← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

شهادتُه، وإنّما ينتفي عنه بهذا ما ينافي الصّلاح ممّا خاف (١) أنّ يكون التقط المنبوذ له. وقد وَهَمَ البونيّ (٢) فقال: "إنَّ عدالةَ رجلٍ واحدٍ إذا حضر مجلسَ القاضي فأخبره بعدالة المعدّلِ أنّه يقبله، ويجزىء في ذلك بسؤال الواحدِ إذا وثق به. وكذلك رُوِيَ عن أَصْبَغ أنّه قال: إذا شَهِد الشّاهدُ عند القاضي وهو لا يعرفُهُ، فسأل عنه رجلًا فأخبرَهُ وزكّاه عنده، أجزأ بذلك إذا كان القاضي هو السّائلُ عنه والكاشف لأمره؛ لأنّ ذلك بمنزلة علم القاضي إذا علمّ العدالةَ من الشّاهدِ، وإذا كان ذلك بعّدلَين يأتي بهم الشّهودُ، فلا يقبل في ذلك أقلُّ من اثنين" والصّوابُ ما قدمناه أنّه ليس من باب التّزكية، المسألة الثّالثة (٣): قول عمر (٤): "اذْهَب فَهُوَ حُرٌّ" قال علماؤنا (٥): إنّما قال ذلك على وجه الإخبار أنّه حرٌّ، ولا خلاف فيه؛ لأنّ الأصل في الخَلْق الحريّة حتّى يثبت الرِّقّ، والفقر حتّى يثبت الغِنَى، ولثبوته طرق: منها بلوغُ السّعي، والجهلُ حتّى يقع العلم، وهذا مُشَاهَدٌ، والإِسلامُ بعد عموم الدّعوة حتّى يثبت الكفر. وقال غيره: قوله: "حُرٌّ" يدلُّ على وجه الإخبار أنّه حرٌّ، وسواء التقطه عبدٌ أو نصرانيّ (٦). ووجهه: أنّه لا يتيقّن فيه سبب من الأسباب، أعني سبب الاسترقاق. وقد بيّنّا

стр. 3117

ذلك في "مسائل الخلاف" ومهّدنا القول فيها، ولذلك قال أشهب: إذا التقطه مسلم؛ كان مُسْلِمًا على أي حالٍ وقعَ الالتقاط. وقال غيره: المُعَوَّلُ على الدّار فإن كانت دارَ كُفْرٍ فهو كَافِرٌ، وإن كانت دار إسلام فهو مسلمٌ. وهذا لأنّه عارض الأصل ظاهرًا، فرجّح أشهب الأصل، ورجّح أصحابه الظّاهر. وقال ابنُ القاسم: لو كان في القرية مسلمان أو ثلاثة، كان الولد مسلمًا، فغلب الإسلام. وذلك أنّ للدّار تأثيرًا وللملتقط تأثيرٌ، فوجب أنّ يغلب حكم الإسلام، وكذلك لو التقط في كنيسة، لحُكِمَ بالإِسلام (١) له، كما يُحْكَم له بالحريّة. المسألة الرّابعة (٢): قوله (٣):"وَلَكَ وَلَاؤُهُ" يريد: تخصيصُه بذلك، ذلك يقتضي كونه على دِينِه. وقوله: "وَلَكَ وَلَاؤُهُ" يريد: القيام عليه. فإن التقطه نصْرَانِيٌّ، فقد قال أَصْبَغ: يُنْزَع منه لئلّا يُنَصِّره أو يسترقّه، وهذه ولاية الإسلام لا العِتْق؛ لأنّ هذا اللّقيط مجهول النّسب فولاؤه للمسلمين، وإلى هذا ذهب مالك (٤) وأكثر أهل الحجاز، وبه قال الشّافعيّ (٥). ورُوِيَ عن عليّ أنّه قال: اللّقيط حرٌّ (٦) وله أنّ يواليَ من أحبُّ، وبه قال ابن

стр. 3118

شهاب (١)، وعطاء (٢)، وجماعة من أهل المدينة. وقال النّخعي: ميراثه بمنزلة اللُّقَطَة (٣)، وبه قال أكثر الكوفيِّين. وقال أبو حنيفة (٤): ميراثه لمن التقطه، إلّا أنّ له أنّ ينتقل عنه حيث شاءَ ما لم يعقل عنه من والاه، فإن عقل عنه لم يكن له أنّ ينتقل عنه لولائه. المسألة الخامسة (٥): قوله (٦): "وَعَلَينَا نَققَتُهُ" يريد: في بيت المال، وهذا حكم اللّقيط إنَّ أمكن ذلك؛ لأنّه من فقراء المسلمين مع عجزه عن التَّكَسُّب وخوف الضَّياع عليه، فإن تعذّر الإنفاق من بيت المال، فقد قال مالك في "الموّازية": إنَّ على ملتقطه نفقته حتّى يبلغ ويسعى، وليس له أنّ يطرحه. ووجه ذلك: أنّه إذا وجده فقد لزمه حفظه (٧). فرع (٨): قال علماؤنا: ولا رجوع له عليه بما أنفق، وإن استأذن في ذلك الإمام، قاله عبد الوهّاب (٩)، قال: وكذلك لو كان له مَالٌ لا يعلَمُ به.

стр. 3119

ووجه ذلك: أنّه من الفقراء، فليس له أنّ يشغل ذِمّته بدَين للإنفاق عليه كسائر الفقراء. فإن استلحقه أحدٌ، فقد قال ابنُ القصّار وابن القاسم: إنَّ استلحقه ببيّنة أو غيرها، رجع عليه بما أنفق إنَّ كان تعمَّدَ طرحه وهو مليء. وإن طرحه غيره، فلا شيءٍ على الأب. وقال أشهبُ: لا شيءَ على الأبِ بكلِّ حالٍ؛ لأنّ هذا أنفق على وجه التَّطوُّع. وقوله (١) في المَنبُوذِ "أَنَّهُ حُرٌّ" لأنّه هو المطروح، إلّا أنّه في عُرْفِ اللُّغة مستعمَلٌ فيمن نُبِذَ من الأطفال على وجه الاستسرار به، فيلتقطُه من يخاف الضّيعة عليه فقد قال مالك (٢): هو حرٌّ. ووجه ذلك: أنّه قد عَرَا من وجه الاسترقاق (٣)، وكذلك كلّ من وجدناه من الكبار الّذين لا يعقلون، إنّما نحملهم على الحريّة لعدم سِمَةِ الاسترقاق. القضاء بإِلحاقِ الولدِ بأبيه قال الإمام: فائدة التّرجمة الّتي بوّب عليها مالك (٤) في قوله: "إلحاق الولدِ بأبيهِ" أنّه يُبيِّن إلحاقه به بالفراش في حديث زَمْعَة، وإلحاقه به في الدَّعوَى في الإسلام لأولاد

стр. 3120

الجاهليّة في حديث عمر، لكن صفة الفراش الّذي قضى فيه النّبيّ ﷺ بالولد مأخوذٌ من أدلَّةٍ سواه، فالمرأةُ تفسير بعَقدِ النِّكاح فراشًا، والأمَةُ تصيرُ بالولادة فراشًا، لا خلاف فيه. واختلف هل تكون بالوطءِ فراشًا أم لا؟ وقد مهَّدنا ذلك في "مسائل الخلاف". الإسناد: قال الإمام: حَدِيثُ عائشةَ (١) زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَت: كَانَ عُتبَةُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصِ، أَنَّ ابنَ وَلِيدَةِ زَمعَةَ مِنِّي، فَاقبِضهُ إِلَيكَ، قَالَت: فَلَمَّا كَانَ عَامُ الفَتحِ أَخَذَهُ سَعدٌ، وَقَالَ: ابْنُ أَخِي، قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ، فَقَال له عَبدُ بنُ زَمعَةَ: أَخِي، وَابنُ وَليدَةِ أَبِي، وُلدَ عَلَى فِراشِهِ. فَأَتَيَا النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ سَعدٌ: يا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ أَخِي قد كَانَ عَهِدَ إِليَّ فِيهِ. وَقالَ عَبدُ بن زَمعَةَ: أَخِي، وابنُ وَلِيدَةِ أَبِي. وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هُوَ لَكَ يا عَبدُ بنَ زَمعَةَ" ثُمَّ قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الوَلدُ لِلفِرَاشِ، وَلِلعَاهِرِ الحَجَرُ" ثُمَّ قالَ لِسَودَةَ بِنتِ زَمعَةَ: "احتَجِبِي مِنهُ" لِمَا رَأَى من شَبَهِهٍ بِعُتبَةَ بن أَبِي وَقَّاصٍ. قَالَت: فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقي اللهَ. الفوائد المستقرأة في هذا الحديث: وفي هذا الحديث ثمان فوائد: الفائدةُ الأولى (٢): فيه من الفقه إلحاقُ الوَلَدِ بالفراشِ.

стр. 3121

وفيه: قَبُولُ وصيّةِ الكافرِ إذا لم يكن فيها ضررٌ على أهل الإسلام. وفيه: ثُبوتُ فراشِ أهلِ الكُفر. وفيه: الإقرار بالوطء إمّا بشهادةٍ وإمّا باستفاضةٍ أو بغير ذلك، لإجماع العلماء أنّ الأخ لا يستلحق، فألحقه النّبيّ بزَمعَة، وجعله أخًا لِبَنِي زَمعَة لمن حضر منهم وقتَ الحُكم، ولمن غابَ، ولمن ادّعاه، ولمن لم يدّعه. وفيه: ما يدلُّ أنّ الحرام يُفسِدُ الحلال لقوله: "احْتَجِبِي مِنْهُ يا سَودَة" وألحقَهُ بها أخًا، ثمّ أمرها أنّ تحتَجِبَ منه لما رأَى من شَبَهِهِ بعُتبَة، وحكَمَ بالظّاهر لأنّ الوَلَدَ للفراش، ودلّ أنّ الأَمَةَ لها فراش كفراش الحُرِّة. وفيه نكتةٌ من العربيّة: قولُه: "يَا عَبدَ بن زَمعَةَ" بنصب الدّال من "عَبْد" ورفعها، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الآية (١)، فالمختار ان يكون موضع عيسى نصبًا، ويجوز رفعُه، وأمّا "ابنَ" فهو منصوب على الحال. وفيه: تَوَقِّي الشُّبهات، لقوله: "احتَجِبِي مِنهُ يا سَوْدَةُ". وفيه: القولُ بالقَافَةِ، لقوله: "احْتَجِبي مِنهُ" لِمَا رأى من شَبَهِهِ بعُتْبَة. وفيه: ما يدلُّ أنّه لا يحل للرَّجُل أنّ يتزوّج ابنتّه من الزِّنا ولا أختَه، وقد جوّز ذلك ابن الماجشُون، وهو قولٌ مَعزُوفٌ عنه (٢). وفيه: قولُه: "وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ" قيل: أراد بذلك أنّ للعَاهِرِ المسلم الرَّجْم. وقيل: أراد بذلك معنَى الذَّم، كما يقال: بفيه الحَجَرُ.

стр. 3122

الأصول (١): قال الإمام: هذا حديثٌ عظيمٌ، وأصلٌ في الشّريعة قويٌّ، فائدتُه: بيان النَّسبِ الّذي جعلَهُ الله في الخلق للتّعارف ثمّ للتّعاضُد، وأصله: البعضيَّةُ، ولكنّها لمّا كانت خفيّةً، نصَبَ اللهُ للخَلقِ عليها عَلَمًا ظاهرًا وهو الفراشُ، على سُنّتِهِ في حِكمَتِه، ولُطفه بخَلِيقَته في وضع الأشياء الظّاهرة عَلَمًا على المعاني الخفيّةِ الّتي يتفرَّد بالاطِّلاع عليها. وقد قدّمنا لكم منها نظائِرَ، كالحيضِ في براءةِ الرَّحِمِ، وصورةِ السَّفَرِ في تحقيق المشقّةِ الّتي رتّب اللهُ عليها الرُّخصةَ في القَصرِ والفِطرِ في السَّفرِ. وخُذوا مقدِّمَةً في صِفَةِ القاضي وصورة تَنَاوُلِه للأحكام: إذا حضَر رَجلٌ عند القاضي وقال: أنا وصيُّ فلان، وله حقّ عند هذا الإنسان، أمرَ بإخراجه حتّى يُثبِتَ العَهْدَ، ولا يكلِّمُه عن ميِّتٍ ولا عن حاضِرٍ حتّى يُثبِتَ وكالتَهُ له، ويُثبتَ الوصيُّ أو مَنْ طَلَبَ عن ميِّتٍ حتّى يُثبِت، وهذه طُرقه الّتي يسلك عليها الحاكم. فلمَّا قال سعد: "ابنُ أَخِي، عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ" وقال الآخرُ: "هُوَ أَخِي، وابنُ وَلِيدَةِ أَبِي". ظَنَّ الغافلُون أنّ ظاهِرَ هذا الكلام؛ أنّ النَّبيَّ ﵇ لم يَلتَفِت إلى هذه الأحوال الّتي قدّمناها، وهي غفلةٌ عظيمةٌ، فإنّ النَّبيَّ ﵇ إنّما سَكَتَ عنها لأحدِ وجهين: إمّا لأنّه كان عَلِمَها وقضَى بعِلْمِه فيها، على قول كثيرٍ من العلماء في قضاءِ القاضي بعلمه.

стр. 3123

وإما أنّ يكونَ ﷺ قد ثَبَتَ ذلك عنده، ولم تَذكُر عائشةُ مِنَ الحديث إلّا فصوله الّتي يُحتاجُ إليها من صفة الدَّعوَى وصورة القضاء، دون شروطِه الّتي لا تتمُّ إلّا بها، وليست الأحكامُ مأخوذةً من حديثٍ واحدٍ، ولا الشّروطُ ثابتةً من طريقٍ واحدٍ، بل تُلقَطُ من الأدلّة حتّى يجتمعَ للمجتهدين فنونًا، فيوضحونها للطّالبين. الفقه في مسائل: المسألة الأولى (١): قوله: "إِنَّ عُتبةَ عَهِدَ إلَى أَخِيهِ" هذا على حَسَبِ ما كان يفعلُه أهل الجاهليّة؛ لأنّه قد رُوِيَ أنّ النِّكاح كان عندهم على أربعة أَضرُبٍ: أَحدها الاستبضاع (٢)، كما قدّمنا في "كتابُ النِّكاح"، فلعلّ عُتبَة أراد استلحاقه من أحد الأربعة الأوجُه الّتي قدّمنا في "كتاب النِّكاح" (٣). وأمّا من استدعى واستلحق ولدًا في الإسلام، فلا يخلو أنّ لا يكون عُرفَ له ملكها أو نكاحُها، أو قد عُرفَ، فإن لم يعرف له مِلك أَمَة بنكاحٍ ولا بملكٍ (٤)، فقد

стр. 3124

اختلف قولُ ابن القاسم في ذلك، فقال مرّة: يُلحَق به ما لم يتبيّن كذبه ولم يكن له نسَبٌ معروف، وبه قال مالك (١). وقال أيضًا: لا يلحق به حتّى يتقدّم له على أَمَةٍ مِلكٌ أو نكاحٌ يجوز أنّ يكون منه، ولا يمنعه من ذلك نسبٌ؛ معروفٌ، وبه قال سحنون (٢). المسألة الثّانية (٣): لم يذكر في الحديث أنّ النّبيّ ﷺ وَرَّثَهُ، وإنّما أضافه إلى عبد، إذ أقرّ أنَّه أخوه وهو المنفردُ بميراث أبيه، فلا يحلّ له بيعه ولا يثبت بذلك نَسَبُه؛ لأنّ النَّسب إنّما يلحق بالأب فلا يلزمه ذلك بقول عبد (٤). عارضة (٥): قال الإمامُ: ألحقَ معاويةُ زيادًا، وأخذ النّاسُ عليه في ذلك، وأيُّ أخذٍ عليه فيه إنَّ كان سَمِعَ ذلك من أبيه، وأيُّ عارٍ على أبي سفيانَ أنّ يُلِيطَ بنفسِهِ وَلَدَ زِنًا كان في الجاهليّة؟! فمعلومٌ أنَّ سُميَّة لم تكن لأبي سفيانَ، كما لم تكن وليدةُ زَمعَةَ لعُتبَةَ، لكن كان لعُتبَةَ منازعٌ تَعَيَّنَ القضاءُ له، ولم يكن لمعاويةَ منازعٌ في زيادٍ، اللَّهُمَّ إلّا أنّ ههنا نكتةً اختلفَ العلّماءُ فيها، وهي: أنّ الأخَ إذا استَلحَقَ أخًا، يقول: هو ابنُ أبي، ولم

стр. 3125

يكن له مُنَازعٌ. فإن كان وحدَهُ، فقال مالك: يَرِثُ ولا يَثبُتُ (١) النَّسَبُ في جماعةٍ. وقال الشّافعىُّ: يثبتُ النَّسَبُ ويأخُذُ المالَ، هذا إذا كان المُقَرُّ به غيرَ معروفِ النَّسَبِ. واحتجَ الشّافعىّ بقوله: "هُوَ لَكَ يا عَبدَ بنَ زَمعَةَ، الوَلَدُ لِفِراشِ" فقضى بكونه للفراش وإثباتِ نَسَبهِ. قلنا: هذا جهلٌ عظيمٌ، وذلك أنّ قولَه: "إنَّ النَّبىِّ ﷺ قضَى بكَونِهِ للفِرَاشِ" صحيحٌ، وأمّا قولُه: بثبوت النَّسَب فباطلٌ؛ لأنّ عبدًا ادَّعَى شيئين: أحدُهما: الأخوَّةُ. والثّاني: ولادةُ الفراشِ. فلو قال له النَّبىِّ: "هو أخُوكَ، الولدُ للفراشِ" لكان إثباتًا للحُكمِ ونفيًا للعِلَّةِ، بَيدَ أنّ النّبيّ ﷺ عَدَلَ عن الأُخَوَّةِ ولم يتعرَّض لها، وأعرَضَ عن النَّسَبِ ولم يصرِّحْ به، وإنّما قال: "هُوَ لَكَ" معناه: فأنت أعلَمُ به. حديث: وهو حديث عبد الله بن أبي أُمَيَّةَ (٢)؛ أَنَّ امرَأَةً هَلَكَ عَنْهَا زَوجُهَا، فَاعتَدَّت أَربَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشرًا، ثُمَّ تَزَوَّجَت حِينَ حَلَّت. فَمَكَثَت عِنْدَ زَوجِهَا أَربَعَة أَشهُرٍ وَنِصْفَ شَهرٍ، ثُمَّ وَلَدَت وَلَدًا تَامًا، فَجَاءَ زَوجُهَا إِلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَدَعَا عُمَرُ نِسوَةً من نِسَاءِ الجاهِلِيَّةِ قُدَمَاءَ، فَسأَلَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ. فَقالَتِ امرأةٌ مِنهُنَّ: أَنَا أُخبِرُكَ بِهَذِهِ المَرْأَةِ، هَلَكَ عَنْهَا زَوْجُهَا حِينَ حَمَلَتْ، فأُهرِيقَتِ عليه الدِّماءُ. فَحَشَّ وَلَدُها (٣)، فَلَمّا أَصَابَهَا زَوجُهَا

стр. 3126

الذِي نَكَحها، وَأَصابَ الوَلَدَ الماءُ، تحَرَّكَ الوَلَدُ في بَطنِهَا وَكَبِرَ. فَصَدَّقَها عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وَفَرَّقَ بَينَهُما، وَقالَ: أَما إنَّهُ لَمْ يَبلُغنِي عَنكُمَا إِلَّا خَيْرٌ، وَألحَقَ الوَلَدَ بِالأَوَّلِ. قال الإمام: والحديثُ صحيحٌ. العربيّة (١): قولُها:"فَحَشَّ وَلَدُها في بَطنِهَا" تريد: رقّ وضَمُرَ من الدّم الّذي أُهريقت عليه، ثمّ انتفّشَ بماء الزّوج الثّاني وكبر (٢). يقال من ذلك: حَشَّ يَحِشُّ إذا يَبِس، وقد أحشَّتِ المرأةُ: فهي مُحش. وبعضهم يرويه بضمِّ الحاء. وفي هذا الحديث (٣) أدلّ دليل على أنّ الحاملَ تحيضُ. الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (٤): قوله: "أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَبلُغْنِي عَنكُمَا إِلَّا خَيرٌ" يريد: أنّهما لم يتعمَّدَا النِّكاح في العِدَّة، وأنّ المرأةَ ظنّت أنّها قد حلّت. وقال سحنون (٥): في هذا الحديث أصلٌ من أصول العلم، فيه من الفقه: أنّ الولد لا يُلحَق إذا جاءت به المرأة لأقلّ من ستّة أشهُر من يوم تزوّجت، ولو جاءت به لأكثرَ من ستّةِ أشهُرٍ للحق بالزّوج الآخِر وكان ولدًا لهُ.

стр. 3127

وفي هذا الحديث (١): ما يدلُّ على فساد قول أهل العراق؛ بأنّ الولد يلحق بالأوَّل ما لم تقرّ المرأةُ بانقضاءِ العِدَّة قبل ذلك. ونيه من الفقه: أنّه ما كان من أمور النّساء، أنّه يُرْجَع فيه إلى النِّساء العارفات وإلى قولهن ممّا لا يعرفه الرِّجال (٢). المسألة الثّانية: قوله: "فَدَعَا النِّساءَ" يريد القوافي، وهي مسألةٌ عظيمةٌ بيّنّاها في موضعها، وهي القولُ بالقَافَةِ، والأصلُ في ذلك: حديث مُجَزَّز المُدلِجِيّ، رواه الأيمّة (٣)، ولم يُدخِله مالك. ثبت أنّ رسول الله ﷺ دَخَلَ عَلَى عائِشَةَ تَبرُقُ أَسارِيرُ وَجهِهِ، فَقالَ: أَلَم تَرَي أَنَّ مُجَزِّزًا المُدْلِجِيَّ نظَرَ الآنَ إِلى أُسَامَة وزَيدٍ وَهُما في قَطِيفَةٍ قَدْ غطّيَا رُؤُوسَهُمَا وَبَدَت أَقدَامُهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقدامَ بَعضُها من بَعضٍ ... الحديث إلخ، وهو صحيح. العربيّة: قال: والقَافَةُ جمعُ قائفٍ وهم الّذين يُميِّزُون الدِّماءَ ويلحقون النَّاس بعضهم ببعض. اللّفظ الثّاني: قوله: "تَبرُقُ أَسارِيرُ وَجهِهِ" الأسارير: هي الغضون والتَّكَسُّر الّتي في الوجه، واحدُها سِرّ -بكسر السين- وجمعُها أسرار، وجمعُ الجَمعِ أسارير (٤). الأصول (٥): قال الإمام: وجهُ الدّليلِ من هذا الحديث؛ أنّ النّبيّ ﷺ سُرَّ بقول القائف في إثباتِ نَسَبِ أُسَامةَ بنِ زَيدٍ، لشَبَهِ الأقدامِ في التّقدير والهيئةِ، وإن اختلَفا في اللّون، فإنّ زَيدًا

стр. 3128

كان أبيض وأُسَامةَ أسودَ، والنّبيُّ ﷺ لا يُسَرُّ بالباطلِ، على ما قرّرناه في "أصول الفقه". الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (١): لم يختلف قولُ مالكٍ وأصحابه في القَافَةِ في الإماء (٢)، واختلف قوله في الحرائر (٢)، فالمشهور عنه أنّه لا يُدْعَى لهم القَافَة. وحكى عبدُ الوهّاب في "معُونَتِه" (٣) عن ابنِ وَهْب أنّه يدعى لهم القَافَة، وبه قال الشّافعيّ (٤). وحديثُ النّبيّ ﷺ إنّما كان في الحرائر ولم يكن في الإماءِ، فلا وَجه لغير هذا. المسألة الثّانية (٥): واختلف علماؤنا في ثُبوتِ النَّسَب بالقَافَةِ، هل يكونُ لواحد أو لاثنين؟ فمذهبُ مالك (٦) أنّه يكون للرّجل أَبَوَانِ. قال أبو يوسف: نعم وأُمَّان. وأمّا قول أبي يوسفَ هذا فما رأيتُ له في أثناء الطَّلب دليلًا أحكِيه؛ لأنَّ المشاهدةَ تُبطِلُه وتنميه. وأمّا الأَبَوانِ فلا إشكالَ فيه (٧)، وقد تبيَّنَ في حديث عمرَ وجهُ امتزاجِ الماءينِ، د إذا اضطررنا إلى القَافَةِ وتعارَضَ الشَّبَهُ ألحَقناهُ بهما، فمن علمائنا من قال: يقال لهما: انظروا إلى أغلب الشّبهِ.

стр. 3129

ويقال له: فإن اسَتَويَا، فماذا يكون الحُكمُ؟ فقد قال ابنُ القاسم وغيرُه من العلماء: إذا ألحقَتِ القافَةُ الولدَ بهما كان ابنًا لهما. وقال بعضُهُم: يُوالِي من شاء. قال ابنُ القاسم وغيرُه: يكون ابنًا لهما ولا يكونُ له الاختيارُ. وقد رُوِيَ عن مالكٍ أنّه قال: إنَّ القافَةَ لا تكون في بغايا الجاهليّة، وإنّما تكونُ في أولاد الرَّشْدَةِ. وهذا خلافُ حديثِ عمرَ الّذي أدخل، والصّحيح أنّها تجري فيهم؛ لأنّه إذا جَازَ استلحاقُهم بالدَّعوَى، فكلُّ نَسَبٍ يلحَقُ بالدَّعوَى والفراشِ تدخلُه القَافَةُ. حديث سلمان بن يَسارٍ (١)؛ أَنَّ عُمَرَ بن الخَطَّاب كانَ يُلِيطُ أَوْلَادَ الجَاهِلِيَّةِ بِمَنِ ادَّعاهُم في الإِسلَامِ، فَأَتَى رَجُلَانِ كِلَاهُما يَدَّعِي وَلَدَ امرَأَةٍ، فَدَعا عُمَرُ قائِفًا، فَنَظَرَ إِلَيهِمَا، فَقالَ القَائِفُ: لَقَدِ اشتَرَكَا فِيهِ، فَضَربَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ، ثُمَّ دَعَا المَرأَةَ، فَقالَ: أَخبِرِينِي خَبَرَكِ، فَقالَت: كانَ الماءُ لأَحَدِ الرَّجُلَينِ، وَهِيَ في إِبِلٍ لأَهلِها، فَلا يُفَارِقُها ... الحديث. العربيّة (٢): قولُه: "يُلِيطُ" يعني: يُلحقهم بمن ادَّعاهُم ويُلصقُهم به. والكلمةُ مشتقَّةً من الشّيء المليط بالشّيء، يعني الملتصق به. وقال في "الغريب": كان يُليط أولاد الجاهلية بالآباء في الزِّنا (٣). يُلِيطُ -بضم الياء وكسر اللّام -أي: يلحق ويلصق. تقول العرب: الولد أَليَط، أي ألصق بالرَّجُل.

стр. 3130

الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأوُلى (١): قال علماؤنا: كان أولئك أولاد لزَنْيَةٍ، وكذلك السُّنَّةُ اليومَ فيمن أسلمَ من النَّصَارى واليهود، ثمّ ادَّعَى ولدًا كان من زنا في حال نصرانيَّتِه، أنّه يُلحَق به إذا كان مجذوذَ (٢) النَّسَبِ، لا أَبَ لهَ ولا فِرّاشَ فيه. قال ابنُ مُزَيْن (٣): أفيؤخذ بذلك الحديث في مثلهم ممّن أسلم اليوم؟ قال: نعم. ولو أسلم قوم بجماعتهم في دراهم، وتحمّلوا إلى دار الإسلام، فادَّعَى بعضُهُم ولد الزنية؟ قال: نعم مِنْ حُرًّةٍ كان الولد أو من أَمَةٍ، إلّا أنّ يدَّعِيهِ معه سيِّدُ الأَمَةِ أو زوجُ الحُرِّةِ. المسألة الثّانية (٤): قال علماؤنا (٥): في هذا الحديث ما يدلُّ على قَبُولِ القائفِ الواحد والحكم به. وقال عيسى: لا يجوز من القَافَة إلّا اثنان فصاعدًا، ولا يقبل في ذلك إلّا أهل العدل. ويحتمل أنّ يكون عمرُ إنّما ضَرب القائفَ بعد أنّ ادَّعى المُبادَرَة بالقول قبل العِلم والتَّأمل، والله أعلم. قال علماؤنا (٦): ويحتمل أنّ يكون عمر اقتصر على القائف الواحد لأنّه لم يجد غيره، ويُحتمل أنّه اقتصر عليه لتحقّق الحكم به.

стр. 3131

وقال ابنُ حبيب (١): إنّما يجوز القائف الواحد إذا كان عَدلًا ولم يوجد غيره، وهو قولُ الشّافعيّ (٢)، وعليه الجماعة من أصحابنا، إلّا ما رواه أشهب عن مالك أنّه لا يجزئ إلّا قائفان، وبه قال عيسى (٣). المسألة الثّالثة (٤): في التّوجيه فوجه الأوّل: أنّ هذه طَريقُهُ الخبر عن عِلمٍ يختصُّ به القليل من النَّاس، كالطّبيب والمفتي. ووجه الثّاني: أنّه يخصُّ بسَماعِهِ الحكّام والحكم به، فلم يجز في ذلك أقلّ من اثنين، كالشّهادات لأنّه طريقه. القضاء في ميراث الولد المُسْتَلْحق الفقه في مسائل: المسألة الأوُلى (٥): قولُه (٦): "الأَمرُ المُجتَمَعُ عَلَيهِ". وهذا كما قال، أنّ مذهب أهل المدينة في الّذي يتوفَّى ويترك وَلَدَينِ، ويترك سنَّة مئة دينار، أنّ لكلِّ واحدٍ منهما ثلاث مئة دينار. فإن قال أحدهما: إنَّ أباه أَقَّرَّ لرَجُلٍ أنّه ابنه. قيل له: قد أقررت له بمالٍ، فانظر إلى ما في يدك ممّا كان يصير له لو ثبت نسبُهُ فتدفعه إليه؛ لأنّك مقرٌّ له به. ولو ثبتَ نسبُهُ، لكان لكلِّ واحدٍ منهم مئة دينار، وقد أخذ هذا ثلاث مئة دينار،

стр. 3132

والمئة الزائدة قد أقَّرَّ بها للمقرِّ به، وبهذا قال مالك (١). وقال الشّافعيّ: لا يلزمه أنّ يعطيه شيئًا؛ لأنّه أقرَّ له بشيءٍ لا يستحقُّه إلّا من جهة النَّسَبِ (٢). ودليلُنا: أنّ إقرارَهُ يتضمَّن شيئين: أحدهما: النَّسَب، وهو إقرارُهُ على غيره فلا يثبت إلّا بمجرَّد قوله. والثّاني: إقرارُه بمالٍ في يده فلزمه، كما لو توفِّي رجلٌ وترك وَلَدًا واحدًا، فأقرّ بأخٍ ثبتَ نسبُهُ (٣) أنّه إنّما أقرَّ على نفسه وعلى أخيه، وقد مهّدنا ذلك في "كتب المسائل". القضاء في أمّهات الأولاد قال الإمام (٤): هذه كلمةٌ مخصوصةٌ بالإِمَاء إذا وَلَدْنَ، يقالُ: زوجةٌ وأمُّ وَلَدٍ، فتكونُ الأَمَةُ أَمَةٌ حتَّى تَلِدَ، فإذا ولَدَت صارت أمِّ وَلَدٍ، بل تكونُ أُمَّ وَلَدٍ بالحَملِ إجماعًا. واختلفوا في الحَملِ الّذي تكونُ به أُمَّ وَلَدٍ، فقال مالكٌ: تكونُ أمَّ وَلَدٍ بالعَلَقَةِ فما فوقَها (٥). وقال الأوزاعيُّ: تكونُ أمَّ وَلَدٍ بالمُضغَةِ (٦). وقال الشّافعيّ (٧): تكون أُمَّ وَلَدٍ بالعين والظُّفرِ.

стр. 3133

وقال قومٌ: إنّما تكون أُمُّ وَلَدٍ بخلقَةِ الآدميّ. وقال مالك في أثناء كلامه وعند سرد قوله: وما يَرَى النِّساءُ أنّه وَلَدٌ. والأصل في ذلك: قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ الآية (١). وفي الحديث الصّحيح عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُم في بَطْنِ أُمِّهِ أَربَعينَ يَومًا نُطفَةً، وَأَربَعِينَ عَلَقَةَ، وَأَربَعِينَ مُضغَة، فإِذا أَرادَ اللهُ خَلقها كان" (٢) وذكر الحديث. فلم يجعل للخلقِ رُتبة إلّا بعد كونه مُضغَةً، ولا يكون ولدًا إلّا بعد كونه خَلقًا، ولا تكون هي أمِّ وَلَدٍ حتّى يكونَ الولَدُ، فهذا هو الأسلوبُ المَهْيَعُ. وإذا أسقطتِ المرأةُ دَمًا مجتمعًا منعقدًا متماسكًا أو متناثرًا، فإنّه يحتمِلُ أنّ يكون تركيبَ خِلقَة، ويحتمِلُ أنّ يكون عقدةً تجمّعت من خِلطٍ، ولا يقضي أحدٌ فيها على يقينٍ ثابتٍ بمشكوكٍ فيه في إبطال حقٍّ ولا إثباته. فإذا ثبت أنّها تكون أمَّ ولَدٍ، فأجمعتِ الأُمَّةُ على أنّ بيعَها لا يجوزُ من لَدُنِ عليّ ابن أبي طالبٍ إلى زمان دَاوُدَ الأصبهانيِّ. قال عليّ بن أبي طالب ﵁ على المِنبَرِ: كنتُ أرَى رَأي أبي بكر وعمرَ في أنّ أمِّ الولَدِ لا تُباعُ، ثمّ ظهَرَ لي أنّ بيعَها جائزٌ. فقال له عَبِيدَةُ السَّلمانيُّ: رَأيُكَ والله يا أميرَ المؤمنينَ مع رأي أبي بكر وعمرَ أحبُّ إلينا من رأيِكَ وحدَكَ (٣). ثمّ ثبتَ أنّ عليًا رَجَع عن ذلك (٤)، واستقرَّ الأمرُ بين المسلمين عليه إلى الوقت الّذي ذكرنا.

стр. 3134

وتعلّقوا في ذلك بحديث جابر الّذي رواه أبو داود (١) وغيره (٢)، قال جابر: "كُنَّا نَبِيعُ سَرَايَانَا وَأُمَّهات أَولَادِنَا عَلَى عَهدِ رَسُولِ الله وأَبِي بَكرٍ، ثُمَّ نَهَانَا عُمَر" وهذا حديثٌ ضعيفٌ لا يُلتفتُ إليه. تنبيه (٣): واجتمعَ أبو العباس بن سُرَيْج مع أبي بكر بن دَاوُدَ، فاحْتَجَّ أبو بكر بنُ داودَ على أنّ أمَّ الولَد تباعُ، وقال: أجمَعْنَا على أنّها إذا كانت أَمَةً تُبَاعُ، فمَنِ ادَّعَى أنّ هذا الحُكمَ يزولُ بولادَتِها فعليه الدّليلُ. قال أبو العبَّاس بن سُرَيْج له: أجمعنا على أنّها إذا كانت حاملًا لا تُباعُ، فمنِ ادَّعَى أنّها تُباعُ إذا انفصلَ الحملُ فعليه الدّليلُ أيضًا. فَبُهِتَ أبو بكرٍ. بَيدَ أنّ علماءنا أشاروا في ذلك في إثبات هذا الحكمِ بمنَازِعَ من حديث النَّبيِّ ﷺ ، وكلُّها صحيحةٌ، منها: ١ - قولُ النّبيّ ﷺ حين ذكر أشراطَ السَّاعةِ فقال: "أنّ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّهَا" (٤) وفي رواية (٥):"بَعْلَهَا" والبعلُ: هو السَّيِّدُ في لغة العرب، ومعنَى كونه سيِّدًا: أنّها استفادت الحريَّةَ بسببه، ولا يصحُّ أنّ يكون له معنًى سِوَاهُ. ٢ - الثّاني: حديث أبي سعيد الخُدريّ أنّه قال: أَصَبنا سَبَايَا، واشتَدَّت عَلَينَا العُزْبَةُ، وَأَحبَبْنَا الفِدَاءَ فأَرَدْنا أنّ نَعزِلَ، فَقُلنَا: كيفَ نَعْزِلُ والقُرآنُ يَنْزِلُ فِينَا، فَسَأَلنَا رَسُولَ اللهِ عَنْ ذَلِكَ. وذكر الحديث (٦). فإن قيل: إنّما معنى قوله: "فأَحْبَننَا الفِداءَ؛ لأنّها ما دامت حامِلًا لا تُباع ولا يُفَادَى

стр. 3135

بها حتّى ينفصلَ الولدُ، فخَشِيَ أبو سعيدٍ وأصحابُه أنّ يقعوا في هذه الحالةِ. قلنا: قد تقدّم الجوابُ، وأنّه إذا تقرَّرَ المنعُ في حالةٍ، فما الدّليلُ الّذي يَدفَعُهُ؟ قلنا: قد قال علماؤنا: قدِ استأثرَ اللهُ بنبيِّه ﷺ ، وطلَبَ بعضُ أزواجِه وِرْثَهُ، وقال أصحابه وخُلفاؤه: إنَّ رسول الله ﷺ لم يَترُكْ إِلَّا بغلتَهُ وسلاحَهُ وأرضَ كذا (١)، ولم يذكروا مارِيَةَ ولا اعترضها أحدٌ من الطّالبين، ولولا كونُها أمَّ وَلَدٍ لطلَبتها فاطمةُ والعبّاسُ للاستخدام أو البيعِ. قد تعلَّق بعضُ علمائنا بأنْ الأثرَ قد وَرَدَ، وأجمعتِ الأمَّةُ عليه في المنع من التّفريق بين الأُمِّ ووَلَدِها، وذلك يمنَعُ من بيع أمِّ الولدِ، وهو حُكمٌ لا إشكالَ فيه، فاتَّخِذُوا هذه الأقوال أنموذجًا في الاحتجاج للمخالِفِ. الفقه في ثمان مسائل: المسألة الأولى (٢): فيما تصير به أمّ ولد ففي كتب الفقه (٣): أنّها تكون أمّ ولد بكلِّ ما أسقطته إذا علم أنّه مخلق، وفيه تجب الغرّة، وهو أحد قولي الشّافعيّ (٤). وقد تقدّم اختلافُ القومِ في ذلك فمنهم: من قال بالمضغة. ومنهم من قال بالعَلَقَة، فلينظر هنالك في أوّل الباب. المسألة الثّانية (٥): أنّ حكمها لا يملكها غيره ببيع ولا هِبَةٍ.

стр. 3136

وهو مذهبُ جميع الفقهاء مالك وأبي حنيفة والشّافعيُّ (١)، وقد تقدّم تفسير حديث أبي سعيد في غزوة بني المصطلق من الدّليل ما يغني عن إعادته (٢). والدّليلُ على ذلك: إجماع الصّحابة، لحديث عليّ وقول عَبِيدَة السَّلمَاني (٣). المسألة الثّالثة (٤): فيما بقي له (٥) فيها وفي ولدها فروى محمّد عن ابنِ القاسم أنّه ليس للرَّجُل أنّ يتعبها في الخدمة وإن كانت دَنِيئة، وتُبتَذَلُ الدَّنِيئة في الخدمة الخفيفة بما لا تُبتَذل فيه الرَّفيعة. وقال عبد الوهّاب (٦): "له استخدامها فيما يقرب ولا يشق". وقال أبو حنيفة (٧) والشّافعيُّ: له فيها الخدمة والاستمتاع. وهو الأظهر؛ لأنّه المقصود من ملكها، وإنّما منع أنّ يملكها غيره. وأيضًا: فإنّه لا خلاف أنّ للسَّيِّد استخدامَ ولدها وحكمه كحكمها (٨). وممّا تعلّق به مالك: أنّه ممنوعٌ من بيعها، وأنّها لا تُعتَق في ثُلُثه، فلم يكن له استخدامها كالحرّة. المسألة الرّابعة (٩): وهل له أنّ يجبرَها على النِّكاح أم لا؟ كره مالك أنّ يُزَوِّج الرَّجُل أمّ ولده.

стр. 3137

وقال الأبهريُّ: إنّه ليس له فيها إلّا الاستمتاع، فكره له أنّ يُزَوِّجَها وإن رضيت. ومعنى ذلك عندي: أنّه شَبَّهَها بالزّوجة الّتي ليس له فيها إِلَّا الاستمتاع، ولا يجوز لها أنّ تتزوّج مع بقاء ذلك السّبب. فإن زَوَّجَها، فقال ابنُ القاسم في "المدوّنة": لا أفسخه. وقال الشّافعيّ (١) في أحد قَوْلَيْه: لا يجوز له أنّ يُزَوِّجَها. ودليلنا: أنّه وليٌّ لها، فجاز إنكاحها لها كما لو نفذ عتقها. فرع (٢): واختلف قولُ مالك في إجبارها على النِّكاح، فقال ابنُ حبيب (٣): له أنّ يكرهها على النِّكاح. وقد اختلف فيه قول مالك، وثبت على أنّه لا يزوّجها إلّا برضاها (٤). ووجه القول الأوّل: أنّها أَمَةٌ يملك الاستمتاع بها بملك اليمين، فملك إجبارها على النّكاح كالأمة القنّ. المسألة الخامسة (٥): في حكم مالها في حياته فللسَّيِّد انتزاعه ما لم يمرض؛ لأنّها باقيةٌ على ملكه بقاءً تستحق به النّفقة،

стр. 3138

ويبيح الاستمتاع بها، فكان له انتزاع مالها. أصل ذلك: الأَمَة في حال الرِّقَّ، وليس له انتزاعه إذا مرض على ما في "المدوّنة" (١)، وقال عبد الوهّاب (٢): "إذا اشتدّ مرضُه لم يكن له انتزاعه، كما ليس له إخراج ماله في المرض المخوف، إبقاءً على ورثته لِقُرْبِ وقتِ استحقاقهم له". كالمعتق إلى أجلٍ، للسَّيِّد انتزاع ماله ما لم يقرب الأجل (٣). فرع (٤): لماذا أفلس سيِّدها، فليس لغرمائه أخذ مالها، ولا أنّ يجبر السَّيِّد على ذلك، وللسَّيِّد أنّ يأخذه لنفسه ولقضاء دَيْنِه (٥). المسألة السّادسة (٦): في حكم مالها وحكمها بعد موته فإنّها تُعْتَق من رأس ماله، وإن كان عليه دَيْن يحيط به (٧). وهذا إذا كانت ولادتها قبل وفاته، فأمّا إنَّ تُوُفِّيَ وهي حاملٌ ففي "العُتبِيّة" (٨) عن أشهب وفي "الواضحة" (٩) أيضًا: إنَّ كان الحملُ بَيِّنًا فقد تمّت حرمتها في الشّهادة والموارثة والقصاص وغير ذلك. المسألة السّابعة (١٠): قوله (١١): "إِذا جَنَتْ ضَمِنَ سَيِّدُهَا" يريد: أنّه يلزمه أنّ يفتديها بالأقلّ من الأَرْشِ أو

стр. 3139

قيمتها؛ لأنّه لمّا لم يكن له أنّ يملكها غيره، لم يكن له أنّ يسلمها، ولو كانت أَمَة لكان له أنّ بفتديها بالأَرْشِ، أو يسلمها بقيمتها. واختلفوا في تقويمها، فقال أشهب في "الموّازية": خالَفَني ابنُ القاسم والمُغِيرَة في أمّ الولد، فقالا: على السَّيِّد قيمتها يوم جنت، فرجع ابن القاسم وتَمادى المُغِيرَة، وإنّما عليه قيمتها يوم الحكم. فرع (١): فإذا قلنا: تُقَوَّمُ، فهل تُقَوَّم بمالها أم لا؟ قال محمّد عن أشهب عن مالك: تُقَوَّمُ بغير مالها. وأنا أرى أنّ تُقَوَّم بمالها، وبه قال: المُغِيرَة وعبد المَلِك. فرع (٢): فلو ماتت بعد أنّ جنت، ففي "المجموعة" عن ابن القاسم: لا شيءٍ للمجروح من مالها؛ لأنّها لو كانت حية قُوِّمَت بغير مالها. وقال عبد الملك: إنَّ كان عينًا وفَّي منه الأَرْش، فإن لم يكن يفي، لم يكن له غيره. المسألة الثامنة (٣): قوله (٤): "وَلَيْسَ علَيْهِ أَنْ يَحمِلَ من جِنايَتِهَا أَكثَرَ من قِيمَتِهَا" هذا إذا كانت جناية واحدة، فإن تكرّرت وتعقب كلّ جناية الحكم فيها حكم الثّانية وما بعدها حكم الأولى (٥)، فإن جنت

стр. 3140

جنايات ثمّ قام المجني عليه، ففي "المدنية" من رواية محمّد عن مالك: ليس عليه إلّا قيمتها (١). فرع (٢): وليس على العاقلة شيءٌ من جناية أمّ الولد؛ لأنّها أَمَة، ولا تحملُ العاقلة إلّا جناية الأحرار. وقال أبو يوسف: إنَّ لم يفتدها السَّيِّد أعتقها. عليه، وجعلت ديّة قتيلها على العاقلة (٣)، وهذا غيرُ صحيحٍ. القضاءُ في عمارة المَوَاتِ مالكٌ (٤)، عَنْ هِشَامِ بنِ عُروَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "مَنْ أَحيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لهُ، وَلَيسَ لِعِرقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ". وهو عن عُروة مُرْسَلٌ (٥).

стр. 3141

وقد (١) ثبت في الصّحيح عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَعْمَرَ أرْضًا لَيسَت لأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا" خرّجه البخاريُّ (٢). أمّا قوله: "لَيسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ" فهو حديثٌ صحيحٌ، ورَوَى أبو داود (٣) نازلة تعضُدُه: أنّ رجلين اختصما إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال أحدُهما: إنَّ أرضي غَرَسَ هذا فيها نخلًا، فقضَى رسولُ الله ﷺ لصاحبِ الأرضِ بأرضِهِ، وأمرَ صاحبَ النَّخْل أنّ يُخرِجَها منها. قال: فَلَقَدْ رَأَيتُها وإنّ أصُولَها لَتُضرَبُ بالفُئُوسِ حَتَّى أُخرِجَت عنها وهي نَخلٌ عُمٌّ. الأصولُ والغريب (٤): اختلف النَّاسُ في هذا الحديث الّذي خرَّجه أبو داود، هل هو تَعَبُّدٌ أم مُعَلَّلٌ؟ فالّذين قالوا إنّه معلَّلٌ اختلفوا في تعليله: فمنهم من قال: إنَّ العلَّةَ فيه الاشتراكُ بين الخَلقِ، كالماءِ والحطبِ والحشيشِ، فَتَخلُصُ بالإحياء للمُحيِي، كما تَخلُصُ بالاحتطابِ والاحتشاش والاصطياد والاستقاء، كلُّ ذلك لفاعله. وقيل في تعليله: إنّما ذلك إلى الإمام يُخلِصُها لمن شاء، وليست كالماء والحشيش والحطب والصّيد؛ لأنّ ذلك ليس بثابتٍ ولا مُتَحَصَّلٍ. وقد رَوَى الدّارقطنىُّ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "مَوَتَانُ الأَرْضِ (٥) للهِ وَلرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُم مِنِّي أَيُّهَا المُسلِمُونَ" (٦) وهذا

стр. 3142

يَرْفَعُ التَّعليلَ الأخيرَ، ويرفعُ التَعبُّدَ، ويُوجِبُ الاشتراكَ، ويَقْضِي للمُحْيِي بالاختصاصِ كما يقضِي للمُحتَطِب والمُحْتَشِّ. العربيّة (١): قال الشّارحون للحديث (٢): "العِرْقُ الظَّالِمُ" عِرْقان: عِرْق باطنٌ وعِرق ظاهرٌ. فالعِرقُ الباطن: ما احْتَفرَهُ الرَّجُل من اللآبار أو اغترسه من الغِرَاسِ والعرق الظّاهر: ما بناه الرَّجُل من البُنيان في أرض غيره (٣). وقوله: "لَيْسَ لِعِرْقٍ ظالِمٍ حَقٌّ" يريد: ليس له حقٌّ كحقِّ من غَرَسَ أو بَنَى (٤). الفقه في مسائل: المسألة الأولى (٥): قوله (٦):"من أَحيا أَرضًا مَيِّتَةَ". قال علماؤنا (٧): إحياؤها عِمَارتها، وموتها تبويرُها،

стр. 3143

وقد يستعمل موتُها بمعنَى عدم سقيها، قال الله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ الآية (١). وقال أبو حنيفة (٢): كلّ ما قَرُبَ من العُمران فليس. بموات، وما بَعُدَ ولم يملك قَبْلُ فهو موات. ورَوَى سحنون عن ابنِ القاسم: أنّ ما قَرُبَ من العُمران فليس بمَوَاتٍ ولا يدخل في الحديث. فيحتَمِلُ أنّ يريد أنّ اللّفظ عامّ (٣)، فخصّ منه ما قَرُبَ بدليلٍ ظهر إليه، فثبتَ بذلك أنّ المراد به ما بَعُدَ. ويحتَمِلُ *أنّ يريد أنّ لفظ "الأرض" لمّا ورد منكرًا لم يقتض العموم، وإنّما أريد به ما بَعُدَ دون ما قرُبَ. ويحتَمِل* قول أبي حنيفة الوجهين. وأنكر سحنون قول ابن القاسم وقال: المعروف له أنّه لا يجوز له إحياؤه إلّا بإذن الإمام (٤). وقولُه: "فَهِيَ لَهُ" يقتضي ظاهره ملكه لها، وفي ذلك خمس فصول: الأوّل: في صفة الأرض الّتي تملك بالإحياء. والثّاني: في صفة المُحْيِي لها وحكمه. والثّالث: في

стр. 3144

صفة الإحياء. والرّابع: في حكم ما أحيي منها ثمّ مات. والخاص: في حكم الأرض المَوَات والأبوار في البيع والقسمة وغير ذلك. الفصل الأوّل (١) في صفتها قال سحنون في "المجموعة": الأرض على ثلاثة أَضرُبٍ: عَنْوَة، وصُلح، وما أسلم عليها أهلها. فأمّا "العَنْوَةُ" فما كان فيها من مَوَات وشَعارٍ (٢) لم تعمل ولا جَرَى فيها ملك فهي لمن أحياها، وكذلك أرض الصُّلح. وما "أسلم عليها أهلها" فإنّها على ما أسلموا عليه، وهو ملك على وجهين: أحدهما: أنّ تكون محدودة ولها مالكٌ مخصوص. والثّاني: أنّ تكون من الأودية والمَرَاعي ليست بمحدودة ولا لها مالك مُعَيَّنٌ. وقال في موضع آخر: لا تملك حقيقة الملك، وإنّما هي للمرافق، فما كان من أرض الأعراب على غير هذين الوجهين فهي لمن أحياها. وعندي: أنّ هذا التّقسيم لا يُحتاج إليه إلّا بمعنى التّفسير؛ لأنّ حكمها واحد. ووجه ذلك: أنّ كلّ ما ملكت به الأرض من الوجوه الثّلاثة فإنّما يملك منها ما تقدّم ذكر الملك له. إمّا بملك الأرض على وجه الاختصاص، أو العموم وملك المنافع على الوجه العامّ. وبهذين النّوعين منها يتعلّق الملك والحقوق دون الفيافي والقفار، فمن أحيا أرضًا لم يتعلّق بها حقٌّ لأحدٍ فهي له.

стр. 3145

فرع: وما كان من بئرِ ماشيةٍ، فلا يَغرِس عليها أحد غَرْسًا ولا يُحيِي عليه حقًّا، قاله ابن كنانة (١). مسألة: فإذا ثبت ذلك، فالمَوَاتُ على ضربين: ضربٌ يَبعُدُ، وضربٌ يَقرُبُ. فأمّا ما بعد، فقد قال مالك: يُحْيِيهِ بغير إذن الإمام، خلافًا لأبي حنيفة (٢) في قوله: ليس ذلك له إِلَّا بإذن الإمام، وقد رواه يحيى عن ابن نافع. ودليلنا: قوله: "مَنْ أَحيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ" وهذا عامٌّ فحُمِلَ على عمومه. فإن عمّرها بغير إذنه، ففي "كتابُ ابن سحنون" عن مالك: ما علمتُ اختلافًا بين أهل العلم أنّ من أحيا أرضًا ميِّتَةَ في بُعدٍ من العمارة بغير إذن الإمام فهي له. وفي "المَدَنِيِّة" قال مالك في الغنيِّ يقتطعُ الموات البعيد بغير إذن الإمام: ينظر فيه الإمام، فإن رأَى أنّ يُقرَّه أقرَّه، وإن رأى أنّ يُخرِجه أخرجه (٣). وأمّا ما قَرُبَ، فلا يحييه أحدٌ إلّا بإذن الإمام، رواه سحنون عن مالك وابن القاسم وأشهب، خلافًا للشّافعيّ (٤) في قوله: يُحييها من شاءَ بغير إذنه، ورواه ابن عبدوس عن أشهب، وبه قال كثيرٌ من العلماء من أصحابنا.

стр. 3146

فرع: ومن أحيا أرضًا في الفَيَافِي، فليس لغيره أنّ يحيى بقربه إلّا بإذن الإمام، قاله سحنون في "المجموعة" قال: لأنّه قد صار بالأحياء عمرانًا فلا يعمر بقربه إلّا بإذن الإمام. وأمّا حدُّ القُرب والبُعد، فقال سحنون في "كتابُ ابنه": ما رأيت من وَقَّتَ فيه من أصحابنا، وما كان على يوم وما لا تدركه المواشي في غدوها ورواحِها فأراه من البعيد، وأمّا ما تدركه في غدوها ورواحها أو بَعُدَ قليلًا بما فيه المَرْفِق لأهل العمارة، فهو القريب يدخله نظر السُّلطان فلا يُحْيَى إلّا بإذنه. الفصل الثّاني (١) في صفة المحيي ذلك أنّ المحيي للأرض في بلاد المسلمين لا يخلو أنّ يكون مسلمًا أو ذِمِّيًا، فإن كان مسلمًا فحُكمُه ما تقدّم، وإن كان ذِمِّيًا ففي "المجموعة" عن ابن القاسم: هي له، لِمَا رُوِيَ عنه ﷺ أنّه قال: "مَنْ أَحيَا أَرضًا مَيّتَةً فَهِيَ لَهُ" إلّا أنّ يكون ذلك في جزيرة العرب لقوله: "لا يَبقَيَنَّ دينانِ في جزيرةِ العربِ" (٢). مسألة: وإنّما ذلك (٣) فيما بَعُدَ، وأمّا فيما قَرُبَ، فإنّه يخرج عنه ويُعْطَى قيمته؛ لأنّ ما قَرُبَ من العمران بمنزلة الفَيءِ، والذِّمِّيُّ لا حقّ له في الفَيءِ. وكذلك إنَّ عَمَّرَ في جزيرة العرب مكَّة والمدينة والحجاز (٤) فإنّه يخرج منها ويعطَى قيمة ما عمّر، قاله ابن حبيب وابن الماجِشُون.

стр. 3147

قال الإمام: وفيه نظر؛ لأنّه إنَّ كان ما قَرُبَ حكمُه حكم الفَيء، فلا يجوز لأحدٍ تملكه ولا اقتسامه؛ لأنّ هذا حُكم الفَيءِ من الأرض عند مالك، ويلزمه ألَّا يصحّ إحياؤه من العبد والمرأة؛ لأنّهما ليسا من أهل الفَيءِ ولا يصح ممّن لم يفتح ذلك البلد. الفصل الثّالث (١) في صفة الإحياء قال مالك (٢): الإحياء أنّ يحفر بئرًا أو يُجرِي عينًا. ومن الإحياء غَرْس الشَّجر والبنيان والحرث، وقاله ابنُ القاسم وأشهب. وقال مطرف وابن الماجشون: الإحياءُ حَفر الآبار وشقُّ العيون والغرسُ والبناءُ وقطعُ الحياض والفحص عن الأرض ممّا تعظم مؤونته وتبقى منفعته حتّى يصير مالًا، فهذا وما أشبهه إحياء. مسألة: وأمّا الرَّعيّ، فلا يكون إحياء، قاله ابن سحنون عن ابن القاسم (٣). وقد قال أشهب (٤): من نزل أرضًا فرَعَى ما حولها فهو أحقّ بها، وذلك إحياءٌ. مسألة: وأمّا من حَجَّر (٥) أرضًا بعيدة، فقد قال أشهب: لا تكون له حتّى يعلم أنّه حجّرَها ليعمل فيها إلى أيّامٍ، فذلك له. وأمّا من حَجَّرَ مالًا يقوى عليه فله منه ما عَمَّرَ.

стр. 3148

وقال أشهب في "المجموعة": قد رُوِيَ عن عمر أنّه قال: من حَجَّرَ أرضًا ولم يعمّرها أنّه ينتظر به ثلاث سنين (١)، وأراه حسنًا. مسألة: وقد قال ابنُ القاسم (٢): ليس الحَجْرُ إِحياء. ووجه ذلك: أنّ هذا لا يعمل لإحياء، وإنّما هو مَنْعٌ لغيره من التَّصرّف فيها. مسألة: وليس حفر بئر الماشية إحياء، قاله ابنُ القاسم (٣) وأشهَبُ؛ لأنّه عمل لمنافع الماشية كالرّعي. الفصل الرّابع (٤) في حكم ما أحيي ثمّ مات فإنّ الأرض على ضربين: ١ - ضرب يقسم ملكه. ٢ - وضرب يملك عن مالك. فأمّا ما اقتسم ملكه، فعلى قسمين: إقطاع (٥) وإحياء. فأمّا الأوّل: ففي "العُتْبِيَّة" (٦) عن ابن القاسم فيمن أقطعه الإمام أرضًا قريبة فهي له

стр. 3149

وإن لم يعمرها، ويبيع ذلك إنَّ شاء ويورث عنه. وقال ابن الماجِشُّون (١): إنَّ لم يقو على عمارتها، فله أنّ يبيعها ويهب ويتصدّق ما لم ينظر في عجزه عنها فيقطعها غيره. فوجه قول ابن القاسم: أنّ الإقطاع عنده بمعنى التّمليك والَّذي لا يفتقر إلى عمارة، كالبيع والميراث. ووجه الثّاني: أنّ الإقطاع إنّما هو إذنٌ في الإحياء، ومن شرط ذلك العمارة. الفصل الخامس (٢) في حكمها في القسمة والبيع فإنّ الأبرار والشَّعَارَى على ثلاثة أَضْرُبٍ: ١ - ضرب تحيط به العمارة. ٢ - وضرب لا تحيط به. ٣ - وضرب يكون قد شقّ. فأمّا ما [لا] (*) تحيط به العمارة (٢) (*)، فقد قال ابنُ وَهْبٍ وأَشهَبُ وأَصْبَغُ: لا يقسم بينهم وإن اتّفقوا على قسمته، وفي "كتابُ ابن سحنون" عن ابن القاسم؛ أنّ الشُّعْرَاء الّتي تَقرُبُ من القُرَى تلحقها الماشية في غدوّها ورواحها، وهي لهم مَرْعَى ومحتَطَبٌ، فلا تكون لمن أحياها، ولأهل تلك القرى قسمتها بينهم. وأنكره سحنون، وقال: المعروف لمالك وابن القاسم غير هذا، وذلك أنّ النَّاس لم يختلفوا فيما بَعُدَ من العمران أنّ يحيا بقطيعة الإمام. واختلفوا فيما قَرُبَ، فقال كثير منهم: للرَّجُل أنّ يُحيِيه دون الإمام. وقال غيرهم: لا يُحْيِيه إلّا بقطيعة. فهذا خارج

стр. 3150

من هذين القولين. ووجه المنع من القسمة: ما تقدّم. ووجه إباحتها: أنّهم يختصُّون بمعظم منافعها، وإنّما لغيرهم في ذلك ما فضل عنهم على وجه الضّرورة إليه. مسألة (١): وأمّا ما أحاطت به العمارة، فقال أصبَغُ وداود بن سعيد: يقسم، وبه قال مُطَرِّف وابن المَاجِشُون. وقال أَشهَب وابن وَهْب: لا يقسم أجمعوا على ذلك أو أَبَى بعضهم؛ لأنّ البُور لا يقسم وليس بمال لهم فيه حقّ لكلِّ المسلمين، وقد قال ﷺ : "لا يُمْنَعُ فَضلُ المَاءِ ليُمنَعَ بِهِ الكَلأُ" (٢). ووجه القول الأوّل: ما احتجَّ به ابن حبيب أنّ هذه الأبوار أَفنِيَة أهل القُرَى ومحتطبهم ومراعيهم، ولذلك لم يكن للإمام أنّ يقطع لأحدٍ شيئًا منها؛ لأنّها حقّ لهم كأَفنِيَةِ الدُّور، فمن دَعَا إلى القِسْمة منهم فذلك له. تنبيةٌ على وَهْمٍ (٣): قال علماؤنا المالكيّة (٤) والشّافعيّة (٥): لا يجوز للذِّمِّيِّ إحياء المَوَاتِ. وقال أبو حنيفةَ (٦): يجرز.

стр. 3151

وقالت الحنفية في كُتُبِها: يجوز للذِّمِّيِّ إحياء الموات. وقال الشّافعيُّ ومالك: لا يجوزُ. ونصر كلا الطّائفتين ما ادّعاه وأبطل ما عداه، والمسألة غير مُتَصَوَّرة على مذهب أبي حنيفة؛ لأنّ أبا حنيفة يقول: إنَّ إحياء الأرض كيف ماكانت وأين ما كانت لا يجوز إلّا بإذن الإمام، وإذا أذن الإمام للذِّمِّيّ في إحياء الموات نفّذه؛ لأنّه حكمٌ مُختَلَفٌ فيه، ولا يبقى للمسألة صورة، على أنّ بعض علمائنا قال: يجوز للذِّمِّيِّ إحياء المَوَات إلّا في جزيرة العرب مَكَّة والمدينة؛ لأنّ النّبيّ ﷺ قال: "من أَحيَا أَرْضًا" الحديث، وهذا عامٌّ. وقال ﵇: "أَخرِجُوا اليَهُودَ والنَّصارى من جَزِيرَةِ العَرَبِ" (١) وهذا خاصٌّ، فَقَضَى الخاصُّ على العامِّ باتّفاقٍ من الأُمّةِ، نصَّ عليه ابن القاسم وغيره. ويصح أنّ يكون للذِّمِّيِّ في إحياء المَوَاتِ حقٌّ لثلاثةِ أوجُهٍ: أحدها: أنّ أبا حنيفة يقول: إنَّ الكفّار لا يخاطَبُون بفروع الشّريعة، فليس لهم دخول في الأمر والنّهي، من باب نفي التكليف بالأحكام، وهذا ما لا جواب لهم عليه. الثّاني: في قول النّبيّ ﷺ : "مَنْ أَعْمَرَ أَرضًا مَيَّتَةَ لَيسَت لأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِها" (٢) وهذه الأرض للمسلمين، لقول النّبيّ ﷺ : "مَوَتَانُ الأَرْضِ لله وَلرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُم مِنِّي أَيُّهَا المُسلِمُونَ" (٣). الثّالث: أنّ الذِّمِّيّ ليس من أهل الأرض، إنّما هو فيها مكتر بأجرةٍ معلومةٍ، فأيُّ حقٌّ له في الإشاعة حتّى يُعَيِّنه بالإحياء، وفي مسائل إحياء المَوَاتِ تفريعٌ عظيمٌ، فابْنوا على هذه الأصول الّتي أصّلناها لكم، والحمد لله.

стр. 3152

القضاءُ في المياه قال الإمام: أدخلَ مالكٌ (١) في هذا الباب حديث عَبْدِ اللهِ بن أَبِي بَكرٍ بن مُحَمّدِ بْنِ عَمرو بنِ حَزمٍ؛ أَنَّهُ بَلَغهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ في سَيلٍ مَهزُورٍ وَمُذَينِبٍ: "يُمسِكُ حَتَّى الكَعبَينِ ثُمَّ يُرسِلُ الأعلى عَلَى الأَسفَلِ". الإسناد (٢): قال الإمام: الأصل في المياه وأحكامِها حديثُ الزُّبَير، وهو مُتًفَقٌ عليه من الأَيِمَّة والأُمّة (٣)، رُوِيَ أَنَّه خاصَمَهُ رَجُلٌ من الأنصار في شِرَاج الحَرَّةِ، فَتَرافَعَا إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال له النّبيُّ ﷺ :" "اسقِ يَا زُبَيرُ وَأَرسِلِ إِلَى جَارِكَ" فقال الأنصاريّ: إنَّ كانَ ابن عَمَّتِكَ. فَتَلَوَّنَ وَجهُ النّبيّ ﵇ ثمّ قال للزُّبَير: "أَمسِكِ المَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الجَدرَ، ثُمَّ أَرْسِلهُ" وفي ذلك نزلت الآية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية (٤)، وقد فات الإيمان للأنصاريّ بهذه الكلمة، ولكنّ النّبيّ ﷺ سكت عنه؛ لأنّها كانت منه فلتَةً، وقد كان سَكَتَ عن المنافقين الّذين يُسِرُّون الكُفرَ، فإقالةُ العَثرَةِ أقل من ذلك وَأَولَى، ولذلك قال النّبيُّ ﷺ : "إنها صَفيَّة بنت حُيَيٍّ، وَإِنِّي خَشِيتُ أنّ يَقذِفَ الشَّيطانُ في قُلُوبِكم شَيئًا فَيهلكَ مَنْ هَلَكَ" (٥) فكلُّ منِ اتَّهم النّبيَّ ﷺ

стр. 3153

بباطلٍ فهو كافرٌ، والحكمةُ ما ذكرناه إنَّ شاء الله. عربية (١): قال الشّارحون (٢) للحديث الأوَّل: "مَهْزُورٌ وَمُذَينِبٌ" هما واديان من أودية المدينة (٣) يسيلان بالمطر (٤)، ويتنافس أهل الحوائط في سيلهما، فقضَى رسولُ الله للأعلى (٥). زاد سحنون (٦): وليس ملكهما لأحد. الفقه في مسائل: المسألة الأولى (٧): قال علماؤنا: والماءُ على قسمين: مملوكٌ مُبَاحٌ. ضرب (٨): لا يُملك أصلُه كالسُّيول أو ماء الأمطار. وضرب: يُملك أصلُه كالعيون والآبار.

стр. 3154

فأمّا المملوك، فلا كلام لأَحَدٍ فيه إلّا لصاحبه. ومن أسباب مِلْكِ الماءِ مِلكِ مَحَلَّه، كمن احتفَرَ بِئرًا أو بَنَى عينًا، فذلك سَبَبٌ يقضي له بالاختصاص به دونَ غيرِه، على تفصيل معلوم في "كتب المسائل" يأتي الآن منه شيءٌ إنَّ شاء الله. قال الإمامُ: ولم يكن الماءُ الّذي اختصم فيه الزُّبيرُ والأنصاريُّ مملوكًا لأحدٍ، وإنّما كان ممّا يجري في السّيل فيَجذِبُ كلّ جَدرٍ يمرُّ عليه مِن أحَدِ جانبي السَّيل ما يحتاجُ إليه، وكان الأنصاريُّ تحت الزُّبَيْر في جانِبِه، أو من الجانب الآخر، ولو كان فوقَهُ لكان أحقَّ به، إلّا بمِلْكٍ ثابتٍ باتِّفاقٍ أو باحْتِيَاز قديمٍ. فإن سَاوَاهُ في الجانب الثّاني، فالحُكمُ لمن سَبَقَ، وإن اختلفا قبلَ الاختصاصِ، فإمّا أنّ يقتَسِمَا، وإمّا أنّ يَستَهِمَا. فلمّا سبق الزُّبَيرُ كان له أنّ يأخُذَ حاجَتهُ، حتَّى إذا استَغنى أرسلَ الفاضلةَ له، فأشار ﵇ بأن يأخُذَ ويترُكَ من حَقِّهِ، وقال له: "أَمْسِكْ مَاءَكَ حَتَّى يَبلُغَ الجَدْرَ" (١) يعني: حتّى يستوي مع حائِطِ الحَوضِ. المسألة الثّانية (٢): اختلف علماؤنا لمن يكونُ ذلك؟ فقيل: يكونُ لصاحب الشَّجَرِ باتّفاقٍ؛ لأنّها تحتاجُ إلى رَيٍّ كثيرٍ، فإن كان زَرْعًا أمسَك حتَّى يَستُرَ الأرضَ؛ لَأنّ الزَّرعَ إنّما يحتاجُ إلى قليلٍ، وقضاءُ النّبيّ ﷺ أحقُّ.

стр. 3155

المسألة الثّالثة (١): أدخلَ مالك (٢) في هذا الباب حديث أَبِي هُرَيرَةَ: "لا يُمنَعُ فَضلُ المَاءِ لِيُمنَعَ بِهِ الكَلأُ" وتردّد قولُه في: "نَقع البئرِ" فتارةً منَعهُ، وقال: لا يجوزُ، وهو في "المجموعة" وبه قال أبو حنيفة (٣). وتارةً كَرِهَهُ، وبه قال الشّافعيّ (٤)، واختار الكراهيةَ ابنُ القاسم. وهذا إنّما يكون في بِئرٍ لا تُحفَرُ في مِلكٍ. ومن كَرِهَ بيعَها حَمَلَهُ على النَّدْبِ والآداب. والصحيحُ عندي من هذا الاختلاف كله، أنّه يجب عليه إعطاءُ الفَضلِ. فإذا ثبتَ هذا، فلا يجوزُ حينئذٍ بيعُه؛ لأنّ المَبِيعَ حينئذٍ يكونُ مجهولًا. فإن قيل: لم مُنِعَت هاجَرُ؟ قلنا: لأنّ الله ملَّكَها الماءَ والموضعَ، واختطّهُ لها جبريلُ ﵇، وجعلَها أرضًا مبارَكَةً مملكةً موروثةً، مقدِّمةً لخير البَريَّة محمّدًا وأمّته. والفروعُ عليه كثيرة جدًّا. وقوله: "لا يُمنَعُ فَضلُ الماءِ لِيُمْنَعَ بِه الكلأُ" يقتضي النَّهيَ عن الذَّرَائِعِ (٥).
следующие страницы →