الواضحة" عن أَصبَغ أنّ له الرَّدِّ؛ لأنّ النَّاس في المجلوب أرغب، وكذلك الدّوابّ. وأمّا "عِثَار الدّابةِ" ففي "المدنية" رواية ابن دينار عن ابن كنانة: إنَّ عَلِمَ أنّ ذلك كان عند بائعها بشهادة أو إقرار رُدَّت عليه، وإن لم يعلم، وكان عِثَارُها قريبًا من بيعها، حلفَ البائعُ أنّه ما عَلِمَ بذلك، كان ظهر ذلك بها بَعْدَ طُولِ مدَّةٍ يحدثُ العِثَارُ في مثلها، فلا يَمِينَ عليه. قال الإمامُ (٤): هذه العيوبُ إنّما يردّ بها إذا ثبت أنّها كانت في ملك البائع.

стр. 2811

فرع (١): واختلف علماؤنا في هُزَالِ الدّوابّ وسمنها. فَروى ابنُ حبيب عن مالك: لا يثبتُ الخِيَار لهما في الرّقيق، ويثبتُ بهُزال (١) الدّوابّ (٢). وقال ابنُ القاسم: لا يثبتُ لهما في الرّقيق ولا في الدّوابّ (٣). واختار ابنُ حبيب أنّ ذلك كلّه بالخيار، ورواه عن شيوخه (٤). ٥ - الخامسة: مسألة المواضعة (٥) في الرّقيق (٦) أمّا حكمُها، فإن ضمانَها من البائع، ويلزمه قيمتها، وما لحقها فيها من موت أو نقص جسم فمنه، وللمُبتاع في الموت إمساك الثّمن وارتجاعه إنَّ كان أَخرجه، وفي النّقص خِيَار الرَّدِّ بالعَيبِ أو الإمساك، وأمّا إنَّ كان في غير الجسد كالزِّنا والسّرقة، فجمهورُ أصحابنا أنّ له الرَّدِّ بذلك (٧)، وحكى ابنُ حبيب عن أَصبَغ: لا يردّها (٨). وأمَّا ما حدث لها من مالٍ بِهِبَةٍ أو صدقة، فللبائع إنَّ كان لم يستَثْن منه مالها؛ لأنّه ضامن لها.

стр. 2812

وأمّا ما حدث لها من وَلَدٍ: فقد قال ابنُ القاسم: للمبتاع (١). وقال أشهبُ: للبائع (٢). وإن أسقط المواضعة ورَضِيَ بالحمل بعد العَقدِ: فقال ابنُ القاسم: له ذلك وإن أَبَاهُ البائع. وقال سُحنون: ليس له ذلك. ووجهُ القولِ الأوّل: أنّ كلّ عَيبٍ يجوزُ له (٣) الرِّضا به بعد ظهوره، فإنّه يجوزُ له الرِّضا به قبلَ ظهورِه كسائر العُيوبِ. ووجهُ قولِ سحنون: أنّ المبتاعَ إنّما أسقط ما وجب له من الضَّمان على البائع ليتعجَّلَ الخِدْمَة. ٦ - السّادسة: في ببان ما تنتقض به المواضعة (٤) فإنها تكون بأحد وجهين: بحيض، أو شهور. فأمّا الحيضُ، فالذي يُجزِىءُ منه حيضةٌ واحدةٌ (٥)؛ لأنّ بها تحلّ الأَمَة (٦)، وليس يتعلّق بها معنىً من العبادة، ولا حرمة الحرِّية، فلذلك لم يتكرّر (٧). فإن كان البيع بعد ابتداءِ الحيضِ، فإن كان في أوّله أجزأه، وإن كان في آخره (٨) استؤنفت بعد المواضعة. ووجه ذلك: ما احتجّ به ابنُ القاسم من أنّ الرّحم في ذلك الوقت لا يقبل المنىّ، بل يقذف بالدّم، وفي آخره يقبل المنيّ، فلذلك افترقا.

стр. 2813

٧ - السّابعة: بني حدّ المقدار الّذي يجزىءُ من الحَيضَةِ الباقية (١) قال محمّد: إنَّ بقي منه ما يعرف أنّه حَيْضة أجزأه. ويحتمل قوله أمرين، أحدُهما: أنّه مقدار أقلِّ الحَيض، فلذلك أجزأه، ولذلك قال في آخره: وإن كان إنّما بقي منه اليوم واليومان لم يجزئه. والثّاني: أنّه إنَّ كان في وقت يرى أنّ الرّحم يرخي (٢) الدِّم، فلا يقبلُ المَنِيَّ، فهو براءة، وإنْ كان على غير ذلك، فإنّما هي مدّة لاستقصاء بقايا الدِّم، فليس ببراءة. فرع: وإن كانتِ الحيضةُ بعد إلابتياع، فلا يخلو أنّ تأتي على المعهود، أو تتأخّر عنه، فإن أتت على المعهود، تمّت المواضعة بها. كان كانت بعد التّبايع بلحظةٍ؛ لأنّا قد قلنا: إنَّ التّبايع إنَّ كان في أوّل الحيضة إنَّ المواضعة تتمّ بهناء. فرع: فإن كانت ممّن تحيض فارتفعت حيضتُها، فاختلف علماؤنا في ذلك (٣): فَرَوَى ابنُ وهب أنّ براءتها تسعة أشهر (٤). وقال ابنُ القاسم وغيره: براءتُها ثلاثة أشهر، إِلَّا أنّ ترتاب فتُقيم تمام التّسعة الأشهر ولم تبرأ، إِلَّا أنّ يطرأ بها حملٌ (٥). وهذا فيمن يتكرر حيضها قبل الثّلاثة، فأمّا من كانت حيضتها تبطىء أكثر من ثلاثة،

стр. 2814

فلا يخلو أنّ تكون عادتُها أنّ تكونَ أقلّ من تِسعةٍ أو أكثر (١)، فإن كانت أقلّ، فَرُويَ (٢) عن ابن القاسم أنّها ثلاثة تبرئها (٣). وروى يحيى (٤) أنّه لا يبرئها إِلَّا الحيض، وإلَّا رفعت إلى التِّسعة الأشهُر (٥) إنَّ استبرأت، والفروعُ على هذا الباب كثيرة جدًّا، لُبابُها ما سردناه عليكم، فَعَوِّلُوا عليه. باب (٦) ما يُفعَل بالوليدة إذا بيعت واشترط فيها الأحاديث في هذا الباب: قال الإمام: فالشّرط فيها ينبني على أكثر القواعد السابقة، ولكن مسائلَ الشَّرطِ مُغضِلةٌ قديمًا وحديثًا. رُوِي (٧) عن عبد الوَارِث بنِ سعيدٍ (٨) قال: دخلتُ مكّةَ فلَقِيتُ أبا حنيفةَ، فسألتُه عن بيعٍ وشَرطٍ؟ فقال: البيعُ باطلٌ، والشّرطُ باطلٌ. ثمّ أتيتُ ابنَ أبي ليلى فسألته عن بيعٍ وشرطٍ؟ فقال: البيعُ جائزٌ والشّرط باطلٌ (٩). ثمّ أتيتُ ابنَ شُبرُمَةَ فسألتُه، فقال: البيعُ جائزّ والشرطُ جائزّ. فقلت: ثلاثةّ اختلفوا في هذه المسألة ولم يتَّفِقوا فيها على جوابٍ! قال: فأتيتُ أبا حنيفةَ فأخبرتُه، فقال: لا أدري ما قالا. حدّثني عَمرُو

стр. 2815

بنُ شُعَيب، عن أبيه، عن جدِّه؛ أنّ رسول الله ﷺ "نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرطٍ" (١). ثمّ أتيتُ ابنَ أبي ليلى فأخبرته فقال: لا أدري ما قالا، حدَّثني هشامُ بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عائشة، أنّ النّبيّ ﷺ قال لها في بَرِيرَة: "اشتريها وأعتقِيها" الحديث. ثمّ أتيتُ ابنَ شُبرُمَة فأخبرتُه، فقال: لا أدري ما قالا، حدّثني مسِعَرُ بنُ كِدَامٍ، عن مُحَارِب بن دِثَارٍ، عن جَابِر بنِ عبدِ الله، قال: اشتَرَى النَّبىُّ مِنِّي ناقةً وشرَط لي حُملانّها إلى المدينةِ (٢). فهذه أغراضٌ متفاوِتَةٌ في فهمِ مواقعِ ذِكْرِ الشّروطِ في الحديث، وقد رأيتُ لعبد الحميد الصَّائغ (٣) "جزءًا في تفصيل الشّروط" لكن على المذهب المالكي، قد أتقَنَ فيه ترتيبَ المذاهبِ في هذا الحديث، كنت قد كتبتُه بخطِّ يدي وقرأتُه، لكنه شذَّ عنِّي، والَّذي يحصُرُ الشّروطَ في الأغلبِ ردُّها إلى القواعدِ الّتي مَهَّدناها، وعرضُها عليها. فلا يخلو وقوعُ الشروطِ في العَقدِ (٤)، والأمثلة في ذلك أربعة أمثلة: الأوّل: إذا اشترى عبدًا من رجلٍ بشرطِ الهِبَةِ له أو لغيره، انفردَ بها مالك فقال: هو جائز. وقال الشّافعيُّ: لا يجوزُ؛ لأنّه إنّما يحتمِلُ في البَيع لحرمةِ العتقِ وما فيه من التَّقَرُّبِ إلى الله. قلنا: وكذلك يَحتملُ الهِبَةَ؛ لمَا فيها من المعروف والمواصلة وإسداءُ المعروف

стр. 2816

وتأكيدُ الوُصلَةِ، فهذا الّذي لَحَظَ مالك فيها. الثّاني: إذا باعه منه على ألَّا يبيعَهُ المشتري ولا يفوتَه، لم يَجُز؛ لأنّها مُغابَنَةٌ مناقِضَة للعَقدِ ومعارِضَةٌ. الثّالث: إذا باع منه عبدًا على أنّه إنَّ أَبَقَ كان من ضمانه، أو مريضًا على أنّه إنَّ مات كان من ضمانه، لم يَجُز؛ لأنّ ذلك مناقضٌ لمقصودِ العَقدِ ومقتضاه، إذ العَقدُ يقتضي خروجَ المَبِيعِ من مِلكِ البائعِ وضمانِه، وهذا يُضادُّه. الرّابع: إذا اشترط عليه إنَّ لم يأت بالثَّمن إلى، أجلِ كذا، فلا يتمُّ بينهما. قال علماؤنا: لم يَجُز؛ لأنّه زاده في الثّمن لموضع الشّرط، وهذا من أكل المالِ بالباطلِ، وغرَضَهُ محمّدُ بن الموَّازِ على أصلٍ آخرَ فقال: إنَّ كان في العَقارِ والدُّورِ الشَّهْرَ ونحوَهُ، جاز، وفي العُروضِ لا يجوزُ، نظرًا إلى أنّ المدّةَ اليسيرةَ داخلةٌ في حدِّ القِلَّة، فلا تُعتبرُ كما لا تُعتَبرُ في الاستثناء، وما أشبَههُ يرجِعُ إلى القاعدةِ السّابعةِ. باب (١). النّهي أنّ يطأ الرَّجل وليدته ولها زوجٌ قال الإمام: ذكر مالك (٢) فيه مسألة شراءِ الطّلاقِ من الزّوجِ، حينَ أرضى ابنُ عامرٍ زوجَ مملوكته حتّى طلَّقها. والطّلاقُ إنّما يجوزُ شراؤه بين الزّوج والزّوجة، وفي حقِّ غيرهما ليس ممّا يقابِلُه مالٌ. بَيْدَ أنّ شِراءَ الأَمَةِ ذات الزّوج إنمّا اختلف العلّماءُ

стр. 2817

في بيعها، هل يكون طلاقًا أم لا؟ فإن كان طلاقًا بطَلَ حقُّ الزّوجِ، وإن كان ماضيًا نُزِّلَ السَّيِّدُ منزلةَ أَمَتِهِ في شراء الطّلاق لوجهين: أحدُهما: أنّ السَّيِّد مالكُها. والثّاني: أنّه شَرِيكٌ للزّوج فيها، الحِلُّ للزّوج والبُضعُ للسَّيَّد، ولذلك لو وَطِئَها السَّيِّدُ لم يُحَدَّ، فكان شراؤه منه من باب المعروف. باب ما جاء في ثَمَرِ المال يُياعُ أصلُه قال الإمام: قوله (١): "قد أُبِّرَتْ" التّأبير: التّلقيح (٢)، قال ابنُ حبيب (٣): هو أنّ يُشَقِّ الطَّلع عن الثّمر، فإذا تمّ اللِّقاح سقطَ ما سقطَ، وثبتَ ما ثبتَ، فحينئذٍ تكون الثَّمرة للبائع بإطلاق العَقد. قال الإمام (٤): هذا الباب ينبني على القاعدةُ العاشرة، وهي قاعدةُ المقاصد؛ لأنّ الثَّمرةَ ما دامت كائنةً في الشّجرةِ، لم يتعلَّق بها قَصدٌ، ولا أمكَنَ لأحدٍ فيها تناوُلٌ، فإذا برَزَت تعلَّقت بها المقاصدُ، وانفردت عن الشّجرة صورةً وصِفَةً واسْمًا، فلذلك لم تتبَعها، خلافًا لأبي حنيفة، وقد مهَّدنا ذلك في "مسائل الخلاف". الفقه في أربع مسائل: الأولى: ما عدا الّنخل في التّأبير، فيه ما قدّمنا، وفي التّين وما لا زَهرَ له، أنّ يبرز جميع

стр. 2818

الثمرة عن موضعها، وهو بمنزلة التّأبير فيها؛ لأنّه حينئذٍ يتبيَّن حالُه وكثرتُه وقِلَّتُهُ. والتّأبيرُ في النّخل الّتي لا تؤبّر، أنّ يبلغ مبلغ الإبار في غيرها. وأمّا "الزّرع" فإبارُه أنّ يُفركَ في رواية ابن القاسم، وروى عنه أشهب أنّ إبَارَهُ ظهورُه في الأرض. الثّانية: قوله: (فَثَمَرَتُهَا لِلبَائِعِ) يريد أنّها له بمُطلَقِ العَقدِ. وقال ابنُ أبي ليلى: هي للمشتري (١). ودليلُنا: هذا، ومن جهة القياس: أنّ هذا إنّما يتميّز، فلم يتبع الأصل بمطلق العَقد، كالجنين بعد الولادة. الثّالثة: إذا ثبت هذا، فليس للمشتري إجباره على نقل ثمرته قبل أوان جَدادِها، وبه قال الشّافعيّ (٢). وقال أبو حنيفة: له ذلك (٣)، والمسألةُ خلافيّةٌ. الخامسة: فإن أبّر بعضه دون بعض، فلا يخلو أنّ يكونا متساويين، أو يكون أحدهما أكثر، فإن كانا متساويين، فقد قال مالك: ما أُبّرَ للبائع، وما لم يُؤبَّر للمبتاع (٤). وقال محمّد: ما أُبَّرَ تبع ما لم يُؤبَّر، وذلك للمبتاع. وقال سحنون عن ابن القاسم في"العُتبِيَّة" (٥): إمّا أنّ يسلم المبتاع، أو يسلما جميعًا، وإلَّا فسخ البيع وإن رضي المبتاع بالنّصف.

стр. 2819

بَابُ النَّهيِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَة قَبلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وقال (١) في حديث أنس (٢)؛ أنّ رسول الله ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَاِر حَتَّى تُزهِيَ، قيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ: وَمَا تُزهِي؟ قَالَ: حَتَّى تَحْمَرّ. وقال في حديث آخر (٣): "أَرأَيت إنَّ مَنَعَ الله الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأخُذُ أَحدَكُمُ مَالَ أَخِيهِ" قال الإمام: الحديثُ صحيحٌ متَّفَقٌ على صِحَّته. قولُه: "حتّى بَيدُوَ صَلَاحُهَا" معناه: حتّى تُزهِي، وهَو بُدُوِّ الحُمرَةِ. وقال (٤) ابنُ الأعرابي: يقال زَها النّخلُ يَزهُو، إذا ظَهَرَ ثَمَرُهُ، وأَزهَى: إذا احمَرَّ واصفَرَّ (٥). وقال غيرُه: بَزهُو خَطَأٌ في النَّخل، إنّما هو يُزهِي، فهذا أَزْهَتْ خرَجت من حدِّ الخضرة إلى الزّهو، والزّهو أحمر، والبسر أصفر. وفي (٦) حديث آخر: أَنَّهُ نَهَى عن بَيعِهِ حَتَّى يَنتَقِح (٧)، والتّنقيحُ هو الزّهوُ أيضًا. قال ابنُ حِبيبٍ (٨): "لثَمَير النَّخلِ سبع دَرجَاتٍ:

стр. 2820

١ - الطَّلْعُ، ثمّ ينتقحُ الحَبّ عنها ويبيضُّ فيكون إغرِيضًا. ٢ - ثمّ يعظمُ وتعلوهُ خُضرة فيكون بَلَحًا. ٣ - ثمّ تعلُوهُ حُمرةٌ، فيكون زَهوًا. ٤ - ثمّ يَصْفَرُّ، فيكون بُسْرًا. ٣ - ثمّ تَعلُوهُ كُدْرَةٌ، فيكونُ نَضِيجًا. ٦ - ثمّ يكونُ رُطَبًا. ٧ - ثمّ ييبسُّ فيكون تَمرًا". وصلاحُ "التّين" أنّ توجدَ فيه الحَلاوةُ، ويظهرُ السّوادُ في أَسْوَدِهِ، والبياضُ في أبيضِهِ، وكذلك العِنَب. وصلاحُ "الزّيتون" أنّ ينحو إلى السَّوادِ. وصلاحُ " القِثَّاءِ" أنّ ينعقد ويبلغ حدّ ما له طعم. قال: وأمّا "البِطِّيخ" فإذا نحا ناحية الاصفرار والرُّطوبة. الفقه في أربع مسائل: الأولى (١): لا يخلو أنّ يكونَ بشرط القَطعِ، فذلك جائزٌ إجماعًا لعدمِ الفساد. وأمَّا أنّ يكون بشرط التبقية، فهو باطلٌ إجماعًا، مبنيًّا على قاعدة الغَرَر والجهالةِ. وأمّا إنَّ باعها مطلقًا، فقال الشّافعىُّ: لا يجوزُ (٢)؛ لأنّ الإطلاقَ يقتضي التَبقيةَ، إذِ المقصودُ من الثَّمرة زَهْوُها واجتناؤها طَيبةً. وقال أبو حنيفة: ذلك جائزٌ (٣)؛ لأنّ مطلقَ العَقْد يُحْمَلُ على الجائز شرعًا فيجوزُ، ويُكلَّف أنّ يُجَدّ.

стр. 2821

واختلَفَ في ذلك جوابُ علمائنا؛ فوردَ بالوجهين، والمسألةُ محتمِلَةٌ (١)، والعُمدةُ فيه أنّ العَقدَ باطلٌ؛ لأنّ المقصود من الثّمرةِ اجتناؤُها طيبةً، فَتُحْمَلُ على المقاصدِ، ويُفْسَخُ العَقدُ حتّى يُصَرِّحَ بما نَوَى. الثّانية: فإذا ثبت ذلك، فإنّ نهيَهُ ﷺ عن ذلك اختلف علماؤنا في تعليله، فقال ابنُ مَسْلَمَة: الغَرَرُ موجود قبل بُدُوِّ الصّلاح وبعدَه، ولكنّه لا غَرَضَ في شرائها قبل بُدُوِّ الصّلاح، إِلَّا بمجرّد الاسترخاصِ فلم يَجُز ذلك؛ لأنّها قد تسلم فترخص عليه، أو تتلف فتكون أقلّ من ثُلثُها وتكون غاليًا. وقال غيرُه: إنَّ الغَرَرَ قبل الصّلاح أكثر، وبعد بُدُوِّ الصَّلاح يقلّ، وكثرة الغَرَرِ يُبطلُ العقودَ. فإذا ثبت ذلك، فالممنوعُ منه البيع المطلَق دون اشتراط القطع، وذلك أنّ بَيعَ الثّمرة على ثلاثة أوجه (٢): أحدُها: شرطُ القَطعِ، فهذا لا خلافَ في جوازِه؛ لأنّه لا غَرَرَ فيه. والثّاني: أنّ يشترط التّبقية، فهذا لا خلاف في منعه، إِلَّا ما رُوِيَ عن ابنِ حبيب في العريّة. ووجهُ منعه: أنّ المنفعة تقِلُّ في ذلك ويكثُرُ الغَرَر. وأمَّا الثّالث: فإطلاقُ البيع فيها، فالمشهورُ عن مالك منعُه (٣)، وبه قال الشّافعيّ (٤). ورَوَى ابنُ القاسم في البيوع الفاسدة جوازَهُ، ويكون مقتضاه الجَدَاد.

стр. 2822

بَابُ مَا جَاءَ فِي بَيْع العَرِيَّةِ الأحاديث: رُوِيَ (١) عن أبي هريرةَ: "أَرْخَصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في العَرَايَا في خَمسَةِ أَوسُقٍ" أو "دُونَ خَمسَةِ أَوسُقٍ". وفي "التّرمذيّ" (٢) أَنَّ النَّبِيِّ ﵇ نَهَى عَنِ المُحَاقَلَةِ وَالمُزَابَنَةِ، إِلّا أَنَّهُ قَد أَذِنَ لأَهلِ العَرَايَا. وقولُ أبي هريرة (٣): "أرخَصَ رَسُولُ اللهِ في العَرَايَا" حَسَنٌ صحيحٌ (٤). قولُه (٥):"العَرِيَّة" قيل: هي فَعِيلَة بمعنى مفعولة، من عراه يعرُوهُ. وقيل: من عرى يعري، كأنّها عريت من جملة التّحريم، فعريت أي خرجت، فهي فعيلة بمعنى فاعلة (٦). قوله: "أَرْخَصَ لِصَاجبِ الْعَريَّةِ" مطلقُ الرُّخصةِ عند الفقهاء يقتضي أنّ يُخَصَّ بعض الجملة المحظورِ عليه حكمًا، لا يُعَدَّى إلى غيره، وليس هذا بصحيحٍ، والصّوابُ أنّ ينظر إلى عِلَّة ذلك، فإن كانت علَّتُه واقفة، بُنِيَ الحُكمُ على موضِعِها، وان كانت متعدّية،

стр. 2823

أثبت الحكم المعلق منها حيثُ وُجِدَت. ومعنى إطلاقهم عليها اسم الرّخصة؛ أنّ زيد بن ثابت رَوَى عن النّبيّ ﵇ منع بيع الرُّطَبِ بالتَّمْر (١)، وروي عنه إباحة ذلك على الخَرْصِ في العَرِيّة (٢)، فخصّ العَرِيَّة بهذا الحُكم دون سائر المَبِيعِ من الثِّمار، والمعنى المبيح لذلك، ضرورة الشَّرِكَة إذا كان أصلها العَرِيَّة، وهذا وإن كان ورد بلفظ المبيع ففيه معنىً من المنع، وذلك ان المعري إذا خرصت عليه العَرِيَّة، له أنّ يبيعها أو يأكلها ويصنع بها ما شاء، ورُوِيَ عن مالك. وهذا الباب (٣) يُخرِّجُ على القاعدةِ الخامسةِ في استثناءِ المعروفِ من المُغابَنَةِ والمُكَارَمَةِ من الرِّبا. ورُوِيَ عن مالكِ أنّ بيع العَرِيَّةِ لا يجوزُ إِلَّا بالدّنانيرِ والدّراهمِ (٤)، وهذا ينبني على مسألةٍ من أصولِ الفقه اختلفَ فيها قولُه، وهي: إذا جاءَ خَبَرُ الواحدِ معارضًا لقاعدةٍ من قواعدِ الشَّرعِ (٥)، هل يجوزُ العملُ به أم لا؟ فقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ العملُ به (٦). وقال الشّافعيّ: يجوز (٧). وتردَّدَ مالك في المسألةِ، والمشهورُ من قوله والذي عليه المُعَوِّلُ، أنّ الحديثَ إذا عَضَدَتْهُ قاعدةٌ أخرى قال به، وإن كان وحدَهُ ترَكَهُ (٨)، ولهذا قال في مسألة غسل الإناء

стр. 2824

من وُلُوغِ الكلبِ (١): "قد جاء هذا الحديثُ، ولا أدري ما حقيقَتُهُ" (٢) لأنّ هذا الحديثَ عارضَ أَصلّين عظيمين: أحدُهما: قولُه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] (٣) فقال مالك: يُؤكَلُ صَيدُهُ فَكَيْفَ يُكرَهُ لُعَابُهُ. والثّاني: أنّ عِلَّةَ الطّهارة هي الحياةُ، وهي قائمةٌ موجودةٌ في الكلب (٤). وأمّا حديثُ العَرَايَا، فإن صَدَمَتْهُ قاعدةُ الرِّبا عَضَدَتهُ قاعدةُ المعروفِ. الأوّل (٥): قال مالك: العَرِيَّةُ: هي أنّ يعري الرَّجل النّخلة، ثمّ يتأذى بدخوله عليه، فرخّص له فيها أنّ يشتريها منه بتمر. الثّاني: قال الشّافعيّ (٦): لا يكون بالجُزَافِ وإنّما يكون بالكَيلِ من التَّمر يدًا بِيَدٍ. الثّالث: قال سفيان (٧): هي نخلٌ تُوهَبُ للمساكين فلا يستطيعون أنّ ينتظروها، فرخّص لهم أنّ يبيعوها بما شاءوا من التّمر (٨). وقال أبو حنيفة (٩): هذه المسألةُ باطلةٌ، لا يُباعُ مال الرِّبا بالخَرْصِ. وقد ثَبتَ عن مالكٍ أنّه قال: يجوزُ بيعُها بكلِّ شيءٍ.

стр. 2825

وقيل: لا تجوز العَرَايَا بالخَرْصِ، لا بالدّنانير ولا بالدّراهم والعُرُوض وغيره. وإذا كانت للمساكين؛ فإنّه يجوز بيعُها، وقد مهّدنا ذلك في "كتب المسائل". بَابُ الجَائِحَةِ في بَيْعِ الثِّمَار وَالزَّرعِ قال الإمام (١): الجائحةُ في الثِّمار هي مسألةٌ انفردَ بها مالك دونَ سائرِ الفقهاءِ، وهي مسألةٌ تَنْبَنِي على القاعدةِ الخامسة في العُرفِ، ؤعلى القاعدةُ العاشرة في المقاصِد والمصالِح، ونحن نُبيْنها لكم بعد أنّ نذكُرِ حُكمَ المُعظَمِ فيها. رَوَى مسلمٌ في "الصّحيح" (٢) أنّ النَّبىِّ ﵇ أَمَرَ بِوضعِ الجَوَائِحِ، فإذا ثبتَ هذا الأصلُ، فإنّ الّذي يَنْفِي عنه اعتراضاتِ المخالِفينَ وتأويلاتِهم رَدُّهُ إلى قاعدة المقاصِد والمصالح والعُرف الجارية عليها أحكامُ الشّرعِ فنقولُ: من حكم عَقْدِ البَيع أنّ ينزلَ المشتري في منزلة البائع في المبيع مِلكًا بمِلكٍ، وحَالًا بحالٍ، ومنفعةً بمنفعةٍ، وإذا اشترى الثّمرةَ بعدَ بُدُوِّ صلاحِها من صاحبِها، فذلكَ محمولٌ على حالِ البائع فيها وعلى عُرْفِ النَّاس، وهو أنّ يَقتَضِيَهَا بطنًا بطنًا، وحَالًا حَالًا، ولا يجوزُ أنّ يَجُدَّها جملةً؛ لأنّ البائع لها لم يكن حالُه فيها كذلك، ولأنّ المقصودَ المعتادَ والمصلحةَ لا تقتضي ذلك فيها، فإذا أُنزِلَتِ الجائحةُ عليها، من غير تفريطٍ من المشتري في اقتضائها، فهذه مصيبةٌ نزلت قبل القَبضِ، فلا كلامَ لأحدٍ من المخالِفينَ عليها، بَيْدَ أنّ المتقدِّمينَ اختلفوا في نُكتَةٍ، وهي أنّ الجائحةَ المكتَسَبَةَ؛ هل تُساوي الجائحةَ الواقعةَ بالقُدرَة الإلهيّة أم لا؟ وصورتُها: أنّ نزولَ الجيشِ على البلَدِ وإفسادِه الثِّمارَ، هل يساوي هُبوبَ الرِّياح ووقوعَ البَرَدِ أم لا؟

стр. 2826

وهي مسألةٌ نظريَّةٌ قد حققناها في "مسائل الخلاف". الفقه في أربع مسائل: الأولى: وفي هذا الباب ثلاثُ مسائل: أحدُها: في تبيينُ ما يكونُ من المُتلَفَاتِ جائحة. الثّانية: في تبيين ما تُوضعُ فيه الجائحة. والثّالث: في مقدارِ ما يكونُ من ذلك جائحة. أمّا الأولى (١): فاختلف علماؤنا في معنى ما يُوضَع من الجوائح، فعند ابنِ القاسم (٢) أنّ ما لا يُستطاع دفعُه، فإن علم به فإنّه يكون جائحة، وما يُستطاع دفعه، فإن علم به، فلا يكون جائحة، كالسّارق ونحوه، قاله في "كتاب محمّد" وهو مذهب ابن نافع في "المدوّنة" (٣). ورُوِيَ عن ابن القاسم في "المدوّنة" (٤) أنّ كلّ ما أصاب الثمر بأيِّ وجه كان، فهو جائحة. وقال مُطرّف وابن الماجِشُون: لا يكون جائحة إِلَّا ما أصاب من أمر السَّماء من عَفَنٍ، أو بَرَدٍ، أو عطش، أو فساد بحَرٌّ. فرعٌ: فإذا ثبت ذلك، فالجائحةُ على ضربين: ١ - جائحةٌ من قِبَلِ الماء.

стр. 2827

٢ - وجائحة من قِبَلِ غيره. فأمّا الأوّل، فإن كان من قِبَلِ العطش، فقد قال مالك في "الواضحة": يوضعُ قليلُ ذلك وكثيرُه. وقاله ابنُ القاسم (١). ووجهُه: أنّ هذه منفعةٌ من شرط تمامها السَّقْيُ، كمنفعةِ الأرض المكتراة، والفرقُ بينها وبين سائرِ الجوائحِ، أنّ سائرَ الجوائحِ لا تنفكُّ الثّمرةُ من يسيرها، وهذه تنفكُّ الثّمرةُ من يسيرِها، فالمشتري دخلَ على السّلامة منها, ولم يدخل على السلامة في يّسيرِ العفَنِ وأكلِ الطّير. وأمّا الجائحةُ بكثرة المطر، فهو نوعٌ من العَفَنِ يوضع كثيرُه دون قليلِهِ. الثّانية (٢): وأمّا ما يُعتبرُ به في وضع الجائحة، فأنّه يرجع إلى معنَيَيْن: أحدُهما: جنْسُ الثَّمرة. والثّاني: معنىً يقترنُ بها. فأمّا جنسُها، فهو كلُّ مَبِيعٍ يحتاج إلى بقائه في أصله، وذلك على ضربين: أحدهما: لانتهاء صلاحه كثمرة النَّخل والعِنَب والتُّفاح والتِّين. والثّاني: يُحتاج إليه لبقاء رُطوبَته، كثمرةِ العِنَب إذا اشْتُرِيت بعد انتهاء طيبها، وكالبُقُول، والقَصِيل، والجَزَر، والسَّلجَم، والبَصَل، والثُّوم. فأمّا الأوّل (٣)، فلا خلافَ (٤) في وضع الجائحة فيه. وأمّا ما لا يحتاج إلى بقائه لتمام صلاحه، ولا لبقاء رطوبته، كالتَّمر اليابس،

стр. 2828

والزرع، فلا خلافَ أنّه لا يوضع فيه جائحة؛ لأنّه ليس له في أصله منفعة مستثناة يُستَنظَر استيفاؤها. الثّالثة (١): وأمّا تبيينُ مقدار الجائحة الّتي توضع، فإنّ المَبِيعَ من هذا الجنس على ثلاثة أنواعٍ: ١ - ثمارٌ كالتَّمر والتِّين والعِنَب ونحوها، فهذه يُرَاعَى في جوائحها الثُّلُث، فإنْ قَصُرَت عنه لم توضع عن المشتري. ٢ - ونوعٌ ثانِ وهو سائر البُقُول والأُصول المغيّبة، ممّا الغَرَض في أعيأنّها، وقد تقدّم أنّ فيها روايتين (٢). فإذا قلنا بإثبات حُكمِ الجائحة فيها، فهل يُعتبر فيها الثُّلُث أم لا؟ رَوى ابنُ القاسم عن مالك (٣)؛ أنّ الجائحةَ ترضع فيها، بلغتِ الثُّلُث أم لا (٤). ورَوَى ابنُ زيادِ عنه: لا يوضع منها إِلَّا ما بلغَ الثُّلُث. ووجهُ القول الأوّل: أنّ البُقُول لمّا لم يَجُز بيعُها إِلَّا عند جَدِّها، وجبَ أنّ يستوي قليلُها وكثيرُها، كالمَكِيل والموزون. ووجهُ القول الثّاني: أنّ هذا مَبِيعٌ ثبت فيه حُكم الجائحة فاعتبر فيها الثُّلُث كالثّمرة. مسألة (٥): وقولُه (٦): "وَالّجَائحَةُ الَّتِي تُوضَعُ عَن المُشتَرِي، الثُّلُثُ فَصَاعِدًا" وهذا كما قال، وإن قصُرت عن ذلك في الثِّمار، لم توضع عن المشتري، وهو معنى قوله (٧): "فَلَا يَكُونُ

стр. 2829

فيما دون ذَلِكَ جَائِحَة". وقال الشّافعيُّ (١): يُوضع قليلُ ذلك وكثيرُه في الثَّمرة وغيرها. ودليلُنا: أنّ الثمرة لا تنفكّ من يسير العَفَنِ والطّير (٢)، فهذا ممّا دخل المشتري عليه (٣)، ولو كان الرّجوعُ له، لما صحّ بيع ثَمَرٍ أبدًا. فرع (٤): وهل يعتبر ثُلُث الثَّمَرة، أو ثُلُث القِيمَة، فعلى قوليِن: ١ - فرُوي عن ابن القاسم (٥) أنّ الاعتبارَ بثُلُث الثَّمَرَة (٦). ٢ - ورُوِيَ عن أشهب أنّ الاعتبار بثُلُثِ القِيمَة (٧). وقال أَصبَغ: إنّما ينظر في هذا كلِّه إلى ثُلُثِ القِيمَة (٨). فرع (٩): فإن كان أنواعًا من جنس واحدٍ، فيصابُ نوعٌ منها، فلا خلاف أنّ الاعتبارَ بثُلُثِ جميعِ المبِيعِ.

стр. 2830

بَابُ مَا يَجُوزُ مِن اسْتِثْنَاءِ الثَّمَرِ قال الإمام (١): قد تقدّم في القاعدةُ الخامسة الإشارةُ إليه (٢)، وذلك يجوزُ من ثلاثةِ أوجُهٍ: ١ - بذَهبٍ من ذَهَبٍ. ٢ - أو بكَيل من جُزَافٍ. ٣ - أو بكَيلٍ من كَيْلٍ، مثلَ أنّ يقولَ: ثُلُثٌ أو رُبُعٌ. وانفردَ مالكٌ بمسألةٍ دونَ الفقهاءِ، وهي بأن تُختار ثلاثُ نَخَلَاتٍ من الجُملةِ، ووافقه بعضُهم فيها على تفصيلِ، وهي وإن كانت غَرَرًا؛ لأنّ هذا الّذي يختارُ لعلّه يجعل يده في الأطيب -ولكن هذا الغَرَرَ يَسِيرٌ، ولا خلافَ بين العلماء بأن يسيرَ الغَرَرِ مَعْفُوٌ عنه، وهذا يُستَمَدُّ من بحرِ المقاصد حَسَبَ ما تقدَّم بيانُه في القاعدةُ العاشرة (٣)، واتّفق علماءُ الأمصارِ على أنّ ذلك لا يجوزُ، وكان ابنُ (٤) عمرَ وابنُ المُسَيِّب (٥) يَرَيَانِ الاستثناءَ على الإشاعةِ، وغيرُهُم. وكان ابنُ سيرين يُجِيزُ أنّ يَستثنِيَ كُرًّا أو كُرَّينِ (٦)، وعلى كلِّ حالٍ فإنّ المسألةَ ترجِعُ إلى المستثنَى؛ هل هو داخلٌ في المَبِيعِ؟ ولا خلافَ بين العَربِ والعلّماءِ أنّ

стр. 2831

المستثنى لا يدخلُ في المستثنَى منه مُرَادًا وإن دخلَ فيه لفظًا؛ لأنّه لو كان كذلك لكان الاستثناءُ نسخًا، وذلك محالٌ وخَلطٌ للحقائقِ، فثبتَ أنّه تخصيصٌ للعموم وبيانٌ للمرادِ. لكنّ الفقهاء اختلفوا؛ هل يدخُلُ في المبِيع أم لا؟ على تفصيلٍ طويل. الفقه في مسائل: الأولى (١): قوله (٢): "كَانَ يَبِيعُ ثَمَرَ حَائِطِهِ" قال علماؤنا (٣): يبيعُه على ثلاثة أَضْرُبٍ: أحدُها: أنّ يبيع كَيلًا معروفًا (٤). والثّاني: أنّ يبيع الجميع على أنّ فيه كذا وكذا صاعًا بالخَرْصِ. والثّالث: أنّ يبيعَهُ جُزَافًا. الثّانية (٥): فإن باعه على أنّ فيه كذا وكذا على التَّحَرِّي، فقد قال ابن الجلّاب: لا يجوز (٦). وقال عبد الوهّاب (٧): إنَّ التّحرِّي فيها من باب الغَرَر، فلا يجوزُ بيعُها على التّحرِّي (٨). وأمَّا أنّ يبيعها جُزَافًا، فلا خلافَ في جوازِه (٩). وَوَجْهُ ذلك: أنّه *مرئىٌّ يتأتّى فيه الحَزْر، فجازَ بيعُه جُزافًا.

стр. 2832

وقولُه (١):"وَيستَثنِي منه"*: يَحْتَمِلُ أنّ يريدَ به كَيْلًا، ويَحتَملُ أنّ يريدَ جُزْءًا شائعًا، ويَحتَمِلُ أنّ يريدَ نَخَلَاتٍ يختارُها. الثّالثة (٢): استثناءُ الرَّجل عدد نَخلَاتٍ يكون على ثلاثة أَوجُهِ: أحدُهما: أنّ يعيِّنَهَا، وذلك لا خلافَ في جوازِهِ (٣)؛ لأنّه أَوقَعَ البَيْعَ على سائرِهَا وهو مُعَيِّنٌ. والثّاني: أنّ يُطيقَ القول، فيقول: أبيعُ منكَ هذا الحائط غير أربع نَخَلاتٍ، فهذا بَيعٌ جائزٌ؛ لأنّ له مَخرَجًا يتوجَّهُ إليه، وذلك أنّه يكون شريكًا بما استثنَى من العدد. الثّالث: فإن كان اشترط اختيار ما استثنى منها، فإن كان استثنَى الكثير، لم يَجُز ذلك، وإن كان استثنَى اليسير، جاز ذلك عند مالك (٤)، ومنع منه ابنُ القاسم (٥). بَابُ مَايُكَرَهُ مِنْ بَيْع التَّمْرِ قال الإمام: في هذا الباب حديثُ سعد بن أبي وَقَّاص؛ إِذ سَأَلَهُ زَيْدٌ عَنِ البَيضَاءِ بالسُّلْتِ؟ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: أَيُّهمَا أَفْضَلُ؟ قَالَ: البَيضَاءُ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ سَعْدٌ: سمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ اشتِرَاءِ التَّمْرِ بالرُّطَبِ، فَقَال رَسُولُ اللهِ: أَيَنْقُصُ

стр. 2833

الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ (١).

стр. 2834

الإسناد: صحيحٌ لا كلامَ فيهِ. قال الإمام (١): أَطلقَ مالكٌ ﵀ لفظَ المكروهِ (٢) على الحرام؛ لأنّه يتناوَلُه تناوُلَهُ للفعل الّذي في تَركِهِ ثواب وليس في فعلِهِ عقاب، كما يتناولُ المأمورُ للفعلَ الّذي يُلام تارِكُه ويُحْمَدُ فاعِلُه. ويتناوَلُ (٢) أيضًا الفعلَ الّذي يُحمَدُ فاعِلُه ولا يُلامُ تارِكُه، ويسمّى في عُرفِ المتأخّرين المندوب. والمكروهُ عندهم هو الّذي ليس في فعله ثوابٌ ولا في تركِهِ عقابٌ، خلافًا للمحظور، واللُّغةُ ما أشار إليه مالكٌ، والاصطلاحُ حَسَنٌ للتّمييز بين المشتركاتِ قصدَ البيانِ والتّفصيلِ من المختَلِفَاتِ. الفقه في مسائل: الأولى (٣): فأمّا حديثُ "عَامِل خَيبَرَ في التَّمرِ" الحديث (٤) فإن مسلمًا روى فيه: "وَكَذَلِكَ المِيزَانُ" (٥) فَسَوَّى بين الوزن والكَيْل، وصار أصلًا في معرفة التَّسَاوِي؛ لأنّ الله شَرَطَهُ وهو معنىً خَفِىٌّ، ثمّ جعلَ السبيلَ إليه الكَيْلَ والوَزنَ، وهو غايةُ القُدرةِ في معرفة التَّساوِي. وكان الشَّاشي (٦) ببغدادَ في الدَّرسِ يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ للعاملِ: "بِعِ

стр. 2835

الجَمعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَغْ بالدَّرَاهِم جَنِيبًا (١) " (٢) "وكذلك الميزانُ" (٣)، ولم يفرِّق بين أنّ يبتاعَ الجَنِيبَ من مشترِي الجَمعِ أو من غيره، وبه قال الشّافعيُّ (٤)، وأبو حنيفةَ (٥)، وأكثرُ فقهاءِ الأمصارِ. وقال مالكٌ: لا يفعلُ ذلك بحضرة العَقْدِ الأوّل، مخافةَ أنّ يكونا متواطِئَيْنِ عليه، فيرجعان بعمَلِهِما إلى ما نُهِيَا عنه، وهذا ينبني على قاعدة الذّرائع، وقد مهَّدنَا ذلك في أوَّلِ "الكتاب". وأمّا حديث "البَيْضَاءِ بِالسُّلْتِ" (٦) فإنّ كثيرًا من العلماء جَنَبَهُ؛ لأنّ زيدًا أبَا عيَّاش (٧) عندهم مجهولٌ (٨)، ومن يروي عنه مالكُ بنُ أنسٍ ليس بمجهولٍ، فإنّ روايتَهُ عنه تعديلٌ؛ لِمَا ثَبتَ من عظيمِ تحرِّيهِ (٩). وقد قال جماعةٌ من العلّماءِ: إنَّ المُزَكِّيَ في الشّهادة يجوزُ أنّ يكونَ واحدًا، فكيف في الخبر الّذي هو أَسْرَعُ في الإثباتِ؟!

стр. 2836

والمسألة مبيَّنَةٌ في "أصول الفقه". وأمّا بَيعُ الرَّطب بِاليَابِس، كَالرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَالبَيَضَاءِ بالسُّلْتِ، فإنّ جماعةً من فقهاء الأمصار أَبَتْهُ، منهم مالكٌ (١) والشّافعىُّ (٢)، وجوَّزَهُ أبو حنيفةَ (٣) ببغداد، وهي أوَّلُ مسألةٍ سُئِلَ عنها ببغدادَ، قال لنا فخرُ الإسلام (٤): دخل أبو حنيفة، فسُئِلَ: هل يجوزُ بيع الرُّطَب بالتَّمْرِ؟ قال.: ذلك جائزٌ. قيل له: ما الدّليل؟ قال: لا يخلو أنّ يكونَ الرُّطَبُ والتَّمرُ جِنسًا واحدًا أو جِنسين، فإن كان جِنْسًا واحدًا جازَ متماثِلًا، وإن كان من جنسين جازَ متفاضِلًا ومتماثلًا. قيل له: إنَّ زيدًا أبا عيَّاش سأل سَعْدَ بنَ أبي وَقَّاص عن البَيْضَاءِ بالسُّلتِ. الحديث إلى آخره؟ فقال: ذلك لا أعرِفُه. وهذا الدّليلُ الّذي ذكر أبو حنيفةَ هو محضُ القياسِ، ولُبابُ النَّظرِ، لولا الحديثُ المذكورُ، إِلَّا أنّ عندَه أنّ خبرَ الواحدِ إذا خالفَ الأصولَ سقط في نفسه، وقد مهّدنا ذلك في "أصول الفقه"، طَعنُه في زَيدِ أبي عيَّاشٍ بجهالته له لا يؤثِّر فيه، فإنّه كان موقوفًا

стр. 2837

على رواية المجهول والضّعيفِ، فصارَ هذا الحديثُ قاعدةً من قواعدِ الرِّبا، اتّفقَ عليه العلّماءُ في الجملة، حتَّى إنَّ أبا حنيفةَ ناقضَ أصلَهُ فقال: لا يجوزُ بيعُ الحِنطَةِ المبلولةِ باليابِسَةِ بحالٍ (١)، وهذا هو الرُّطَب بالتَّمر بعينه، وليس لأصحابه فيها جوابٌ يُقنِعُ، وهذا هو بَيْعُ الرَّطْب بالتَّمر اليابس وأصلٌ فيه. وأمّا بيع الرَّطبِ بالرَّطَبِ كالرَّطَبِ بالرَّطَبِ، فاختلفَ فيه عبدُ المَلِكِ (٢) وأصحابُ مالك. وكذلك العجينُ بالعجينِ، ذَكَرَ ابنُ القاسم جوازهُ في "كتاب محمّد" ولم يُجزْهُ في "العُتبِيَّة" (٣) بحالٍ، وإذا امتنع الرُّطَب باليابس لأنّ التّماثلَ مجهولٌ بينهما حالةَ الادِّخار، فكذلك يلزم الرَّطبُ* باليابِسِ لأنّ التّماثُلَ مجهولٌ فِيهِمَا حالةَ الادِّخارِ، فكذلك يلزَمُ في الرَّطبِ* بالرَّطبِ؛ لأنّ تساوَيهما حالةَ الادِّخار مجهول أيضًا، إِلَّا أنّ علماءنا سامَحوا في العجينِ بالعجينِ لِيَسَارَتهِ وخِفَّة أمرِهِ، وأنّه مستثنىً من القاعدةُ الرِّبَوِيَّة للحاجة إليه، وبَقِيَ التّحريمُ في الكثير الّذي يُقْصَدُ منه المُغابنةُ والمُكايَسَةُ على أصل القاعدةُ. بَابُ مَا جَاءَ في المُزَابَنَةِ والمُحَاقَلَةِ قال (٤) في حديث أبي سعيد؛ إنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ وَالمُحَاقَلَة (٥).

стр. 2838

قال مالك (١): وَالمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بالتَّمرِ في رُؤُوسِ النَّخْلِ. والمُحَاقَلَةُ كِرَاءُ الأَرضِ مِمَّا يَخرُج مِنهَا (٢). قال الإمام: الإسناد صحيحٌ. وذَكَر (٣) حديثَ ابنِ عمرَ قال: "وَالمُزَابَنَةُ بَيعُ الثَّمَرِ بِالتَّمرِ كَيلًا، وَبَيعُ الكَرمِ بِالزَّبِيبِ كَيلًا". قال أهل العربيّة (٤): المزابنةُ المدافعةُ، ومنة قولُه تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلّق: ١٨] (٥) أراد -والله أعلم- الملائكة الّذين يدفعونه إلى النّار. وفسرها الفقهاءُ فقالوا: المزابنةُ: بَيْعُ الثَّمَرِ في رؤوس النَّخْلِ بالتَّمرِ، ثمّ حمل ذلك على كلِّ رَطبٍ بيَابِسٍ، ثمّ حمل على البيع المجهول. وقال مالك (٦): "الْمُزَابَنَةُ: كُلُّ شَيءٍ مِنَ الجُزَافِ الَّذِي لأ يُعلَمُ كَيْلُهُ، وَلَا وَزْنُهُ، وَلَا عَدَده"، وأمّا (٧) "المُحَاقَلَةُ" فهي مشتّقَةٌ من الحَقْلِ وهو البَرَاحُ من الأرض، يقال للفَدَادِين: المحاقِيل، كما يقال لها: المزاريع. واختلفَ النّاسُ في ذلك، وقد فسّرهَا الصّاحب الرّاوي

стр. 2839

لها فقال (١): "المُحَاقلَةُ: اكتِرَاءُ (٢) الأَرض بالحِنْطَةِ" وكذلك قال ابنُ المُسَيَّب (٣). وقال أبو عُبَيد (٤): سمعتُ غيرَ واحدٍ ولا اثنينٍ من أهلِ العِلْمِ قالوا: المُحاقَلةُ: بَيعُ الزّرع وهو في سُنبُلِهِ بالبُرِّ، وهو مأخوذٌ من الحَقْلِ. وقال الهَروي (٥) وغيره (٦): يريدُ نهى عن بَيعِ الزّرع الّذي في الحقل، فكَنَى بالحقل عن الزّرع الّذي في الحقل، وعلى هذا التّفسير فهمه البخاريّ فبوّب عليه (٧)، فقال: "بَابُ بَيْعِ الخضر" ثمّ أدخل هذا الحديث (٨)، وعلى هذا التّأويل أكثر العلماء (٩). وقال ابنُ حبيب (١٠): "أصلُ المزابنةِ: المخاطرةُ والغَرَرُ، والزَّبنُ هو الخِطَار، (١١). وقال غيرُه: الزّبن الدَّفعُ، تقول: زبنَتْهُ النَّاقَةُ إذا دفعتهُ برِجْلِها، فكأنّ هذا الضّرب من البَيْع الّذي تدخله المزابنة يقع فيه التّدافع (١٢). وقال غيرُه: معنى ذلك أنّ كلَّ واحدٍ منهما قد دفع صاحبه إلى الغَرَر.

стр. 2840

الفقه في خمس مسائل: الأولى (١): قولُه (٢): "وَالمُزَابَنَةُ بَيعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيلًا" يقتضي أنّ يكونا مَكِيلَين، ويجوزُ أنّ يكون تفسيرًا من النّبيِّ ﵇، ويصحُّ أنّ يكون تفسيرًا من الرّاوي، والأظهرُ أنّه من قولِ النَّبىِّ لاتِّصالِه بقولِه، وإن كان من قول الرّاوي وهو ابن عمر فهو حُجَّةٌ؛ لأنّ هذا أَمرٌ طريقُه أهل اللُّغة، وابنُ عمر حُجَّةٌ في ذلك. الثّانية (٣): وأمّا "بَيعُ الثَّمَرِ بالتّمرِ" فإنّه مُتَأَتٍّ فيه. وأمَّا "العِنَبُ بِالزَّبِيبِ كَيلًا" فإنّ ذلك غير مُتَأَتٍّ فيه (٤)، ولا يباعُ العِنَبُ كَيلًا بوجهٍ. ويحتَملُ أنّ يسمَّى الوزن كَيْلًا. ويحتَملُ أنّ يريد أنّ يتحرى في العنَبِ مَكِيلَةَ الزّبيبِ (٥). وقد اختلف قولُ مالكٍ في إِجَازَة التّحرِّي فيما يحرمُ فيه التفاضلُ، فأجازَهُ في البيضِ بالبيضِ، والخُبزِ بالخبزِ، واللّحم باللّحم، وفي الزيتون الغَضّ بالمالح في "كتاب محمّد" وأجازه مع القول بإباحته في القدِيد باللّحم الطَّريِّ، ومنعه في رواية أخرى. ورُوِي في "الواضحة" أنّه قال: وما لا يجوزُ فيه من الطّعامِ والإدام التّفاضلُ، لا تجوزُ قِسمتُه تَحَرَّيًا. وكذلك السّمْنُ والزّيتُ والعسلُ، لا يجوز إِلَّا كَيلًا أو وزنًا.
следующие страницы →