يدخلُ على عَدِيِّ بن أَرْطَأَة؟ وأين مجلِسُهُ منه؟ وهل رأيتَهُ يَطْعَمُ عند عَدِيِّ؟ فقلتُ له: نعم (١).
وكانوا يقولون: خيرُ الأمراء من صحِبَ العلماء، وشرُّ الأمراء من بَغَضَ العلماء، وشرُّ العلماء من صَحِبَ الأمراء إلَّا من قال الحقّ، وأمر بالمعروف، وأعان الضّعيف.
حديث ثان:
وفيه فصول:
الفصل الأول (٢)
في الإسناد
مالكٌ (٣)، عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ، عن عَطَاء؛ أنّه قال: جاءَ رَجُلٌ إلى رسول الله ﷺ فسأله عن وقتِ صلاةِ الصُّبحِ. الحديث.
قال الإمام الحافظ ﵁: لم تختلف الرواية عن مالكٍ في إرسالِ هذا الحديثِ، وقد نُقِلَ معناهُ من وجوهٍ صِحَاحٍ مُتَّصلةٍ، من حديث جابرِ، وأبي موسُى، وعبد الله بن عَمْرو، إلَّا أنّ فيها سؤال السائل لرسولِ الله ﷺ عن مواقيت الصّلاة جملةً، وأجابه فيها كلّها في الصُّبح بمعنى حديث مالك.
وقد رَوَى حُمَيْد الطَّويل (٤)، عن ابِن عُيَيْنَةَ حديثًا مثل هذا. والصّحيحُ في حديثِ
стр. 352
عطاء الإرسال كما رواه مالك، وحديثُ حُمَيْد الطَّويل عن أنس حديثٌ صحيحٌ مُتَّصِلُ الإسنادِ (١).
الفصل الثاني في سرد الأصول
وفيه فوائد:
الفائدة الأولى (٢):
قوله (٣): "حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ": يحتَمِلُ أنّ يكون أراد البيان للجماعة؛ لأنّه لو أخبر القائل لانفردَ السْائلُ بذلك، والصّلاةُ جامعةٌ يحضرُها كثيرٌ من الصّحابة، فيكونُ ذلك تعليمًا للجميعِ.
واختلَفَ المتكلِّمونَ من أهلِ الأصولِ في هذا الحديث، هل يقتضي تأخير البيان أم لا، على قولين:
فقال قومٌ: ليس هذا من تأخيرِ البيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ.
والفرقةُ الثّانيةُ أجازَتة، واحتجَّت بهذا الحديثِ.
فأمّا الأبهَرِيُّ وغيرُه من الشّيوخِ فمَنَعُوا منه (٤).
стр. 353
وجوَّزَهُ القاضي أبو بكر بن الطَّيِّب الباقّلانيّ (١) وجمهورُ أصحابهِ (٢)، وقالوا (٣): قد كان النَّبيُّ ﷺ قادرًا على أنّ يُبَيِّنَ للسائل ميقات تلك الصّلاة وسائر الصّلوات بقوله في مجلسه ذلك، ولكنّه أخَّر ذلك ليبيِّنَه عملًا وقولًا وفعلًا (٤).
ولذلك قال علماؤنا (٥): "قد يكونُ البيانُ بالفعل -فيما سبيلُه العَمَلُ- أثبتَ في النّفوسِ من القولِ، دليلُه قوله ﵇: "لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ" رواه ابنُ عبْاسٍ عنه (٦)، ولم يَرْوِهِ غيرُه".
ووقتُ الخطابِ بالصّلاةِ وبيان أحكامها وأوقاتها قَد تقدَّمَ قبل السُّؤال؛ لأنّه لم يسأل إلَّا عن عبادةٍ ثابتةٍ، ولم يختَلِفْ أحدٌ في أنَّ للنَّبيَّ ﷺ أنّ يؤخِّر جواب السّائل، وقد فعَلَ ذلك في أشياء كثيرةٍ، وقد تكلَّم العلماءُ في تأخير جوابِ السّائلِ، وما في ذلك من التغريرِ بفوَتِ العِلْمِ، لجوَازِ أنّ يكونَ السّائلُ قد ماتَ قبْلَ وَقْتِ التّعليمِ الّذي أُخِّر إليه.
والجوابُ هو: أنّ النَّبيَّ ﷺ إنما حملَ ذلك على العادةِ واسْتِصْحَابِ الحَالِ (٧).
وأيضًا: فإنّ الظّاهر من هذا الحديث أنّه سأل من بعد صلاة الصّبح من يوم سؤاله؛ لأنّه بدأَ بتعلِيمِهِ من صلاة الصُّبحِ من الغَدِ، فلم يتخلّل بين وقتِ السُّؤال ووَقْتِّ التَّعَلُّمِ وقت صلاة يخافُ عليه فيها الجَهْل بالوَقْت. وعلى قولنا: إنّه سأل عن تحديد الوقت، فالأمرُ أسهل، ووجه جَوَازِ التأخيرِ أبين، ولو مات السائلُ قبلَ وقتِ التّعليمِ، لكان قد
стр. 354
أُثِيبَ على بحثه وسؤاله عن العِلْمِ.
قال الشّيخ أبو عمر ﵁ (١) -: "لم يمتنع رسولُ الله ﷺ عن الجوابِ له، لِمَا يخافُ عليه من اخْتِرَامِ المَنِيَّةِ؛ لأنّ الله تعالى قد أنبَأَهُ* بأنّه لا يفوته سائله -والله أعلم- وأنّه قد أَوْحَى إليه* أنّه لا يَقْبِضُه حتّى يُكمِلِ به الدِّينَ، وُيبَيِّنَ للأُمَّةِ على لسانه ما يُتَوَصَّلُ به إلى معرِفَةِ الأحكامِ، وكذلك فعلَ ﷺ ".
الفائدة الثانية (٢) في هذا الحديث:
أنّ أوَّلَ صَلاةِ الصُّبْحِ طلوعُ الفَجْرِ، وأنّ آخِرَ وقتِها ممدودٌ إلى الإسفارِ.
وقوله: "صلَّى الصُّبْحَ حينَ طلعَ الفجرُ" يريدُ بعدَ أنّ طلعَ الفجرُ، ولكنَّه جاءَ باللَّفظِ على المبالغةِ. وكذلك قولهُ: "بَعْدَ أنّ أسْفَرَ" إنّما يريدُ بعد أنّ بدأ الإسفار, لأنّه لو صلَّى بعد جميع الإسفار، لكانت الصّلاةُ عند طلوع الشّمسِ، وإنّما قصدَ من ذلك إلى الإخبار بتقديم الصّلاة في أوّل ما يمكن فعلها فيه، وتأخيرها إلى طلوع الشّمس، وهو آخر ما يمكن فعلها فيه.
الفائدة الثالثة (٣):
في هذا الحديث: بيان أنّه ليس لصلاةِ الصُّبحِ وقتَ ضَرُورةٍ، وأنّ وقتَ الاختيارِ لها متَّصِل بطلوعِ الشّمسِ، وقد. اختلفَ عن مالكٍ في ذلك، فمرَّةَ قال: ليس لها وقت ضرورةٍ (٤) على مقتضى الحديثِ، ومرّةَ قال: لها وقتُ ضرورةٍ.
стр. 355
فأمَّا ما يقتضي أنّ جميع وقتها وقت اختيار: أنّ من رجا أنّ يُدْرِك الماءَ قبلَ طُلوعِ الشّمسِ لم يتيمّم، فلو كان وقت الاختيار إلى الإسفار، لرَاعَى الإسفارَ في جوازِ التيمُّمِ، كما راعَى مَغِيبَ الشَّفَقِ في التّيمُّمِ للمغربِ.
الفائدة الرّابعة:
صلَّى الصُّبْحَ في اليومِ الثّانِي حينَ طلعَ الفجرُ، وطلوعُ الفجرِ هو ظهورُهُ في الأُفُقِ.
والفجرُ (١) عندنا هو البياضُ -أعني بياضَ النّهارِ- الظّاهِرُ في الأفُقِ المُنْتَشِرِ المُسْتَّطيرِ البيِّنِ المستنيرِ، تُسَمّيه العربُ الخيط الأبيض، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ الآية (٢) يريد بياض النَّهارِ من سَوَادِ اللَّيلِ، قال أبو دُؤَادٍ الإيادِيُّ (٣):
فَلَمّا أضَاءَت لَنَا سُدْفَةٌ ... وَلاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا
وتسميه العرب أيضًا الصَّديع، ومنه انصداع الفجرِ.
والفجرُ مصدرٌ من قولهم: فجر الماء وتفجَّر فجرًا، إذا جرى وانبعثَ (٤).
والفجرُ فجران، فالأوّل تسمِّيه العرب الكاذب، وهو البياضُ المرتفعُ في الأُفُقِ، وُيشَبَّهُ بذنب السّرحان لارتفاع ضوئه، لا يحل الصّلاة ولا يحرّم الطّعام.
والفجر الثاني هو الصّادق، وهو المعترض في الأفُقِ، آخذا من القِبْلةِ، إلى دُبرِ القِبلَة، وهو الّذي يحرِّمُ الطعامَ ويحلِّلُ الصّلاةَ.
стр. 356
واختلَفَ العلماءُ في التّغليسِ بها، هل هو أفضل من الإسفار أم لا؟
فذهب (١) الكوفيونَ والعراقيونَ أبو حنيفةَ وأصحابُه (٢) إلى أنّ الإسْفارَ بها أفضَلُ من التغْلِيسِ في الأزمنة كلِّها.
فالّذي كان يُغَلَّسُ بالفجرِ: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وأبو موسى الأشعريّ، وابن الزّبير، وبه أخذ مالك (٣)، واللّيث، والشّافعيّ (٤)، وأحمد (٥)، وإسحاق.
والذي كان يُسفِر بالفَجْرِ من الصّحابة: ابن مسعود (٦) هوأبو الدَّرداء (٧) واسمه عُوَيمِر. وقال ابنُ سِيرِين: كانوا ينصرفون من الصُّبح وأَحدُهُم يرَى موقع نبله (٨)، وبه تعلَّق أبو حنيفة.
واحتج أبو حنيفةَ بالحديثِ المرويِّ عن النبي ﷺ أنّه قال: "أَسْفِرُوا بالفجر فهو أعْظَم للأَجْرِ" (٩).
واحتجّ مالكٌ ﵁ والشّافعيّ بمُداوَمَتِهِ ﷺ ومُداوَمَةِ أصحابِه على التّغليسِ، ألا
стр. 357
ترى إلى قولها (١): "كُنَّ نساءُ المؤمناتِ يَشهَدْنَ الصَّلاةَ ... الحديث" (٢)، وهو إخبار على أنَّه كان يُدَاوِمُ على ذلك، وأنه أكثر فعله، ولا تحصل المداومة إلَّا على الأفضل.
وزعم الطّحاويّ (٣) أنّ آثار هذا الباب إنَّما تتّفقُ بأن يكون دخوله ﵇ في صلاة الصُّبح مُغَلِّسًا، ثم يطيلُ القراءةَ حتّى ينصرف عنها مُسْفِرًا.
قال الإمام الحافظُ ﵁ (٤) -: وهذا فاسد من قوله، لمخالفته قول عائشة؛ لأنها حكَتْ أَنَّ انصرافهنَّ من الصّلاة كان ولا يعرفن من الْغَلَس.
قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: الإسفار الّذي أراد النبي ﷺ : هو أنّ يتّضِحَ الفجرُ، فلا يشكّ فيه أنّه قد طلعَ (٥).
قال الإمام: والإسفارُ في اللُّغةِ هو الانكشافُ، يقال أَسْفَرَتِ المرأةُ عن وجهها إذا كَشَفَتْهُ، فكأنّه قال: أسفِرُوا بالفَجْرِ، أي بيّنوه ولا تُغَلِّسُوا بالصّلاة وأنتم تشكّون في طلوعه حِرصًا على طلب الأجر لفضل التَّغليس، فإنّ صلاتكم بعد تيقُّنِ طلوعه أعظم للأجر، وعلى هذا التّأويل لا تتضادّ الآثار.
وممّا يشهد لصحّة هذا التّأويل، حديثُ ابن مسعودة أنّه سأل رسول الله ﷺ عن أيِّ الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة لأوَّل وقتها" (٦).
стр. 358
وأمّا من جعلَ الإسفار تأخير الصّلاة عن أوّل وقتها، فمحجوجٌ بهذا الحديث، وحملُ الآثار على ما ينفي التضاد عنها أَوْلَى، وبالله سبحانه أستعين.
ذِكْرُ أوقات الصّلوات وتَحديدُ المَوَاقيتِ (١)
فأمَّا وقتُ الظّهرِ، فهو زوالُ الشّمسِ عن كَبد السّماء (٢). وآخر وقتها المستحبّ، أنّ يصيرَ ظِلُّ كلِّ شيءٍ مثله بعد الّذي زالت عليه الشّمس (٣).
وأوَّلُ وقتِ العصر، إذا صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثله بعد ظلِّ الزّوال. وآخرُ وقتها المستحبّ، أنّ يصيرَ ظِلُّ كلِّ شيءِ مِثْلَيْه (٤).
وآخرُ وقت الظّهر والعصر للضّرورة، إلى غروبِ الشّمس (٥).
وأوَّلُ وقت المغرب، إذا غربتِ الشّمس (٦)، وقتٌ واحدٌ، لا يجوز تأخيرها إلَّا لعذرِ، مثل الجمع بين الصّلاتين للمسافر والمريض وفي المطر.
وقيل: إنَّه لا يجوز تأخير المغرب عن غروب الشّمس لشيء من هذه الأعذار، ويجمع بين الصّلاتين عند الغروب.
стр. 359
وقيل: إن لها وقتين في الاختيار (١)، وإنّ آخر وقتها المختار مَغِيب الشَّفَق من غير عُذرٍ، وهو ظاهرُ قولِ مالك ﵁، ذكر ذلك في موطئه (٢). إلَّا أنّ أوّل الوقت أفضل، فحصل الإجماعُ في المغرب على أنّ المبادرة بها عند الغروب أفضل.
وأمّا وقتُ العشاءِ المستحبّ، فَبِمَغِيبِ الشَّفَقِ -وهي الْحُمْرَةُ- عند مالك وجميع أصحابه (٣)، وغيره يجعله المستحبّ لها.
واختلف العلماء -رضوان الله عليهم- في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إلى ثُلُثِ اللَّيل (٤).
والقول الثاني: إلى نِصْفِهِ (٥).
والقول الثالث: أنّ آخر وقتها طلوع الفجر للضّرورة (٦).
قال القاضي أبو الوليد ﵁ (٧): "الأوقاتُ تنقسم على خمسة أقسام:
١ - وقتُ اختيارٍ وفضيلةٍ، وهو أنّ يصلي قبل انقضاء الوقت المستحب.
٢ - ووقتُ رخصةٍ وتوسعةٍ، وهو أنّ يصلّي في آخر الوقت المستحب.
٣ - ووقتُ الرخصةِ للعُذرِ، وهو (١) أنّ يؤخّرَ الظّهرَ على ما ذكرناه من الاختلاف.
стр. 360
٤ - ووقتُ تضيق من ضرورة، وهو أنّ يؤخِّر الظّهر والعصر إلى غروب الشّمس،
والصّبح إلى طلوع الشّمس، والمغرب والعشاء إلى طلوع الفجر.
٥ - ووقتُ سُنَّةٍ، أخذ بحظٍّ من الفضيلة للضّرورة، وهو الجمع بين الصّلاتين بعرفة والمزدلفة.
وأوَّلُ الأوقات كلّها أفضل، قال الله العظيم: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ (١) الآية، وقال عزّ من قائل: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٢) ومعلوم أنّ مَن بادر إلى طاعة الله أفضل ممن تأخَّرَ عنها".
واختلف العلماء رضوان الله عليهم في وقت الوجوب منه على أربعة أقوال (٣):
أحدها: مذهب مالك؛ أنّ الصّلاة تجب بأوَّل الوقت وجوبًا مُوَسَّعًا، وأن جميع الوقت وقت للوجوب.
والقول الثاني: قول أصحاب الشّافعيّ: أنّ الصّلاة تجب بأوَّل الوقت، وإنّما ذكر آخره تمييزًا للأداء من القضاء، وهذا فيه نظر؛ لأنَّك إذا أطلقت القول بوجوب الصّلاة في أوّل الوقت، لزمك ألّا تجيز له تأخيرها عن وقت الوجوب، وهو أوّل الوقت، وهذا ما لا يقوله أحدٌ بوجهٍ ولا على حال.
والقول الثالث: قال أصحابُ أبي حنيفة (٤): إنّ الصّلاة لا تجب إلَّا بآخر الوقت، وهو الحين الّذي يأثم المكلَّف بتأخير الصّلاة عنه، وهذا أيضًا فيه نظرة لأنّ الصّلاة إذا لم تجب عنده في أوَّل الوقت فينبغي ألّا تجزئه إنْ صلّاها فيه، كما لا تجزئ من صلَّى قبل الوقت.
стр. 361
والقول الرّابع: قال علماؤنا (١): "إنّ وقت الوجوب منه وقت غير معيَّن، وللمكلَّف تعيينه بفعل الصّلاة فيه. وهو أظهرُ الأقوال وأَسَدُّها وأجراها على الأصول (٢)؛ لأنّ معظمهم قالوا: إنّ الأفعال المخيَّر فيها كالْعِتْقِ والإطعام والكسوة في الكفَّارة* الواجب منها واحد غير معيّن، وللمكلَّف تعيين وجوبه وفعله، ولم يخالف في ذلك إلَّا ابن خويزمنداد فإنّه قال*: إنّ جميع ذلك واجب، فإذا فعل المكلَّف أحدها، يسقط وجوب سائرها، وما قدَّمناهُ هو الصّحيح إنّ شاء الله؛ لأنّ الأفعال الواجبة جميعها لا يسقط بعضها بفعل البعض".
حديث ثالث:
مالك (٣)، عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرَةَ، عن عائشة؛ أنّها قالت: كان رسولُ الله ﷺ ليُصَلِّي الصُّبحَ، فينصرفُ النِّساءُ مُتَلَفِّفَاتٍ (٤) بِمُرُوطِهِنَّ، ما يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ.
قال الإمام الحافظ (٥): وروى يحيى "مُتَلفِّفَات" بالفاء، وتابعه على ذلك طائفة من رواة الموطأ (٦)، وأكثر الرُّواة (٧) على "مُتَلَفِّعَات" بالعين، والمعنى واحد (٨).
стр. 362
شرح (١):
قال الإمام الحافظ: والمُرُوط: أكسيةُ الصُّوفِ.
وقيل: إنّه كساء صوف مُرَبَّع.
وقيل (٢): هي أكسية من صوف رقاق، واحدها مِرْطٌ.
وقوله: "مُتَلَفِّعَات" يعني مشتملات، تقول -العرب: تلَفَّعَ الرَّجلُ بثوبه، إذا اشتمل به، وتَلَفَّعَ الرَّجلُ بالشيبِ، إذا شَمِلَهُ، قاله صاحب "العين" (٣). وقال صاحب "الأفعال" (٤): "لفاع المرأة كالْقِناع".
قال الإمام الحافظ (٥): وقد غَلِطَ بعضى من شَرَحَ الموطّأ -وهو القنازعي (٦) - فزعَمَ أنّ هذا الحديث رواه ثوبان- مَوْلَى رسول الله ﷺ وهذا غَلَطٌ بَيِّنٌ، إنَّما أرسَلَه محمَّد ابن عبد الرحمن بن ثوبان، وليس بينه وببن ثوبان نَسَبٌ.
حديث رابع:
مالك (٧)، عن زيدِ بنِ أَسْلَمَ، عن عَطاء وعن بُسْرِ بنِ سعيدٍ وعن الأعْرَجِ، كلُّهُم يحدِّثُ (٨) عن أبي هريرةَ؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً من الصُّبْحِ" الحديث.
стр. 363
قال الإمام الحافظ ﵁ (١) -: يروي هذا الحديث حَفْصُ بنُ مَيْسَرَةَ، عن زَيْدٍ، عنِ الأعْرَجِ، وبُسْرٍ، وأبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ (٢)، فجعلَ مكانَ عطاءٍ أبا صالح، والحديثُ صحيحٌ (٣).
قولُ الرَّسولِ ﷺ أنّه قال: "مَن أَدْرَكَ رَكْعَةً" الحديث، اختلَفَ العلماءُ في هذا الحديث على خمسة أقوال (٤):
القولُ الأوّل: قال بعضُ علمائنا في تأويل هذا الحديث، معناه: من أدرك من الصّلاة شيئًا فقد أدرك فَضْلَ الجماعةِ، واستدلُّوا على ذلك: بأنّ السّاعي إلى الصّلاة ومنتظرها في صلاةٍ. وبما رُوِيَ عن أبي هريرة (٥)؛ أنّه قال: إذا انتهى الرَّجُلُ إلى القوم وهم قعودٌ في آخر صلاتهم، فقد دخل في التَّضعِيفِ (٦). وقال عطاء: إذا خرج الرَّجلُ من بيته وهو ينويهم (٧)، فقد دخل في التَّضْعيفِ أيضًا.
القولُ الثاني - قيل (٨): من أدرك التَّشهُّدَ فقد أدرك فضلها، قالوا: والفضائلُ لا تُدْرَكُ بقياسٍ.
القولُ الثالثُ - قال آخرون: معنى هذا الحديث: أنّ من أدركَ ركعةً من الصّلاةِ هو مُدْرِكٌ لحُكمِها كلِّها، وهو كمن أدركَ جميعها فيما يفوته من سهو الإمام وسجوده لسهوه.
القولُ الرابعُ: قال الشيخ أبو عمر ﵁ (٩) -: "معنى هذا الحديث يقتضي
стр. 364
فساد قول من قال: من أدرك قَدْرَ تكبيرةٍ؛ لأنّ دليلَ الخطابِ يقتضي أنّه مَنْ لم يُدْرِك من الوقتِ مقْدَارَ ركعةٍ فقد فَاتَهُ خيرٌ كثيرٌ، وغير هؤلاء ساقطون عن الوقت، كالحائض والمُغْمَى عليه ومن كان مثلهما، مثل السّكران، وشارب السّم عامدًا، والذاهب عقله".
قال القاضي أبو الوليد (١): "قوله: "من أدركَ ركعةً من الصُّبْحِ" يحتمل عندي وجهين:
أحدُهما: أنّ يكون ذلك في أهل الأعذار، وهذا قولُ ابن القاسم.
والوجهُ الثاني: يحتملُ أنّ يريدَ من أدركَ ركعةً من الصُّبحِ قبلَ أنّ تَطلُعَ الشّمسُ، فقد أدرك أداء الصلاة، وإن لم يكن قاضيًا لها بعد وقتها, ولم يخرجه فعل بعضها بعدَ طلوعِ الشّمسِ عن حُكْمِ الإدراكِ.
وإذا قلنا: إنّ المراد به إدراك وقت الوجوب، فإنّ المرادَ به: من أدرك مقدارَ ركعةٍ من صلاةِ الصُّبحِ.
وإذا قلنا: إنّ المرادَ به إدراك وقت الوُجُوبِ للأداءِ؛ فإنّ تقديرَهُ: مَنْ أدركَ ركعةً من صلاة العصرِ يقتضي أنّه أقلّ ما يكون به المدرِكُ مُدْرِكًا، وبه قال الشّافعيّ (٢).
стр. 365
الفصل الثالث في شرحه وتنقيح هذه الأقوال جملة وتفصيلًا
قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي- ﵁ (١): اعلموا أنّ قولَه في حديث أبي هريرة "مَنْ أدركَ ركعةً من الصُّبحِ" الحديث بظاهره يقتضي أنَّ ركعةً واحدةً تُجْزِئُهُ وتكفِيهِ، ولكنّ الأُمَّةَ أجمعَت على أنّه لابدّ أنّ يُضيفَ إليها أخرى، كما روى النّسائيُّ (٢) وغيرُه (٣)؛ أنّ النّبيَّ ﷺ قال: "مَنْ أدركَ ركعةً من الجُمُعَةِ فقد أدركَ الجمعةَ".
تفصيلٌ (٤):
قولُه: "من أدركَ ركعةً من الصُّبحِ قبلَ أنّ تَطْلُعَ الشَّمسُ" استوى هاهنا وقتُ الضّرورةِ ووقتُ الاختيارِ؛ لأنه ليس بعدَ طلوعِ الشّمسِ وقت للصُّبح، ولا قبلَها وقتُ ضرورةٍ لها، وكذلك كنّا نقولُ في العصر كما قال الأوزاعيُّ (٥) وأبو حنيفةَ (٦): لولا قولُ النبيِّ ﷺ من طريقِ أنسٍ وغيرِه: "تلكَ صلاةُ المنافقينَ - قالها ثلاثًا- يَجْلِسُ أحدُهُم حتَّى إذا اصْفَرَّتِ الشَّمسُ وكانت بين قَرْنَي الشيطانِ، قام فَنَقَرَ أربعَ نَقَراتٍ لا يَذْكُرُ اللهَ فيها إلَّا قليلًا" (٧).
فإن قيل: إنّما وقَعَ الذَّمُّ بالنَّقْرِ وقلِّةِ الذكْرِ؟
قلنا: إذا ذَكَرَ النَّبيُّ ﷺ وصْفَينِ وعلَّقَ الحُكْمَ بهما، لم يَجُزْ إلغاءُ أحَدِهِما، فلذلك قال
стр. 366
علماؤنا: هذا الحديثُ للحائضِ تَطْهُرُ، والصَّبيِّ يحتَلِمُ، والكافرِ يُسْلِمُ، فهؤلاء هم أهل الأعذارِ.
فأمَّا النّاسي يَذكُرُ، فكلُّ وقتٍ يَذْكُرُ له وَقْتٌ. وكذلك المُغْتَمَّ مَتَى ما ذَكَر فهو وَقْتُهُ، وإن تمادَى الذِّكرُ به فكلُّ ذلك له وقتٌ، وهذا داخل تحت قوله: "من نَامَ عن الصَّلاةِ أو نَسِيَهَا" (١) والنّاسي هو التّارك لغةً.
اسْتلْحَاقٌ (٢):
لمّا جعل النَّبيُّ ﷺ وَقتَ العُذْرِ في العصر متَّصِلًا بغروبِ الشّمسِ وقتَ الصّلاةِ الّتي بعدَها، ركَّبَ عليه علماؤنا وقتَ ضرورةِ العَتَمَةِ، فجعلوا طلوعَ الفجرِ وقتَ الصّلاة الّتي بعدَها، وهذا إلحاقٌ صحيحٌ وتشبيهٌ بالغٌ.
غَائِلَةٌ وإيضاحٌ:
جعل النَّبيُّ ﷺ آخرَ الأوقاتِ الخَمْسِ في الصّلواتِ محدّدًا بمُشاهدَةِ العيَانِ، لا يَصِحُّ فيه اختلافٌ، ولا يُدْرَكُ فيه ارتيابٌ، إلَّا العَتَمَةَ، فإنّه جعَلَ آخرَ وقتِها مُقَدَّرًا بالحَزْرِ والتَّخْمِينِ. ولذلك اختلفتِ الرِّوايات ما بين ثلُث اللَّيل ونصفه، ولهذا أدخل مالكٌ (٣): "إِلَى شَطْرِ اللَّيلِ، ولا تَكُن من الغافلينَ" لأنّه أحَدُ وَجْهَي التّحديدِ، والحِكْمَةُ في أنّ جُعِلَ موقوفًا على التّخمِينِ؛ أنّ الظِّلَّ بالنّهار علامةٌ مُعَايَنَةٌ، فعلَّقَ النَّظرَ بها, وليس باللّيل علامةٌ مُعَايَنَةٌ، ولا يكلِّف اللهُ نفسًا إلَّا وُسْعَها، فَوُكِّلُوا إلى التّقدير وعُذِروا في التّقصيرِ.
حديث خامس:
مالكُ (٤): عن نَافِعٍ مَوْلَى عبدِ اللهِ بنِ عمَرَ؛ أنّ عمرَ بنَ الخطابِ كَتَبَ إلى عُمَّالِهِ،
стр. 367
هكذا رواهُ مالكٌ، ورواه عُبَيْدُ الله بن عمرَ، عن نافعٍ، عن صَفِيَّةَ بنتِ أبي عُبَيْدٍ؛ أنّ عمرَ بن الخطابِ كتَبَ إلى عُمَّالِهِ، فذَكَرَ مثلَه.
فيه فصلان:
الفصل الأوّل في فوائده
الثّاني: في شرحه
وفيه من الفوائد ستّ:
الفائدة الأولى (١):
فيه ما كان عليه عمر بن الخطّابِ من الاهتبال بأمور المسلمينَ إذ وَلّاهُ اللهُ أَمْرَهُم، وإنّما خاطبَ العُمَّالَ؛ لأنّ النّاسَ تَبَعٌ لهم، كما جاء في المَثَلِ: "النَّاسُ على دِينِ المَلِكِ" (٢) وقد رُوَّينَا في المأثور؛ أنّ النَّبيَّ ﷺ قال: "صنفانِ من أُمَّتِي إذا صَلَحَا صَلَحَ النَّاسُ، وإذا فَسَدَا فَسَدَ النَّاسُ: الأمراءُ والعُلماءُ" (٣)، ومن استَرْعَاهُ الله رَعِيَّةَ لَزِمَهُ أنّ يحُوطَها بالنّصيحةِ، ولا دِينَ لمن لا نَصِيحة له.
وكان عمر ﵁ كالأب الشَّفِيقِ الحَدِب؛ لأنّه كان يَعْلَمُ أنَّ كلَّ راعٍ مسؤولٌ عن رعيَّتِهِ؛ لأنَّه رُوِيَ عنه ﷺ أنّه قال: "من استرعاهُ اللهُ رَعِيَّةً فلم يُعَامِلْهَا بالنَّصيحةِ, لم يَرَحْ رائحةَ الجنَّةِ" (٤).
стр. 368
الفائدة الثانية (١):
قوله (٢): "حفظها": يكونُ بأحدِ أمرينِ: إمّا من المحافظة الّتي قال الله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ الآية (٣)، أو يكون "حَفِظَها" عِلْمُ ما لا تتمُّ إلَّا به؛ من وضوئها وسائرِ أحكامِها.
أمّا قوله: "وحافَظَ عليها" فيَحْتَمِلُ المحافظةَ على أوقاتها، والمبادرةَ والمسابقةَ إليها، والمحافظةُ إنَّما تكونُ على ما أُمِرَ به العبدُ *من أداءِ فريضةٍ, ولا تكونُ إلاَ في ذلك أو في معناه؛ من فِعْلِ ما أُمِرَ به العبدُ*، أو تَرِك ما نُهِيَ عنه، ومن هنا لا يَصِحُّ أنّ تكونَ المحافظةُ من صفات البارئ، ولا يجوزُ أنّ يقالَ: مُحَافِظٌ، ومن صفاته أيضًا: حفيظٌ وحافِظٌ جلَّ وتَعَالَى.
الفائدةُ الثّالثةُ:
قولُه: "من حافَظَ عليها" يريدُ من عَلِمَ وضوءَها ومواقيتَها وعدَدَ ركوعِها وسجودِها، و "حافَظَ عليها" يعني: لازَمَها وواظَبَ عليها "حَفِظَ دينَهُ" ومن ضَيَّعَهَا فهو لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ".
الفائدة الرّابعة:
قولُه:؛ أنّ صَلَّوا الظُّهْرَ إِذَا كانَ الفيءُ ذِرَاعًا" يعني: إذا زاد في الشّمس بعدَ نُقصَانِه، وذلك أنّ ترجعَ الشمسُ بعد استوائِها في كَبِدِ السَّماءِ إلى ناحيةِ المغربِ، فتزيدُ على كلَّ شيءٍ قائم وذلك رُبُع قامةٍ، ومعنى (٤) ما قدّمناه إنّما هو لمساجدِ الجماعاتِ؛ لِمَا يَلْحَقُ الناسَ من الاشتغالِ واختلافِ أحوالِهِم؛ لأنّ فيهم الثَّقيلُ والخفيفُ في حَرَكَاتِهم.
стр. 369
الفائدة الخامسة (١):
والفَرْسَخُ: ثلاثةُ أميالٍ (٢)، واختلفوا في الْمِيلِ؟ وأصحُّ ما قيل فيه: ثلاثةُ آلافٍ وخَمْسُ مِئَةِ ذراعٍ، وهذا كلُّه (٣) على معنى التَّقريبِ، وليس في شيءٍ من ذلك تحديدٌ، ولكنَّه يدلُّّ على سَعَةِ الوقتِ.
الفائدة السادسة (٤):
قوله (٥): "وأَخِّرِ الْعِشَاءَ مَا لَمْ تَنَمْ" فكلامٌ ليس على ظاهره، ومعناه: النّهيُ عن النّوم قبلَها؛ لأنّه قد ثبتَ النّهيُ عند العلماء عن النّوم قبلَها، واشْتُهِرَ عند الجميع منهم شُهْرَةَ تُوجِبُ القطعَ بأنّ عمرَ لا يَجهَلُ ذلك، ومن تأوّلَ عليه (٦) إباحة النّومِ قبلَها فقد جَهِلَ، ويدلُّ على ذلك: دعاؤه على من نام قبلَها، وقد رخَّص فيها قومٌ من الفقهاء، ولا معنى له عندي (٧).
وقوله (٨): "ولا تكُنْ منَ الغافِلينَ" يعني: لا تكن من الّذين يغفلون عن صلاتهم حتى يخرج وقتها.
وقال أبو عمر (٩): إنَّما يكون من الغافلين من صلَّى العِشَاء بعدَ نصفِ اللَّيل، إنّما هذا لمن يتخذه عادةً، وقد سُئِلَ مالكٌ (١٠) عن الحَرَسِ يُؤَخِّرُونَ العِشَاءَ إلى ثُلُثِ اللَّيل أو نِصْفه،
стр. 370
فأنكر ذلك، وقال: "لم يكن النّاس يؤخِّرون هذا التأخير، وقد عرفت أوقات الصّلاة" والحمد لله وبه استعين، وهو حسبي ونعم الوكيل.
الفصلُ الثاني في حظِّ الأصول والشَّرح
قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي (١): نبّه مالك ﵀ بحديث عمر على أصلٍ كبيرٍ من أصول الفقه (٢)؛ لأنّ عُمَرَ كتبَ إلى الأمصارِ بكتابِه فما اعترَضَهُ أحدٌ فيه.
توصيل (٣):
ونَبَّهَ به أيضًا على أصل آخر من أصول الفقه؛ وهو اتِّصالُ عَمَلِ الخُلَفَاء بحديث النَّبيِّ، فتَقْوَى النّفسُ به، أو يأخذُ أحدٌ أحاديثَه فيرجّحُ بها على غيره. ولم يوجد هنا لأبي بكبر ﵁ في هذا الباب كلامٌ، فأردَفَهُ بكلام عُمَرَ، ووجَدَ في الزّكاة كلامَ أبي بكير وعُمَرَ، فَأردَفَهُ بكلامِ النَّبيِّ ﷺ .
تقدير (٤):
ذكر عمرُ بن الخطَّابِ في كتابِه (٥): "أنّ صَلُّوا الظّهرَ إذا كان الْفَيءُ ذِراعًا" والمُصَلُّونَ على قسمينِ: واحدٌ، وجماعةٌ.
فأمّا الواحدُ، فأوّلُ الوقتِ له أفضَلُ، بلا خلافٍ بين المالكيةِ (٦) والشّافعية، نعم (٧) وقد وَهِمَ بعضُ المالكيةِ في هذه المسألة، كما بيّنّاه في موضِعِه.
стр. 371
وأمّا الجماعةُ، فأوّلُ الوقتِ أفضلُ لها بلا خلافٍ.
مزيد إيضاح (١):
لمّا كتب عمرُ بنُ الخطاب إلى عُمَّاله (٢) في إقامة الصّلواتِ بالنّاسِ جماعةً، قَدَّرَ لهم رُبعَ القَامَةِ، ولمّا كَتَبَ إلى أَبي موسى الأشعريِّ في خاصَّة نَفْسِهِ (٣)؛ قال له: "صَلِّ الظُّهْرَ إِذا زَالَتِ الشَّمْسُ" فهذا هو الفرقُ بينهما.
تنبيه (٤):
لمّا رأى مالك ﵀ حديثَ جبريلَ ﵇ في تقديرِ الأوقاتِ بالظِّلِ لم يَصِحَّ، أدخلَ حديثَ أبي مسعودٍ الْمُجْمَلَ (٥)، وذلك قوله: "فَصَلَّى، فصَلَّى رَسُولُ اللهِ" ثمّ أدخلَ حديثَ أبي هريرةَ في الظِّلِّ المُفَسِّرِ (٦)، فقال: " أنَا - وَايمُ اللهِ (٧) - أُخْبِرُكَ؛ صَلِّ الظُّهْرَ إِذَا كَانَ ظِلُّكَ مِثْلَكَ، والْعَصْرَ إِذَا كَانَ ظِلُّكَ مِثْلَيْكَ".
قال الإمامُ: وقد غاصَ البخاريُّ على هذه المسألةِ فَقَلَبَهَا، فصار يُتَرْجِمُ بما لم يَصِحَّ عندَهُ، ويُعْقِبُهُ بتفسيرِ الصّحيحِ.
стр. 372
حديث سادس:
مالك (١)، عن يَزِيدَ بن زِيادٍ، عن عبدِ الله بنِ رَافِعٍ؛ أنّه سألَ أبا هريرةَ عن وقتِ الصّلاة ...
قال الشيخ أبو عمر (٢): "هذا حديثٌ موقوفٌ عند جميعِ الرُّواة، والمواقيتُ لا تُؤخَذُ بالرَّأْيِ، ولا تُدْرَكُ إلَّا بالتّوقيفِ، وقد رُوِيَ عن أبي هريرةَ حديثُ الوقتينِ مرفوعًا (٣)، وجعلَ للمغربِ وَقْتًا واحدًا" على ما مضَى عليه القولُ من أَخبار العلماء، وقد مضَى القولُ في الأوقات.
تَنْبِيهٌ على إغفالٍ (٤):
روى يحيى بنُ يحيى (٥): "بغَبَسٍ" بالسِّينِ (٦)، ورواه ابن وضَّاح: "بِغَبَشٍ" بالشِّين المنقوطة (٧). وكذلك رواه عن سُحنون عن ابنِ القاسم عن مالك، وكذلك رواه أكثر الرُّواة للموطّأ (٨)، ومعانيها متقاربةٌ، وهو اختلاطُ النُّورِ بالظُلْمَةِ (٩).
стр. 373
حديث سابع:
مالك (١)، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي طلحةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: "كنَّا نُصلِّي العصرَ، ثمَّ يخرُجُ الإنسانُ إلى بني عَمْرِو بنِ عَوْنٍ، فيجِدُهُم يُصَلُّون العصرَ".
قال الإمام الحافظ ﵁ (٢): هذا الحديثُ يدخلُ في الْمُسْنَدَاتِ (٣)، وهو الأغلبُ من أمْرِهِ، وكذلك رواه جماعةُ الرُّوَاةِ للمُوَطَّأ عن مالك (٤)، وقد أسْنَدَهُ ابنُ المُبارَكِ، فذَكَرَ عن مالكٍ، عن إسحاقَ، عن أنسٍ؛ قال: كنَّا نصلِّي العصرَ مع رسولِ الله ﷺ ، فذَكَرَهُ مُسْنَدًا (٥)، وكذلك رواه عَتِيقُ بن يعقوب عن مالك.
وهذا الحديث يدلُّ على معنيين:
أحدُهما: تعجيلُ رسولِ الله ﷺ الصّلاةَ في أوَّلِ الوقت.
والثّاني: سَعَةُ الوقت. وأنّ النّاس في ذلك الوقت -وهم أصحاب رسول الله ﷺ لم تكن صلاتهم في فَوْرٍ وَاحِدٍ؛ لِعِلْمِهِم بما أُبيحَ لهم من سَعَةِ الوقت، والآثار كلُّها تدلُّ على أنّ أكثرَ وقتِها ممدودٌ.
стр. 374
شرح معنويٌّ (١):
قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي: أمّا حديثُ أنَسٍ في خروجِهم بعدَ انقضاءِ الصلاةِ إلى بني عَمْروِ بن عَوْفٍ في قُبَاء، فيجدُهم يُصَلُّون العصرَ، فإنّما جاء به لبيان تَفَاوُتِ النَّاس في تقديم الصّلاة وتأخيرها على حَسَبِ أعمالِهم وأشغالِم.
* واختلفَ النّاس في الشغل* الصّلاة إذا تَعَارَضَا مع سَعَة الوقت، فقال أحبارُهُم: من فِقْهِ الرجُل أنّ يبدأ بشُغلِهِ قبلَ صلاتِه حتى يُقِيمَها بقَلْبٍ فارغ لها (٢)، وإلى هذا وقعتِ الإشارةُ بقوله ﷺ في الحديث الصّحيح (٣): "إَذَا حضَرَ العَشَاءُ والصَّلاةُ - زاد الدّارقطني (٤): وَأَحَدُكُمْ صَائِمٌ- فَلْيَبْدَأ بِالعَشَاءِ" (٥).
وههنا اختلفَ النّاسُ قديمًا وحديثًا، إذا ترَكَ الصّلاةَ عن أوَّلِ الوقتِ بعدَ عِلْمِهِ بها، هل يترُكُها إلى بَدَلٍ، أو يترُكُها ترْكًا مُطْلَقًا؟
فمن العلماء من قال: إنّه يترُكُها إلى بَدَل، وهو العَزمُ على الفعلِ (٦).
ومنهم من قال: يترُكُها مُطْلَقًا. وليس بشيءٍ؛ لأنّ في ذلك تَسْوِيَةً بينَها وبين النَّقْل.
стр. 375
فإن قيل: لو كان العَزمُ على الفعلِ بَدَلًا لأسقطها إذا فُعِلَ، كسائرٍ الأبدالِ إذا فُعِلَت سَقَطَتْ مُبْدَلاَتُهَا. الجوابُ: أنّ سائرَ المُبْدَلاتِ إنّما سقَطَت بأبدالها؛ لأنّها جُعِلَت بَدَلًا عن أصل الفعل، وفي مسألتِنَا جَعَل العَزمَ بَدَلًا عن تأخيرِ الفعلِ، وقد أدخل الدارقطنيُّ (١) هذا الحديثَ (٢) في أوهام مالكٍ؛ لمخالفَةِ الجماعةِ له فيه، وانفرادِهِ دونَهم به، والله أعلم.
حديثٌ ثامن:
مالك (٣)، عن ابنِ شهابٍ، عن أنسٍ؛ أنَّه قال: كنّا نُصَلِّي العصرَ، ثمَّ يذهَبُ الذّاهبُ إلى قُبَاءٍ، فَيَأتِيهِمْ والشَّمشُ مُرتَفِعَةٌ.
الإسناد:
قال الإمام (٤): هذا حديثٌ مرفوعٌ عند أهل العِلْمِ بالحديثِ؛ لأنّ مَعْمَرًا وغيرَهُ من الحُفَّاظِ قالوا فيه: عن الزُّهريِّ، عن أنس؛ أنّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُصَلِّي العصرَ، ويذهبُ الذَّاهبُ إلى الْعَوَالِي والشَّمسُ مرتفعةٌ.
قال الإمام (٥): ولم يختلف فيه عن مالك أنَّه قال فيه: "إلَى قُبَاءٍ" (٦) ولم يتابِعْه على ذلك أحدٌ من أصحاب ابنِ شهابٍ، وسائرُ أصحابه (٧) يقولون: "ثمَّ يذهبُ الذاهبُ إلى الْعَوَالِي" وهو الصّواب عند أهل الحديث والنقل، والمعنى في ذلك قريبٌ.
стр. 376
وقد رواه خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، عن مالكٍ فقال فيه: "إلى العَوَالِي" (١) كما قال سائرُ أصحابِ ابنِ شهابٍ.
والعَوَالِي مختلفةُ المسافةِ، فأقربُها إلى المدينة مِيلاَنِ وثلاثة، وأبعدُها ثمانية ونحو ذلك (٢).
تنبيه على مقصد:
قال الشّيخ أبو عمر ﵁ (٣) -: " والمعنى الّذي أدخل مالك له هذا الحديث، تعجيل العصر، خلافًا لأهل العراق الّذين يقولون بتأخيرها، فنقلَ ذلك خَلَفُهم عن سَلَفِهم بالكوفة والبصرة". وأمّا أهل الحجاز، فعلى تعجيلِ العصرٍ نقلَ سَلَفُهُم عن خَلَفِهِم.
حديث تاسع (٤):
مالك (٥)، عن رَبِيعَةَ، عن القاسِمِ بنِ محمدٍ؛ أنّه قال: ما أَدرَكْتُ (١) النَّاسَ إِلَّا وَهُمْ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ بِعَشِىِّ.
قال مالك: يريدُ الإبرادَ بها.
وأهلُ الأهواءِ يُصَلُّونَ الظُّهرَ عند الزّوالِ، بخلافِ ما هم النّاسُ عليه، وكان مالكٌ يكرَهُ أنّ تُصَلِّى الظُّهرُ عند الزّوال، وكان يقولُ: هي صلاةُ الخوارجِ وأهلِ الأهواءِ.
стр. 377
وقتُ الجمعةِ
قال الإمامُ: في هذا الباب للعلماء ثلاثة فصول وثلاث فوائد:
الفصل الأولى في الإسناد
مالك (١)، عن عَمِّهِ أبي سُهَيْلِ بنِ مالكِ، عن أبيه؛ أنّه قال: كنتُ أَرَى طِنْفِسَةً لعَقِيلِ بنِ أبي طالبٍ. الحديث.
قال الشّيخ أبو عمر (٢): "يَرْوِي هذا الحديث عبدُ الرّحمن بنُ مهديِّ، عن مالكٍ، عن عَمِّهِ، عن أبيه، فقال فيه: كان لعَقِيل طِنْفِسَةٌ ممّا يلي الرّكْنَ الغربيَّ، فإذا أدركَ الظِّلَّ الطِّنْفِسَةَ خَرَجَ عُمَرُ ... ".
قال (٣): "فجعلَ مالكٌ الطِّنْفِسةَ لعَقيل، وجعَلَها محمدُ بن إسحاق للعبّاسِ في حديثٍ آخر (٤)، والله أعلمُ. والمعنى في طرحها لعَقيل؛ أنّه كان يجلسُ عليها ويجتمعون (١) إليه (٥) ".
стр. 378
الفصل الثاني في التّرجمة
قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي (١): أَتْبَعَ مالكٌ ﵀ ذِكْرَ الأوقاتِ بوقتِ الجمعةِ، وهو الثّالثَ عشرَ من أوقاته الّتي بَنَى عليها.
وقال الشّيخ أبو عمر ﵁ (٢): "إنّما أدخلَ مالكٌ هذا الخبرَ دليلًا على أنّ عُمَرَ لم يكن يُصلِّي الجمعةَ إلَّا بعدَ الزّوالِ، ردًّا على من قال: إنْ عمر وأبا بكر كانا يصلّيانها قبلَ الزّوالِ، وإنكارًا لمن قال: إنّها صلاةُ عِيدٍ، فلا بأس أنّ تُصَلَّى قبل الزّوال".
وأما من قال: كنا نُصَلِّيهَا ضُحىً (٣)، فباطل عند مالك؛ لأنّه محجوجٌ بحديث (٤) أبي بكرٍ بنِ عَيَّاشِ، عن أبي إسحاق؛ قال: صلَّيتُ خَلْفَ عليّ بن أبي طالب الجمعة بعد الزَّوالِ (٥)، وعلى هذا مذهبُ الفقهاءِ كلِّهم (٦)، لا تَجوزُ الجمعةُ عندَهُم ولا الخُطبةُ إلَّا بعدَ الزَّوالِ.
ورَوَى (٧) ابنُ القاسم عن مالك، أنّه قال: وقتُ الجُمُعَةِ وقتُ الظُّهْرِ (٣) لا تَجِبُ إلَّا بعدَ الزَّوالِ، وتُصَلِّى إلى غروبِ الشَّمسِ.
стр. 379
ومن العلماء من قال: وقتُها وقتُ الظُّهرِ (١).
وقد اضطربَ المذهبُ في ذلك على أقوال:
فقيل (٢): "إنّ أوّل وقتِ الجُمعةِ زوال الشّمسِ، وآخرَ وقتِهَا عند ابنِ القاسم وأَشْهَب ومُطَرِّف آخر وقتِ الظّهرِ (٣). وآخر وقتها عند ابن عبد الحَكَم وابن الماجِشُون وأَصْبَغ إلى صلاة العصر (٤) "، حكاه القاضي أبو الوليد الباجي ﵀.
نكتةٌ لُغَوِيّةٌ (٥)
قولُه: "كنتُ أَرَى طِنْفسةً لعَقِيل يَوْمَ الجمعةِ" الطّنافسُ هي البسط، واحدُها طِنْفسة. وعرض الغالب فيها ذراعان، ويحتمل أنّ يكون سجوده (٦) على الْحَصْبَاءِ وجلوسه عليها وقيامه (٢) ومعنى ذلك (٧): أنّ السُّجودَ على الطّنافِسِ مكروهٌ عند مالك، وكذلك كلّ ما ليس من نباتِ الأرض (٨)، إلَّا من ضرورةٍ شديدةٍ من حَرٍّ أو بَرْدٍ.
وأمّا بَسْطُها في المسجد، فقد رَوَى ابنُ حبيب عن مالك: ألّا بأس أنّ يُتَّقَي بَرْدُ الأرض بالحُصُرِ والمصلّيات (٩) في المساجد، ومعنى ذلك (١٠): أنّ الجُلوسَ على الفراشِ والاتِّكاءَ على الوسائدِ يُنَافِي التّواضعَ المشروعَ في المساجدِ.
стр. 380
نُكْتَةٌ:
قال. ابن حبيب (١) وعيسى بن دينار: بين المدينة ومَلَل (٢) ثمانيةَ عشرَ ميلًا.
الفصل الثّالث (٣) في الشرح
قال الإمامُ الحافظُ: نصّ العلماء من قال: إنّها صلاةٌ كصلاةِ الظُّهر.
ومنهم من قال: إنّها كصلاة الضُّحَى.
ومنهم من قال: كصلاة العِيدَيْن، قاله مجاهد.
وعرضت ههنا مسألةٌ تعلَّقَ بها شيءٌ من هذا الخلافِ، وهو أنَّ الجمعةَ هل هي أصلٌ بنفسها والظُّهر بَدَلٌ، أو هي بَدَلٌ والظُّهرُ أَصلٌ؟ فاختلف في ذلك العلماءُ، ووقَعَ في "الكتاب" (٤): إذا دخَلَ يومَ الخميس يَظنُّهُ يومَ الجمعةِ، أو يومَ الجمعةِ يظنُّهُ يومَ الخميسِ، وذَكر فيهْ القولين. وفيها قولٌ ثالثٌ: إنَّه يُجْزِئُ فيهما، وفيها قول رابع: إنّه لا يجزىءُ في واحدٍ منهما.
ونظيرُها: إذا دخل المسافرُ خَلْفَ المقيمِ، أو المقيمُ خلفَ المسافرِ بنيَّةٍ مُطْلَقةٍ، أو بنيَّةِ الْقَصْرِ، أو بنيَّةِ الإتمامِ، موافقًا لنيَّةِ إِمَامِهِ، أو مخالفًا لها، والصّحيحُ أنّها إذا اختلفت نِيَّتُه مع نيَّةِ إمامه بَطَلَتْ صلاتُه؛ لأنّه إذا دخلَ يومَ الخميسِ وزادَ ركعتينِ، فقد زادَ في صلاته ما لم يَنْوِ. وإن دخلَ يومَ الجُمعةِ وهو يَظُنُّهُ يومَ الخميسِ، فقد نقص ما يَلْزَمُهُ، وكلاهما لا يجوزُ.
стр. 381
قال الإمامُ الحافظُ أبو بكر بن العربي: والّذي يَصِحُّ، أنّ الظُّهرَ أصلٌ والجمعةَ بَدَلٌ؛ لأنّ النّبيَّ ﷺ صلّى الظّهرَ أوّلًا ثمّ رجَعَ إلى الجُمعةِ بعدُ.
نكتة:
واختلَفَ العلماءُ -رضوانُ الله عليهِم- في أوَّل جمعةٍ جُمِّعَتْ؟
فقيل: إنّ أوَّلَ جمعة جمعت بعد المدينة بِجُوَاثَاءَ (١) من البحرين من بلاد عَبْدِ الْقَيْسِ (٢).
وقيل: بأمَجٍ. (٣).
ولكنّها بَدَلٌ يُفْعَلُ مع القُدْرَةِ على الأصلِ، كرامةٌ أكرمَ اللهُ بها هذه الأُمَّةَ، وشيءٌ يَسَّرَهُ اللهُ إليهم، قال رسول الله ﷺ : "نحنُ الآخِرُونَ" السّابِقونَ يومَ القيامةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكتابَ من قَبْلِنَا وَأوتينَاهُ من بَعْدِهِم، وهو اليومُ الّذي اختلفوا فيه، فهدَانَا اللهُ إِليْهِ، فالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ: اليهودُ غَدًا، وَالنَّصارَى بَعْدَ غَدٍ" (٤).
ومن الآثار المأثورة؛ أنّ جبريلَ ﵇ جاءَ إلى رسولِ الله ﷺ بمرآةٍ وفيها نُكتَةٌ، فقال له النّبيُّ ﵇: "ما هذه المرآة وهذه النكتة؟ " فقال: "هي الجمعة، والنُّكْتَةُ: السَّاعةُ" (٥).
стр. 382
وفي ذلك أربع فوائد:
الفائدة الأولى:
أنّ السَّبقَ بالفِعْلِ لا بالزِّمانِ.
الفائدة الثّانيةُ:
أنّ ابتداءَ حِسَابِ الجُمعةِ يومُ الجمعةِ، وخاتِمَتُهُ الخميسُ، إلَّا أنّ النّاسَ أصابَتْهُم رائحةٌ يهوديِّةٌ، فأخَّرُواَ أنفسَهُم وقد قَدَّمَهُمُ اللهُ، فيبتَدِئونَ بيومِ السَّبتِ، وَيخْتِمُون بيومِ الجمعةِ، وإلى مِثْلِه وقَعتِ الإشارةُ بقوله: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ الآية (١).
الفائدة الثالثة:
هي أَنْ جعلَ الجُثَثَ (٢) محمولةٌ للظُّروفِ، والظُّروفَ خبرًا عنها في قوله: "اليهودُ غَدًا" (٣) وقد قال عبدُ المَلِكِ بنُ مَرْوَانَ: نحن الدُّنيا فمن رفعناهُ ارتفعَ.
الفائدة الرابعة:
أنّ الله تعالى هدانا للتَّمَسُّك بالشّريعة، وأنّ أهلَ الكتابِ بَدَّلُوا، فهدانا اللهُ للحقِّ.
تنبيهٌ وتبيينٌ:
ثُبت في الصّحيح أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي الجمعةَ، فينصَرِفُ وليس للحيطانِ ظِلُّ (٤)، وهذايدلُّ على (٥) التّبكير إليها, إلى التّبكير بها، وأدخل مالك (٦) حديث عمر موافقًا له؛ فإنَّ الطَّنْفسة إنّما كان يغشاها الظِّلُّ، ظلُّ الجِدارِ في أوَّلِ الوقتِ، وذلك يُعرَفُ بثلاثةِ شروطٍ:
أحدُها: صوبُ الْقِبْلَةِ بالمدينة.
والثّاني: الجِدَارُ. لأنّ الظِّلَّ يَختَلِفُ فيه.
стр. 383
الثالثُ: عَرْضُ الطِّنْفِسَةِ. لأنّها قد تكونُ بقَدْرِ الظِّلَّ أو زَائدًا.
وقد أُخِذَ على مالكٍ في تحديده وقتَ صلاةِ الجمعةِ بهذا القَدْرِ الّذي لا يمُكنُ الوصولُ إليه إلَّا بعدَ جهْدٍ، وهذا لا يتوجَّهُ عليه؛ لأنّه إنّما ساقَ ذلكَ من فعلِ عمرَ حُجَّةَ على من قدَّمَ الجمعةَ بالمدينةِ (١)، وبهذا أشارَ إلى أوَّلِ الوقتِ وهو حدُّها، وأوَّلُ الوقتِ يُدركُ في كلٍّ موضع بهيئتِهِ. وقد كان الأمُراءُ يؤخِّرونَها جدًّا حتّى يُخرِجُوها عن أوَّلها، فذكر مالكٌ (٢) أيضًا حديثَ عثمانَ؛ أنّه كان يُصَلِّي الجمعةَ بالمدينةِ، والعصرَ بِمَلَلٍ، وبينهُما نحوٌ من خمسةِ فَراسِخَ.
حديث مالك (٣)، عن عَمْرِو بنِ يحيى، عنِ ابنِ أبي سَلِيطٍ؛ أنَّ عثمانَ صلَّى الجمعةَ بالمدينةِ، وصلَّى الْعَصْرَ بِمَلَلٍ.
قلتُ: قال البخاريُّ (٤): "ابنُ أبي سَلِيطٍ هو عبدُ الله بن أبي سَلِيط"، وأبوهُ: أبو سَلِيط بن عمرو بن قيس الأنصاري من بني النّجّار، شَهِدَ بَدْرًا (٥)، قال الواقديّ (٦): "اسْمُه مَيْسَرَه بالهاء (٧) "، وقيل: لا يُعرَف اسْمُه (٨).
стр. 384
واختلف النَّاسُ فيما بينهُما (١)؟
فقال ابنُ وضاح: بينهما اثنانِ وعشرونَ ميلًا ونحوها.
وقال غيرُه: ثمانية عشر مِيلًا (٢).
ورُويَ عن مالك أنّه قال: بين المدينة ومَلل نحو من أحد وعشرين مِيلًا، وهذا يدلُّ على أنّه صلّاها في أوَّلِ الوقتِ.
باب من أدرك ركعة من الصّلاة
مالك (٣)، عنِ ابن شهاب، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: " مَن أدركَ ركعةً من الصّلاةِ فقد أدركَ الصَّلاةَ".
الإسناد
قال الشّيخ أبو عمر بن عبد البرّ ﵁ (٤) -: "هكذا رَوَى هذا الحديث جماعة رُوَاةِ المُوَطأ" (٥).
وقد ذكر في حديثِ ابنِ شهابٍ لفظة شاذّة (٦) لم يروها عنه غير عبد الوهاب (٧)،
стр. 385
فقال: "من أدركَ ركعةً من الصَّلاةِ فقد أدركَ الصَّلاةَ وفَضْلها".
واختلفَ العلماءُ في معنى هذا الحديث (١)؟ فقيل: ليس معناهُ أنّه تُجْزِئه عن باقِيها، وإنّما معناه: أنّه أدركَ الفَضْلَ، ولَزِمَهُ حُكْمُ الإمامِ الّذي نَوَاهُ ولَزِمَهُ الاقتداء به.
ونشأت ههنا مسألة ليس فيها عن النّبيِّ ﷺ نصِّ، وهو أنّه إذا كان مُدْرِكًا بركعةٍ للصّلاةِ، هل يكون ذلك أوّل صلاتِه أو آخِرَها؟ فاضطربَ العلماءُ في ذلك، وضُرِبَ بينه وبين الأكثر منهم باب لم ينفُذُوا فيه على معنّى، ولا يَحتَمِلُ هذا الكتابُ إدراكَ ظُلمةِ الإشكالِ فيه.
قال الإمامُ: والذي يجبُ أنّ يُعَوَّلَ عليه، أنّ الّذي أدرَكَ من الصّلاة، يَبْنِي عليها في الجُلوسِ والقراءةِ، وهذا فصلٌ تعرفونَهُ إنّ شاءَ الله، فلا معنى للإِطنَابِ فيه. إلَّا أنّه دخلَ عليه فرعان اختلَف في ذلك أشياخُنا، وهي اختلاطُ القضاءِ بالأداءِ في صلاةِ الرَّاعِفِ، وفي صلاةِ الخوفِ. ونشأَ منه فرع في تخريجُ صلاةِ المُسافِرِ مع المُقِيمِ، والّذي يَهْدِيكُم فيه، أنّ تجعلُوا أوَّلَ صلاتِهِ ما أدركَ، ثمّ تُركِّبوا عليه الجلوسَ وتُركِّبُوا عليه القراءةَ، فإن أدركَ ركعةً وقامَ إلى ثانيةٍ في صلاةِ الجَهْرِ، جهرَ بالثّانيةِ (٢). والصّحيحُ أنّه يأتي بهما عندنا؛ لأنّه لو أدركَ ركعتينِ من رُبَاعِيَةِ الجهرِ وقامَ إلى القضاءِ, يجهرُ ويقرأُ السُّورةَ.
стр. 386
والأصلُ في هذا نُكتةٌ بديعةٌ؛ وهو أنّه إذا أدركَ ركعةً، أو ما يكونُ به مُدْرِكًا، فقد فاتَتْهُ أركانٌ وصفةُ أركانٍ، فَليَقضِ ما فاتَهُ من رُكنٍ أو صِفَةٌ لرُكنٍ (١). ومن العلماءُ من قال: يَقضِيها في محلِّ مِثْلِهَا، وهو الصّحيحُ كما تقدَّمَ.
وقد سمعتُ أبا الوفاءِ (٢) إمام الحنابلةِ ببغدادَ يقولُ: من نَسِيَ الفاتحة في الثّلاثِ ركَعاتٍ، قرأَهَا في الرّكعةِ الرّابعةِ أربعَ مرّاتٍ، وكان يُسْنِدُ ذلك إلى أبي بكرٍ الصِّديقِ، وهذا لا يقولُ به إمامٌ مثلُ أبي الوَفَاءِ.
حديثُ مالكٍ (٣)، عن نافعٍ؛ أنّ ابنَ عمرَ كان يقولُ: إذا فَاتَتْكَ الرَّكْعةُ فقد فَاتَتْكَ السَّجْدَةُ.
آخر:
حديثُ مالكٍ (٤)؛ أنّه بَلَغَهُ أنَّ ابنَ عمرَ وزَيْدَ بنَ ثابتٍ، كانا يقولان: من أدركَ الرَّكعةَ فقد أَدْرَكَ السَّجْدَةَ.
هكذا رواه يحيى، وأمّا القعنبيُّ (٥) وابن بُكَيْر (٦) وأكثر الرُّواة للموطّأ (٧)، فرَوَوْهُ عن مالكٍ؛ أنّه بلَغَهُ أنّ ابنَ عمر وزيدَ بنَ ثابتٍ كانا يقولان: مَنْ أدركَ الرّكعةَ قبلَ أنّ يَرْفَعَ الإمامُ رأسَهُ فقد أدركَ السَّجْدَةَ.
стр. 387
* مالك (١)، أنّه بَلَغَهُ أنّ أبا هريرة كان يقول: من أدركَ الرّكعَةَ فَقَدْ أدركَ السَّجْدَةَ*، ومَن فَاتَتهُ قراءةُ أُمِّ القرآنِ، فقد فَاتَهُ خيرٌ كثيرٌ.
قال الشيخ أبو عمر ﵁ (٢) -: معنى قوله: "مَن أَدْرَكَ الرّكعةَ" الإدراكُ ههنا هو أنّ يركَعَ الإمامُ فيُدْرِكُهُ المأمومُ رَاكعًا فيركَعُ برُكُوعِه, فهذا معنى قوله, وهذا قولُ مالكٍ وأكثرِ العلماءِ، وفي ذلك خلافٌ من أجلِ حديثِ أبي هريرةَ؛ أنّه قال: منْ أَدركَ القومَ رُكُوعًا فلا يُعْتَدُّ بصَلاَتِهِ أو لا يُعْتَدُّ بها.
قال الإمام الحافظ (٣): وهذا قولٌ لا أعلم أحدًا من فقهاءِ الأمصارِ قال به، وفي إسناده أيضًا نظر (٤).
وأمّا قوله (٥): "ومَن فاتَهُ قراءةُ أُمِّ القرآنِ فقد فاتهُ خيرٌ كثيرٌ" قال ابنُ وضّاح (٦) وجماعة من الفقهاء (٧): ذلك مَوضِعُ التّأمينِ واللهُ أعلمُ، يَعْنونَ قولَهُ: "من وَافقَ تأمينُه تأمينَ الملائكةِ غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (٨).
стр. 388
باب ما جاء في دُلُوك الشّمس وغسَقِ اللّيل
فيه فصول:
الفصل الأوّل (١)
في الترجمة
أدخل مالكٌ ﵀ هذا البابَ لنُكْتَةٍ واحدةٍ - وإن كان فيه كلامٌ كثيرٌ- ليُبَيِّنَ من قول ابنِ عمرَ (٢) وابن عبّاس (٣) - وهما أصلانِ في اللُّغةِ- أنّ الدُّلوكَ الزَّوَالُ، حتّى يكونَ قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿مَشْهُودًا﴾ (٤) مُتَنَاوِلًا للصّلوات الخمس (٥).
تأصيلٌ:
بَيَّنَ مالكٌ ﵁ في هذا الباب أصلًا من أصول الفقه؛ وهو أنَّ الحُكْمَ إذا تعلَّقَ باسْمٍ له أوَّلٌ وآخرٌ، تعلَّق بأوَّلِهِ. وقد اختلفَ العلماءُ في ذلك اختلافًا كثيرًا، تتعلَّق به الفروعُ من "كتاب الطهارة" إلى "أُمَّهَات الأولاد".
стр. 389
قال الإمامُ: وللدّلوكِ أوّلٌ وهو سقوطُ الشّمسِ عن كَبِدِ السّماءِ وآخِرٌ وهو الغروبُ في رَأْيِ العينِ.
الفصل الثّاني في الإسناد
قال الإمامُ الحافظُ الشّيخُ أبو عمر ﵁ (١) -: قولُ مالكٍ (٢): "أَخبرني (٣) مُخْبِرٌ؛ أنّ ابنَ عَبَّاسِ كان يقول: دُلُوكُ الشَّمْسِ: إِذَا فَاءَ الْفيءُ، وَغَسَقُ اللَّيلِ: اجْتِمَاعُ اللَّيْلِ وظُلْمَتُهُ" إنّ الْمُخبِرَ هاهنا هو عِكْرِمَةُ، وكذلك رواه الدّراوَرْديُّ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عبَّاسِ، وكان مالكٌ يَكْتُمُ اسمَه، لكلامِ ابن المسيَّب فيه، وقد صرَّحَ به مالكٌ في "كتاب الحجِّ" (٤)، وقد ذكرنا السَّبَبَ المُوجِبَ لذلك (٥)، وذكرنا فضلَ عِكْرِمَةَ والثّناءَ عليه مع فضائلِ التّابعينَ في جُزءٍ مُفْرَدٍ (٦)، ومات عِكْرِمَةُ عند داوُدَ بنِ الْحُصَيْنِ بالمدينةِ.
واختلفت ألفاظُ المتأوِّلينَ في ذلك؟
стр. 390
فمنهم من يقولُ: دُلوكُها مَيْلُها بعدَ نصفِ النّهار (١).
ومنهم من يقولُ: دلوكُها زيغُها (٢)
ومنهم من يقولُ: دلوكُها غروبُها (٣).
ولم يُخْتَلَفْ عنِ ابنِ عمرَ أنّه كان يقولُ: دلوكُها ميلُها (٤).
وأمّا (٥) ابنُ مسعودٍ، فلم يُخْتَلَف عنه أنّ دُلُوكَها غُروبُها، وكان يُقْسِمُ على ذلك (٦)، والوجهان في اللغة معروفان (٧).
وقال بعضُ أهلِ اللُّغةِ: دُلوكُها: مِنْ زوالِها إلى غروبِها (٨).
وأما غَسَقُ اللّيل، فالأكثرُ على أنّه أُرِيدَ به صلاةَ العِشاءِ.
ورُوِيَ عن مجاهدٍ أنّه قال: غَسَقُ اللَّيلِ هو غروبُ الشَّمسِ (٩).
وقال غيره: غَسَقُ اللَّيلِ: المغربُ والعشاءُ.