← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

أصل، وهو أنّ الشّافعيّ (١) يقولُ: على المتعَدِّي قيمةُ ما أَفسَدَ بالغًا ما بَلَغَ، قليلًا أو كثيرًا، ولا يسقُطُ حقُّ المالِكِ عن العين المملوكةِ بالتَّعدِّي، ولو بَقِيَ منها قيمةُ حبّةٍ، بل يُحْكَمُ بردِّها إلى مالِكها بجميع قيمتها غيرَ تلك الحبَّةِ. وقال مالك وأبو حنيفة (٢): إذا ذهبَ المعظَمُ من المنفعةِ، فعلى المتعدِّي جميع القيمةِ، ويكونُ لربِّ الدّابةِ أو السِّلعةِ أو العبدِ، ويكونُ ذلك كلُّه للمتعدِّي مُعاوَضةٌ قهريّةٌ. وهنا فروعٌ تتعارَضُ فيها الأدلةُ، فحَكَمَ مالكٌ فيها للمَالِكِ بالتّخِييرِ، وقد بيّنّا في "مسائل الخلاف" هذه المآخِذ، والأقوَى عندي فيها مذهبُ الشّافعيِّ إنَّ شاء الله. فروع هذا الباب أربعة: الأوّل (٣): قوله (٤): "فَإِنَّما لِرَبِّ الدَّابَّةِ نِصفُ الكِرَاءِ" إِنَّما جعل لَهُ النِّصف في البَدَاءَة والنِّصف في العودة، بناءً على أنّ قيمتهما سواء لتساويهما في المسافة، وهو الغالب في أحوال المسافات، ولو اختلفت قيمة الكِرَاءِ لرَغْبة النَّاس في البَدَاءَة والعودة للزم التّقديم. الفرع الثّاني (٥): إنَّ ردّها وقد تغيّرت، فلا يخلو أنّ تكون تغيرت تَغَيُّرًا شديدًا أو هلكت. فإن تغيرت، ففي "الواضحة" عن مالك: أنّ من ردّ الدّابة ولم يمسكها إِلَّا يسيرًا، فليس لربِّها إلّا الكِرَاء فقط، إلّا أنّ يكون قد نقصها وغيّرها تغيُّرًا شديدًا، فهو مخيَّرٌ بين كِرائها في تلك الأيَّام وبين قيمتها. وكذلك لو عطبت في مُدَّة التَّعدِّي، والتّعدِّي يكون في

стр. 3082

حبسها بعد زمان الكِرَاءِ. الفرع الثّالث (١): وأمّا التَّعدِّي في تجاوزِ المسافة، فمثل أنّ يكتري دابّة للرُّكوب من مصر إلى برقة، فيركبها إلى إفريقية، فهذا حكمُه في طول الإمساك، وقُربه مثل ما تقدّم في الزِّيادة على زمن الكِرَاء إنَّ ردّها سالمة، فقد رَوَى ابن حبيب عن مالك؛ أنّه إذا لم يُجاوِز المسافة إلّا باليسير، فليس لصاحبها إلّا الكِرَاء بمقدار ما زاد، ولو زاد كثيرًا خُيِّرَ ربّها، فإن عَطِبَت في القليل والكثير فهو ضَامِنٌ لها. الفرع الرّابع (٢): وأمّا التَّعدِّي في الحمل، فعلى وجهين: أحدهما: الزيادة فيه من جنسه. والثّاني: حمل غير ذلك الجنس. فأمّا الأوّل، ففي "المدوّنة" (٣) فيمَنِ اكترَى دابَّة ليحمل عليها أرطالًا، فحمل أكثر فعَطِبَتْ، إنَّ كانت الزِّيادة يُعطَبُ من مثلها، فلصاحبها الكِرَاء الأوّل وكراء ما تعدَّى فيه. وقال سحنون: إنَّ زاد ولو رطلًا ضمن. وقال عبد الملك: الفرق بين هذا وبين الزِّيادة في المسافة؛ أنّ مجاوزة المسافة تَعَدٍّ كلّه، فلذلك ضمنها في قليله وكثيره، وزيادة الحمل إذا اجتمع فيه تعدّ وإذن، فإنْ كانتِ الزِّيادة يعطَب من مثلها ضمن وإلّا لم يضمن.

стр. 3083

فإذا قلنا: له كِرَاءُ الزِّيادة إنَّ شاء، ففي "المدوّنة" (١): له أجر مثل القفيز الزّائد ما بلغ، إلّا أنّ يكون مثل قفيز من العشرة الّتي اكترى عليها. ووجه ذلك: أنّ له فيه قيمة كراءِ مثلِهِ ما بلغت (٢)؛ لأنّه لم يتقدّم فيه عَقد، والفروع كثيرة اقتصرنا على هذه النّبذة منها، وبالله التّوفيق. القضاء فيى المسْتَكْرَهَةِ من النِّساء الفقه في ستّ مسائل: المسألة الأولى (٣): قال علماؤنا: إذا غَصَبَ الفَرْجَ وجَبَت عليه قيمتُه؛ لأنّ ما ضُمِنَ بالمُسَمَّى في الصّحيح من العَقد وبالمِثْلِ في الفاسِدِ، ضُمِنَ بالإتلاف، أصلُه الأعيانُ. ولا تستَمِرُّ لنا هذه المسألةُ مع أبي حنيفةَ وأهل الكوفَةِ إلّا بعدَ القولِ بأنّ منافعَ الرِّقابِ مضمونةٌ بالإتلاف، وفيه خمسةُ أقوالٍ، والصّحيحُ منها أنّ المنافعَ مالٌ، وأنّها مضمونةٌ، سواءٌ تَلِفَت تحتَ اليَدِ العاديّةِ، أو أَتْلَفَها المُتَعَدِّي. وقال أبو حنيفةَ (٤): منافعُ البُضْعِ لا تُقَوَّمُ، وليس المَهْرُ في النِّكاح ثمنًا لها. قلنا: لو كان هذا صحيحًا لما ضُمِنَتْ بالمِثلِ في الفاسِدِ. فإن قيل: ذلك لشُبهة العَقد.

стр. 3084

قلنا: إذا ضُمِنَت بالاستيفاءِ بالشُّبهَةِ، فأَولَى وأَحرَى أنّ تُضمَنَ بالإتلاف في اليقين. وقد مهّدنا ذلك في "مسائل الخلاف" فإنّها من المطوّلات، وهذه المسألة لا تُتَصَوَّر إلّا بأحد ثلاثة أوجهٍ: الوجهُ الأوّل: إنَّ ثَبَتَ الزِّنا غَضبًا، فلا بدَّ من ثلاثة أحوال: إمّا برَجمٍ، أو بجَلدٍ، أو بغُرْمٍ. الوجهُ الثّاني: إنَّ ثبتَ ذلك بالإقرار، فلا بدَّ من الحُكم فيه، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء. الوجهُ الثّالث: انفردَ به مالك، وهو أنّ يَشهَدَ شاهدان أنّه احتمَلها قهرا حتّى أدخلَها في داره، ثمّ خرجت فقالت: وَطِئَنِي. قال العلّماءُ: يُؤدَّب أَدبًا عظيمًا، وتُحَدُّ هي حدَّ القَذْفِ، وتُحَدُّ في نفسها حدَّ الزِّنَى كيف ما كانت صفتُها. وقال مالك: لا تُحَدُّ بهذا، بل تُصَدَّق مع يمينها وَيغرَمُ المَهرَ. وهذا مبنيٌ على قاعدة المصلحة؛ فإنّه لا يَصِحُّ أنّ تُدْخَلَ الدّارَ قهرًا ثمّ يظهَرَ بها حَملٌ فتُرجَمَ أبدًا، فلا بد أنّ تقول: إنّه من فلان، وقد ظهرَ مِنَ الحالِ ما يشهَدُ لها، وقد أوجَبَ ذلك على نفسه تصديقَها فيما يكونُ من حقوقها، ومن حقوقِها المَهرُ. المسألة الثّانية (١): المستكرهة لا يخلوا أنّ تكون حُرّة أو أَمَة، فإن كانت حُرّة فلها صَداق مِثْلِها على من استكرهها وعليه الحدّ، وبه قال الشّافعيّ (٢)، وهو مذهب اللَّيث، وقد رُويَ عن عليّ ﵁.

стр. 3085

وقال أبو حنيفة (١) والثوري: عليه الحدّ دون الصَّدَاق. ودليلنا: أنّ الحدَّ والصَّداق حقّان: أحدهما لله، والثّاني للمخلوق، فجاز أنّ يجتمعا، كالقطع في السّرقة وردّها. وقال مالك: سواء كانت حرّة مسلمة أو في ذِمِّيَّة أو صغيرة افتضّها. المسألة الثّالثة (٢): فإنِ افتضَّها بأصبعه، ففي "الموّازية" من رواية أبي زيد عن ابن القاسم؛ أنّ ذلك كالجائفة، في ذلك ثُلُث دِيَّتها. قال محمّد: وأحبّ ما فيه إليَّ أنّ ينظر إلى قَدرِ نقصها عند الأزواج، مثل أنّ يكون مَهر مِثْلِها بكرًا مئة وثَيِّبًا خمسون. فيؤدِّي ما نقص ذلك. وقال ابن حبيب (٣): لأنّه جرح وليس بوطىءٍ. فرع: فإن كان الّذي افتضّها بأصبعه أو ذَكَرِهِ صبيًّا؟ قال محمّد: فيه في قولنا الاجتهاد بعد رَأي الإمام وأهل المعرفة، وقد حَكَمَ فيه عبد المَلِك بأربعين دينارًا (٤). المسألة الرّابعة (٥): فإذا ثبت ذلك، فإنّ النِّساء على ثلاثة أضرب: كبيرة، أو صغيرة لا تُمَيِّز، أو صغيرة تُمَيِّز. فأمّا الكبيرة، فهذا حكمها إنَّ أُكرِهت، وأمّا إنَّ أَمكَنَت من نفسها، فعليها الحدّ ولا شيءَ لها.

стр. 3086

وأمّا الصّغيرة الّتي لا تُمَيِّز، فحكمها حكم الإكراه على كلِّ حالٍ؛ لأنّ تمكينها ليس بتمكين. وأمّا الصغيرة الّتي لا تُمَيِّز، ففي "العُتبيّة" (١) من رواية سحنون عن أشهب في الصَّبِيَّة تُمَكِّن من نفسها رجلًا: فإن كان مثلُها يخدع، فعليه الصَّدَاق، وإن كان مثلُها لا يُخدَع، فلا صَداق عليه وإن لم تحض. المسألة الخامسة (٢): وبماذا يثبتُ الإكراه، إنَّ قامت بيّنةٌ فهو أقوَى ما فيه، وهذا لا خلافَ فيه، ولا يثبت هذا إلّا بِالإشهاد، إشهاد أربعة أنّه زنا بها مُكرَهَة، فهذا يلزمه الصَّداق لها، ويجب عليه الحدّ بشهادتهم، ولو شهد شاهدان، قال ابنُ القاسم، أو دون أربعة حدّوا بالقَذفِ، قال أَصبَغ: لأنّهما قطعًا عليه بالوطءِ. فرع (٣): فإن لم يشهد عليه بذلك، ولكنه شهد عليه شاهدان بإقراره، أو أنّهما رَأيَاهُ أدخلها منزله غَصْبًا، فغاب عليها، فقالت: أصابني. فقال سحنون وابنُ القاسم: لها الصَّدَاق عليه (٤)، ورواه محمّد عن مالك. ولا حَدَّ عليها ولا على الشّاهِدَين.

стр. 3087

ووجه ذلك: قوّة الأمر في البَيِّنَة مع ما بلغته من فضيحة نفسها، فقوَّى ذلك دَعواها واستحقَّت بِبَيِّنتها صَدَاقها. فرع (١): فإن نظر إليها النِّساء فألفينها بِكرًا، ففي "الموّازية" قال أشهبُ؛ لا شيءَ (٢)، قال أَصْبَغُ: وقد قيلَ: ذَلِكَ لَها. ووجه الأوّل: أنّ شهادة النِّساء تبطلُ ما ادّعَته. ووجه الثّاني: أنّ النِّساء في ما في أرحامهنّ مُؤتمنات، والحرائر لا يُنظَر إليهنّ. فإذا حلفت فاستحقّت الصَّداق، فلا حدَّ على الرَّجل بذلك، رواه سحنون عن ابن القاسم. وقال مالك في "الموازية": يرجع أدبًا إنَّ أنكر. قال الإمام: ووجه ذلك: أنّ يمينها إنّما يؤثّر في استحقاقها الصَّداق. وأمّا وجوب الحدّ عليه فلا تأثير ليمينها فيه؛ لأنّه من حقوق الله فلا يثبت إِلَّا بالبَيِّنَة القاطعة. فإن قذفت رجُلًا صالحًا، فعليها الحدّ للقَذف قولًا واحدًا (٣). وإن قذفت غير صالح، فلا حدَّ عليها روايةً واحدةً أيضًا، رواه ابن حبيب عن مالك. فوجه إثبات الحدّ عليها: أنّ صلاحَهُ يشهد له، ولم يوجد من خُلُوِّه بها على وجه التَّعدِّي منه ما يشهد لها. المسألة السّادسة (٤): قوله (٥): "فَإِنْ كَانَت حُرَّةً فلَها صَدَاقُ المِثلِ. وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، فَعَلَيهِ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا" وقد تقدّم الكلام في الحُرَّة، والكلام هاهنا في الأَمَة، وذلك أنّ من وطِئ أَمَةَ

стр. 3088

غَيرِه، فإن أَكرَهَهَا، فلا خلاف في المذهب أنّ عليه ما نقصها بِكرًا كانت أو ثَيِّبًا، ويريد بالثّمن في هذا الموضع القِيمَة. وفي "العُتبِيّة" (١) من رواية أشهب عن مالك في الأمَةِ الفارهة تتعلّق برَجُل تَدَّعِي أنّه غصبها نفسها، قال: الصَّدَاق عليه بما بلغت من فضيحتها نفسها بغير يَمينٍ، كانت بكرًا أو ثيِّبًا. وقال: يريد في عدم ما نقصها في الحدّ. وقد اختلف العلماء في إلزامه نقص الأمَةِ وصَداق الحُرَّة بهذا. فرع (٢): فإن طاوعته، فقال ابن القاسم في "المدوّنة" (٣): عليه ما نقصها. وقال غيره: لا شيءٍ عليه، وهو الصّواب. توجيه وتنقيح: أمّا الوجه الأوّل: أنّ الصَّداق حقٌّ للسَّيِّد فلا يسقط بإباحة الأَمَةِ، كما لو أباحت له قطع يدها. ووَجهُ الثّاني: أنّها محجورٌ عليها. فبإباحتها الوَطءَ سقط المَهر كالبِكرِ. فرع (٤): قوله: (٥): "فَإِن كَانَ المُغتَصِبُ عَبْدًا، فَذَلِكَ عَلَى سَيِّدِهِ، إِلَّا أنّ يَشَاءَ أنّ يُسَلِّمَهُ"

стр. 3089

ومعنى ذلك: أنّ جنايَتَهُ متعلِّقةٌ برقبته؛ لكن سيِّده مُخَيَّرٌ بين أنّ يفتكّهُ بالجِناية بالغة ما بلغت، أو يسلِّمه بفعله ولا شيءٍ عليه غير ذلك، فيكون مِلكًا لمن جنَى عليه، وهذا إذا ثبت ذلك عليه بِبَيِّنَة. وقال مالك في "المَوَّازيَّة": وما لزمه من صَدَاق الحرّة ونقص الأَمَة، ففي رقبته، ويُقبل إقرارُه فيه بفَوْرِ ما فعل، وهي متعلِّقة تدمي، فأمّا ما بَعُدَ من فعله فلا يُقبَل قولُه فيما يلحق برقبته (١). المسألة السّابعة (٢): فإن كان الواطىء ذِمِّيًا، ففي "الموّازية": إنَّ أكرهها أنَّه يُقتَل، كنقض العهد في المحصنة المسلمة، وقاله اللَّيث. وقال محمّد: وقد قتل أبو عُبَيدَة ذمِّيًا استكرَهَ مسلمةً. وقال سحنون عن ابن القاسم في "العُتبيّة" (٣): إذا اغتصب النّصرانيّ حرّة مسلمة قُتِلَ (٤). وروي عن ابن وهب أنّه قال: إنَّ اغتصبها صلب. فرع (٥): فإن قيل: بماذا يثبت اغتصابه لها؟

стр. 3090

قال سحنون عن ابنِ القاسم (١): يثبت ذلك بأربعة شهداء، وقد كان يقول بشاهدين ثمّ رجع إلى هذا، وبه قال سحنون. ووجه اعتبار الأربعة: ما احتجّ به سحنون: من أنّ القتل لا يثبت إلّا بالوطءِ ولا يثبت الوطءُ إلّا بأربعة شهداء. ووجه الثّاني: أنّ الاعتبار بالإكراه، ولذلك لو لم يكن الإكراه لم يجب القتل، والإكراه يثبت بشهادة رجلين. فرع (٢): فإن طاوعنه، فقد قال مالك في "الموازية": تُحَدُّ هي وينكّل هو، والنّكال في هذا مثل ضعفي الحدّ وأكثر جَلدًا عظيمًا. وقال ابنُ وَهبِ: يجلد حتّى يموت منه. فرع (٣): فإن استكره أَمَة مسلمة، قال محمّد: لا يقتل؛ لأنّه لو قتلها لم أقتله بها، وفيه اختلاف، وهذا أحبّ إليّ لما جاء: لا يُقتَل حُرٌّ بعبدٍ، وقد قال مالك: عليه في الأَمَة ما نقصها في البكر والثَّيِّب. وهذا كله فيما يجب عليه بحقِّ الإسلام، وأمّا ما يلزمه من الحقّ، ففي "المدوّنة" أنّه يردّ إلى أهل دينه. ووجه ذلك: أنّه إنّما عُقِدَت لهم الذِّمَّة لتنفذ بينهم أحكامهم وشرائعهم. والفروعُ في هذا الباب كثيرة جدًّا؛ لأنّها مسألة عظيمة الموقع، فجئنا بالمشهور من أقاويل العلماء فيها، فَليُعتَمد عليه، والحمد لله.

стр. 3091

القضاء في استهلاك الحيوان والطّعام الفقه في مسائل: المسألة الأولى (١): قوله (٢):"مَنْ اسْتَهلَكَ شَيئًا مِنَ الحَيَوَانِ بِغَيرِ إِذنِ صَاحِبِهِ، أَنَّ عَلَيهِ قِيمَتهُ يَومَ استَهلَكَهُ". وهذا على ما قال، وكذلك العُروض كلّها ممّا ليس بمكيل ولا موزون ومعدود. ومعنى قولنا: "معدود": أنّ تستوي آحاد جملته في الصِّفَة غالبًا، كالبيض والجوز، كما تستوي حبوب القمح والشّعير من المكيل، وآحاد العنب المرزون. فأمّا استهلاك الحيوان والعُروض فعلى ضربين: احدهما: ان يستهلك الجملة. والثّاني: أنّ يستهلك البعض. واستهلاكُ الكلِّ على قسمين: ١ - أحدهما: أنّ يتقدّمه غَصْبٌ. ٢ - *أو لا يتقدّمه غَصْب. فإذا تقدّم عليه غصب*، فالضّمان يتعلّق به دون الاستهلاك؛ لأنّه لو انفرد الغَصْبُ لضمن، وقد رَوَى ابنُ وهب عن مالك في "المجموعة" فيمن اغتَصَبَ عبدًا فمات في وقته في غير سببٍ؛ فإنّه ضامن له لتعدِّيه، وقاله ابن القاسم.

стр. 3092

المسألة الثّانية (١): قال ابنُ القاسم فيمن غصَبَ دارًا فلم يسكنها حتّى انهدمت: إنّه ضامنٌ لها ولقيمتها، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنَّ مَا لَا يصحُّ نقلُه (٢) لا يضمن بالغَضبِ. ودليلُنا: أنّ هذا معنى يضمن به* ما ينقل ويحول، فضمن، به* ما لا ينقل، كالإتلاف والاستهلاك. قاله أشهب، وإن هلك بأمر من الله (٣). المسألة الثّالثة (٤): فيمن غصب أمّ ولد رَجُلٍ فماتت عنده، ففي "العُتبيّة" (٥) عن عيسى عن ابن القاسم؛ أنّه يضمن قيمتها على أنّها أَمَة لا عتق فيها. وقال سحنون في "المجموعة": لا يضمنها ويضمن ولدها (٦). تنقيح (٧): فوجه الأوّل: أنّها محبوسة بالرِّق، فضمنت بالغَضبِ كالأمَة. ولأنّ ابنها له حكمها، وقد أجمعنا أنّه يضمن بالغَصب، فكذلك الأمّ. ووجه الثّاني: أنّه لا يصلح بيعها بوجهٍ، ولا تسلّم في جناية، فلم تُضمَن كالحُرَّة، وفرقُ بينها وبين وَلَدِها؛ بأنّها لا تسلم في الجِنَاية ولا تستخدم، وولدها يُستخدَم ويُسلَّم في الجناية، فالغاصبُ له قد حبسّ منافعه، فلزمه ضمانه.

стр. 3093

المسألة الرَابعة (١): ومن غصب وَدْيًا (٢) فغرسها في أرضه فكبرت، ففي "الموّازية" عن مالك: أنّ لربّها أخذها، وكذلك الحيوان يكبر فَلِرَبِّه أخذه. وقال سحنون: إنّما يحكم في النّبات بقَلْعِه إذا كان ممّا يعلق، فإنّه يقلع ويغرس. أمّا الشجر، فعندي أنّ الغاصب إنَّ كان قلعها وقد علقت، فإنّ له أنّ يأخذها أو يضمن القيمة؛ لأنّه ليس على ثقة إنَّ فعلها وغرسها أنّ تعلّق. وإن كان إنّما أخذها مقلوعة، فهي بمنزلة الحيوان لا خِيارَ له، وإنّما يجب الخيار له في موضعِ النقص، وقد قال ابنُ القاسم وأشهب فيمن غصب خمرًا فخلّلها: ليس له إلّا أخذها خلًا. وقال أشهب: إِلَّا أنّ يكون صاحبها ذِمِّيًا، فله أنّ يأخذها أو يضمنه قيمتها (٣) يوم الغصْب. ووجه ذلك: أنّها إذا كانت لمسلم فقد زادت بالتّخليل، فلم يكن له إلّا عين ماله، وإن كانت لذِمِّيٍّ فقد نقصت في حقّه، فلذلك كان له الخيار. المسألة الخامسة (٤): إذا غاب الغاصب عن الجارية ولم يعلم أنّه وطئها، فقد رَوَى ابن حبيب عن ابنِ الماجِشُون ومُطَرِّف: أنّ صاحبها بالخِيَارِ بين أنّ يأخذَها أو يضمنه قيمتها، قال: وهذا قول مالك وأصحابه. قال: ولسنا نقول ذلك في الرّقيق المذكور، ولا في

стр. 3094

الدّوابّ. ومعنى ذلك: أنّه لا يُؤمن (١) على أنّ يصيبَها، وذلك ينقص ثمنها. وقال أَصْبَغُ: إنّما ذلك في الجارية الرّائعة. فرع (٢): ومن غصبَ شيئًا من ذلك، فوجده صاحبه بغير البلد (٣)، ففي "المجموعة" من رواية سحنون عن ابنِ القاسم عن مالك: ليس له أنّ يأخذهم إلّا حيث وجدهم (٤). وقال أشهب في الحيوان والعُروض: له أنّ يأخذه. حيث وجده، أو يأخذ قيمته منه حيث غصبه (٥). وأمّا "البَزُّ والعُروض" فربُّه مُخَيَّرٌ بين أخذه (٦)، أو قيمته حيث غصبه، وقاله أشهب (٧). وقال سحنون: البَزُّ والرّقيق سواءٌ، إنّما له أخذه حيث وجده ما لم ينغيّر في يَدَيْهِ (٨). فإن أخذه في غير البلد (٩)، فلا كراء عليه ولا نفقة، ولا على الغاصب ردّها له، قاله أَصبَغ وأَشْهَب.

стр. 3095

المسألة السّادسة (١): ومن قطع يدَ عبدٍ أو فقا عينه، قال أشهب (٢): عليه ما نقصه، ويجعل ذلك في حيّز اليسير، قال: وأمّا قطعُ اليدِ في البهائم فيبطل جلَّ منافعها، فعليه قيمتها. وأمّا فقء العين وقطع الأذن أو الذَّنب أو كسرها كسرًا يُجبَر، فإنّ عليه قيمتها، وقال مالك: عليه ما نقصها. وأمّا قطع يد العبد أو فقء عينه، فإنّ ربّه مخيَّرٌ بين أخذ ما نقصه، أو يضمنه قيمته فيجعله في حيِّزِ الكثير. وقال ابنُ حبيب وابن المَاجِشُون فيمن قطع يدَ عبدٍ، فإن كان صانعًا وعظم قَدْره لصنعته ضمنه، وإن لم يكن صانعًا فقيمته ما نقصه وإن كان تاجرا نبيلًا. وأمّا فقء العين ففيه ما نقصه لهان كان صانعًا. فرع (٣): وأمّا إذا كان الفساد كثيرًا، فقد قال ابنُ القاسم: فيه القيمة؛ لأنّ قطع اليد قد أذهبت أكثر منافعه ففيه القيمة. فرع (٤): وأمّا إذا كَثُر الفساد في الثّوب والعبد إذا كان له تضمينه بكثرة الفساد، فليس له

стр. 3096

أنّ يأخذه وما نقصه، وإنّما له أخذه على حاله أو قيمته، وكذلك ذابح الشّاة فليس لصاحبها أنّ يأخذها لحمًا وما نقصها. فرع (١): ومن غَصَبَ قمحًا فطَحَنَه، قال ابنُ القاسم (٢): عليه مثله. وقال أشهب: يأخذ دقيقه ولا شيءٍ عليه في طحنه. قال الإمام: وأصلُ ابن القاسم مخالف لأصل أشهب، وذلك أنّ ابنَ القاسم يقول: إنَّ الغَاصِب إذا صنع فيما غَصبَ صناعةً، لم يكن للمغصوب أنّ يأخذ ذلك، إِلَّا أنّ يدفع إلى الغَاصِب قيمة تلك الصناعة، وإلّا ضمنه ما غصبه، فإن كان ثوبًا صبغه، كان لصاحبه أنّ يدفع إليه قيمة صبغه أو يضمنه قيمة ثوبه. فرع (٣): ومن غَصَبَ عمودًا أو خَشَبَةً فأدخلها في بنيانه، فلصاحبها أنّ يأخذها وإن خَرِبَ البنيان، قاله مالك وأشهب وابن القاسم. ولو عَمِلَ الخَشَبَة بابًا لم يكن له أخذه، قال مالك: لأنّه لا يقدر أنّ يُعيدَه إلى ما * كان عليه، وعلى قول أشهب قد انتقل عن اسم الخشبة إلى اسم الباب، وليس له أخذ الباب* دون غرم قيمة الصّنعة، ولا أنّ يأخذه ويدفع قيمته؛ لأنّه قد حال إلى غير ما كان عليه. وكذلك الحِنطَة تُتَّخَذ خبزًا والجلد خِفافًا.

стр. 3097

فرع (١): ومن غَصَبَ فضَّة فصاغها حليًا أو ضربها دراهم، أو دراهم فصاغها، أو حليًّا فكسره وصاغ منه *آخر يخالفه، أو نُحَاسًا فصنع منه* آنيةً أو حديدًا، فعمل منه سيوفًا، فقال ابنُ القاسم وأَشهَب: ليس لربّه أخذ ذلك وله مثل وزن فضّته ونُحاسِه وحديده، أو مثل دراهمه وقيمة حليّه. القضاءُ فيمنِ ارتدَّ عن الإسلام وَقالَ (٢) في حَدِيثِ الرَّجُلِ الذِي قَدِمَ عَلَى عُمَرَ من قِبَلِ أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيّ. فَسَأَلَهُ عَنِ النَّاسِ. فَأَخبَرَهُ. فقالَ عُمَرُ: هَل فِيكُم من مُغَرِّبَةٍ؟ فَقَال: نَعَم، رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ. فَقَالَ: فَمَا فَعَلتُم بِهِ؟ قالُوا: قَرَّبنَاهُ فَضَرَبنَا عُنُقَهُ. فَقالَ عُمَرُ: هَلَّا حَبَستُمُوهُ ثَلَاثًا، وأَطعَمتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا، واستَتَبتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ وُيراجِعُ الإسلَامَ. اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحضُرْ، ولَمْ آمُر، وَلَمْ آرْضَ، إِذ بَلَغَني. الإسناد: قال الإمام: قد قدَّمَ مالك في صَدْر هذا الباب حديثين صحيحين: أحدُهما مُرسَلٌ، عن زَيد بن أسْلمَ؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ بَدّلَ دِينَهُ فاضربُوا عُنُقَهُ" (٣). قال

стр. 3098

يحيى (١): سمعتُ مالكًا يقول: مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فافتُلُوهُ (٢). وإنّما قدّمنا الحديث الأوّل لما فيه من العلّوم. عربية (٣): اختلفَ الرّواةُ في ضبط هذا الحرف: فبعضهم يرويه بتخفيف الرّاء يعني: غريبة خَبَرٍ، من الخَبَر الغريب، وهو الخبر الحادث المجهول (٤). وبعضهم يرويه: مُغَرَّبَة خَبَر -بتشديد الرّاء-. وبعضهم بتخفيفها وجزم الغين. قال ابنُ حبيب (٥): والصّوابُ مُغرِبَةُ بتخفيف الرّاء "وليست مُغرّبَةُ بالتّشديد" كما قال أبو عُبَيْد (٦). وأصلُها فيما نرى من الغَرب وهو البُعد: "لأنّ المغرّبة بالتشديد هي الّتي تنحو ناحية الغرب، كما تقول: مُشرَّقَةٌ في اَلتي تنحُوا ناحيةَ المشرقِ" (٧). واللفظُ الثّاني قوله: "خبر" يُرْوَى بحذف التّنوين وخفض خبرٍ على النَّعت، ويجوزُ

стр. 3099

رفع خبر على الابتداء وخبره في المحذوف. الأصول: قال (١) الإمام: ثبتَ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فاقتُلُوه" (٢) من كلِّ طريقٍ، وهو عامٌّ في كلِّ مُبَدِّلٍ، لقوله: "مَنْ" وهي من ألفاظ العموم، وقد شَهِدَت له القاعدةُ بالاستمرارِ على الشُّمولِ. فلذلك قلنا: إنَّ المرأة إذا ارتدّت تُقتل، وبه قال الشّافعىّ (٣). وقال أبو حنيفة (٤): لا تُقتَلُ؛ لأنّ عاصِمَها معها وهو الأنوثيّة، ألَّا ترى أنّها لم تُقتَلُ في الكُفرِ الأصلّىِّ، فكذلك في الطارئِ. قلنا: قد حققنا هذه المسألة في "التّلخيص" وغيره، وقد بيّنّا أنّ عاصِمَها ليست الأنوثية، وإنّما عاصِمُها في الأصل أنّها مال يُستَرقُّ، وقد بَطَلَ ذلك بالرِّدَّة. اعتِرَاضٌ: فإن قيل: هذا الحديثُ لا حُجَّةَ فيه، فإن رَاوِيهِ ابن عبّاس وكان يُفتِي بأنّ المرتدَّة لا تُقتَل (٥)، والرّاوي إذا أفتى بخلاف ما رَوَى سقطت روايتُه. قلنا: هذا سؤالٌ فاسدٌ؛ لأنّهم بَنَوْه على مذهبهم، وعندنا أنّ الرّاويَ في مخالفة روايته كسائرِ النّاسِ (٦)، وهي مسألةٌ أصوليةٌ، وقد أوضحناها في "الكتاب "الكبير" وبيّنّا

стр. 3100

أنّهم قد نقضوا هذا الأصل، وأخذوا بمسائلَ أفتَى فيها الراوي بخلافِ ما رَوَى، فلتُطلب هنالك. وتعلّق الشّافعيّ بعموم هذا الحديثِ فيمن خرج عن دِينِ اليهوديّة إلى دِينِ النّصرانيّة، فقال: إنّه يُقتَل أخذًا بعموم الحديث. قلنا: إنّما معنى الحديث: من بَدَّل دِينَ الحقِّ بسواه (١). والدّليلُ عليه: أنّه لو رجع الإنسانُ من النّصرانيّة إلى الإسلام لم يُقتَل، وإن كان بدّل دينه؛ لأنّه بدَّلَ دينَ الباطل بدِينِ الحقّ، ونحن لم نعاهِدهُم على صحّة دِينِهم، إنّما عاهدناهم إلّا يُتَعَرَّضَ لهم، وقد زَلَّ بعضُ علمائنا فيها، فوافقَ قولَ الشّافعيّ فيها، وليس بشيءٍ، فلا يُلتَفَتُ إليه. الفقه في ثمان مسائل: المسألة الأولى (٢): اختلفَ العلّماءُ هل تجِبُ استتابةُ المرتدِّ أم لا؟ اختلافًا متباينا: فمنهم من تعلَّق

стр. 3101

بمُطلَقِ الحديثِ، ومنهم من تعلَّقَ بقول عُمَرَ (١)، وإنه لَيَظهَرُ فيها الاستحبابُ. فأمّا الإيجابُ فَبَعِيدٌ دليلُه؛ لأنّ معاذًا وأبا موسى الأشعري خالَفَا عمرَ ﵁ وسائر الصّحابة، منهم من سكَتَ، ومنهم من خَالَفَ، فتنقَطِعُ الحُجَّةُ ولا يبقَى إلّا ما ظَهَرَ مِنَ المعنى، وهو أنّه يُستّأنّى به لَعَلَّهُ قد ارتدّ بشُبهَةٍ فتُبَيَّنُ له، فإن عادَ وإلّا قُتِلَ، وهذا الاحتمالُ إنّما يَستَقِلُّ بالاستحبابِ، وليس يَقوَى باقتضاءِ الإيجابِ. وأمّا (٢) من رأى استتابته، فمالكٌ وأصحابه. والحُجَّة لهم في ذلك قولُ عمرَ. وحجةُ من لم ير ذلك: مطلق الحديث: "مَنْ غيَّرَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ". وذكر البخاريُّ في "كتابه" (٣) أنّ رسول الله ﷺ بعث مُعاذ بن جبل إلى اليمن وأردَفَهُ أبا موسى الأشعريّ: فوجد عنده رجُلًا موثوقًا في الحديد، فسأله عن ذلك؛ فقيل: رَجُلٌ كفر بعد إسلامه. فقال أبو موسى: لا أجلسُ حتّى يُقتَلَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قال قومٌ: فهذا الدّليل على قتل المرتدِّ ولا يستتاب. وقد رُوِيَ عن علي بن أبي طالب أنّه أُتِيَ برَجُلٍ من بني عجل قد كَفَرَ بعدَ إسلامِه، فَكَلَّمَهُ عليٌّ وَعاتَبَهُ، فَقالَ: لا أَدرِي ما تَقُولُ، غَيرَ أَنَّ عِيسَى ابنُ الله. قال: فتوطأه عليّ (٤). فهذا يدلُّ على قتله ولم يَستَتِبهُ. والذي يدلُّ على أنّ الاستتابةَ من عمر إنّما هي على وجه الاستحباب (٥).

стр. 3102

المسألة الثّانية (١): ومن انتقل إلى غير دِينِ الإسلام، لا يخلو أنّ يُسِرَّ كُفرَهُ أو يُظهِره، فإن أَسَرَّهُ فهو زنديقٌ لا يستتاب ولا تُقبَل توبتُه. قال محمّد: من أظهر كُفرَهُ من زندقة أو كفر برسول الله أو غير ذلك ثمّ تاب، قُبِلَت توبتُه (٢)، وبه قال الشّافعيّ (٣). ودليلُنا: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ الآية (٤). وقال جماعة المفسِّرين: البأسُ هاهنا السّيف. واحتج مالك لذلك بأنّ توبة الزِّنديق لا تُعْرَف. فرع (٥): فإن أقرّ الزِّنديق بِكُفرِه قبل أنّ يظهر عليه، فهل تقبل توبته أم لا؟ فقال أَصْبَغُ في "العُتبِيَّة" (٦) عسى أنّ تُقبَل، وحكَى ابنُ القصّار ذلك. فرع (٧): ومن تزندقَ من أهل الذِّمَّة، ففي "الواضحة" عن مالك وابن عبد الحَكَم وأَصْبَغ أنّه لا يقتل؛ لأنّه خرج من كفرٍ إلى كفرٍ. وقال ابن المَاجِشُون: يُقتل لأنّه دِينٌ لا يقرّ عليه أحدً ولا تُؤخذ عليه جِزْيَة. وقال ابنُ حبيب: ولا أعلم من قاله غيره.

стр. 3103

ويحتملُ أنّ يريدَ بالزَّندقة هنا الخروج إلى غير شريعة، مثل التّعطيل ومذاهب الدَّهرِيَّة. ويحتملُ أنّ يريد الاستسرار لمّا خرج إليه والإظهار لمّا خرج منه، والأوّلُ أظهرُ عندي. فرع (١): وإذا أسلم اليهوديُّ الّذي تزندقَ، فَرَوَى أبو زَيد الأندلسي عن ابنِ المَاجِشُون أنّه يُقتَل، كالمسلم يتزندق ثمّ يتوب. فرع (٢): "وَأمَّا مَنْ خَرَجَ منَ الإسلَامِ إِلَى غَيرِهِ، فَإِنَّهُ يُستَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ (٣) "، وبه قال عمر وعثمان وعليّ. المسألة الثّالثة (٤): قال علماؤنا (٥): ولا عقوبةَ عليه إذا تاب، رواه في "العُتبِيّة" (٦) و "المَوَّازيّة" أشهب عن مالك. ودَليلُنا قولُه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية (٧). ومن جهة المعنى: أنّه منتقل من كفرٍ إلى إيمان، فلم تجب عليه عقوبة لما تقدّم من الكفر، كالنّصرانيّ يُسْلِم.

стр. 3104

المسألة الرّابعة (١): قال جماعة: يستتابُ ثلاثة أيّام، وهو أحد قولي الشّافعيّ (٢)، وله قولٌ آخر أنّه يستتاب في الحال، فإن تاب وإلَّا قُتِلَ. وقد رواه ابنُ القصّار عن مالك. ورُوِي عن أبي حنيفة (٣) أنّه يستتابُ ثلاث مرّات في ثلاثة أيّام وثلاث جُمَعٍ. ودليلُنا: أنّه من قُبِلَت توبتُه، عُرِضتْ عليه كسائر الكفّار. فرع (٤): قال علماؤنا (٥): وليس في استتابته تخويفٌ في قول مالك. وقال أَصْبَغُ: يُخوَّفُ في الثّلاثة بالقتل ويُذكَّر الإسلام. ووجه قول مالك: أنّ هذا إكراهٌ بنوع من العذاب، فلم يُؤخَذ به في الاستتابة، كالضَّرب والقطع. فرع (٦) والعبدُ والحرُّ والمرأةُ في ذلك سواءٌ، قاله مالك والشّافعيُّ (٧). وقال أبو حنيفة (٨): لا نقتل المرأة، وقد تقدَّم الكلام عليه. والحجّة عليه: قوله: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فاقتُلُوهُ" وهذا عَامٌّ. ومن جهة القياس: أنّه سببٌ يُقتَلُ به الرَّجُل فجازَ أنّ تُقتل به المرأة، كالقتل. المسألة الخامسة (٩): قوله (١٠): "هَل مِنْ مُغَرَّبَةِ خَبَرٍ؟ " سأله أوَّلًا عن المعهود من الأحوال وما يعمُّ

стр. 3105

النَّاس، ثمّ سأله عمّا عسى أنّ يطرأَ ممّا يُستَغرَب، فأخبره أنّ رَجُلًا كفر، وهذا يقتضي أنّ هذا كان نادرًا عندهم، ولذلك حكمَ فيه أبو موسى بحكمٍ مخالِفٍ لمّا رواه عمر. وقوله (١):"فَضَرَبنَا عُنُقَهُ" ولم يذكر استتابته، وقد كان يحتمل في أنّ يقتل بعدها، ولكن عمر فهم منه تركها، وقدِ احتجَّ علماؤُنا على وجوبها بقول عمر هذا وأنّه لا مخالفَ له، وهذا لا يصحّ إلّا بأحد وجهين: إمّا أنّ يُحمَل فعلُ أبي موسى على أنّه قُتِلَ بعد الاستتابة، ولعلّ النّاقل للخبر لم يعلم بهذا، وإن ثبت رجوعُ أبي موسى ومن وافقه، وإلّا فخلافُه بمنع انعقاد الإجماع على قول عمر. المسألة السّادسة (٢): قوله (٣): "هَلَّا حَبَسْتُمُوهُ ثَلاثًا" يحتمل أنّ يأخذها من قول الله تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ الآية (٤)، ولأنّها قد جعلت أصلًا في الشّرع في اعتبار معانٍ في المُصَرَّاة والاستظهار والعدّة، وغير ذلك. وأمّا قولُه (٥): "هَلَّا أَطعَمتُمُوهُ رَغِيفًا" ورُوِيَ عن ابنِ القاسم (٦) أنّه قال: ليس العملُ على قول عمر، ولكن يطعم ما يكفيه ولا يجوع، وإنّما يطعم من ماله. وقال ابن مزين: يعني بغير تَوَسُّعٍ ولا تَفَكُّهٍ (٧). وقال مالك (٨): يقوت من الطّعام بما لا يضرّه.

стр. 3106

وإنّما أراد ابنُ القاسم بقوله: "ليس العمل على قول عمر" ألَّا يجعل ذلك حَدًّا، ولم يردّ عمر ذلك، وإنّما أشار إلى قِلَّةِ مؤنته ويسارة وراثته في ماله إنَّ كان له مال، أو بيت المال إنَّ لم يكن له مال. المسألة السَّابعة (١): قوله (٢): "اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحْضُر، وَلَمْ أَرْضَ إِذ وَصَلَنِي". فإنّه تبرّأَ من الأمر وصرَّح بخطأِ فاعله، ولا يكون ذلك إلّا بنصٍّ من النّبيِّ ﷺ أو إجماع بعده. وقد قال سحنون: إنَّ أبا بكر استتاب أهل الرِّدَّة. وقد رَوَى عيسى عن ابنِ القاسم؛ أنّ الصِّدِّيق استتاب أمّ قرفة إذ ارتدّت فلم تَتُب فقَتَلَها، فلعلَّه قد عَلِمَ بانعقادِ الإجماع على ذلك (٣)، وفعلَ أبو موسى غير ذلك فأنكره عليه، وإلّا فإذا كان أبو موسى منَ أهل الاجتهاد، وحَكَمَ باجتهاده فيما لا نصَّ فيه ولا إجماع، لم يبلغ عمر من الإنكار هذا الحدّ، ولو لم يجز (٤) له ذلك، لما جاز أنّ يولِّيه الحُكم حتّى يطالعه على قصَّتِه، وفي هذا من فساد الأحوال والتّوقُّف ما لا خَفَاءَ فيه.

стр. 3107

القضاء فيمن وجد مع امرأته رجلًا قال الإمام: أدخل مالك (١) حديث ابن المُسَيِّب؛ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهلِ الشَّامِ، وَجَدَ مَعَ امرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ وَقَتَلَهَا؛ فَأَشْكَلَ عَلَى مُعاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفيَانَ القَضَاءُ فِيهِ. فَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ يَسأَلُ لَهُ عَلِيَّ بنَ أَبِي طالِبٍ عَنْ ذَلِكَ. الحديث. الإسناد: قال الإمام: قد تبيّن أنّ هذا حديث مُرسَلٌ من مَراسيل ابن المُسَيِّب، والأحاديثُ في هذا الباب عزيزةٌ جدًّا. حديث سُهَيْل بنِ أَبِي صَالِح (٢)، عَنْ أَبِيهِ، عنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ (٣) وهو حديثٌ انفرد به سُهَيلُ بنُ أبي صالحٍ (٤)، وهذه ترجمةٌ لم يُدْخِلِ البخاريُّ منها شيئًا، مع إدخالِ مالكٍ لها. أمّا إنَّ البخاريَّ ذَكرَ منها في الاستشهاد أحاديثَ، يذكُرُ الأحاديث من أصلها ثمّ يقول (٥): "رواه سُهَيلُ بن أبي صالح، عن أبيه عن أبي هريرة"، فَيُورِدُه متابعةً لا أصلًا. وأدخلهُ مسلمٌ

стр. 3108

أصلًا (١)، فذكر حديث مالك بلفظه، ثمّ أدخله من طريق عبد العزيز بن محمّد الدّراوَردِيِّ، عن سُهيل (٢)، قال فيه: يا رَسُولَ الله، أرَأَيتَ رَجُلًا وَجَدَ مَع امرَأَتهِ رجُلًا أَيَقتُلُهُ؛ قالَ: "لَا". قَالَ سَعدٌ: بَلى وَالَّذِي أَكرَمَكَ بِالحَقِّ. فَقَالَ النّبيُّ ﷺ : "انظُرُوا إِلَى ما يَقُولُ سَيِّدُكُم". وأدخله أيضًا من طريق سُليمانَ بنِ بِلالٍ، عن سُهَيلٍ (٣)، قال فيه: لَو وَجَدْتُ مَعَ امرَأَتِي رَجُلًا لَمْ أَمَسَّهُ حَتَّى آتِيَ بِأَربَعَةِ شُهَداءَ؟! قال رسولُ الله ﷺ : "نَعَم"، قال: كلا وَالَّذي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، إنْ كُنتُ لأُعَاجِلُه بِالسَّيفِ. قال البَرقَانِىُّ (٤): لَمُعَالِجَهُ. وقال الجَوْزَقيُّ (٥): لأُعاجِلُهُ. قال رسولُ الله ﷺ (٦): "انظُرُوا إِلَى ما يَقُولُ سيِّدُكُم إِنَّهُ لَغَيُورٌ، وَأَنَا أَغيَرُ مِنهُ، واللهُ أَغيَرُ مِنَّا" وهذه المراجعةُ من سَعدٍ لرسولِ الله لم تكن على معنى الرَّدِّ، وإنّما رَجَا بها التَّثَبُّتُ في المراجعة وطَلَبَ المَخرَجِ، لعلّ الله أنّ يَفْتَحَ فيه، فكان سؤالًا مُكرَّرًا، لا ردًّا لقول النَّبىِّ ولا آبايَةً لَهُ. كما رُوِيَ عن هلالِ بن أُمَيَّةَ في حديثه الّذي فيه؛ أنّه قال لرسولِ الله ﷺ : الرَّجُلُ يَجِدُ مَع امرَأتِهِ رَجُلًا، إنَّ *تَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، وإن قَتَل قَتَلتُمُوهُ*، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى

стр. 3109

عيبِها، فدعا له رسولُ الله ﷺ بالَفَرَجِ والفَتحِ (١). فهذا وجهُ كلامِ سعدٍ، والله أعلم. الأصول (٢): فأمّا قول النّبيِّ ﷺ مع سعدٍ، فإنّه بيانٌ لشرعٍ وإيضاحٌ لحُكمٍ؛ وذلك أنّ كلام سَعدٍ الّذي جاءت فيه "نعم" جوابٌ محذوفٌ تقديرُه: أُمهِلْهُ حتّى آتِيَ بأربعةِ شهداءَ؟ أو أقتلُه فأُقتَلُ؟ فكانت نازلةً تقابَلَ فيها حُكْمان: أحدُهما: أنّ يُمهِلَ الرَّجُلُ من ضَرَّه في أهله. أو يدفَعَ الضَّرَرَ بتَلَف نفسِهِ بأحد وجهين: ١ - إمّا أنّ يقتُلَه المُضَارُّ. ٢ - وإما أنّ يَقتُلَ هُوَ المُضارُّ فيُقتَلَ بِهِ. فعلَّمَهُ النبيُّ ﷺ التّرجيحَ، وقال له: إنَّ الأَرفَقَ بك والأَولَى أنّ تحتَمِلَ في الأهل الأَذَى، ولا يُؤَثِّرَ الفَرجَ على النّفسِ فإنّها فوقهُ. فاختارَ سعدٌ تقديمَ الفَرْجِ على النَّفسِ، فقال النّبيُّ ﷺ متعجِّبًا: "انظُرُوا إِلى ما يَقُولُ سَيِّدُكُم" معناه: إنّه لعظيمِ الغَيرَة واختارَ احتمالَ الأشدِّ من الأَذَى، وليس ذلك بممتَنِعٍ إذا كَثُرتِ الغَيرَةُ، وغَيرَةُ اللهِ كَفُّهُ للخَلقِ بقُدرَتِه لِمَن عَصَمَ من الفواحشِ خُصوصًا، وبأمره ونهيه لكافّة الخَلْقِ عمومًا، فعبَّرَ عن الشَّيءِ بمقدِّمته، ووصَفَ بذلك نفسَهُ تشريفًا للصِّفة وتعظيمًا للحالِ. إيضاحُ مُشكِلٍ مُعْضِلٍ: قول سَعْد بن عُبَادَة للنَّبىِّ ﷺ : "أُمهِلهُ حَتَّى آتِيَ بِأَربَعَةِ شُهَداءَ؟ قال: نَعَم". قال الإمام: هذا كلامٌ يُوهِمُ بظاهره تركَ الزّاني مع الزّنا وتمكينَه منه، وذلك لا يليقُ بذوي المُرُوءَات، ولا يجوزُ على الأنبياء صلوات الله عليهم التقريرُ على المعاصي، وهذا

стр. 3110

انفردَ به سُهَيلُ بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ. تكملة (١): وبعدَ أنّ انتهى القولُ إلى هذا المقام، فَلِفَظَاعةِ النّازلةِ وقعَ الاختلافُ بين الصَّحابةِ فيها، فقال عمرُ: دَمُهُ هَدَرٌ (٢) لأنّها حالةٌ لا صَبرَ فيها. وقال عليٌّ: عليه القَوَدُ. وقال بعضُهم: عليه الدِّيةُ. وأمّا الفقهاءُ، فقال ابنُ عبدِ الحَكمِ: إنَّ كان معروفًا بالتَّشكِّي منه فدَمُه هَدَرٌ. وقال علماؤنا: عليه الدِّيةُ في البِكْر الّذي لا يَستوجِبُ القتلَ، والقتلُ ليس مقصودًا، وإنّما هو مُدافَعَةٌ وقصَاصٌ، وكان شَبِيه الغِيلَة، فإن الرَّجُلَ إذا أخذَ نفسَ الرَّجُلِ غِيلَةً *أو مَالَهُ استوجبَ القتلَ، وكذلك إذا أخذَ أهلَهُ غِيلَةً* كان أَولَى وأحرى أنّ يستَوجِبَ القتلَ، ولا تُراعَى الثُّيوبَةُ ولا البَكَارةُ، ولهذا قال ابنُ القاسم: إنَّ دَمَهُ هَدَرٌ. وذلك -والله أعلم- من اختلافِ العلّماءِ قديمًا وحديثًا، إنّما هو إذا قامتِ البيّنةُ على دخوله إلى دارِه وقَتلِه فيها، وأنا على شكِّ من اشتراطِ القتلِ فيها، فأدخلَ مالكٌ حديثَ عليِّ وهو الاصلُ والأشَدُّ، وإذا وقعتِ البيّنةُ فقولُ مالكٍ هو المقبولُ فيها، والله أعلم. الفوائد المتعلِّقة بهذا الحديث: وهي سبعٌ:

стр. 3111

الفائدةُ الأُولى (١): قوله (٢): "فَسألَ عَلِيُّ بن أَبِي طالِبِ عَنْ ذَلِكَ" فيه سؤال الحاكم عمّا أشكل عليه من هو أعلم منه. الفائدةُ الثّانية: وسؤالُه عمّا أشكل عليه وكيفية القضاء، تدلُّ على فضله وتوقُّفه فيما لا يعلم. الفائدةُ الثّالثة (٣): وفيه قَبُول الكِتّاب إذا عُرِفَ أنّه كتابُ من يُنسَب إليه، وبهذا يَحتَجُّ من يُجيز إجازة المعلّم. الفائدةُ الرّابعة (٤): فيه إباحة التّقليد. الفائدةُ الخامسة (٥): قول عليّ (٦): "إِنَّ هذا الشَّيءَ لَيسَ بأَرضِنَا" أو قَالَ: "بِأَرضِي" يريد: أنّه لو كان بأرضه لَعَلِمَهُ؛ لأنّه كان متفقِّدًا لأحوال الرّعيّة ما بَعُدَ وما قَرُبَ. الفائدةُ السّادسة (٧): قال في حديث آخر: "كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَلِيٍّ يَسأَلُهُ عَنْ مِيرَاثِ الخُنْثَى، فَقَالَ: عَجَبًا لِمُعَاوِيَة يُخَالِفُنِي وَيَسأَلُنِي، فَأَجَابَهُ" (٨).

стр. 3112

الفائدةُ السّابعة (١): قولهُ (٢):"إِنْ لَمْ يَأتِ بِأَربَعَةِ شُهَدَاءَ، فَليُعطَ بِرُمَّتِهِ" فالرُّمَّةُ -بضمِّ الرّاء- الحبل البالي، وكان الأمرُ إذا أقيد من أحدٍ سِيقَ بحبلٍ في عُنُقِه إلى القتل، فأمر عليّ أنّ يُفعلَ ذلك بالزَّوج، أنّ يُلقَى الحبلُ في عُنُقِه ويُجبَرُ إلى القتل (٣). الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (٤): قال علماؤنا (٥): فلو ضربه فقطع رِجلَه أو جَرَحَهُ، فرَوَى ابنُ حبيب عن ابنِ الماجِشُون: إنَّ قاتَلَه (٦) فذلك جائز، وإن قتله قُتِلَ به، إلّا أنّ يأتيَ بأربعة شهداء. ووجه ذلك: أنّ وجودَهُ في داره يُوجِبُ له التَّسَلُّط عليه، فإن قاتله كان له مدافعته بما يؤدِّي إلى الجراح ونحوها، وأمّا القتلُ فلا يُستباحُ إلّا ببيَّنة، لما ورد الشّرع به من حَقْنِ الدِّماء. المسألة الثّانية (٧): قال علماؤنا (٨): البكرُ والثَّيِّبُ في ذلك سواء، يترك إذ قامت البيَّنة بالرُّؤية (٩). واستحبّ ابنُ القاسم الدِّية في البِكْر (١٠).

стр. 3113

وقال أَصْبَغُ: وتكون الدِّية في ماله. وقال ابنُ حبيب (١):" أمّا إنَّ كان المقتول غير مُحصَن، فعلى قاتله القَوَد، وإن أنّ بأربعة شُهداء على فعله بامرأته"، والَّذي قاله ابنُ القاسم أحسن لأنّه عَذرَهُ بالغَيْرَة. المسألة الثّالثة (٢): إذا قلنا: إنَّ عليه الدِّية، فقد قال ابنُ القاسم والمُغيرة وابن كنانة: هي ديّة خطأ. ووجه ذلك: لِمَا فجأه (٣) من الغضب، يصير في حكم المغلوب الّذي لا عقل له، فكانت جنايتُه خطأ. وحكى ابنُ مزين عن أَصْبَغ: أنّ ذلك في ماله (٤). ووجه ذلك: أنّه خطأ غير متعيّن ليست بشبهة، فأشبه إقرار القاتل بالخطإ. القضاء في المنبوذ قال الإمام: أدخل مالك في هذا الباب حديث (٥) سُنَيْن أبو جميلة، كذا في المتن: أبي جميلةَ رجلٌ من بني سُلَيمٍ، أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا في زَمن عُمَرَ بن الخَطَّابِ. قَالَ: فَجِئتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: ما حَمَلَك عَلَى أَخذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ؟ فَقَالَ: وَجَدتُهَا

стр. 3114

ضَائِعَةً فأَخَذْتُهَا. فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ: إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ يا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَكذَلكَ؟ قال: نَعَم. فَقالَ عُمَرُ: اذهَبْ فَهُوَ حُرٌّ، وَلَكَ وَلَاؤُهُ، وَعَلَينَا نَفَقَتُهُ. الإسناد (١): قال الإمام: أدخل مالك حديث سُنَيْنٍ هذا، ثمّ عَقَّبَهُ بأن قال (٢): الأمرُ عندنا أنَّه حُرٌّ وأن وَلَاهُ للمسلمينَ، وقد رُوِيَ عن مالك في ذلك روايتان: إحداهُما: قال أشهبُ: إنّما اتّهمَهُ لأنّه خَشِيَ أنّه ولدُه جاء به ليفرِضَ له من بيت المال. وهذا الكلام عندي قاصرٌ جدًّا؛ لأَنّ عمرَ كان في أصَحِّ قَولَيه وآخرِهِمَا، إذا وُلِدَ للرّجُلِ مولودٌ فرَضَ له من تلك اللّيلةِ. فالرّوايةُ خطأٌ لا شكَّ فيه، وصوابُه أنّ يقالَ: اتَّهمه أنّ يكون جاء به وليس بوَلَدِه، ليفرِضَ له من بيت المال، فيتولّى هو الإنفاقَ عليه فيرتَفِقَ بذلك، وفي مثل هذا نزلت ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ﴾ الآية (٣). والرواية الثّانية: قال مالكٌ: لو علمتُ أنّ عمرَ قاله لقلتُ إنَّ ولاءه له. قال بعضُ النَّاس: كيف وَجُهُ هذا الكلامِ من مالكٍ، يَرْوِيهِ ثمّ يشكُّ فيه؟ قلنا: قد قدّمنا في "كتابُ النِّكاح" (٤) الجوابَ على مثل هذا في قوله: "حَبلُكِ عَلَى غَارِبِكِ". والَّذي يَخُصُّ هذا الموضِعَ أنّ قولَه: "وَلَكَ وَلَاؤُهُ" مُحتَمِلٌ أنّ يريدَ به وِلَايَةَ النَّسَبِ. ويحتَمِلُ أنّ يريدَ به وِلَايَة الكفالةِ. فلمّا احتَمَلَ اللّفظُ المعنيَيْن، جاز ذلك.

стр. 3115

وقال علماؤنا (١): يحتمل أنّ يجىء به (٢) ليستفهمه في أمره، وليسأله الحكم له بولائه، أو غير ذلك. وأمّا قوله (٣): "ما حَملَكَ عَلَى أَخذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ" فقيل (٤): إنّه اتّهمه أنّ يكون ولده، فجاءه ليفرض له. ويحتمل أنّ يكون سأله لئلّا يلتقطه من عياله. الفقه في ستّ مسائل: المسألة الأولى (٥): قوله (٦): "ما حَمَلكَ عَلَى أَخذِهَا"؟ قَالَ: "وَجَدْتُهَا ضائِعَةً" قال علماؤنا (٧): ومن وجد بهذه الصِّفة لزمه أخذه؛ لأنّه لا يحلّ له تركه للهلاك، وأخذه على وجهين: ١ - أحدهما: أنّ يأخذه ليربِّيه، فقد قال أشهب: ليس له ردّه. ٢ - وإما أنّ يأخذه ليرفعه إلى السّلطان فلم يقبله، فلا يضيق عليه أنّ يردّه إلى موضع أخذه. ومعناه عندي: موضعٌ لا يُخافُ عليه فيه الهلاك، ويؤمن أنّه يسارع النَّاس إلى أخذه. المسألة الثّانية (٨): قوله (٩): "رَجُلٌ صالِحٌ" ليس هو من باب التّزكية؛ لأنّه ليس كلّ صالح تُقبَل

стр. 3116

شهادتُه، وإنّما ينتفي عنه بهذا ما ينافي الصّلاح ممّا خاف (١) أنّ يكون التقط المنبوذ له. وقد وَهَمَ البونيّ (٢) فقال: "إنَّ عدالةَ رجلٍ واحدٍ إذا حضر مجلسَ القاضي فأخبره بعدالة المعدّلِ أنّه يقبله، ويجزىء في ذلك بسؤال الواحدِ إذا وثق به. وكذلك رُوِيَ عن أَصْبَغ أنّه قال: إذا شَهِد الشّاهدُ عند القاضي وهو لا يعرفُهُ، فسأل عنه رجلًا فأخبرَهُ وزكّاه عنده، أجزأ بذلك إذا كان القاضي هو السّائلُ عنه والكاشف لأمره؛ لأنّ ذلك بمنزلة علم القاضي إذا علمّ العدالةَ من الشّاهدِ، وإذا كان ذلك بعّدلَين يأتي بهم الشّهودُ، فلا يقبل في ذلك أقلُّ من اثنين" والصّوابُ ما قدمناه أنّه ليس من باب التّزكية، المسألة الثّالثة (٣): قول عمر (٤): "اذْهَب فَهُوَ حُرٌّ" قال علماؤنا (٥): إنّما قال ذلك على وجه الإخبار أنّه حرٌّ، ولا خلاف فيه؛ لأنّ الأصل في الخَلْق الحريّة حتّى يثبت الرِّقّ، والفقر حتّى يثبت الغِنَى، ولثبوته طرق: منها بلوغُ السّعي، والجهلُ حتّى يقع العلم، وهذا مُشَاهَدٌ، والإِسلامُ بعد عموم الدّعوة حتّى يثبت الكفر. وقال غيره: قوله: "حُرٌّ" يدلُّ على وجه الإخبار أنّه حرٌّ، وسواء التقطه عبدٌ أو نصرانيّ (٦). ووجهه: أنّه لا يتيقّن فيه سبب من الأسباب، أعني سبب الاسترقاق. وقد بيّنّا

стр. 3117

ذلك في "مسائل الخلاف" ومهّدنا القول فيها، ولذلك قال أشهب: إذا التقطه مسلم؛ كان مُسْلِمًا على أي حالٍ وقعَ الالتقاط. وقال غيره: المُعَوَّلُ على الدّار فإن كانت دارَ كُفْرٍ فهو كَافِرٌ، وإن كانت دار إسلام فهو مسلمٌ. وهذا لأنّه عارض الأصل ظاهرًا، فرجّح أشهب الأصل، ورجّح أصحابه الظّاهر. وقال ابنُ القاسم: لو كان في القرية مسلمان أو ثلاثة، كان الولد مسلمًا، فغلب الإسلام. وذلك أنّ للدّار تأثيرًا وللملتقط تأثيرٌ، فوجب أنّ يغلب حكم الإسلام، وكذلك لو التقط في كنيسة، لحُكِمَ بالإِسلام (١) له، كما يُحْكَم له بالحريّة. المسألة الرّابعة (٢): قوله (٣):"وَلَكَ وَلَاؤُهُ" يريد: تخصيصُه بذلك، ذلك يقتضي كونه على دِينِه. وقوله: "وَلَكَ وَلَاؤُهُ" يريد: القيام عليه. فإن التقطه نصْرَانِيٌّ، فقد قال أَصْبَغ: يُنْزَع منه لئلّا يُنَصِّره أو يسترقّه، وهذه ولاية الإسلام لا العِتْق؛ لأنّ هذا اللّقيط مجهول النّسب فولاؤه للمسلمين، وإلى هذا ذهب مالك (٤) وأكثر أهل الحجاز، وبه قال الشّافعيّ (٥). ورُوِيَ عن عليّ أنّه قال: اللّقيط حرٌّ (٦) وله أنّ يواليَ من أحبُّ، وبه قال ابن

стр. 3118

شهاب (١)، وعطاء (٢)، وجماعة من أهل المدينة. وقال النّخعي: ميراثه بمنزلة اللُّقَطَة (٣)، وبه قال أكثر الكوفيِّين. وقال أبو حنيفة (٤): ميراثه لمن التقطه، إلّا أنّ له أنّ ينتقل عنه حيث شاءَ ما لم يعقل عنه من والاه، فإن عقل عنه لم يكن له أنّ ينتقل عنه لولائه. المسألة الخامسة (٥): قوله (٦): "وَعَلَينَا نَققَتُهُ" يريد: في بيت المال، وهذا حكم اللّقيط إنَّ أمكن ذلك؛ لأنّه من فقراء المسلمين مع عجزه عن التَّكَسُّب وخوف الضَّياع عليه، فإن تعذّر الإنفاق من بيت المال، فقد قال مالك في "الموّازية": إنَّ على ملتقطه نفقته حتّى يبلغ ويسعى، وليس له أنّ يطرحه. ووجه ذلك: أنّه إذا وجده فقد لزمه حفظه (٧). فرع (٨): قال علماؤنا: ولا رجوع له عليه بما أنفق، وإن استأذن في ذلك الإمام، قاله عبد الوهّاب (٩)، قال: وكذلك لو كان له مَالٌ لا يعلَمُ به.

стр. 3119

ووجه ذلك: أنّه من الفقراء، فليس له أنّ يشغل ذِمّته بدَين للإنفاق عليه كسائر الفقراء. فإن استلحقه أحدٌ، فقد قال ابنُ القصّار وابن القاسم: إنَّ استلحقه ببيّنة أو غيرها، رجع عليه بما أنفق إنَّ كان تعمَّدَ طرحه وهو مليء. وإن طرحه غيره، فلا شيءٍ على الأب. وقال أشهبُ: لا شيءَ على الأبِ بكلِّ حالٍ؛ لأنّ هذا أنفق على وجه التَّطوُّع. وقوله (١) في المَنبُوذِ "أَنَّهُ حُرٌّ" لأنّه هو المطروح، إلّا أنّه في عُرْفِ اللُّغة مستعمَلٌ فيمن نُبِذَ من الأطفال على وجه الاستسرار به، فيلتقطُه من يخاف الضّيعة عليه فقد قال مالك (٢): هو حرٌّ. ووجه ذلك: أنّه قد عَرَا من وجه الاسترقاق (٣)، وكذلك كلّ من وجدناه من الكبار الّذين لا يعقلون، إنّما نحملهم على الحريّة لعدم سِمَةِ الاسترقاق. القضاء بإِلحاقِ الولدِ بأبيه قال الإمام: فائدة التّرجمة الّتي بوّب عليها مالك (٤) في قوله: "إلحاق الولدِ بأبيهِ" أنّه يُبيِّن إلحاقه به بالفراش في حديث زَمْعَة، وإلحاقه به في الدَّعوَى في الإسلام لأولاد

стр. 3120

الجاهليّة في حديث عمر، لكن صفة الفراش الّذي قضى فيه النّبيّ ﷺ بالولد مأخوذٌ من أدلَّةٍ سواه، فالمرأةُ تفسير بعَقدِ النِّكاح فراشًا، والأمَةُ تصيرُ بالولادة فراشًا، لا خلاف فيه. واختلف هل تكون بالوطءِ فراشًا أم لا؟ وقد مهَّدنا ذلك في "مسائل الخلاف". الإسناد: قال الإمام: حَدِيثُ عائشةَ (١) زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَت: كَانَ عُتبَةُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصِ، أَنَّ ابنَ وَلِيدَةِ زَمعَةَ مِنِّي، فَاقبِضهُ إِلَيكَ، قَالَت: فَلَمَّا كَانَ عَامُ الفَتحِ أَخَذَهُ سَعدٌ، وَقَالَ: ابْنُ أَخِي، قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ، فَقَال له عَبدُ بنُ زَمعَةَ: أَخِي، وَابنُ وَليدَةِ أَبِي، وُلدَ عَلَى فِراشِهِ. فَأَتَيَا النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ سَعدٌ: يا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ أَخِي قد كَانَ عَهِدَ إِليَّ فِيهِ. وَقالَ عَبدُ بن زَمعَةَ: أَخِي، وابنُ وَلِيدَةِ أَبِي. وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هُوَ لَكَ يا عَبدُ بنَ زَمعَةَ" ثُمَّ قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الوَلدُ لِلفِرَاشِ، وَلِلعَاهِرِ الحَجَرُ" ثُمَّ قالَ لِسَودَةَ بِنتِ زَمعَةَ: "احتَجِبِي مِنهُ" لِمَا رَأَى من شَبَهِهٍ بِعُتبَةَ بن أَبِي وَقَّاصٍ. قَالَت: فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقي اللهَ. الفوائد المستقرأة في هذا الحديث: وفي هذا الحديث ثمان فوائد: الفائدةُ الأولى (٢): فيه من الفقه إلحاقُ الوَلَدِ بالفراشِ.
следующие страницы →