← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أنسٍ (١). وقال أيضًا: ليس بعد كتاب الله تعالى أنفع منه (٢). وقال عَمْرُو بنُ أبي سَلَمَةَ: ما قرأتُ كتابَ الجامع من موطّأ مالكِ بنِ أنسٍ إلَّا جاءَني آتٍ في المنامِ، فقال لي: هذا كلامُ رسولِ الله ﷺ حقًّا (٣). وقال ابنُ عبد الواحد صاحب الأوزاعيّ: عَرَضْنَا على مالكٍ الموطَّأ في أربعينَ يومًا، فقال: كتابٌ أَلَّفْتُهُ في أربعين سنةً، قرأتموه عليّ في أربعين يومًا، ما أَقَلَّ ما تفقَهُونَ فيه (٤). وقال له أبو جعفَرٍ المنصور: دَعْنِي أكتبُ الموطَّأ بالذَّهَب وأحرقُ الكُتُبَ، وأبعثُ بِنُسَخٍ من الموطَّأ إلى البلدانِ، فقال له مالكٌ: يا أميرَ المؤمنينَ، فإنّ العِلْم كثيرٌ (٥) وأما نَسَبُه فمعروفٌ، قد ذَكَرَهُ ابن قُتَيْبَةَ في "المعارف" (٦) والواقديُّ (٧) وغيرُ ذلك (٨).

стр. 317

وأمّا مولدُه فذكَرَ ابنُ بُكَيْرٍ أنّه وُلِدَ سنة ثلاثٍ وتسعينَ (١). وقال محمدُ بنُ عبدِ الحَكَم: وُلِدَ مالك سنةَ أربعٍ وتسعينَ، وفيها وُلدَ اللَّيثُ بن سَعْدٍ (٢). وقيل: وُلدَ مالكٌ سنةَ أربع وتسعين، وتوفِّي بالمدينة لعشرٍ خَلَوْنَ من ربيعِ الأوّلِ سنةَ تسع وسبعين ومئةٍ (٣). ومَرِضَ يومَ الأحدِ لتمام اثنين وعشرين يومًا، وغسَّلَهُ ابنُ كِنانَةَ وسعيدُ بنُ دَاوُدَ (٤). قال حبيبٌ: وكنتُ أنا وابنُه يحيى نَصُبُّ عليه الماءَ، وأَنْزَلَهُ في قَبْرِهِ جماعةٌ (٥). قال أبو عمر (٦): "كان لمالكٍ ﵀ أربعةٌ من الوَلَدِ: يحيى، ومحمّدٌ وحمّادٌ، وأمُّ أبيها (٧)، فأمَّا يحيى وأمّ أبيها فلم يُوصِ بهما إلى أحَدٍ، وأمّا حمّاد

стр. 318

ومحمّدُ فأَوْصَى بهما إلى إبراهيمَ بن حبيبٍ رجلٌ من أهل المدينة. وأَوْصَى مالك ﵀ أنْ يُكَفَّنَ في ثياب بيضٍ، وُيصلَّى عليه في موضع الجنائز، فصلّى عليه عبدُ الله (١) بنُ محمَّدِ بن إبراهيمَ بن محمدٍ بن عليَّ بنِ عبدِ الله بن عبَّاسٍ؛ وكان واليًا على المدينة (٢)، وبلَغَ كَفنُه خمسةَ دنانيرَ. وترك ﵀ من النَّاضِّ (٣) ألْفَيْ دينارٍ وستَّ مِئَةِ دينار (٤) وألفَ درهمٍ (٥). قال الإمام (٦): فكان الَّذي اجتمعَ لوَرَثَتِهِ ثلاثةَ اَلافِ دينار (٧). وقال سُحْنُونٌ: تُوُفي مالك ﵀ وهو ابنُ سبعٍ وثمانينَ سنةً، وأقام بالمدينة مُفْتِيًا بين أظهُرِهِم ستّين سنةً (٨).

стр. 319

وقيل: حَمَلَتْهُ أمهُ سَنَتَيْن (١)، وقيل ثلاثَ سنينَ (٢)، كلُّ ذلك أقام في بَطنِ أمِّهِ (٣). وكان ﵀ أشقر شديد البياض، كبير الرّأس أصلع، ولم يكن بالطّويل (٤). وكان (٥) رجلًا مَهِيبًا، لم يكن في مجلسه شيءٌ من المِرَاءِ واللَّغط ولا رفع صوت، وكان القُرّاء يسألونه عن الحديث فلا يُجِيبُ إلَّا في الحديثِ الواحدِ (٦)، وربّما أذنَ لبعضهِم فقرأ عليه، وكان له كاتبٌ قد نسخ كتابه (٧)، يقال له حَبِيب، يقرأ فيه للجماعة، فليس أحدٌ ممِّن يحضر مجلسه يدنو ولا يَنْظُرُ فيه (٨) ولا يَستفهم، هَيبةً لمالك، وإجلالًا له، وكان حبيب إذا قرأ وأخطأ، فَتَح عليه مالك، وكان ذلك قليلًا.

стр. 320

وكان مالك يجلسُ في منزلٍ له على ضِجَاعٍ، وكان له نَمَارق مطروحة يَمْنَةَ ويَسْرَةً. وكان يحيى بن عبد الحميد يروي حديثًا (١)؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "يُوشَكُ أنّ يَضْرِبَ النَّاسُ أكْبَادَ الإِبِلِ، فلا يَجِدُونَ عالِمًا أَعلَمَ من عَالِمِ المدينةِ" (٢). فقال يحيى بنُ معينٍ: سمعتُ ابنَ عُيَيْنَةَ يقول: أظنّ أنّه مالك بن أَنَس (٣). والكلام في فضلِه وأخبارِه أكثر من أنّ تُحْصَى، أضربنا عن ذِكْرِها. فصل اختلف الناسُ أي كتابٍ وُضِعَ في الإسلام أوّل على ثلاثة أقوال: القول الأوَّل - قيل: إنّ أوَّلَ كتاب صُنِّف في الإسلام، وقُرِىءَ على النّاس "موطَّأ مالك بن أنس"، وهو قولُ جماعة كثيرة. وكان مالك من أصحاب الحديث، ثمّ اتَّبَعَ ربيعةَ بنِ إبي عبدِ الرَّحمن فقال برأيه. وألَّفَ كتابًا في الحلال والحرام والفرائض والأحكام والشّرائع سمّاه "الموطَّأ"، ورَوَى فيه أحاديث عن رسول الله ﷺ وخالفها وقال: "ليسَ العَمَلُ عليها" والعملُ عندَه ما أدركَ عليه العمل بالمدينة دون سائرِ الأمصارِ؛ لأنّها دار الهجرة ومنزلِ الوحيِ، ومنها تفرقّتِ الصّحابةُ في الأمصارِ، فَهُمُ الْحُجَّةُ على

стр. 321

غيرِهم، وليس غيرُهم حُجّة عليهم. وجوَّزَ القولَ بالاجتهادِ في طلَبِ الحقِّ من الكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ، وهو إجماعُ أهل المدينةِ ممّا أدركَ عليه العمل خاصّة دونَ غيره. والقولُ الثاني - قيل: إنّ أوَّلَ كتابِ أُلِّفَ في الإسلام "جامع سفيان الثّوريّ" (١) ثمَّ نَدِم على ذلك وأَوْصَى إلى عمّار بن يوسف (٢) أنّ يحرق كُتُبَه، فبقيت في أيدي النَّاس. والقولُ الثّالث - قيل: إن أوَّلَ كتابٍ صُنِّفَ في الإِسلامِ "كتاب ابن جُرَيْج" (٣) في التّاريخِ والتّفسيرِ أيضًا. والّذي اشتهر خَبرُه عند النَّاس؛ أنّ أوَّلَ كتابٍ ألِّف في الإسلام "الموطَّأ" لمالك ﵁. قال الإمام الحافظ: وهو أنفعُ للمسلمينَ وأشملُ في حَمْلِ الآثارِ والدِّينِ، فهذا عِلْمُ مالكٍ في الأحاديث، ونَقْلُه العِلْمِ عن أهله، وأكثرُ عِلْمِه في موطَّئِهِ إنّما هو في أبوابه، وأنا أنبِّهُ عليه إن شاء الله.

стр. 322

[المقدمة الثانية: الردِّ على نفاة القياس من الظّاهريّة الحزميَّة، وإثبات ذلك من كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله ﵇ والإجماع] (*)

стр. 323

المقدمةُ [الثالثة] (*) في معرفة علم الحديث ومراتبه، والقول في أخبار الآحاد والمراسل من الأحاديث، والموقوفة والمقطوعة والبلاغ، والقول في الإجازة والرِّواية والمناوَلة، والفرق بين حدّثنا وأخبرنا هل حكمهما واحد أم لا ؟ قال الإمامُ الحافظ ﵁: اعلموا- أنارَ اللهُ قلوبَكُم بالمعارفِ - أنَّ عِلْمَ الحديثِ على خمسِ مراتبَ: مُسْنَدٌ، وَمُرْسَلٌ، وَمَقْطُوعٌ، وَمَوْقُوفٌ، وَبَلاغٌ. المرتبةُ الأولى: معرفةُ المُسْنَدِ والْمُسنَدُ ما اتّصلَ إسناده للرّسول من طريق صحيح (١)، كقولك: مالكٌ، عن نافعٍ, عن عبدِ الله بنِ عمرَ، عن النَّبيَّ ﷺ ؛ أنّه قال كذا وكذا. وكقولك: مالكٌ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المُسَيَّب، عن أبي هريرةَ، عن النّبيَّ ﷺ أنّه قال كذا وكذا. فهذا هو المُسْنَد الصّحيحُ، أنّ يُحدِّث العالِمُ بسَنَدٍ صحيحٍ متَّصِلٍ إلى النَّبيِّ ﷺ .

стр. 324

المرتبةُ الثانية (١): معرفة الْمُرْسَل والمرسلُ ما انقطعَ سَنَدُه (٢)، وهو أنّ يكون في رُواتِه من يروي عمّن لم يره، فيكون مرسلًا لا يصح الاحتجاج به عند الشّافعيّ وعند أهل العراق، وهو مثلُ قولِكَ: مالكٌ، عن نافعٍ، أنّ النَّبيَّ ﷺ قال كذا، فَهذا سَنَدٌ مقطوعٌ، وهو أنّ يحدِّث العالِمُ عن التّابعيّ، ولا يدرك الصّاحب الَّذي أدركَ النبيَّ ﷺ . واختلف العلماءُ في المَرَاسِلِ من الأحاديثِ؟ فقالت طائفةٌ من أصحابنا (٣): مراسلُ الثِّقاتِ أوْلَى من المُسْنَداتِ، واعتلُّوا بأنّ مَنْ أسندَ ذلك فقد أحالَكَ على البحثِ والنَّظرِ. ومذهبُ مالكٍ في إِنْفَاذِ الحُكْمِ بخَبَرِ الواحدِ العدْلِ (٤)، وإيجابِ العمَلِ بِمُسْنَدِهِ وَمُرْسَلِهِ ما لم يعترضه العمل في بلده، ولا يُبالي في ذلك مَن خَالفَهُ في سائر الأمصار، كأخذه بحديث التّغليس (٥)، وحديث الْمُصَرَّاة (٦). وقد خالَفَهُ في ذلك بالمدينة وغيرِها جماعةٌ من العلماءِ.

стр. 325

وكذلك المرْسَل عنده سواء (١)، ألا ترى أنّه يُرسِلُ حديثَ الشُّفْعَةِ (٢) ويعملُ به (٣). وُيرْسِلُ حديثَ اليمينِ مع الشَّاهِدِ (٤)، وُيوجِبُ العملَ به (٥). ويُرْسِلُ حديثَ ناقةِ الْبَرَاء بن عازِبٍ في جِنَايَاتِ المَوَاشي (٦)، ويرى العملَ به (٧)، ولا يرى العملَ بحديثِ خِيَارِ المتبايِعَتيْنِ (٨)، ولا بنجاسة ما ولغ الكلب (٩) فيه، ولم يدر ما حقيقة ذلك كلَّه (١٠). وقال أبو جعفر الطّبريّ: "إنّ التَّابعين بأسرهم أجمعوا على قَبُولِ المُرْسَلِ، ولم يأتِ عنهم إنكاره، ولا عن أحدٍ من الأيمَّةِ بعدّهُم إلى رأس المئتين" كأنّه يعني أنّ الشَّافعيَّ أوّل من أبَى أن يقولَ بالمرسَلِ أو يأخذ به. وأمّا أبو حنيفةَ وأصحابه؛ فإنّهم يقبَلُونَ المُرْسَلَ ولا يردّونَه إلَّا بما يردُّون به المُسْنَد من التَّأويل والاعْتِلاَل. واختلَفَ الناسُ في مَرَاسِلِ الحسنِ بنِ أبي الحسن البصريّ (١١)، فقَبِلَها قومٌ، ورَدَّها آخَرُون.

стр. 326

وأمّا كلّ من عُرِفَ بالأخذِ عن الضّعفاءِ، فلم يُحْتَجَّ بما أرسَلَهُ، تابعيًّا كان أو دونَهُ. وأمّا كلُّ من عُرِفَ أنه لا يأخُذُ إلَّا عن ثِقَةٍ، فتَدْليسُه ومُرْسَلُه مقبولٌ, كمراسلِ سعيدِ بنِ المسيَّبِ، ومحمد بن سِيرِينَ، وإبراهيم النَّخعي، فهي عندهم صِحَاح. وقالوا: مَراسِلُ عطاءٍ والحَسَنِ لا يُحْتَجُّ بها؛ لأنّهما كانا يأخُذان عن كلِّ أحدٍ، وكذلك مراسلُ أبي قَلاَبَةَ وأبي العاليةِ. وقالوا: لا نعملُ بتدليسِ الأعْمَشِ؛ لأنّه إذا أَوْقَّفَ أحالَ على غير مَلِيءٍ، يَعْنُونَ: على غير ثِقَةٍ، إذا سُئلَ عمّن هذا؛ قال: عن مُوسَى بن طَريفٍ، وعبايةَ بنِ ربعيٍّ، والحسنِ بنِ ذَكْوَانَ (١). وقالوا: نعمَلُ بتدليسِ ابن عُيَيْنَةَ؛ لأنَّه إذا أوقَفَ أحالَ على ابنِ جُرَيجٍ ومَعْمَرٍ ونظائرِهِما. وقالوا: التَّدلِيسُ في مُحَدِّثي الكوفة كثيرٌ. وقال يزيدُ بنُ هارونَ: لم أَرَ في الكوفةِ أحدًا إلَّا وهو يُدَلِّسُ، إلَّا مِسْعَرًا وشَرِيكًا. وأمّا (٢) ابنُ المبارَكِ فكان يُحَدِّثُ عن الضّعفاءِ والمتروكينَ.

стр. 327

واختلف العلماء في مراسِلِ سعيد بن المسيَّب، فأكثرُ العلماءِ عوَّلُوا عليها؛ لصحَّةِ عَقلِهِ ودِينِه وثِقَتِه، وعليها عوَّلَ مالك ﵁. وهذا كلُّه إنَّما هو لقوله صلى الله عليه: "مَنْ كَذبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النَّارِ" (١). وقال رَجُلٌ لابنِ المُبَارَكِ: هل يمكنُ أحدٌ أنّ يَكْذِبَ على رسول الله ﷺ ؟ فأشار بيده وانتَهَرَهُ، وقال: وما الكَذِبُ!. وقال حَمَّادُ بنُ زَيدٍ: وَضَعَتِ الزّنادقةُ على رسول الله ﷺ اثْنَىْ عشرَ أَلْفَ حديث (٢)، بَثُّوها في النّاس، وكذلك (٣) مُسَيْلِمَة الكذّاب لَعَنَهُ الله. قال الإمام (٤): تخويف النَّبيِّ ﷺ أمَّتَهُ من النَّار على الكَذِبِ عليه, دليلٌ أنّه كان يَعْلَم أنّه سَيُكْذَبُ عليه. وقال ابنُ عَوْنٍ: لا تأخُذوا الحديثَ إلَّا عن ثِقَةٍ، أو عمّن يُشْهَدُ له بالطَّلَبِ (٥). وقال (٦): إنّ هذا العلم دِينٌ، فانظُروا عمّن تأخذونَه (٧).

стр. 328

المرتبةُ الثّالثةُ: في معرفة الحديث المقطوع والمقطوعُ هو أنّ يقطع المحدِّثُ جميع السَّنَد، كقول مالك (١) وغيره من أهل العلم: قال رسولُ الله ﷺ كذا وكذا, ولم يذكر من حدَّثَهُ بذلك، فهذا هو المقطوعُ من الحديث عند جماعةِ المُحَدِّثينَ. المرتبةُ الرابعةُ: في معرفة البلاغ وهو أنّ يقول العالم: بلغني أنّ رسول الله ﷺ قال كذا وكذا, ولا يقف على من حدّثه، لكنه بلغه إمّا مشافهةً وإمّا سماعًا. المرتبةُ الخامسة (٢): في معرفة الحديث الموقوف مثلُ قولِ مالكٍ (٣): عن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن عمر (١)؛ أنّه قال: مَنْ باعَ عبدًا وله مالٌ، فمَالُهُ للبائعِ إلَّا أنّ يَشْتَرِطَهُ الْمُبتَاعُ. ومثلُ قولِ مالكٍ: عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرجِ، عن أبي هريرةَ؛ أنّه قال: كذا وكذا, ولم يذكر من حدّثه، فهذا وشبهه من الحديث موقوفٌ، لا يذكرُ الصّاحِبَ ولا مَنْ سمِعَه من النّبيّ ﷺ .

стр. 329

فصل في معرفة الرِّواية والمناولَة والإجازة وقولُ العالِم حدَّثنا وأخبرنا هل هما واحدٌ أم لا ؟ قال الإمامُ الحافظُ: فإن قال قائل: كيف يصِحُّ اليوم أنّ يقول القارئ لكتاب "الموطَّأ": حدّثني يحيى عن مالك، ولم يحدِّثه (١)؟ وإنما هو نقل تواتر؛ لأنّ الخبر على ضربين: تواتر وآحاد. فالتَّواترُ: ما يقعُ العِلْمِ بعَقِبه ضرورة (٢)، وما لم يقع العِلْمِ بعقبه فليس بتواترٍ. وقال جماعة من المحدِّثين: إنّ التَّواتُرَ ما عُلِمَ خبرُهُ ضرورةً. وقيل: الأخبارُ على ثلاثةِ أقسامٍ: تواتر؛ وهو الَّذي ينقله العَدَدُ الكثيرُ عن الكثيرُ، وهو يُوجِبُ العِلْمَ الضروريَّ لسَامِعِهِ، كعِلْمِنا أنّ الكعبةَ بمكّةَ، وأنّ الرّسولَ مقبورٌ بالمدينةِ.

стр. 330

والثاني: خَبَرُ الاستفاضةِ، وهو الَّذي نقَلَهُ عددٌ وانتشر، لكنه لم يبلغ التّواتر، ولا يوجد له مُنْكِرٌ (١). فإن قال قائل: هل أخبرنا وحدّثنا واحدٌ أم لا؟ فالجواب عن ذلك (٢): أنّ بعض المحدِّثين قال: حدّثنا أبلغ من أخبرنا؛ ولأنّ الخبر قد يكون صفة للموصوف، والمُخْبِرُ من له الخبر. وقيل: الْمُخْبِرُ هو الواصفُ للموصوفِ، فكلُّ مُخْبِرٍ واصفٌ، وكلُّ واصِفٍ مُخْبِرٌ، وهو مذهبُ مالكٍ في أخبارِ الآحادِ أنها تُوجِبُ العملَ دونَ العِلْم عند العلماء (٣)، وهذا أشهر عند العلماء من أن يُحتاج فيه حكاية عن مالك؛ لأنّه أصلٌ من أصول الحديث، وعليه العلماء من لَدُن الصّحابة إلى زماننا هذا على قَبُولِ خَبَرِ الواحدِ، وإيجابِ العمَلِ به إذا ثيتَ، ولم ينسخه غيره من أَثَرٍ أو إجماعٍ، وعلى هذا أجمعَ الفقهاءُ في كلِّ عصرٍ، إلَّا طائفة من الخوارجِ وأهل البِدَعِ (٤). وأمّا الرِّوايةُ، فهي نوعٌ من كتاب الأخبار، وكتابُ الأخبار أصلٌ من أصول الفقه، عليه مدار أكثر الأحكام. وأما تحصيلُ الرَّوايةِ، فلها خمسُ صُوَرٍ على حَسَبِ ما تقدّمتِ الإشارةُ: الصّورة الأولى: قراءةُ العالِم على النّاس ولا خلافَ فيها، وهي أصلُ الدِّينِ، وكذلك أخذَ النّبيُّ ﷺ عن جبريل، وكذلك أخذ

стр. 331

جبريل عن ربِّ العالمين، وكذلك قال الله تعالى للنّبيِّ ﷺ : ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (١) الآية. الصّورةُ الثّانيةُ: هي القراءةُ على الشّيخ (٢) وهي التي ثبتت عن النَّبيِّ ﷺ في قوله: "الَرِبَاطُ يَوْمِ في سَبِيلِ الله" (٣) الحديث (٤). وله نظائر كثيرة، ولا خلافَ فيه. الصّورةُ الثّالثةُ: سماعُه منه لما يعرض ويقرأ عليه كما فعل أنس في قصَّة ضِمَام (٥)، وكما فعلَ جميعُ الصّحابةِ. الصّورةُ الرّابعةُ: وهي المناولةُ وهي ثلاثة أنواع: - إمّا أن تكونَ من يَدِ الشّيخِ كفاحًا (٦)، كما فعلَ النّبيُّ ﷺ مع عبد الله بن جَحْش (٧). - وإمّا أن تكونَ بواسطةٍ، كما ثبتَ عنه صلى الله عليه حين أرسلَ إلى كِسْرَى (٨) وقَيْصَر وغيرهما على الخصوص.

стр. 332

- وإمّأ أن تكون بواسطة على العموم، كإرسال عمر المصاحف إلى الآفاق، وكما رُوي في الآثار من إرسال الكُتُب إلى القبائل (١). الصورة الخامسة: في الإجازة وهي على قسمين: - خاصّةٌ، كما يقول الرَّجُل للرَّجُل: أذنتُ لك في أن تحدِّث عني بكذا، لشيءٍ مُعَيَّنٍ. - أو يقولُ: حدِّثْ عنِّي، أو يقول له: أذِنْتُ لك في أن تحدِّثَ عنِّي بجميعِ رواياتي. واختلف النَّاسُ في المناولةِ خاصّة؟ فمنهم من قال: لا فائدةَ فيها، وكفى أن يحيلَهُ الشيخ على كتابه، أو يأذنَ له في الرِّواية. ولا شكَّ في أن التعيين مع الإذن أقوى من الإذن مطلَقًا؛ لأنّ التّعيين يرفعُ الإشكالَ وينفِي الاحتمالَ، ويمنعُ من تعيين غير الشّيخ، ويُوجِبُ الطّمأنينةَ واليقينَ للنَّفسِ. وأمّا مجرّد الإذن، فإن وجهَ الروايةِ على الشيخ شهادةٌ عليه، فإذا أسْمَعَكَ قوله، أو سَمِعْتَهُ منه، قصدَ إليك به أو إلى غيرك، وقد يحصلُ لك ما نقَلَه وشهد لك تَكرَارُكَ إذا قال لك: حدِّث عنِّي بكذا، فقد ألقَى إليك الرِّواية وقلَّدَكَ الشّهادة، فأداؤها صحيحٌ في الدِّين، وأصلٌ صحيحٌ عند جميعِ المحقِّقينَ (٢). قال الإمامُ الحافظُ: أنكرَ بعضُ المحدِّثين الاعتماد على الكُتُب، وقالوا: لا يُعَوَّلُ إلَّا على السّماعِ والحفْظِ، وقد كتبَ النبيُّ صلى عليه لأمير السَّرِيَّة في الدّعوة، وكتب الصّدقات عمر بن الخطّاب عند أبي بَكّرٍ.

стр. 333

وأنكر بعضُ المحدِّثين الإجازة، وقبِلَها بعضُهم. وقال بعضُهم: تُجزِىءُ في أمور الآخرة ولا تُجْزِىءُ في الأحكام، وهذا الحُكْم - بأنّ العدالةَ هي المنتقاة والإقرارَ للرّواية - هو الشرط المعوَّل عليه إن شاء الله. تنبيهٌ على مقصدٍ (١): اختلفت مقاصدُ المؤلِّفينَ في استفتاح كُتُبِهِم على ستَّةِ أنحاءٍ: ١ - فمنهم من بدأ بالوَحْيِ (٢). ٢ - ومنهم من بدأ بالإيمانِ (٣). ٣ - ومنهم من بدأ بالاستنجاء (٤). ٤ - ومنهم من بدأ بالوضوء (٥). ٥ - ومنهم من بدأ بالصلاة. ٦ - ومنهم من بدأ بالوقت (٦)، وهو أسعدُهُم في الإصابة؛ لأنّ الوحيَ والإيمانَ عِلْمٌ عظيمٌ مُنفَرِدٌ بنَفْسِه، إن ذَكَرَ منه قليلًا لم يُغْنِهِ، وإن ذَكَرَ منه كثيرًا صُرِفَ عمّا تَصَدَّى له. وأمّا من بدأ بغير ذلك، فإنّه لا يُلْزِمُ الاستنجاءَ ولا الوضوءَ ولا الصّلاةَ إلَّا عندَ دخولِ الوقتِ، ولذلك قال محقِّقو علمائنا -رحمة الله عليهم-: إنّه ليس في الشّريعة نَفْلٌ يُجْزِىءُ عن فَرْض إلَّا الوضوءُ قبلَ الوقتِ.

стр. 334

قال الإمام الحافظ: سمعتُ الشّاشي (١) بمدينة السلام يقولُ: إنّ الوضوءَ واجبٌ عليه في وقت غير مُعَيَّنٍ، فمتى فعَلَه أجزَأَه، وهذا ضعيفٌ لأنّه لا يَصِحُّ وجوبُ الفَرْعِ مع عدَمِ وُجُوبِ الأصلِ، ولا وُجُوبَ الشّرْطِ مع عدَمِ وُجُوبِ المشروط. قال: وإنّما بدأ مالك بذِكّرِ أوقاتِ الصّلاةِ في "كتابه"؛ لأنّه أوّل ما يراعَى من أمرِ الصّلاة؛ لأنه حينئذٍ يجب عليه فعلا الطّهارة بحَسَبِ وجوبِ الصّلاة، فكان الابتداءُ بذِكرِ أوقات الصّلاة أوْلَى في الرُّتبة، وبالله أستعين.

стр. 335

وقوتُ الصّلاة قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي: الكلامُ في هذا البابِ يشتملُ على ثلاثةِ فصولِ: الفصل الأوَّل: في الكلامِ على التّرجمةِ . الفصل الثاني: في شرح لغته. الفصل الثّالثُ: في معنى لفظ الصّلاة. قال الإمام الحافظ: اختلفت رُواةُ الموطأ عن مالك ﵀ في ترجمة هذا الباب على ثلاث رواياتٍ: الرِّوايةُ الأُولى: رَوَى عنه يحيى بن يحيى: "وُقُوتُ الصّلاةِ" الرِّوايةُ كما هي في كتابه (١). الثانية: رَوَى ابنُ بُكَيْر المصري: "بابُ أوقاتِ الصَّلاة" وكذلك وقع في أكثر الرِّوايات. الثالثة: روى ابن القاسم: "وقتُ الصّلاة". فأمّا يحيى بن يحيى فكأنّه ذهبَ في تبويبه في روايته "وُقُوت الصّلاةِ" إلى كثير العَدَدِ، ففي تبويبه دليلٌ على أن لكلِّ صلاةٍ ثلاثة أوقات. وأمّا رواية ابن بُكَيْر "أَوْقاتُ الصَّلاة" فإنّها تقع لِمَا دون العشرة، ففي روايته دليلٌ على أنّ لكل صلاة وقتين، إلَّا المغرب وَحْدَها فإنّ لها وقتًا واحدًا، وعلى هذا أكثر المالكيّة.

стр. 336

وأمّا ابنُ القاسم في روايته "وَقْتُ الصّلاة" فإنّ ها مُحتَمِلةٌ للمعنيين المذكورين؛ لأنّ "وقت" مصدرٌ، والمصدرُ يقعُ على القليلِ والكثيرِ. وهذه الأوقاتُ التي اختلفت فيها عباراتُ العلماء" هي أوقاتُ الاختيارِ، وأمّا غيرها من الأوقات فإنّ محمَّد بن مَسْلَمَة (١) ذكر في "النّوادر" (٢) أنّ الأوقات ثلاثة: وقت واجب، ووقت ضرورة، ووقت نسيان. ثم إنّه ذكر لكلِّ صلاةٍ وقتين كما ذكرناه. (٣)

стр. 337

الفصلُ الثاني (١) في شرح لغته قال الإمام: قد اتّفقَ أربابُ اللُّغةِ على أن فُعُولاَ جَمْعُ كثرةٍ، وأفعالًا جَمْعُ قِلَّة، وكذلك فَعَل مالكٌ، وذلك أنّه أدخل تحت هذه التّرجمةِ ثلاثةَ عَشَرَ وَقْتًا، كلُّ وقتٍ منها ينفَرِدُ عن صاحبه بحُكمٍ، ويغايِرُهُ من وَجْهٍ. وقيل (٢): وُقوتٌ جَمْعُ وقتٍ، ووقتُ الصّلاةِ يَتَّسِعُ لتَكْرَارِ فِعلِهَا مِرَارًا، وجميعُه وقتٌ لجَوَازِ فِعْلِها. وقيل (٣): وُقُوتٌ جَمْعُ وَقْتٍ، كقولك فَلْسَّ وفُلوسٌ. الفصلُ الثّالث في معنى لفظ الصّلاة والصّلاةُ في اللّغة تُتَصَوَّرُ على وجوهٍ: فمنها: الدُّعاء لقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ الآية (٤) ومنها: الاستغفارُ والتَّرَحُّمُ.

стр. 338

ومنها: الصّلاةُ على الجنائز. وقيل: الصّلاةُ من الله رحمةٌ (١)، ومنَ الملائكةِ استغفارٌ، ومنَ المؤمنينَ دُعاءٌ. وذهب عبد الوهّاب (٢) إلى أنّها مُجْمَلَةٌ، وإن هذا اللّفظ يقعُ على الرُّكُوعِ والسُّجودِ وسائر ما تشتمل عليه الصّلاة من سائر الأقوالِ والأفعالِ. وذهب علماؤُنا (٣) إلى أنّها لفظةٌ عامَّةٌ، إلا أنّها واقعةٌ على الدُّعاء فيها خاصّة، وأنّ سائرَ الأقوالِ والأفعالِ سردت فيها ومعانٍ تقترن بها. واشتقاق الصّلاة الّتي هي ركوعٌ وسجودٌ من الصَّلاَ، وهو عِرْقٌ في موضعِ الرِّدْفِ، وهما صَلَوَان. وقيل: هو العظمُ الّذي فيه مَغْرِزُ الذّنب، فمعنى قوله: صلّى فلانٌ، أي حنا ذلك الموضع. وقيل: هو السابق من المُصَلِّي من الخيل (٤)؛ لأنّ النبي ﵇ أوّل من صلَّى مع جبريل فكان سابقًا، وكان كلّ مَنْ بَعْدَه مُصَلِّيًا. وقيل: الصّلاةُ مأخوذة من التّصلية، من قولهم: صَليتُ العُودَ، إذا ليّنته بالنّار، وهو أن تُدْنِيهِ من النَّارِ إذا كان يابسًا، فإذا أصابه حَرٌّ النّار لاَنَ فيسهل تقويمُه، قالوا: فصلاةُ العبدِ من هذا؛ لأنّه إذا قام بين يَدَي الله تعالى أصابه من معرُوفِهِ ورحمتِهِ ما يلينُ به ويستقيم اعوجاجُه.

стр. 339

والصّلاة من ذوات الواو، والجَمْعُ صَلَوَات، وصَلَوَات اليهود كنائسهُم، واحدُها صلوتا فعُرِّبَت، ومنه قوله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ الآية (١)، إنّما أراد كنائسهم، والله أعلم. تنبيه على مقصد: فإن قيل: لِمَا قدّم الصّوامع والْبِيع والصّلوات على المساجد؟ فالجواب عن ذلك: أنّه إنَّما قدَّمَ ذلك لقرب الساجد من ذكر الله تعالى، كما قدَّمَ الظَّالم على المقتصِد والسّابق، لقُرْبِ السّابقِ من جنَّاتِ عَدْنٍ. والصّلواتُ كنائسُ اليهودِ. وقد جعلَ الله في الصّلاة خِصَالًا، منها أنْ جعل قيامها مقرونًا بالبِشَارة، وقراءتها مقرونة بالشّهادة، وركوعها مقرونًا بالمغفرة، وسجودها مقرونًا بالقُرْبَة. واعلموا أن للصّلاة سبعة أسماء: مفتاحٌ، وشِعَارٌ، ونُورٌ، وبرهانٌ، ورُكْنٌ، وتحريمٌ، وتحليلٌ. مفتاحُها: الوضوء، وشعارُها: الأذان، ونورُها: الرّكوع، وبرهانُها: السّجود، وركنُها: التَّشهْد، وتحريمُها: التكبير، وتحليلُها: التسليم. وقد فضَّلها اللهُ تعالى على سائر الطّاعات بأربعة أشياء: وهي الخضوع، والخدمة، والقُرْبَة، والمناجاة. السَّجدةُ في الصّلاة أفضل من الصّلاة، والقربةُ لله أفضل من السَّجْدَة. وبيان ذلك: أنّ السّجدة سببٌ للقُرْبِ، قال الله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (٢). وقيل: الصّلاة هي الطَّلَب، والسُّجود هو الوجود. وقد صرَّحَ الله جلّ ذِكْرُهُ بذكر الصّلاة، وسمّاها صلاة في أزيد من عشرة مواضع:

стр. 340

- الأول- قيل: سمَّى صلاةَ الخَوفِ صلاةً، فقال عزّ من قائل: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ الآية (١). - وسمَّى جميعَ الصّلواتِ صلاةً، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ الآية (٢) , كقوله (١): ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٣). - وسمى العبادةَ صلاةً، فقال: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ الآية (٤)، وما كانت عبادتهم إلَّا ضحكًا وتصفيقًا. - وسَمّى الخضوعَ صلاةً، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية (٥). - وسمى السَّجدةَ صلاةً، فقال تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٦). - وسمَّى قراءنَ الفَجْرِ صلاةً، فقال تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٧). - وسمَّى صلاةَ النّافِلَةِ صلاةً، فقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ الآية (٨). - وسمَّى القرآن صلاةً، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ (٩) أي بقراءتك. وفي القرآن من هذا كثيرٌ.

стр. 341

ذِكْرُ الأحاديثِ في هذا البابِ الّتي ساقَها مالكٌ في أوّل كتابِهِ في معرفة أوقاتِ الصّلاةِ الحديثُ الأولُ الّذي صَدَّرَ به مالك (١)، حديثٌ صحيحٌ متَّفَقٌ عليه (٢) وفيه فصول: الفصل الأول في إسناده وهو قوله (٣): "إنَّ المُغِيرَةَ أَخَّرَ الصَّلاةَ يَوْمًا" إلى آخره، هكذا رواهُ مالكٌ فيما بَلَغَنِى، وظاهرُ مَسَاقِهِ في رواية مالك يدُلُّ على الانقطاع، لقوله: "أَنَّ عُمَرَ بنَ عبدِ العزيزِ أَخَّرَ الصَّلاَةَ يومًا، فدخلَ عليه عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ" ولم يذكر فيه سَمَاعًا (٤) لا من عُرْوَة ولا سماعًا من ابن أبي مسعود، وهذه اللّفظةُ - أعني "أنّ" - عند جماعة المحدِّثين- محمولةٌ على الانقطاعِ حتَّى يتبيَّنَ السَّماعُ واللِّقاءُ. ومن المحدِّثين أيضًا من لا يَلتفِتُ إليها، ويَحْمِلُ الأَمْرَ على المعروفِ من مُجالَسَةِ بعضِهِم بعضًا (٥)، وأخذِ بعضِهِم عن بعضٍ، فإن كان معروفًا لم يسأَلْ عن هذه اللَّفظةِ، وكان الحديثُ عنده على الاتِّصالِ.

стр. 342

قال الشّيخ (١): وهذا أشبه أنْ يكونَ مذهبَ مالكٍ ﵁؛ لأنه في "مُوَطئِه" لا يفترق بين شيء من ذلك. قال علماؤنا (٢): هذا حديث مُتَّصِلْ صحيح مُسنَدْ عند جماعة أهل النقل، و"أنَّ" في هذا الموضع محمولةٌ على الاتِّصال حتى يتبيَّنَ الانقطاع" (٣). وفي روايتهم (٤) عن ابن شهاب في ذلك؛ أنّ الصّلاة التي أخَّرَهَا عُمَرُ هي صلاةُ العصرِ، وهي الصّلاة التي أَخَّرَها الْمُغِيرَة أيضًا. وليس في روايتهم في هذا الحديث أكثر من أنّ جبريل ﵇ صلى برسول الله ﷺ خمس صلوات في أوقاتهنّ على ما في ظاهر الحديث. وليس في رواية هؤلاء أيضًا ما يدلُّ على أنَّ جبريلَ صلى به مرَّتين، كل صلاةٍ في وقتين، فتكونُ عشر صلوات كما في سائر الأحاديث المرويّة في إمامة جبريل. وفي حديث مَعْمَر وابن جُرَيْجٍ عن ابنِ شهابِ؛ أنّ النّاس صَلَّوا خَلفَ رسولِ الله ﷺ حين صلَّى به جبريل ﵇ (٥). قال الإمام: والصحيح أنّ جبريل نزلَ من الْغَدِ من ليلةِ الإسراءِ على رسولِ الله ﷺ ، فأقام له وقت الصّلاة على السَّعَة في اليومين، وبذلك جاءتِ الآثارُ الْحِسَانُ المتَّصلةُ في إمامةِ جبريل من حديث ابن عبّاس وجابر بن عبد الله الأنصاري وأبي سعيد الْخُدريّ (٦).

стр. 343

واختلف النَّاس في تاريخ الإسراء: فقال الذهبي: أُسْرِيَ برسول الله ﷺ بعد مَبْعَثِهِ بثمانيةَ عشرَ شَهْرًا (١). وقال ابنُ. سُحنون: أُسْرِيَ برسول الله ﷺ ليلةَ سبعٍ وعشرينَ من ربيعِ الأوَّلِ قبلَ الهجرة بسَنَةٍ، وفُرِضَت الصَّلاةُ عليه (٢). وقال مُوسَى بنُ عُقْبَةَ، عن ابن شهاب: إنّ الإسراءَ كان قبلَ الهجرةِ بسَنَةٍ (٣). ورُوِيَ عن ابنِ شهابٍ؛ أنّ الصلاة فُرِضَتْ بمكَّةَ بعد ما أَوْحَى اللهُ إليه بخَمْسِ سنينَ (٤). وهذه آثار مختلفة، والصّحيح منها -إن شاء الله-؛ أنّ الإسراء كان قبل الهجرة بسَنَة. واختلف النَّاسُ هل كان رسولُ الله ﷺ يستقبلُ بصلاته وهو بمكّة الكعبة أم لا؟ على قولين عن السَّلَف مَرْويَيْن: - أحدُهما: أنّه كان يستقبلُ بمكَّة الكعبة بصلاتِه، فلمّا قَدِمَ المدينة استقبلَ بيتَ المَقْدِسِ سِتَّة عشرَ شهرًا (٥)، أو سبعةَ عشرَ شهرًا (٦). - وقيل: إنّه كان يستقبلُ بمكَّةَ بيتَ المَقْدِسِ (٧).

стр. 344

والصَّحيحُ أنّه كان يستقبِلُ الكعبةَ والبيتَ أحيانًا، والله أعلم. وقال الشيخ أبو عمر (١): "إنّه كان يستقبِلُ بمكَّةَ الكعبة، فلمّا قدِمَ المدينةَ استقبَلَ بيتَ المَقْدِسِ ستّةَ عشرَ شهرًا، أو سبعةَ عشرَ شهرًا، ثمّ وجّهه اللهُ إلى الكعبة، وهذا أصَحُّ القولينِ عندي". والقول الثاني: روى يُونُسُ بنُ بُكَيرٍ عن ابنِ إسحاقَ؛ قال: إنّ جبريلَ أتى رسولَ الله ﷺ صبِيحَةَ الإسراءِ، فهمزَ له بِعَقِبِهِ في ناحية الوادي، فانفَجَرَتْ عينٌ من ماءٍ، فتوضَّأَ جبريلُ ورسولُ الله ﷺ يَنْظرُ إليه، فتوضَّأَ إلى الكعبين (٢) ونَضَحَ فَرْجَهُ، ثمّ قامَ فصلَّى ركعتين وأربعَ سَجَدَاتٍ (٣). وهذا- والله أعلم- إنما أخذَهُ ابنُ إسحاق من حديث زَيْد بن حارثة، رواه عُقَيلُ ابنُ خالدٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروَةَ، عن أُسامَةَ بنِ زَيْدٍ، عن أبيه زَيْدِ بنِ حارثةَ؛ أنّ رسولَ الله ﷺ أوّل ما أُوحِيَ إليه أتاهُ جبريلُ فعلَّمه الوضوءَ والصلاة، فلما فرغ من الوضوء، أخذ غَرْفَةً من ماء فنضح بها فَرْجَهُ (٤). قال الشّيخُ- أَيَّدَهُ الله (٥) - قوله: "أوَّلُ ما أوحِيَ إليه في الصّلاة" وهذا يدلّ على أنَّه

стр. 345

لم يُصَلِّ قَطُّ صلاةً بغيرِ طَهُورٍ، ولهذا قال مالك في آية الوضوء، وآية الوضوء وإن كانت مَدَنِية والصّلاة مكيَّة، فإنّ مالكًا روَى في حديث عِقْد عائشة فقال: وهم على غير ماء فنزلت آية التَّيَمُّم، ولم يقل: ونزلت آيةُ الوضوء دليل على أنّ الوضوء كان قبل. تنبيه على مقصد: اختلف العلماء -رضوان الله عليهم- هل كان رسولُ الله ﷺ يصلَّي قبلَ الإسراءِ أم لا؟ فقالت جماعة المُحَدِّثين: إنّ رسولَ الله ﷺ لم يكن يصلِّي قبلَ الإسراءِ صلاةً مفروضةً، إلَّا ما كان أُمِرَ به من قيام اللّيلِ من تحديد ركعاتٍ معلوماتٍ لا في وقتٍ مَحْصُورٍ. وقال جماعةُ الفقهاءِ الّذين ليسوا من أهل النَّقل للحديث، مثل ابن حبيب وغيره: إنّ رسول الله ﷺ كان يصلِّي ركعتين بالغَدَاةِ وركعتين بالْعَشِىِّ، ويصومُ ثلاثة أيام من كلِّ شهر، وتأوَّلَ فيه قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (١) وقال: هي صلاة مكَّة حين كانتِ الصّلاةُ ركعتين غُدوة وركعتين عشيّة، ولم يزل ذلك فرض الصلاة حتى أُسْرِيَ برسول الله ﷺ ففرضت الصلواتُ الخمسُ. قال الإمامُ الحافظُ: وهذا الّذي رواه عبد الملك بن حبيب باطلٌ لا أصلَ له عند جماعة المحدِّثين، ولا ثبت نَقْلُه، وقد تابعه عليه جماعة من أهل الفقه في مصنّفاتهم، وهي لا تثبتُ بوجهٍ ولا على حالٍ. قال أبو عمر: "ولم يختلف العلماءُ أنَّ فرضَ الصّلاةِ كان في الإسراءِ, وأنّه قد تقرَّرَ إجماعُ الأُمَّة على عَدَدِ فَرْضِ الصّلاةِ، وأنّها خمس صلوات وعدد ركوعها وسجودها، غير أبي حنيفة فإنّه شَذَّ وزاد أنّ الوتر فرضٌ (٢)، وليس ذلك في حديث الإسراءِ، وأدخل البخاريُّ (٣) حديثَ عائشة، فبيَّنَ أنّ الصّلوات المفروضات على رسول الله ﷺ خَمسٌ."

стр. 346

الفصل الثاني (١) في شرح ما تقدَّم ذِكْرُهُ من حديث جبريل ﵇ قال الإمام: ذكَرَ مالكٌ (٢) حديثَ جبريلَ مُعَدَّدًا على خمسِ، وفي حديث مسلمٍ؛ أنّه مُعَدَّدٌ على عَشْرٍ (٣)، وذكَرَهُ مالك مُجْمَلًا، وكذلك ذكَرَهُ مسلمٌ (٤) وغيرُه (٥)، من طريق ابنَ عَبَّاسِ وغيرِه مُفَسَّرًا؛ أنّه قال: "أَمَّنِي جبريلُ عند البيت مرَّتينِ" الحديث إلى آخره. قال الإمام: وفيه نُكتَةٌ بديعةٌ أَغفَلَهَا علماؤُنا -رحمة الله عليهم-، وذلك قوله: "فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ في الْيَوْمِ الأَوَّل" معناه: ابتداءً، وكذلك في جميع الصّلوات،* "وَصَلَّى بِيَ الظُّهرَ في اليومِ الثاني" معناه: فرَغَ من جميعِ الصّلواتِ* وبذلك يتحدَّدُ الأوَّلُ من الأوقاتِ.

стр. 347

إشكَال وحَلُّهُ: فإذا: ثبت هذا، فجاء في لفظ الحديث: "وَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ في اليَوْمِ الثَّاني حِينَ صارَ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثْلَهُ لِوَقتِ الْعَصرِ بِالأَمْسِ" فاحتَمَلَ أنّ يكونَ معنى قوله "فَصَلَّى" بدأ أو خَتَمَ، فأنشأَ هذا بين العلماء اختلافًا في اشتراك الظُّهر والعصر، وتالله ما بينهما اشتراكٌ، ولقد زَهَقَتْ فيه أقدام العلماء، ولأنّه إن لم يكن معنى قوله: "وَصَلَّى بِي الظُّهْرَ في اليوم الثّاني حينَ صارَ ظلُّ كلِّ - شيءٍ مثلَهُ لوقتِ العصر بالأمسِ": فَرَغَ، لم يَكُن بيانٌ، وإن كان معناه: فَرَغَ ضرورةً، لم يكن اشتراكٌ، فتبيَّنَ بهذا أنَّ رسول الله ﷺ بدأ في اليوم الأوّل بالعصر حينَ صارَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه، وفَرَغَ في ذلك اليوم من الظّهر، فصارَ آخرُ الظُّهرِ أوَّلُ العصرِ، والله أعلم. إلحاقٌ: كما ثبتَ وبيَّنَهُ جبريلُ للنَّبىِّ ﷺ ، كذلك بَيَّنَه رسولُ الله ﷺ للسّائل في حديث أبي موسى الأشعريّ وغيرِه الّذي أدخل مالك منه جزءًا وترَكَ سائِرَهُ، إذ لم يَبْنِ كتابه على التّطويلِ والاستيفاءِ، وخَصَّ مِمّا ذكَرَ صلاةَ الصُّبحِ. وكانت الفائدةُ في ذلك أنّ يبيِّنَ أنّ في الصُّبحِ وقتًا واسعًا اختياريًا مُتَعَدِّدًا، ردًّا على من يقولُ: إنّه واحدٌ وإنَّه وقتُ ضرورةٍ. كشفٌ وإيضاحٌ: نزَلَ جبريلُ ﵇ مأمورًا مكلَّفًا بتعليم النّبيِّ صلى الله عليه لا بأصل الصّلاة؛ لأنّ الملائكةَ وإن كانوا مُكَلَّفِينَ فَبِغَيْرِ شرائِعِنا, ولكنّ الله تعالى كلَّفَ جبريلَ ﵇ الإبلاغَ والبيانَ، كيف ما احتِيجَ إليه قولًا وفعلًا. تنبيهٌ: فإن قال قائل: ما حُجَّة من قرأ "بهذا أُمِرْتُ" بضم التاء؟ قيل له: إذاكان هذا، صَحَّ أنّ يُخْبِرَ به جبريلُ عن نفسه، وإن قرأها:، بهذا أُمِرتَ"

стр. 348

بفتح التاء (١)، فمعناه: أنّ الّذي أُمِرْتَ به البارحةَ من الصّلاةِ مُجَمَلًا، هذا تفسيرُه اليومَ مُفَصَّلًا، وهو الأقوى في الرِّوايتين. وبهذا يتبيَّنُ بُطلانُ قولِ من يقولُ: إنّ في صلاة جبريلَ ﵇ جوازَ صلاةِ المُعَلِّمِ بالمتعلِّمِ، أو المُفْتَرِضِ خلْفَ المُتَنَفِّلِ، والكلامُ معهم على هذه المسألة مُشْكِلٌ جدًّا. حديث: قوله (٢): وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ في حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ. قال الإمام: إنّما أدخل مالك ﵁ هذا الحديث وقَصَدَ به تبيين تعجيل صلاة العصر، وذلك (٣) إنَّما يكونُ مع قِصَرِ الحيطانِ، وإنما أراد عُرْوَةُ بذلك ليُعْلِمَ عمرَ ابنَ عبدِ العزيزِ، عن عائشة. أنّ النّبيَّ ﷺ كان يُصَلِّي العصرَ قبل الوقت الّذي أخَّرها عمرُ إليه، وفيه للعلماء ثلاثة ألفاظ: اللّفظ الأول: قولُه: "قَبْلَ أنّ تَظهَر". قيل معناه: قبل أنّ يظهرَ الظِّلُ على الجِدِار، يريدُ: قبل أنّ يرتفعَ ظلُّ حُجرتها على جِدَارها (٢)، وكلُّ شيءٍ علا شيئًا فقد ظهر، قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ الآية (٤)، أي يعلوه.

стр. 349

وقال (١) الهَرَوِيّ (٢) في قوله: "لم تظهر" أي: لم تعل السَّطح (٣). ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ (٤) ومنه الحديث الآخر: "لا تزالُ طائفةٌ من من أمَّتي ظاهرينَ على الحَقِّ" (٥). أي: عالين عليه. وقال الجعدي (٦) في ذلك: بَلَغْنَا السَّمَاءَ مَجْدَنَا وَجُدُودَنَا ... وَإِنَّا لَنَرْجُوا فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرَا الثاني: قيل معناه: حتى يخرج الظِّلَّ من قاعة الحُجْرةِ، وكلُّ شيءٍ خرجَ أيضًا فقد ظَهَرَ. *والحجرةُ: الدّارُ إذا كانت ضيِّقَة امتنع ارتفاعُ الشّمس منها, ولم يكن موجودًا فيها إلَّا والشمس مرتفعة في الأُفُقِ جدًّا* (٧). فالحجرةُ: الدّارُ، وكلُّ ما أُحِيطَ به حائطٌ فهو حُجْرةٌ، وفيه دليلٌ على قِصَرِ بُنْيَانِهِم. رَوَى الحسن بن أبي الحسن البصري ﵁ أنّه قال: كنتُ أدخلُ بيوتَ رسولِ الله ﷺ وأنا مُحْتَلِمٌ، فأنالُ سُقُفَها بيدِي، وذلك في خلافة عثمانَ (٨).

стр. 350

قال الأوزاعيُّ: كان عمر بن عبد العزيز يصلِّي الظُّهرَ في السَّاعةِ الثامنةِ، والعصرَ في السَّاعةِ العاشرةِ (١) حينَ يدخُل (٢). وفي هذا الحديث فوائد: الفائدة الأولى (٣): فيه دليلٌ على قَبُولِ خَبَرِ الواحدِ، لأنّ عمرَ قَبِلَ خبرَ عُرْوَة وحدَهُ فيما جَهِل من أَمْرِ دِينِهِ. لأنّ عمر كان لم يَصِلْه الحديث فأنكره عليه. وأمّا قولنا: "إنَّه دليلٌ على قَبُولِ خَبَرِ الواحدِ" إنّما هو على الشّبهة، فإن قَبُولَ خَبَرٍ الواحدِ مستفيضٌ عند النّاس، مُسْتَعْمَلٌ لا على سبيل الْحُجَّةِ؛ لأنّا لا نقولُ: إنَّ خبرٍ الواحدِ حُجَّة في قَبُولِ خَبَرِ الواحدِ على من أنكرَهُ. الفائدة الثانية (٤) في هذا الحديث: هو ما كان عليه السَّلَف والعلماء من صُحْبَةِ الأُمُراءِ، وكان عمر بن عبد العزيز يَصْحَبُ جماعةً من العلماءِ، منهم: رَجَاء بن حيوةَ، وابن شهاب، وعُروَة، وعُبَيْد الله بن عبد الله، وَأَخْلِق بالأمير إذا صحب العلماء أنّ يكون عَدْلًا فاضلًا (٥). ورَوَى حمّادُ بنُ زَيدِ عن محمّدِ بن الزُّبير؛ أنه قال؛ دخلتُ على عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ فسألني عن الحَسَنِ كما يسألُ الرَّجُلُ عن وَلَدِه، وقال: وكيف طُعْمَتُه؟ وهل رأيتَهُ

стр. 351

يدخلُ على عَدِيِّ بن أَرْطَأَة؟ وأين مجلِسُهُ منه؟ وهل رأيتَهُ يَطْعَمُ عند عَدِيِّ؟ فقلتُ له: نعم (١). وكانوا يقولون: خيرُ الأمراء من صحِبَ العلماء، وشرُّ الأمراء من بَغَضَ العلماء، وشرُّ العلماء من صَحِبَ الأمراء إلَّا من قال الحقّ، وأمر بالمعروف، وأعان الضّعيف. حديث ثان: وفيه فصول: الفصل الأول (٢) في الإسناد مالكٌ (٣)، عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ، عن عَطَاء؛ أنّه قال: جاءَ رَجُلٌ إلى رسول الله ﷺ فسأله عن وقتِ صلاةِ الصُّبحِ. الحديث. قال الإمام الحافظ ﵁: لم تختلف الرواية عن مالكٍ في إرسالِ هذا الحديثِ، وقد نُقِلَ معناهُ من وجوهٍ صِحَاحٍ مُتَّصلةٍ، من حديث جابرِ، وأبي موسُى، وعبد الله بن عَمْرو، إلَّا أنّ فيها سؤال السائل لرسولِ الله ﷺ عن مواقيت الصّلاة جملةً، وأجابه فيها كلّها في الصُّبح بمعنى حديث مالك. وقد رَوَى حُمَيْد الطَّويل (٤)، عن ابِن عُيَيْنَةَ حديثًا مثل هذا. والصّحيحُ في حديثِ

стр. 352

عطاء الإرسال كما رواه مالك، وحديثُ حُمَيْد الطَّويل عن أنس حديثٌ صحيحٌ مُتَّصِلُ الإسنادِ (١). الفصل الثاني في سرد الأصول وفيه فوائد: الفائدة الأولى (٢): قوله (٣): "حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ": يحتَمِلُ أنّ يكون أراد البيان للجماعة؛ لأنّه لو أخبر القائل لانفردَ السْائلُ بذلك، والصّلاةُ جامعةٌ يحضرُها كثيرٌ من الصّحابة، فيكونُ ذلك تعليمًا للجميعِ. واختلَفَ المتكلِّمونَ من أهلِ الأصولِ في هذا الحديث، هل يقتضي تأخير البيان أم لا، على قولين: فقال قومٌ: ليس هذا من تأخيرِ البيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ. والفرقةُ الثّانيةُ أجازَتة، واحتجَّت بهذا الحديثِ. فأمّا الأبهَرِيُّ وغيرُه من الشّيوخِ فمَنَعُوا منه (٤).

стр. 353

وجوَّزَهُ القاضي أبو بكر بن الطَّيِّب الباقّلانيّ (١) وجمهورُ أصحابهِ (٢)، وقالوا (٣): قد كان النَّبيُّ ﷺ قادرًا على أنّ يُبَيِّنَ للسائل ميقات تلك الصّلاة وسائر الصّلوات بقوله في مجلسه ذلك، ولكنّه أخَّر ذلك ليبيِّنَه عملًا وقولًا وفعلًا (٤). ولذلك قال علماؤنا (٥): "قد يكونُ البيانُ بالفعل -فيما سبيلُه العَمَلُ- أثبتَ في النّفوسِ من القولِ، دليلُه قوله ﵇: "لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ" رواه ابنُ عبْاسٍ عنه (٦)، ولم يَرْوِهِ غيرُه". ووقتُ الخطابِ بالصّلاةِ وبيان أحكامها وأوقاتها قَد تقدَّمَ قبل السُّؤال؛ لأنّه لم يسأل إلَّا عن عبادةٍ ثابتةٍ، ولم يختَلِفْ أحدٌ في أنَّ للنَّبيَّ ﷺ أنّ يؤخِّر جواب السّائل، وقد فعَلَ ذلك في أشياء كثيرةٍ، وقد تكلَّم العلماءُ في تأخير جوابِ السّائلِ، وما في ذلك من التغريرِ بفوَتِ العِلْمِ، لجوَازِ أنّ يكونَ السّائلُ قد ماتَ قبْلَ وَقْتِ التّعليمِ الّذي أُخِّر إليه. والجوابُ هو: أنّ النَّبيَّ ﷺ إنما حملَ ذلك على العادةِ واسْتِصْحَابِ الحَالِ (٧). وأيضًا: فإنّ الظّاهر من هذا الحديث أنّه سأل من بعد صلاة الصّبح من يوم سؤاله؛ لأنّه بدأَ بتعلِيمِهِ من صلاة الصُّبحِ من الغَدِ، فلم يتخلّل بين وقتِ السُّؤال ووَقْتِّ التَّعَلُّمِ وقت صلاة يخافُ عليه فيها الجَهْل بالوَقْت. وعلى قولنا: إنّه سأل عن تحديد الوقت، فالأمرُ أسهل، ووجه جَوَازِ التأخيرِ أبين، ولو مات السائلُ قبلَ وقتِ التّعليمِ، لكان قد

стр. 354

أُثِيبَ على بحثه وسؤاله عن العِلْمِ. قال الشّيخ أبو عمر ﵁ (١) -: "لم يمتنع رسولُ الله ﷺ عن الجوابِ له، لِمَا يخافُ عليه من اخْتِرَامِ المَنِيَّةِ؛ لأنّ الله تعالى قد أنبَأَهُ* بأنّه لا يفوته سائله -والله أعلم- وأنّه قد أَوْحَى إليه* أنّه لا يَقْبِضُه حتّى يُكمِلِ به الدِّينَ، وُيبَيِّنَ للأُمَّةِ على لسانه ما يُتَوَصَّلُ به إلى معرِفَةِ الأحكامِ، وكذلك فعلَ ﷺ ". الفائدة الثانية (٢) في هذا الحديث: أنّ أوَّلَ صَلاةِ الصُّبْحِ طلوعُ الفَجْرِ، وأنّ آخِرَ وقتِها ممدودٌ إلى الإسفارِ. وقوله: "صلَّى الصُّبْحَ حينَ طلعَ الفجرُ" يريدُ بعدَ أنّ طلعَ الفجرُ، ولكنَّه جاءَ باللَّفظِ على المبالغةِ. وكذلك قولهُ: "بَعْدَ أنّ أسْفَرَ" إنّما يريدُ بعد أنّ بدأ الإسفار, لأنّه لو صلَّى بعد جميع الإسفار، لكانت الصّلاةُ عند طلوع الشّمسِ، وإنّما قصدَ من ذلك إلى الإخبار بتقديم الصّلاة في أوّل ما يمكن فعلها فيه، وتأخيرها إلى طلوع الشّمس، وهو آخر ما يمكن فعلها فيه. الفائدة الثالثة (٣): في هذا الحديث: بيان أنّه ليس لصلاةِ الصُّبحِ وقتَ ضَرُورةٍ، وأنّ وقتَ الاختيارِ لها متَّصِل بطلوعِ الشّمسِ، وقد. اختلفَ عن مالكٍ في ذلك، فمرَّةَ قال: ليس لها وقت ضرورةٍ (٤) على مقتضى الحديثِ، ومرّةَ قال: لها وقتُ ضرورةٍ.

стр. 355

فأمَّا ما يقتضي أنّ جميع وقتها وقت اختيار: أنّ من رجا أنّ يُدْرِك الماءَ قبلَ طُلوعِ الشّمسِ لم يتيمّم، فلو كان وقت الاختيار إلى الإسفار، لرَاعَى الإسفارَ في جوازِ التيمُّمِ، كما راعَى مَغِيبَ الشَّفَقِ في التّيمُّمِ للمغربِ. الفائدة الرّابعة: صلَّى الصُّبْحَ في اليومِ الثّانِي حينَ طلعَ الفجرُ، وطلوعُ الفجرِ هو ظهورُهُ في الأُفُقِ. والفجرُ (١) عندنا هو البياضُ -أعني بياضَ النّهارِ- الظّاهِرُ في الأفُقِ المُنْتَشِرِ المُسْتَّطيرِ البيِّنِ المستنيرِ، تُسَمّيه العربُ الخيط الأبيض، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ الآية (٢) يريد بياض النَّهارِ من سَوَادِ اللَّيلِ، قال أبو دُؤَادٍ الإيادِيُّ (٣): فَلَمّا أضَاءَت لَنَا سُدْفَةٌ ... وَلاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا وتسميه العرب أيضًا الصَّديع، ومنه انصداع الفجرِ. والفجرُ مصدرٌ من قولهم: فجر الماء وتفجَّر فجرًا، إذا جرى وانبعثَ (٤). والفجرُ فجران، فالأوّل تسمِّيه العرب الكاذب، وهو البياضُ المرتفعُ في الأُفُقِ، وُيشَبَّهُ بذنب السّرحان لارتفاع ضوئه، لا يحل الصّلاة ولا يحرّم الطّعام. والفجر الثاني هو الصّادق، وهو المعترض في الأفُقِ، آخذا من القِبْلةِ، إلى دُبرِ القِبلَة، وهو الّذي يحرِّمُ الطعامَ ويحلِّلُ الصّلاةَ.
следующие страницы →