← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

كلِّ أحدٍ أنّ يُوصِي بعدَ موتِهِ إخوانه وأهله ومَن حَضَره، كذلك فَعَلَتِ الأنبياءُ، وكذلك فعل خاتِمهُم الأعلَى. وقد ذَكَرَ الله ذلك في كتابه في آياتٍ كثيرةٍ. وقال آخَرُون: تجبُ الوَصِيَّةُ إذا خاف المُوصِي الفَوتَ، كَدَينٍ يقضيه من حقّ الله أو حقوق العباد، وإليه صَغَى الفقهاءُ، وهو الصّحيح، وهو المرادُ بحديثِ ابنِ عمرَ: "مَا حَقُّ امرِىءٍ مُسلِمٍ" فإنّه إنَّ لم يكن عليه حقٌّ، لم تكن الوصيَّةُ عليه بحقِّ. فأمّا الآيةُ، فقد ثبت عن ابنِ عبّاس؛ أنّه قال: كَانَ المِيراثُ لِلوَلَدِ، وَالوَصِيَّةُ لِلوَالِدِ، فَنَسَخَ اللهُ ذَلِكَ بِآيَةِ المَوَارِيثِ، فَأَعطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ (١). وقال سعيد بن المُسَيِّب من التّابعين، وإسحاق بن رَاهُويَة من الفقهاء: نسخَ اللهُ ذلك في الوَالِدَينِ، وبَقِيَ الوُجُوبُ في الأَقرَبينَ، حتّى قال الحَسَن وطَاوُس: إنّه لو أَوصَى بثُلُثٍ لأجنَبِي لَرُدَّ ذلك إلى قَرابَتِه (٢)، وهذا تَحَكُّمٌ منهما ليس العمل عليه لضَعفِه. وأمّا قولُ سعيدٍ: إنّها باقيةٌ في الأَقرَبِين، فيردُّه أنّ الصّحابةَ مِنَ الخلفاءِ إلى أعيانِ الفقهاءِ قبلَ أنّ يَتَعَدَّ الحالُ إليه، لم يوص لأحدٍ منهم. وقد قال علماؤنا: قوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ (٣) محمول على الاستحباب؛ لأنّه عُلِّقَ بمجهولٍ، وهو مقدارُ الخَيرِ، والواجبُ لا يتعلَّق بمجهولٍ؛ لأنّ من شرطِ اَلوُجوبِ إمكانَ الفعلِ، ولا إمكانَ مع الجهالةِ.

стр. 3222

الحكم الثّاني: لَمَّا أوجَبَ الله الوصيّةَ أو ندَبَ إليها، سقطَ لزومُها وجاز في كلِّ وقتٍ تغييرُها، فلو كانت لا تُغَيَّرُ لما كانت لأحدٍ قُدرةٌ على أنّ يُبادِر إليها، مخافةَ أنّ يبقَى حيًّا ويَلزَمُهُ عَقدُها، حتّى إنّه جوَّزَ فيها تبديلَ ما لا يُبَدَّلُ وهو العِتقُ، وكلُّ شيءٍ يُفعَلُ للمَرءِ بعدَ موته فإنّه يجوزُ أنّ يَرجِعَ فسِه. وكلُّ شيءٍ يُنفِذُهُ في صحّته، يَلزَمُه. وكلُّ ما يفعَلُه في مَرَضِه، له تغييرُهُ -كما قلنا - إِلَّا العِتقَ المُبتَلَ والمدبَّرَ. وسترَى ذلك مبيَّنًا إنَّ شاء الله. في "كتاب العِتق". الحكم الثّالث: إنَّ الله تعالى لمّا مَلَّكَ الأموالَ للخَلقِ، وعَلِمَ أنّهم على قسمين: منهم من يحفُظُ المالَ، ومنهم من يُهمِلُه، فشَرَعَ الحجرَ على من أهمله من صغيرِ أو مُصابٍ، أو ضَعِيف أو سفيهٍ، وقبَضَ أيديَهُم عن الأموالِ، وأَلغَى ما يَصدُرُ عنهم فيها من الأقوال، إبقاءً عليهم ورحمةً لهم، إِلَّا أنّ يُوصُوا، فمن أوصَى منهم نَفَذَت وصيَّتُه؛ لأنّها ظاهرةٌ في وقتٍ لا يُتَوَقَّعُ عليه فسادٌ في مالِه ولا حاجةٌ في حاله، وهذا إذا كان مُمَيِّزًا يعقِلُ ما يُوصِي به، ويتكلّمُ عن فهمه من غير أنّ يُقَوَّل. وعلى هذا جاء قضاءُ عمر، وعليه حمل المجنون في حال الإِفاقَةِ. الحكم الرّابع: محلُّ الوصيَّةِ الثُّلُثُ للصّحيح والمريض، لحديث سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ: "الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" (١) وقد رُوِيَ عن النّبيِّ ﷺ أَثَرٌ قال فيه: "إِنَّ اللهَ قَد أَعطَاكُم ثلُثَ أَموَالِكُم

стр. 3223

في آخِرِ أَعمَارِكُم زِيَادَةً في أَعمَالِكُم" (١) وهذا الحديثُ وإن لم يكن صحيحًا، فإنَّ معناه صحيحٌ، يُصَدِّقُه حديثُ سَعدٍ الّذي اقتضَى بظاهره تعليقَ حقَّ الوَرَثَة بمالِ المريض، وخلَّص له الثُّلُثَ لِحاجاته واستداركاته. وفي الحديث الصّحيح عن أبي هريرةَ، قال: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ : أيُّ الصَّدَقَةِ أَفضَلُ؟ قال: "أَنَّ تَتَصَدَّقَ وَأَنتَ صَحِيحٌ شحِيحٌ، تَأمُلُ الغِنَى وَتَخشَى الفَقرَ، وَلَا تُمهِل حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلقُومَ، قُلتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا" (٢). ومَن فَاتَهُ الاستدراكُ في محلّ الاستداركِ وهو الثُّلُث، فاختلفَ العلّماءُ هل يَلزَمُ الوارثَ أنّ يُعْطِيَ عنه ما فَرَّطَ فيه أم لا؟ فقال الشّافعيُّ: كلُّ ما فرَّط فيه من حقٍّ ماليٍّ فإنّه يخرُجُ من رأس المال، وهو قولٌ ضعيفٌ (٣) لم يَجُز له إجماعًا؛ لأنّ تركه الإخراج وما وَجَبَ عليه من ذلك تعويلٌ على أنّ يتمتَّعَ به في الدُّنيا، ويفوته ورثته في الأُخرَى. هذا مقصدٌ لا يجوِّزه له مسلمٌ يفهم حقيقة الشَّرع. الحكم الخامس (٤): في كيفية الوصيَّة: رُوِيَ (٥) أنّ أمِّ المؤمنين كانت تُوصِي بهذا، وإن كان السَّلَف يُوصُون به: فلانٌ يشهدُ أنّ لا إله إِلَّا الله وأنّ محمّدًا رسول الله، ويُوصِي مَنْ تركَ مِن أهلِهِ بتقوى الله وإصلاحِ ذَاتِ بينهم إنَّ كانوا مؤمنين، ويُوصِي بما أَوصَى به إبراهيم بَنِيهِ ويعقوب.

стр. 3224

قيل لمالك: إنَّ رجُلًا كتب في وصيَّتِه: أؤمن بالقَدَرِ خيره وشَرِّه، حُلوه ومُرِّه، قال: ما أرى هذا (١). فرع (٢): فمن كنت وصيَّتَه ووُجِدَت في تَرِكَتِهِ، وعُرِفَ أنّه خطُّه بشهادة رَجُلينِ عَدلين، قال مالك: لا تَثبُت حتّى يشهد عليها، وقد يكتبُ الرَّجُلَ فلا يَعزِم، رواه ابنُ القاسم في "العُتبِيَّة" (٣) و"المجموعة". وقال ابن الموّاز (٤): ولو قرأها ولم يأمرهُم بالشّهادة، فليس بشيءٍ حتّى يقول: إنّها وصيّة وإنّ ما فيها حقٌّ وإن لم يقرأها، وكذلك لو قرؤوها وقالوا: نَشهَدُ أنّها وصيَّتُكَ، فقال: نعم، أو قال برأسه نعم، ولم يتكلّم، جازَ. الحكم السّادس: في فرض الوصيَّة: قال الإمامُ: الوصيَّةُ على ضربين: فرضٌ وسنَّةٌ. والفرضُ على ضربين: منسوخٌ إلى تحريمٍ. ومتروكٌ على حالِهِ. فأمّا "المنسوخُ إلى التّحريم" فقولُ الله تعالى في الكتاب ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية (٥)، فنسخَ قول النّبيّ ﷺ : "لَا وصِيَّةَ لِوَارِثٍ". وأمّا الثّانية: فهي وصيّةٌ بدَين للأجنَبِيَينِ، ففرضٌ عليه أنّ يُوصِي بذلك. وهل يلزَم إذا كانت لوارث أنّ يُوصي؟ قلنا: نعم يلزَمُه؛ لأنّ الشّافعيَّ وأبا حنيفةَ يُجيزانِها للوَارِث، وكذلك البخاريّ، ويحتجُّون بقوله: "أَحَقُّ ما تَصَدَّقَ بِهِ الرَّجُلُ أَوَّلَ يومٍ مِنَ الآخِرَةِ وَآخِرَ يَومٍ مِنَ الدُّنيَا" (٦)

стр. 3225

ويحملون الدَّينَ في الوصيَّة على العموم، خلافًا لمالك. وأمّا "النَّدبُ" فقوله: "ما حَقّ امرىءً مُسْلِمٍ" فجاءَ الحديثُ بلفظِ التَّخيير والوعظ، ولأنّه لو أَبَى لم يُجبَر على الوصيَّة. واختلف الفقهاء في الوصيَّة والصَّدقة في المرض أيّهما أفضل؟ ويُستحَبُّ إنَّ لم يكن له مالٌ، أنّ يُوصِي بتقوى الله ولزوم الخير أهلَ بَيْتِه ومن يحضره، كما فعل النّبيُّ ﷺ . فوائدَ حديث عبد الله بن عمر: فيه (١): النَّدب إلى الوصيَّة في التَّطوُّع، وأمّا إنَّ كانت عليه دُيونٌ، ففرضٌ عليه الوصيَّة بها. وفي هذا الحديث: أنّ الوصيَّة نافذةٌ وإن كانت عند صاحبها إذا لم يجعلها عند غيره ثمّ ارتجعها، لقوله ﷺ : "ألَا لَا يَبيتَنَّ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكتُوبَة" (٢)، وقولُه: "إِنَّ أُمِّي افتُلِتَتْ نَفسُها" (٣) يعني ماتت بغتة. وقال في حديث عمر (٤): إنّه قيل له: إِنَّ هَاهُنا غُلَامًا يَفَاعًا، لَم يَحتَلِم من غَسَّان ... إلى آخر الحديث. فيه من الفقه: إجازةُ وصيّة من لم يبلغ الحُلُم. وأنّ الوصيّةَ للأقارب أفضل منها

стр. 3226

للأجنبي؛ لأنّ عمر أمَرَهُ أنّ يُوصِي لابنة عمِّه. والغلامُ اليَفَاعُ: الّذي قد قارب الحُلُم. وقيل: هو الّذي ارتفع شيئًا من ثمان سنين ونحوها، وإنّما اشتق اليَفَاعُ من الأرض، وهو ما ارتفع من الأرض. باب الوصيّة في الثُّلُث لا تتعدَّى قال في حديث سَعدِ بن أَبِي وَقاص، قالَ: جَاءَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي من وَجَعٍ اشتَدَّ بِي، فَقُلتُ: يا رَسُولَ اللهِ، قَد بَلَغَ بِي منَ الوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابنَةٌ لِي، أَفأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَي مَالِي؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا" فقُلتُ: فَالشَّطرُ؟ قالَ: "لَا" ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أنّ تَذَرَ ورَثَتَكَ أَغنِيَاءَ، خيرٌ من أنّ تَذَرَهُم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ، وَإنَّك لَن تُنْفِقَ نَفَقَةً تبتغِي بِها وَجهَ اللهِ، إِلَّا أُجِرتَ، حَتَّى ما تَجعَلُ في في إِمرَأَتِكَ" قالَ: قُلتُ يا رَسُولَ اللهِ، أَأُخَلَّفُ بعدَ أَصحَابِي؟ فَقال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنكَ لَن تُخَلَّفَ، فَتَعمَلَ عَمَلًا صالِحًا، إِلَّا ازدَدتَ بِهِ درَجَةً وَرفعَةً، وَلَعَلَّكَ أنّ تُخَلَّفَ حَتَّى ينتَفِعَ بِكَ أَقوامٌ وَيُضَرَّ بكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمضِ لأَصحَابِي هِجرَتَهُم، وَلَا تَرُدَّهُم عَلَى أَعقَابِهِم. لكِنِ البَائِسُ سَعدُ بنُ خَولَةَ"، يَرثِي لهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنّ ماتَ بِمَكَّةَ (١). الإسناد: قال الإمام: الحديثُ صحيحٌ متَّفَقٌ عليه.

стр. 3227

الفقه والفوائد المنثورة في هذا الحديث: الفائدةُ الأوُلى (١): فيه: أنّ المريضَ ليس له من مَالِهِ إِلَّا الثُّلُث في وصاياه. الثّانية (٢): فيه: عيادة النّبيِّ ﷺ لأصحابه إذا مرضوا. وزيارة المريض من البِرِّ ومن القُرَبِ، يدلُّ على ذلك حديث البَرَاء، قال: أَمَرَنَا رسول اللهِ ﷺ أَن نَتَبِعَ الجَنَائِز، ونَعُودَ المَرِيضَ، وَنُفْشِي السّلَامَ (٣). الثّالثة (٤): قوله: "قَد بَلَغني منَ الوَجعِ ما تَرَى" فيه دليلٌ على جواز إخبارِ العلّيل (٥) وما يَجِدُه المرء، إذا لم يُرِد بذلك الشَّكوَى والسَّخط، ويجوز (٦) إذا تَسَبَّبَ إلى المعافاة أو المعاناة (٧)، أو يُخبر به من يرجُو برَكَتَه بدُعائِه. الرّابعة (٨): فيه: أنّ مفهوم الخطّاب يقومُ مقامَ الخطّاب، لقوله: "ما تَرَى" ما نزل بي، يعني: ما أصفُ لك. الخامسة (٩): فيه قوله: "لَا يَرِثُنيِ إِلَّا ابنَةٌ لِي" أراد من الوَلَد؛ لأنّه كان له عصبة، فسكت عن

стр. 3228

ذلك لعلّم السَّامع، وكان هذا في آخر حياة رسول الله ﷺ ، ففيه الرَّدِّ على مَنْ يقول بالرَّدِّ على الابنة، ألَّا ترى قول سَعد: "وَلَا يَرِثُنِي إِلَا ابنَةٌ لِي" أراد أنّها لا تُحيط بالكلِّ. السّادسة (١): قوله: "عالَةً" يريد فقرًا، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائلًا فأغنَى﴾ (٢) وقد اختلف النَّاس في ذلك: فقيل: غِنَى القلب. وقيل: غِنَى الحسنات. وقيل: غِنَى المال، أي أغناك بمال خديجة، على ما نُبيِّنُه في "التّفسير" في سورة والضُّحَى (٣)، إنَّ شاء الله. السّابعة (٤): قوله في الحديث: "أأُخَلَّفُ بَعدَ أَصحابِي" يحتمل أنّ يريد: أخلف في مكَّةَ بعد خروجهم إلى المدينة، وهذا يدلُّ على فضل المدينة. وفيه: دليلٌ على أنّ الهجرة لم تنقطع عمّن هاجر قبل الفتح، وإنّما جاء: "لَا هِجرَةَ بَعدَ الفَتحِ" (٥) على معنى: أنّ من لم يكن هاجر قبل ذلك أنّ يهاجر إلى المدينة فيقيم بها، والذي جاء في حديث صفوان؛ أنّ من مات ولم يهاجر هلك (٦)، يقول: من لم يأتِ المدينة فيُقيم مع النّبيِّ ﷺ ، ولقوله تعالى: ﴿وَمَن يهاجِر في سَبيلِ اَللهِ يجِد في اَلأرضِ ... (٧)

стр. 3229

والمهاجرة والمصارمة واحد. الثّامنة (١): قوله: "لكِنِ البائسُ سَعدُ بنُ خَولَةَ، يَرثِي لَهُ رَسُولُ اللهِ أنّ مّاتَ بِمَكَّةَ" والبائس هو الفقير، وهو مشتقٌّ من البُؤس (٢)، وأراد به هاهنا النَّقصَ من الخير والفضل، والله أعلم. وقوله: "يَرثِي" يقول: يتوجّع، ومنه المراثي في الشِّعر، فتوجَّعَ له رسولُ الله ﷺ إذ ماتَ بمكَّة. التّاسعة (٣): اتفقتِ الأُمَّةُ على أنّ الوصيّةَ بالثُّلُث هو المعمول بها اليوم. فإن قيل: قد رُوِيَ عن عمر أنّه أوصى بالرُّبع، وأَوصَى أبو بكر ﵁ بالخُمس، وقال: رَضيتُ في وصيَّتِي ما رَضِي الله به لنفسه من الغنيمة (٤). قلنا: إذا ثَبت ذلك، فليس بمعمولٍ به؛ لأنّه قدِ اتَّفقَ العلّماءُ على أنّ من له وارثٌ فليس له أنّ يُوصي بأكثر من ثُلُثِه، لقوله: "والثُّلُثُ كَثِيرٌ" ولقوله: "إِنَّكَ أنّ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغنِياءَ ... " الحديث (٥)، فثبت أنّ للوَرَثَة حقٌّ في مال المريض يمنع ما زاد على الثُّلُثِ. فرع (٦): فإن لم يكن له وارثٌ، فهل له أنّ يوصي بماله كله؟ فَمَذهَبُ مالكٍ أنّه لا يجوز (٧)، وبه قال الشّافعيّ (٨)، وهو قول زَيد بن ثابِت.

стр. 3230

وجوَّزَ ذلك أبو حنيفة (١)، ورُوِي ذلك عن ابنِ مسعود (٢) وعليٍّ. فرع آخر (٣): إذا ثبت ذلك، فمن مات ولا وارثَ له، فقد روَى محمّد عن ابنِ القاسم (٤): يتصدَّق بماله، إِلَّا أنّ يكون الوالي يُجرِيهِ في وجهه، كعمر بن عبد العزيز فليدفع إليه. وكذلك من أعتق نصرانيًا، فمات النَّصرانيُّ ولا وارث له، فليتصدّق بماله ولا يجعله في بيت المال (٥). ولو أوصى نصرانيٌّ بماله للكنيسة، ففي "العُتبِيَّة" (٦) عن ابن القاسم؛ أنّه يدفع إلى أساقفتهم ثُلُثَه وثُلُثَاهُ للمسلمين. ووجه ذلك: أنّه لم يكن له وارثٌ فماله للمسلمين، فالحكم في ترِكَتِه بين المسلمين وبين النّاظر في الكنيسة، فيجري على حكم الإسلام، فلا تجوز له وصيَّة في أكثر من ثُلُثِه. العاشرة: وإذا أوصَى الرَّجُلُ بأَمَتِه أنّ تعتق على ألَّا تتزوَّج، ثمّ ماتَ، فقالت: لا أتزوَّج، فإنّها تعتق من ثُلُثِه، فإن تزوّجت بعد ذلك لم يبطل ذلك وصيّتها، من قِبَل أنّ عتقها قد وجب، وهو قول أبي ثور والأوزاعيّ واللَّيث بن سعد وأهل الرَّأي، وبه أقول. واختلفَ العلّماءُ في الرَّجُل يُوصِي لأمِّ الولد بألف درهم على ألَّا تتزوَّج، أو قال:

стр. 3231

إنَّ لم تتزوّج، أو على أنّ تثبت مع ولدي، فقبلت وفعلت بما اشترط عليها بعد موته، فإنّ الوصيّة لها من ثُلُثه. فإن تزوّجت بعد ذلك لم تبطل وصيَّتُها في قول أصحاب الرَّأي. وقال أبو ثور: يرجع عليها بالوصيّة. فرع: وإذا أَوصَى الرَّجُل بعتقِ عبده على ألَّا يفارق ولده، وعليه دَين يحيط بماله، بطلت وصيّته وبِيعَ في الدِّين، فإن أَعتَقَه الوَرَثَة لم يُجزِىء عنهم. فرع: الرَّجُل يُوصِي بوصيَّةِ بعد وصيَّة، فقالت طائفة: ينفذان جميعًا إنَّ لم يكن رجعَ عن الأوّل، وهو قولُ مالك (١) والشّافعيّ ورَبِيعَة وإسحاق وأحمد. الحادية عشر: أنّ للرجل أنّ يرجع في جميع ما يُوصِي به إِلَّا العِتق فإنّهم اختلفوا فيه: فرُوِيَ عن عمر بن الخطّاب أنّه قال: يُغيِّر الرَّجُل ما شاءَ من الوصيَّةِ (٢)، وبه قال عطاء والزّهريّ وقَتَادة ومالك والشّافعيّ (٣). وقال أحمد وإسحاق، إِلَّا التَّدبير في قول مالك. وقالت طائفة: يُغَيِّرُ الرَّجُل ما شاءَ من الوصيَّةِ إِلَّا العتاقة، وعلى هذا جمهور أهل العِلم. وقالت طائفة: لا تجوز وصيةُ الصبي حتّى يبلغ، ولا تجوز وصية الأحَمَقِ والمُوَسوس، وهو مذهب مالك. وأوقت إياس بن معاوية وصيَّة الصَّبيِّ والمجنون. وأمّا وصيّة الأسير فلا تجوز إِلَّا في الثُّلُثِ، وبه قال أحمد وإسحاق وسفيان الثّوريّ، والفروعُ كثيرةٌ جدًا، لُبابها ما سردناه عليكم.

стр. 3232

باب ما جاء في المؤنَّثِ من الرجال قال الإمام: ذكر مالكٌ (١) حديث المُخَنَّثِ الدّاخل على أُمِّ سَلَمةَ إلى آخر قوله في الحديث، وهو صحيحٌ مُتَّفَقٌ عليه (٢). قال الإمام (٣): هذا المُؤَنَّث اسمه هِيْت (٤)، وكان مولى لعبد الله بن أبي أمَيَّة أخي أم سَلَمَة، وكان يدخل على أزواج النّبيِّ ﷺ ، وأُرَى ذلك لقوله تعالى: ﴿غَيرِ أُولي الإربة﴾ الآية (٥). العربيّة: قوله (٦): "أَنَّ مُخنَّثًا" "وهو المؤنَّثُ من الرِّجالِ وإن لم تُعرَف فيه الفاحشة؛ لأنّ الخنث هي شدّة التَّأنثِ في الخِلقَةِ والفعل" (٧). وهو مأخوذٌ من تكسُّرِ الشَّيء، ومنه حديثُه الآخر: أنَّه ﷺ نَهَى عنِ اختِناثِ الأَسقِيَةِ (٨)، وهو أنّ تكسر أفواه الأسقِيَةِ ويشرب منها. وكانت هيئة هذا المخنَّث: "مُؤنَّثُ النّغمَة، يُشبِهُ المرأةَ في الخُلُقِ واللّين والتَّكسُّر واللّفظ واللحظ والفعل والعقل" (٩).

стр. 3233

الفوائد المتعلّقة به والشرح: وهي جمّة: الأولى (١): قولُه: ﴿غير أولي الإربة﴾ الآية (٢)، قال عِكرِمَة وأهل التَّفسير: هو المُخَنَّثُ الّذي لا يقوم له، يريد العِنِّين. وقيل: هو الشَّيخ الهَرِم، والخُنْثَى، والمَعتُوه، والطِّفل، والعِنِّين. وقال ابنُ عبّاس: هو الأحمق الّذي لا حاجةَ له بِالنّساء (٣). وقال مجاهد: هو الّذي يَتْبعك ليصيب من طعامك، ولا يريد النِّساء، ولا يهمه إِلَّا بطنه (٤). وقال ابنُ الكلبي: إنّه (٥) قال لعبد الله بن أبي أُمَيَّة وهو عند النّبيّ ﷺ في بيت أمِّ سَلَمَة: إنِ افتَتَحتُمُ الطَّائفَ فَعَلَيكَ بَبَادِنَة بنت غيلان، فَإِنَّها تُقبِلُ بِأَربَعٍ وَتُدبِرُ بثَمَانٍ، مَعَ ثَغرٍ كالأَقحُوان، إنَّ قَعَدَت تَبَنَّت، وإن تَكَلَّمَت تَغَنَّت، بَينَ رِجلَيهَا كَالإِنَاءِ المكفوء، ورسولُ اللهِ يسمع، فقال: "لَقَد غلغلت النَّظَرَ إِلَيهَا يا عَدُوَّ اللهِ" ثمّ أجلاه إلى الحمى، قال: فلما فُتِحَتِ الطّائف تزوّجها عبد الرّحمن بن عَوف فولدت له بريهة، ولمّا قُبضَ رسولُ الله ﷺ وولي أبو بكر كلَّمَهُ فيه، فأبَى أنّ يَرُدَّهُ، فلمّا ولي عمر، قيل له: إنّه قد ضعف وكبر واحتاجَ، فأذن له أنّ يدخل كلَّ جمعةٍ فيسأل النَّاس ثمّ يرجع إلى مكانه (٦).

стр. 3234

الثّانية (١): قال ابنُ وهب: يقول: "إذا أَقبَلَت ألَّا تَرَى إِلَّا صَدرَهَا وَمُلُوسَةَ بَطنِهَا، لا يشفُّ مِنهَا شَيءٌ عَلَى شيءٍ، وَإِذَا أَدبَرَت تبين أَعكَانُها من كِلَا الجانِبَين (٢) " فلمّا سمعه النّبيُّ يصفُ النِّساء، قال: "لَا أَرَاهُم إِلَّا يعرِفُونَ النِّسَاءَ، لَا يَدخُلُونَ عَلَيكُنَّ". وقال أهل التّفسير: إنّما قال "بِثَمانٍ" ولم يقل: "بثمانية"، وهي الأطراف، واحِدُها طرفٌ وهو مُذَكَّر؛ لأنّه لم يقل: "ثمانية أطراف"، فلمّا جاء بلفظ الأطراف لم يجد بُدًّا من التّذكير، وهذا كقولهم: هذا الثّوبُ سبعٌ في "ثَمان (٣)، فلم يذكّر. وقوله (٤): "تُقبلُ بِأربَعٍ" يريد أَعكَانَها؛ لأنّ العُكَنَ هي أربعُ طرائق في بَطنِها، رواه حبيب عن مالك (٥). وقوله: "وإن تَكَلَّمَت تَغَنَّت" يعني من الغُنَّةِ وليس من الغِنَاءِ؛ لأنّ العرب تقول من الغُنَّةِ: تغَنَّى الرَّجُل في كلامه وتغنَّن، وكما يقال من الظَّنَّ: تَظَنَّى وتَظَنَّنَ. الثّالثة (٦): قال علماؤنا: كان دخولُ هذا المُخَنَّث على النِّساء في غَزوَة الطّائف بعد نزول الحِجَاب بسنتين، وإنّما كان مأذونًا له في ذلك لكونه من أُولى الإِربَة، وللحَجبَةِ أحكامٌ كثيرةٌ، ولم يفرد لها علماؤنا كتابًا ولا بابًا مستوفىّ.

стр. 3235

الرّابعة (١): وأمّا "أولوا الإِربَة" فعلى ضربين: ذَوُوْ محارم، وأجنبيون. فأمّا ذَوُو المحارم، فيجوز لهم الدّخول على ذات محارمهم، والنّظر إلى ما جرت به العادة بكشفه، كالوجه والشَّعْر والعضدين. وقد قال مالك في "الموّازية": لا بأس أنّ يرى شعر أمّ امرأته وامرأة أبيه، ولا بأس أنّ يقبّل خدَّ ابنته إذا قَدِمَ من سفره (٢). وأمّا أنّ يراها مجرّدة فلا يجوز ذلك. وفي "العُتبيَّة" عن ابن القاسم عنه (٣): يستأذن على أُمّه وأخته، ولا يجوز أنّ يَرَى أمَّه عريانة. وقيل في قوله تعالى: ﴿وَلا يبُدين زِينَتَهُنَّ إِلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ (٤) قيل: هو الوجه والكفّان لأنّها لا تستر في الصّلاة (٥). وأمّا أم الزّوجة، فجوَّز مالك النَّظَر إلى شعرها، ومنَعَهُ ابن جُبَيْر. ودليلُنا: أنّها محرّمةٌ على التّأبيد، كالأُمِّ والأخت. وأمّا من ليس بذي مَحرمٍ، فلا يخلو أنّ يكون الوطء مباحًا أو لا. فإن كان مباحًا له، فهو الزّوج والسيِّد، فإنّه يجوز له أنّ ينظر إلى العورة وغيرها، وهي أيضًا كذلك (٦). ومن لا يُباحُ له الوطء على ضربين: صغير، وكبير. أمّا الصّغير، فلا كلام فيه (٧).

стр. 3236

وأمّا الكبير، فعلى ضربين: خَصِيٌّ وفَحْلٌ. فأمّا الخَصِيُّ: فلا يخلو أنّ يكون عبدًا أو حرًّا، فإن كان عبدًا لها، فلا بأس أنّ يدخل عليها، وهو المشهور، وأن ينظر إلى شعرها وأن يرى وجهَهَا. فأمّا الحرّ من الخصيان، فكره مالك أنّ يدخل عليها عبدًا كان أو غيره. وأمّا الفحل، فعلى ضربين: عبدٌ أو حرٌّ. فالعبد لها لا بأس أنّ يراها على الوجهِ الّذي تقدَّم. الخامسة (١): قوله (٢): "فَوَجَدَ ابنَهُ عَاصِمًا" يقتضي أنّه كان هنالك عند أمّه، أو جَدَّتِهِ، ولعلّه كان عند جدَّته زائرًا، ولعلّ أمّه كانت تزوّجت فانتقلتِ الحضانة إلى الجدَّة. وهنا الكلام على الحضانة، وأصلُ هذا: أنّ الفقهاء متَّفِقون على أنّ الأمَّ أحقُّ بالحضانة ما لم تتزوّج. وقد خَرَّجَ أبُو داود في هذا الباب أحاديث: وذلك أنّ امرأة جاءت إلى النّبيِّ ﵇، فقالت له: يا رسول الله: هذا ابني، كان بطني له وعاءً، وثديي له سقاءً، وحجري له حِواءً، وإنّ أباه طلَّقني، ويريد أنّ يأخذَه مني، فقال لها النّبيّ ﷺ : "أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَم تَنكِحِي" (٣). واتَّفقَ العلّماءُ على ذلك؛ لأنّ الآدميَّ محتاج في صِغَرِه إلى الكفالة، محتاج في كِبَرِهِ إلى النُّصرة والولاية، والأمُّ على الكفالةِ أَقْدَر، فهي أَولَى به، وهو يأوي إليها إذا وجدها، والوالدةُ مهما عَكَفَت على الوَلَدِ كانت به أحقّ، فإذا دخل بها زوجُها الثّاني سقط حقّها بالنَّصِّ وبالمعنى، وهو أنّ الضَّرر يلحق الولد باشتغالها بزوجها في حالة الكفالة، وتعريض ولد الغير معه للذِّلَّةِ، فأزيل عنها لهذا.

стр. 3237

نكتةٌ أصوليّة (١): واعلموا أنّ الموجود هاهنا عمودان: ١ - أحدهما: عمود الأمّ، وقد قَضى النّبيُّ (*) بالوَلَدِ للخالة حسب ما تقدّم. ٢ - فإن لم يكن عمود الأمّ، فالأب وأهله. واختلفوا هل يقدّم؛ الأب على أهله لأنّهم يستحقّون، أو يقدَّم الأهل عليه لأنّهم أرفق به؟ والصّحيح: أنّ الأبَ يقدَّم لأنّه أنظر له، يرى حاله معه، فإن استقلّ بالكفاية، وإلّا نقله إلى من يرى من أهله. واختلف العلّماءُ هل الحضانة حقٌّ لله أم للحاضنة أم للولد؟ فقال (٢) مالك: هو من حقوقها -يعني الأمّ- إنَّ شاءت أخذته، وإن شاءت تركته (٣). قال عبدُ الوهّاب (٤): فهذا قلنا: إنّه من حقوقها، فلقوله: "أَنْتِ أَحَقّ بِهِ مَا لَم تَنكِحِي" (٥). ومن جهة المعنى: أنَّه يلحقها بالتّفرقة الضَّرَر، مع ما جُبِل عليه النِّساء من الإشفاق من ذلك والتَّوجُّع. وإذا قلنا: إنّه حقّ له، فلأنَّ الغَرَضَ حفظه، ولذلك يُؤخَذ منها إذا تزوّجت وإن لحقّها الضَّرَرُ بأخذه.

стр. 3238

قال الإمام: والذي عندي: أنّ فيه حقًّا لكلِّ واحدٍ منهما. تفريع (١): قال علماؤنا (٢): ونهاية الحضانة في قول مالك البلوغ في الذُّكور، ورأيت لابن وهب عن مالك: الإِثغَار. وقال ابنُ الجلّاب (٣): "حدّها الاحتلام، وقيل: الإِثغَار". وأمّا في الإناث، فلا نعلم أنّه اختلفَ قولُه بأنّ لها الحضانة إلى أنّ يدخل بها زوجها، إِلَّا أنّ يكون موضع أبيها أَحْرَزَ لها. وقال أبو حنيفة (٤): إنَّ كانت أُنثَى فحتَّى تبلغ، وإن كان ذكرًا فحتّى يستَغْنِي عمّن يحضنه ويقوم بنفسه. وقال الشّافعيّ (٥): إذا بلغ سبع سنين أو ثمانية خُيِّرَ بين أَبَوَيه. وقد احتج علماؤنا بقوله: "هُوَ حَقٌّ لَكِ مَا لَم تَنكِحِي" وهذا الحديث ليس إسناده ممّا يحتجُّ به، ولا في هذا الباب شيءٌ يُعتَمَدُ عليه. ووجه ذلك: أنّ ابنَ سبع سنين لا يقدر على الانفراد بنفسه، والأمُّ أشفَق عليه وأصبر على خدمته، فكانت أحقّ به حتّى يبلغ، وهو الحدّ الّذي يقوى فيه ويستقلّ بنفسه. فرع (٦): ولا يُمنعُ الولدُ من الاختلافِ لأبيه يعلِّمُه ويأوي إلى أُمِّه، رواه ابنُ حبيب عن ابن المَاجِشُون.

стр. 3239

فرع (١): وإن شكا الأب ضياع نفقته وأراد أنّ يُطعمه، فله ذلك، ولكن يأوي إلى أمّه أو خالته (٢). فرع (٣): فإذا ثبت أنّ حضانتها تبطل بدخول الزّوج بها، فإنّها تنتقل إلى أقرب النِّساء بالصَّبيِّ، وينتقل ذلك بتزَوُّج الأمّ. ولا يخلو أنّ يكون الولد ذكرًا أو أُنثَى، فإن كان ذكرًا فإنّه ينتقل إلى من له حقٌّ في الحضانةِ من أنثى أو ذكرٍ، قال محمّد: مثل الوصيِّ ومولى النّعمة، ومَولَى النّعمة أحقّ من الأم إذا تزوّجت. وقال مالك: الأولياء أحقّ بالحضانة إذا تزوّجت؛ لأنّ الأولياء هم العَصَبَةُ. وإن كانت أُنثَى، فقال مالك في "الموّازية": العمّ والجدّ (٤)، وأمّا الوصّيُّ، فإن كان ذا محرم، فهو أحقّ من الجدّ، وإن لم يكن ذا محرم، فقد قال مالك * في "الموّازية":

стр. 3240

كونها مع زوج أُمّها أَوْلَى؛ لأنّه ذو محرم. وقال أَصبَغ *: إذا تزوّجت فالوصيُّ أحقّ به غلامًا كان أو أنثَى. فرع (١): فإن لم تكن جدَّة، أزيلتِ الحضانةُ عنها بالنِّكاح، والظّاهرُ من المذهب أنّها تنتقل عنها إلى الخالة. وقال محمّد عن مالك (٢): إنَّ الأب أحقّ من الخالةِ. قال أَصبَغُ: وليس هذا بشيءٍ. وقولُ مالك المعروفُ أنّ الخالةَ أحقّ. ووجه الأوّل: ما رُوِيَ عنه ﷺ أنّه قَضى بالحضانةِ في ابنة حمزة بن عبد المُطَّلِب لخالتها، وهي زوج جعفر بن أبي طالب، وقال: "الخالَةُ أُمٌّ" (٣). وخالة الأمِّ كالخالة، قاله مالك في "الموّازية" وقال في "المُدَوَّنَة" (٤): الخالةُ أحقّ من الجدّةِ. فرع (٥): وإذا عدم النَّساء، فالأب والأخ، ثمّ الجدّ، ثمّ ابن الأخ، ثمّ العمّ. وقال محمّد: والوصيُّ ومَوْلَى النِّعمة أَولَى من الأمّ إذا تزوّجت. وقال في "المدوّنة" (٦): مَوْلَى النَّعمة من الأولياء، وموالي العتاقَة وابن العمّ من الأولياء، وكذلك العَصَبَة، وإنّما يستحق ذلك الأقرب فالأقرب.

стр. 3241

فرعٌ (١): وهذا إذا كانتِ الحاضنةُ مع الأب في بلدٍ واحدٍ، أو فيما حُكمُه حكم البلد الوَاحدِ. وأمّا مع الاختلاف في المواضع، فالأبُ ومن له حقّ من العَصَبَة أَولَى، وفي هذا مسألتان: المسألة الأولى: فيمن استحقّ ذلك بافتراق الدارَين. والثّانية: في المسافة الّتي بها يحصل حكم الفراق. * المسألة الأولى (٢): فإذا أراد الأبُ أنّ يرتحل إلى بلد غير بلد سُكنَى الأمّ يريد السُّكنَى، فله أنّ يرتحل بولده معه، تزوجت الأمّ أم لم تتزوّج، وإن كان إنّما* هو مسافرٌ يجيء ويذهب، فليس له أنّ يخرجهم عن الأمّ، قاله مالك: في "المُدَوّنة" (٣). وقال في "الموّازية": وإن كان يَرضَعُ ذكرًا كان أو أنثى. وكذلك لو كانوا كبارًا ما دام يقيم. قال: وكذلك لو تزوّج ببلدٍ فولد له، ففارق الزّوجة ثمّ أراد أنّ ينتقل به إلى حيث شاء، ما لم يكن موضعًا قريبًا لا ينقطع بغيبته خبرهم. ووجه ذلك: أنّ كونهم مع أبيهم أحوط وأثبت للنسب. فرع: قال (٤): "والوصيُّ في ذلك بمنزلةِ الأبِ، إذا (٥) ارتحلَ فهو أحقّ بالصّبيان، وليس لأحدٍ منعهم من إخوة أو أعمام. ووجه ذلك: أنّه النّاظر لهم دُونَهم ودون الحاضنة، ومالهم عنده، فكان كالأب".

стр. 3242

فرع (١): والأولياءُ بمنزلةِ الأب في انتقالهم معه عن مكان الأمِّ تزوجت أم لا، قاله مالك. ووجهه: أنّهم عَصَبَةٌ. فرع (٢): وإن أرادتِ الأمُّ الانتقالَ عن موضِع الأبِ والعَصبَةِ، لم يكن لها ذلك؛ لأنّ مُفَارَقَةَ الطِّفلِ عَصَبَتَه في الدّار كانتقال العَصَبَة. المسألة الثّانية (٣): في تقدير المسافة الّتي لا تأثير لها: فقال في "المدوّنة" (٤): ليس لها أنّ ترتحل بهم إِلَّا البريد (٥) ونحوه حيث يبلغ (٦). وقال ابنُ القاسم في "الموّازية": ليس لها أنّ ترتحل بهم إِلَّا مثل المرحلة والمرحلتين، وقاله مالك أيضًا. وقيل (٧): ليس للأب أنّ يرتحل أكثر من ستّة بُرُدٍ (٨). وقال أشهب: ليس لها أنّ تنتقل به أكثر من ثلاثة بُرُدٍ. فرع: وهذا إذا كان الأب حرًّا، فإن كان عبدًا لم يكن له أنّ يَظْعَن (٩) به، سواء كانت أُمّه حرّة أو أمَة، قاله مالك في "المدوّنة" (١٠).

стр. 3243

فرع: وإن كان الأب حرًّا والأُمّ أَمَةَ فعتق الابن، فالحضانة للأمّ، إِلَّا أنّ تباع أو تنكح أو يظعن الأب، قاله مالك (١). وأم الولد (٢) فهل لها حضانة إذا أُعتقت؟ قال ابن وهب (٣): لا حضانة لها. وروى ابن القاسم في "الموّازية" و"العُتبيّة" (٤): أنّها أحقّ بالحضانة كالحرّة. وقول ابن وَهب عندي مبنيٌّ على أنّ الرِّقَّ يمنعُ ولاية الحضانة، ولذلك ليس للعبد حضانة ابنه في الظَّعْنِ. فرع: فإن أعتقت على إن تركت (٥) حضانة ولدها؟ فقد روى عيسى عن ابن القاسم أنّه يردّ إليها، بخلاف الحرّة تُصالحُ الزّوجَ على تسليم الولد إليه لا يلزمه. وروى عنه أبو زَيد؛ أنّ الشّرط لازم كالحُرَّة.

стр. 3244

باب جامع القضاء وكراهيَّته (١) قد تقدّم الكلامُ في كتابُ القضاء (٢) بما يُغنِي عن إعادتِه هاهنا، غير أنّ ولاية القضاء خلافة الله في أرضه، ونيابة عن رسوله في شرعته، ومنزلة ذات خطرٍ مع ما فيها من الخَطَر، ولذلك خَوَّفَ النّبيُّ ﷺ منها كثيرًا، فقال: "مَنْ جُعِلَ بَينَ النَّاسِ قَاضِيًا، فَكَأنَّما ذُبِحَ بِغَيرِ سِكِّينٍ" (٣). القضاء في حال العبيد (٤) اعلم أنّ العبدَ له شرف الآدميَّةِ، خلَقَهُ الله حيًّا درَّاكًا، عاقلًا مُمَيِّزًا، فإذا آمنَ كَمُلَت درجتُه، بل في الحديث أنّها زادت على درجة الحُرِّ، لقوله: "ثَلَاثَةٌ يُؤتَونَ أَجرَهُم مَرَّتَينِ" فذَكَرَهُ وقال: "عَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللهِ وَمَوالِيهِ" (٥) وهذا حقٌ مردُّهُ ربُّنا، لقوله ﷺ : "إِخْوَانُكُم خَوَلُكم، مَلَّكَكُم اللهُ رِقابَهُم، أَطعِمُوهُم مِمَّا تَأكُلُونَ، وَاكسُوهُم مِمَّا تَلبَسُونَ" الحديث" (٦). فأخبر النّبيُّ ﵇ أنّ الأُخُوَّة والمِثلِيَّة ثابتةٌ بين العبد وسيِّده، إِلَّا أنّ درجته نقصت بمِلكِ الرَّقَبَة. وحقيقة ذلك ومعناه: أنّ للعبدِ ذِمَّةً، وذِمَّتُهُ لا سلطانَ للسَّيِّد عليها، والدَّمُ معلومٌ، والذِّمَّةُ مجهولةٌ عند الناسِ. وقد بيَّنَّا ذلك في "مسائل الخلاف" وأنّها عبارة عن كونِ العبدِ أهلًا للإِيجابِ والاسحباب، وفي العبد التّصرُّف والانتفاع؛ وهو حقٌ للسَّيِّدِ، ثبت فيه

стр. 3245

ثبوتًا رسخ فيه في الرَّقَبة، وتميَّزَ به عن عقدِ الإجارة الثّابت في المنفعة. فإذا فهم هذا، فكلُّ ما كان من الحقوق يتعلَّق بالماليّة والمنفعة فهو للسَّيِّد، وكلُّ ما كان من الحقوق يتعلَّقُ بالدَّم والذِّمَّة فهو للعبد، إِلَّا أنّه ممنوعٌ شرعًا أنّ يُلقِيَ في دَمِهِ أو ذِمَّتهِ معنًى يضرُّ بالسَّيِّدِ في ماليتِه، فإن فعل، فعلى شَكٍّ من القول الّذي يمكن ردّه، وما كان من الفعل الّذي لا يمكن ردُّه نَفذَ واستوفَى حكمه، وإن تعدَّى إلى حقِّ السَّيِّد لكون الآدمِيَّة والدَّمَوِيَّة والذِّمِّيَّة أصولًا (١)، وعلى هذا النّوع تتركّب مسائل الفروع. باب القضاء في البيع الفاسد (٢) وهي مسألةٌ عظيمةٌ انفردَ بها الشّافعيُّ (٣) دون مالك وأبي حنيفة (٤)، وقَوِيَ عليهما فيها، فقال: إذا باع الرَّجلُ بيعًا فاسدًا واتّصل به القَبض، فإنّه يردّ في كلّ وقتٍ وعلى كلّ حالٍ، لا يؤثّر فيه عيبٌ، ولا تمنع منه حَوَالَة الأسواق، ولا يتوقّف فيه بنَمَاءِ سِلعَةٍ.

стр. 3246

وإن دخل عليه عِتقٌ أو بَيع صحيحٌ نقض ذلك كلّه، ورجع كلّ ما دفع البائع والمبتاع إلى صاحبه؛ لأنّ كلّ ما ينبني على غير قاعدةٍ فهو واهٍ (١). وهذا كلامٌ لا غبارَ عليه ولا مُعارِضَ له. وقد تكلّمنا عليه معهم في "كتب المسائل والخلاف" فلينظر هنالك.

стр. 3247

كتابُ العِتْقِ التّرجمة والعربيّة: قال ثَعْلَب: يقال أعتق الغلام فهو مُعتَقٌ، وخُصَّتِ الرَّقَبَةُ بذلك لأنّها تملك الجسد كلّه. ومعنى أعتقه: أي جعله عتيقًا، والعَتِيقُ الكريمُ، والعتيقُ من كلِّ شيءٍ: الكريمُ (١). قال الإمام: فيه حديثُ ابنِ عُمَرَ (٢)؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مَنْ أَعتَقَ شِركًا لَهُ في عَبدٍ، فَكانَ لَهُ مَالٌ يَبلُغُ ثَمَنَ العَبدِ، قُوِّمَ عَلَيهِ قِيمَةَ العَدلِ، فأعطَى شرَكاءَهُ حِصَّتَهُم، وَعَتَقَ عَلَيهِ العبدُ. وَإِلَّا فَقَد عَتَقَ مِنهُ مَا عَتَقَ". وقد (٣) رُوِيَ من غير طريق ابن عمر: "فَإِن لَم يَكُن لَهُ مَالٌ يَبلُغُ استُسعِيَ العَبد غَير مَشْقُوق" (٤)، فتعلَّق بذلك أهل العراق، وقالوا: إنَّ جَميع العبدِ حرٌّ ويُستَسعَى في قيمةِ نصيبِ الّذي لم يُعتَق، ويقولون: إنَّ قوله في الحديث: "فَقَد عَتَقَ مِنه ما عَتَقَ" هو من كلام نافعٍ، وليس من الحديث ولا من لفظ النّبيِّ (٥).

стр. 3248

وقيل في لفظٍ: "وَإِلَّا استُسعِيَ" من كلام قتادة؛ فإن صحَّ ذلك فعلى النَّدْب، كما قال : ﴿فكاتبوهم إنَّ علمتم فيهم خيرًا﴾ (١). وحديثُ ابن سِيرِينَ (٢)؛ أنّ رجلًا في زمان رسول الله ﷺ أعتقَ عَبيدًا له سِتَّةً عند مَوتِهِ، فأسهمَ رسولُ الله ﷺ بينهُم، فأعتق ثُلُثَ تلك العبيدِ. قال مالك: وبلغني أنّه لم يكن لذلك الرَّجل مال غيرهم. قال الإمام: هذا الحديث مُرسَلٌ عند مالك (٣)، وقد أسنده غير مالكٍ (٤) فذكره عن ابن سِيرِين عن عِمرَان بن حصين، أنّ النّبيَّ ﷺ أقرعَ بينهم. مقدمة (٥): اعلموا أنّ العِتْقَ من أفضل الأعمال وأعظم القُرُبات ثوابًا، جعَلهُ الله مخلصًا للأرِقَّاءِ الذين ابتلاهم به عقوبة، فَمَنَّ عليهم بالعِتقِ بعد ذلك نِعمَة خَلَّصَهُم بها، وآجَرَ المُتَوَلِّينَ له عليه. ولله تعالى عُتَقَاء، فأقربُ العبيد إليه من أعتق عبدًا بين يديه. قال النّبيُّ ﵇: "مَا مِن امرِيءٍ مُسلِمٍ يعتقُ عَبدًا مُسلِمًا إِلَّا أَعتَقَ اللهُ بكُلِّ عُضوٍ مِنهُ عُضوًا مِنَ النّارِ حَتَّى الفرجَ بِالفرجِ" (٦) والآثارُ في فضيلة العِتقِ كثيرةٌ، بيانُها في "الكتاب

стр. 3249

"الكبير" إنَّ شاء الله. الأصول (١): وللعِتق اسمان: أحدهما: العتق. والثّاني: الحريّة. ولا خلافَ فيهما لكونهما صريحين غالبين في هذا الباب وَضْعًا وعُرْفًا، ويلحق بهما قول الرَّجُل في عبده: هو لله. والأصل في ذلك -أعني الحريّة- معانٍ: منها حديث أبي هريرة في الصّحيح حين هاجر إلى النّبيّ ﷺ مع عبده فبلغَ إليه دونه (٢)، فبينما هو مع النّبيِّ ﷺ إذ طلع عليهم العبدُ، فقال النّبيّ ﷺ : "يا أبا هريرةَ، ها هو، فقال أبو هريرة: هُوَ حُرٌّ" (٣)، وفي رواية: "هو لله" (٤). والصّحيح: أنّ قولَ القائلِ: "هو لله" ليس بصريح؛ لأنّه يحتمل وجوهًا سوى العِتْق، إِلَّا أنّ يكون في سياق الكلام ما يدلُّ عليه، ألَّا ترى أنّه لو قال الرَّجل في عبده: "هو حرٌّ" وأشار إلى حُسن خُلُقِه لَقُبِلَ منه، حيث يدلُّ البساط عليه. وفي العِتق كنايات كما فيه صرائح، وأشبهُ شيءٍ به في ذلك الطّلاق، ومن كناياته قول القائل لعبده: "هذا ابني" واختلف العلماء في ذلك. فقال الشّافعيّ (٥): لا يكون حرًّا وإن نَوَى العتق؛ لأنّه نيةٌ بغير لفظ.

стр. 3250

وقال أبو حنيفة (١): يكون عِتقًا وإن كان العبدُ أكبر سنًّا منه. وتحقيقُ القول في المسألة وعمدتُها؛ أنّ الأعمال بالنِّيات، وإنّما يكفي من القول أدنى ما يقع به الفَهْم، ولذلك قامتِ الإشارةُ مقامَ العبارة، والكناية من القول مضافًا إلى النِّيَّة في الدَّلالة على المرادِ أبلغ من الإشارة. الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٢): قوله (٣): "مَنْ أَعْتِقَ شِقْصًا (٤) لَهُ في عَبدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيهِ قِيمَةَ العَدْلِ". قال علماؤنا: قولُه: "فِي عَبدٍ" دليلٌ على أنّ الأَمَةَ في معناه في الحكم المبيّن فيه قبل النَّظر إلى علّة الحكم، أو اعتبار النَّظِير بالنَّظِير. وظنت طائفةٌ من الجهلة أنَّ الأَمَة إنّما تبَيَّنَ منها هذا الحكم من قوله: "عَبد" والعبدُ لفظٌ ينطلق على الذِّكَر والأُنثى، وهذا وإن كان يعضده الاشتقاق فلا نُسَلِّم أنّه يقتضيه الإطلاق، وقدِ اتّفقتِ الأُمَّةُ على أنّه لو قال: "عَبيدي أحرارٌ" لما دخل فيه الجواري. المسألة الثّانية (٥): قوله: "فَكَانَ لَهُ مَالٌ" بيانٌ أنّ المُعتَقينَ على ضربين: مُوسِرٌ. ومُعسِرٌ. فأمّا "المُوسِرُ" فقد تبيَّنَ حكمه. وأمّا "المَعْسِرُ" فقد اختلف العلماء فيه: فمنهم من قال: يبقى نصيبُ شَريكِهِ رقيقًا، وهم الأكثر. ومنهم من قال: يُسْتَسْعَى العبدُ في قيمة سهم سَيِّده المتمسِّك بالرِّقِّ، قاله

стр. 3251

أبو حنيفة (١) وغيره. وتعلّقوا بالأثر والنّظر. أمّا النّظر: فهو الاعتبار بالكتابة، وهو مَقْطَعٌ ضعيفٌ؛ لأنّ الكتابة مخصوصة بحكمها، خارجة عن قواعد الشّريعة بنفسها، وقد بيّنّا أنّه لا يقاسُ على مخصوصٍ، ولا يقاسُ منصوص على منصوصٍ حسب ما تقدَم. وأمّا الأثر: فرَوَى أبو هريرة عن النّبيِّ ﷺ الحديث بعينه إلى قوله: "عتقَ العَبد" زاد بعده: "وَإِنْ لَم يَكُنْ لَهُ مَالٌ استُسعِي العَبدُ" (٢) هو من كلام الرّاوي. المسألة الثّالثة (٣): قوله: "قُوِّمَ عَلَيهِ" هو بيانٌ لحكم الشَّرع على الإطلاق، يتولَّاهُ نائب الشّرع وخليفته إنَّ اختلفوا. وأمّا قوله: "قيمَةُ عَدلٍ" فقد قدّمنا لكم العدل ومعناه، فخذوا فيه نكتةٌ، وذلك إذا قوّمها المتلف، ففي تقويمه تحرِيرٌ فاتَ علماءَنا بيانُه، وهو أنّا نقول للمقوِّم: قَوّمهُ مُشتَرى غير مبيعٍ، ليقعَ الجبرُ لمن أتلف عليه على الكمال، وإلى هذا المعنى وقعتِ الإشارةُ بقوله: "قِيمَة عَدلٍ" فافهموه. المسألة الرّابعة (٤): قوله: "وَعَتَقَ العَبد" فاختلف العلماء، هل يعتق بنفس السِّراية أو بعد التّقويم؟ وخرَّجَ الشّافعيّ (٥) قوله على أنّه يعتق بنفس السّراية، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ النّبيّ ﷺ قال ما تقدَّمَ، فشرط في نفوذ العتق اليسر والتّقويم، لا سيّما وفي الصّحيح عن النّبيِّ ﷺ أنّه

стр. 3252

قال: "فَأَعطَى شُرَكاءَهُ حِصَصَهُم، ثُمَّ عتق عَلَيهِ العَبد" (١). فإن قيل: أنتم لا تقولون بهذا الحديث؛ فإنّه لو قوّم عليه الحاكم نفذ العتق وإن لم يقبض الشّركاء شيئًا، فقد تركتم ظاهر الحديث. قلنا: المراد بالتّقويم والإعطاء نفس التّحصيل بتَقدِير الوجوب، لئلّا يفوت الرِّقّ على سيد العبد ولا يأخذ له عِوَضًا، فإذا وقع الحُكمُ بالقيمةِ استقرّتِ العوضيّة وتحقّق الجَبْر، وصارت صورة القبض حينئذٍ لا معنى لها، والأحكامُ إنّما تثبتُ بمعانيها لا بصُوَرِها. ولهذا قال علماؤنا: إنّه يقوّم العبد بكمال الرِّقَّ لا مُبَعَّضًا، ولهذا قيل: إنَّ التّقويم حقّ العبد، فإذا اختار السَّيِّد العِتقَ كان له. أمّا إنّه * قد اختلف علماؤنا فيما إذا رَضِيَ الشّريك بالتّقويم حالة العُسْرِ*، فقال محمّد: ذلك له. وفي "الكتاب": ليس له، وهو الأقوى من ظاهر الحديث. وكذلك اختلفوا أيضًا إذا كان الشَّريكُ بالخِيَار فاختارَ العِتق، لم يكن له رجوعٌ إلى التّقويم، فإن اختار التّقويم لم يكن له رجوعٌ إلى العِتق، لأجل حقّ الأوّل في الولاء. وقال الأكثر من علمائنا: له الرّجوع إلى العِتق؛ لأنّه تصرّف قبل الحُكم. وكذلك اختلفوا أيضًا إذا كان العبد مسلمًا والسّادة كفارًا، هل يقضى بالتّقويم أو لا؟ والصّحيح أنّه يقضى به؛ لأنّه حُكمٌ بين كافر ومسلم.

стр. 3253

المسألة الخامسة (١): قوله: "مَنْ أَعتَقَ شِقصًا" هذا لفظٌ عامٌّ في كلِّ مُعتَقٍ، فإن كان مسلمًا لمسلِمَين فأعتق أحدهما حّصته قُوِّمَ عليه الآخر. وإن كان نصرانيًا لمسلِمَين فكذلك (٢)، وكذلك إنَّ كان مسلمًا لنَصرَانِيَّين، قاله ابن الجلّاب (٣)، وحكاه عبد الوهّاب (٤) عنه، وحَكَى عن المذهب نفي التّقويم، قال (٥): ووجه ذلك: أنّ تكميل العِتق من حقوق الله، والكفّار لا يؤخذون بذلك. قال: ووجه إيجاب التّقويم: أنّ في تكميل العِتق ثلاثة حقوق: أحدها: لله. والثّاني: للشّريك. والثّالث: للعبد. فيجب على هذا أنّ يُكمَّل على النَّصرانيّ نصيبه (٦) من العبد المسلم؛ لأنّه حكم بينَ نصرانيّ ومسلم. فرع (٧): فإن كان العبد نصرانيًّا لمسلم ونصراني، فأعتق المسلمُ حصَّته، قُوِّمت عليه حصّة النّصراني.

стр. 3254

ولو أعتق النّصرانيّ حصته، فقال ابنُ القاسم: لا يقوّم عليه؛ لأنّه لو كان جميعه للنّصراني فأعتق جميعه أو بعضه لم يحكم عليه بعتقه، وبه قال سحنون. وقال غيره: يقوّم عليه. ووجه ذلك: أنّه حكم بين مسلم ونصراني فجاز. فرع (١): ولو كان العبدُ لعبدٍ وحرٍّ، فأعتق العبد حصّته، ففي "الموّازية": لا عِتْق له إِلَّا بإذن السَّيِّد، فإن أذن في ذلك قوّم في مال السَّيِّد كان للعبد مالٌ أو لا. وكذلك لو كان بغير إذنه ثمّ أجاز، وقال سحنون: في "كتابُ ابنه": ويستوعب ذلك (٢) كلامٌ طويلٌ في الفروع أضربنا عنه. باب الشُّروط في العِتْقِ الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (٣): قال علماؤنا (٤): معنى هذا الباب: أنّ من بَتَّلَ عِتق عبده (٥)، فلا يجوز أنّ يشترط عليه عملًا؛ لأنّ ذلك بمنزلة أنّ يُبقِي عليه شيئًا من الرِّقَّ، وذلك مخالفٌ للمال يشترطه عليه. وقد قال محمّد عنه (٦) فيمن قال لعبده: أنت حرٌّ وعليك كذا، فلم

стр. 3255

يرض العبد، فذلك له وإن كرِه، وبه قال ابن وهب وابن القاسم وعبد الملك، وهو قول ابن شهابٍ. وقال ابن المُسَيِّب: هو حرٌّ ولا شيءَ عليه. قال ابن القاسم: وذلك أحبّ إليّ. فرع (١): فإن شرط عليه عملًا، فإن كان قبل العِتق لزم، قاله ابن القاسم. وأمّا إنَّ كان بعد العِتق، فقد قال ابن القاسم: إنَّ قال له: أنت حرّ واحمل هذا العمود، فهو حرٌّ ولا شيءَ عليه وإن قدر على حمله. وكذلك إنَّ قال: وَاخدُمني سَنَة، أو على ألَّا تفارقني، قال محمّد: هو حرٌّ وشرطُه باطلٌ (٢). ووجهه: ما تقدّم من استثناء الرِّقَّ. المسألة الثّانية (٣): فإذا ثبت ذلك، فإنّ لفظ: "أنت حرّ وعيك كذا" هو المتَّفَقُ عليه من قول من يرى لزوم ذلك. وأمّا قوله: أنت حرٌّ على أنّ عليك كذا، فقال ابن الماجشون: اللّفظان سواء ويثبت فيهما الخيار. ورَوَى محمّد عن مالك التّسوية بينهما ولا خيار للعبد. وفرّق بينهما وبين قوله: "أنت حرّ على أنّ تؤدّي إلي كذا وكذا" فقال: هذا لا يعتق حتّى يؤدِّي. ووجهه: أنّ الّذي قال: "على أنّ عليك" قد علّق العِتق بشيءٍ * يتعجّل وهو ثبوت الدَّين في ذمّة العبد، والّذي قال: "على أنّ تؤدِّي إليَّ" أو "على أنّ تعطيني" علّق العِتْق

стр. 3256

بشيءٍ * لا يوجد إِلَّا بمعنى مستأنف، وربّما تعجّل الأمد البعيد، وربّما تعذّر، فكان العتق يتأجّل بتأجُّله. المسألة الثّالثة (١): فإن قال لأَمَتِهِ: أنتِ حرّة على أنّ تُسلِمِي، فقد قال ابنُ حبيب عن أَصْبَغ: إِنْ أَبَت فلا حريّة لها، كقوله: إنَّ شئت، وليس كقوله: أنت حرّة على أنّ تنكحي فلانًا، ثمّ تَأْبَى، فإنَّ العتق مَاضٍ، والفرقُ بينهما: أنّها رضيت بذلك، فبنفس العِتق تكون مسلمة، كقوله: على أنّ عليك عشرة (٢)، وقوله: على أنّ تنكحي، إنّما شرط عليها عملًا بعد تمام العَقد يصحُّ أنّ يتأخر الزّمن الطّويل (٣)، وهذا تأخّر، فكان بمنزلة أنّ يشترط عليها عملًا أو خدمة. باب من أعتق رقيقًا لا يملك مالًا غيرهم الإسناد (٤): قال الإمام: هذا الحديث مُرسَلٌ (٥)، وقد أَسنَدَهُ مسلم (٦) من رواية إسماعيل بن عُلَيَّة، عن أيّوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلّب، عن عمران بن الحصين.

стр. 3257

الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (١): قال علماؤنا (٢): تستعملُ القُرعة فيما جاء فيه الخبر من العِتق في المرض أو الوصية به في جملة (٣) يضيق ثُلُثه عنهم، وكذلك في المجهولين من جملة إذا كان في مرضه أو وصيّة. ولا يُسهم بين المدبرين في الصِّحَّة؛ لأنا لا نعدو ما جاء فيه الخبر. ولفظ ما روى مالك: "أَعتَقَ أَعبُدًا" ظاهره بَتْلُهم عند موته، وظاهر ذلك المرض، وإن كان يجوز أنّ يكون في الصِّحَّة ويريد به القُربَة. المسألة الثّانية (٤): وأمّا الوصيّة بعتقهم، فلا خلاف في المذهب أنّه يقرع بينهم. وأمّا إنَّ بتلهم في المرض، فرَوَى محمّد عن ابن القاسم؛ أنّه يُقرَع بينهم. وقال أَصبَغ والحارث: يعتق من كلِّ واحدٍ بغير سَهْمٍ وإنّما السَّهمُ في الوصيَّةِ. تبيين (٥): قال الإمام الحافظ: وإنّما وجب الاختلافُ في هذا، لإشكالٍ وقع في الحديث الثّاني حديث الثّقفي أنّه أَوصَى بعتقهم، وهذا أسهم وأقرع بينهم (٦). فوجه الأوّل: أنّ العِتقَ في المرض خارج من الثُّلُثِ كالوصيّة.

стр. 3258

ووجه الثّاني: أنّه عِتقٌ لا رجوعَ له فيه، كالعِتق في الصِّحَّة. وإذا قلنا: تُستعمَل القُرعة في العِتقِ، فقد رُوِيَ عن ابن نافع (١): لا يسهم بينهم إذا كان للمالك مالٌ، وإنّما ذلك إذا لم يكن له غيرهم (٢). وإنّما أسهمَ النّبيُّ ﷺ بين السِّتَّة لأنّه لم يكن له مالٌ سواهم. المسألة الثّالثة (٣): قال (٤): ومن أعتق في صحَّتِه، فقال مالك وابن القاسم: لا يسهم في عِتق الصِّحَّة، ومعنى ذلك: أنّ يعتق جميع رقيقه في الصِّحَّة؛ لأنّ ذلك ينفد. مال العبد إذا أعتق الفقه في مسائل: المسألة الأولى (٥): قوله (٦): "مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ العَبدَ إِذا أُعتِقَ تَبِعَهُ مالُهُ": يريد أنّه لا يكون له انتزاعه (٧) منه إذا أعتقه، ولم يستثن ماله ولا شيءٍ منه؛ لأنّ لفظ العِتق لم يتناول ماله، وإنّما قوّى ملكه له، بخلاف البَيع فإنّه وإن كان لا يتناول أيضًا إِلَّا العبد دون ماله، فإنّه يخرج إلى مالك له من انتزاع ماله ما للأوّل، فكان الأوّل أحق به؛ لأنّ بيعه دون ماله بمنزلة انتزاعه، وذلك جائز له.

стр. 3259

المسألة الثّانية (١): هذا حكم عتقه المباشر البتل والوصيّة؛ لأنّ الوصيّة بالعِتْقِ عِتقٌ (٢). وقال أشهب: ليس للوارث أو الورثة انتزاع مال الموصى بعِتقِه قبلَ إنفاذ عتقه، إنَّ كان العتق معجَّلًا. وإن كان مؤجَّلًا بعد الموت، فلهم انتزاعه ما لم يقرب الأجل، وبه قال محمّد. وقال ابن عبد الحكم: ليس لهم ذلك. ووجه الأوّل: ما احتجّ به محمّد؛ أنّ حكم الورثة حكم الموروث (٣). باب عتق أمهات الأولاد وجامع القضاء في العتاقة الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٤): قوله (٥): "لَا يَبِيعُهَا وَلَا يَهَبُهَا ولَا يُوَرِّثُها". هو كما قال، وعليه فقهاء الأمصار، وقد تقدَّمت الإشارة إليه. المسألة الثّانية (٦): وإذا أسلمت أم ولد الذِّمّي، عرض عليه أنّ يُسلِم، فإن أسلم فهي على ما كانت، وإن لم يُسلِم ففي "الموازية": تعتق عليه بالحكم، وهو قول مالك وأصحابه.

стр. 3260

وفي "كتابُ ابن سحنون": عن مالك في ذلك روايتان؛ قال: تُعتق، ثمّ قال: تُوقف إلى أنّ يموت أو يُسلِم، ثمّ رجع إلى العِتق. ورَوَى ابن حبيب عن ابنِ الماجِشُون: إنَّ أنفق عليها وقفت حتّى يموت، أو يُسلِم فتكون أمّ ولد. وقال ابن عبد الحَكَم: تُوقف حتّى تحيض حيضة، فإن أسلم فيها وإلّا عُتقَت. ووجه القول الأوّل بتعجيل عِتقِها: أنّه إنّما له فيها الاستمتاع، فإذا حرم عليه عجل عتقها. ألَّا ترى أنّ المُعتَق إلى أجلٍ إذا وهب سيّده عِتقَه عجّل عتقه لَمَّا لم يبق له فيه تصرُّف. ووجه القول الثّاني: أنّه لم يحرّم عليه الاستمتاع بها على التّأبيد، وإنّما حرم بسببٍ يمكن زوالُه كما لو زَوَّجَها. المسألة الثّالثة (١): وأمّا المرتدّ، فقال أشهب: قد عتقت أمّ ولده بالرِّدَّة، فلا تردّ إليه كفراقه زوجته. وقال ابنُ القاسم: تحرم عليه بالرِّدَّة، فإن تاب رجعت أمّ وَلَدٍ له، وإن قتل عتقت، رواه محمّد عنه. ووجه (٢) ما احتَجَّ به: من قياسه على الطّلاق. ووجه الثّاني: أنّها مِلكٌ له فلا تزول بِرِدَّتِه، وإنّما تبقَى مراعاة كسائر رقيقه. وقوله (٣): "يَستَمتِعُ بِها" يدلُّ على أنّ له جماعها وما يتبعه من أنواع الاستمتاع؛ لأنّ اسم الاستمتاع يشتمل على ذلك كلّه، ولم يذكر أنّ له استخدامها.
следующие страницы →