← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

والمسألة مبيَّنَةٌ في "أصول الفقه". وأمّا بَيعُ الرَّطب بِاليَابِس، كَالرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَالبَيَضَاءِ بالسُّلْتِ، فإنّ جماعةً من فقهاء الأمصار أَبَتْهُ، منهم مالكٌ (١) والشّافعىُّ (٢)، وجوَّزَهُ أبو حنيفةَ (٣) ببغداد، وهي أوَّلُ مسألةٍ سُئِلَ عنها ببغدادَ، قال لنا فخرُ الإسلام (٤): دخل أبو حنيفة، فسُئِلَ: هل يجوزُ بيع الرُّطَب بالتَّمْرِ؟ قال.: ذلك جائزٌ. قيل له: ما الدّليل؟ قال: لا يخلو أنّ يكونَ الرُّطَبُ والتَّمرُ جِنسًا واحدًا أو جِنسين، فإن كان جِنْسًا واحدًا جازَ متماثِلًا، وإن كان من جنسين جازَ متفاضِلًا ومتماثلًا. قيل له: إنَّ زيدًا أبا عيَّاش سأل سَعْدَ بنَ أبي وَقَّاص عن البَيْضَاءِ بالسُّلتِ. الحديث إلى آخره؟ فقال: ذلك لا أعرِفُه. وهذا الدّليلُ الّذي ذكر أبو حنيفةَ هو محضُ القياسِ، ولُبابُ النَّظرِ، لولا الحديثُ المذكورُ، إِلَّا أنّ عندَه أنّ خبرَ الواحدِ إذا خالفَ الأصولَ سقط في نفسه، وقد مهّدنا ذلك في "أصول الفقه"، طَعنُه في زَيدِ أبي عيَّاشٍ بجهالته له لا يؤثِّر فيه، فإنّه كان موقوفًا

стр. 2837

على رواية المجهول والضّعيفِ، فصارَ هذا الحديثُ قاعدةً من قواعدِ الرِّبا، اتّفقَ عليه العلّماءُ في الجملة، حتَّى إنَّ أبا حنيفةَ ناقضَ أصلَهُ فقال: لا يجوزُ بيعُ الحِنطَةِ المبلولةِ باليابِسَةِ بحالٍ (١)، وهذا هو الرُّطَب بالتَّمر بعينه، وليس لأصحابه فيها جوابٌ يُقنِعُ، وهذا هو بَيْعُ الرَّطْب بالتَّمر اليابس وأصلٌ فيه. وأمّا بيع الرَّطبِ بالرَّطَبِ كالرَّطَبِ بالرَّطَبِ، فاختلفَ فيه عبدُ المَلِكِ (٢) وأصحابُ مالك. وكذلك العجينُ بالعجينِ، ذَكَرَ ابنُ القاسم جوازهُ في "كتاب محمّد" ولم يُجزْهُ في "العُتبِيَّة" (٣) بحالٍ، وإذا امتنع الرُّطَب باليابس لأنّ التّماثلَ مجهولٌ بينهما حالةَ الادِّخار، فكذلك يلزم الرَّطبُ* باليابِسِ لأنّ التّماثُلَ مجهولٌ فِيهِمَا حالةَ الادِّخارِ، فكذلك يلزَمُ في الرَّطبِ* بالرَّطبِ؛ لأنّ تساوَيهما حالةَ الادِّخار مجهول أيضًا، إِلَّا أنّ علماءنا سامَحوا في العجينِ بالعجينِ لِيَسَارَتهِ وخِفَّة أمرِهِ، وأنّه مستثنىً من القاعدةُ الرِّبَوِيَّة للحاجة إليه، وبَقِيَ التّحريمُ في الكثير الّذي يُقْصَدُ منه المُغابنةُ والمُكايَسَةُ على أصل القاعدةُ. بَابُ مَا جَاءَ في المُزَابَنَةِ والمُحَاقَلَةِ قال (٤) في حديث أبي سعيد؛ إنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ وَالمُحَاقَلَة (٥).

стр. 2838

قال مالك (١): وَالمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بالتَّمرِ في رُؤُوسِ النَّخْلِ. والمُحَاقَلَةُ كِرَاءُ الأَرضِ مِمَّا يَخرُج مِنهَا (٢). قال الإمام: الإسناد صحيحٌ. وذَكَر (٣) حديثَ ابنِ عمرَ قال: "وَالمُزَابَنَةُ بَيعُ الثَّمَرِ بِالتَّمرِ كَيلًا، وَبَيعُ الكَرمِ بِالزَّبِيبِ كَيلًا". قال أهل العربيّة (٤): المزابنةُ المدافعةُ، ومنة قولُه تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلّق: ١٨] (٥) أراد -والله أعلم- الملائكة الّذين يدفعونه إلى النّار. وفسرها الفقهاءُ فقالوا: المزابنةُ: بَيْعُ الثَّمَرِ في رؤوس النَّخْلِ بالتَّمرِ، ثمّ حمل ذلك على كلِّ رَطبٍ بيَابِسٍ، ثمّ حمل على البيع المجهول. وقال مالك (٦): "الْمُزَابَنَةُ: كُلُّ شَيءٍ مِنَ الجُزَافِ الَّذِي لأ يُعلَمُ كَيْلُهُ، وَلَا وَزْنُهُ، وَلَا عَدَده"، وأمّا (٧) "المُحَاقَلَةُ" فهي مشتّقَةٌ من الحَقْلِ وهو البَرَاحُ من الأرض، يقال للفَدَادِين: المحاقِيل، كما يقال لها: المزاريع. واختلفَ النّاسُ في ذلك، وقد فسّرهَا الصّاحب الرّاوي

стр. 2839

لها فقال (١): "المُحَاقلَةُ: اكتِرَاءُ (٢) الأَرض بالحِنْطَةِ" وكذلك قال ابنُ المُسَيَّب (٣). وقال أبو عُبَيد (٤): سمعتُ غيرَ واحدٍ ولا اثنينٍ من أهلِ العِلْمِ قالوا: المُحاقَلةُ: بَيعُ الزّرع وهو في سُنبُلِهِ بالبُرِّ، وهو مأخوذٌ من الحَقْلِ. وقال الهَروي (٥) وغيره (٦): يريدُ نهى عن بَيعِ الزّرع الّذي في الحقل، فكَنَى بالحقل عن الزّرع الّذي في الحقل، وعلى هذا التّفسير فهمه البخاريّ فبوّب عليه (٧)، فقال: "بَابُ بَيْعِ الخضر" ثمّ أدخل هذا الحديث (٨)، وعلى هذا التّأويل أكثر العلماء (٩). وقال ابنُ حبيب (١٠): "أصلُ المزابنةِ: المخاطرةُ والغَرَرُ، والزَّبنُ هو الخِطَار، (١١). وقال غيرُه: الزّبن الدَّفعُ، تقول: زبنَتْهُ النَّاقَةُ إذا دفعتهُ برِجْلِها، فكأنّ هذا الضّرب من البَيْع الّذي تدخله المزابنة يقع فيه التّدافع (١٢). وقال غيرُه: معنى ذلك أنّ كلَّ واحدٍ منهما قد دفع صاحبه إلى الغَرَر.

стр. 2840

الفقه في خمس مسائل: الأولى (١): قولُه (٢): "وَالمُزَابَنَةُ بَيعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيلًا" يقتضي أنّ يكونا مَكِيلَين، ويجوزُ أنّ يكون تفسيرًا من النّبيِّ ﵇، ويصحُّ أنّ يكون تفسيرًا من الرّاوي، والأظهرُ أنّه من قولِ النَّبىِّ لاتِّصالِه بقولِه، وإن كان من قول الرّاوي وهو ابن عمر فهو حُجَّةٌ؛ لأنّ هذا أَمرٌ طريقُه أهل اللُّغة، وابنُ عمر حُجَّةٌ في ذلك. الثّانية (٣): وأمّا "بَيعُ الثَّمَرِ بالتّمرِ" فإنّه مُتَأَتٍّ فيه. وأمَّا "العِنَبُ بِالزَّبِيبِ كَيلًا" فإنّ ذلك غير مُتَأَتٍّ فيه (٤)، ولا يباعُ العِنَبُ كَيلًا بوجهٍ. ويحتَملُ أنّ يسمَّى الوزن كَيْلًا. ويحتَملُ أنّ يريد أنّ يتحرى في العنَبِ مَكِيلَةَ الزّبيبِ (٥). وقد اختلف قولُ مالكٍ في إِجَازَة التّحرِّي فيما يحرمُ فيه التفاضلُ، فأجازَهُ في البيضِ بالبيضِ، والخُبزِ بالخبزِ، واللّحم باللّحم، وفي الزيتون الغَضّ بالمالح في "كتاب محمّد" وأجازه مع القول بإباحته في القدِيد باللّحم الطَّريِّ، ومنعه في رواية أخرى. ورُوِي في "الواضحة" أنّه قال: وما لا يجوزُ فيه من الطّعامِ والإدام التّفاضلُ، لا تجوزُ قِسمتُه تَحَرَّيًا. وكذلك السّمْنُ والزّيتُ والعسلُ، لا يجوز إِلَّا كَيلًا أو وزنًا.

стр. 2841

واختلف علماؤنا في تأويل ذلك: فمنهم من قال: إنَّ ذلك على روايتين (١). ومنهم مَنْ قال: إنَّ ذلك لاختلاف حالَيْنِ، فيجوزُ مع تَعَذُّرِ الموازين، ويمنعُ مع وجودها. ومَنَعَ من ذلك أبو حنيفةَ (٢) والشّافعيّ (٣) بكلِّ حالٍ. ودليلُنا: أنّ هذا معنى وُضِعَ في الشّرع لمعرفة المقدار، فجازَ أنّ يعتبرَ به المبيع، كخَرْصِ العَرِيَّة والزّكاة. الثّالثة (٤): فإن قلنا بجوازِ ذلك، ففي أيِّ شيءٍ يجوزُ؟ فالمشهورُ عن مالك أنّه يجوزُ في الموزون دونَ المَكِيلِ والمعدودِ، رواه عنه محمَّد (٥) وغيره، وهذا عندي ينبني على قول من قال: إنَّ ذلك ممنوعٌ، إِلَّا في الأسفار وحيثُ تُعدَمُ الموازين. وأمّا على قول من يجيزُ ذلك على الإطلاق، مع القُدرَةِ على الموازين، وهو الأظهر عندي، لتجويزه السَّلَم في اللحم بالتحرّي، فإنّه يجب أنّ يجوزَ ذلك في المَكِيلِ. ووجهُهُ: أنَّ الكَيلَ يعدم كما يعدم الميزان" والقبضةُ ليست بمقدارٍ صحيحٍ؛ لأنّه لا يَتأتى فيها المساواة (٦).

стр. 2842

فإذا قلنا: إنَّ التَّحرِّي فيما يحرمُ فيه التّفاضلُ، فإنّ ذلك جائزٌ في يسيرِهِ دونَ كثيرِهِ؛ لأنّه يتعذَّرُ فيه التَّحرِّي وُيخَافُ فيه الغرر (١)، قاله ابن القاسم. الرّابعة (٢): وأمّا ما يجوزُ فيه التّفاضلُ من المطعوماتِ، فإنّه يجوزُ في قليلِهِ وكثيرِهِ، رواه ابن حبيب (٣). والفرقُ بينَهُ وبين ما يَجْرِي فيهِ الرِّبا، أنّه لا يُخَافُ فيه التّفاضلُ الّذي يحرُمُ فيما يجري فيه الرِّبا. فصلٌ (٤) فإذا ثَبَتَ التَّحرِّي، فقد جوّزهُ مالك في الخُبز بالخُبزِ، والبيض بالبيض، واللّحم باللّحْمِ. فأما الخبزُ بالخُبزِ، فالّذي قالَهُ أصحابُنَا أَنَّه يُتَحَرَّى ما فيه من الدَّقيقِ دون وَزنِ الخبز؛ لأنّ الخبزَ بعضُه أرطب من بعض (٥)، وهذا لا يكادُ يَصِحُّ على مذهبِ مالكِ، وإنّما يَصِحُّ على أصلِ ابنِ المَاجِشُون في اعتباره بالرُّطوبات الباقية في حال الادِّخار، ولذلك منع التّمر القديم بالحديث. وأمّا مالك فإنّه عنده على ضربين: أحدهما: ألَّا يؤكلَ المطعومُ مع الرُّطوبة الحادثة غالبًا، كالفُولِ المبلولِ، والقمحِ المبلول، والعجين، فإنّها تمنع صحّة التّساوي. والثّاني: أنّ يُؤكلَ بوجودِهَا غالبًا، كرُطوبة الرُّطَبِ والعِنَب والخُبز، فإنّ ذلك يمنعُ من صحَّةِ التَّساوي، طارئة كانت أو أصليَّة، فعلى هذا يجوزُ الخبزُ بالخبزِ وَزنًا, ولا

стр. 2843

يحتاجُ إلى تحرِّي الدّقيق، فإنّه قد صار جنسًا آخر، كما يجوزُ بيع المَخِيض بالْمَخِيض كَيلًا، ولا يُتحَرَّى ما فيها من اللَّبن (١)، وربَّما كان لأَصحَابِنَا قولانِ في أصلٍ واحدٍ، واتّفق ظهورُ أحد القولين، وذلك موجودٌ كثيرٌ (٢)، فيجبُ ردُّ كلِّ شيءٍ من ذلك إلى أصله. وقد رَوَى فضل (٣) عن مالك؛ أنّه يجوزُ بيعُ الكعك بالخبز مُتَمَاثِلًا، وهي رواية ابن القاسم، والقَدِيد بِالنَّبىِّ على التّحرِّي، ثمّ رجع عنه، وهذا فيه نظرٌ؛ لأنّ القَدِيد والنَّبىَّ لم يفرق بينهما صنعة (٤). والكعكَ والخبزَ قد وُجِدَ فيهما ذلك. الخامسة (٥): قولُه:" نَهَى عَنِ المُزَابَنَة" قد تقدّم أنّ معناها أنّ يجهل قَدر أحد المَبِيعَيْن من الآخر في الجِنس الواحدٍ؛ لأنّ كلَّ أحدٍ من المتبايِعَيْنِ يَقْصِد إلى غَبْنِ صاحبِهِ. السّادسة (٦): فإذا ثبت هذا، فإنَّ المَبِيعَ على ضربين: ١ - ضَربٌ يحرُمُ فيه التّفاضلُ. ٢ - وضَربٌ يجوزُ فيه. فأمّا ما يحرمُ، فقد بيَّنَّاه.

стр. 2844

وأمّا ما يجوزُ فيه، فإنّه لا يجوزُ أنّ يباعَ يابِسُهُ برَطْبهِ على رؤوسِ النّخل؛ لأنّ القبضَ لا يتنجَّز فيه، ويحرمُ فيه التَّفرُّقُ قبلَ القبضِ لأنّه مطعومٌ، ولا يجوزُ رُطَبُهُ بيابِسِه، ولا رَطْبُهِ بِرَطبِهِ، ولا يابسُهُ بيابسِهِ، لا جُزافًا فيهما أو في أحدهما، والآخر بالكَيْلِ على وجهٍ يجوزُ فيه التّساوي والتّفاضُل حتّى يتبيَّن الفضل في أحدِهمَا فيجوزُ ذلكَ، وكذلك كلُّ مَبِيع وإن لم يكن مطعومًا. بَابُ جَامِع بَيْعِ الثَّمَارِ قال الإمام: الأصول في مسائل: مسائل (١) هذا الباب تدورُ بين أربعِ قواعدَ: قاعدتان في المنع والفساد، وهي: الرِّبا والجهالةُ. وقاعدتان في الجواز، وهي: المصالحُ والعادةُ. فإنّ العادةَ إذا جَرَت أَكْسَبَتْ عِلْمًا، ورَفَعَت جَهلًا، وَهَوَّنَتْ صَعْبًا، وهي أصلٌ من أصولِ مالك "العُرفُ والعادَة" وأباها سائرُ العلماء (٢)، ولقد قلتُ يومًا لشيخنا فخرِ الإسلام (٣) وقد جَرَت مسألةٌ: إذا باعه بمئة دينارٍ وخمسين، هل تحمَلُ الخَمسونَ على الدّنانيرِ أم لا؟ فَذَكَرَ الخلافَ ورجَّحَ الحملَ عليها. فقلت له: وهذه المئةُ الدّينار أمرابطيّةً تكونُ أم أميريَّةً؟ فقال: هذا قضاءُ العادةِ؛ لأنّه لا يجري في مدينة السّلام غيرُها، فتعلّق بالعُرْفِ والعادةِ، وهي أصلٌ من أصول مالك.

стр. 2845

الفقه في مسائل: الأولى (١): "مَنْ اشتَرَى ثمَرًا من نَخلً مُسَمَّاةٍ" (٢) هو كما قال؛ لأنّه (٣) يشرعُ في قبضه، يريدُ أنّ ذلكَ في وقتٍ يُمكِنُ قبضه بِبُدُوِّ صلاحِ الثَّمرة، وكون اللَّبَن في الغَنَم. وأمَّا إذا لم يَبْدُ صلاحُها، أو لم يكن في الغنم لبنٌ، فذلك غير جائِزٍ، والأصلُ في ذلك نَهيُه ﵇ عَنْ بَيعِ الثَّمرَةِ حَتى يَبدُو صَلَاحُهَا (٤). وأمّا اللَّبن (٥)، فإنّما جازَ ذلك خلافًا للشّافعىِّ (٦)؛ أنّ هذا مائِعٌ طاهرٌ خارجٌ من حيوانٍ لا يختلفُ جِنْسُهُ غالبًا، فجاز أنّ يُفرَدَ بالبَيعِ دونَها كماءِ العيون (٧). الثّانية (٨): إذا ثبت هذا فقد قدّمنا أنَّ شِراءَ الثَّمَرَة في النَّخلِ يكونُ على ثلاثةِ أوجُهٍ، تقدَّم بيان الوجهين وبَقِيَ الثّالث: وهو إذا اشترط منه أَصْوُعًا معروفةً، فإنّ ذلك على وجهين: أحدُهما: أنّ يشترط أخذه على حاله. والثّاني: أنّ يشترط أخذه بعد تغيُّرِه. فأمّا أخذُه على حاله بُسْرًا فجائزٌ؛ لأنّه بمنزلة اشتراء أَصوُعِ تَمْرٍ من صُبْرَة، فإن

стр. 2846

شَرَط إبقاءَهُ إلى تَغيُّرِهِ، فلا يخلو أنّ يشترطَ ذلك إلى أنّ يصيرَ رُطَبًا، أو إلى أنّ يصير تَمْرا، فإن اشترط أخذه رُطَبًا فلا خلاف فيه (١). ووجه ذلك: اثه معلوم الصِّفة؛ لأنّ الإرطاب إنّما هو نضجٌ وليس فيه نقصان ولا زيادة، فجاز ذلك. الثّالثة (٢): فإن اشترطَ أخذه تَمرًا، فإنّ ذلك ممنوعٌ في الجملةِ. وقال ابنُ وهبٍ عن مالك هذا، وكذلك لو وقع العَقْد حين الإرطاب واشترطه تمرًا: ووجه ذلك: لأنّه لا يعلم صفته عند إنتهاء جفوفه (٣)، وذلك مؤثِّرٌ في معنى العَقْد، إِلَّا أنّه لا يتفاوت تغيُّر ذلك، فلذلك لم يؤثِّر عند مالك وأصحابه (٤) في فساد العَقْد، والفروع في هذا الباب متشعِّبةٌ جدًا، لُبابُها ما سردناه عليكم. بَابُ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ عَيْنًا وَتِبرًا قال في حديث مالك (٥)، عن يَحيَى بنِ سَعِيدِ أَنَّهُ؛ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ السَّعدَينِ أنّ يَبيعَا آنِيةً مِنَ المَغانمِ مِنْ ذهَبٍ أَو فِضَّةٍ، فَبَاعَا كُلَّ ثَلَاثَةٍ بِأربَعَةٍ عَينًا، أَوْ كُلَّ أَربَعَةٍ بثَلاثَةٍ عَينًا، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ: "أَربَيتُمَا فَرُدَّا". قال الإمام: ذكر ابنُ وهبٍ أنّه قال: "السَّعدينِ: سَعْدُ بنُ مَالِكِ" (٦). وقال غيرُه:

стр. 2847

هو أبو سعيد الخدري، والثّاني سعد بن أبي وقّاص. وقيل: إنَّ أحدَهما سعد بنُ عبادة، والآخر سعد بن أبي وقّاص، وهو الصّحيح (١). وأنا حديث عطاء بن يَسار (٢): أنّ مُعَاوِيَةَ بنَ أَبِي سُفيَانَ بَاعَ سقَايَةً من ذهَب بِأَكْثَرَ مِنهَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّردَاءِ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ يَنهَى عَنْ مِثلِ هَذَا إِلَّا مِثلًا بِمِثْلٍ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: مَا أَرَى بِهَذَا بَأسا، فَقَالَ أَبُو الدردَاءِ: مَنْ يَعذِرُني مِنْ مُعَاوِيَةَ، أُخبِرُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ، وُيخبِرُنِي عَنْ رَأيِهِ، لَا أُسَاكِنُكَ بِأرضٍ أَنتَ فِيهَا، ثُمَّ قَدِمَ أَبُو الدَّردَاءِ عَلَى عُمَرَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فكتب عُمَرُ إِلَى مُعَاوِيَةَ: أَلَّا تَبِيعَ شَيئًا من ذَلِكَ إِلّا مِثلًا بِمِثلٍ، وَزنًا بِوَزنٍ. حديث أخر: رَوَى مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَالَ: كنت مَعَ ابنِ عُمَرَ، فَجَاءَهُ صَائِغٌ (٣) فَقالَ: يَا أَبَا عَبدِ الرّحْمَنِ إِنِّي أَصُوغُ الذَّهَبَ، ثُمَّ أَبِيعُ الشَّيءَ من ذَلِكَ بِأَكثَرَ مِنْ وَزنِهِ، فَأَستفضِلُ مِنْ

стр. 2848

ذلكَ قَدرَ عَمَلِي. فَنَهَاهُ عَندُ اللهِ بن عُمَرَ عَنْ ذلِكَ، فجَعَلَ الصائِغُ يُرَدِّدُ عَلَيهِ المَسألَة. الحديث (١). الفقه في مسائل: الأولى (٢): قوله (٣). "أمر السَّعْدَيْنِ" هو من. باب الوكالة في المراطلة بالذَّهب والمبادلة، ومن شروطها أنّ يتولّى قبض العوض فيها من عَقدَها، فإن عَقَدَ هُو الصَّرف، وَوَكَّلَ من يقبِض، أو وَكَّل من يصرِف، ويقبض هو، فقال مالك (٤): لا يجوزُ، وهذا إذا فارق الّذي عَقَدَ الصّرف قبل أنّ يقبض الآخر؛ لأنّه إنّما يراعى في فسادِهِ مفارقته (٥) قبل القَبْضِ. الثّانية (٦): فإن عَقَد الصّرف، ودفع الدِّينار، وأحال عليه من يقبض الدّراهم، ثمّ فارقه قبل القَبْض، فلا خلافَ في أنّهُ لا يجوزُ. فإن قضاهُ قبل مفارقته (٧)، ففي "كتاب محمّد" عن ابنِ القاسم: لَا خَيْرَ في ذلك، سواء أحال بجميع الدّراهم أو ببعضها. وروى زَيد بن بِشر عن ابن وهب أنّه لا بأس به.

стр. 2849

وقال أشهب: يُفْسَخُ ذلك إِلَّا أنّ يُفارقَهُ قبل قبضِ المحال، سواء ثبت دَيْن المُحَال عليه قبل عَقْد الصَّرف أو بعده. قال الإمام (١): فقولُ ابنِ القاسم مبنىٌّ على أنّ مِنْ شرطه (٢) أنّ يقبض العاقد العِوَضَ، ومن شرطه عند أشهب ألَّا يفارقه قبل القبض هو أو غيره، هو بمنزلة الإقالة في السَّلَم (٣). فرع: فإن كان دينارٌ بين رجلين، فصرفاه بدراهم، ثمّ وكّل أحدهما صاحبه على القبض، ثمّ انقلب (٤)، جازَ أنّ يقبض الثّاني قبل أنّ يفارق الصّراف. حكاه ابنُ الموّاز عن ابن القاسم، وكذلك الحُلَي. الثّالثة (٥): قال علماؤنا (٦): ولا اعتبار بالسِّكَّة وبالصِّياغة في شيءٍ من ذلكَ، فإنْ كان المَصُوغُ أَدوَنَ ذَهَبًا والتِّبْرُ أفضل، فلا بأس بذلك؛ لأنّ الصِّياغةَ تبعٌ مُلغىً غير مؤثِّر كالجَوْدَة، ولو ثبتَ له في ذِمَّته ذهبٌ مَصُوغٌ، فأراد أنّ يقبضَه عنه تِبْرًا أفضل ذهبًا لم يَجُزْ، لأنّ الصِّياغةَ قد ثبتت له في ذمّته، فَتَرَكَ ذلك عِوَضًا عن جَوْدة الذّهب (٥) التِّبْر، فدخل

стр. 2850

ذلك التّفاضل؛ لأنّ ذلك ذهب وصياغة بذهب، وليس كذلك المراطلة فإن الصِّياغة لم تثبت في ذِمَّتِهِ، فلا تأثير لها. الرّابعة (١): قولُه (٢): "الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ" يريدُ إِيجاب التَّساوي، ولا تجور فيه زيادةٌ. وبدل الدّنانير والدّراهم بمثلها، يكون ذلك على وجهين: وزنًا وعددًا. فأمّا الوزنُ، فلا يجوزُ فيه إِلَّا التّساوي، ولا تجوزُ فيه زيادةٌ على وَجهِ مَعرُوفٍ. وأمّا المبادلةُ بالعدَدِ، فإنّه يجوزُ ذلك، وإن كان بعضها أَوزَن من بعضٍ عَلَى وَجْهِ المَعرُوفِ، وليس ذلك في التّفاضل؛ لأنّهما لم يُبْنَيَا على الوزن، ولهذا النّوع تقديران: الوَزن والعَدَد، وإن كان الوَزن أحقّ إِلَّا أنّ العَدَد معروفٌ، فإذا عمل على العدد، جوّز يسير الزّيادة على وَجْهِ المَعْرُوفِ. الخامسة (٣): قولُه: "الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرهَمُ بالدِّرهَمِ، لَا فَضلَ بَينَهُمَا" يحتملُ معنيين: أحدُهما: أنّ الاسمَ لهذا المقدار (٤)، مَصُوغًا كان أو غيره، فيكون عامًّا. والثّاني: أنّ يكون اسمًا للمضروب دون غيره، ولكنّه قاسَ المَصُوغَ عليه، على ما قدّمناه. وقولُه: "الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ" فإنّه يقتضي ثلاثة أشياء: ١ - المبايعةُ.

стр. 2851

٢ - والمبادلةُ. ٣ - والقضاءُ. وأمّا المبايعة، فإنّها تختصُّ في الأغلبِ بمعاوَضَةِ العُروض بعضها ببعض، والعَرْض بالأثمان. وأمّا الأثمان بعضها ببعض، فإنّ لها اسمًا أخصّ، فإنْ بِيعَ منها شيءٌ بغير جنسِهِ، فاسمُ الصّرف أخصّ به، فإنْ بِيعَ بجِنْسِهِ، فاسمُ المبادلةِ والمُرَاطلةِ أحقّ به، وهما يختلفان، وذلك أنّ المراطلة تكون وزنًا، والمبادلة تكون عَدَدًا. وأمَّا القضاء فقد يَكونُ قضاءٌ عن سلفٍ* وقضاء عن غير سلفٍ، فإن كانت عن سلف *، أسَلَّفَهُ ذهبًا عددًا قضاءً، مثل عدده ووزنه؛ كانّ هذا معنى الدِّينار بالدِّينار وزنًا وعددًا.

стр. 2852

كتاب الصّرف قال الإمام الحافظ (١): هذه الكلمةُ لم تأتِ بهذا البناء في كتاب اللهِ ولا على لسان رسولِهِ ﷺ ، وإنّما هي كلمةٌ فصيحةٌ عربيّة، جاء لفظُ الفعل منها في حديث طَلحَةَ (٢)، قال في: "فتَرَاوَضنَا حَتَّى اصطَرَفَ مِنِّي". واختلفَ أهلُ العربيّة فيه: فقال بعضُهم: هو في لبسانِ العربِ: بَيعُ النّقدَينِ بعضِهِمَا ببعضٍ. قال أبو حاتم (٣): الصّرفُ في اللُّغة مأخوذٌ من صرف أحد العِوَضَيْن في الآخر، وقد يكون ذلك بالقول، وقد يكون بالفعل، وهو عامٌّ في كلِّ مُعَاوَضَة، وإنّما خُصِّ في اللُّغة بيع النّقدين بذلك تعريفًا. وقال ابن السِّكِّيت (٤):سُمِّي الصَّرف صرفًا؛ لأنّه لا يفارقُ أحدُهما صاحبه حتَّى يصرف إليه عِوَضَ ما أخذ منه، وهذا قولٌ فاسدٌ. وقال الشاشي: إنّما فسد قولُ ابن دُرَيْد (٥)؛ لأنّ فيه بناء اللُّغة على الشّرع، والشّرعُ هو المبنىٌّ على اللُّغة (٦).

стр. 2853

والأصلُ في الصّرف: حديث عُبَادَة بن الصَّامِت عن النَّبيِّ ﵇. الفقه في خمس مسائل: الأولى: قال علماؤنا: إذا تصارفَ الرَّجُلان، وأحدهما يعرف أنّ دنانيره زيوف، فالصَّفقة عند مالك مفسوخةٌ. وقد قيل: إنها تامّة، على تفصيلٍ وتفريعٍ طويلٍ. وقد (١) غَلِطَ أبو حنيفةَ (٢) في هذه المسألةِ فقال: "إنَّ التَّفرُّقَ قبلَ التّقابُضِ يجوزُ في بَيْع كلِّ مالٍ رِبَوِيِّ ما عدا النَّقدَيْنِ، فإنَّ التّقابُضَ قبلَ التَّفَرُّقِ واجبٌ فيهِمَا، سواءٌ: بِيعَ الجنسُ بالجنسِ أو بغيره منهما، قال: لأنّ اسمَ المُبَايَعَةِ فيهِما صَرْفٌ، وذلك عبارةٌ عن صرفِ، أحدِهما في الآخرَ فهذا لم يوجَد معنى التَّقابُض، لم يُوجَد معنى الاسمِ". وهذا وهمٌ من ثلاثةِ أَوْجُهٍ: أحدُها: أنَّ لفظَهُ لم يرد في كلامِ الشارعِ -كما قدَّمنَا- فينبني عليه حُكمٌ. الثّاني: أنّ الصَّرفَ في اللُّغةِ -كما قالوا - مأخوذٌ من صَرفِ أَحدِ العِوَضَيْنِ في الآخَرِ، وقد يكونُ ذلك بالقولِ والفعلِ. الثالثُ: حديثُ عمرَ "قَالَ رَسُولُ اللهِ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالوَرِقُ بالوَرِقِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ. الحديث" (٣) وفي الصّحيح: "فَإِذَا اختَلَفَ الجنسَانِ فَبِيعُوا كَيفَ شِئتُمْ، إنَّ كَانَ يَدًا بِيَدٍ" (٤) وهذا نَصٌّ، وإن كان العلماء قد اختلفوا في علة الرِّبَا في هذه الأعيان الرِّبَويَّةِ.

стр. 2854

فأمّا النَّقدانِ، فقال أبو حنيفةَ (١) وغيرُه: العِلَّةُ فيهما الوَزْنُ، وحَرَّمَ الرِّبا في كلِّ مَوزُونٍ على اختلافِ أنواعِهِ. وقال مالكٌ والشّافعيُّ (٢): العِلَّةُ فيهما كونُهما أثمانَ الأشياءِ، وتلكَ عِلَّةٌ واقفةٌ تختصُّ بهما. الثّانية (٣): قال الإمامُ: وبابُ الصَّرفِ من أضيقِ أبواب الرِّبا، والتَّخلُّص من الرِّبا عسيرٌ، إِلَّا مَنْ كان من أهلِ الوَرَعِ والمعرفةِ بما يحلُّ فيه ويحرمُ، وقليلٌ ما هم، ولذلك كان أَصبَغُ يَكرَهُ أنّ يستظلَّ بظِلِّ الصَّيرفىِّ؛ لأنَّ الغالِبَ عليهم الرِّبا (٤). وقال علماؤنا (٥): لا يجوزُ في الصَّرفِ ولا في بَيْع الذّهبِ بالذّهبِ ولا الفضّة بالفضّة مُوَاعَدَةٌ ولا خيارٌ، ولا كفالةٌ ولا حَوَالَةٌ، ولا يصحُّ إِلَّا بالمُنَاجَزَةِ الصّحيحةِ، لا يفارق أحدهما صاحبه وبينه وبينه عملٌ، لقوله ﵇: "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهب إِلَّا مِثلًا بِمِثلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا في بَعضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الوَرِقَ بِالوَرِقِ إِلَّا مِثلًا بِمِثلٍ" (٦). الثّالثة (٧): قال علماؤنا (٨): والنَّظِرَةُ في الصَّرفِ تنقسم على ثلاثة أقسام (٩): أحدُها: أنّ ينعقد الصَّرفُ بينهما على أنّ ينظرَ أحدهما صاحبَهُ بشيءٍ ممّا اصطرفا فيه - وإن قَلَّ، فهو إذا وَقعَ فُسِخَ جميعُ الصَّرْفِ باتِّفاقٍ، لانعقادِهِ على فسادٍ.

стр. 2855

الثّاني: أنّ ينعقدَ الصَّرفُ بينهما على المُنَاجَزَةِ، ثمّ يُؤَخِّرُ أحدُهما صاحبَهُ بشيءٍ ممّا اصْطَرَفَا فيه، فهذا ينتَقِضُ الصَّرْفُ فيما وَقَعَ فيهِ التَّأخيرُ باتِّفاقٍ، إنَّ كان درهمًا انتقض صرفُ دينارٍ واحد ما بينَهُ وبينَ أنّ يكونَ الَّذِي وَقَعَ فيه التَّأخِيرُ أكثرَ من الصَّرْفِ للدِّينارِ، فهذه الأقسامُ متى وقعت بَطَلَ الصَّرْفُ. الرّابعة (١): وهي مسألة المراطلة قولُه (٢): "يُرَاطِلُ الذَّهَبَ بالذَّهَبِ" يريدُ المبادلة بالوَرِق، وهو على ضربين: أحدُهما: غيرُ مسكوكٍ، فلا خِلافَ في جوازِهِ في المذهب (٣). والثّاني: مسكوكٌ، فهو يتخرّجُ (٤) على روايتين: ١ - إحداهُما: أنّه جائزٌ، وذلكَ مبنىٌّ على أنّه متعيّنٌ (٥)، وعلى هذا يراه أكثر علمائنا في المراطلة (٦)، فإن أقوالَهُم في ذلكَ مطلقةٌ لا تتقيّدُ بمعرفةِ الوَزْنِ. ٢ - والثّانية: أِنه لا يجوزُ، وذلكَ مبنىٌّ على أنّها لا تتعيِّن بالعَقْد؛ لأنّ هذا من باب الجُزَافِ، والجُزَافُ في مسكوكِ الذَّهبِ والفضّةِ لا يجوزُ العَقْدُ عليه، إِلَّا أنّ يكونَ هذا حكمًا يختصُّ عندهم بالمراطلةِ, ولا فرقَ بينها، وبين الصَّرْفِ وغيرهِ من البيوعِ. وقد رأيتُ لبعضِ أصحابنَا أنّه لا يجوز المراطلة بين الدَّنانيرِ والدّراهمِ لهذا المعنى، وقد

стр. 2856

يجوزُ ذلك بأن يعرف وزن أحدِ الذَّهبينِ ثمَّ يراطل بها الآخر. بَابُ العِينَةِ وَمَا يُشْبِهُهَا قال الإمام (١): هذه كلمةٌ تَرْجَمَ بها مالكٌ، ورَدَتْ في الحديث، رَوَى أبو داوُدَ (٢) عن النّبيِّ ﵇ أنّه قال: "إِذَا تَدَايَنتُم بِالعينَةِ، واتَّبَعتُم أَذْنَابَ البَقَر. الحديث"، وجَرَت في ألفاظِ الصّحابة، ذَكَرَها علماؤنا عن ابنِ عمرَ وابنِ عبّاسٍ، إِلَّا أنّ ابنَ عبّاسٍ فَسَّرَها بأنْ يبيعَ الرَّجلُ من الرّجلِ سِلعَتَة بدَينِ إلى أجَلٍ، ثمّ يَشتَريَها بأقلِّ ممّا باعَها نقدًا، وهي مسألةُ الذَّرائِعِ، وفسَّرها غيرُه بأنّها بيع ما ليسَ عندَكَ، وأصلُها فِعْلَة من العَوْنِ، وقد كانت جاريةً عندهم فيما يجوزُ وفيما لا يجوزُ، فوقعَ النَّهيُ منها على ما لا يجوزُ، وجَعَلَ مالكٌ منها بيعَ الطّعامِ قبلَ قبضِهِ، لِيُبَيِّنَ أنّها عندَهُ عبارةٌ: عن كلِّ عَقْدٍ لا يجوزُ، هذا معنَى التّرجمة. قال الإمام: وقد رُوِيَ عن النَّبىِّ ﵇ في ذلك أحاديث ثلاثة: ١ - الأوَّل: قال: "مَنِ ابتَاعَ طَعَاما فَلَا يَبِعهُ حَتى يَقبضَهُ" (٣).

стр. 2857

٢ - قال ابنُ عمرَ: كُنَّا في زَمَان رسُول اللهِ ﷺ نَبتَاعُ الطَّعَامَ، فَيَبعَثُ إلَيْنَا (١) مَنْ يَأمُرُنا بانتِقَالِهِ من المكانِ الذِي ابتَعنَاهُ فيه إِلى مَكَانٍ سِوَاهُ قَبل أنّ نَبِيعهُ. هكذا رواه مالك (٢) وجماعة (٣)، زاد في"الصَّحيحِ":"كُنَّا نبتَاعُ الطَّعَامَ جُزَافًا" (٤) وزاد عنِ ابنِ عبّاس:"منِ ابتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعهُ حَتَّى يَقبضَهُ، قَال ابْنُ عبّاسٍ: وأحْسِبُ كُلِّ شيءٍ مِثلَهُ" (٥). ٣ - وروى الدّارقطنيّ وغيره قال: "نَهى النَّبِيِّ ﵇ عن بيعِ مَا لَمْ يُقبض، وَرِبْح ما لم يُضمَن" (٦). وزاد عن عَتَّابِ بنِ أَسِيدٍ؛ أنّ النّبيَّ ﷺ قال له حين وَلَّاهُ مكَّة: "انهَهُم عن بَيعِ مَا لَمْ يَقبِضُوا، وَرِبحِ مَا لَمْ يضمَنُوا" (٧). الفقه في مسائل: الأولى (٨): اختلفَ العلّماءُ في هذا على سِتَّةِ أقوالٍ: ١ - الأوَّل: أنّ كلَّ مبيع كيف ما تصرَّفَ حالُهُ، من أيِّ مالِ كانَ، فإنّه لا يجوزُ بيعُه قبلَ قَبضِهِ، قاله الشّافعيّ (٩)، وأحمد في إحدى رِوَايَتَيه (١٠).

стр. 2858

٢ - قال أبو حنيفةَ (١) مثلَه، إِلَّا في العَقَارِ فإنّه يجوزُ بيعُه قبل قبضِهِ. ٣ - الثالثُ: أنّ هذا في الأموال الرِّبَوِيَّة خاصّةً، قاله مالكٌ في المشهور (٢). ٤ - الرّابعُ: أنّ ذلك في المطعوماتِ من جُملَةِ الأموالِ، قاله ابنُ وَهبٍ عنه. ٥ - * الخامس: أنّ ذلك في الأموال الرِّبَوِيَّة وفي المطعومات، نعم، وفي المعدوداتِ، قاله جماعة؟ منهم عبدُ العزيز بن أبي سَلَمَةَ وابن حبيبٍ. ٦ - السّادسُ: أنّ ذلك يجري في الجُزافِ، ولا يجوزُ بيعُه حتّى يُقبَضَ، كما جرَى فيما فيه حقُّ تَوفِيَةٍ*. على تفصيلٍ طويلٍ أَعرَضنَا عنهُ. الثّانية (٣): قال علماؤنا (٤): المَبِيعُ على ضربينِ: مطعومٌ، وغيرُ مطعومٍ. فأما "المطعومُ" فإِنه قسمانِ: ١ - قسمٌ يجري فيه الرِّبَا. ٢ - وقسمٌ لا يجري فيه الرِّبَا. فأمّا "ما يجري فيه الرِّبا" فلا خلاف في المذهبِ أنّه لا يجوزُ بيعُهُ قبلَ استيفائِهِ. وأمّا "ما لا يجوزُ فيه الرِّبَا" فعن مالك فيه روايتان: ١ - إحداهُما: أنّه لا يجوزُ بيعُهُ قبلَ قبضِهِ، وهو المشهورُ من المذهب. ٢ - ورَوَى ابنُ وَهبٍ عنه أنّه يجوز بيعُه قبل قَبْضِهِ.

стр. 2859

فوجه الأُولى: ما احتجّوا به من قول النَّبىِّ ﵇* "مَنِ ابتَاعَ طعَامًا فَلَا يَبغهُ حَتَّى يَستَوفِيه"* (١)، وهذا يصح الاحتجاجُ به في هذا الحُكم، على قول من يمنعُ التّخصيصَ بعُرفِ اللُّغة، وأمّا من رَأَى التَّخصيص بعُرف اللُّغةِ، فلا يُجَوِّزُ الاحتجاجَ بهذا الحديثِ على هذا الحُكم؛ لأنّ لفظة الطّعام إذا أُطلِقَت، فإنَّما يُفهَم منها بعُرفِ الاستعمال الحِنطَة، ولذلك لو قال رجلٌ: مضيتُ إلى سوق الطّعام، لم يُفهَم منه إِلَّا سوق الحِنطَة. ووجهُ الثّاني: أنّ ما لا يجوزُ فيه التفاضلُ نقدًا، فإنّه لا يحرمُ بيعُهُ قبلَ قبضِهِ. الثّالثة (٢): قال الإمام: هذا في المطعُومِ المُقتَاتِ المَكِيل أو الموزون. وَرَوَى ابنُ القاسم عن مالك في "المبسوط": وكذلك المعدود لا يجوزُ ذلك فيه حتّى يقبضَهُ، وهذا قالَهُ جماعةٌ، وهو المَذهَب. فرع: فإن كان غير مطعوم، فمذهب مالك أنّه لا مَدخَلَ لهذا الحُكم في غيرِ المطعومِ، ولا تعلُّقَ له به، سواء كان مَكِيلًا أو موزونًا أو غيره. وقال ابنُ أبي سَلَمةَ وربيعةُ ويحيى بنُ سعيدٍ: كلُّ ما بِيعَ على كَيلٍ أو وزنٍ أو عَدَدٍ، مطعومًا كانَ أو غيرَ مطعومٍ، فلا يجوزُ بيعُهُ قبلَ قبضِهِ، واختارَهُ ابنُ حبيب. وقال

стр. 2860

أبو حنيفة (١): هذا الحكمُ ثابث في كلِّ مَبِيعٍ ينقل ويحول. وقال الشّافعيّ (٢): هو ثابتٌ في كلِّ مَبِيعٍ. ودليلُنا: قولُه ﵇: "مَنِ ابتاَعَ طَعامَا فَلَا يَبِعهُ حَتَّى يَستَوفِيَهُ" (٣) فخصّ الطّعامَ، فَدَل أنّ غيرَهُ مخالفٌ لَهُ، وهذا الاستدلال بِدَليلِ الخِطَابِ، وقد تقدَّم الكلام عليه في "أوَّلِ الكتاب (٤). الرّابعة (٥): وأمّا ما يختصُّ به هذا الحُكْم من وجوهِ الاستفادةِ؛ فإنَّ العقودَ على ضربينِ: ١ - معاوَضَةٌ. ٢ - وغير معاوَضَة. فالمعاوَضَةُ: البيعُ وما في معناه من الإجارة، والمُصَالحة، والمخَالعة، والمُكَاتَبة، والأرزاق، على وجهِ العِوَضِ، كأرزاق القُضاة والمؤذِّنين. وقال أبو حنيفة: ما مُلِكَ بميراثٍ أو خُلعٍ (٦) من طحام أو غيره، فإنّه يجوزُ بيعُهُ قبلَ قبضِهِ. الخامسة (٧): وهو أنّ العقود تنقسمُ إلى ثلاثةٍ أقسامٍ: ١ - قسم يختصُّ بالمُغابَنَةِ، كالبيعِ والإِجارةِ، وما كان في حُكمِهِمَا. ٢ - وقسم يَصِحُّ أنّ يكون على وجه* المغابنة، ويَصِحُّ أنّ يقعَ على وجه الرِّفْق، كالإقالة، والشَّرِكة، والتَّولِيَة.

стр. 2861

٣ - وقسمٌ لا يكون إِلَّا على وجه الرِّفق كالقَرضِ *. فأمّا البيعُ وما كان في معناه، فقال عبدُ الوهّاب: ما كان أُجرةً لعملٍ، أو قضاءً لِدَينٍ، أو مَهرًا، أو خُلْعًا، أو صُلحًا، فذلك يجري مَجرَى البَيع، فلا خِلَافَ أنّه لا يجوزُ أنّ يتوالى منه عَقدَانِ لا يتخلّلهما قبضٌ. والأصلُ في ذلكَ الحديث المتقدِّم. السّادسة (١): وأمّا ما يكونُ قبضًا، فهو ما يخرجُ به من ضمانِ البائِعِ إلى ضمانِ المشترِي، من الكَيلِ، والتّوفيَة في المَكِيلِ والموزونِ، والتّوفية في الموزونِ (٢)، فمثلُ هذا يكونُ فصلًا بين البيعتين، فإنْ عَقَدَا بَيعًا في طعامينِ في ذِمَّتينِ، ثمَّ أرادا أنّ يتقاضيا بهما، لم يجز ذلك على المشهور من المذهب، وبه قال ابن القاسم. وقالَ أشهب (٣): إنَّ اتّفق رؤوس مالهما (٤).

стр. 2862

بابُ مَا يُكْرَهُ من بَيْعِ الطَّعَامِ إلَى أجَلٍ قال الإمام (١): أدخل مالك في هذا الباب مسألةَ سعيدِ بن المُسَيِّب وسليمانَ بنِ يَسَارٍ (٢)، وذلك بناءً على أنّ البَيعَتَينِ اللَّتَينِ تُبَيِّنُ الآخِرَةُ منهما الرِّبا تُفسَخَانِ جميعًا. قال مالك (٣):"مَا يُكرَهُ من بَيعِ الطعَامِ إِلَى أَجَلٍ". وذَكَرَ مسألةَ الذَّريعةِ، وهي حرامٌ عنده، وقبل ذلك قال (٤): مَا يُكرَهُ من بَيعِ الثِّمَارِ، وذَكَرَ ما هو أشدُّ منه وهو الرِّبا في التّمر، وهو حرامٌ أيضًا باتِّفاق. وأطلَقَ المكروهَ على الحرام، وهو يَنقسِمُ عنده إلى ما يَحْرُمُ فِعلُه، أو إلى ما تركُه أَوْلَى من فِعلِه، وهو المكروهَ في إطلاق الأصوليِّين، إِلَّا أنّهم ما بيّنوهُ بيانًا شافيًا. وأصلُه في اللُّغة: ما يريدُ المرءُ تَركَهُ، وكراهيةُ اللهِ تعالى للشّيء من إرادتُه ألَّا يكونَ (٥)، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦] الآية (٦). وليس يمتنعُ إطلاقُه على الحرامِ، ولا على ما تركُهُ أولَى من فِعلِهِ، كما ليس يمتنعُ تخصيصُه في الاصطلاحِ بما تركُهُ أولَى من فعلِهِ، ولكن الأدلّةَ إنّما تُعَيِّنُ كلّ واحدٍ من الحالتين، وتُبَيِّنُ المخصوصَ في النّازلةِ من الحُكمَين، والمسألةُ أصوليةٌ أكثر من فقهيّةٍ.

стр. 2863

الفقه في مسائل: الأولى (١): قال مالكٌ من بين مَشيَخَةِ الأمصار من علمائنا: ما كان من شَرِكَةٍ أو إقالةٍ أو تَولِيَةٍ، فإنّه مُستَثْنَى من بيع الطّعامِ قبلَ قبضِهِ (٢)، وإن كان ذلك بيعًا حقيقةً. الثّانية (٣): وأمّا الأعيانُ الأربعةُ المذكورةُ في حديثِ عُبَادَةَ وغيرِه، قال رسولُ الله ﷺ : "لَا تَبِيعُوا البُرَّ بالبُرِّ، وَلَا الشَّعيرَ بِالشَّعِيرِ، ولَا التَّمرَ بِالتَّمرِ، وَلَا المِلحَ بِالمِلحِ، إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَينًا بِعَينٍ، يَدًا بِيدٍ" (٤) فَنَصَّ على هذه الأربعةِ دونَ غيرِها. اختُلِفَ في ذلك على أربعةِ أقوالٍ: ١ - فرَوى ابنُ الماجِشُون* أنّه قال: العِلَّةُ في هذه الأعيانِ الماليّةُ، وأجرى الرِّبَا في كلِّ مالٍ. ٢ - وقال أبو حنيفةَ*: العلّةُ فيها الكَيلُ، وأجرَى الرِّبَا في كلَّ مَكيِلٍ (٥). ٣ - وقال الشّافعيّ: العِلَّةُ الطّعمُ (٦). ٤ - واضطرت الأصحابُ في غَرَضِ مالك فيها: فأمّا الّذي استقرَّ عليه الاستقراءُ منها أنّ العلَّة القُوتُ؛ لأنّ الله تعالى لو أراد الماليَّةَ كما قال ابن المَاجشُون لمَّا ذَكَرَ منها إِلَّا واحدًا، وكذلك الكَيلُ، ولو أراده لاكتَفى

стр. 2864

منها بواحدةٍ؛ لأنّ جهةَ الكَيلِ واحدةٌ فيها، وإنّما بَقِيَ الإشكالُ بين الطَّعمِ والقُوتِ؛ لأنّه هو المقصودُ منها، وهي أصولُ الأقواتِ، فَذَكَرَ اللهُ البُرَّ تنبيهّا على ما يُقتَاتُ في الاختيارِ والرّفاهيةِ، وذَكَرَ الشَّعيرَ تنبيهًا على ما يُقتَاتُ في حال الضّرورةِ والمَخمَصَةِ، وذكَرَ التَّمرَ تنبيهًا على ما يُقتَاتُ تَحَلِّيًا وتَفَكُّها؛ كالعَسَلِ والزّبِيبِ ونحوِهِ، وذَكَرَ الملحَ تنبيهًا على ما يُقتَاتُ لإصلاح الأَطعمةِ، والله أعلمُ. قال الإمام: هذه الأعيانُ الأربعةُ المذكورةُ في حديث عُبَادَة بن الصَّامِت، هو حديث من أصولِ الشّريعةِ، انفردَ به عُبَادَة بن الصَّامِت، ووقع في"صحيح البخاريّ" (١) واللّفظُ لَهُ، قال رسولُ الله ﷺ : "البُرُّ بِالبُرِّ رِبًا، إِلّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمرُ بِالتَّمرِ رِبًا، إِلّا هَاءَ وَهَاءَ، عَينًا بِعَينٍ". أمّا قوله: "عَينًا بِعَينٍ" يريد مُدًّا بِمُدِّ، لا يكون غائبًا بحاضرٍ، والمعنى هو النّقدان. وقال الخطّابي: ما دام غير مسكوك فهو تبر، فهذا ضرب فهو عين (٢). باب السُّلفَةِ في الطّعام قال الإمام (٣): السَّلَفُ في لسان العرب اسمٌ ينطلقُ على القَرضِ وعلى السَّلَمِ (٤). قال ابنُ عبّاس في الصّحيح: قدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ وهم يُسلِفُونَ في الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَينِ وَالثَّلَاثَ، فَقَالَ: "مَنْ سَلَّفَ فَليُسْلِف فِي كيلٍ مَعلُومٍ، وَوَزنِ مَعلُومٍ، إِلَى أجَلٍ مَعلُومٍ" (٥).

стр. 2865

الفقه في مسائل: الأولى (١): هذا أمرٌ اتَّفقتِ الأمّةُ على جوازه. فامَّا "سَلَفُ القُرُوضِ" فمعروفٌ ومُكَارَمَةٌ، وله ثوابُه. وأمَّا"سَلَفُ السَّلَمِ" فمُرابحة ومُكَايَسَةٌ، على ما يأتي بيانُه إن شاء الله. الثّانية (٢): قولُه (٣): "لَا بَأسَ أنّ يُسلِفَ الرَّجُلُ الرجُلَ في الطَّعامِ المَوصُوفِ" يقتضي أنّ يكون سلَفًا موصوفًا (٤)؛ لأنّ السُّلفَةَ بمعنَى القَرْض وبمعنى السَّلَم. فأمَّا " القرْضُ" فلا يحتاج إلى وصفٍ؛ لأنّه لا يجوزُ أنّ يشترط إِلَّا مثل ما أعطى، فلا يصحُّ أنّ يريد بهِ القَرض. وأمَّا " السلَمُ" فلابدّ أنّ يكون موصوفا؛ لأنّه لا يُعرَفُ إِلَّا بالوصفِ؛ لأنّه لا يجوزُ أنّ يكونَ مُعيَّنًا، وإنّما يكون متعلِّقًا بالذِّمَّةِ، وهذا لا خلافَ فيه. وللسَّلَم سِتَّة شروطٍ، متَى انْخَرَمَ منها شرطٌ لم يصِحّ (٥)، ونحن نُفْرِدُ لكلِّ شرطٍ بابًا. الأوَّل: أنّ يكوَن متعلِّقًا بالذِّمَّة. الثّاني: أنّ يكون موصوفًا. الثالثُ: أنّ يكونَ مُقدَّرًا.

стр. 2866

الرّابعُ: أنّ يكونَ مؤجَّلًا. الخامس: أنّ يكونَ موجودًا عند الأَجَل. السّادسُ: أنّ يكونَ الثّمن نَقدًا. فأمّا "الأوَّلُ" فقد تقدَّمَ الكلامُ فيه. وأمّا "الثّاني" فكونُه موصوفًا، فإنّه ممّا لا يختلفُ فيه في الجملةِ، وذلك يكون على وجهينِ: أحدهما: أَنْ يُرِيَهُ مثل ما سلم إليه فيه، فيقول له: أسلم إليك في مثل هذا، فهذا اختلفَ أصحابُنَا فيه، فَرَوَى محمّد عن ابنِ القاسم (١) فيمن أسلم في زيت، أَيَأخذهُ من غيره، ويطبع عليه حتّى يأخذ من صفته؟ قال: لا يصلح. قال أَصبغُ: إذا كان مضمونًا، لم يصلح ذلك فيه، وإن كان بعينه غائبًا، فجائزٌ، ما لم يشترط خلف مثله. والثّاني: أنّ يصفَهُ بصفات يَختلف ثمنُه باختلافِهَا, وليس عليه أنّ يصفَهُ بجميعِ صفاتِهِ (٢). ولا خلافَ أنّ ما لم يُضبَط بصفةٍ فلا يجوزُ السَّلَم فيه، وإنَّما يختلفُ فيما يُضبط بالصِّفَةِ، فمِن ذلك الحيوان، يجوزُ عند مالك أنّ يقرض ويسلم فيه، وبه قال الشّافعيّ (٣). وقال أبو حنيفة (٤): لا يثبت في الذِّمَّة قرضًا ولا سَلَمًا. ولنا في ذلك ثلاثة طرقٍ:

стр. 2867

أحدُها: أنّ يدلَّ على عين السَّلَمِ. الثّاني: أنّ يدلُّ على الحيوان يُضبَط بالصِّفَةِ. الثالثُ: أنّ يدلُّ على أنّه يثبت في الذِّمة. فالدّليلُ على القَرض (١) حديث أبي رافِع (٢) الّذي بعدَ هذا (٣). والدّليلُ على أنّه يُضبط بالصِّفَةِ: ما رُوي عن ابن مسعود، قال النّبيّ ﵇: "لا تُباشِر المَرأَةُ المرأَة فَتَنْعَتُهَا لِزَوجِها كَأنَّهُ يَنظُرُ إليهَا" (٤). ودليلُنا (٥) أنّه يثبت في الذِّمَّةِ: أنّ الحيوان معنىً يكون بَدَلًا عن سَلَفٍ، فوجبَ أنّ يثبتَ في الذِّمَّة كالطّعام، فإنّه ليس من حُكمِهِ أنّ يقول فارهًا، وإنّما يصفه على حَسَبِ ما ذكرنا، فإذا أتاه تلك الصِّفَة، لزمه أخذه، قالهُ ابنُ القاسِم في" المُدَوَّنَة" (٦). الرّابعة (٧): ويجوزُ السَّلَمُ في اللّحمِ، وبه قال الشّافعىّ (٨)، ومنع ذلك أبو حنيفةَ (٩). والأصلُ في ذلك: أنّه يضبطه بالصفة، وذلك بأن يصفهُ أو يُوصف له بأنّه لحم ضَأن ويوصف بالسّمن، وغير ذلك من أوصافه المختصّة، وبه قال ابنُ القاسم (١٠).

стр. 2868

الخامسة (١): ويجوز السَّلَم في الزُّمُردِ والفُصوص (٢)، خلافًا للشّافعيّ (٣). ودليلُنا: أنّه ممّا يُدرَك بالصِّفَة، فيوصف لونُه وصفاؤُه وصفتُه، من طُولٍ، أو تَدَحرُجٍ، على تفصيلٍ طويلٍ. السّادسة (٤): والسَّلَمُ في الأكارع والرُّؤوس جائزٌ (٥)، خلافًا للشَّافعيّ (٦) وأبي حنيفة (٧). ودليلُنا: ما قدّمناه في مسألة اللّحم، ويحتاج من الصِّفات إلى ما يحتاج إليه اللّحم، ويذكر مع ذلك كبارًا أو صغارًا أو متوسِّطة إذا سلم فيها عددًا. السّابعة (٨): ويجوزُ السَّلَمُ في الدّنانير والدّراهم (٩)، خلافًا لأبي حنيفة (١٠). ودليلُنا: أنّ كلِّ ما ثبتَ في الذِّمَّة ثَمَنًا، فإنّه يثبتُ فيه سَلَمًا، كالثّياب والطّعام. الثّامنة (١١): وأمّا السَّلَم في اللّبن والرَّطبِ، فهي مسألة مدَنيَّةٌ، اجتمعَ عليها أهلُ المدينة، وهي مبنيَّةٌ على قاعدةِ المصلحةِ؛ لأنّ المرءَ يحتاجُ إلى أخذِ اللّبن والرّطب مُيّاومَة، ويشُقُّ أنّ

стр. 2869

يأخُذَ كلّ يومٍ ابتداءً؛ لأنّ النّقد قد لا يحضُرُه، وصاحبُ النّخلِ واللّبنِ يحتاجٌ إلى النَّقدِ؛ لأنّ الّذي عنده عُروضٌ لا يَتصرَّفُ له. فلمّا اشتركا في الحاجةِ رُخَّص لهما في هذه المعاملةِ قياسًا على العَرَايَا. التّاسعة (١): وأمّا السَّلَمُ الثالثُ، وهو أنّ يكون السَّلَمُ مقدَّرًا، فهذا ممّا لا يَصِحُّ السَّلَمُ دونه؛ لأنّ السَّلَم فيه يتعلَّقُ بالذِّمَّة، وما يتعلّق بالذِّمَّة يستحيلُ أنّ يكونَ جُزافًا؛ لأنّه لا يتبيّنُ في الذِّمَّة من غيره إِلَّا بالتّقدير، وليس كذلك المشاهدةُ؛ لأنّه يتبيّنُ من غيره بالإشارة له والتّعين له (٢). العاشرة (٣): وهو أنّ يكون مؤجلًا، فإنّ الظّاهر من مذهبِ مالكٍ (٤) أنّ السَّلَمَ لا يجوزُ إِلَّا في مُؤَجَّلٍ، وبه قال أبو حنيفةَ (٥). ورَوى ابنُ عبد الحَكَم (٦) وابنُ وهب: يجوز إلى يومين، ورُوي ذلك عن مالك (٧). وقال عبدُ الوهّاب (٨): اختلفَ أصحابُنا في تخريج ذلك على المذهب، فمنهم من قال: إنَّ ذلك رواية في جواز السَّلَمِ الحالِّ، وبه قال الشّافعيّ (٩)، ومنهم من قال: إنَّ الأَجَلَ شرطٌ في السَّلَم، وإنّما تختلف الرِّوايةُ في مقداره.

стр. 2870

والدّليلُ على اعتبارِ الأجَلِ: أنّ ما اختصّ بالسَّلَم فإنّه شرطٌ في صحَّته كعدمِ المعيِّنِ. وانفردَ مالكٌ عن جميع العلّماءِ في مسألة الأَجَلِ في السَّلَمِ، فقال: يجوزُ أنّ يُسلِمَ الرَّجلُ إليه في بَلَدٍ في طعام في بَلَدٍ آخرَ، يُعطِيهِ إيَّاهُ في بَلَدٍ آخَرَ يُسمِّيهِ ولا يَذكْرُ الأجَلَ، وتكونُ مسافةُ ما بين البلدين أجَلًا (١)، وهي مسألةٌ ضعيفةٌ؛ لأنّه أجلٌ مجهولٌ، وهي مسألة ضعيفةٌ جدًّا. باب الحُكْرَة والتَّرَبُّصِ (٢) قال الإمامُ: ذكر مالكٌ (٣) ﵀ اللّفظين جميعًا؛ لأنّ حُكمَهُمَا يَختلِفُ. أمّا "الاحتكارُ" فهو ضَمُّ الطّعام وجمعُه. وأمَّا "التَّرَبُّصُ" فهو انتظارُ الغَلاءِ به. قال الإمام: ذكر مالك في الباب (٤) قوله:"لَا حُكرَةَ في سُوقِنَا" وفي الباب حديثٌ حسن خرجه التّرمذيّ (٥)، قال: "لَا يَحتَكِرُ إِلّا خَاطِىءٌ" وليس في هذا الباب ما يقالُ في أحاديث الحُكرَةِ غير هذا.

стр. 2871

قوله (١): "لا يحتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ" لفظةٌ مشكلةٌ، اختلِفَ فيها وفي ورودها في اللِّسان العربيّ، فيقال: "خاطئ" على الإطلاق، إذا عمل ما لا يجوزُ، يقالُ: خَطِىءَ في دينه يَخطَأ إذا أَثِمَ، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (٢) ويقال: أخطأ، إذا سلكَ سبيلَ الخطإِ، عامدًا وغير عامدٍ. وقد يكونُ الخطاُ بمعنّى الإثمِ، قال الله العظيم: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ (٣) وقال أيضًا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ الآية (٤)، وإذا اشتركَ ورودهما لم تفصِّلهما إِلَّا القرائن، فقوله: " لَا يَحتَكِرُ إِلّا خاطِىء" يعني: آثِمٌ. الفقه في مسائل: الأولى (٥): فنقول: الأموالُ على قسمين: مطعومٌ، وغير مطعومٍ. والمطعومُ على قسمين: قُوتٌ، وغيرُ قُوتٍ. والقُوتُ على قسمين: بُرٌّ وشعيرٌ، وما عداهما. أمّا الاحتكارُ والتّربُّصُ في الأموال غيرِ المطعوماتِ، فلا خلاف فيه. وأمَّا في المطعوماتِ، فهو الّذي يُكرَهُ جَمْعُه في حالٍ دون حالٍ. وَيحرُمُ التّربُّصُ لانتظار الغَلاء به، إذا لم يكن رَفعُ السُّوقِ وخَفضُه الّذي جرت العادةُ به، والمعوِّلُ في ذلك على النِّيَّةِ، فإن تعلَّقت بضَرَرِ أَحَدٍ حرُمَ ذلك القصدُ.

стр. 2872

ولا يخلو أنّ يكونَ المحتَكِرُ للطّعام من مالِ نَفسِهِ، أو من كَسب يَدِهِ، أو ممّا اشتراهُ في السُّوق، فإن كان من مال نفسه وكَسْبِ يده، فالحُكْرَةُ جائزةٌ بلا خلافٍ، وإن انتظر به رَفعَ السُّوقِ وخفضَها، وتربُّص لأجل ذلك، فهو جائزٌ أيضًا بغيرِ خلافٍ. وإنِ انتظرَ به غلاءً متفاوتًا لنازلةٍ تحدُثُ من قَحطٍ أو عَدُوٍّ ونحوه، فالحُكرَةُ جائزةٌ والتَّربُّصُ حرامٌ، فلما تنافرتِ الحُكرَةُ والتَّربُّصُ لفظًا ومعنىً وحُكمًا جعلهما مالك لفظتين. وأمّا إنَّ كان يحتكرُ بشراءٍ من السُّوق، فذلك جائزٌ أيضًا بثلاثة شروطٍ: الأوّل: سلامةُ النِّيَّة كما تقدّم. الثّاني: ألَّا يضُرَّ النَّاس بالشراءِ فيرتفعَ السعرُ بكثرةِ الطالبِ. الثّالث: ألَّا يكونَ من أصولِ المعاشِ والحياةِ، كالدُّهن والخلِّ ونحوه. أمّا إنَّه قد تكون الحُكْرَةُ مستحسنةً، وذلك بأن يَكثُرَ الواردُ على الموضع بالأقواتِ وعند بعض النَّاس نُقُودٌ، فإن لم يَشتَرُوا من الجالبِ رَدَّ ما جَلبَ، فالشّراءُ حينئذٍ جائزٌ، والحُكرةُ حسنةٌ. فَضلٌ (١) فإذا احتكَرَ ونزلت نازلةٌ بالنّاس، فاحتبسَ عن البيع إِلَّا ما يريدُ، فهي مسألةُ التّسعيرِ، وبيانُها أنّه صحَّ عن النَّبيِّ ﵇ أنّ نَفَرًا من الصّحابة سَألُوهُ التَّسْعيرَ في السُّوق، فقال: "إِنَّ الله هُؤ المُسَعَّرُ القَابِضُ البَاسِطُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أنّ ألقَى اللهَ وَلَا يَطْلُبَنِي أَحَدٌ بمَظْلَمَةٍ عِندَهُ" (٢) ويُحملُ الحديثُ على وجهين: أحدُهما: إذا لم يَكُنِ الزّائدُ متفاوتًا. الثّاني: إذا لم يكن في ذلك* ضَرَرٌ بأن يَتَرَقّى منه إلى غيره*. فإن خرج عن هذين الوجهين لم يَجُزِ التّسعيرُ أيضًا، ولكن يقالُ للّذي يتولَّى

стр. 2873

الزّيادة: اخْرُجْ عن سوقنا (١)، كما فعلَ عمرُ بنُ الخطّاب بحاطِب بنِ أبي بَلتَعَةَ (٢)، هذا إذا كان من أهل السُّوقِ. فأمّا إذا كان الجالبُ للمَبِيعِ من غير أهل البلد، فذلك الّذي يبيعُ كيف شاء لا يُمنَعُ منه، ولا يُحْجَرُ عليه، كما قال عمرُ: " أّيُّمَا جَالِبٍ جَلَبَ عَلَى عَمُودِ كَبِدِهِ" الحديث (٣) وهذا مبنىٌّ على قاعدة المصلحة، فإن الجالبَ لو قيلَ له كما يقالُ للرجل من أهل السُّوق: إمّا أن تبيع بسِعرِنَا، وإما أنّ تقومّ عن سُوقنا، لانقَطَع الجَلبُ واستضرَّ النّاسُ، وعلى هذا انبنت مسألة التعشيرِ في أنّ كلّ من جلَبَ من المعاهَدِين إلى بلاد الإسلام أُخِذَ منه العُشرُ، إِلَّا أنّ يجلِبَ إلى مكَّةَ، فإنّه يؤخَذُ منه نصفُ العُشرِ مصلحةً، سَبَبُهَا التّحريضُ والتحضيضُ على جَلبَ الأقواتِ إليها، وفائدتُه كَثرتُه. ولمّا لَحَظَ ابنُ حبيبٍ من أصحابنا هذه المصلحةَ وفَهِمَ المقصودَ فيها قال: إنَّ الجالِبَ للطعام لا يمكن من أنّ يبيعَ إِلَّا بسعرِ النَّاس، ما خلا القمحَ والشعيرَ، فإنّه يكون فيه بحُكمِ نفسه للحاجةِ إليه ولتَمامِ المصلحةِ بهما. فصل (٤) قال الإمام: وللحُكْرةِ محلٌّ وزمانٌ، واختُلِفَ في ذلك:

стр. 2874

فأما "المحلّ" فقال مالكٌ (١) والثّوريُّ: الاحتكارُ في كلِّ شيءٍ إِلَّا الفواكه. وقال ابنُ حنبل: الاحتكارُ في الطّعام وحدَهُ في مكَّة والمدينة والثُّغور، لا في الأمصار (٢). وقال قومٌ: ليست الحُكرَةُ إِلَّا في القُوت لا في الإدام، ولأجل ذلك كان سعيد بن المسيَّب يحتكر الزَّيت (٣). وأمّا "زمان الاحتكار" فاختلف فيه أيضًا، فقيل: إنّه في كلِّ وقت. وقيل: إنّما ذلك عند مَسِيس الحاجة إليه، والذي يربطُ لكم فيه العَقْد؛ أنّ النّبيّ ﵇ قال:"لَا يَحتَكِرُ إِلّا خَاطِئٌ" (٤) فينبني على هذا الحديث، أو على قوله: "لَا ضِرَارَ" (٥) أو على إجماع الأُمَّةِ على هذه المناهي، من القَصْدِ إلى ما يضرُّ بالنّاس على المخصوصِ والعمومِ لا يجوز، وكذلك فعلُ ما يضرُّ بهم، فنقول: إذا كان المحتكرُ يقبضُ اليدَ عن الشِّراء من مال نَفْسِهِ وكَسْبِ يده، فلا حَرجَ عليه في احتكارِه لذلك، فإن خافّ على نفسه وعلى النَّاس، وتأَهَّبَ لذلك، لم يكن آثمًا، وإنّما إذا كان المحتكرُ يشتري من السّوق، فذلك جائزٌ بثلاثةِ شروطٍ كما قدَّمنا: الأوّل: سلامة النِّيَّة. الثّاني: ألَّا يضرّ بالنّاس في السُّوق فيرفع في سوقهم لكثرة الطّلب.

стр. 2875

الثّالث: ألَّا يكون من أصول المعاش والطّعام والدّهن، ففيه الخلاف على ما قد بيَّنَّاه. هنا موضع التّركيب للفروع فنقول: قولُه (١):"لَا حُكْرَةَ في سُوقِنَا" يريدُ المنع في سوق المدينة؛ لأنّ غالب أحوالها غلاء الأسعار، ولذلك يمنع الادِّخار لما فيه من التّضييق على النَّاس. هنا تركيب جملة مسائل: أحدها: في بيان معنَى الاحتكار وحُكمِهِ. الثّاني: في بيان معنى الوقت الّذي يمنع فيه الادِّخار. الثّالث: في بيان ما يتعلّق به في المنع. الرّابعة: في بيان من يَمْنَعُ من الاحتكار. فنبني الكلام على هذا فنقول: الاحتكار هو الادِّخار للمَبِيع، وطلب الرِّبح بتقلُّب الأسواق، فأمّا الادِّخار للقُوت فليس من باب الاحتكار. فإذا ثبت ذلك، فإنّ احتكارَ الأقواتِ وغيرَها ليس بممنوع، ورَوى محمّد عن مالك أنّه سُئِلَ عن التَّرَبُّصِ بالطّعام رَجَاءَ الغلاء؟ قال: ما علمتُ فيه نهيًا. قيل له: فمن يبتاعه فيحبّ غلَاءَهُ؟ قال: ما من أحدٍ يبتاعُه إِلَّا وهو يحبُّ غلاءَهُ. ويتعلَّقُ المنعُ بمن يشتري في وقت الغلاءِ أكثر من مقدار قُوتِهِ، وذلك ضربان:
следующие страницы →