← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

قوله: لم أعلم، قاله مالك وابن القاسم. ووجه ذلك: أنّه التزمه (١) على العموم ولم يخصّ ما علمه دون ما لا يعلمه، والتزام المجهول لا يلزم. فرع: والحمالةُ بالجَعل حرامٌ، قاله مالك في "العُتبيّة" (٢) من رواية ابن القاسم. وقال ابنُ القاسم في "الموّازية": فإن كان صاحب الحقّ عالمًا بذلك، سقطت الحمالة وردَّ الجعل. وإن لم يعلم بذلك فالحمالةُ لازمةٌ والجعلُ مردودٌ ومعنى ذلك أنّه عَقدٌ يختصّ بالمعروف فلم يصحّ فيه العِوَض كالقَرضِ. ومن أسلف سلفًا فلا بأس أنّ يأخذ به حميلًا (٣)، قاله مالك في "الموّازية". الفصل الثّاني (٤) فيمن تصحُّ الحمالة منه فإنها تصحّ من كلِّ مالك لأمره لا حَجرَ عليه لأحدٍ، كان يقدر على النُّطق أو كان أخرس إذا فهم أمره. وقال مالك في "المُدَوَّنة" (٥): تجوز كفالته إذا فهم عنه، وأمّا محجورٌ عليه لحقِّه أو لحقّ غيره فإنّه يُعتَبرُ أمرُهُ، فإن كان محجورًا لحقِّه كالصَّغير والسَّفيه المَولى عليه، لم تلزمه الحمالة. وأمّا البِكر الّتي لم تَعْنِسُ كالصّغيرة، وأمّا الّتي عَنَسَتْ وأونس رشدها، ففي

стр. 3187

"المُدَوَّنَة" (١) عن ابن القاسم، ووجدته في "كتاب عبد الرحيم (٢) " عن مالك: لا تجوز هبتها وكذلك كفالتها؛ لأنّ بُضعَها بيد أبيها. ووجه ذلك: أنّ ولاية الأب لمّا لم تسقط في البُضْع بالتَّعْنِيس لم تسقط في المال. ووجه الأوّل: أنّ الولاية في البُضْعِ لا تزول بالرُّشد، والولاية في المال تَزُول بالرُّشْد؛ لأنّها تُرَادُ لحفظ المال، فإذا حُفِظَ زالت (٣) وبقيت في البُضع؛ لأنّها تراد لحفظ ما يغيب، فمعناها باقٍ ما بقيت المرأة. فرع: وأمّا المحجور لحقِّ غيره، كالعبد والمستغرق في الدِّين والمريض وذات الزَّوج، فإنّ العبد والمُكَاتَب والمدبّر وأمّ الولد، حمالتُهُم بغير إذن السَّيِّد باطل. وإن كان العبد مأذونًا له (٤)، فقال ابن الماجشون: تجوز حَمَالته. وحكَى محمّد القولين في العَبْد. ووجه الأوّل -وهو قول مالك وجمهور أصحابه-: أنّه معنىً يدخل في ذِمَّتِه نقصًا، فلم يكن له ذلك بغير إذن سَيِّدِهِ، كالمُدَايَنَة. وأيضًا: فإنّه وَجهٌ من المعروف، فلا يجوز له بغير إذن سَيِّده وإن أَذِنَ له في التِّجارة، كهِبَة مَالِه. فرع: وتجوز حَمالَتُه بغير إذن سيِّده وإن لم يكن مأذونًا، إِلَّا أنّ يستغرقَهُ الدِّين، فلا يجوز وإن أَذِنَ له السَّيِّد.

стр. 3188

وأمّا المُكاتَب، فقد قال ابن القاسم في "المُدَوَّنة" (١): إذا أَذِنَ له وللمدبّر وأمّ الولد في الحَمَالَة جاز. وقال غيره: لا يجوز معروف المُكَاتَبِ؛ لأنّه داعية إلى رِقِّه، وليس ذلك له ولا لسَيِّدِه. ووجه قول ابن القاسم: أنّه محجورٌ عليه بحُكم الرِّقِّ، فجاز ما يفعله من ذلك بإذن السَّيِّد، أصل ذلك العبد القِنّ. فرع: وأمّا المستغرق في الدِّين، ففي "المُدَوَّنة" (٢) و"العُتبِيَّة" (٣) عن مالك: أنّه لا تجوز حمالته، كصدقته، وتُفسَخ؛ لأنّها من المعروف (٤). وأمّا المريض، ففي "المُدَوَّنة" (٥): تجوز كفالته في ثُلُثه (٦). فرع: وأمّا ذات الزّوج، ففي "المُدَوَّنة" (٧) عن ابن القاسم أنّ ذلك في ثلُثها (٨)، وإن زادت على الثُّلُث في كفالتها، فللِزَّوج إبطال جميعها، إِلَّا أنّ يزيد الشّيء اليسير (٩). وقال المُغيرَة: إذا جاوزت الثُّلُث لم يبطل، كالمريض يوصي بأكثر من ثُلُثه. وإذا تكفّلت بزوجها، ففي "المُدَوَّنَة" (١٠)، قال مالك: عطِيَّتُها لزوجها جميع ما لها

стр. 3189

جائز، وكذلك كفالتها عنه. ومعنى ذلك: أنّ كفالتها بِرِضَاه، فإن لم يرض، فعلى مذهب ابن القاسم: تبطل إِلَّا بالثُّلُث فأدنى. الفصل الثّالث (١) فيمن تصِحُّ عنه فتحرير ذلك: أنّها تجوز عن مالك لأمْرِهِ وغير مالكٍ لأَمره فيما يلزم أداؤُه من ماله. وأمّا المَولَى عليه، فلا يخلوا أنّ يكون تحمّل عنه حميل بما تقدّمت المعاملة فيه، أو بما تستقبل المعاملة فيه. فإن كان تحمّل عنه بثمنِ ما قدِ ابتاعَهُ، فقد قال ابن القاسم في: "العُتبِيَّة" و"الموّازية": إنَّ كان ممّا يلزم اليتيم لزمه ويرجع به في مال الصّبيّ. وقال عبد الملك: لا يلزم المَولَى عليه شيءٌ ممّا تحمّل عنه به، فإن كانت المعاملة قبل الحمالة لم يلزم الحميل شيءٍ. يريد أنّه لم يتحمل عنه بدَيْن ولا عامله المتحمّل له بسببه. الفصل الرّابع (٢) فيما للطّالب من مطالبة الحميل لأنّه لا يخلو أنّ يكون واحدًا أو جماعة، فإن كان واحدًا، فهل للطّالب أخذه بجميع الحقِّ مع حضور الغَرِيم أو غيبه؟ فقد اختلف فيه قول مالك، فقال في "المُدَوَّنة" (٣): له طلبه في غيب الغريم وحضوره (٤).

стр. 3190

قال عبد الوهّاب (١): "وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ" ثمّ رجع مالك، فقال: لا يتبعه إِلَّا في عدمه أو في غيبته (٢). قال عبد الوهّاب (٣): "وهو قول عبد الملك". الفصل الخامس (٤) في رفق الطّالب بالغريم أو الحميل ووجه ذلك: أنّ الطّالب قد يَهَبُ حقَّه للغريم أو الحميل، أو يؤخّر أحدهما. فأمّا الهِبَة، فإن وهبَ الغريمُ فقد بَرِيءَ الحميلُ؛ لأنّ الهِبَة كالاقتضاء. فرع: ومن أخذ حميلًا بثمنِ سِلعةٍ، على أنّ له أنّ يأخذ أيّهما شاءَ، فمات الغريم، ثمّ أراد أنّ يطالب الحميل ففي "العُتبِيَّة" (٥) و"الموّازية" عن مالك: يحلف ما وضع إِلَّا للميِّت وهو على حقّه، قال محمّد: فيها شيءٍ، وقال في موضع آخر: فيها نظر. وأمّا إنَّ أخذ الغريم ففي "العُتبِيَّة" (٦) و"الموّازية" لأشهَب عن مالك: إنَّ أخذه سنة فالحبالةُ ثابتة، إِلَّا أنّ للحميل أنّ يمنع التأخير ويقول: أخاف أنّ يفلس، فليس له التّأخير.

стр. 3191

وقال ابن القاسم في "المدوّنة" (١): لا تسقط الحمالة. وقال غيره في "المُدَوَّنة" (٢): إذا أخّر الغريم وهو مُوسِرٌ تأخيرًا بيَّنَّا فقد سقطت حمالته. الفصل السّادس (٣) في قضاء الحقّ فإن دفعه الغريم، بَرِيَء وبَرِيءَ الحمِيلُ. وإن دفعه الحَميل، بَرِئَ من مطالبة صاحب الحقِ، وكان له مطالبة الغريم. فإن كان أدّى عنه مثل ما عليه رجع بمثله، وإن كان أدَّى عنه غير ما عليه، مثل أنّ يكون الدِّين دنانير فيدفع عنه دراهم، فإنّ ذلك لا يجوز قبل الأَجَل، لما فيه من تأخير أحد عِوَضَي الصَّرف. وأمّا بعد الأجل ففي "الموّازية": أنّ ذلك جائزٌ (٤)، وفيها أنّه غير جائز (٥)، وإليه رجع ابن القاسم، وهو قول أشهب وأصحابه، ولهذا توجيه طويل في "كتب المسائل". القضاء في العيوب الإسناد (٦): قال الإمام ابنُ العربي: هذا بابٌ ليس فيه حديثٌ صحيحٌ على التّخصيص، أمّا أنّ

стр. 3192

في تحريم الغِشِّ أحاديث، روى الدّارقطني (١) عن النّبيّ ﷺ كلمة في الباب، قال النّبيّ ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ يَبِيعُ بَيْعًا يَعلَمُ بهِ عَيبًا إِلَّا بَيَّنَهُ" (٢). قال الإمام: وهذا مبنيٌّ على إحدى القواعد المتقدِّمةِ (٣)، وهي تحريمُ أكلِ المال بالباطلِ، وذلك بيِّنٌ في الباب. فإن قيل: فلِمَ لا يُحكمُ بفَسخ العَقدِ وقد انعقد على حرام وانبَنَى على باطل؟ قلنا: لأنّه عارَضَتْهُ قاعدةٌ أُخرَى تقدّمتِ الإشارةُ إليها ومهّدناها في "كتابُ البيوع"، وهي أنّ النّهي إذا كان في حقِّ الله فُسِخَ ما انبَنَى علَيه، وإن كان في حقّ الآدميَّ فاللهُ قد جعلَ للآدمي الخِيارَ، فإنّه قد يحتمِلُ أنّ يشتريَهُ بعَشَرَةِ دنانيرَ بعيبٍ لا يعلَمُه، فإذا اطَّلَع عليه وجَدَ العَيب يساوي أحدَ عشرَ دينارًا، فيرى الحظَّ لنفسِهِ، فَرَدَّ الله الأمرَ إليه، وذلك إجماعٌ. أمّا إنّه قد يدخُلُ على مسائل العَيبِ وجوهٌ من المنهيَّاتِ من الغَرَرِ والرِّبَوِياتِ، فتتعدَّدُ لذلك أحكامُها، وتختلِفُ مآخِذُها، وتَكثُرُ فروعُها، ولا تحتمِلُها هذه العُجَالةُ، فعليكم بكتب المسائل، ولا سيّما ابن عبدوس؛ فإنّه أطنَبَ في هذا الباب، وجاء فيه باللُّباب. باب ما لا يجوز من النُّحْلِ أدخل (٤) فيه حديث النُّعمان بن بَشِيرٍ، أنّ أباهُ بَشيرًا أتَى به إلى رسولِ الله ﷺ

стр. 3193

فقال: إنِّي نَحَلتُ ابنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي، فقال له رسولُ الله ﷺ : "أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلتَهُ مِثْلَ هَذَا؟ " فقال: لا. قال: "فَارتَجِعْهُ". الفقه في مسألتين: المسألة الأولى (١): استدلّ مالك وأصحابه بهذا الحديث؛ أنّ الأبَ يعتصِرُ ما وَهَبَ أو نَحَلَ ابنه ما لم ينكح الابنُ أو يُداين، ويستدلُّون في الاعتصار بهذا الحديث. وزاد البخاريُّ (٢) في هذا الحديث: "لَا أَشهَدُ على جَورِ" فدلّ هذا القول أنّ بَشيرًا كان قد مال بالنِّحْلة إلى النُّعمان دون سائر بَنِيهِ، فأمره رسولُ الله ﷺ باعتصاره؛ لأنّ هِبَةَ بعض بَنِيهِ دون بعضٍ رُبَّما آل ذلك إلى أنّ يَفقِد من لم ينحله من بَنِيهِ، فَأَمرُ النَّبيِّ ﷺ أباه بذلك على النَّدبِ إلى التّسوية بين البَنِين، لا على أنّ هِبَةَ الرَّجُل بعض بَنِيهِ غير جائزة. المسألة الثّانية: وهل يجوز للرَّجُل أنّ يتصدّق بجميع ماله على وَلَدِه؟ فرُوِيَ عن مالك في ذلك قولان: أحدهما: المنع. والآخر: الجواز. وقال (٣) في "العُتبِيَّة" (٤) و"الموّازية" (٥): يجوز له أنّ يتصدَّق بماله كلّه في صحَّته، وقد فعله أبو بكر ﵁.

стр. 3194

وقال ابنُ القاسم: أكره أنّ يتصدَّق الرَّجُل بماله كلَّه على بعض ولده. فخرج من هذا وجه الكراهية، وإليه ذهب عبد الوهّاب (١)، وفيه كلامٌ طويلٌ يأتي بيانُه في "كتاب الهبة (٢) " إنَّ شاء الله.

стр. 3195

كتاب الهِبَة وفيه خمسة فصول: الفصل الأوّل (١) قال الإمام: الهِبَةُ على الحقيقة لله وحدَهُ؛ لأنّ حقيقةَ الهِبَةِ هو العَطاءُ بغير عِوَضٍ ممّا لا يجبُ، والَّذي يُغطِي على الحقيقة بغير عِوَضٍ ولا يجبُ عليه، فهو الله سبحانه، ولا يُتَصَوَّرُ ذلك في الآدميِّ؛ لأنّه مجبولٌ على التَلَفُّتِ إلى الأغراض، إئا في جَلب منفعةٍ، وإمّا في دفع مَضَرَّة، فلذلك كانت هِبَتُه محمولةً على القصد إلى البَدَلِيَّة فيها. وقد تكون على توقُّع البَدَل من الآدميِّ في هبته من الله، فَاسمُها صدَقَةٌ، وقد تكون على تَوَقُّع البَدَلِ العامّ على عادة العرب في إطلاقها، وفي مثله قال الله تعالى: ﴿وَماَ آتيتم مِن رِبًا ليربوا فِيَ أموَالِ النَّاس﴾ الآية (٢). وقد يُعطَى الرجُلُ على المروءة، وذلك من الشّريعة، وجارٍ مَجرَى الصَّدَقة. روى مسلم في "صحيحه"، (٣) عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "كُلُّ مَعرُوفٍ صَدَقَةٌ" وضرب له النّبيُّ ﷺ أمثلةً متعدِّدةً من الواجبِ والمندوبِ، بيانُها في "كتاب الجامع" إنَّ شاء الله. وقد تكون الهِبَةُ لِصِلَةِ الرَّحِم، وهي من المعروف المُؤَجَّل العِوَضِ. وقد تكونُ طلبًا لِمَحضِ المودّةِ من الواهبِ في مالِ الموهوبِ. فأمّا مالكٌ فقضَى به (٤)، وأمّا جمهورُ

стр. 3196

الفقهاء منهم الحنفية والشّافعيّة (١) فحزموه؛ لأنّها مُبايَعَة بثمنٍ مجهولٍ، قالوا: ويجب أنّ تُخَلَّصَ العقودُ بألفاظها لأحكامها، فإن عَرِيَت الألفاظُ لم يجُز إسقاطُ الشروط، وهِبَةُ الثّواب مجهولةُ العِوَضِ وذلك حرامٌ، مجهولُ الأمرِ، وذلك لا يجوزُ، مُعَقَّبَةٌ بالمنازعةِ، وتلك مزابنةٌ منهيٌّ عنها بالإجماع، محظورةٌ باتِّفاقٍ. تنزيل وتقريب: قال علماؤنا: هذا كلُّه صحيحٌ، إِلَّا أنّ كلَّ عَقدٍ قد نَزَّلَهُ الشَّرعُ منزِلَتَهُ، وبيَّنَهُ بشروطِهِ، هذا كلُّه صحيحٌ، فالبيوعُ وأحكامُها على مَسَاقِها، والهِبَةُ على موضوعها. وأمّا الأحاديث في الهِبَةِ فعزيرةٌ جدًّا، وهي ثلاثة، فالّذي عَوَّلَ عليه مالك حديث النُّعمان بن بَشِير أنَّ أَباهُ بَشِيرًا أتَى به النّبيِّ ﷺ فقال: "إنِّي نَحَلتُ ابنِي هَذا ... " الحديث إلى آخره. وروَى أبو داود (٢) زيادة: فقال له النّبيُّ ﷺ : "أَشهِدْ عَلَيهِ غَيرِي". ورُوِيَ: "إِنِّي لَا أَشهَدُ على جَورٍ" (٣). وَرُوِيَ أنّه قال: "أَتحِبُّ أَنّ يَكُونُوا لَكَ فِي البِرِّ سَوَاءٌ؟ " قال: نعم، قال: "فَسَوِّ بَيِنَهُم فِي العَطِيَّةِ" (٤). هذا كلُّه في الصّحيح، زاد أبو داود (٥): "إنَّ عَلَيهِم مِنَ الحَقِّ أَنّ يبرُّوكَ، وَعَلَيكَ أنّ تَعدِلَ بَينَهُم".

стр. 3197

مفاقهة: اختلف العلّماءُ في جواز ذلك، أمّا مالك فجوّزه (١)، وبه قال أبو حنيفة (٢) والشّافعيّ (٣). وقال أحمدُ: ذلك باطلٌ يجبُ فسخُه؛ لأنّ النَّبيِّ ﷺ أمَرَ بردِّه، وقال في الصّحيح: "لَا أَشهَدُ عَلَى جَورٍ" (٤) وقال: "أَتحِبُّ أَنّ يَكُونُوا لَكَ فِي البِرِّ سَوَاءٌ؟ " (٥) فعلَّلَ بالعُقوق إلى ما يدخل بينهم بالشَّحناء، وذلك يقتضي التّحريم، وردّه هو الصّحيح في الحكم. فإن قيل: قد قال: "أَشهِد عَلَى هَذَا غَيرِي". قلنا: هذا هو تأكيد التّحريم؛ لأنّ أمرًا لا يرضاهُ رسول الله ولا يَشهَد به، من الّذي يَرضَاهُ أو يشهد به؟ وسائرُ ألفاظِ الحديثِ نصٌّ صريحٌ فلا يردّ بهذا المحتمل. وقد كان رسولُ الله ﷺ محمّد يقبلُ الهديَّة ويُثِيبُ عليها. وروى البخاريّ (٦) أنّه كان لا يردّ طيبًا لمحبَّتِه فيه. مفاقهة أخرى: ولما رأى النّاسُ أنّ عَقد الهِبَة تَبَرُّعٌ مَحضٌ، قالوا: إنّه لا يَلزَمُ إِلَّا بالقبض، وإليه صغَى أكثرُ الفقهاءِ، منهم الشّافعيُّ وأبو حَنيفةَ، وعَجَبًا لهم من أين نَزعُوا لهذا الأصلِ، والهِبَةُ عَقدٌ من العُقود، ومَبنَى العُقود على اللُّزوم، ومحلُّها القولُ،

стр. 3198

منه تكونُ، وبه تَلزَمُ. وقد بيّن اللهُ ذلك في كتابه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ الآية (١)، وما بقي بعد قولِ هذا: وهبتُ، وقول الآخر: قَبِلتُ، والكفالة عَقدُ تبرُّع باتِّفاق، ويَلزَمُ بالقولِ بإجماعٍ، فكيف غَفَلُوا عن هذا؟ فإن قيل: كذلك كنا من قبلُ نقولُ كما ذكرتُم، لولا قولُ أبي بكر الصديق: "لَو كُنتِ حُزتِيهِ لَكَانَ لَكِ، وَإِنَّمَا هوَ اليَومَ مَالُ وَارثٍ" (٢) فبيّن أنّ الهِبَةَ إنّما تكونُ هِبَةً بالقبضِ، وأنَّ انفرادَها عنه مُبطِلٌ لها. قلنا: كيف تعلَّقتم بهذا في مثل هذا الأصلِ العظيمِ، وهو قولُ الواحدِ من الصّحابةِ (٣). الفصل الثّاني (٤) فيما يجوز هبته للثّواب وما لا يجوز وما يكون عِوَضًا فيها قال علماؤنا (٥): ما لا يجوز بيعُه فلا تجوز هبته للثّواب، كالآبق، والجمل الشّارد، والجنين في بَطن أُمِّه، وما لم يبد صلاحُه من ثمر أو حبٍّ، روى محمّد عن مالك ذلك. ووجه ذلك: أنّه عَقدُ مُعَاوَضَةٍ فلا يجوز عَقده بالآبق كالبيع. فرع: وأمّا الدّنانير والدّراهم، فرَوَى محمّد عن ابن القاسم؛ أنّ ذلك لا يصلح أنّ يُوهَب للثّواب، فإنّ شرطَ ذلك في الهبَة رُدَّتْ، وهو المشهور عن مالك.

стр. 3199

وقال (١): إذا كانت الهِبَة عينًا، فإنّما تكون قيمتها من العروض ثبتت في الذِّمَّة غير مؤجَّلة ولا موصوفة، وذلك يمنع صِحَّة البَيْع. الفصل الثّالث (٢) فيمن تحمل هبته على الثّواب من غير شرط فإنّه إذا شرطَ ذلك، فلا خلاف أنّ هِبَتَهُ محمولة على ذلك، اقتضَى ذلك الجواز أو المنع، وأمّا إنَّ وَهَب من غير شرطٍ، ثمّ ادَّعَى أنّه قَصَدَ الثّواب، فإن كان من غير جنس ما يوجب الثّواب كالدّنانير، فقوله مردودٌ، رواه محمّد عن مالك وابن القاسم وأشهب. وقد روى (٣) أنّه مَنْ وَهَب قمحًا أو شعيرًا ففيه الثّواب. وأمّا الّذي لا ثوابَ فيه مثل الفاكهة أو الرّطب يُهدى للقادم، قاله مالك. وإن قام يطلب ثوابًا، لم يعطه، قاله: أشهب وابن القاسم. ووجه ذلك: أنّ الدّنانير لا غَرَض في أعيأنّها، وأمّا الفاكهة فلم تجر العادة بطلب الثّواب على ذلك، فحملت على العادة في الغالب. وقال ابن العطّار: وكذلك ما يهبه للفقير القادم من سفره من التّحف كالتّمر وشبهه. فإن كان قد فات، فلا شيءَ له في الهِبَة ولا في العِوَض، وإن كان لم يفت، فرَوَى محمّد عن أشهب وابن القاسم: أنّ لا عِوَضَ له ولا له أخذه وإن لم يفت.

стр. 3200

فرع (١): ومَن وَهَب هِبَة مُطلَقة فادَّعَى أنّه وهبها للثّواب، حُملَ على العُرف فيه، فإن كان مثل الواهب يطلب به الثّواب على هِبَتِه، فالقولُ قول الواهب مع يمينه، وإن كان مثله لا يطلب الثّواب على هِبَتِه، فالقولُ قول الموهوب له مع يمينه. فرع: ولا ثواب لذي سلطان فيما يهبه (٢). فرع: وما وهبه لذي رَحِمٍ فليست على الثّواب، قال ابنُ القاسم في "المدوّنة" (٣): إِلَّا أنّ يرى النَّاس أنّه وهبه للثّواب. الفصل الرّابع (٤) في مقتضاها من اللّزوم أو الجواز فالذي عليه المذهب، أنّها لازمةٌ باللّفظ للواهب، فإن أَثَابَهُ المعطي فيمتها فلا سبيل له إليها، وسيأتي ذكره.

стр. 3201

فإن أراد منعه -على هذا القول- من قبضها، فقد قال محمّد: ليس له منعه من قبضها ولا بيعها، والظّاهر من قول أشهب أنّها وإن كانت تلزم بالقول، إِلَّا أنّ للواهب منعه من قبضها حتّى يثيبه. فرع: فإن فاتت الهِبَة، فقد لزمته بالقيمة، كنكاح التّفويض يلزم بالدُّخول فيه مَهر المثل، على تفصيلٍ طويلٍ. الفصل الخامس (١) فيما تفوتُ به وفي وجود العيب بها فإنّه إنَّ اطّلع على العيب قبل أنّ يثيبه وقبل أنّ تفوت، فإن علم الواهب بالعَيْبِ، فليس له إِلَّا قيمتها معيبة؛ لأنّهما عالمان بالعيب، قاله محمّد. فرع: فإن ظهر العيب بعد إثابته وقبل الفَوتِ، فله ردّها والرّجوع في الثّواب أو إمساكها، ولا يرجع بشيءٍ بما أثاب به، وذلك كالبيع. فرع: ولو كانت قد فاتت بما لا يقدر على ردّها فأثابه، ثمّ ظهر على العَيب * قبل أنّ يؤدِّي القيمة أو قبل أنّ يثيب، لكانت عليه قيمتها معيبة*.

стр. 3202

باب الاعتصار في الصَّدقة الفقه في أربع مسائل: المسألة الأولَى (١): قوله (٢): "مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابنِه بِصَدَقَةٍ" وهذا على ما قال: إنَّ من تصدَّق على ابنه الكبير أو الصّغير في حجرِه، فليس له أنّ يعتصرها إذا قبضت وحيزت؛ لأنّ الصَّدقة لا اعتصار فيها؛ لأنّها على وجه القُربة، وما كان من العطيّة على وجه القُربة فلا اعتصار فيه. وقد تقدَّم أنّ العطايا المتَقَرَّب بها تلزم بالعَقد، وإنّما قال (٣): "قبَضَهَا الابنُ أَو كَانَ فِي حَجرِ أَبِيهِ فَأَشهَدُ لَهُ" ليذكر أقوى وجوهها في حيازة الكبير لنفسه، ثمّ ذكر أصعب وجوهها وهو أنّ يتصدَّق على ابنه في حَجْرِهِ فيقتصر على الإشهاد له، ولم يذكر الحيازة له، فلا اعتصار له في أحد الوجهين، لما احتجّ به من أنّه لا يرجع بشيءٍ من الصَّدقة، ومعنى ذلك ما يأتي بعدها أنّه لا يجوز أنّ يشتري صدقته ولا يأخذها بِعِوَض (٤). المسألة الثّانية (٥): قوله (٦): "الأَمرُ المُجْتَمَعُ عَلَيهِ عِندَنَا" يريد المدينة وعلماءَها. وقوله (٧): "مَا لَم يَستَحْدِثِ الابنُ دَينًا" خصَّ الولد بذلك لأنّ الظَّاهر من المذهب أنّه يعتصر الأبوان على الابن والابنة صغارًا كانوا أو كبارًا، فأمّا الجدّ والجدّة فاختلف

стр. 3203

قول مالكٍ فيهما، فرَوَى ابن وهب عنه: لا يعتصر ولا تلزمه النَّفَقَة، ويرث معه الإخوة، ولا يكون بيده بضع بنات الابن. وروَى عنه أشهب أنَّهُما يعتصران (١)، وبه قال ابن عبد الحَكَم. ووجه الأوّل -وهو المشهور في المذهب-: أنّ الجدّ لا تلزمه النّفقة فلم يكن له الاعتصار كالعمّ. المسألة الثّالثة (٢): إذا ثبت ذلك (٣)، فإنّ الأمّ لا تعتصر من يتيم، قاله محمَّد؛ لأنّ الهِبَةَ له صَدَقَة فلا تعتصر، وإن احتاج الواهب جَدًّا كان أو أُمًّا أو غير ذلك. ووجه ذلك: أنّ ظاهر الهِبَة له (٤) الإشفاق عليه، وهذا معنى القُربة، فلذلك كان حكمها حكم الصَّدقة. ورَوى ابنُ القاسم عن مالك (٥) أنّه قال: للأب أنّ يعتصر وإن لم يكن للولد أمّ، وليس للأمِّ أنّ تعتصر إذا لم يكن للولد أب؛ لأنّ اليتيم من قِبَلِ الأب، وهو قول جمهور أصحاب مالك. ورَوَى محمّد عن أشهب؛ أنّ اليتيم إذا كان غنيًّا، فللأمِّ أنّ تعتصر إذا لم يكن له أب، فتعتصر منه كما تعتصر من الكبير، قال مالك: وللأم من الاعتصار ما للأب. ووجه ذلك: أنّها أحد الأبوين، فجاز أنّ تعتصر. فإذا كان ذلك، وقلنا: لا تعتصر من اليتيم، فوهبت ابنها الصّغير في حياة أبيه ثمّ مات الأب وهو صغير، لم يجز لها أنّ

стр. 3204

تعتصر وإن كبر. ولو كبر قبل أنّ يموت أبوه فمات، كان لها أنّ تعتصر؛ لأنّ الموهوب له قد انقطع عنه الاعتصار، بل بقي حكمُه ثابتًا عليه. المسألة الرّابعة (١): ويمنع الاعتصار مرض المعطي، وروى ابن القاسم عن مالك (٢) أنّه يمنع الاعتصار، ورواه ابنُ حبيب عن مالك أنّه قال: لا يعتصر مريض ولا يعتصر منه. فأمّا المريض فلا يعتصر؛ لأنّه يعتصر لغيره من الورثة وليسوا بآباء؛ لأنّه لا يعتصر إِلَّا الأب. ولا يعتصر (٣) منه؛ لأنّه حق الورثة قد تعلّق بماله، كما لو تعلّق حق الغرماء بماله لامتنع الاعتصار. القضاء في العُمْرَى الإسناد: قال الإمام: الأحاديث في العُمْرَى صِحاحٌ، وصحّح أبو عيسى (٤) حديث جابر هذا وحَسَّنَهُ (٥)، عَن جَابِرِ بْنِ عَبدِ الله الأَنصَارِي؛ أنّ رَسُول اللهِ ﷺ قال: "أَيُّمَا رَجُلٍ أُعمِرَ عُمرَى لَهُ وَلعَقِبِهِ. فَإِنَّهَا لِلَّذِي يُعطَاهَا لَا تَرْجِع لِلَّذِي أَعطَاهَا لأَنَّهُ أَعطَى عَطَاءً وَقَعَت فِيهِ المَوَارِيثُ" (٦).

стр. 3205

تنبيه في الإسناد: قال الإمام: زاد مالك: "أَبَدًا" وانفرد به يحيى بقوله "أَبَدًا" ولم يروه عن مالك غيره (١). الغريب: العُم﴾ رَى: هي فُعْلَى من العُمر، والمعنى: اعتمرتك، أو أعمرتك، أي جعلتها لك عمرى. وقال أبو عُبَيد (٢): وهو مأخوذ من العمر، ألَّا تراه يقول: هو لك عمرى. فمعنى (٣) العُمْرَى: هِبةُ منافع الملك مدّة عمر الموهوب له، أو مدَّة عمره وعمر عقبه، فسمِّيَت عُمرَى لتعلّقها بالعمر، وإنّما يتناول الأعمار هبة المنافع لا الرّقبة، وقد قال ﷺ : "مَنْ أَعمَرَ عُمرَى لهُ وَلِعَقِبِهِ" (٤) يريد: أنّ ما أعطى من المنافع يكون له وَلِعَقِبِهِ، ولا تبطل لِعَقِبِه بموته، ولا ترجع إلى الّذي أعطاها؛ لأنّه أعطى عطاءً تقع فيه المواريث، وهذا كلّه راجعٌ إلى المنافع دون الرّقبة، وفي هذا الباب ثمانية أبواب: الأوّل: في معنى العُمْرَى وألفاظها ومعنى الحَبْس والصَّدقة. والثّاني: فيمن يصحُّ منه الحبس

стр. 3206

ومن يصحّ عليه وبماذا يصحّ تحبيسه. والثّالث: في دخول العَقِب مع المعطَى بعده. والرّابع: في معنى العَقِب والذُّريّة والبنين والمَولَى. والخامس: في قسمة منافع العُمرَى. والسّادس: في استحقاق القسم منها بالولادة وانتقاله بالموت. والسّابع: فيما يجوز من بيع العُمرَى والحبس. والثّامن: إلى من تعود بعد انقراض المعمّر والمحبّس عليه. الباب الأوّل (١) أمّا ألفاظها، فقد تقدَّم أنموذج منها، ونحن نبيِّنُ باقِيها، ونذكرُ ما يقرب منها وما يخالفُها، وذلك أنّه إذا كان معناها هِبَة المنافع، فكلُّ ما كان من الألفاظ يقتضي ذلك المعنى، فإنّ حكمه في ذلك حكم العُمرَى وإن اختلفت في بعض الأحكام، من ذلك أنّ يقول: أَسكَنْتُك هذه الدّار عمرى، أو أسكنتُك هذه الدَّار عمرك، أو وهبتُك سكناها عمرك، ففي "المُدَوَّنة" (٢) عن ابن القاسم فيمن قال: أسكنتك هذه الدَّار وعقبك، فمات السّاكن وعقبه، رجعت إلى صاحبها. وكذلك لو قال: هذه الدّار لك ولعقبك سُكنَى، أو قال: هي لك صَدَقة سكنى فليس له إِلَّا سكناها صدقة دون الرّقبة (٣)، قال محمّد: إنّما ذلك في حياته. وإذا قال: هذه الدَّار حَبسٌ على فلان ولم يَزِد، فقال عبد الملك في "المجموعة": إنّها عُمرَى، وقال في "الموّازية": هي حَبسٌ. ورَوَى ابنُ وَهبٍ عن مالك في الحبس

стр. 3207

على المعنيين أنّهما بمعنى العُمرَى. وقد اختلف فيها قول ابن القاسم (١). توجيه: وجه الأوّل: أنّ التحبيس إنّما يقتضي هِبَة المنافع، فهذا قال: على فلان، اقتضى ذلك اختصاصها به دون غيره، وذلك يقتضي أنّه إنّما وَهَبَهُ المنافع، وذلك معنى العُمرَى. وجه الثّاني: أنّ لفظ التّحبيس يقتضي المنع من رجوع المنافع إليه؛ لأنّ معنى التحبيس أنّ تكون (٢) محبوسة في وجوهٍ نصَّ عليها. فهذا حَبَّسَها على فلان انصرفت إليه مدّة العمر، فهذا انقضَى عُمره لم ترجع إلى المُحَبِّس؛ لأنّ معنَى الحَبس يمنع ذلك. فإن كان المُحَبِّسُ حيًّا، ففي "الموّازية" عن مالك: * يُسأَل عما أراد من عُمرى أو حبس، فيحمل على ذلك ويُقبل قولُه فيه. فإن مات قبل أنّ يُسْأَل* فإنّه (٣) اختار أنّ يكون ميراثًا لورثته، ويجب أنّ يجري في ذلك الخلاف المتقدِّم، وإنّما قبِلَ قولُه لأنّه احتمل الوجهين جميعًا. فرع: ومن قال: داري حَبسٌ لا تُباع ولا تُوهَب ما عاش المُحَبَّس عليهم، ففي "الموّازية" عن مالك: أنّه حَبْسٌ مُؤَبَّدٌ. ووجه ذلك: أنّ قوله: لا تُباع ولا توهب ما عاش، تصريحٌ بالتأبيد وإن كان قد

стр. 3208

علقه بمدّة؛ لأنّ العُمرَى تُباع وتوقَف في مدّة التّعمير، فلما شرط نفي البَيْع والهِبَة اقتضَى ذلك التّحبيس المُؤَبَّد. وقد قال عبدُ الوهّاب (١): "اختلف أصحابنا في تخريج ذلك (٢)، فمنهم من قال: إنّها على روايتين، كقولك: حبس فقط. ومنهم من قال (٣): إنّها ترجعُ حَبسًا". ولو قال: داري حَبسٌ على فلان وولده، فإن كان ولده معيّنين جاز ذلك. انفصال: وأمّا لفظ التّوقيف، فقد قال عبد الوهّاب (٤): "لفظ التّوقيف صريحٌ في تأبيد الحَبسِ، فلا يرجع ملكًا أبدًا؛ لأنّ مفهوم هذه اللّفظة في العُرف التّبتيل على وجه التّأبيد، وتمليك المنانع على الدّوام". وأمّا لفظ الصَّدقة، فإن أراد به تمليك الرَّقبة فهو على ما أراد كالهِبَة، وإن أراد به معنى التّحبيس، فإن كان على معيّن ولم يقترن به ما يقتضي التّأبيد، ففيه روايتان على ما تقدّم في الحَبسِ، لزم فيه التّأبيد، قاله كله عبد الوهّاب في "معونته" (٥). مسألة: فإذا ثبت ذلك، فالحبسُ وما في معناه بأيّ لفظ كان يقتضي الملك، وتبقَى الرّقبة على ملك المُحَبّس. وللشّافعيّ فيها ثلاثة أقوال: أحدها: مثل هذا.

стр. 3209

والثّاني: ينتقل إلى ملك المُحَبّس. والثّالث: لا ينتقل. ودليلنا: أنّه بدل المنافع فلا تخرج بذلك الرّقبة عن ملك الباذل كالعارية. وأيضًا: فإن ما لا يجوز عتقه لا يجوز أنّ يزول الملك عن رقبته، ويبقى الملك على منافعه، كالحيوان والعُروض. الباب الثّاني (١) فيمن يصحُّ التّحبيس منه ومن يصحّ عليه وما يصحّ تحبيسُه فإنّه في الأصل جائزٌ يلزم في الحياة والمَمَاتِ، لا يفتقرُ إلى حُكم حاكم. والمشهورُ عن أبي حنيفة (٢) أنّه لا يجوز ولا يلزم، وأصحابه المتأخّرون يحكون عنه أَنّه جائزٌ، ولكن لا يلزم إِلَّا بأحد أمرين: إمّا بِحُكمِ حاكمٍ، أو يُوصِي في مرضه أنّ يوقَف بعد موته، فيصحُّ ويكون من ثُلُثِهِ كالوصيّة، إِلَّا أنّ يكون مسجدًا أو سقايةً فإنّ ذلك يلزم ولا يفتقر إلى حُكمِ حاكمٍ. وهذه المسألة الّتي تكلَّم فيها أبو يوسف ومالك -رحمة الله عليهما - في مجلس الرّشيد، فظهر عليه مالك، وقال له: هذه أوقاف رسول الله ﷺ ينقلُها أهل المدينة خَلَفهم عن سَلَفهم، يشير إلى الخبر المتواتر، فرجع أبو يوسف في ذلك عن مذهب أبي حنيفة. وهذا فعلُ أهل الدِّين في الرّجوع إلى الحقِّ إذا تبيِّن، ورأى أصحابُه المتأخِّرون الاعتذار لقوله القديم بما قدّمناه. ودليلنا: قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ الآية (٣).

стр. 3210

ومن جهة السُّنَّة: ما روي عن ابن عمر أنّه أصاب بخيبر أرضًا فأتى النّبيّ ﷺ ، فقال: إِنِّي أَصَبتُ أَرضًا لَم أصب مَالًا قَطُّ أَنفَس مِنهُ ... الحديث (١). ومن جهة المعنى: أنّه تحبيس عَقارٍ على وجه القُربَة، فلم يَفتَقِر إلى وصيَّة ولا حُكمٍ، كالمسجد والمقبرة. مسألة: إذا ثبت ذلك، فإنّ تحبيس الرّباع وإعمارها قولٌ واحدٌ وهو الجواز، وأمّا الحيوان والسِّلاح والعُروض، ففي "الموّازية" عن مالك؛ أنّه كره الحَبْس في الحيوان. وقد قال ابنُ القاسم في "المجموعة": من أعمر داره أو دابّته أو عبيده في حياته، جاز ويرجع بعد موته إلى ورثته. وقال (٢) في "العُتبيَّة" (٣): لم أسمع عن مالك في تحبيس الثِّياب شيئًا، ولا بأس به. وقال أشهب: ذلك جائز. فهذا قلنا بالجواز، لزم لموافقة الشّرع مع كونه من العُقود اللازمة. فإن قلنا بكراهية ذلك، ففيه روايتان: إِحداهما الجواز. والثّانية اللُّزوم. وقال عبد الوهّاب (٤): "من أصحابنا من يقول في الخيل قولًا واحدًا، وإنّما الخلاف في غيرها". (٥) ومن حبس على نفسه وغيره صحّ حبسه ودخل معهم، وإنّما يردُّ ما حبَّس على نفسه خاصّة.

стр. 3211

فرع غريب: ولو حبس ذِمي دارًا على مسجدٍ، ففي "العُتبِية" من رواية ابن القاسم عن مالك، ورواه معن بن عيسى عنه في نصرانيّة بعثت بدينارٍ إلى الكعبة، قال: يردُّ إليها. ووجه ذلك: أنّ هذه الجهات إنّما يجب أنّ تخصّ بأفضل الأموال وأطيبها. فرع آخر: ولو حبسَ مسلم على كنيسةٍ مالًا، فالأظهر عندنا أنّ يردَّ؛ لأنّه صَرَفَ صدقتَهُ إلى وجهِ معصيةٍ، كما لو صرفها إلى شرب الخّمْرِ. الباب الثّالث (١) فالأصل والقاعدةُ فيه، قولُه ﷺ : "لَهُ وَلِعَقِبِهِ" وذلك أنّ إعطاءَ المنافع في العُمرَى والحَبسِ لا يخلو أنّ يكون لغير مُعَيَّنَين، أو لمُعيَّنَين وغير معيّنين، وذلك كمن قال: أعمرتُ هذه الدَّار على ولدي فلان وعَقِبَه، فإنّه يرث الأقرب. وإذا قال: على ولد ولدي، أو قال: على ولدي وولد ولدي، فهذا أرجع فهذا قلنا: يرث الأقرب في قوله: ولدي، بأن يرثها الأقرب، في كلام لهم طويل إنَّ شاء الله. الباب الرّابع (٢) في معنى العقب قال مالك (٣): العقب: الولد ذكرًا كان أو أُنثَى، وليس ولد البناتِ عقبًا ذكرًا كان أو أُنثَى. وقاله عبد الملك.

стр. 3212

وقال ابنُ حبيب: ويجمع ذلك أنّ كلَّ ذكرٍ أو أُنثَى حالت دونه أنثَى فليس بعَقِبٍ، وقاله ابنُ شِهَاب. وأصلُ ذلك عندي: أنّ عَقِبَ الرَّجُل مَنْ ينتسب إليه، وولد البنات لا ينتسبون إليه، ولذلك لا يقال لعبد الله بن عبّاس الهاشمي: عبد الله بن الحارث الهِلالي، وإن كانت أمّه لبابة بنت الحارث الهلاليّة. مسألة: وأمّا الولد، فإنّه اسمٌ يتناول الولد وولد الولد، الذّكور ذكورهم والإناث إناثهم، وقد قال مالك في "المجموعة": من حبَّس على ولده وولد ولده، لم يدخل فيه ولد البنات؛ لأنّهم لم يدخلوا في آية المواريث. قال عبد الملك: فلذلك لا يدخلون في صدقة الجدّ في أمّهم بهذا الاسم. قال عبد الملك: والصّدقة على الولد والعَقِبِ سواءٌ. واحتج أشهب بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ الآية (١)، وقال: ولا خلاف أنّ ولَدَ الوَلَدِ كالولدِ في ردِّ الأمِّ إلى السُّدس، ولا تأثير في ذلك لولد البنات. قال ابن العطّار: هذا قول مالك (٢). قال مالك: ومن تصدَّق على بَنِيهِ وبني بَنِيه، فإنّ بناته وبنات بنيه يدخلون في ذلك.

стр. 3213

واختُلِفَ في الأخوال والخالات، والاختيار أنّ يدخلوا، وهذه المعاني إنّما وردت على سبيل المجاز، ومقتضي مذهب مالك اعتبار حقائقها وعرف استعمالها الغالب على حقائقها. مسألة: وأمّا القرابة، ففي "الموّازية" و "المجموعة" (١) فيمن أوصى بمالٍ لأقاربه؛ أنَّه يقسم على الأقرب فالأقرب بالاجتهاد. قال مالك في "العُتْبِيَّة": ولا يدخل في ذلك ولد البنات ولا ولد الخالات. ورَوَى ابن عبدوس عن ابن كنانة؛ أنّه يدخل فيه الأعمام والعمّات، والأخوال والخالات، وبنات الأخ وبنات الأخت. فرع: وأمّا المَوَالِي، فقد قال مالك فيمن حبَّس على مَوالِيه: إنَّ موالي مَوالِيهِ يدخلون معهم، وكذلك موالي أبيه وموالي ابنه. ولو حبَّسَ على قومه أو قوم فلان، فقد قال ابن شعبان: ذلك على الرِّجال خاصّة من العُصبَة دون النِّساء. واحتج بقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم﴾ الآية (٢)، ففرّق بين القوم والنِّساء. الباب الخامس (٣) في قسمة منافع العُمرَى والحَبْس فأمّا العُمرَى وما في معناها من الحَبْس، فإذا كانت على مُعَيَّنَيْنِ فإنّهم فيه سواء،

стр. 3214

وقد قال في "المجموعة": أمّا ما حُبِّسَ على قومٍ بأعيانهم دارًا أو زرعًا أو ثمرًا، فذلك بينهم سواء، للذكر مثل ما للأنثى. وقال ابن القاسم في "الموّازية": من حَبَّسَ على مُعيَّنَينِ دون تعقيب، فإنّ حقَّ الغائب منهم ثابتٌ في السُّكنَى، وحاضرهم وغائبهم في ذلك سواء. قال محمّد: وفقيرهم وغنيّهم في ذلك سواءٌ. وأمّا العُمرَى والحَبس على غير مُعَيَّنَينِ، ففي "المجموعة" عن مالك: أنّ من حَبَّسَ على قومٍ وأعقابهم، فإنّه يفضل أهل الحاجة والمؤنة والعيال والزّمانة بقَدرِ ما يراه من ولي ذلك. ورَوَى محمّد عن عبد الملك: لا يفضل ذو الحاجة على الغنيّ في الحَبس إِلَّا أنّ يشترطَ في الحَبسِ. ووجه الأوّل: أنّ معنَى الحَبس القُرْبَة، وإيثار ذوي الحاجة يقتضي القربة. مسألة: فأمّا الفقير، فهو الّذي له كفاية وربّما ضاقت به الحال بكثرة عياله. وأمّا ولد الغنيِّ لا مال له، فهو فقيرٌ، وإذا بلغ صحيحًا لم يلزم الأب الإنفاق عليه فهو من الفقراء. وإذا تساوى (١) في الفقر والغِنَى، أُوثِرَ الأقرب، ويعطى الفضل من يليه. وإن كان الأَبْعَد (٢) غنيًّا أُوثِرَ الفقيرُ الأَبْعَد، ذكره ابن عبدوس في "المجموعة". والذَّكَر والأنثى في الحبس سواء، وهو قول مالك (٣) إِلَّا أنّ يكون بشرطِ (٤).

стр. 3215

مسألة: وإذا قسم الحَبْس بين أهله من غَلَّةٍ أو سُكنَى، فليس على كثرة العدد وليبدأ بأهل الحاجة. مسألة: وأمّا الكراء والغَلَّةُ، فإنَ حقَّ منِ انتجع أو غاب لا يسقط، وإنّما يسقط حقّه من السُّكنَى إذا لم يكن فيه فضل، قاله ابن القاسم. الباب السّادس (١) في استحقاق القسم منها بالولادة وانتقاله بالموت فإنّ انتقاله يكون على ضربين: إلى المحبّس أو المعمر عليهم، وإلى غيرهم. فأمّا الانتقال إلى المحبِّس أو المعمر، فلا يخلو أنّ يكون ذلك بلفظ الإشاعة أو الإبهام. فإن كان بلفظ الإشاعة، فقد روَى محمّد عن مالك وابن القاسم وأَشهَب وابن وَهب فيمن حبَّسَ دارًا على قوم فمات بعضهم؛ فإنّ ما كان للميِّت من ذلك يرجع إلى بقيَّة أصحابه حتّى ينقرضوا، وذلك في الأحباس كلِّها من غلَّةٍ أو مسكن، كان مرجع الحَبْس إلى صاحب الأصل أو غيره، أو إلى النّسل. وروى ابن حبيب عن مُطرِّف عن مالك؛ أنَّ ما لا يُقسم من عبدٍ أو أصل أو دارٍ فنصيب الميِّت يرجع إلى أصحابه، ونحوه روى ابن وهب عن مالك. قال سحنون: وكذلك روى عنه جميع الرُّواة.

стр. 3216

الباب السّابع (١) في بيع العمرَى والحَبْس فأصل ذلك: أنّ عقد العُمرَى والحَبْس عَقدٌ لازم؛ لأنّه هِبَة للمنافع، وهِبَةُ الأعيان والحَبْس على ضربين: أحدهما: على غير موجود عند التّحبيس. والثّاني: على موجود. فأمّا إنَّ كان على موجودٍ، مثل أنّ يعمر زيدًا أو يعمره وعَقِبَه، ومَنْ أعمره أو حبّس عليه موجود عند العُمرَى، فقد امتنع البَيع بنفس العَقدِ. فإن كان جميعُهُم غير موجودين، مثل أنّ يحبّس على ولده ولا وَلَدَ له: ففي "المجموعة" و"الموّازية" عن مالك فيمن حبّس على ولده ثمّ في سبيل الله، فله أنّ يبيع ما لم يولد له، فإذا وُلِدَ له فلا يجوز له البيع. وقال ابنُ القاسم: ليس له أنّ يرجع حتّى يُؤَيِّس من الولد، ولو أجزتُ له هذا، لأجزتُ له أنّ يبيع إذا كان له ولد ثمّ ماتوا ولم ينتظر أنّ يُولَد له غيرهم (٢). وقال ابن الماجشرن: هي حَبْسٌ (٣). ووجه قول مالك: أنّ الحَبس لم يتعلَّق به حقّ أحد فيلزم بسببه، فإذا وُلِدَ له فقد تعلّق حقّ المولود به، فلم يجز له بيعه.

стр. 3217

مسألة: ومن بنَى مسجدًا بقريةٍ، ثمّ صلّى فيه، ثمّ باعه أو تصدّق به، على من هَدَمهُ وبنَاهُ دارًا فليفسخ ذلك ويردّ إلى ما كان عليه من الحَبسِ؛ لأنّ المسجد لله لا يباع ولا يغيَّر، قاله مُطَرِّف، ومعنى ذلك: أنّ المسجدَ من جملةِ الأحباسِ اللازمة، بل هو من أَوكَدِها؛ لأنّها خالصة لله ومضافة إليه، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ الآية (١). وأمّا قول مُطَرِّف: "من بني مسجدًا" يريد على الصُّورة المختصَّة بالمساجد. "ثُمَّ بَنَاهُ دَارًا" يريدُ نقله إلى صورة الدُّور. وقوله: "ثمّ يردُّ إلى ما كان عليه" يقتضي عندي أنّ للمسجد بنيانًا مخصوصًا يمنع من يريد التّمليك من بنائه ويمنع من تملُّكه. فرع: ومن حبَّسَ حَبسًا وعليه دَيْنٌ قَبلَهُ، واستحدث دَينًا بعده، فقام أهل الدِّين، فقال سحنون: يُباع منها للدَّين القديم ويدخل معهم أهل الدَّين الثّاني ولا يباع منها غير ذلك، وقد قيل: إذا دخل معهم الآخرون، بيع للأوّلين بقَدْرِ ما انتقصهم الآخرون، ثمّ يدخل عليهم الآخرون، هكذا أبدًا حتّى يستوفوا ويفرغ الحَبْس، وكذلك لأصحابنا قولان في العتق. الباب الثّامن (٢) فيمن تعود إليه منانع العُمرَى والحَبس بعد موت المعمّر والمُحَبَّس عليهم فأمّا العُمرَى والحَبس الّذي حكمه حكم العُمرَى، فإنّما تعود إلى صاحب الأصل إذا كان حيًّا، فإن كان ميِّتًا فإلى وَرَثَتِه يوم مات (٣)؛ لأنّه لم يُخرجه عن ملكه إخراجًا

стр. 3218

مؤبَّدًا، وإنّما أخرجه إخراجًا مؤقّتًا كالإجارة، وقد قال مالك: إنّه إذا أعمره دارا ثمّ مات، إنَّ لم يكن له عقب رجعت إليه (١). ومن ذلك: صدقته على رجل حياته، فقال عبد الملك: ترجع إلى ربِّها مِلكًا، أو إلى ورثته ميراثًا. وأمّا الحَبسُ المؤبَّدُ، فقد قال مالك: يرجع إلى أَوْلَى النَّاس ممّن حبَّسَه حَبسًا عليهم. ووجه ذلك: أنّه لمّا اقتضَى التّأبيد لم يرجع عليه. قال ابن كنانة: لأنّه رجوعٌ في الصَّدقة فلم يكن له وجهٌ معيَّنٌ يرجع إليه، فرجع إلى أحقّ النّاس بالمحبَّس، وذلك أوّل وجه ينصرف إليه، لِمَا يجتمعُ فيه من الصِّلة وسَدِّ خَلَّةِ الفقراء. مسألة (٢): قال الإمام: والمشهور اليوم عند النَّاس أنّه إذا انقطع العَقِب في العُمرَى، رجعت إلى أقرب النَّاس بالمعمّر. وقال سائر الفقهاء: ترجع إلى بيت المال كسائر المواريث. وتعلّقوا بظاهر الحديث، وهو قوله (٣): "لا تَرجِعُ إِلَى الذِي أَعطَاهَا" ولا سيّما بزيادة مالك (٤) في قوله: "أَبَدًا" وهذا قطعٌ محضٌ، وقد تكلَّم العلّماءُ على ذلك دليلًا وسؤالًا وجوابًا بكلام طويل نسرده في هذه العاجلة إنَّ شاء الله.

стр. 3219

كتاب الوصايا الأصلُ في ذلك كتابُ الله، قولُه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ الآية (١). قال الإمام: وأدخل مالك (٢) حديث ابن عمر؛ أنّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "مَا حَقُّ امرِىءٍ مُسْلِمٍ، لَهُ شَيءٌ يُوصَي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكتُوبَةٌ عِندَهُ" الحديث. قال ابنُ وضّاح: "مَكتُوبَة" ليس من كلام النَّبيِّ ﷺ . قال الشّيخ: جعلت من "الموطَّأ" المُدْرَج في النّقل. الإسناد: قال الإمام: وأحاديث الوصية كثيرةٌ، أصولُها أربعة: الحديث الأوّل: ما تقدَّمَ، حديثُ ابن عمر. الحديث الثّاني: عبد الله بن أبي أَوفَى، قيل له: هل أَوصَى رسولُ اللهِ ﷺ ؟ قال: لا. قيل: فَكَيفَ كَتَبَ الوَصِيَّةَ؟ قَال: أَوصَى بِكِتَابِ اللهِ (٣). الثّالث: حديثُ سَعد بن أبي وَقَّاص: "الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثِيرٌ" وهو حديثٌ صحيحٌ

стр. 3220

متَّفَقٌ عليه (١). الرَّابع: حديثُ أبي أُمَامَةَ؛ أنّ النّبيَّ ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ قَد أَعطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، لَا وَصِيَّةَ لِوارِثٍ" خرَّجَهُ أبو داود (٢) والتّرمذيّ (٣). العربيّة (٤): والوصيَّةُ في اللُّغة: عبارةٌ عن كلّ قولٍ يُلقِيه أحدُهما إلى الآخرِ ليعمَلَ به، وهو مخصوصٌ في الغائبِ والميِّتِ، وضَعَهُ اللهُ للحاجةِ، إذ لا يتَّفِقُ للمرءِ كلُّ ما يريدُه أو يحتاجُه حاضرًا، ولا بد من التّعاوُن بين حالَتَي الغَيبَةِ والحُضُورِ فيما يختصُّ بالمُوصِي، أو فيما يخُصُّ بالمُوصَى إليه به أو فيه، أو ما يتعلَّق بالكلِّ، أو يخُصُّ ثنتين منها على التّفصيلِ والتّقسيمِ. وقد ذَكَرها اللهَ في كتابه في مواضعَ كثيرة. مفاقهةٌ (٥): قال علماؤنا: وللوصيَّةِ أحكامٌ كثيرةٌ بيانُها في "كتب المسائل" أمثلُها خمسةٌ (٦): الحُكمُ الأوَّل: في وجُوبِها: واختُلِفَ في ذلك: فذهب ذاهبونَ (٧) إلى أنّها واجبةٌ وُجُوبَ الأعيانِ، ويتعيّنُ على

стр. 3221

كلِّ أحدٍ أنّ يُوصِي بعدَ موتِهِ إخوانه وأهله ومَن حَضَره، كذلك فَعَلَتِ الأنبياءُ، وكذلك فعل خاتِمهُم الأعلَى. وقد ذَكَرَ الله ذلك في كتابه في آياتٍ كثيرةٍ. وقال آخَرُون: تجبُ الوَصِيَّةُ إذا خاف المُوصِي الفَوتَ، كَدَينٍ يقضيه من حقّ الله أو حقوق العباد، وإليه صَغَى الفقهاءُ، وهو الصّحيح، وهو المرادُ بحديثِ ابنِ عمرَ: "مَا حَقُّ امرِىءٍ مُسلِمٍ" فإنّه إنَّ لم يكن عليه حقٌّ، لم تكن الوصيَّةُ عليه بحقِّ. فأمّا الآيةُ، فقد ثبت عن ابنِ عبّاس؛ أنّه قال: كَانَ المِيراثُ لِلوَلَدِ، وَالوَصِيَّةُ لِلوَالِدِ، فَنَسَخَ اللهُ ذَلِكَ بِآيَةِ المَوَارِيثِ، فَأَعطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ (١). وقال سعيد بن المُسَيِّب من التّابعين، وإسحاق بن رَاهُويَة من الفقهاء: نسخَ اللهُ ذلك في الوَالِدَينِ، وبَقِيَ الوُجُوبُ في الأَقرَبينَ، حتّى قال الحَسَن وطَاوُس: إنّه لو أَوصَى بثُلُثٍ لأجنَبِي لَرُدَّ ذلك إلى قَرابَتِه (٢)، وهذا تَحَكُّمٌ منهما ليس العمل عليه لضَعفِه. وأمّا قولُ سعيدٍ: إنّها باقيةٌ في الأَقرَبِين، فيردُّه أنّ الصّحابةَ مِنَ الخلفاءِ إلى أعيانِ الفقهاءِ قبلَ أنّ يَتَعَدَّ الحالُ إليه، لم يوص لأحدٍ منهم. وقد قال علماؤنا: قوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ (٣) محمول على الاستحباب؛ لأنّه عُلِّقَ بمجهولٍ، وهو مقدارُ الخَيرِ، والواجبُ لا يتعلَّق بمجهولٍ؛ لأنّ من شرطِ اَلوُجوبِ إمكانَ الفعلِ، ولا إمكانَ مع الجهالةِ.

стр. 3222

الحكم الثّاني: لَمَّا أوجَبَ الله الوصيّةَ أو ندَبَ إليها، سقطَ لزومُها وجاز في كلِّ وقتٍ تغييرُها، فلو كانت لا تُغَيَّرُ لما كانت لأحدٍ قُدرةٌ على أنّ يُبادِر إليها، مخافةَ أنّ يبقَى حيًّا ويَلزَمُهُ عَقدُها، حتّى إنّه جوَّزَ فيها تبديلَ ما لا يُبَدَّلُ وهو العِتقُ، وكلُّ شيءٍ يُفعَلُ للمَرءِ بعدَ موته فإنّه يجوزُ أنّ يَرجِعَ فسِه. وكلُّ شيءٍ يُنفِذُهُ في صحّته، يَلزَمُه. وكلُّ ما يفعَلُه في مَرَضِه، له تغييرُهُ -كما قلنا - إِلَّا العِتقَ المُبتَلَ والمدبَّرَ. وسترَى ذلك مبيَّنًا إنَّ شاء الله. في "كتاب العِتق". الحكم الثّالث: إنَّ الله تعالى لمّا مَلَّكَ الأموالَ للخَلقِ، وعَلِمَ أنّهم على قسمين: منهم من يحفُظُ المالَ، ومنهم من يُهمِلُه، فشَرَعَ الحجرَ على من أهمله من صغيرِ أو مُصابٍ، أو ضَعِيف أو سفيهٍ، وقبَضَ أيديَهُم عن الأموالِ، وأَلغَى ما يَصدُرُ عنهم فيها من الأقوال، إبقاءً عليهم ورحمةً لهم، إِلَّا أنّ يُوصُوا، فمن أوصَى منهم نَفَذَت وصيَّتُه؛ لأنّها ظاهرةٌ في وقتٍ لا يُتَوَقَّعُ عليه فسادٌ في مالِه ولا حاجةٌ في حاله، وهذا إذا كان مُمَيِّزًا يعقِلُ ما يُوصِي به، ويتكلّمُ عن فهمه من غير أنّ يُقَوَّل. وعلى هذا جاء قضاءُ عمر، وعليه حمل المجنون في حال الإِفاقَةِ. الحكم الرّابع: محلُّ الوصيَّةِ الثُّلُثُ للصّحيح والمريض، لحديث سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ: "الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" (١) وقد رُوِيَ عن النّبيِّ ﷺ أَثَرٌ قال فيه: "إِنَّ اللهَ قَد أَعطَاكُم ثلُثَ أَموَالِكُم

стр. 3223

في آخِرِ أَعمَارِكُم زِيَادَةً في أَعمَالِكُم" (١) وهذا الحديثُ وإن لم يكن صحيحًا، فإنَّ معناه صحيحٌ، يُصَدِّقُه حديثُ سَعدٍ الّذي اقتضَى بظاهره تعليقَ حقَّ الوَرَثَة بمالِ المريض، وخلَّص له الثُّلُثَ لِحاجاته واستداركاته. وفي الحديث الصّحيح عن أبي هريرةَ، قال: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ : أيُّ الصَّدَقَةِ أَفضَلُ؟ قال: "أَنَّ تَتَصَدَّقَ وَأَنتَ صَحِيحٌ شحِيحٌ، تَأمُلُ الغِنَى وَتَخشَى الفَقرَ، وَلَا تُمهِل حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلقُومَ، قُلتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا" (٢). ومَن فَاتَهُ الاستدراكُ في محلّ الاستداركِ وهو الثُّلُث، فاختلفَ العلّماءُ هل يَلزَمُ الوارثَ أنّ يُعْطِيَ عنه ما فَرَّطَ فيه أم لا؟ فقال الشّافعيُّ: كلُّ ما فرَّط فيه من حقٍّ ماليٍّ فإنّه يخرُجُ من رأس المال، وهو قولٌ ضعيفٌ (٣) لم يَجُز له إجماعًا؛ لأنّ تركه الإخراج وما وَجَبَ عليه من ذلك تعويلٌ على أنّ يتمتَّعَ به في الدُّنيا، ويفوته ورثته في الأُخرَى. هذا مقصدٌ لا يجوِّزه له مسلمٌ يفهم حقيقة الشَّرع. الحكم الخامس (٤): في كيفية الوصيَّة: رُوِيَ (٥) أنّ أمِّ المؤمنين كانت تُوصِي بهذا، وإن كان السَّلَف يُوصُون به: فلانٌ يشهدُ أنّ لا إله إِلَّا الله وأنّ محمّدًا رسول الله، ويُوصِي مَنْ تركَ مِن أهلِهِ بتقوى الله وإصلاحِ ذَاتِ بينهم إنَّ كانوا مؤمنين، ويُوصِي بما أَوصَى به إبراهيم بَنِيهِ ويعقوب.

стр. 3224

قيل لمالك: إنَّ رجُلًا كتب في وصيَّتِه: أؤمن بالقَدَرِ خيره وشَرِّه، حُلوه ومُرِّه، قال: ما أرى هذا (١). فرع (٢): فمن كنت وصيَّتَه ووُجِدَت في تَرِكَتِهِ، وعُرِفَ أنّه خطُّه بشهادة رَجُلينِ عَدلين، قال مالك: لا تَثبُت حتّى يشهد عليها، وقد يكتبُ الرَّجُلَ فلا يَعزِم، رواه ابنُ القاسم في "العُتبِيَّة" (٣) و"المجموعة". وقال ابن الموّاز (٤): ولو قرأها ولم يأمرهُم بالشّهادة، فليس بشيءٍ حتّى يقول: إنّها وصيّة وإنّ ما فيها حقٌّ وإن لم يقرأها، وكذلك لو قرؤوها وقالوا: نَشهَدُ أنّها وصيَّتُكَ، فقال: نعم، أو قال برأسه نعم، ولم يتكلّم، جازَ. الحكم السّادس: في فرض الوصيَّة: قال الإمامُ: الوصيَّةُ على ضربين: فرضٌ وسنَّةٌ. والفرضُ على ضربين: منسوخٌ إلى تحريمٍ. ومتروكٌ على حالِهِ. فأمّا "المنسوخُ إلى التّحريم" فقولُ الله تعالى في الكتاب ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية (٥)، فنسخَ قول النّبيّ ﷺ : "لَا وصِيَّةَ لِوَارِثٍ". وأمّا الثّانية: فهي وصيّةٌ بدَين للأجنَبِيَينِ، ففرضٌ عليه أنّ يُوصِي بذلك. وهل يلزَم إذا كانت لوارث أنّ يُوصي؟ قلنا: نعم يلزَمُه؛ لأنّ الشّافعيَّ وأبا حنيفةَ يُجيزانِها للوَارِث، وكذلك البخاريّ، ويحتجُّون بقوله: "أَحَقُّ ما تَصَدَّقَ بِهِ الرَّجُلُ أَوَّلَ يومٍ مِنَ الآخِرَةِ وَآخِرَ يَومٍ مِنَ الدُّنيَا" (٦)

стр. 3225

ويحملون الدَّينَ في الوصيَّة على العموم، خلافًا لمالك. وأمّا "النَّدبُ" فقوله: "ما حَقّ امرىءً مُسْلِمٍ" فجاءَ الحديثُ بلفظِ التَّخيير والوعظ، ولأنّه لو أَبَى لم يُجبَر على الوصيَّة. واختلف الفقهاء في الوصيَّة والصَّدقة في المرض أيّهما أفضل؟ ويُستحَبُّ إنَّ لم يكن له مالٌ، أنّ يُوصِي بتقوى الله ولزوم الخير أهلَ بَيْتِه ومن يحضره، كما فعل النّبيُّ ﷺ . فوائدَ حديث عبد الله بن عمر: فيه (١): النَّدب إلى الوصيَّة في التَّطوُّع، وأمّا إنَّ كانت عليه دُيونٌ، ففرضٌ عليه الوصيَّة بها. وفي هذا الحديث: أنّ الوصيَّة نافذةٌ وإن كانت عند صاحبها إذا لم يجعلها عند غيره ثمّ ارتجعها، لقوله ﷺ : "ألَا لَا يَبيتَنَّ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكتُوبَة" (٢)، وقولُه: "إِنَّ أُمِّي افتُلِتَتْ نَفسُها" (٣) يعني ماتت بغتة. وقال في حديث عمر (٤): إنّه قيل له: إِنَّ هَاهُنا غُلَامًا يَفَاعًا، لَم يَحتَلِم من غَسَّان ... إلى آخر الحديث. فيه من الفقه: إجازةُ وصيّة من لم يبلغ الحُلُم. وأنّ الوصيّةَ للأقارب أفضل منها
следующие страницы →