← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

وقالت الحنفية في كُتُبِها: يجوز للذِّمِّيِّ إحياء الموات. وقال الشّافعيُّ ومالك: لا يجوزُ. ونصر كلا الطّائفتين ما ادّعاه وأبطل ما عداه، والمسألة غير مُتَصَوَّرة على مذهب أبي حنيفة؛ لأنّ أبا حنيفة يقول: إنَّ إحياء الأرض كيف ماكانت وأين ما كانت لا يجوز إلّا بإذن الإمام، وإذا أذن الإمام للذِّمِّيّ في إحياء الموات نفّذه؛ لأنّه حكمٌ مُختَلَفٌ فيه، ولا يبقى للمسألة صورة، على أنّ بعض علمائنا قال: يجوز للذِّمِّيِّ إحياء المَوَات إلّا في جزيرة العرب مَكَّة والمدينة؛ لأنّ النّبيّ ﷺ قال: "من أَحيَا أَرْضًا" الحديث، وهذا عامٌّ. وقال ﵇: "أَخرِجُوا اليَهُودَ والنَّصارى من جَزِيرَةِ العَرَبِ" (١) وهذا خاصٌّ، فَقَضَى الخاصُّ على العامِّ باتّفاقٍ من الأُمّةِ، نصَّ عليه ابن القاسم وغيره. ويصح أنّ يكون للذِّمِّيِّ في إحياء المَوَاتِ حقٌّ لثلاثةِ أوجُهٍ: أحدها: أنّ أبا حنيفة يقول: إنَّ الكفّار لا يخاطَبُون بفروع الشّريعة، فليس لهم دخول في الأمر والنّهي، من باب نفي التكليف بالأحكام، وهذا ما لا جواب لهم عليه. الثّاني: في قول النّبيّ ﷺ : "مَنْ أَعْمَرَ أَرضًا مَيَّتَةَ لَيسَت لأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِها" (٢) وهذه الأرض للمسلمين، لقول النّبيّ ﷺ : "مَوَتَانُ الأَرْضِ لله وَلرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُم مِنِّي أَيُّهَا المُسلِمُونَ" (٣). الثّالث: أنّ الذِّمِّيّ ليس من أهل الأرض، إنّما هو فيها مكتر بأجرةٍ معلومةٍ، فأيُّ حقٌّ له في الإشاعة حتّى يُعَيِّنه بالإحياء، وفي مسائل إحياء المَوَاتِ تفريعٌ عظيمٌ، فابْنوا على هذه الأصول الّتي أصّلناها لكم، والحمد لله.

стр. 3152

القضاءُ في المياه قال الإمام: أدخلَ مالكٌ (١) في هذا الباب حديث عَبْدِ اللهِ بن أَبِي بَكرٍ بن مُحَمّدِ بْنِ عَمرو بنِ حَزمٍ؛ أَنَّهُ بَلَغهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ في سَيلٍ مَهزُورٍ وَمُذَينِبٍ: "يُمسِكُ حَتَّى الكَعبَينِ ثُمَّ يُرسِلُ الأعلى عَلَى الأَسفَلِ". الإسناد (٢): قال الإمام: الأصل في المياه وأحكامِها حديثُ الزُّبَير، وهو مُتًفَقٌ عليه من الأَيِمَّة والأُمّة (٣)، رُوِيَ أَنَّه خاصَمَهُ رَجُلٌ من الأنصار في شِرَاج الحَرَّةِ، فَتَرافَعَا إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال له النّبيُّ ﷺ :" "اسقِ يَا زُبَيرُ وَأَرسِلِ إِلَى جَارِكَ" فقال الأنصاريّ: إنَّ كانَ ابن عَمَّتِكَ. فَتَلَوَّنَ وَجهُ النّبيّ ﵇ ثمّ قال للزُّبَير: "أَمسِكِ المَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الجَدرَ، ثُمَّ أَرْسِلهُ" وفي ذلك نزلت الآية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية (٤)، وقد فات الإيمان للأنصاريّ بهذه الكلمة، ولكنّ النّبيّ ﷺ سكت عنه؛ لأنّها كانت منه فلتَةً، وقد كان سَكَتَ عن المنافقين الّذين يُسِرُّون الكُفرَ، فإقالةُ العَثرَةِ أقل من ذلك وَأَولَى، ولذلك قال النّبيُّ ﷺ : "إنها صَفيَّة بنت حُيَيٍّ، وَإِنِّي خَشِيتُ أنّ يَقذِفَ الشَّيطانُ في قُلُوبِكم شَيئًا فَيهلكَ مَنْ هَلَكَ" (٥) فكلُّ منِ اتَّهم النّبيَّ ﷺ

стр. 3153

بباطلٍ فهو كافرٌ، والحكمةُ ما ذكرناه إنَّ شاء الله. عربية (١): قال الشّارحون (٢) للحديث الأوَّل: "مَهْزُورٌ وَمُذَينِبٌ" هما واديان من أودية المدينة (٣) يسيلان بالمطر (٤)، ويتنافس أهل الحوائط في سيلهما، فقضَى رسولُ الله للأعلى (٥). زاد سحنون (٦): وليس ملكهما لأحد. الفقه في مسائل: المسألة الأولى (٧): قال علماؤنا: والماءُ على قسمين: مملوكٌ مُبَاحٌ. ضرب (٨): لا يُملك أصلُه كالسُّيول أو ماء الأمطار. وضرب: يُملك أصلُه كالعيون والآبار.

стр. 3154

فأمّا المملوك، فلا كلام لأَحَدٍ فيه إلّا لصاحبه. ومن أسباب مِلْكِ الماءِ مِلكِ مَحَلَّه، كمن احتفَرَ بِئرًا أو بَنَى عينًا، فذلك سَبَبٌ يقضي له بالاختصاص به دونَ غيرِه، على تفصيل معلوم في "كتب المسائل" يأتي الآن منه شيءٌ إنَّ شاء الله. قال الإمامُ: ولم يكن الماءُ الّذي اختصم فيه الزُّبيرُ والأنصاريُّ مملوكًا لأحدٍ، وإنّما كان ممّا يجري في السّيل فيَجذِبُ كلّ جَدرٍ يمرُّ عليه مِن أحَدِ جانبي السَّيل ما يحتاجُ إليه، وكان الأنصاريُّ تحت الزُّبَيْر في جانِبِه، أو من الجانب الآخر، ولو كان فوقَهُ لكان أحقَّ به، إلّا بمِلْكٍ ثابتٍ باتِّفاقٍ أو باحْتِيَاز قديمٍ. فإن سَاوَاهُ في الجانب الثّاني، فالحُكمُ لمن سَبَقَ، وإن اختلفا قبلَ الاختصاصِ، فإمّا أنّ يقتَسِمَا، وإمّا أنّ يَستَهِمَا. فلمّا سبق الزُّبَيرُ كان له أنّ يأخُذَ حاجَتهُ، حتَّى إذا استَغنى أرسلَ الفاضلةَ له، فأشار ﵇ بأن يأخُذَ ويترُكَ من حَقِّهِ، وقال له: "أَمْسِكْ مَاءَكَ حَتَّى يَبلُغَ الجَدْرَ" (١) يعني: حتّى يستوي مع حائِطِ الحَوضِ. المسألة الثّانية (٢): اختلف علماؤنا لمن يكونُ ذلك؟ فقيل: يكونُ لصاحب الشَّجَرِ باتّفاقٍ؛ لأنّها تحتاجُ إلى رَيٍّ كثيرٍ، فإن كان زَرْعًا أمسَك حتَّى يَستُرَ الأرضَ؛ لَأنّ الزَّرعَ إنّما يحتاجُ إلى قليلٍ، وقضاءُ النّبيّ ﷺ أحقُّ.

стр. 3155

المسألة الثّالثة (١): أدخلَ مالك (٢) في هذا الباب حديث أَبِي هُرَيرَةَ: "لا يُمنَعُ فَضلُ المَاءِ لِيُمنَعَ بِهِ الكَلأُ" وتردّد قولُه في: "نَقع البئرِ" فتارةً منَعهُ، وقال: لا يجوزُ، وهو في "المجموعة" وبه قال أبو حنيفة (٣). وتارةً كَرِهَهُ، وبه قال الشّافعيّ (٤)، واختار الكراهيةَ ابنُ القاسم. وهذا إنّما يكون في بِئرٍ لا تُحفَرُ في مِلكٍ. ومن كَرِهَ بيعَها حَمَلَهُ على النَّدْبِ والآداب. والصحيحُ عندي من هذا الاختلاف كله، أنّه يجب عليه إعطاءُ الفَضلِ. فإذا ثبتَ هذا، فلا يجوزُ حينئذٍ بيعُه؛ لأنّ المَبِيعَ حينئذٍ يكونُ مجهولًا. فإن قيل: لم مُنِعَت هاجَرُ؟ قلنا: لأنّ الله ملَّكَها الماءَ والموضعَ، واختطّهُ لها جبريلُ ﵇، وجعلَها أرضًا مبارَكَةً مملكةً موروثةً، مقدِّمةً لخير البَريَّة محمّدًا وأمّته. والفروعُ عليه كثيرة جدًّا. وقوله: "لا يُمنَعُ فَضلُ الماءِ لِيُمْنَعَ بِه الكلأُ" يقتضي النَّهيَ عن الذَّرَائِعِ (٥).

стр. 3156

القضاء في المَرْفِق قال الإمام: حديثُ عَمرِو بْنِ يَحيَى المَازِنِيّ، عَنْ أَبِيه؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "لَا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ" (١) والحديث صحيحُ الإسنادِ (٢). قال الإمام: وما يطابق هذا قوله ﵇: "لا يُؤْمِنُ أحَدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ (٣). عربية: قال علماؤنا (٤): "الضَّرَرُ في الإعراب: الاسمُ، والضِّرار: الفعلُ". وإن كانوا قد اختلفوا في تأويله: فمنهم من قال: إنّهما بمعنىً واحدٍ. ومنهم من غاير بينهما، وصَوَّرَ للمُغَايرةِ صُورًا منها: ألَّا تضرّ صاحبك بما ينفعك، أو لا تمنعه ما لا يضرّك وينفعه. وتقدير آخر معناه: إنّه لا يدخل على أحدٍ من أحدٍ ضررٌ وإن لم يعمد إدخاله عليه. وقيل: قوله "لا ضرَرَ" يقول ألّا يضارٌ أحدٌ بأحدٍ. وقيل: الضَّرَرُ والضِّرارُ كلّه واحدٌ، وإنّما ردَّدَها على معنى التّأكيد في المنع عنها، وقد تأخذها تصاريف الإعراب.

стр. 3157

الأصول (١): قوله: "لا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفسِهِ" وليس هذا من شروط الإيمان الأصلّيّةِ، وإنّما هو من الكمال والتّمام، ومن الأفعال الّتي شُرِعَت لتقوية العقيدة، فإذا عرضَ أمرٌ فيه رِفقٌ لِجَاركَ ومنفعةٌ، أو لرفيقِكَ في السَّفَرِ، أو لمُسلمٍ يَرِدُ عليك، ليس عليك من ذلك ضَرَرٌ. واختلف قولُ مالك هل يَلزَمُهُ أنّ يفعَلَهُ أم لا؟ واختلف العلماء كاختلافه، والذي أراه وجوبُ ذلك؛ لأنّ منعَهُ إيَّاهُ ممّا ينتفِعُ به إضرارٌ به، والنَّبي ﵇ قد قال: "لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ" وقد أجمعتِ الأُمَّةُ على صحةِ هذا الحديث، وإن كانوا قد اختلفوا في معناه. الفقه في مسائل: المسألة الأولى (٢): قوله: "لا ضَرَرَ وَلا ضِرارَ" قال علماؤنا: قد يدخلُ في هذا الحديثِ وجوهٌ من الضّرَرِ، مثل ما يُحدثُه الرَّجُل في عَرصَتِهِ من بناء حمّامٍ، أو فُرن، أو دُخَّانٍ، أو كِيرٍ لعَمَلِ الحديد، أو رَحًى، وهو ممّا يضرُّ بالجيران. وغبارُ (٣) الأنادِرِ ونَتْنُ دِبَاغِ الدَّبَّاغِينَ، فذلك من الضَّرَرِ، والحُكمُ فيه أنّ يقالَ لأهله: احتالوا في الدّخان والغُبارِ ونَتنِ الدَّبَّاغِينَ؛ لأنّه يضرُّ بمَنْ جاوَرَهُ، وإلَّا فاقطعوه. وسواء كان ذلك قديمًا أو محدثًا؛ لأنّ الضَّرَرَ لا يُستحَقُّ بالقِدَمِ (٤).

стр. 3158

وقد (١) قال ابنُ القاسم عن مالك في "المجموعة": "لهم منعه، وقاله في الدّخان في الفرن والحمام، وهو من الضَّرَرِ الكثير المستدام، يُمْنَعُ إحداثُه على مَنْ يستضرّ به. أمّا "الرَّحَا": فضَرَرُهُ أمران: أحدُهما: إفسادُ الجِدَارَاتِ. والثّاني: صوتُها. فأمّا إفساد الجدارات، فإن ثبت ذلك فإنّه من الضَّرَرِ الّذي يمنع. وأمّا صوتها؛ فإنّه أيضًا مُضِرٌّ، ولا سيّما إذا كان الصّوت شديدًا فإنّه ضَرَرٌ يمنع. وأمّا "الدّباَغ": فإنّه يؤذي بنَتنِ دِباغِه، فروي (٢) عن مُطَرِّف وابنِ الماجِشُون: أنّه يمنع منه، والفرق بينه وبين الصّوت على أصلهما، أنّ هذا ضَررٌ قديمٌ فوجب أنّ يمنع منه. مسألة (٣): ومن كان له أندر إلى جانب جِنَان رَجُل يضرُّ به تِبْنه (٤). ومن رفع جدارًا يمنع جاره من ضوء الشّمس ومهبّ الرِّياح، فقد قال ابن نافع

стр. 3159

عن مالك في "المجموعة": لا يمنع من ذلك، وهو في "كتابُ البنيان" من رواية ابن القاسم عن مالك. وقال ابن كنانة: إلّا أنّ يفعل ذلك ليضرّ بجاره دون منفعة له فإنّه يمنع. مسألة (١): ومن كانت له أرضٌ ملاصقة أندر، فأراد أنّ يبني فيها ما يمنع الرِّيح عن الأندر، قال ابن حبيب عن مُطَرِّف وابنِ الماجِشُون: لا يمنع. ورَوَى يحيى عن ابنِ القاسم؛ أنّه يمنع ما يضرّ بجاره في قطع مرافق الأندر القديم. وقال ابنُ نَافِع: ليس له أنّ يحدث بقربها ما يضرّ به (٢) وإن احتاج إلى البنيان؛ لأنّه قال: "لَا ضرَرَ وَلا ضِرارَ". فرع (٣): ومن اتّخذ كُوًى يُشرف منها على دار جاره، فقد قال ابنُ القاسم ومالك: يمنع. قال مالك: وذلك إذا كان يناله بالنظر. وقال ابنُ القاسم (٤): إنَّ كانت من كُوَى السَّقف لاحقة به لايطلع منها لم يمنع من ذلك. فأمّا ما يطلع منه فإنّه يمنع. فرع (٥): ولا يخلو أنّ يكون الضرر ممّا يتزايد أو لا يتزايد.

стр. 3160

قال ابن مُزَين (١): ما كان من الضَّرَرِ بأيّ على حالٍ واحدةٍ كفتح الأبواب وشبهه، فإنّه يستفتحه من أَحْدَثَه بطُول الزَّمان. قلنا: وهذا كلّه في الضّرورة، وأمّا العام فمثل تضييق الطّريق وما جَرَى مجراه، فهذا يمنع منه. وأمّا إخراج العساكر والأجنحة على الحيطان إلى الطّرق، فقد رَوَى ابنُ القاسم عن مالك؛ أنّه لا بأس بذلك. حديث أَبِي هُرَيْرَةَ (٢)؛ أَنّ رَسُولَ الله ﷺ قال: "لَا يَمنَعُ أَحَدُكُم جَارَهُ خَشَبَةً يَغرِزُهَا في جِدَارِهِ" ثُمَّ قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَالِي أَراكُمْ عَنْها مُعرِضِينَ، والله لأَرمِيَنَّ بِها بَينَ أَكتَافِكُم. الإسناد (٣): قال الإمام: خرَّجَهُ التّرمذيّ (٤)، عن أبِي هريرة أيضًا؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إِذَا استَأذَنَ أَحدكُم جَارهُ أنّ يَغرِزَ خَشَبَةً في جِدَارِهِ فَلَا يَمنَعنهُ" فَلَمَّا حَدَّثَ بِهِ أَبُو هُرَيرَةَ طَأطَؤُا رُؤُسَهُم، فَقالَ: مَالِي أَراكُم عَنْهَا مُعرِضِين ... الحديث. وهذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ (٥). وفيه فائدتان: إحداهما: أنّ اللّيث رواه عن مالك (٦)، وهي رواية النّظير عن النّظير.

стр. 3161

الفائدةُ الثّانية: أنّه روي "بَينَ أَكنَافِكُمْ" بالنوّن والتّاء، والصّحيح التّاء (١)؛ لأنّه لمّا أخبرهم بها أعرضوا عنه وتولّوا مُدْبِرِينَ، فقال لهم: إنِّي أرمي بها بين أكتافكم، أي: في ظهوركم كما رميت بها في وجوهكم. نكنة في الإسناد (٢): وهو أنّ يونس بن عبد الأعلى سأل ابن وهب، كيف يروي هذا الحديث "خَشَبَة" بحال الإفراد. أو خَشَب على الجمع؟ قال: الّذي سمعتُ من جماعةٍ: خَشَبَة على لفظ الواحد، وهو الصّحيح؛ لأنّ وضع خشبة واحدة مرفق .. وهو الّذي يحتاج إليه السّائل. وأمّا خُشْبٌ؛ فهو زيادةٌ واستكثارٌ يُوجبُ له استحقاق الحائط ويشهد له وضع الخَشَبِ لذلك، فلم يكن داخلًا في الحديث ولا مندوبًا إليه. الفقه في مسائل: المسألة الأولى (٣): اختلف العلّماءُ في هذا الحديث، فجوَّزَهُ الشّافعيّ (٤) في أحَدِ قولَيْه، وقال: له أنّ يضع خشبة على جدار جارِهِ. وزاد أحمد بن حنبل (٥) ويقضي عليه بذلك، لقوله ﵇: "فَلَا يَمْنَعْهُ" فهذا نهيٌ ومقتضى الأصل (٦) التّحريم. قلنا: هو محمولٌ على النَّدْبِ في الإِذن في ذلك، *والكراهة إذا منع لمّا للجار من المحافظة وحرمة* التّوسعة فيما يعرض من حاجة، فيجتهد لجاره في ذلك. وقد

стр. 3162

جاء هذا اللّفظ في هذا الحديث على النَّدبِ في الشّريعة فلا يُنكَر. المسألة الثّانية (١): اختلف قولُ مالك فيه، والمشهور عندنا وعندهم أنّ ذلك على الاستحباب؛ لأنّ الأُمَّةَ أجمعَت على أنّ من اختصّ بحقٍّ لا يلزمه أنّ يعطيَهُ لغيره وإن لم يضرّ به، فكيف ووضع الخشَبَةِ على الجدار يضرّ بصاحب الجدار. وقال ابنُ نافِع عن مالك (٢): إنَّ ذلك على وجه المعروف (٣) والتَّرغيبِ في الوصيَّة بالجار ولا يُقضَى به، وقد كان ابن المطَّلِب (٤) يقضي به عندنا، وما أراه إلّا دَلالة على المعروف، وإنِّي منه لفي شكٍّ (٥). وروى ابن وهب عنه (٦) أنّه أمرٌ رغّب فيه النّبيّ ﷺ . وقال ابنُ القاسم: لا ينبغي أنّ يمنعه ولا يقضي به عليه، وهذا على ما قال، إلّا أنّ ظاهر الأمرِ عند مالكٍ وأكثر أصحابه يقتضي الوجوب، لكنّه يعدل عنه بالدّليل،

стр. 3163

وبهذا قال أبو حنيفة (١). وقال الشّافعيّ: هو على الوجوب إذا لم يضرّ بجداره، وبه قال ابن حنبل. ودليلُنا: أنّ الجدار ملك موضُوعُه المُشاحّة، فجاز له أنّ يمنعه (٢)، كركوب دابّته ولباس ثوبه. حديث عَمرٍو بن يَحيى المَازنيّ (٣)، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ الضَّحَّاكَ بنَ خَلِيفَةَ أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ خَلِيجًا مِنَ العُرَيضِ، فَأَرَادَ أَنْ يَمرَّ بِهِ في أَرضِ محَمَّدِ بن مَسلَمَة، فأَبَى مُحَمَّدٌ، فَقَالَ: لَا. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لِمَ تَمنَعُ أَخَاكَ ما يَنفعُهُ؟ وَهُوَ لَكَ نَافِعٌ تَسقِي بِه أَوَّلَا وآخِرًا، وهُوَ لَا يَضُرُّكَ. فَقَالَ مُحَمّدٌ: لَا، وَاللهِ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاللِه لَيَمُرَّن بِهِ وَلَو عَلَى بَطْنِكَ. فَأمَرَهُ عُمَرُ أنّ يُمِرَّ بِهِ، فَفَعَلَ الضَّحَّاكُ. عربيّة: قولُه:؛ "خَلِيجًا" الخليجُ: النّهرُ الصّغير (٤). وقال النّبيّ ﷺ حين انصرف من قراءته: "أَيُّكُم خَالَجَنِيهَا" (٥) فالخَلْجُ؛ الجَذبُ، يقال: خَلَجتَ الشَّيءَ وأَخلَجْتَهُ، أي: جَذَبتَه إليك، ومنه الخليجُ من النّهر كأنّه جُذِبَ منه، والرّبيعُ: السّاقية. الفوائد: وهي ثلاث الأولى (٦): فيه: مراجعةُ الخَصم الإمامَ ومراجعةُ الإمامِ الخَصْمَ فيما يحتمل به التّأويل، وانقياد الخَصم عند عزم الإمام الأَعدل.

стр. 3164

الثّانية (١). فيه: أنّ الأَيمَان تُصْرَفُ في القول إلى المعنى وإن كانت خلاف اللّفظِ، وأنّ التّأكيد في القول بلفظٍ فيه بأكثر من الحقيقة، لقوله: "وَالله لَيَمُرَّنَّ بِهِ وَلَو عَلَى بَطنِكَ". وروى زياد عن مالك أنّ يقضي بالحديثين: حديث محمَّد بن مَسلَمَةَ، وحديث عبد الرّحمن بن عَوف، إذا لم يضرّ به، وإن أضرّ به فليمنع. قال ابنُ نافع: وهذا فيما يُرادُ تحويله، وأمّا ما يبدل عمله فليس ذلك له. القضاءُ في قَسْمِ الأموال مالِكٌ (٢)، عَن ثَورِ بن زَيدٍ الدِّيليِّ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "أَيَّمَا دَارٍ أَو أَرضٍ قُسِمَت فِي الجَاهِلِيّةِ، فَهِيَ عَلَى قَسْمِ الجَاهِلِيّةِ. وَأَيُّما دَارٍ أَو أَرضٍ أَدْرَكَهَا الإِسلَامُ وَلَمْ تُقسَم فَهِي عَلَى قَسْمِ الإِسلَامِ". الإسناد: قال الإمام: هذا حديثٌ بَلَاغٌ (٣)، ويتَّصلُ سَنَدُه من طُرُقٍ (٤). الأصول (٥): إنَّ الله سبحانه وله الحُكمُ، لمّا خَلَقَ لنا ما في الأرض جميعًا، وأَنشَأَنَا بصفةِ التّشَاحِّ وطلبِ الاستيثارِ، شَرَعَ اختصاصَ المَالِكِ بالأملاك؛ لأنّ الله تعالى شَرَعَ

стр. 3165

القسمَةَ تمييزًا للحقوق المُشتَرَكَةِ، حتّى تعودَ إلى القِسمةِ بالاختصاصِ المذكورِ. وقد قال تعالى في القِسْمَة في عارِضِ الاشتراكِ: ﴿وإذا حضر القمسةَ أولو القربي﴾ الآية (١). ١ - وأمّا أحاديثُها فهي قليلةٌ في الصّحيح، والصّحيحُ منها أربعة: الأوّل: حديث عُقبَة بن عَامِر؛ حيث أَمَرَهُ النّبيُّ ﷺ أنّ يَقسِمَ غَنَمًا بين أصحابه، فَبَقِيَ منها عَتُودٌ، فقال: "ضَحِّ بِهِ أَنْتَ" (٢). الحديث الثّاني: قولُه في الصّحيح: "الشُّفعَةُ فِيمَا لَمْ يُقسَم" (٣). الحديث الثّالث: منها قوله ﷺ : "مَثَلُ القَائِمِ في حُدُودِ اللهِ وَالمُدَاهِنِ فِيهَا كَمَثَلِ قومٍ كانُوا في سَفِينَةٍ فَاستَهَمُوا عَلَى أَعلَاها وَأَسفَلِهَا" الحديث إلى آخره (٤). الحديث الرّابع: ومن المشهور فيها حديثُ عِمْرَانَ بنِ حُصينٍ؛ أنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعبُدِ في مَرَضِهِ لَا مَالَ لهُ غَيرهُم، فَأَقرَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَينَهُم. الحديث إلى آخره (٥). ٢ - القاعدةُ الثّانية (٦): في كيفيتها: أمّا كيفيّةُ القِسمَةِ، فليس فيها أَثَرٌ، وإنّما سبيلُها النَّظَرُ، وُكِّلَت إليه وعُصِبَت به؛ لأنّ المطلوبَ فيها تمييزُ الحقِّ، والمَخُوفُ منها ثلاثةُ أشياءَ: ١ - الغَرَرُ. ٢ - والرِّبا. ٣ - وأكلُ المال بالباطل. فميِّزِ الحقوقَ إنَّ أردتَ القِسمَة، وخَلصها من هذه العَوَارِضِ الثّلاثة إنَّ أَردتَ أن تكون واقعةً على وَفْقِ الشَّرعِ، وعلى هذه الأصولِ تُبنَى مسائلُ القسمةِ كلُّها، وهي على وجهين:

стр. 3166

أحدُهما: أنّ تكونَ بالتّراضِي، بأن يقول أحدُهما للآخر: خُذ أنت هذه العينَ، وآخُذُ أنا هذه الأخرى. الثّاني: أنّ يُقوَّم المُشتَرَكُ قيمةَ تحرير وتعديل، ثمّ يُقَرَّرَ على الأجزاء ويُعَدَّدَ على الأقلِّ من السِّهامِ، ثمّ يُقتَرَعَ عليها على صفةٍ تُؤمَنُ فيها الحِيلَةُ والانخداعُ، بأن يُكتَبَ اسمُ المشتركين في الرِّقَاع، ثمّ تُطلَى بطين أو قارٍ أو شَمعٍ، ثمّ يَجعَلَهَا من لا يَدرِيَها على الأعيان. فمن وقَعَ على شيءٍ منها اسمُهُ فهو سَهمُهُ. وعرضت ههنا مسألةٌ بديعةٌ، وهي: أنّ علماءنا قالوا: إذا وقع في قسمة التَّراضِي غَبنٌ، لم يكن فيه رجوعٌ، ولو وقع الغَبْنُ في قسمة التّقويم والاقتراع، لوجَبَ الارتجاعُ، بناءًا على أنّ القسمةَ هل هي تمييزُ حق أو عَقدُ بَيعٍ؟ فإذا قلنا: إنّها بَيْعٌ، فالغَبنُ في البَيع لا يُوجِبُ الرُّجوعَ، فكيف وجَبَ في القسمةِ؟ فتبيَّنَ أنّها لا تكون بَيعًا بحالٍ. الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (١): قوله (٢): "قُسِمَت في الجَاهِلِيّةِ" قال ابنُ وهب وابنُ القاسمِ (٣) عن مالكٍ: إنَّ ذلك في مشركي العرب والمجوس فقط، فأمّا اليهودُ والنّصارى فهم على قسمتهم،

стр. 3167

وإن أسلموا كلّهم قبل القسم. والرواية الثّانية (١): رَوَى مُطَرِّف وابن المَاجِشُون وابن نَافِع وأَشهَب عن مالك؛ أنّ ذلك في مشركي العرب والمجوس واليهود والنّصارى وجميع المِلَل، وهو الصّحيح عندي (٢). المسألة الثّانية (٣): اختلف علماؤنا في القِسمَة، هل هي بَيعٌ أو تميِيزُ حقٍّ؟ ولأصحابنا مسائل تقتضي كِلَا القولَيْن، ونحن نُنبِّهُ عليها عند ذِكرِها إنَّ شاء الله. وقد قال مالك في "المدوّنة" (٤): القِسمَةُ بَيعٌ من البيوع (٥). وأمّا من قال: إنها تمييزٌ حقّ، وذلك أنّه غير موقوفٍ على اختِيارِ المتقاسمَين، بل قد يجوز فيه المُخَاطرة بالقُرعة، وذلك يُنافي البَيع كما قدّمناه. المسألة الثّالثة (٦): ومن فروع القسمة المحتمل فيها ترك المَرَافِق من الأفنية والطُّرق، وقد بوّب على هذا مالك في الباب المتقدِّم قبل هذا، ولكنه ذكر بعض المرافق العامّة وأغفل المرافق الخاصّة، كالجلوس على الصّعدات، وصبّ الأقذار في الطُّرقات. فأمّا الجلوس على الصّعدات، فجائزٌ بأداء حقِّها من غَضِّ البَصَر وإرشاد الضَّال ونَصرِ المظلوم، وما يعرض لمن يعرِض ذلك من الحقوق.

стр. 3168

وأمّا صبّ الأقذار في الطُّرُقات، فلا يجوز على الإطلاق؛ لأنّ في ذلك إذاية المسلمين، وإماطةُ الأذَى عن الطريق صَدَقَةٌ، وقد بيّنّا ذلك في موضعه من "المسائل" و"شرح الحديث"، إِلَّا إذا كانت ضرورة عامّة، كخمر يَتَعَيَّن كسرها حتّى تجري في السكك، كما ورد في الحديث (١). المسألة الرّابعة (٢): ومن القول في المرافق مسألة السّفينة إذا غلب الهَولُ عليها، فاحتاجوا إلى التّخفيف عنها، فاتّفقت الأُمَّةُ على وجوب التّخفيف والانتفاع بما يُطرَح فيما بَقِيَ، واختلفوا بعد ذلك في تفاصيل (٣)، منها: دخولُ السّفينة وآلاتها في الحِصَاصِ ورجالات المراكب والعبيد الرّاكبين عليها. وانتهى النظر إلى نازلةٍ عظيمةٍ، وهي: إذا عَلِم الأحرارُ من أهل السّفينة؛ أنّ بقاء جميعهم مُهلِك، وأن خلوصَ بعضهم مُتَيَقِّنٌ، فَنَسَبَ الخُرَاسَانيّون الحَنَفِيُّون والشّافعيّون إلى مالك: أنّ هلاكَ بعض الأُمَّة في الاستصلاحِ واجبٌ، ونراه بريءٌ من ذلك، وإنّما سمعوا من قوله اعتبار المصلحة فاعتبروها بزعمهم حتّى بَلَغُوا بها إلى هذا الحدّ. وكان من حقهم لجلالة أقدارهم في العلم وَسَعَةِ حفظهم ودِقَّةِ فهمهم أنّ يتفطّنوا لمقصدِه بالمصلحة، وأن يجروها مجراها وأن ينتهوا بها حيث انتهت. وليس بين الأُمَّةِ خلاف في هذه المسألة أنّهم يَصبِرُون لقضاء الله حتّى ينفد حكمه فيهم. ويترتّب على هذا مسائل مشكلة بيانُها في "كتب المسائل" و "الأصول" فعليكم بها، والله المُوفق للصواب.

стр. 3169

القضاءُ في الضّواري والحريسة فيه حديثُ حَرَامِ بنِ سَعدِ بن مُحَيِّصَةَ (١)؛ أَنَّ نَاقَةً لِلبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ دَخَلَت حَائِطًا لرَّجُلِ فَأَفْسَدَت فِيه، فقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ عَلَى أَهلِ الحَوائِطِ حِفظَهَا بِالنَّهَارِ، وَأَنَّ مَا أفسدَتِ المَوَاشِي بِاللَّيلِ ضَمانٌ عَلَى أَهلِهَا. الإسناد: قال الإمام: حديثُ البَرَاءِ بن عَازِب حديثٌ مُرسَلٌ (٢)، أَرسلَهُ مالك عن حَرَام بن مُحَيِّصَةَ، والحديثُ مُسنَدٌ عن حَرَام من طُرُقٍ عن حَرَام بن مُحَيِّصَة، عن أبيه مُحَيِّصَةَ؛ أنّ ناقةَ البَراءِ. الحديث (٣). العربيّة والتّرجمة (٤): قوله: "وَالضَّوَارِي" يريد المعتادة للإذاية. وأمّا قوله: "الحَرِيسَة" فَيحتَمِلُ أنّ يريد الّتي تُحرَسُ ويكون معها حافظُها، ويَحتمِلُ أنّ تكون: حريسة، أي: يُحتَرَسُ منها. الفقه في أربع مسائل: المسألة الأولى (٥): اختلف علماؤنا في هذا الحديث، فقال أبو حنيفةَ (٦): لا ضَمَانَ على أرباب الماشيةِ

стр. 3170

فيما نَفَشَت فيه لَيلًا ولا نهارًا، لقول النّبيّ ﷺ : "جُرْحُ العَجْمَاءِ جُبارٌ" (١). وما قلناهُ أصحُّ (٢)؛ لحديث البَرَاءِ، وهو خاصٌّ يقضي على ذلك العامِّ، كما قَضَى على خُصُوصَةِ السَّوقِ والقَودِ والرُّكُوبِ. وبحديث البَراء أخذَ مالكٌ أنّ على أرباب المَوَاشي ما أفسدت باللّيل، قَلَّ ذلك أو كَثُرَ، وإن بلغَ ذلك أضعاف قيمة الموَاشي لِرَبِّها لَمَّا لم يمنعها ولم يحفظها، فكأنّه هو الجاني الّذي جَنَى. وقالت (٣) الحنفية: لا ضَمَانَ، لقوله: "جُرحُ العَجمَاءِ جُبَارٌ" واعتلُّوا أنّ الحديثَ مُرْسَلٌ. والذي يدلُّ على صحّة الحديث، قولُه تعالى في قصة سليمان وداود حيث حَكَى الله عنهما حيث يقول: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث﴾ الآية (٤)، والنَّفْشُ لا يكون إِلَّا باللّيل (٥). المسألة الثّانية (٦): واختلف علماؤنا في فرع مُتَرَكِّبٍ على هذه المسألة، وهو إذا نَفَشَتْ في زرعٍ مُخظَرٍ أو مُطلَقٍ، فمنهم من قال: إنّما يكون الضّمانُ إذا كان الزّرعُ مُحظَرًا، ونزع في ذلك بنكتةٍ بديعةٍ وهو قوله: "نَاقَة لِلبَرَاءِ بن عَازِبٍ دَخَلَت حَائِطَ رَجُلٍ" والحائطُ إنّما

стр. 3171

يكونُ مُحْظَرًا، ولَعَمرِي إنّه لمتعلِّقٌ، إِلَّا أنّه فاته أنّ يمشِيَ إلى آخر الحديث فَيَظَهَرَ له البَحِيثُ، وهو قولُه: فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَربَابِ المَوَاشِي. إلى آخره. المسألة الثّالثة (١): قال علماؤنا: إنَّ قولَهُ تعالى: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث﴾ الآية (٢)، وقالوا: إنَّ قضاءَ سليمانَ النّبيَّ كان فيه التّفهيمُ، ووقع به التّصويبُ، على مِثلِ قضاءِ النّبيِّ في حديث البَرَاء: "أَنَّ علَى أَهلِ الحَوَائِطِ حِفظَهَا بِالنَّهَارِ، وَأَنَّ مَا أَفسَدَتِ المَوَاشِي بِاللَّيلِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِذلِكَ". فأمّا قصّةُ سليمانَ على الجُملَةِ، فإنّ ما ذَكرَ الله منها مقطوعٌ به، وكيفيّةُ قضاءِ سليمانَ لا تُعلَمُ أَبّدًا؛ لأنّ النّبيَّ ﷺ لم يَبلُغنَا عنه فيه شيءٌ، وطريقُ كَعبٍ ومحمّدِ بنِ كعبٍ ووَهبٍ بن مُنَبِّهٍ لا عِلمَ فيها ولا اهتداءَ، وعليهم عَوَّلَ المفسِّرون، فسَوَّدُوا القراطيسّ بما لا تقُومُ به حُجَّةٌ. ويكفينا قولُ النّبيِّ ﵇ للسُّلوك مَحَجَّةً، ومن أراد الشِّفاءَ من قصّة سليمانَ وحُكمِ دَاوُدَ، فعليه بالكتاب الكبير. المسألة الرّابعة (٣): واختلف علماؤنا هل هذا الّذي قَضَى به النّبيُّ في حديث البَرَاء حُكمٌ مبتدأٌ في الشَّرع، أو هو مبنيٌّ على عادةِ النَّاس؟ فإن كان ذلك حُكمًا مبتدأً في الشَّرعِ، فهو كما وَرَدَ. وإن كان مبنيًّا على عادةِ النَّاس، فإنّ أربابَ المواشي بالنَّهار معَها، فهم يتولَّونَ حِفظَها. فعلى هذا إنَّ وُجِدَ خِلَافَ العادةِ بأن يُهمِلُونَها أو يكونوا معها وَيغفُلُوا عنها، فإنّ الضّمانَ واجبٌ عليهم؛ لأنّ محلّ الحُكم قد عُدِمَ حَسَبَ ما رتَّبَهُ النّبيُّ ﷺ . ومنَ العلماء من جعل حمامَ الأبراجِ والنَّحْلِ من الضَّوَاري.

стр. 3172

القضاء فيمن أصاب شيئًا من البهائم قال الإمام: قد تقدَّم الكلامُ في ذلك في باب استهلاك الحيوان، إِلَّا أنّ التّرمذيّ (١) خرّج حديثًا عن عِكرِمَة عنِ ابنِ عبّاسٍ، أنّ النّبيَّ ﷺ قال: "مَنْ وَجَدتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهيمَةٍ فَاقتُلُوه وَاقتُلُوا البَهِيمَةَ" وذُكِرَ أنّه قال: "مَنْ أَتَى بَهِيمَةً لَا حَدَّ عَلَيهِ" (٢) وهذا أصحّ من الأوّل (٣)، والبابُ ضعيفٌ. الفقه في مسألتين: المسألة الأولى (٤): اختلف النَّاس في هذا الحديث على خمسةِ أقوالٍ: الأوّل: أنّه يقتل مَنْ أنّ البهيمة مُتعَمِّدًا، إِلَّا أنّ يَدرَأ الإمام، أو يرى زوال القتل عنه فليحدّه حدَ الزِّنا، قاله إسحاق بن راهويه. الثّاني: إنَّ كان بكرًا جُلِدَ، وإن كان مُحصَنًا رُجِم، وهذا قول الشّافعيّ، وقاله الحسن (٥). الثّالث: يُجلَد مئة بكرًا كان أو ثيِّبًا، قاله الزّهريُّ (٦). الرّابع: يُعَزَّر، قاله النّخعيّ، ومالك، والثّوريّ، وأحمد (٧)، وعطاء، وهو أحد أقوال الشّافعيّ (٨).

стр. 3173

* الخامس: أنّه يقتل بكرًا كان أو ثيِّبًا من غير تفصيل، قاله الشّافعيّ أيضًا*. قال الإمام: المسألة تنبني على أصلّين: أحدهما -وهو الأقوى-: ضعف الحديث. الثّاني: أنّ هذا الفعل ليس بزنى ولا مِنْ جنسه. والدّليل عليه: ثلاثة مسائل: إحداها: أنّه عمل لا يتعلّق به تكليف فلم يتعلّق للحكم حدٌّ. ثانيها: أنّه لا يسمّى زنى، فلا يتعلّق به قذف. ثالثها: أمّا البهيمة فلا تقتل بحالٍ، وقال الإسفرايني: إذا كانت ممّا تُؤكَل ذُبِحت قولًا واحدًا عندهم، وإن كانت ممّا لا تُؤكَل فقولان لهم فيها، وقد ثبت أنّ النّبيّ ﷺ نَهَى عن ذبح الحيوان إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ؛ لأنّها لا تكليف عليها فلا عقوبة لها. ويجوز إن ذُبِحَت أنّ تُؤكل. المسألة الثّانية (١). قوله (٢): "في الجَمَلِ يَصُولُ عَلى الرَّجُلِ" وهو كما قال، أنّ من صالَ عليه جمل أو دابّة فقتلها، أو قامت له بيِّنة بأنّه دفعها عن نفسه، فلا ضمان عليه، وبه قال الشّافعيّ (٣). وقال أبو حنيفة والثوري: هو ضامِنٌ (٤). ودليلنا: أنّه من قتل تخوّفًا على نفسه دفعًا له عنها، فلا ضمان عليه فيه، كالعبد

стр. 3174

يريد قتل الحرّ فيقتله الحرّ دَفعا له عن نفسه، فإنّه لا شيءَ عليه من قيمته. والفروع فيه كثيرة جدًّا. القضاء فيما يُعطى العُمَّال الأصول (١): قال الإمام: هذه مسألةٌ اختلف العلّماءُ فيها، فقال أبو حنيفة (٢) ومالك: يضمَنُونَ إذا كانوا مُشتَرِكين. وقال الشّافعيّ: لا ضَمَانَ عليهم (٣)، على أصله الّذي مهَّدَهُ بزعمِه، وهو أنّ ما قُبِضَ بإذن المالِكِ لا ضَمَانَ فيه، على تفصيل قّرَّرناه في "مسائل الخلاف". ومُعَوَّلُ أبي حنيفة على معانٍ لا تقومُ على ساقٍ، وعمدتُهم على المصلحة الّتي مهدناها، فإنَّ الصُنَّاع لو علموا أنّ الضّمان ساقطٌ عنهم، لادَّعوا التَّلَفَ وتَلِفَت أموالُ النَّاس، فَقَوِيَتِ التُّهمةُ وتعيَّنَتِ المصلحةُ، فوجبَ الضّمانُ، وترَكَّبَ على هذا عند بعض علمائنا دُرْجُ الصَّائغِ وغاشيةُ الحائِطِ وغيره. الفروع وهي عشرة: الفرع الأوّل (٤): قولُه (٥): "فِيمَن دَفَعَ إلَى غَسَّال ثَوبًا" هذا على ما قال، إذا دفع إليه ثوبًا في مَصبَغَتِه، وأنكر صاحبه أنّ يكون أمره بذلك الصَّبغ، فالقولُ قول الغسّال. وهذا ظاهر لفظ "الكتاب" (٦) إِلَّا أنّ صاحب الثّوب قد ينكر على وجهين:

стр. 3175

أحدها: أنّ يقول: أمرتك أنّ تصبُغَه. والثّاني أنّ يقول: لم آمرك. فهذا قال: أمرتك، فإنّه أيضًا على قسمين: أحدهما: أنّ يقول: أمرتك بغير هذا الصَّبغ. والثّاني: أنّ يقول: أمرتك به، واختلفا في القَدرِ، فإن قال: أمرتك بغيره، فإن لم يكن لواحد منهما بَيِّنَة، فلا يخلو أنّ يكون قبل العمل أو بعده، فإن كان قبله، فقد قال محمّد: يتحالفان ويتفاسخان (١). فرع (٢): فإن تَحَالَفَا بعد العمل، فالقولُ قول الصّبّاغ، وكذلك سائر الصُّنَّاع فيما يحوزه الصّانع بالفَوتِ، ولما له فيها من العمل بوجه حقِّ. وقال أبو حنيفة (٣) والشّافعيّ: القولُ قول صاحب الثّوب. ووجه قول مالكٍ: أنّ الصّانع حائز للثّوب فلا يستحقّ أخذه منه إِلَّا بعد أداء ماله فيه، وصاحبه مُدَّع لأخذ ما في يده من الثّوب والصَّبغ على غير الوَجهِ الّذي يُقِرُّ بِهِ الصَّبَّاغُ، فكان القول قوله. الفرع الثّالث (٤): رَوَى عيسى عن ابن القاسم عنه (٥) في الحائك يقول: أمرتني أنّ أَنْسِج لك سبعًا في ثلاث، ويقول صاحبه: بل سَبعًا في أربع، أنّ الحائك مُصَدَّقٌ مع يمينه.

стр. 3176

ولو شرط الصانع إِلَّا ضمان عليه، ففي "العُتبية" (١) و"الموازية" عن أَشهَب عن مالك: لا ينفعه (٢)، وقال أشهب: إِلَّا أنّ ذلك ينفعه (٣). الفرع الرّابع (٤): وإذا أفسد القصّارُ أو الخيّاط الثّوب فسادًا يسيرًا، فقد قال مالك (٥): عليه ما نقصه بعد أنّ يرفأه، يقال: ما قيمتُه يوم دفعه صحيحًا، وقيمته مرفوءًا ذلك اليوم؟ ويلزمه ما بين ذلك، وإن كان كثيرًا ضَمِنَ قيمته يوم دفعه إليه. ورَوَى ابن وَهب عنه (٦)؛ أنّه إذا أفسدَهُ بخياطةٍ، فله أنّ يضمنه قيمته صحيحًا. فرع (٧): وقال مالك في "الموّازية": لا يضمن من دفعت إليه لؤلؤة ليثقبها إذا كَسَرها، وكذلك البَيْطار يسرج الدّابّة، والسِّيفُ يُقَوِّمُه الصَّيْقَلُ (٨) فينكسر ذلك كلّه، والمريض يُسقَى الدَّواء أو يَكوِيهِ الطّبيب فيموت، أو الخَاتِنُ يموت الصَبّي من خِتَانَتِهِ، أو الحَجَّام يقلع الضّرس فيموت صاحبها، فلا ضمان على أحدٍ منهم. والفرقُ بين هذا وبين ما تقدّم، ما قال ابن حبيب: أنّ الغالب في هذا الغَرَر، فإذا أَذِن صاحبه في ذلك وعَمِل على ما جرتِ العادةُ به، فقد عرضه لما حدث عليه، فلا

стр. 3177

ضمانَ على الصانع، وإنّما يضمن بالتَّعدِّي أو بِتَلَفٍ بغير بيِّنَةٍ. فرع (١): وقد قال مالك في "الموّازية" و "المُدَوّنة" (٢) في الفَرَّان يحرق الخبزَ أنّه لا يضمن ما أحرق؛ لأنّه ليس من سببه وهو من غَلَبة النّار، إِلَّا أنّ يَغِرَ من نفسه أو يُفَرِّط (٣). وإذا ادّعى الفَرَّانُ احتراقَ الخبز أو الغَزلِ بغَلَبَةِ النّار، فقد رَوَى ابن حبيب أنّه قال: إنّما يسقط الضّمان عليه إذا بَقِيَ من الخبز أو الغَزلِ ما يعلم به أنّه خبز ذلك الرَّجُل أو غَزْله، فأمّا لو ذهب أصلًا ولم يُعرَف إِلَّا بقوله ضَمِنَ. ووجه ذلك: أنّه ادَّعَى ضَيَاعًا غير معلومٍ، فهو عندي على وجه الضَّمان فلا يُصَدَّق فيه. وأمّا إذا كان الخبز باقيًا فهو مُصَدَّقٌ في أنّه غَلَبَتْهُ النّار وصاحبه مدَّع التَّعدِّي، قاله أَصبَغ في "العُتبيَّة" (٤). فرع (٥): ولو تَلِفَ الخبزُ عند الفَرَّان، فقد قال سحنون وغيره: هو ضامنٌ وقد أسلمه إليه صاحبه. قال: ولو تركه صاحبُه ولا يَعْلَم به الفَرَّان فلا ضمانَ. وإذا وجب عليه الضّمانُ يسلمه إليه، ففي "سماع ابن وهب" و "المختصر الكبير": لا يُعجِبني أنّ يُعطيَه غير خبزته وليعطيه مثلها، ولا بأس أنّ يأخذ أصغر منها ولا يأخذ أكبر منها.

стр. 3178

فرع (١): ولو ادّعى الصّانعُ ذهابَ المَتَاعِ وعُرِفَ أنّ بيته سُرِق لم يُصَدَّق. وكذلك لو احترق بيته وَرُثِيَ الثّوبُ فيه محترقًا. ورَوَى محمّد عن مالك أنّه ضامن. وكذلك الرَّهْنُ، قال محمّد: حتّى يعلم أنّ النّار من غير بيِّنَةٍ، أو سَيلٍ يأتي فيهدِم البيت، فهذا وشبهه يسقط الضّمان. قال الإمام: وهذا الّذي رَوَى محمّد مخالِفٌ لما روى ابن حبيب (٢) في قَرْض الفأر، ففيه الرّوايتان: الضّمان (٣)، ونفيه (٤). فرع آخر (٥): وأمّا الحائكُ يفسد (٦)، فإنّه يَغرِمُ الغَزلَ فقط. انفصال (٧): وهذا حكم الصُّنَّاع، وأمّا الأُجَراء فعلى ضربين: ١ - أُجَراءُ للصُّنَّاع. ٢ - أُجَرَاءُ للحفظ والرِّعاية.

стр. 3179

فأمّا الأوّل: فالذي رَوَى محمّد عن ابن القاسم؛ أنّ أَجِيرَ القصّار لا يضمن، والقصَّارُ ضامنٌ لما أفسَدَهُ أَجيره، وقاله ابن حبيب. وهذا في الأجير المتصرِّف بين يديه (١) بحسب اختياره، وليس بحائز لما يعمله، فأمّا إنَّ حاز ما يعمله ففي "الموّازية" و"العُتبيّة" (٢) عن أَصْبَغ وأَشهَب: إنَّ كثر على الغَسَّال الثّياب، فآجر أجيرًا يبعثه إلى المُضِيِّ بالثِّياب فيدَّعي تَلَفَها أنّه ضامنٌ، وكذلك أجير الخيّاط يتصرّف بالثِّياب. وأمّا الأُجَرَاءُ للحفظ، فعلى قسمين: قسم لهم تَعَلُّقٌ بالعمل. وقسم لا تَعَلُّقَ لهم به. فأمّا الأوّل. فكصاحب الحمّام يضع عنده الثّياب، فقد قال مالك في "العُتْبيَّة" (٣) من سماعِ ابنِ القاسم: قد أمرتُ أصحاب السُّوقِ أنّ يضمن أصحاب الحمّامات ثيابَ النَّاس، أو يأتوا بمن يحرسها. وقال ابنُ أبي زَيد في "نوادره" (٤) بإِثر هذا: وقد قال أيضًا في كتاب آخر: لا يضمنون، وهذا الّذي أشار إليه قد أشار إليه غيره، ولا أعلم أنّهم يشيرون إِلَّا إلى ما في "المُدوَّنة" (٥) في الجَعْلِ: لا ضمان على من يجلس لحفظ ثياب النَّاس في الحَمام؛ لأنّه بمنزلة الأجير، وهذا الّذي أشار إليه ليس هو ممّا نحن فيه؛ لأنّ أُجَرَاء الصُنَّاع لا يضمنون، وإنّما يضمن الصانع أو من هو في حكمه، وصاحب الحمّام ليس بأجير، إنّما المقصود العمل من المتصرِّف والاغتسال، فهم (٦) يضمنون على ما جرت به العادة.

стр. 3180

فرعٌ (١): وقال ابن حبيب (٢) في الطّحّان يضيع القمح بحضرة صاحبه أنّه لا يضمن ظرفًا (٣) ولا قمحًا، إِلَّا أنّ يخرج النَّاس عن الرَّحَى .. ، المسألة إلى آخرها (٤). فرع آخر (٥): وقال مالك في المستأجر يحرس بيتًا أو خَيلًا أو غَنَمًا فينام فيُسرَق ما في البيت أو تذهب الخيل أو الغنم: إنّه لا ضَمَان عليه، وله أُجرتُه كاملة. وقال ابنُ القاسم: لا يضمن الأجير إِلَّا ما ضَيَّع أو فَرَّط. وقال محمّد: لا يضمن جميع الحُرِّاس إِلَّا بالتَّعدِّي، كان ممّا يُغاب عليه أَو لا، من طعامٍ أو غيره (٦). فرع (٧): وأمّا الأجيرُ على البيع والشِّراء، فالّذي نَصَّ عليه علماؤنا؛ أنّه لا ضَمانَ عليه، زاد محمّد: ضاع المَبيع أو ثمنه. ووجه ذلك: أنّه مستحفظٌ لا تعلّقَ له بالعمل، فلم يضمن ما ضاع من غير تعدٍّ كالمُودِعِ. وإذا ضَمِنَ بالتّضييع، فقد قال ابن القاسم: من التّضييع أنّ يترك ما وُكِّلَ به (٨) ممّا يمكن الاحتراز منه.

стр. 3181

فرع آخر (١): وأمّا الحارس الّذي لا تعلُّقَ لحراسته (٢)، فله الأجرُ كاملًا وإن ضاع ما احتفظه. وأمّا حامل المَتَاع أو الطّعام يَهلِكُ في الطّريق بفعله، فلا أَجرةَ له حتّى يبلغه. وكذلك ما يعطب في السُّفُنِ؛ لأنّه من سبب السّفينة يهلك. وأمّا المُستأجر للبَيْع والشِّراء يُتلِف السِّلعَة أو ثمنها، فلا أجرةَ له، قاله محمّد؛ لأنّ هذا من باب الجَعْلِ، فلا جَعلَ له إِلَّا بتمام العمل، وهو أنّ يُوصل إليه ما ابتاع له، أو ثمن ما باع له. فرع آخر (٣): وفي "العُتبيَّة" (٤) عن ابنِ القاسم (٥) فيمن بعث معه بخادم يبلغها، فينام في الطّريق، فذهبت (٦)، له من الأجر بحسب ما بلغ، ولا ضمان عليه. وقال ابنُ أبي زَيد: يريد أنّها بإجارة وليس بجعل، وقد قال ابنُ القاسم عنه (٧): إنَّ ماتت في الطّريق فله الأجر كاملًا وعليه أنّ يتمّ له بقيّة سَفَرِهِ. ووجه ذلك: أنّه ما كان من هذا على وجه الجَعلِ فلا أُجرةَ له إِلَّا بتمامه، وما كان على وجه الإجارة فهاهنا اختلف قول مالك، فمرّةً فسخ الإجارة لفَوَاتِ العين، وجعل له من الأَجْرِ بحساب ما عَمِل، ومرّةً أبقاها وجعل له الأجر كاملًا. والفروع هاهنا كثيرة، فركِّب عليها ما شئتَ من "كتب المسائل" إنَّ شاء الله.

стр. 3182

القضاء في الحمالة والحول الفقه في مسائل: المسألة الأولى (١): قولُه (٢): "فَأَمَّا الرَّجُلُ يَتَحَمَّلُ لَهُ الرَّجُلُ" هذا على ما قال. والحمالةُ معناها: أنّ يلزم المتحمّل إحضار ما تحمَل به، وهي الكفالة والزّعامة والضّمان. قال عبدُ الوهّاب (٣): "كلُّ ذلك بمعنىً واحد". وقال في: "المُدَوَّنة" (٤): إذا قال له: أنا ضامنٌ، أو كفيلٌ، أو حميلٌ، أو زعيمٌ، أو هو لك عندي، أو علَيَّ، أو قبلي، فهو كلّه ضمانٌ لازم في الحقّ والوجه. قال: والأصل في ذلك: قولُه تعالى: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (٥) وهذا إنَّ استدلّ به على ثبوت هذا الاسم لها من جهة اللُّغة فَبَيَّنٌ، وأمّا إنَّ استدلَّ به على ثبوت حكمها على ما ذكره عبد الوهّاب (٦)، فإنّما هو على رأي من يقول: شرع من قَبلَنا شرعٌ لنا إِلَّا ما خصَّه الدّليل، وهو المشهور من مذهب مالك (٧). المسألة الثّانية (٨): فإذا ثبت هذا، فإنها على وجهين: ١ - حمالة بالوجه. ٢ - وحمالة بالمال.

стр. 3183

فأمّا "الحمالة بالوجه" فهي جائزة، خلافًا للشافعي. ودليلنا: أنّ المقصود منها المال لأنّه حميل بوجه الغريم ليطالب بالمال، فنقول: إنّه وثيقة يُتَوَصل بها إلى المطالبة بالمال، فصحَّ تعلُّقها بالوجه كالشَّهادة. المسألة الثّالثة (١): وهي أيضًا على وجهين: ١ - حمالة بالوجه على الإطلاق. ٢ - وحمالة بالوجه على ألَّا شيءَ عليه من المال. فأمّا "الحمالة بالوجه على الإطلاق" فإنْ جاء به (٢) بَرِىءَ. ووجهه: أنّه قد برئ، وقد وفّاه ما تحمّل له، وهذا ما لم يتعيّن لمجيئه وقتٌ، فمتى جاء به برئَ، وإن ضرب أجلًا بمجيئه فجاء به عند الأجل برىء (٣)، قاله في "المُدوَّنة" (٤). ولو تحمل به على أنّ يحضره هو أو وكيله بعد شهر، فأحضره منَ الغَدِ، لم يبرأ حتّى يأتي به عند الأجل (٥)، رواه أبو زَيد في "العُتبيَّة" (٦) عن ابن القاسم. قال علماؤنا (٧): ومن شرط إحضاره أنّ يحضره هو أو وكيله، فإن أحضره أجنبي لم يبرأ بذلك الحميل، قاله في "المُدَوَّنَة" (٨). ولو مات الغريم لسقطت الحمالة عن الحميل؛ لأنّه إنّما تحمّل للطّالب بإحضار نفسه، ونفسُه قد ذهبت (٩)، وهذا إنَّ مات ببلد قبل أنّ يلزم الحميل إحضاره قبل أجل

стр. 3184

إحضاره أو بعده. المسألة الرّابعة (١): وأمّا الضّرب الثّاني وهو: "الحمالة بالوجه على إِلَّا شيءَ عليه من المال" ففي "الموّازية" عن مالك: أنّه إذا شرط في حمالته الوجه ليس من المال في شيءٍ. قال محمّد: أو يقول: لا أضمن لك إِلَّا الوجه، فهذا لا يضمن إِلَّا الوجه، مات أو أفلس، حضر أو غاب. وفائدةُ هذه الحَمَالة يضمن الإحضار خاصّة، أو يكفيه مؤنة طلبه ويُؤمِّنه من مغيبه، فإذا قيّدها بأنّها لا تتعلّق بالمال، لم يلزمه غير ما التزم من الإحضار، وجازت هذه الحمالة في الجملة لتَعَلُّقها بالمال المعلَّق بالذِّمَّة، ولولا أنّ المقصود منها طلب الذِّمَّة لما جازت؛ لأنّ الأعيان لا يصحّ تعلُّق الضّمان بها، كمن ضَمِنَ لرَجُلِ دابّةً معيّنةً أو عبدًا يُحضره، أو ضَمِن من وجب عليه حدٌّ أو تعزيزً؛ لأنّ ذلك الضّمان لا يتعلّق له بالذِّمَّة. فرع (٢): فإن أحضره (٣) برىءَ، وإن حان الأجل فلم يحضره، فلا شيءَ عليه إِلَّا إحضاره. وقال مالك: لا شيءَ عليه إِلَّا طلبه. المسألة الخامسة (٤): وأمّا الحمالة بالمال" فمعناها التزام إيصال المال إلى من تحمل له به، ولا تبرأ بذلك ذمَّة المتحمّل عنه، خلافًا لابن أبي ليلى (٥). قال عبد الوهّاب (٦): "لأنّها وثيقةٌ فلم يبرأ بها مَنْ عليه الحقّ كالرَّهْن". فإذا ثبت هذا، ففي الحمالة بالمال ستة فصول: الأوّل: فيما تصحُّ به الحمالة.

стр. 3185

الثّاني: فيمن تصح الحمالة منه. الثّالث: فيمن لا تصحّ الحمالة عنه. الرّابع: فيما للطّالب من مطالبة الحميل. الخامس: في رفق الطّالب بالحميل أو الغريم. السّادس: في قضاء الحميل عن الغريم. الفصل الأوّل (١) فيما تصحّ به الحمالة قال علماؤنا (٢): إنها تصحّ في المعلوم والمجهول، خلافًا للشّافعيّ في منعها في المجهول. ودليلنا: أنّ هذه وثيقة بحقِّ، فصحّت في المجهول كالشّهادة بالوصية. فإذا ثبت ذلك، فقد قال مالك في "الموّازية" فيمن أوصَى ولده أو غيرهم أنّ يضمنوا عنه دَينَه: فذلك جائزٌ، سماه (٣) أو لا، والغُرَماء حضورٌ أو غيب، في الصِّحَّة أو المرض. وفي "العُتبِيّة" (٤) عن ابن القاسم عن مالك فيمن مات وعليه من الدِّين مالا يدري كم هو وترك مالًا (٥) لم يُحْصَر، فتحمَّل بعض وَرَثَتِه بدَينِه إلى أجلٍ على أنّ يُخَلَّى بينه وبين مالِه. فإن كان فيه فضلٌ (٦)، كان بينه وبين الوَرَثَة، وإن كان نقصًا فعليه وَحدَهُ، إنَّ ذلك عليه جائز، كان الّذي تحمل به نقدًا أو مؤجَّلًا؛ لأنّه منه معروف (٧)، ولو كان على أنّ له الفضل وعليه النّقص لم يجز؛ لأنّه بَيعٌ فاسد. فرع: إذا ثبت ذلك، فلو طرأ عليه غريمٌ لم يعلم به الوارث لزمه أنّ يقضيه، ولا ينفعه

стр. 3186

قوله: لم أعلم، قاله مالك وابن القاسم. ووجه ذلك: أنّه التزمه (١) على العموم ولم يخصّ ما علمه دون ما لا يعلمه، والتزام المجهول لا يلزم. فرع: والحمالةُ بالجَعل حرامٌ، قاله مالك في "العُتبيّة" (٢) من رواية ابن القاسم. وقال ابنُ القاسم في "الموّازية": فإن كان صاحب الحقّ عالمًا بذلك، سقطت الحمالة وردَّ الجعل. وإن لم يعلم بذلك فالحمالةُ لازمةٌ والجعلُ مردودٌ ومعنى ذلك أنّه عَقدٌ يختصّ بالمعروف فلم يصحّ فيه العِوَض كالقَرضِ. ومن أسلف سلفًا فلا بأس أنّ يأخذ به حميلًا (٣)، قاله مالك في "الموّازية". الفصل الثّاني (٤) فيمن تصحُّ الحمالة منه فإنها تصحّ من كلِّ مالك لأمره لا حَجرَ عليه لأحدٍ، كان يقدر على النُّطق أو كان أخرس إذا فهم أمره. وقال مالك في "المُدَوَّنة" (٥): تجوز كفالته إذا فهم عنه، وأمّا محجورٌ عليه لحقِّه أو لحقّ غيره فإنّه يُعتَبرُ أمرُهُ، فإن كان محجورًا لحقِّه كالصَّغير والسَّفيه المَولى عليه، لم تلزمه الحمالة. وأمّا البِكر الّتي لم تَعْنِسُ كالصّغيرة، وأمّا الّتي عَنَسَتْ وأونس رشدها، ففي

стр. 3187

"المُدَوَّنَة" (١) عن ابن القاسم، ووجدته في "كتاب عبد الرحيم (٢) " عن مالك: لا تجوز هبتها وكذلك كفالتها؛ لأنّ بُضعَها بيد أبيها. ووجه ذلك: أنّ ولاية الأب لمّا لم تسقط في البُضْع بالتَّعْنِيس لم تسقط في المال. ووجه الأوّل: أنّ الولاية في البُضْعِ لا تزول بالرُّشد، والولاية في المال تَزُول بالرُّشْد؛ لأنّها تُرَادُ لحفظ المال، فإذا حُفِظَ زالت (٣) وبقيت في البُضع؛ لأنّها تراد لحفظ ما يغيب، فمعناها باقٍ ما بقيت المرأة. فرع: وأمّا المحجور لحقِّ غيره، كالعبد والمستغرق في الدِّين والمريض وذات الزَّوج، فإنّ العبد والمُكَاتَب والمدبّر وأمّ الولد، حمالتُهُم بغير إذن السَّيِّد باطل. وإن كان العبد مأذونًا له (٤)، فقال ابن الماجشون: تجوز حَمَالته. وحكَى محمّد القولين في العَبْد. ووجه الأوّل -وهو قول مالك وجمهور أصحابه-: أنّه معنىً يدخل في ذِمَّتِه نقصًا، فلم يكن له ذلك بغير إذن سَيِّدِهِ، كالمُدَايَنَة. وأيضًا: فإنّه وَجهٌ من المعروف، فلا يجوز له بغير إذن سَيِّده وإن أَذِنَ له في التِّجارة، كهِبَة مَالِه. فرع: وتجوز حَمالَتُه بغير إذن سيِّده وإن لم يكن مأذونًا، إِلَّا أنّ يستغرقَهُ الدِّين، فلا يجوز وإن أَذِنَ له السَّيِّد.

стр. 3188

وأمّا المُكاتَب، فقد قال ابن القاسم في "المُدَوَّنة" (١): إذا أَذِنَ له وللمدبّر وأمّ الولد في الحَمَالَة جاز. وقال غيره: لا يجوز معروف المُكَاتَبِ؛ لأنّه داعية إلى رِقِّه، وليس ذلك له ولا لسَيِّدِه. ووجه قول ابن القاسم: أنّه محجورٌ عليه بحُكم الرِّقِّ، فجاز ما يفعله من ذلك بإذن السَّيِّد، أصل ذلك العبد القِنّ. فرع: وأمّا المستغرق في الدِّين، ففي "المُدَوَّنة" (٢) و"العُتبِيَّة" (٣) عن مالك: أنّه لا تجوز حمالته، كصدقته، وتُفسَخ؛ لأنّها من المعروف (٤). وأمّا المريض، ففي "المُدَوَّنة" (٥): تجوز كفالته في ثُلُثه (٦). فرع: وأمّا ذات الزّوج، ففي "المُدَوَّنة" (٧) عن ابن القاسم أنّ ذلك في ثلُثها (٨)، وإن زادت على الثُّلُث في كفالتها، فللِزَّوج إبطال جميعها، إِلَّا أنّ يزيد الشّيء اليسير (٩). وقال المُغيرَة: إذا جاوزت الثُّلُث لم يبطل، كالمريض يوصي بأكثر من ثُلُثه. وإذا تكفّلت بزوجها، ففي "المُدَوَّنَة" (١٠)، قال مالك: عطِيَّتُها لزوجها جميع ما لها

стр. 3189

جائز، وكذلك كفالتها عنه. ومعنى ذلك: أنّ كفالتها بِرِضَاه، فإن لم يرض، فعلى مذهب ابن القاسم: تبطل إِلَّا بالثُّلُث فأدنى. الفصل الثّالث (١) فيمن تصِحُّ عنه فتحرير ذلك: أنّها تجوز عن مالك لأمْرِهِ وغير مالكٍ لأَمره فيما يلزم أداؤُه من ماله. وأمّا المَولَى عليه، فلا يخلوا أنّ يكون تحمّل عنه حميل بما تقدّمت المعاملة فيه، أو بما تستقبل المعاملة فيه. فإن كان تحمّل عنه بثمنِ ما قدِ ابتاعَهُ، فقد قال ابن القاسم في: "العُتبِيَّة" و"الموّازية": إنَّ كان ممّا يلزم اليتيم لزمه ويرجع به في مال الصّبيّ. وقال عبد الملك: لا يلزم المَولَى عليه شيءٌ ممّا تحمّل عنه به، فإن كانت المعاملة قبل الحمالة لم يلزم الحميل شيءٍ. يريد أنّه لم يتحمل عنه بدَيْن ولا عامله المتحمّل له بسببه. الفصل الرّابع (٢) فيما للطّالب من مطالبة الحميل لأنّه لا يخلو أنّ يكون واحدًا أو جماعة، فإن كان واحدًا، فهل للطّالب أخذه بجميع الحقِّ مع حضور الغَرِيم أو غيبه؟ فقد اختلف فيه قول مالك، فقال في "المُدَوَّنة" (٣): له طلبه في غيب الغريم وحضوره (٤).

стр. 3190

قال عبد الوهّاب (١): "وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ" ثمّ رجع مالك، فقال: لا يتبعه إِلَّا في عدمه أو في غيبته (٢). قال عبد الوهّاب (٣): "وهو قول عبد الملك". الفصل الخامس (٤) في رفق الطّالب بالغريم أو الحميل ووجه ذلك: أنّ الطّالب قد يَهَبُ حقَّه للغريم أو الحميل، أو يؤخّر أحدهما. فأمّا الهِبَة، فإن وهبَ الغريمُ فقد بَرِيءَ الحميلُ؛ لأنّ الهِبَة كالاقتضاء. فرع: ومن أخذ حميلًا بثمنِ سِلعةٍ، على أنّ له أنّ يأخذ أيّهما شاءَ، فمات الغريم، ثمّ أراد أنّ يطالب الحميل ففي "العُتبِيَّة" (٥) و"الموّازية" عن مالك: يحلف ما وضع إِلَّا للميِّت وهو على حقّه، قال محمّد: فيها شيءٍ، وقال في موضع آخر: فيها نظر. وأمّا إنَّ أخذ الغريم ففي "العُتبِيَّة" (٦) و"الموّازية" لأشهَب عن مالك: إنَّ أخذه سنة فالحبالةُ ثابتة، إِلَّا أنّ للحميل أنّ يمنع التأخير ويقول: أخاف أنّ يفلس، فليس له التّأخير.
следующие страницы →