← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

وضبطهم لذلك، فيؤدِّي ذلك إلى إبطال الحقوق، فلذلك يثبت فيه اليمين بغير خُلْطَةٍ. فرع آخر: والصُّنَّاعُ يتعيَّن عليهم اليمين لمن ادَّعى عليهم في صناعتهم دون إثبات خلطة، قاله يحيي بن عمر، وقال: لأنّهم نصبوا أنفسهم للناس، وكذلك التّجار، غير أنّ الفرق بينهما أنّ الصُّنَّاعُ نصبوا أنفسهم لمّا يُوجِبُ عليهم المطالبة بالعمل والمعمول خاصّة، دون أنّ يكون لهم على أحدٍ مطالبة بمثل ذلك. قال علماؤنا (١): وانّما تجبُ اليمينُ في الدَّعَاوى مع تحقيقها وتحقيق الإنكار، ولو قال: أظنَّ أنّ لي عليك حقًّا أو كذا، لم يلزمه يمين، وكذلك من قال: أظنُّ إنِّي قضيتُك حقَّك، لزمه أداؤه، ولا يمين على الطّالب حتّى يحقّق يمينه، قاله في "الموازية". فرع آخر: فإذا لم تكن خلطة، إلّا أنّ المدَّعَى عليه مُتَّهَمٌ، فهل يجب عليه يمين بمجرَّد الدَّعوَى؟ قال سحنون: يُحَلَّفُ، والمشهور من المذهب المنع من ذلك، واحتج بأنّ للتُّهمةِ تاثيرًا في الأحكام؛ لأنّ مالكًا قال في امرأةٍ ادّعت أنّ رجلًا ممَّن يُشارُ إليه بالخَير استكرهها أنّها تُحَدُّ، وإن وإن لا يُشارُ إليه بذلك نَظَرَ الإمامُ فيه، فالتُّهمةُ تُوجِبُ ما تُوجِب الخلطَة. قال الإمام: ووجه القول الثّاني: أنّ حُكمَ العدلِ والفاجرِ في الأَيمَانِ الَّتي تتحقَّقُ فيها الدّعاوى سواء، وإنّما يختلفان في يمين التّهمة، واللهُ أعلمُ. الفصل الثّاني في تفسير معنَى الخُلْطَة أمّا الخُلْطَةُ، فروى أَصبَغُ عن ابنِ القاسم في "العُتبيَّة" (٢) قال: "هي أنّ يُسالِفَهُ

стр. 3047

فيبيعُه ويشتري منه" وكذلك قال سحنون (١): ولا تكون الخُلْطَةُ إلّا بالبيعِ والشّراء (٢)، ولا تثبتُ بينهما الخُلْطَة بكونهما في السُّوق (٣)، ولا الاجتماع في المسجد للصّلاة والأُنس والحديث. الفصل الثّالث وأمّا ما تثبت به الخُلْطَة، فإقرارُ المدَّعى عليه بها، أو ببينة تَشهَدُ بها، قاله محمَّد. وأمّا من أقام شاهدًا بالخُلطَة؟ ففي "المجموعة" عن ابن كنانة: أنّ شهادة رجل وامرأة تُوجِبُ اليمينَ أنّه خليطه (٤). ورُوِيَ عن ابنِ القاسم (٥) في "المدنيّة" مثله في الشّاهد. وقال محمّد: إذا أقام بها شاهدًا، حَلَفَ المدَّعي معه وتثبت الخُلّطَة، ثمّ يَحْلِفُ حيئنذٍ المدَّعَى عليه. باب ما جاءَ في الحنثِ على مِنْبَرِ النبيّ ﷺ - قال الإمام: الأحاديثُ في ذلك كثيرة: الأوّل: ثبت في الصّحيح أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "مَنِ اقتَطَعَ حَقَّ امرِىءٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ، وَأوجَبَ لَهُ النَّارَ" (٦).

стр. 3048

وصح في الخَبَرِ؛ أنّ الكِبائر: الإشراكُ باللهِ واليمينُ الغَمُوسُ (١). وقال: "مَنْ حلَفَ عَلَى مِنبَرِي" الحديث (٢). و"الغمُوسُ" هي الّتي تغمسُ صاحبها في النّار. قالوا (٣): "وِإنْ كانَ شَيئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: وِإنّ كانَ قَضِيبًا من أَراكٍ. قالَها ثَلاثًا" الأصول (٤): قال الإمام: اختلفَ علماؤنا المتكلِّمون في هذا النّوع على قولين: ١ - أحدهما: أنّ الوعيدَ ليس من بابِ الخَبَرِ، فلا يقال لمن رجع عنه كاذب؛ ولذلك قال الشّاعر (٥): وإِنِّي وَإِنْ أَوعَدْتُهُ أَو وَعَدتُهُ ... لَمُخلِفُ إِيعَادِي ومُنجِزُ مَوْعِدِي فمدح نفسَهُ بإخلاف الوعيد، ولو كان ذلك كذبًا لَمّا مدَحَ به نفسه، فعلى هذا، الوعيدُ متوجِّه إلى كلِّ عاصٍ. ٢ - وقيل: إنّه من باب الخبر وإنّ الخلْفَ فيه ضربٌ من الكَذِب، وذلك مُحالٌ في صفة البارئ تعالى، فهذا الوعيدُ متوجّهٌ إلى كلِّ من عرف البارئ تعالى أنّه لا يغفر له، دون من أراد العفوَ عنه، وقد قال تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (٦)، وقال: ﴿كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا

стр. 3049

نَبِيًّا﴾ (١) فوصفَ الوعدَ بالصِّدق والكذب. تحقيق: واعلم أنّ النَّاس في هذا الباب طوائف: الأُولى: الوَعِيدِيَّةُ، فإنّها تعلّقت بظواهرِ الآياتِ والآثارِ، وهذا هو الّذي دَعَا سالِفَةَ علمائنا المتكلِّمين -رحمة الله عليهم- إلى إنكارِ العموم، وقد بيَّنَّا القول بصِحَّته، وأنّه لا يُحتاجُ إليه معهم؛ فإنّ الحقَّ ظاهرٌ والأدلّة بيَّنَةَ، وحَمَل التّقصيرُ كثيرًا من علمائنا على أنّ يقولوا: إنَّ الله لا يُنفِذُ وَعِيدَه، فإنّ ترْكَ إنقاذِ الوعيدِ من مكارمِ الأخلاقِ. وقد بيّنّا أنّ ذلك يُتَصَوَّرُ في المخلوقِ الّذي يجوزُ له الكَذِبُ بعُذْرٍ، ويُتَصَوَّرُ منه على الإطلاق، فأمّا الصَّادِقُ الوّاجِبُ الصِّدقِ، فلا يجوزُ أنّ يقع مُخبَرُهُ بخلافِ خَبَرِه، ويتعالى الله عن الأخلاق الذَّميمةِ، وإنّما له الصِّفاتُ العَلِيَّةُ؛ ولكن وإن جاءلت الأخبارُ بإطلاقِ القول في الوَعيد، فقد جاءت أُخَرُ بإطلاقِ القولِ في الوَعْدِ، كقول النّبيّ ﵇: "مَنْ كان آخرُ كَلَامهِ لا إلَهَ إِلا الله، حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النارِ" وبهذا تعلَّقت المُرْجئةُ. وكقوله: "إِنَّ بَغِيًّا من بَغَايَا بَنِي إِسرائِيلَ مَرَّت بِكَلبٍ يَأكُلُ الثَّرَى من شِدَّةِ العَطَشِ، فَنَزَعَت مُوقَهَا (٢) فَسَقَتْهُ من رَكيَّةٍ (٣)، فَغفَرَ اللهُ لَها". وهاهنا (٤) نكتةٌ، وهي: أنّ البارىءَ تعالى رحيمٌ شديدُ العقابِ، فلا بدّ أنّ يأخُذ كلُّ حُكمٍ من أحكامِ الصِّفتين جُزءًا من الخَلقِ تتحقَّقُ فيه الصِّفَةُ، وكذلك هو غفورٌ منتقِمٌ (٥)، وتحقيقُ ذلك هو الشّفاعةُ. فمَنْ نظرَ إلى صفةٍ من صفاتِ البارىءِ وآمنَ بها، وتركَ البَوَاقِي، لا يكون مؤمنًا باللهِ، وكذلك من نَظَرَ إلى أخبارِ الوَعْدِ دون الوَعِيدِ، أو

стр. 3050

أخبارِ الوَعِيد دون الوَعْدِ، لا يكون عارفًا بحُكمِ الله، وإنّما ينبغي لك أنّ تعرضَ بعضها على بعضٍ، وتَرُدَّ البِنْتُ منها إلى الأُمِّ، وبالجملة فآخر الحَالِ أنّ إثباتَ الشّفاعة لمحمّد ﷺ فيها تحقيقُ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وأنّ المُرْجِئَةَ لا تَرَى لمحمَّد ﷺ شفاعةً؛ لأنّ لا إله إلّا الله تُغنِي عندهم، ولا يَرَوْنَ النّار على مذهبهم، والخوارجُ والقدَرِيَّةُ لا تراها أيضًا؛ لأنّ الخلودَ عندهما يَمنعُ منها، والحمدُ لله الّذي وَفَّقَ عِصَابة الحقِّ للإقرار بها وبحقِّ الله والعِلْمِ بصفاتِ الله، والاعترافِ بمنزلة نَبِىِّ الله، فالله تعالى غفورٌ رحيمٌ، شديدُ العقابِ. وأنشدَني بعض الأصحاب (١): أَصبَحْتُ قَد شَفَّ قَلبي ... خوفٌ عَليهِ مُقِيمُ خَوْفٌ تَمَكَّنَ مِنهُ ... فالقَلبُ منِّي سقِيمُ لَولَا رَجَائِي بوَعدٍ ... وَعَدْتَهُ يا كَرِيمُ في سورة الحِجرِ نصًّا ... لأذهَلَتني الغُمُومُ عَلَى لِسانِ نَبِيٍّ ... قلبي إليهِ يهِيمُ نَبِّيء عِبَادِي أنّي ... أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ (٢) كذاك أَنتَ إلَهي ... أَنتَ الغفُورُ الرَّحِيمُ فَقَدْ وَثِقتُ بهذا ... والقَلبُ مِنِّي سَقِيمُ من آية أذهلتني ... فيها وَعِيدٌ جسِيمُ هِيَ الّتي قُلتَ فِيَها ... والقولُ مِنكَ حَكِيمُ ألَّا وإن عَذابِي ... هُوَ العذابُ الأَلِيم (٣)

стр. 3051

نكتةٌ بديعة (١): قال الإمام: وقولُه في الحديث الثّاني (٢): "حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ، وَأَوجَبَ لَهُ النَّارَ" هو عمومٌ عارَضَهُ قولُه: "مَنْ كانَ آخِرَ كَلَامِهِ لا إِلَهَ إِلا الله حَرَّمَ الله عَلَيهِ النَّارَ، (٣) فيتقابلَ الخبرانِ، فوجبَ الرُّجوعُ إلى الآية المُحْكَمَة، قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية (٤)، فهي أمّ الوعيد والوعد، *وإلى هذا المعنى أشارَ بعضُ النّاسِ في* قولِهِ في هذا الحديث ونظائره، معناه: حرَّم اللهُ عليه النّارَ في وَقْتٍ دون وَقتٍ. وَفَرَّ بعضُ علمائنا إلى أنّ قال: إنَّ معنَى ذلك: إذا كان مُستَحِلًا، فَرَدَّهُ إلى الكُفرِ، وهذا رُجوعٌ منهم إلى قول المبتدعة من حيث لم يشعُرُوا، على ما بيّنّاه في موضعه، وإسقاطٌ لأحكام المُذنِبِين، وإخراجٌ لهم عن القرآن والسُّنَّة، وذلك باطلٌ قطعًا. الفقه في مسائل: المسألة الأوُلى (٥): قوله (٦): "وإن كان قَضِيبًا من أَراكٍ" يدلُّ على أنّه لا بلزم اليمين على المِنبَر فيه (٧) لِقِلَّتِهِ، وإنَّما يجب ذلك فيما له قيمة، لكنّه إنَّ وقع من أحدٍ اليمين على مِنبَرِ النّبيّ ﷺ في قضيبٍ من أَراكٍ أو شيءٍ تافِهٍ فهذا حُكمُه. وليس في الحديث أنّه يُجبَر على اليمين عند المِنْبَر في هذا المقدار، وإنّما تضمَّنَ الحديث حُكْم من حلَفَ عنده آثمًا، والله أعلمُ.

стр. 3052

جامع ما جاء في اليمين علي المِنْبَرِ ذكر أُبُو غَطَفان بن طَرِيفٍ المُرِيِّ قال: اختَصَمَ زَيدُ بن ثابِتٍ وابْنُ مُطِيعٍ في دَارٍ كانَتْ بَينَهُمًا، إِلَى مَروَانَ بن الحَكَم، فَقَضَى مَروَانُ على زَيدِ باليَمَينَ عَلَى المِنَبرِ. فَقالَ زَيدُ بن ثَابِتٍ: أحلِفُ لَهُ مَكَانِي. فَقَالَ له مَروَانُ: لَا وَاللهِ إِلَّا عِندَ مَقَاطِعِ الحُقوقِ ... الحديث (١)، وهو صحيحٌ. الأصول: قال الإمام: اعلموا -وفقكم الله- أنّ الآثام في الآخرة تتضاعفُ بتضاعُفِ الحُرُمَاتِ في الدُّنيا، وتتعدَّدُ بتعدُّدِها، بخلافِ أحكام الدُّنيا، فإنّ الحُرُمات لا تتضَاعَفُ بتضَاعُف الأسباب، ولا تتعدَّدُ بتعدُّدِها، كالحائضِ المُحْرِمَةِ الصّائمةِ، فالكذبُ حرامٌ كبيرةٌ، فإنِ اتَّصلت بذِكرِ الله عَظُمَت، فإن اتَّصلت بقطعِ حقِّ امرىءٍ مُسلِمٍ تضَاعفَت، فإن كانت بعد العصر زادَت، فإن كانت على مِنْبَرِ النّبيّ ﷺ وهو رَوضَةٌ من رياضِ الجنَّة - لم يَأمَن أنّ يكون ذلك قطعًا إلى حقِّه منها، ويقالُ له: إنَّك لا تَدْخُلُ موضعًا عَصَيتَ فيه. وآياتُ الوعيدِ وأخبارُه كثيرةٌ، وهي بإجماعِ من الأُمَّةِ من المُتشابِه الّذي نَبَّه الله عليه في قوله: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (٢) الّذي لا يَتَّبِعُهُ إلّا زائِغُ القلبِ. وفيه للعلّماءِ ثلاثةُ مذاهبَ: ١ - طائفةٌ حقَّقَتهَا أوّلًا وهم الخَوارجُ، ونَسَجَت على منوالها القَدَرِيّةُ. ٢ - وطائفة أسْقَطَتْهَا وهم المُرجِئَةُ، قالت: كما لا ينفَعُ مع الشِّركِ عمَلٌ، كذلك لا يَضُرُّ مع الإسلام ذَنْبٌ ولا سَيِّئَةٌ. ٣ - وطائفة توقَّفَت، وقالت: أمرُ ذلك إلى الله تعالى، إنَّ شاء غَفَرَ، وإن شاءَ أَخَذَ، كما تقدَّم بيانُه.

стр. 3053

الفقه في سبع مسائل: المسألة الأوُلى (١): قضاءُ مروان على زَيد بن ثابِت باليمين على المِنبَرِ هو مذهبُ أهلِ المدينةِ، ولم يكن زيدٌ يقولُ: إنّه لا يلزمه، وإنّما كان يمتنع منه إعظامًا له. وقد رُوي عن ابن عمر؛ أنّه كان يكره ذلك، ويقولُ: أخشَى أنّ يُوافِقَ قَدَرًا، فيقال: إنَّ ذلك ليمينُه (٢). المسألة الثّانية (٣): قال علماؤنا (٤): حديثُ النّبيّ ﷺ يدلُّ على أنّ اليمينَ على مِنبَرِ النّبيِّ ﷺ واجبةٌ، وأنّ الّذي قضَى به مروان هو الصّواب، وليس في إِبَاءَةِ زيد عن اليمين على المِنبَر ما يمنعُ مِن ذلك؛ لأنّ زيدًا لو قطع أنّ ذلك لا يلزمه، لردَّ ذلك على مروان ولأنكر عليه قولَهُ وقضاءَهُ؛ لأنّ (٥) زيدًا كان من أَحَدٍ الثّلاثة الّذين كانوا يفتون النَّاس. المسألة الثَّالثة (٦): قولُه: "عَلَى الْمِنبَرِ" قال علماؤنا (٧): يريدُ عند المِنبَرِ؛ لأنّ حروفَ الخَفضِ يُبدلُ بعضها من بعضٍ، ولا يصعدُ أَحَدٌ على المِنبَر لليمين *بوجهٍ ولا على حالٍ، ويُحلف بمكّة عند الرُّكن، ذكر ذلك ابن القرطي* (٨) والذي رأَى مالك وأصحابه أنّ اليمينَ على المِنبَرِ إنّما تجبُ في رُبُع دينارٍ فصاعدًا. وقد أوجب قومٌ اليمينَ عند المِنبَر في القليل والكثير، واحتجَّوا بظاهر قوله ﵇: "وَإِنْ كانَ قَضِيبًا من أَرَاكٍ" ولا حُجَّةَ لهم في ذلك؛ لأنّ النّبيَّ ﷺ إنّما أراد بهذا التقليل في الوعيد والتَّخويف، ولم يُرِد أنّ اليمينَ تجبُ على المِنبَرِ في قضيبٍ من أَرَاكٍ (٩)، وإنّما يجبُ اليمينُ عند المِنبَرِ فيما له

стр. 3054

بالٌ (١)، والله أعلم. المسألة الرّابعة (٢): اختلفَ العلّماءُ في كيفية اليمين، وفي موضعها، فقال الشّافعيُّ: تُغَلَّظُ اليمينُ بالألفاظِ العشرة (٣). وقال بعض علمائنا: تُغَلَّظُ باللهِ الّذي لا إله إلّا هو عالم الغيب والشّهادة، هو الرّحمن الرّحيم. قال الإمام أبو بكر بن العربي: أمّا قولُ أصحابِ الشّافعيّ في الألفاظ العشرة، فَدّعوَى عريضة؛ لأنّ منها ما ليس في أسمائه الحُسنى، وهي قوله: "الطالب" "الغالب) ونحوه. وإذا كان الحلفُ بأسمائه الحُسنَى، فما معنَى عشرة دون تسعة وتسعين!، هذا تَحَكُّم. وأمّا من زّاد من أصحابنا: الّذي لا إله إلّا هو، فله وجهٌ، لقول النّبيّ ﷺ في الحديث الصّحيح: "يا مَعشَرَ اليَهُودِ، واللهِ الذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَتَعْلَمُونَ أَنَّي رَسُولُ اللهِ" (٤). وأمّا الصّحيح من المذهب؛ فقوله "باللهِ" خاصّة، لقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾

стр. 3055

الآية (١)، وقولِه: ﴿بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢) ولقول النَّبىِّ ﷺ : "مَنْ كَانَ حَالِفًا فَليَحْلِف باللهِ أَو لِيَصمُتْ" (٣)، وكقوله: "إي والله" (٤) و"إنِّي والله إنَّ شَاءَ الله" (٥) وأمّا تأكيد اليمين في يمينه (٦) في موضع، وقوله في آخَر: "وَالَّذي نَفسِي بِيَدِهِ" (٧) فإنّما هو ليتعلّم الخَلق التَّصرُّف في ذلك بذكر الله بجميع صفاته العُلَى وأسمائه الحُسْنَى. المسألة الخامسة: وأمّا موضعها حيث تجب، فإنّ علماءنا قالوا: موضعُها حيثُ تَجبُ في القليل والكثير وهو المسجد (٨). (٩) ويمينُ الحرِّ والعبد والنّصراني في الحقوق سواء، وقال ابنُ القاسم: والمجوسُ يحلفون باللهِ. المسألة السّادسة (١٠): وأمّا التّغليظ بالمكان فهو الجامع، قاله مالك في "المدوّنة" (١١) وغيرها. وهل يكون تغليظًا في سائر المساجد أم لا؟ ففي "النّوادر" (١٢) أنّه لا يحلف في مساجد القبائل في قليلٍ ولا كثير. وروى عنه سحنون أنّه يحلف في مساجد الجماعات

стр. 3056

بالأمصار، والأحسن أنّ يحلف في المسجد الجامع (١)، وهو أقوى في النظر للتغليظ. وأمّا النّصارَى فيحلفون في كنائسهم (٢)، واليهود في بيعِهِم، والمجوس حيث يعظمون، رواه في "الواضحة" (٣) ولا يزيدون على "بالله" شيئًا (٤)، ولا يقولون: لا والَّذي أنزل التّوراة على موسى، ولا والذي أنزل الإنجيل على عيسى (٥). المسألة السّابعة (٦): قال علماؤنا: تُغَلَّظُ بالزّمان في غَلِيظِ الأحكام، بعد العصر أو بأثر صلاة، كاللِّعان، فيقصد به بعد الصّلوات وأعظمُها صلاة العصر. وقد اختلف في صحيح الحديث في الصّلاة الّتي نهَى النّبيّ ﵇ على المتلاعنين باليمين بعدها، هل هي الظهر أو العصر؟ وأصحّ الرِّوايتين سَنَدًا أنّها العصر (٧)، وهي أقوى نظرًا؛ لأنّ ذلك الوقت بعد العصر أعظم من الوقت بعد الظُّهرِ؛ لأنّه وقتٌ تجتمع فيه الملائكة المتعاقبة باللّيل والنّهار، الذين يكتبون أعمالَ العبادِ، فإنْ كتبتها ملائكة النهار كانت خاتمة صحيفته كبيرة، وإن كتبتها ملائكة اللّيل كان افتتاح صحيفته كبيرة، وإن كتباها معًا كان ختام الأولى وافتتاح الأولى شيئًا عظيما وما بعده أعظم منه، إلّا إنَّ عفا الله.

стр. 3057

كتابُ الرهون وفيه خمسةُ أبوابٍ: الباب الأوّل ما لا يجوز من غلق الرَّهْنِ مالك (١)، عن الزُّهريِّ عن ابن المُسَيَّب؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "لَا يَغلَقُ الرَّهْنُ" الحديث. الإسناد: قال الإمام: الحديثُ مُرْسَلٌ من مراسيل ابنِ المُسَيَّب (٢)، وقد يُسْنَد من طُرقٍ كثيرة (٣). العربيّة: قال الإمام أبو بكر بن العربي: يقال: غَلِقَ الرَّهْنُ بكسر العين في الماضي، وفتحها في المستقبل.

стр. 3058

وقال ابنُ حبيب (١): "هو بِرَفْعِ القاف على معنى الخبر أنّه (٢) يَغْلَقُ فَيُحْبَسُ بما رُهِنَ (٣)، فلذلك ارْتَفَعَ. ولو كان نهيًا لكان جَزمًا. ثمّ يكسر لالتقاء السّاكنين" (٤). وقال غيره: هو على فعَل بفتح العين وكذلك المستقبل. الأصول (٥): قال الإمام: الرَّهْنُ مصلحةٌ من مصالح الخلائقِ، شَرَعَها اللهُ تعالى لمن لم يرضَ بِذِمَّةِ صاحبِهِ الّذي عامَلَهُ، وفائدتُه: التّوثيقُ للخَلقِ، مخافَةَ ما يطرأُ عليهم من التَّعَذُّرِ، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ الآية (٦). فظنَّ قومٌ أنّ ذلك مخصوصٌ بالسَّفَر (٧)، وإنّما خرجَ الكلامُ في ذِكرِ السَّفَرِ مَخرَجَ سَبَبِ الحاجة وموضِعِهَا، لا أنّه شرطٌ فيها، والدّليلُ على صِحَّة ذلك: ما رَوَى الأيمّةُ في الصّحيح وغيرِه، أنّ النّبيَّ ﷺ ابتاعَ بِالمَدِينَةِ من يَهُودِيٍّ شَعِيرًا إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ (٨). واختلف النَّاس في قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٩) فجعلَ القبضَ شرطًا في الرَّهنِ في موضعين: أحدُهما: أنّه لا يكونُ رهنًا يُقْبَضُ، وحينئذٍ يكون له حُكمُ الرَّهنِ. والثّاني: أنّه إذا قُبِضَ، هل يَلزَمُ دائمًا فيه؟ فإن خرجَ عنه بَطَلَ، أم يكفي له قبضُ

стр. 3059

أوّلِ العَقدِ؟ وقد بيّنّا ذلك في "الأحكام" (١)، والصّحيحُ دوامُ القَبضِ واستمرارُه، وهو الّذي اختارَهُ علماؤنا؛ لأنّ الله جعله رَهنًا بصفةٍ، فإنِ اختلفت تلك الصِّفةُ خرجَ عمَّا حَكَمَ اللهُ به. فصل قال الإمام (٢): ليس في الرَّهنِ حديثٌ صحيحٌ إلّا رَهْنَ النَّبىِّ عند اليهوديِّ، وما روَى البُخاريّ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحلُوبٌ، يُركَبُ بنفَقَتِهِ ويُحلَبُ بِنَفَقتِهِ" (٣) وهذا الحديثُ الّذي أَرْسَلَهُ مالك، عن سعيدٍ بنِ المُسَيِّب، إنّما سَاقَهُ لاتِّفاق العلّماءِ على القولِ به، وإنِ اختلفَ في ذلك علماءُ الحديثِ، وقد زاد الدَّارقطنيُّ (٤) في حديث سعيدٍ وأسنَدَهُ فقال: عن النّبيّ ﷺ : "لا يَغلَقُ الرَّهنُ من راهِنِهِ الّذي رَهَنَهُ، لَهُ غُنمُهُ وَعَلَيهِ غُرمُهُ" وهذا يعارِضُ حديث النَّبىِّ ﷺ الّذي خرّجه البخاريُّ في قوله: "الرَّهنُ مَركُوبٌ ومَحلوبٌ بِنفَقَتِهِ". وقد اتّفقَ العلّماءُ على أنّ منافِعَ الرَّهنِ للرّاهن ليس للمُرْتَهِنِ فيها حقٌّ، وإنّما له حقُّ الحَبْسِ والتَّوثُّقِ، فأمّا منافِعُه فلا. وقال أبو حنيفة (٥) قولًا غريبًا لا يُشبهُ فِطنَتَهُ: تبقَى منافعُ الرَّهن عَطَلًا لا سبيلَ للمرتَهِنِ إليها؛ لأنّها ليست له، ولا سبيل للرَّاهن إليها؛ لأنّ الرَّهنَ قد زال عن يده.

стр. 3060

وقال الشّافعىُّ (١): يستَوفِي الرَّاهِنُ عند نفسه منافعَ الرَّهْن؛ لأنّ الرَّهنَ قد صحَّ ولَزِمَ بالقبضِ الأوّلِ، فلا يحتاجُ إلى الاستدامةِ. قال الإمام: فأمّا قولُ أبي حنيفة فمخالِفٌ للحديث والأصولٍ والنَّظَرِ، أمّا الحديثُ فمن ثلاثةِ أوّجُهٍ: أحدُها - وهي القاعدةُ-: أنّ النّبيّ ﷺ "نَهَى عن إضاعةِ المالِ. وما رَوَى البخاريُّ: "أَنَّ الرَّهْنَ مَحْلُوبٌ وَمَركُوبٌ" يناقضُ قولَه: "الرَّهنُ عَطَلٌ" وهو الثّاني. وأمّا الحديث الثّالث فهو: "لَهُ غُنمُه وَعَلَيهِ غُرْمُهُ". وأمّا "الأصولُ" فكلُّ مالِكٍ أحقُّ بمِلكِهِ، وكلُّ ذي حقِّ لا يُحَالُ بينَه وبين حقِّه في مسائلِ الشّريعةِ كلِّها. وأمّا "النَّظَرُ" فليس من المصلحة للخَلق، ولا مِنْ شُكرِ نِعَمِ الخَالِقٍ، أنّ تُترَك النِّعَمُ سُدىً حتّى تَتوَى (٢). وأمّا قولُ الشّافعيِّ: "إنَّ الرَّهنَ يَرجِعُ إلى صاحِبِه" ففي ذلك إبطالٌ لِحَقِّ المُرتَهِن أو تعريضُه للآفات، وذلك لا يجوزُ. والصّحيحُ ما قاله مالك من أنّ المَنافع تبقَى في يد المُرْتَهِن *مع الأصل؛ فإنْ شاءَ الرّاهنُ أنّ يَستَوفِيَهَا تحت يد المُرتَهِن بنَفسِهِ استوفاها*، وإن شاء أنّ يُنيبَ من يَستَوفِيها لَهُ فَعَلَ، فبهذا يصلُ كلُّ ذي مِلكٍ إلى مِلكِهِ، ويبقَى كلّ ذي حقٍّ محفوظًا على صاحبه. وأمّا قوله: " الرَّهنُ مَحلُوبٌ وَمَركُوبٌ" فهذه إشارةٌ إلى ما قلنا من أنّ المنافعَ لا تبقَى مُعَطَّلَةً. وأمّا قولُه: "يَركَبُ بِنَفَقَتِهِ وُيحلَبُ بِنَفَقَتِهِ" فإنّ ذلك محمولٌ على بقيَّةِ عادةٍ كانت

стр. 3061

عندهم، أو على تَراضٍ بذلك من المتراهِنَينِ، فأمّا أنّ يأخُذَ ذلك المُرتَهنُ بشرعٍ، فلا يصحُّ ذلك؛ فإنّه كان يكرن زيادةً في حقِّه، وأخذَ مال الرَّاهِنِ بغيرِ رِضَاه، فارتبط الباب، والحمدُ لله على هذه الأصول الّتي مهّدنا. الفقه في أربع مسائل: المسألة الأوُلى (١): تولُه: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ" قيل: معناه لا يذهبُ هَدَرًا، قال الشاعر (٢): وَفارَقَتكَ بِرَهنٍ لَا فَكَاكَ لَهُ ... يَومَ الوَدَاعِ فأَمسَى الرَّهنُ قد غَلِقَا ففسَر الغَلق -وهو ذهابُهُ- بغير شيءٍ، وفَوَاتُه من غير جَبرٍ، وفي ذلك ثلاثةُ أحوالٍ: الحالةُ الأولى: ما فسَّرَهُ مالك أنّه نهى عن عَقدٍ تضمَّنَ ذلك، وعن استدامَتِهِ إنَّ عُقِد على وجهٍ يَتَضَمَّنه. الحالة الثّانية: أنّ يَفُوتَ الرَّهنُ عند المُرتَهِن، أو يَتلَفَ بوجهٍ من وجوه التَّلَفِ. فقال الشّافعيّ (٣): يذهَبُ هَدَرًا، ويأخُذُ صاحبُ الحقّ حقَّه. وقال أبو حنيفةَ: يُقَاصُّه بقيمته من الدِّيْن. ولمالك في ذلك قولان (٤): أحدُهما: الفرقُ بين أنّ يكونَ ممّا يُغابُ عليه وما لا يُغابُ عليه، فإن كان ممّا يُغابُ عليه، كان كما قال أبو حنيفةَ، وإن كان ممّا لا يُغابُ عليه كان كما قال الشّافعيُّ. القولُ الثّاني: أنّ الحُكْمَ فيه كما قال أبو حنيفةَ في كلِّ حالٍ. زاد مالك: إلّا أنّ تقُومَ بيَّنَةٌ على تلَفِهِ من غير جهة المُرتَهِن، فإنّه يكونُ من الرَّاهِن، وهذه مسألةٌ عظيمةُ

стр. 3062

الموقعِ، أخَذَت شَبَهًا من الأماناتِ؛ لأنّه قَبَضَهُ بإذن صاحبِه، وأَشْبَهَتِ المُستَامَ من جِهَةٍ أنّه قَبَضَهُ على وجهِ المُعَاوضَة، ومن حُكمِ الفرعِ إذا تَجاذَبَهُ الأصلان أنّ يُوفرَ عليه من حُكْمِ كلِّ واحدٍ منهما، ولأجله قال مالك مرَّةً: إنّه أمانةٌ. وقال أخرى: إنّه مضمونٌ، وإنّما قبضه على التّوثّقِ من الأماناتِ، والدَّينُ مُستَقِرٌّ في الذِّمَّة، بخلاف المُسْتَامِ، فإنّه قَبَضَهُ على معنَى الاعتياض فحقّق ذلك فيه. ومِنْ غَلَقِ الرَّهنِ مسألةُ إِعتاقِ الرَّاهِنِ، فإنّ علماءَ الإِسلامِ اختلفوا فيها على ثلاثة أقوالٍ: أحدها: أنّه مردودٌ، قالَهُ الشّافعيُّ (١). الثّاني: أنّهُ نافِذٌ، قاله أبو حنيفةَ (٢). الثالثُ: أنّه يَنفُذُ إنَّ كان مُوسِرًا، وُيرَدُّ إنَّ كان مُعسِرًا (٣). والمسألةُ مُشكِلَةٌ؛ إلّا أنّ الكلامَ لمالكٍ يَظهَرُ فيها مع الاعتبار جدًّا؛ لأنّه من غَلَقِ الرَّهْنِ، والصّحيحُ في اشتقاقِهِ أنّ يذهَبَ باطِلًا، كما قال الشّاعر (٤): وَفَارَقتكَ بِرَهْنٍ لا فِكَاكَ لَهُ ... يوم الوَدَاعِ فَأَمْسَى الرَّهن قد غَلِقَا ويكونُ الهلاكُ من جِهَةِ الرّاهِنِ، وكما لا يَغلَقُ الرَّهنُ على الرَّاهِنِ، فأَولَى

стр. 3063

وأَحرَى ألّا يَغلَقَ الرَّهنُ على المُرتَهِن. وأمّا الشّافعيّ فإنّه قال: إنَّ الرَّهْنَ حقٌّ يتعلَّق باليَد، والعِتقَ حقٌّ يتعلَّقُ بالمِلكِ، فَمَحِلُّ العِتقِ غيرُ مَحِلِّ الرَّهنِ. قلنا له: ولكنّه يُبطِلُهُ، وكلُّ ما أدَّى إلى بُطلَانِه فإنّه يَبْطُلُ في نَفْسِه. وهذا فصلٌ عسِيرٌ لا يستقيمُ على أصولِنا؛ لأنّ مالكًا قد قال في عِدَّة مسائلَ: إنّه ينفُذُ العِتقُ من المُوسِرِ والمُعسِر، وان أدَّى إلى إبطالِ حقِّ الغير، فإذا طُولِبَ بالفرقِ لم يَقدِر عليه، وَيَئُولُ الكلامُ إلى تَشُغيبٍ في الفروع وتَشُغبٍ أيضًا في الأصول، بيانُها في "كتب الأصول". القضاء في رَهْنِ الثَّمَرِ والحيوان الفقه في مسائل: المسألة الأولى (١): "فإِنَّ ذَلِكَ الثَّمَر لَا يَكُونُ رهنًا مَعَ الحَائِطِ" (٢) معناه: لا يكون لِلثَّمَرَةِ حكم الرَّهْن، ولا يكون المُرتَهِنُ أحقّ بها من الغُرَمَاء، وذلك أنّ النّماء من الرَّهْنِ على ضربين: أحدُهما: أنّ يكون من غير جنس الأصل، كثَمَرَة النَّخْل، وعسل النَّحْل، وغَلَّةِ الدُّور، والعبيد، وسائر الحيوان، فهذا كلّه لا يكون رَهْنًا مع الأصل، ما حدث منه بعد عَقْدِ الرَّهْن.

стр. 3064

فأمّا "الثمَرَةُ" فسواء حدثت بعد العَقد أو كانت موجودة حين الرَّهن، مزهية أو غير مزهية، قاله ابن القاسم وأشهب. وقال أبو حنيفة (١) والثوري: ما حدث من اللّبن والصُّوف والثمرة بعد الرَّهن فهو في الرَّهْن، وكذلك الغَلَّة والخَرَاج. ودليلنا: أنّه نماءٌ حادِثٌ من غير جنس الأصل، فلم يتبعه في عَقد الرَّهن، أصل ذلك: مال العبد. المسألة الثّانية (٢): وأمّا "الصّوف واللّبن" فلا يتبع أيضًا إذا حدث بعد العَقد، أو كان غير كامل، فأمّا إنَّ كان كاملًا يوم العَقدِ، فقد قال ابنُ القاسم: يلحقه حكم الرّهن. وقال أشهب: لا يكون رهنًا إلّا بالشّرط (٣). ووجه قول ابن القاسم: أنّه متّصلٌ بالحيوان اتّصالَ خِلْقَة، ويتبع في البيع بمجرَّدِ العَقْدِ، فكذلك في الرَّهن كأعضاء الحيوان. وقد قال بعض القَرَوِيِّين في النّخل تُرهَنُ وفيها ثمرة يابسة: يجب أنّ تكون للمُرتَهِنِ على قول ابن القاسم كالصُّوف التّام. قال الإمام: وعندي أنّها (٤) لا تتبع في البيع (٥) بخلاف الصّوف؛ لأنّ الصُّوف لا يخلو منه الحيوان، ويؤخذ منه على سبيل الإصلاح له، فأشبه جريد النّخل، وأمّا الثَّمَرَة

стр. 3065

فهي من غير جنس الأصل، ومقصودةٌ بالغَلَّة، تخلو منها الشّجرة في بعض أوقاتها، وذلك حكم رطبها ويابسها. المسألة الثّالثة (١): قال علماؤنا (٢): ويجوز ارتهان مال العبد دونه، فيكون له معلومه ومجهوله يوم الرَّهْن إنَّ قَبَضَهُ، قاله مالك أيضًا في "المجموعة". ووجهه: أنّ المجهولَ يصحُّ ارتهانه، كما يصحّ إفراد الثَّمَرة الّتي لم تُؤبَر بالارتهان. المسألة الرّابعة (٣): قوله (٤): "وَمَنِ ارْتَهَنَ جَاريَةً وَهِيَ حَامِلٌ" فقد تقدّم الكلام في النّماء الّذي ليس من جنس الأصل، وأمّا ما كان من جنسه كالولد، زاد ابنُ الجلّابِ (٥): "وفراخ النّحل والشَّجَر" فإنّ جميع ما تلده الأَمَة بعد الرَّهن يكون رَهنًا معها دون شرطٍ، خلافًا للشّافعيّ (٦). ووجه ذلك: أنّها نماءٌ من جنس الأصل فأشبه جنسها. ومَنِ ارتهن عبدًا فولد له من أَمَتِهِ، فقد قال ابنُ شعبان: الولد رَهنٌ مع أبيه دون أُمِّه. ووجه ذلك: أنّ أُمِّه مال العبد، فلا تكون رَهْنًا معه بمجرَّد العَقد، والوَلَدُ نماءٌ

стр. 3066

من جنس، فكان تبعًا له في الرَّهْنِ. ولو شرط أنّها رَهْنٌ دون ما تلد لم يجز (١). ووجه ذلك: أنّه جزءٌ معيَّنٌ منها، فلم يجز أنّ يفرد عن الرَّهن كَيَدِها. المسألة الخامسة (٢): وفرَّق علماؤُنا بين الثَّمَرَة وولد الجارية؛ لأنّ النّبيّ ﷺ قال: "مَنْ بَاعَ نَخلًا قَدْ أُبِّرَت فَثَمَرُها لِلبَائَع إِلَّا أنّ يَشتَرِطَها المُبتَاعُ" (٣). قال مالك (٤): "والأمرُ الّذي لا خِلَافَ فيه، أنّ من باع جاريةً وفي بَطنِهَا جَنِبنٌ أنّ ذلك للمُشتَرِي وإن لم يَشتَرِطهُ". فهذا على ما قال، فرق بين الثَّمَرَة المأبورة والجنين، وفيه حُجَّة على من أراد إلحاق أحدهما بالآخر. وأمّا غير المأبورة فخارجة عن ذلك؛ لأنّها تتبع النّخل في البيع وإن لم يشترطها، فهيَ في البيع كالجنين، وفي الرَّهْن مخالفة له، على ما نبيَّنُه إنَّ شاء الله تعالى. القضاءُ في الرَّهْن من الحيوان الفقه في تسع مسائل: المسألة الأولى (٥): قوله (٦): "مَا كانَ مِنْ أَمرٍ يُعرَفُ هَلَاكُهُ" (٧) وهذا يدلُّ على ما قال. فأمّا الأرض

стр. 3067

والرّباع وأصول الشَّجر ممّا لا ينقل ولا يحول، فأمرها ظاهر يُعلَم صدق مدَّعِي ضياعها من كذبه. وأمّا الحيوان فإن ادِّعَاء أبَاق العبد وهروب الحيوان، فهذا ممّا لا يكاد المُرتَهِن أنّ يقيم به بيِّنَة؛ لأنّ هذا يكون في وقت الغفلة. قال مالك: لأنّ الأصل ما أخذه عليه من غير الضّمان حتّى يتبيَّن كذبه، وذلك مثل ما قال أشهب: إذا زعم أنّ الدَّابّة انفلتت منه، أو كابره العبد بحضرة الجماعة فينكرون ذلك، فلا يُصدّقُ إلّا أنّ يكون الّذين ادّعَى عليهم ذلك غير عُدُول، فلا يُصدقون، والقول قولهُ. قال محمَّد: هذا مذهب مالك وأصحابه فيما لا يغَاب عليه، والمشهور (١) من قول مالك؛ أنّهم إذا كانوا غير عُدُول لم يثبت كَذِبُه، وكان على أصله في التّصديق وانتفاء الضّمان؛ لأنّه على ذلك أخذه، فوجود غير العدول كعدمهم فيما يتعلَّق بالحكم له وعليه. المسألة الثّانية (٢): وأمّا "الموت" ففي "الموّازية" عن مالك: أنّه يُصَدَّق، إلّا أنّ يظهر كذِبه بدَعواه ذلك بموضع لا يعلم أهله ذلك، ومعنَى ذلك: أنّه يصدَّق إذا ادَّعَى مَوْته في الفَيَافِي، وبحيث لا يكون به من يعرف به صدقه أو كذبه. المسألة الثّالثة (٣): ولو قال: ماتت دابّة لا نعلم لمن هي، ففي "المجموعة": يصفوها إنَّ عرفوا الصِّفَة، وإن لم يصفوها قُبِلَ قولُه أنّها هي ويحلِف.

стр. 3068

المسألة الرّابعة (١): قال أبو الزّناد وفي الحديث: "إِذَا عميت قِيمَته" (٢) وهذا الّذي ذَكَرَهُ لا يثبت عن النّبيّ ﵇ فيه شيءٌ، وإنّما هو قول جماعة الفقهاء: إنَّ الرَّهنَ يضمن منه قَدْر الدِّيْن، وما زاد على ذلك فهو أمانة، وهذا قول ابن أبي ليلَى والثّوري وأبي حنيفة (٣). وأمّا ما رُويَ من قول أصحابنا في قوله: "الرَّهنُ بِمَا فِيهِ" هو قول الفقهاء السَّبعة، إنّما ذلك إذا جُهِلَت صفتُه ولم يدَّع معرفة ذلك راهِنٌ ولا مُرْتَهِن، وهو قول اللَّيث، وبلغني (٤) عن عليّ ﵁ (٥). وقد قال مالك: الرَّهْن بما فيه إذا ضاع عند المُرتَهِن ما يغاب عليه إذا كانت قيمته بمقدار الدِّين، وسيأتي بيانُه إنَّ شاء الله. المسألة الخامسة (٦): وإذا جاء المُرّتَهِن بالرَّهْن وقد احترق وقال: قد وقعت عليه نار، فلا يصدَّق وهو ضامِنٌ إلّا أنّ تقوم بيِّنة، أو يكون من الاحتراق أمر مشهور، من احتراق منزله أو حانوته فيأتي ببعض ذلك محروقًا، فإنّه يُصَدَّق، رواه ابن حبيب عن ابن القاسم (٧). والقول قولُه فيما ادّعاه إذا جاءَ بالشُّبهة من احراقِ حانوته أو منزله.

стр. 3069

المسألة السّادسة (١): وإذا أتَى بالرَّهن قد تآكل من السّوس (٢)، فلا ضمانَ عليه ويحلف ما ضَيَّعَهُ، وإن كان أضاعه حتَّى أصابه، فيشبه أنّ يكون فيه شيءٍ، رواه في "العُتبِيَّة" عيسى عن ابن القاسم عن مالك. وقال ابن شعبان: إذا تآكلت الثِّياب عنده أو قرضها الفأر وما أشبهه، فإنْ كان أضاعها ضَمن وإلَّا لم يضمن، وقال ابن القاسم: يضمن. المسألة السابعة (٣): وأمّا إذا تَلِف بغير بيِّنة، فلا خلاف في المذهب أنّه مضمون، خلافًا لابن المُسَيَّب والزّهريّ وابن دينار في قولهم: إنَّ الرَّهْن كلّه أَمانَة ما يغاب عليه وما لا يغاب عليه، وبه قال الشّافعيّ (٤). ودليلُنا: أنّ قَبْض ما يملك، فمنفعته للقابض مؤثِّرَّة في الضّمان كالشّراء. إنَّ الرَّهن مضمونٌ على حكم الارتهان في الضّمان، من حين يقبضه المُرْتَهِن إلى أنّ يردَّهُ. ولو ضاع الرَّهْنُ بعد أنّ وهبَهُ الرَّاهِن، ففي "العُتبِيَّة" عن ابن القاسم (٥) أنّه يضمنه. ووجهه: ما قدّمناه من أنّه مقبوضٌ على حكم الارتهان في الضّمان (٦).

стр. 3070

المسألة الثامنة (١): قوله (٢): "وَلوْ قَالَ المُرْتَهِنُ: لَا عِلْمَ لِي بِقِيمَةِ الرَّهنِ. حُلِّفَ الرَّاهِنُ (٣)، إِذَا جَاءَ بِمَا لَا يُسْتَنكَرُ" يريد أنّ يأتي بما يُشْبِه من صفة ما رُهِنَ في مثل ذلك، وما يكون له من القيمة ممّا يقرب منه على ما جرت به العادة، وإنّما يُرَاعَى في ذلك ما لا يُسْتَنكَر من الثَّمَن. المسألة التّاسعة (٤): قوله (٥): "وَذَلِكَ إِذَا قَبَضَهُ وَلَمْ يَضَعهُ عَلَى يَدَي غَيرِهِ". يريد أنّه (٦) إنّما ضمن الرّهن الّذي لا يغاب عليه إذا كان حائزًا له، وأمّا إذا كان موضوعًا على يد غيره بحكمٍ (٧)، أو باتّفاقهما، فلا ضمان عليه في ضباعه، وإن لم تقم بذلك بيِّنة. وأمّا سائر ما تقدّم من قوله في شهادة قيمة الرَّهنِ بقَدْر الدَّيْنِ، فيحتمل أنّ يناوله هذا الشّرط على قول أصْبَغ، ويحتمل أنّ لا يناوله على قول محمّدٍ، وسيأتي ذِكرُه إنَّ شاء الله. تركيب: قال الإمام: ويتركّب على هذا ستّ مسائل (٨): المسألة الأولى: في وجُوبِ الحيازة للرّهن وأنّها شرطٌ في صحّته وإتمامه. والثّانية: في صفة الحِيّازَة وتميّزها ممّا ليس بحيازة. والثّالثة: فيمن يكون وضع الرَّهن على يديه. والرّابعة: فيمن يُوضع على يده عند

стр. 3071

اختلافهما. والخامسة: فيمن يقوم بالرَّهن ويلي الإنفاق عليه والاستغلال له. والسّادسة: في حكم العدل الّذي يوضع على يده. أمّا المسألة الأولى (١): في وجوب حيازته وكونها شرطًا في تمامه فليس من شرطها السَّفَر، خلافًا لمجاهد في قوله: لا يصح الرَّهن إلّا في السَّفَر (٢). ودليلُنا: أنّ كلّ وثيقة صَحَّت في السَّفَر فإنّها أصحّ في الحَضَرِ كالكَفَالَة، ولا يتمّ لها حكم الرَّهنِ إلّا بالحِيازَة له، قال الله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٣) فجعل ذلك من صفته اللّازمة له، وذلك بمعنى الشّرط فيه، فصار حكم الرَّهنِ متعلِّقًا بالرَّهن المقبوضِ. فرع: فإن مات الرّاهن أو أفلس، ووُجِدَ الرَّهْنُ بيدِ المُرتَهِنِ أوِ الأمينِ، ففي "الموّازية" و"المجموعة" عن عبد الملك: لا ينفع ذلك حتّى تعلم البيّنة أنّه حَازَهُ قبل ذلك (٤). وقال محمّد: لا ينفعه إِلَّا بمعاينة الحوز لهذا الارتهان. ووجهه: أنّه لمّا كان من شرطه قبضه وحيازته قبل تعلُّق حقّ الغُرَمَاء به، لم يحكم له بذلك إلّا بعد ثبوت الشّرط في وقته وقبل وفاته. وعندي: لو ثبت أنّه وجد بيده قبل الموت أو الفلس، لوجب أنّ يحكم له بحكم الرَّهنِ، ولعلّه معنَى قول محمّد: لا ينفعه إلّا بمعاينة الحوز.

стр. 3072

المسألة الثّانية (١): في صفة الحيازة وتمييزها ممّا ليس بحيازة فأوّل ذلك أنّ الرَّهْنَ يلزم بمجرّد القول، خلافًا لأبي حنيفة (٢) والشّافعيُّ (٣) في قوليهما: لا يلزم إلّا بالقبض. قال عبد الوهّاب (٤): والدّليل على ذلك، قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٥) قال: قلنا: من الآية دليلان: أحدهما: أنّه قال تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ فأثبتها رِهَانًا قبل القَبض. والدّليل الآخر: قولُه: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ هو أمر؛ لأنّه لو كان خَبَرًا لم يصحّ أنّ يوجد رهن غير مقبوض، ومن قولهم: إنَّ الرَّاهِن لو جُنَّ أو أُغمِيَ عليه ثمّ أفاقَ لصَحَّ، فثبت أنّه أمرٌ. ومن جهة القياس: أنّه عَقد وثيقة كالكفاله. فرع: وهل يكون من شرط الحِيَازَة أنّ يقبض الرّهن الحائز أم لا؟ اختلف أصحابنا في ذلك: ففي "الموَازية" من رواية ابن القاسم عن مالك فيمنِ اكتَرَى دارًا أو عبدًا سنة، أو أخذ حائطًا مساقاة، ثمّ ارتهن شيئًا من ذلك قبل تمام السَّنَة، فلا يكون محوزًا للرَّهنِ؛ لأنّه محوز قبل ذلك بوجه آخر. وفي "المجموعة" قال سحنون: ومذهب ابن القاسم: أنّه يجوز أنّ يرتَهِنَ ما بيده بإجارَةٍ أو مساقاةٍ ويكون ذلك حيازة للمُرتَهِن، كالذي يخدم العبد ثمّ يصَّدَّق به على

стр. 3073

آخر، فحوزُ المخدوم حوزٌ للمُتَصَدَّقِ عليه. فرع آخر:. ومن رَهَنَ بيتًا من دارٍ بما يليه منها، فحازَهُ المُرتَهِن بِغَلَقٍ أو كراء. قال ابنُ حبيب عن أصبغ: إنَّ حَدَّ له نصف الدّار فهو أحسن، وان لم يحدّه ولكنّه رهنه البيت بعينه ونصف الدّار شائعًا، فحيازته للبيت تكفيه، وكذلك في الصَّدقة، يريد بقوله: "فحيازة المُرتَهِن بغلق البيت" أنّ غلقه له على ذلك الوجه حيازة له ولسائر ما ارتهن من الدّار. وأمّا الكراء فإنّه يشتمل على الجميع، واختار أَصبَغُ أنّ لو حدَّ له بحَدٍّ حتّى يتميّز الرَّهن من غيره، لكنّه إنَّ حاز البيت أجزأه. ويحتمل وجهين: أحدهما: أنّ البيت معظم الرَّهن والتّالي له تَبَعٌ. والثّاني: يكون مبنيًّا على جواز حيازة المُشَاع مع غير الرَّهنِ، ويكون معنَى المسئلة أنّ بقيَّةَ الدّار لغير الرّاهن، وفي "العُتبيّة" (١) من رواية عيسى عن ابن القاسم فيمن ارتَهَنَ دارًا وفيها طريق للمسلمين يسلكه الرّاهنُ وغيره، قال: إذا حاز البيوت لم يضرّه الطّريق؛ لأنّه حقّ للنّاس كلّهم. فراعَى في الحيازة البيوت دون السّاحة (٢)، ويحتمل ما قدّمنا من أنّها تَبَعٌ للبيوت. فرع: ويجرز عند مالك رَهن المُشَاعِ (٣)، وبه قال الشّافعيُّ (٤)، ومنعه أبو حنيفةَ (٥).

стр. 3074

ودليلُنا: أنّه كلّ ما صحّ قَبْضُهُ بالبَيْعِ صحَّ ارتِهَانُه كالمقسوم. المسألة الثّالثة (١): قال علماؤنا (٢): هذا في حِيَازَةِ الأعيان، وأمّا الدُّيون فارتهأنّها جائزٌ، قاله مالك، ولا يخلو الدَّين أنّ يكون له ذكر حقّ، أو لا ذِكرَ له، فإن كان له ذكر حقّ، فحيازته أنّ يدفع إليه ذلك الحقّ ويشهد له به، فهذا حَوْزٌ ويكون أحقّ به في الموت والفَلَسِ، قاله مالك في "الموّازية". فرع: فإن لم يكن له (٣) ذكر حقّ، فهل يُجزِىء فيه الإشهاد؟ قال ابنُ القاسم في "المجموعة": لا بأس بذلك، ونحوه عن مالك. المسألة الرّابعة (٤): فيمن يصحّ وضع الرّهن على يده فإن كان يتيم له وليَّان، فارتهن منهما رَهنًا بدَيْنٍ على اليتيم، فوضع على يد أحدهما، ففي "الموّازية" عن عبد الملك: لا يتمّ فيه الحَوز؛ لأنّ الولاية لهما، ولا يحوز المرءُ على نفسه. فرع: ومنِ ارْتَهَنَ حائطًا، فجعل على يد المُسَاقِي فيه أو الأَجير، فليس برَهنِ حتّى يجعل على يد من في غير الحائط، ويجعل مع المساقي رجُلًا يستخلفه، أو يجعلاه على يد من يرضيان به، رواه ابن القاسم عن مالك في "الموّازية". وقال عبد الملك في "المجموعة": إنَّ كان رَهَنَ نصفه لم يجز ذلك في الأجير

стр. 3075

والقَيِّم، وإن كان رهن جميعه جاز. ووجه الأوّل: أنّ المُسَاقِي والأَجِير لمّا كانا عاملين للرَّاهِن كانت أبدانهما له، فلا تصحّ الحِيَازَة مع بقائه بيده (١) أو بيد من يقوم مقامه، كما لو رَهَنَ نصفه لم يجز. ووجه الثّاني: أنّ يَدَ الأَجِير إنّما نَابَت عن يَدِ الرَّاهن بأمره، فإذا بقي له أمر فيه، بقي له بعضه غير مرهون، فلم يجز ذلك كان حائزًا أو محوزًا منه. المسألة الخامسة (٢): فيمن يوضع على يده عند اختلافهما وإنّه إذا اشترط المُرتَهِنُ كونه على يده، جاز إنَّ كان ممّا يُعْرَف بعينه، كالدور والعَقَارِ والحيوان والثِّياب، وغير ذلك ممّا لا يكال ولا يُوزَن، فأمّا الدّنانير والدّراهم فلا يحوزُ ذلك فيها لجواز أنّ ينتفع بها فيردّ مثلها. وقال أشهب في "المجموعة": لا أحبُّ ارتهانَها وارتهان الفلوس إلّا مطبوعة، للتُّهمة في سلفها، فإن لم تطبع لم يفسد الرَّهْن ويستقبل طبعها متَى عثر على ذلك، وهذا إذا كان على يَدِ المُرتَهِنِ دون الأمين (٣)، فالتُّهمةُ فيه أَبيّن. والذي في "المدوّنة" (٤) في الدّنانير والدّراهم والفلوس: يجوز ارتهأنّها إذا طبع عليها.

стр. 3076

فرع: وإن شرط كونها على يدِ أمينٍ، لزمهما ولا يحتاج إلى الطّبع، وهو مذهب ابن القاسم وأشهب. وإن لم يشترطا شيئًا، قال محمّد بن عبد الحَكَم: إنِ اختصما في ذلك، قيل لهما: اجعَلَاهُ على يَدِ أمينٍ ممّن ترضونَ، فإن اختلفا في الرِّضَا، جعله القاضي عند من يرضَى. فرع: فإن مات الأمين فأَوصَى إلى رجلٍ، لم يكن الرَّهنُ على يده ولكن على يَدِ من رضيا به، قاله ابنُ القاسم في "المدوّنة" (١). وقال أشهب (٢): على الوَصِيِّ أنّ يعلمهما بِمُؤَنِهِ، ثمّ إنَّ شاء أقرّه عنده أو عند غيره، فإن اختلفا فيه وفي غيره جعل عند أفضل الرَّجلين. المسألة السّادسة (٣): فيمن يلي الرّهن رَوَى ابنُ حبيب عن ابن المَاجِشُون: إنَّ المُرتَهِنَ يلي كراءه، وأحبّ إليَّ أنّ يستأمر الرّاهن إنَّ حضر، فإن لم يأمره مضَى ذلك. وقال ابنُ القاسم: له أنّ يكريَهُ بغير إذنه عَلِمَ أو لم يعلَم.

стр. 3077

وقال أشهب (١): إنَّ لم يأمره الرّاهن، فلا يكريه. وفي "العُتبِيّة" (٢) عن ابن القاسم: يلي كراءَهُ بإذن الرّاهن، وكذلك من وضع على يده. باب (٣) القضاء في كِرَاء الدّابة والتّعدِّي فيها التّرجمة والإسناد: قال الإمام: بوَّبَ مالك ﵀ على كراء الدَّوابّ والرّواحل، ولم يَرِد لهما في الحديث أصلٌ، سوَى أنّي وجَدْتُ إشارتين إحداهُما أقوَى من الأُخرى. وأمّا الأُولى: فهي الحديث الصّحيح (٤) عن عائشة: أَنَّهُ (٥) استَأجَرا رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ يُقالُ لَهُ: ابن الأريقط (٦)، دَفَعا إليه راحِلتَيهِما وَواعَداهُ في غارِ ثَوْر صُبحَ ثَلَاثٍ. فقد أخذتِ الدّابّةُ هاهنا حظّها من الكِرَاءِ. وأمّا الحديث الثّاني -وهو أقوى-: وهو حديثُ جابرٍ: أنّه باعَ مِنَ النَّبِيِّ جَمَلًا، وَاشتَرَطَ ظهره إِلَى المَدِينَةِ (٧). وهذا ظاهرٌ في أنّ الاستثناءَ قد وقعَ على جزءٍ من الثَّمَنِ.

стр. 3078

وأمّا قوله (١) في التّرجمة: "والتَّعَدِّي فِيها" فإنّه نبَّهَ على أصلٍ، فإنّ العدوانَ بابٌ عظيم، تصرَّفَت فيه الشّريعةُ بالبيانِ، وتعلّقت به منَ الأفعالِ أحكامٌ، قال النّبيُّ ﷺ : "إِنَّ دِمَاءَكُم وَأَموَالَكُم وأَعْرَاضكم عَلَيكُم حَرامٌ" الحديثَ (٢)، فإذا وقعَ التّعدِّي فيها، فللشَّرعِ على المُتَعَدِّي حكمان: ١ - أحدُهما: حُكمُ زَجرٍ، كالضَّرب والقتلِ. ٢ - والآخر: حُكمُ جَبْرٍ، كالقِيمَة والدِّيَة. وفي الجبر زجرٌ؛ لأَنّه بنَقيضٍ لمِلكٍ المتعدِّي، وليس في الزَّجر جَبرٌ، ولكن فيه حفظٌ واستنفاع، وعنه وقَعَ البيانُ في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ الآية (٣)، ولأجل ذلك شَرَّف الله هذه الأُمَّةَ على سائر الأُمَمِ. فإنّ القِصَاصَ زاجرٌ في كلِّ أُمَّة، وخُصَّت هذه الأُمَّةُ بالدِّيَة جَبرًا، وجعلَ اللهُ الوَلِيَّ بالخِيَارِ بين أنّ يَقتُلَ أو يَأخُذَ الدِّيةَ، وهذا هو الصَحيحُ. ومن النُكَتِ البديعةِ في هذا الحديث: أنّ النّبيَّ ﷺ -لم يذكر فيه الفروجَ، ولكنّها دخلت في الأعراضِ، فاستوعب هذا الحديثُ محارمَ الشّريعةِ.

стр. 3079

وأمّا الزَّجرُ، فيكون بما تقدَّم من القتل والضَّرب. وأمّا الجَبرُ، فيكون بالمِثلِ، وهو على قسمين (١): مثلٌ في الصّورةِ، ومثلٌ في المَالِيَّةِ. فأمّا المثلُ من جهة المالية، فقد عيَّنَها الله في القِيمَةِ من النّقدَيْن وما جرَى مجراهما بالعُرْف. وأمّا المثلُ من طريق الصّورة فيما يُشاهَدُ، وذلك في المَكِيل والموزونِ، أمّا إنّه قد يَشِذُّ من ذلك شيءٌ؛ في التّفريع في مسألة الغَزلِ (٢)، فإنّ العلّماءَ اختلفوا فيها، هل هي من ذوات الأمثالِ، أو من ذوات القِيَمِ؟ والصّحيحُ أنّها من ذَوَاتِ القِيَمِ، فإنّ ضبطَ القاعدةِ أوكَدُ من النّظرِ في الفروع. فإن قيل: كيف تَصنَعُون بما في الحديث الصّحيح، من أنّ النَّبىِّ ﷺ كَانَ فِي بَيتِ بَعض نِسَائِهِ، فَأَهْدَت إِلَيهِ إِحدَى أُمَّهاتِ المُؤمِنِينَ قَصعَة فِيها طَعَامٌ، فَضَرَبَت الَّتِي هُوَ فِي بَيتِهَا يَدَ الخادِمِ، فَوَقَعَتِ القَصَعةُ أَوِ الصَّحْفَةُ فَانْكَسَرَت، فَقالَ النَّبيُّ: "غَارَت أُمُّكُم" وجعل يجمع الطّعام في الصّحفة ويقول: "كُلُوا" فَأَكلُوا وجَبرَ قصعة الّتي هو في بيتها وأرسله إلى الّتي كُسِرَت قصعَتُها (٣). الجوابُ: الأمرُ جرَى للنَّبيِّ ﷺ مرَّتين: إحداهُما: كانت أمُّ سَلَمَةَ أهدَت إلى النَّبىِّ ﷺ وهو في بيت عائشة، خرَّجَهُ النَّسائيُّ (٤). المرّةُ الثّانيةُ: أنّ الّتي أهدَتْ كانت زينبَ، فقالت عائشةُ للنَّبيِّ ﵇: ما

стр. 3080

كفارةُ ما صنَعتُ؟ قال: "إِنَاءٌ بِإناءٍ، وَطَعامٌ بِطَعامٍ" خرّجه مسلم في "صحيحه" (١)، واختلاف المُهدَى دليلٌ على أنّها كانت حالتان، وكانت دارُ النّبيّ وأَهلُهُ وأوانيه والكُلُّ له، وإنّما الكلامُ في التّشَاحِّ بين المتنازِعَين وطلبِ المثلِ على التّحقيق عند الاختلاف، وذلك لا يكون إلّا بالمعيارِ الشّرعيِّ. وقيل: إنّما كان ذلك في القَصعَةِ لحَقارتها، وإن القِيمَةَ في ذلك لا تختلِفُ بخلافِ الأثواب والدّواب؛ فإنها لا تكاد تتّفقُ لكثرة قيمتها. أمّا أنّه قد رُويَ عن عبد الله بن عمر وغيره؛ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "فِي الكَلبِ المتَّخذِ لِلزَّرعِ فَرَقٌ من طَعَامٍ، وَفِي كَلبِ الغَنَمِ شَاةٌ، وَفِي كَلب الصَّيدِ كَذا دِرهَمًا، وفِي كَلب الدَّارِ فَرَقٌ من تُرابٍ، عَلَيكَ أنّ تَحمِلَهُ وَعَلَيهِ أنّ يَأخُذَهُ" (٢) قال الإمام: وهذا الحديثُ ضعيفٌ في السَّنَد، فلا يُلتَفَتُ إليه لضَعفِهِ؛ لأنّه لا يصحّ منه حرفٌ. مَرجِعٌ: فإذا اكتَرَى دابّة فتعدّى، والفروعُ فيها كثيرةٌ، ولكن جملةُ الحالِ ترجِعُ إلى

стр. 3081

أصل، وهو أنّ الشّافعيّ (١) يقولُ: على المتعَدِّي قيمةُ ما أَفسَدَ بالغًا ما بَلَغَ، قليلًا أو كثيرًا، ولا يسقُطُ حقُّ المالِكِ عن العين المملوكةِ بالتَّعدِّي، ولو بَقِيَ منها قيمةُ حبّةٍ، بل يُحْكَمُ بردِّها إلى مالِكها بجميع قيمتها غيرَ تلك الحبَّةِ. وقال مالك وأبو حنيفة (٢): إذا ذهبَ المعظَمُ من المنفعةِ، فعلى المتعدِّي جميع القيمةِ، ويكونُ لربِّ الدّابةِ أو السِّلعةِ أو العبدِ، ويكونُ ذلك كلُّه للمتعدِّي مُعاوَضةٌ قهريّةٌ. وهنا فروعٌ تتعارَضُ فيها الأدلةُ، فحَكَمَ مالكٌ فيها للمَالِكِ بالتّخِييرِ، وقد بيّنّا في "مسائل الخلاف" هذه المآخِذ، والأقوَى عندي فيها مذهبُ الشّافعيِّ إنَّ شاء الله. فروع هذا الباب أربعة: الأوّل (٣): قوله (٤): "فَإِنَّما لِرَبِّ الدَّابَّةِ نِصفُ الكِرَاءِ" إِنَّما جعل لَهُ النِّصف في البَدَاءَة والنِّصف في العودة، بناءً على أنّ قيمتهما سواء لتساويهما في المسافة، وهو الغالب في أحوال المسافات، ولو اختلفت قيمة الكِرَاءِ لرَغْبة النَّاس في البَدَاءَة والعودة للزم التّقديم. الفرع الثّاني (٥): إنَّ ردّها وقد تغيّرت، فلا يخلو أنّ تكون تغيرت تَغَيُّرًا شديدًا أو هلكت. فإن تغيرت، ففي "الواضحة" عن مالك: أنّ من ردّ الدّابة ولم يمسكها إِلَّا يسيرًا، فليس لربِّها إلّا الكِرَاء فقط، إلّا أنّ يكون قد نقصها وغيّرها تغيُّرًا شديدًا، فهو مخيَّرٌ بين كِرائها في تلك الأيَّام وبين قيمتها. وكذلك لو عطبت في مُدَّة التَّعدِّي، والتّعدِّي يكون في

стр. 3082

حبسها بعد زمان الكِرَاءِ. الفرع الثّالث (١): وأمّا التَّعدِّي في تجاوزِ المسافة، فمثل أنّ يكتري دابّة للرُّكوب من مصر إلى برقة، فيركبها إلى إفريقية، فهذا حكمُه في طول الإمساك، وقُربه مثل ما تقدّم في الزِّيادة على زمن الكِرَاء إنَّ ردّها سالمة، فقد رَوَى ابن حبيب عن مالك؛ أنّه إذا لم يُجاوِز المسافة إلّا باليسير، فليس لصاحبها إلّا الكِرَاء بمقدار ما زاد، ولو زاد كثيرًا خُيِّرَ ربّها، فإن عَطِبَت في القليل والكثير فهو ضَامِنٌ لها. الفرع الرّابع (٢): وأمّا التَّعدِّي في الحمل، فعلى وجهين: أحدهما: الزيادة فيه من جنسه. والثّاني: حمل غير ذلك الجنس. فأمّا الأوّل، ففي "المدوّنة" (٣) فيمَنِ اكترَى دابَّة ليحمل عليها أرطالًا، فحمل أكثر فعَطِبَتْ، إنَّ كانت الزِّيادة يُعطَبُ من مثلها، فلصاحبها الكِرَاء الأوّل وكراء ما تعدَّى فيه. وقال سحنون: إنَّ زاد ولو رطلًا ضمن. وقال عبد الملك: الفرق بين هذا وبين الزِّيادة في المسافة؛ أنّ مجاوزة المسافة تَعَدٍّ كلّه، فلذلك ضمنها في قليله وكثيره، وزيادة الحمل إذا اجتمع فيه تعدّ وإذن، فإنْ كانتِ الزِّيادة يعطَب من مثلها ضمن وإلّا لم يضمن.

стр. 3083

فإذا قلنا: له كِرَاءُ الزِّيادة إنَّ شاء، ففي "المدوّنة" (١): له أجر مثل القفيز الزّائد ما بلغ، إلّا أنّ يكون مثل قفيز من العشرة الّتي اكترى عليها. ووجه ذلك: أنّ له فيه قيمة كراءِ مثلِهِ ما بلغت (٢)؛ لأنّه لم يتقدّم فيه عَقد، والفروع كثيرة اقتصرنا على هذه النّبذة منها، وبالله التّوفيق. القضاء فيى المسْتَكْرَهَةِ من النِّساء الفقه في ستّ مسائل: المسألة الأولى (٣): قال علماؤنا: إذا غَصَبَ الفَرْجَ وجَبَت عليه قيمتُه؛ لأنّ ما ضُمِنَ بالمُسَمَّى في الصّحيح من العَقد وبالمِثْلِ في الفاسِدِ، ضُمِنَ بالإتلاف، أصلُه الأعيانُ. ولا تستَمِرُّ لنا هذه المسألةُ مع أبي حنيفةَ وأهل الكوفَةِ إلّا بعدَ القولِ بأنّ منافعَ الرِّقابِ مضمونةٌ بالإتلاف، وفيه خمسةُ أقوالٍ، والصّحيحُ منها أنّ المنافعَ مالٌ، وأنّها مضمونةٌ، سواءٌ تَلِفَت تحتَ اليَدِ العاديّةِ، أو أَتْلَفَها المُتَعَدِّي. وقال أبو حنيفةَ (٤): منافعُ البُضْعِ لا تُقَوَّمُ، وليس المَهْرُ في النِّكاح ثمنًا لها. قلنا: لو كان هذا صحيحًا لما ضُمِنَتْ بالمِثلِ في الفاسِدِ. فإن قيل: ذلك لشُبهة العَقد.

стр. 3084

قلنا: إذا ضُمِنَت بالاستيفاءِ بالشُّبهَةِ، فأَولَى وأَحرَى أنّ تُضمَنَ بالإتلاف في اليقين. وقد مهّدنا ذلك في "مسائل الخلاف" فإنّها من المطوّلات، وهذه المسألة لا تُتَصَوَّر إلّا بأحد ثلاثة أوجهٍ: الوجهُ الأوّل: إنَّ ثَبَتَ الزِّنا غَضبًا، فلا بدَّ من ثلاثة أحوال: إمّا برَجمٍ، أو بجَلدٍ، أو بغُرْمٍ. الوجهُ الثّاني: إنَّ ثبتَ ذلك بالإقرار، فلا بدَّ من الحُكم فيه، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء. الوجهُ الثّالث: انفردَ به مالك، وهو أنّ يَشهَدَ شاهدان أنّه احتمَلها قهرا حتّى أدخلَها في داره، ثمّ خرجت فقالت: وَطِئَنِي. قال العلّماءُ: يُؤدَّب أَدبًا عظيمًا، وتُحَدُّ هي حدَّ القَذْفِ، وتُحَدُّ في نفسها حدَّ الزِّنَى كيف ما كانت صفتُها. وقال مالك: لا تُحَدُّ بهذا، بل تُصَدَّق مع يمينها وَيغرَمُ المَهرَ. وهذا مبنيٌ على قاعدة المصلحة؛ فإنّه لا يَصِحُّ أنّ تُدْخَلَ الدّارَ قهرًا ثمّ يظهَرَ بها حَملٌ فتُرجَمَ أبدًا، فلا بد أنّ تقول: إنّه من فلان، وقد ظهرَ مِنَ الحالِ ما يشهَدُ لها، وقد أوجَبَ ذلك على نفسه تصديقَها فيما يكونُ من حقوقها، ومن حقوقِها المَهرُ. المسألة الثّانية (١): المستكرهة لا يخلوا أنّ تكون حُرّة أو أَمَة، فإن كانت حُرّة فلها صَداق مِثْلِها على من استكرهها وعليه الحدّ، وبه قال الشّافعيّ (٢)، وهو مذهب اللَّيث، وقد رُويَ عن عليّ ﵁.

стр. 3085

وقال أبو حنيفة (١) والثوري: عليه الحدّ دون الصَّدَاق. ودليلنا: أنّ الحدَّ والصَّداق حقّان: أحدهما لله، والثّاني للمخلوق، فجاز أنّ يجتمعا، كالقطع في السّرقة وردّها. وقال مالك: سواء كانت حرّة مسلمة أو في ذِمِّيَّة أو صغيرة افتضّها. المسألة الثّالثة (٢): فإنِ افتضَّها بأصبعه، ففي "الموّازية" من رواية أبي زيد عن ابن القاسم؛ أنّ ذلك كالجائفة، في ذلك ثُلُث دِيَّتها. قال محمّد: وأحبّ ما فيه إليَّ أنّ ينظر إلى قَدرِ نقصها عند الأزواج، مثل أنّ يكون مَهر مِثْلِها بكرًا مئة وثَيِّبًا خمسون. فيؤدِّي ما نقص ذلك. وقال ابن حبيب (٣): لأنّه جرح وليس بوطىءٍ. فرع: فإن كان الّذي افتضّها بأصبعه أو ذَكَرِهِ صبيًّا؟ قال محمّد: فيه في قولنا الاجتهاد بعد رَأي الإمام وأهل المعرفة، وقد حَكَمَ فيه عبد المَلِك بأربعين دينارًا (٤). المسألة الرّابعة (٥): فإذا ثبت ذلك، فإنّ النِّساء على ثلاثة أضرب: كبيرة، أو صغيرة لا تُمَيِّز، أو صغيرة تُمَيِّز. فأمّا الكبيرة، فهذا حكمها إنَّ أُكرِهت، وأمّا إنَّ أَمكَنَت من نفسها، فعليها الحدّ ولا شيءَ لها.
следующие страницы →