← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

بشيءٍ * لا يوجد إِلَّا بمعنى مستأنف، وربّما تعجّل الأمد البعيد، وربّما تعذّر، فكان العتق يتأجّل بتأجُّله. المسألة الثّالثة (١): فإن قال لأَمَتِهِ: أنتِ حرّة على أنّ تُسلِمِي، فقد قال ابنُ حبيب عن أَصْبَغ: إِنْ أَبَت فلا حريّة لها، كقوله: إنَّ شئت، وليس كقوله: أنت حرّة على أنّ تنكحي فلانًا، ثمّ تَأْبَى، فإنَّ العتق مَاضٍ، والفرقُ بينهما: أنّها رضيت بذلك، فبنفس العِتق تكون مسلمة، كقوله: على أنّ عليك عشرة (٢)، وقوله: على أنّ تنكحي، إنّما شرط عليها عملًا بعد تمام العَقد يصحُّ أنّ يتأخر الزّمن الطّويل (٣)، وهذا تأخّر، فكان بمنزلة أنّ يشترط عليها عملًا أو خدمة. باب من أعتق رقيقًا لا يملك مالًا غيرهم الإسناد (٤): قال الإمام: هذا الحديث مُرسَلٌ (٥)، وقد أَسنَدَهُ مسلم (٦) من رواية إسماعيل بن عُلَيَّة، عن أيّوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلّب، عن عمران بن الحصين.

стр. 3257

الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (١): قال علماؤنا (٢): تستعملُ القُرعة فيما جاء فيه الخبر من العِتق في المرض أو الوصية به في جملة (٣) يضيق ثُلُثه عنهم، وكذلك في المجهولين من جملة إذا كان في مرضه أو وصيّة. ولا يُسهم بين المدبرين في الصِّحَّة؛ لأنا لا نعدو ما جاء فيه الخبر. ولفظ ما روى مالك: "أَعتَقَ أَعبُدًا" ظاهره بَتْلُهم عند موته، وظاهر ذلك المرض، وإن كان يجوز أنّ يكون في الصِّحَّة ويريد به القُربَة. المسألة الثّانية (٤): وأمّا الوصيّة بعتقهم، فلا خلاف في المذهب أنّه يقرع بينهم. وأمّا إنَّ بتلهم في المرض، فرَوَى محمّد عن ابن القاسم؛ أنّه يُقرَع بينهم. وقال أَصبَغ والحارث: يعتق من كلِّ واحدٍ بغير سَهْمٍ وإنّما السَّهمُ في الوصيَّةِ. تبيين (٥): قال الإمام الحافظ: وإنّما وجب الاختلافُ في هذا، لإشكالٍ وقع في الحديث الثّاني حديث الثّقفي أنّه أَوصَى بعتقهم، وهذا أسهم وأقرع بينهم (٦). فوجه الأوّل: أنّ العِتقَ في المرض خارج من الثُّلُثِ كالوصيّة.

стр. 3258

ووجه الثّاني: أنّه عِتقٌ لا رجوعَ له فيه، كالعِتق في الصِّحَّة. وإذا قلنا: تُستعمَل القُرعة في العِتقِ، فقد رُوِيَ عن ابن نافع (١): لا يسهم بينهم إذا كان للمالك مالٌ، وإنّما ذلك إذا لم يكن له غيرهم (٢). وإنّما أسهمَ النّبيُّ ﷺ بين السِّتَّة لأنّه لم يكن له مالٌ سواهم. المسألة الثّالثة (٣): قال (٤): ومن أعتق في صحَّتِه، فقال مالك وابن القاسم: لا يسهم في عِتق الصِّحَّة، ومعنى ذلك: أنّ يعتق جميع رقيقه في الصِّحَّة؛ لأنّ ذلك ينفد. مال العبد إذا أعتق الفقه في مسائل: المسألة الأولى (٥): قوله (٦): "مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ العَبدَ إِذا أُعتِقَ تَبِعَهُ مالُهُ": يريد أنّه لا يكون له انتزاعه (٧) منه إذا أعتقه، ولم يستثن ماله ولا شيءٍ منه؛ لأنّ لفظ العِتق لم يتناول ماله، وإنّما قوّى ملكه له، بخلاف البَيع فإنّه وإن كان لا يتناول أيضًا إِلَّا العبد دون ماله، فإنّه يخرج إلى مالك له من انتزاع ماله ما للأوّل، فكان الأوّل أحق به؛ لأنّ بيعه دون ماله بمنزلة انتزاعه، وذلك جائز له.

стр. 3259

المسألة الثّانية (١): هذا حكم عتقه المباشر البتل والوصيّة؛ لأنّ الوصيّة بالعِتْقِ عِتقٌ (٢). وقال أشهب: ليس للوارث أو الورثة انتزاع مال الموصى بعِتقِه قبلَ إنفاذ عتقه، إنَّ كان العتق معجَّلًا. وإن كان مؤجَّلًا بعد الموت، فلهم انتزاعه ما لم يقرب الأجل، وبه قال محمّد. وقال ابن عبد الحكم: ليس لهم ذلك. ووجه الأوّل: ما احتجّ به محمّد؛ أنّ حكم الورثة حكم الموروث (٣). باب عتق أمهات الأولاد وجامع القضاء في العتاقة الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٤): قوله (٥): "لَا يَبِيعُهَا وَلَا يَهَبُهَا ولَا يُوَرِّثُها". هو كما قال، وعليه فقهاء الأمصار، وقد تقدَّمت الإشارة إليه. المسألة الثّانية (٦): وإذا أسلمت أم ولد الذِّمّي، عرض عليه أنّ يُسلِم، فإن أسلم فهي على ما كانت، وإن لم يُسلِم ففي "الموازية": تعتق عليه بالحكم، وهو قول مالك وأصحابه.

стр. 3260

وفي "كتابُ ابن سحنون": عن مالك في ذلك روايتان؛ قال: تُعتق، ثمّ قال: تُوقف إلى أنّ يموت أو يُسلِم، ثمّ رجع إلى العِتق. ورَوَى ابن حبيب عن ابنِ الماجِشُون: إنَّ أنفق عليها وقفت حتّى يموت، أو يُسلِم فتكون أمّ ولد. وقال ابن عبد الحَكَم: تُوقف حتّى تحيض حيضة، فإن أسلم فيها وإلّا عُتقَت. ووجه القول الأوّل بتعجيل عِتقِها: أنّه إنّما له فيها الاستمتاع، فإذا حرم عليه عجل عتقها. ألَّا ترى أنّ المُعتَق إلى أجلٍ إذا وهب سيّده عِتقَه عجّل عتقه لَمَّا لم يبق له فيه تصرُّف. ووجه القول الثّاني: أنّه لم يحرّم عليه الاستمتاع بها على التّأبيد، وإنّما حرم بسببٍ يمكن زوالُه كما لو زَوَّجَها. المسألة الثّالثة (١): وأمّا المرتدّ، فقال أشهب: قد عتقت أمّ ولده بالرِّدَّة، فلا تردّ إليه كفراقه زوجته. وقال ابنُ القاسم: تحرم عليه بالرِّدَّة، فإن تاب رجعت أمّ وَلَدٍ له، وإن قتل عتقت، رواه محمّد عنه. ووجه (٢) ما احتَجَّ به: من قياسه على الطّلاق. ووجه الثّاني: أنّها مِلكٌ له فلا تزول بِرِدَّتِه، وإنّما تبقَى مراعاة كسائر رقيقه. وقوله (٣): "يَستَمتِعُ بِها" يدلُّ على أنّ له جماعها وما يتبعه من أنواع الاستمتاع؛ لأنّ اسم الاستمتاع يشتمل على ذلك كلّه، ولم يذكر أنّ له استخدامها.

стр. 3261

وقال عبد الوهّاب في "معونته" (١): "له استخدامها فيما يقرب". وقال في "الإشراف" (٢): في ليس له إجازتها، خلافًا لأبي حنيفة (٣) والشّافعيّ (٤). ودليلنا: أنّه نوع من المعاوضة كان يملكه عليها قبل الاستيلاد (٥)، فلم يملكه بعده كبيع رقبتها". المسألة الرّابعة (٦): قوله (٧): "فَضَرَبَها سَيِّدُها بِنّارِ" الإصابة بالنّار على ضربين: أحدهما: العَمْد. والثّاني: الخطأ. أمّا "العَمد" فمُؤَثِّر في إيجاب العِتْق. وأمّا "الخطأ" فليس بمُؤَثِّر فيه. وفي "العُتبِيَّة" (٨) عن ابن القاسم فيمن ضرب عبده بسوط في أمرٍ عتبَ عليه ففقأَ عينه، قال: لا يُعتَق عليه. قال: وإنّما يعتق بما كان على وجه العَمد، يريد أنّ يقصد فقء عينه. وأمّا إنَّ ضربه فأخطأ فأصاب عينه، فلا يعتق عليه. قال سحنون: ولو ضرب رأسه فنزل الماء في عَينَيه، فليس بمثله يعتق بها. ووجهه: ما قدّمناه (٩).

стр. 3262

المسألة الخامسة (١): وأمّا "العَمْد" وهو القصد إلى إتلاف عُضوٍ أو إحداث ما يتولَّد عنه الشّين، فعلى ضربين: ١ - ضرب يبلغُ به شيئًا فاحشًا، فهذا يعتق به عليه (٢). ٢ - وإن لم يبلغ ذلك لم يعتق، وإنّما يعتق باجتماع أمرين: العمد، وبلوغ الشَّينِ الفاحش، قاله عيسى، ورواه محمّد عن أشهب. وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يعتق عليه في شيءٍ من ذلك. وتعلّق أصحابنا بما رُوِيَ عن النّبيِّ ﷺ أنّه قال: "مَنْ مثَل بِعَبدِهِ عتق عَلَيْهِ" (٣). قال الإمام (٤): ولم أره من وجهٍ صحيحٍ. وأمّا من جهة المعنى، قال عبد الوهّاب (٥): يعتق عليه زَجرًا عن مُعاودةِ مثله، كالقاتل عَمدًا يُمنعُ الميراث. المسألة السّادسة: إذا ثبت العِتق بالمثلة، فقد قال عبد الوهّاب (٦) في كيفيّةِ العِتْق روايتان: إحداهما: أنّه يقع بالمثلة (٧). والثّانية: لا يقع إِلَّا بالحكم.

стр. 3263

فرع (١): فلو أَبِقَ العبدُ، فوسم في وجهه أو جبهته وكتب فيه آبق، فقال أشهب وابن وهب وأَصبَغ: يُعتَق عليه. قال أصبغ: فأمّا لو فعله في ذراعه أو باطن جَسَدِه، لم يعتق عليه. ومعنى ذلك: لما في الوجه من التّشويه البَيِّن، وأمّا في باطن الجَسَد فليس فيه شيءٌ (٢). فرع (٣): ومن قطع يَدَ عَبدِهِ أو أذنه، عتق عليه ويُعاقَب، قال أَشهَب: ويُسجَن (٤). وهذا فيما يبين من الأعضاء. فرع (٥): وأمّا قلع الضّرس، فعن مالك أنّه مُثْلَةٌ يُوجبُ العِتْقَ (٦). فرع (٧): وأمّا حَلق الرّأس واللّحية، فرُوِي عن ابن المّاجِشُون (٨) عن مالك: ليس ذلك بمُثلَةٍ. وقال ابن الموّاز عن ابن وَهْب: ويُؤَدَّب. والفروعُ في هذا الباب كثيرة جدًّا.

стр. 3264

باب ما يجوز من العتق في الرِّقاب الواجبة الأصول (١): قال الإمام: أمّا العِتْق المبتدأ، فلا خلاف فيه أنَّه يجوز فيه عِتق الكافر والمسلم، حتّى قال مالك: إنَّ عِتق الكافر ابتداءً أفضل من عِتق المسلم إذا كان أكثر ثمنًا، للحديث الصّحيح؛ أنّ النّبيّ ﷺ سُئل أيُّ الرّقاب أفضل؟ قال: "أغلَاهَا ثَمَنًا وَأَنفَسُهَا عِندَ أَهلِهَا" (٢). وخالفه أَصبَغ وأصاب، فليس النَّظر إلى تنقيص الملك على المعتق، وإنّما النّظرُ إلى تخليص المملوك من الرِّقِّ وتفريغه لعبادة الله، وثواب المُعتِق بتخليص كلِّ عضوٍ منه عضوًا من النّار. والكافر ليس بمحلِّ للتّخليص؛ لأنّه من أهل النّار. وأمّا الواجب، فالجمهور على أنّ الكافر لا يجزئ فيه. وقال أبو حنيفة (٣): يجزىءُ الكافر عن فَرْض العِتْق، كما يُجزىء المؤمّن، لانطلاق اسم الرّقبة عليه إِلَّا في القتل؛ لأنّ الله تعالى نصّ على الإيمان فيه. وهذا لا يصحّ؛ لأنّ الكافر ليس بِمَحَلِّ للقُرَبِ الفَرضِيّة، ولذلك لا يجوز أنّ يُعطَى من الزَّكاة الفَرضِيَّةِ. وقد احتجّ مالك (٤) بحديث الجَارِيَةِ الَّتِي أَرَادَ الأَنصَارِيُّ عِتقَهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : "أَينَ اللهُ؟ فَقَالَت: فِي السَّمَاءِ. فَقَالَ لَهَا: مَنْ أَنَا؟ فَقَالَت: أَنتَ رَسُول اللهِ. قالَ: أَعتِقهَا"، فأعتقها، فلم يأمره النّبيّ ﷺ بعتقها حتّى اعتبر حالها بالإيمان، ولو أجزأَ الكافر لأمره بعتقها. وكذلك قال في حديث السّوداء (٥): "أَتَشهَدِينَ أنّ لَا إِله إِلَّا اللهُ؟ وَأَنَّ

стр. 3265

مُحَمدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُؤمِنِين بِالبَعثِ؟ قالَت: نَعَم". ذلك كلّه ليُبيِّنَ ﵇ شرط الإيمان وحقيقته. فإن قيل: فهل يثبتُ الإيمانُ عندكم بهذه الصّفات الّتي اعتبرها النّبيّ ﷺ * أم بغيرها؟ قلنا: يثبت الإيمان بما أثبته النّبيّ ﷺ * وهي شهادة الحقّ: لا إله إِلَّا الله، محمّد رسولُ الله، والنّبيُّ ﵇ قد اختبر هذا كلّه من حالها، وعلم من حالها أنّها كانت متعلّقة بمعبودٍ في الأرض، فأراد أنّ يقطع علاقة قلبها بكلِّ إلهٍ في الأرض. اعتراض (١): فإن قيل: فقد قال لها: أين الله؟ وأنتم لا تقولون بالأَينِيَّة والمكان. قلنا: أمّا المكان فلا نقول به، وأمّا السّؤال عن الله بِأَينَ فنقول بها؛ لأنّها عن المكان وعن المكانة الّتي يُسأَل عنه بأين، ولم يجز أنّ يريد المكان؛ لأنّه محالٌ عليه. وأمّا قوله للجارية الثّانيّة: "أَتُؤمِنِينَ بِالبعثِ؟ " وهو الموت وما بعده، فعَلِم أيضًا من حالها ما دعاه إلى أنّ يسالها هل تعتقدُ الدّار الآخرة وتؤمن بها وأنّها المقصودة، وإن هذه الدّار الدّنيا قنطرةٌ إليها، فإنَّ مَنْ عَلِمَ ذلك وبَنَى عليه، صحَّ اعتقادُه وسلِمَ عَمَلُهُ. وأمّا (٢) قولها: "فِي السَّماءِ" فإنّها أرادت (٣) وَصْفه بالعُلُوِّ، ولذلك يقالُ: فلان في السَّماء، بمعنى عُلُوّه وشَرَفه. وأمّا قوله: "مَنْ أَنَا؟ فَقالَت: رَسُولُ اللهِ" يقتضي أنّ الإيمان لا يتبعَّض ولا يصحُّ

стр. 3266

الإيمان باللهِ مع الكفر بمحمّد. وقوله غير: "أَعتِقْهَا" يقتضي أنّ الإيمان يحصل بالإقرار وإن لم يقترن به نظرٌ ولا استدلالٌ، قاله القاضي أبو جعفر السِّمْنَانِيّ (١). وكذلك إذا أنّ من يُؤمِن، أَخَذْنا عليه الشّهادتين، فإذا أقَرَّ بِهما حَكمْنَا بإيمانه ولم نسأله عن نظره، وإن كنّا نأمره بذلك بعد إيمانه. مسألة (٢): أدخل مالك في هذا الباب عِتْق الزّانية وابن الزّاني، وأدخل عليه حديث النّبيّ ﷺ في جواب السّائل عن الرِّقاب أغلاها ثمنًا. ووجه النّظر في ذلك: أنّ الكافر لا يجزئ بحالٍ، والمطيع أفضل من العاصي ولا سيّما الزّانيَة، والزّناةُ مُتَوَعَّدُونَ بالنّار، فكان عتق المطيع أفضل، ولكن أصل الإيمان يجزيء؛ لأنّ المعاصي عندنا لا تسلب الإيمان. وأمّا ذِكرُهُ ولد الزِّنا، فإنّما قصد به أنّ يُبَيِّن به أنّ العَيبَ إذا لم يكن في البَدَن، لا يؤثِّر في العِتق وإن نقص من القيمة. وقال القاضي أبو الوليد (٣) فيمن وجب عليه عتق: "أجزأه أنّ يعتقه (٤) في ذلك؛ لأنّ ذلك النّقص لا يختصُّ به، وإنّما يختصُّ بِنَسَبِهِ، وذلك غير مأثورٍ في العِتق، كما لو كان أَبَوَاهُ مجوسيَّيْن. وقال زيد بن أسلم: هو خير الثّلاثة ولم يعمل سُوءًا: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أخرَى﴾ (٥).

стр. 3267

وقال ربيعة: إنِّي أجدُ في الإسلام شأنّه تامًّا (١). وقد روى في "العُتبِيَّة" (٢) أشهب عن مالك: أحبّ إليّ ألَّا يعتق ولد الزِّنا في الرّقاب الواجبة". باب ما لا يجوز في الرقاب الواجبة (٣) قال الإمام: مُعَوَّلُ هذا الباب على أصلّين: أحدهما: كمالُ الرِّقَّ في العبد. الثّاني: سلامته عن العيب. وبهذا قال الجمهور، إِلَّا أبا حنيفة (٤) فإنّه قال: يجوز المعيبُ في الكفّارة، ويجزيء فيها المكاتَب والمُدَبَّر؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿فَتَحريرُ رَقَبَةٍ﴾ (٥) وكل هؤلاء رقبة. قلنا: أمّا المكاتَبُ والمُدَبَّر، فليسا برقبةٍ، ولا يصحّ أنّ يتناولهما اللّفظ؛ لأنّه لا يقدر على بيعهما، فقد تزعزع ملكُه وتخلخلت مالِيَّتُهُ. فنقول: رقبةٌ ناقصةٌ لا يجوز له بيعها، فلا يجوز له عتقها كأمِّ الولد، وقد مهَّدنا ذلك في "مسائل الخلاف". وأمّا المعيبُ، فكيف يصحُّ لأبي حنيفة (٦) أنّ يجعلَ الأعمى رقبة؟ وهذا يُوجِبُ جميع القِيمَة على من أخرج عينه، فكيف يجعل* الأعمى رقبة، وهو يوجب جمع القيمة على من أخرج عينيه فكيف يجعَلُ * الرَّقَبة ذاهبة في حقّ الإتلاف، موجودة في حقَّ العِتقِ فيكون حرًّا؟ بل لو قاله بالعكس كان أَوْلَى.

стр. 3268

باب الولاء ومصيره لمن أعتق الأصول (١): الولاءُ كما جاء في الحديث: "لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَب" (٢)؛ لأنّه أخرجه بالحرِّيَّة إلى الوجود حُكمًا، كما أخرجه الأب من النُّطفة إلى الوجود حِسًّا، فإنَّ العبدَ كان معدومًا في حقِّ الأحكام شرعًا، لا يَشْهد ولا يقضِي ولا يَؤُمُّ ولا يحجّ ولا يُغطِي، ﴿عبدًا مملوكًا لا يقدِرُ على شيءٍ﴾ (٣)، فأخرجه الله بالحرِّيَّة على يَدَيْ سيّده عن عدم هذه الأحكام إلى وجودها، كما أخرجه إلى يدي أبيه بالنُّطفة إلى الوجود، والكل لله خَلقًا وحُكمًا، وله الحِكْمَة في هذا النَّسَب والإضافة، ولمّا أثبته لُحمة كلُحمة النَّسَب وأجراهُ مُجرى البَعْضِيَّة، نَاطَهُ بالعِتق خاصَّة، فقال: "إنّما الوَلاء لمن أعتقَ" في حديث بريرة الصّحيح (٤). وقال أبو عبد الله المازري في "المُعلِمِ" (٥) له: "في حديث بَرِيرَة فوائد كثيرة" ومسائل عظيمة: أول ذلك: في هذا الحديث مكاتَبَةُ من ليس له مال. الثّانية (٦): فيه ما يدلُّ على أنّ الخير الّذي ذكره الله في كتابه هو العفاف، في قوله: ﴿إنَّ عَلِمتم فِيهِم خيرًا﴾ (٧) أراد العفاف ولم يُرِد المال.

стр. 3269

الثّالثة (١): فيه جواز السُّؤال للمُكَاتَب للعون على كتابته. الرّابعة (٢): فيه أنّ المسؤولَ ليس عليه فرضٌ يعطي السّائل إذا لم يخف عليه الهَلَكَة من موتٍ أو أَسرٍ. الخامسة (٣): فيه أنّ أزواج النّبيِّ ﵇ كنّ يشرين من غير أنّ يستأذنّ النّبيّ ﷺ ، وقبل أنّ يأمرهنّ. السّادسة (٤): فيه أنّه ليس على سيِّد المُكاتَب أنّ يضع عنه إِلَّا أنّ يشاء. السّابعة (٥): فيه فسخ الكتابة للبَيع على العِتق. وقال بعض أصحاب مالك: إنَّ بريرة كانت عجزت، وهذه دَعْوَى، والحديث يدلُّ على خلافه؛ فإنّ العجزَ إنّما يكون عند الحاكِمِ (٦). الثّامنة (٧): وفيه أنّ رسول الله ﷺ كان إذا أراد أنّ يعاقب في أمرٍ يكون تأديبًا لمن عاقبه، يخطبُ النّاسَ قائمًا، ليكون ذلك أثبت في قلوبهم. ومعاقبة النّبيّ ﷺ إيّاهم بأن حرمهم الولاء إذا قدموا على ذلك قبل أنّ يسألوه وهو بين أَظهُرِهِم. التّاسعة (٨): قوله (٩): "وَإِنْ كانَ في هَذا مِئَةَ شَرْطٍ" ففي هذا أنّ مفهوم الخطّاب يقومُ مقامَ الخطابِ، وأنّ ما فوق المئة داخل في حكم المئة. العاشرة (١٠): فيه دليلٌ أنّ المُكَاتَب عبدٌ ما بَقِيَ عليه شيءٌ، وكان ابنُ عبّاس يرى

стр. 3270

أنّ بمنعقد الكتابة يخرجُ حرًّا ويتبعُ بالمال. الحادية عشرة (١): فيه أنّ بيع الأَمَة لا يكون طلاقًا كما يُذكَرُ عن ابنِ المسيَّب (٢). الثّانية عشرة (٣): فيه أنّ الحرّةَ تنكحُ العبدَ إنَّ شاءت؛ لأنّ النّبيَّ ﷺ خَيَّر بَرِيرَة في المقام مع زوجها وهو عبدٌ. الثّالثة عشرة (٤): فيه أنّ عِتقَ الأَمَة تحت العبد لا يكون طلاقًا، إِلَّا أنّ تشاء المُعتَقَة. الرّابعة عشرة (٥): فيه أنّ آل محمَّدٍ الذين لا تحلّ لهم الصَّدقة هم: بنو هاشم دون سائر قريش؛ لأنّ ولاء بَرِيرَة كان لعائشة وقومُها بنو تميم. الخامسة عشرة (٦): فيه أنّ لفظ الاستفهام ربما أنّ بمعنى التّقرير، لقوله: "ألم أر بُرمَةً تَفُورُ بِلَحمٍ (٧)؟ " ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَم تَرَ إِلى رَبِّكَ كيف مَدَّ الظِّلَّ﴾ الآية (٨). الفقه في مسائل: فأوّلها (٩): ابتداء الكلام في جواز بيعها، وقد اختلف العلماء وأقوال الأيمّة في بيع المُكاتَبِ على الجملة، فأجازه بعضهم، ومنعه بعضهم، والجواز على أنَّه يتأذّى منه المشتري لا على أنّه تبطل كتابته؛ لأنّ هذا لم نَعْلَم من يذهب إليه، وكذلك أجاز مالك بيع كتابته خاصّة، ويؤدِّي للمشتري، وإن عجز رَقَّ له. ومنع من ذلك ابن أبي سَلَمَة ورَبِيعَة،

стр. 3271

وهو مذهب أبي حنيفة (١) والشّافعيّ. وأجاز بعض النَّاس بيع المُكَاتَبِ للعِتق لا للاستخدام، وإن رَضِيَ بالبَيع وعجز عن الأداء لفَقرِه أو ضعفِه عن التَّكَسُّب جاز بيعُه، وهو المذهب. وفي بيع العبد بشرط العِتق من مشتريه اختلافٌ بين الأيمّة، فأجازه مالك والشّافعيّ (٢)، ومنعه أبو حنيفة، ولكنه قال: إنَّ وقع البَيْع مَضَى بالثَّمَن. وأمّا شراء العبد بشرط الإعتاق، فتعلَّق بهذا الحديث. وبقوله: اشتَرَتها عائشة بشرط العِتقِ، وقال النّبيُّ ﷺ : "ابتَاعِي وَاعتِقِي" (٣) وهذا الصّحيح إنَّ شاء الله. الوجه الثّاني (٤): وهو المشكل من هذا الحديث ممّا وقع في بعض طرق هشام هاهنا، وهو قوله ﷺ في "كتابُ مسلم" (٥): "اشتَرِيهَا وَاعتِقِيهَا وَاشتَرِطِي لَهُم الوَلَاء" فوجه المشكل منه أنّ يقال: كيف أمرها النّبيّ ﷺ بهذا وفيه عَقدٌ على شرطٍ لا يجوز، وتغريرٌ بالبائعين، إذ شرطت لهم ما لا يصحّ وخدعتهم فيه؟ ولَمَّا صعب الانفصال عن هذا على بعض النَّاس، أنكر هذا الحديث أصلًا، فحُكِيَ ذلك عن يحيى بن أكثم. وقد وقع في كثيرٍ من الرّوايات سَقط هذه اللّفظة، وهذا ممّا يشجِّع يحيى على الكلام على هذا الحديث.

стр. 3272

وأمّا المحقّقون من أهل العلم فطلبوا لذلك تأويلًا، واختلفوا فيه، فقال بعضهم: "لَهُمْ" هاهنا بمعنى "عليهم"، فيكون معناه: "اشترطي لهم الولاء". وقال آخرون: إنّما (١) بيّن لهم النّبيُّ ﷺ أنّ هذا الشِّراء لا يحلُّ، فلمّا تقاحموا على مخالفته، قال لعائشة هذه اللّفظة: "اشتَرِطِي" بمعنى: لا تبالي بشرطهم، وهو باطلٌ مردودٌ. والوجه الثّالث (٢): الكلام على قوله: "الوَلاء لِمَن أَعتَقَ": ولا خلافَ بين العلماء فيمن أعتق عبدَهُ عن نفسه أنّ ولاءَهُ له. واختلفوا إذا أعتقه عن غيره (٣)، أو عن جميع المسلمين. فمَذهَبُنا أنّ الولاء للمعتق عنه. ولأنّهم (٤) أجمعوا أنَّ الوصيَّة بعتق عن الميِّت أنّ الولاء للميِّت. ورَوَى ابن سحنون عن أبيه؛ أنّه من اعتق عبده عن غيره، فولاؤه للغير وإن كره. وقال عبد الوهّاب (٥): سواء أعتق عنه بإذنه أو بغير إذنه. وقال الشّافعيّ وأبو حنيفة: الولاء للمعتق إذا أعتق عنه بغير إذنه. ودليلُنا: أنّ الولاء معنى يورث به على وجه التّعصيب، فلا يفتقر حصولُه لمن حصل إلى إذن كالنَّسَبِ.

стр. 3273

فرع (١): ومن هذا الباب: أنّ من أعتق من الزَّكاة؛ أنّ ولاءه للمسلمين دون المعتق؛ لأنّه لم يعتق عن نفسه وإنّما أعتق عن غيره. وقوله: "الوَلَاءُ لِمَن أَعتَقَ" محمولٌ على عمومه، إِلَّا أنّه خصّ منه المعتق عن غيره، وقد رُوِيَ: "أَنَّ الوَلَاءَ لِمَن أَعْطَى الوَرِقَ" (٢) وقد يكون في الأغلب مُعطِي الوَرق من يعتق عنه دون مباشرة العِتْق. فرع (٣): وأمّا العِتق في الكفّارة، فولاؤه للمعتق؛ لأنّه أعتق عن نفسه. قال (٤): ومن أعتق مُدَبَّرًا عن فلان، فالولاء للمعتق، قاله ابنُ القاسم في "العُتبِيَّة" و"المَوّازيَّة". نازلة معضلة ومشكل (٥): وهو لو قال رجلٌ لعبدِهِ: أنت حرٌّ ولا ولاء لي عليك؛ فأمّا ابن القصّار فالتزم في هذه النّازلة أنّ يكون الولاء للمسلمين، ونَزَّلَ هذا القول منزلة قول القائل: أنت حرٌّ عن المسلمين، وكان بعض شيوخنا يخالفُه ويقول: إنَّ قوله: "أنت حرٌّ" استقر الولاء، واستئنافه بعد ذلك جملة ثانية، وهي قوله: ولا ولاء لي عليكَ (٦).

стр. 3274

مسألة (١): وأمّا جرّ الولاء، فأجمعتِ الأُمَّة عليه من الصّحابة عن بَكرَةِ أبيهم، وما يُحْكَى عن خلاف رافع بن خَدِيج فيه ليس بصحيحٍ، إنّما كان رافع المخاصم فيه إلى عثمان، فقضى عليه (٢)، وليس نزاع المنازع في مجلس القضاء بقول معدودٍ في الخلاف، وإنّما كان يكون لو تكلَّمَ بعد ذلك. وفي جَرِّ الولاء فروعٌ دقيقةٌ، ومسائل حَسَنَةٌ، اختلفَ فيها العلماء، وقد بسطنا القول فيها في "كتب المسائل" ولا نخليكم من نُبَذٍ منها في هذا "المختصر" ليقوى فيها النّظر. الأولى (٣): قوله (٤): "إِنَّ الجَدَّ يَجُرُّ وَلَاءَ وَلَد ابنِهِ"، قال محمّد: ماتَ أو عاشَ. ووجه ذلك: أنّ جرَّ الولاء وحده معنًى يختصُّ بالأَبوِيَّة، ولا يشارك في ذلك الأب غير الجدّ، وقال سحنون وابن الماجشون: وكذلك أبو الجدّ إذا كان حرًّا، وكان الجدّ وابنه عَبدَين، فإنّه يجرّ ولاء ابنه إلى مواليه، حتّى يعتق الجد فينتقل إلى مواليه هكذا. كان مات الأب عبدًا، ثبت الولاء لمن جَرَّهُ. وقال في "الموازية": لا ينتقل (٥) لأحدٍ من القرابات إِلَّا للأب، في تفريع طويل لهم.

стр. 3275

باب ما جاء في ميراث السَّائبة وولاء من أعتق قال الإمام (١): الأصل في ذلك قولُه تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾ الآية (٢). ومن قول متقدِّمي العلماء أنَّه لا سائبةَ في الإسلام، وألفاظُ العتق معلومةٌ وقد مهّدناها، وليس السّائبة منها. لكن إذا قال الرَّجل: عبدي سائبة، فلا يخلو من ثلاثة أوجهٍ: ١ - أحدها: أنّ يريد "ليس لي فيه ملك ولا منتفع" فهذه على الحريّة، ولكن جاء بلفظٍ ليس من ألفاظها. ٢ - وإن أراد بقوله: "هو سائبة" أنّه عتيق عن المسلمين، لا أجعل ذلك على أحد مخصوصًا، فإنّه يكون أيضًا عِتْقًا، ويكون ولاؤه لجميع المسلمين. ولذلك كره مالك هذا اللّفظ ونهى عنه؛ لأنّه قد تكلّم بقول قد عابه الله على قوم. وقال سحنون وأَصْبَغ: لا يعجبنا كراهية مالك لذلك، وباعُه في العلم أوْسَع منهم. ٣ - وأمّا إذا قال: "هو سائبة" كان ولاؤه لجميع المسلمين، قاله عمر، وابن عمر، وابن عبّاس، ورواه مُطَرِّف عن مالك. وقيل: إنَّ ولاءه لمعتقه، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وذهب إليه ابن نافع وابن المَاجِشُون، وقد قال النّبيُّ ﷺ : "الوَلَاءُ لِمَن أَعتَقَ". فإن قال السَّيِّد: هو سائبة، وقد قصد به إبطال الملك، فهو حرٌّ، وولاؤه * له. وإن قال: هو سائبة، وقصد به نبذه للنّاس أجمعين، فهو حرٌّ وولاؤه * لجميع المسلمين، فعلى هذا تُحمَل الرّوايات من اختلاف الحالات، وليس باختلافِ قولٍ في حالٍ واحدةٍ.

стр. 3276

تفريع: في هذا الباب سبع مسائل: المسألة الأولى (١): وفي "العُتبِيَّة" (٢) أَصبَغ عن ابن القاسم: أكره عِتق السّائبة؛ لأنّه كهبة الولاء. وقال عيسى: أكرهه وأنهى عنه. الثّانية (٣): قوله (٤): "في اليَهُودِيِّ يُسلِمُ عَبْدُهُ فَيُعتِقُهُ قَبْلَ أنّ يُبَاعَ عَلَيهِ" يقتضي أنّه يباع عليه إنَّ لم يخرجه عن ملكه؛ لأنّه لا يجوز استرقاق كافر مسلمًا، لقوله ﷺ : "المُسلِمُ أَخُو المُسلِمِ لَا يَظلِمُهُ وَلَا يُسلِمُهُ " (٥)، وليس في إسلامه أعظم من أنّ يسلمه إلى استرقاق الكافر له. فرع (٦): وفي "الموّازية ": يرثُ المسلمُ عبد عبده النّصرانيّ والمجوسي بالرِّقِّ، ولو أسلم عبد المجوسيّ ثمّ مات قبل أنّ يباع عليه، ورثه الكافر بالرِّقِّ. قال (٧): وكذلك مدبّره وأمّ ولده. ووجهه: أنّه ليس على معنى الميراث؛ لأنّه لو كان على وجه الميراث لكان أحقّ بميراثه ومن يرثه بالنّسب، والرِّقِّ يُنَافِي التَّوَارُثَ ولكنّه يستحقّ ماله بسببِ ملكه له.

стр. 3277

المسألة الثّالثة (١): قوله (٢): "فَإِنْ أَسلَمَ اليَهُودِيُّ أَوِ النَّصرَانيُّ لَم يَرجِع إِلَيهِ الوَلَاءُ"، وذلك أنّ العِتقَ وقع في وقتٍ يمنع ثبوتَ الولاء بافتراق الدِّينَين؛ لأنّه لا يثبت ولاء مسلم لكافر، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ﴾ الآية (٣)، فإذا أعتق الكافرُ المسلمَ، لم يصحّ ثبوت الولاء له، ولم يكن له موضعٌ يرجع إليه إِلَّا إلى جماعة المسلمين، فثبت لهم، لقوله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات﴾ الآية (٤). فرع (٥): وأمّا قولُه (٦): "إِذا أَعتَقَ عَبدًا عَلَى دِينِهِ، ثُمَّ أَسلَمَ مَنْ أَعتَقَهُ، رَجَعَ إِلَيهِ وَلَاؤُهُ" يريد أنّ النّصرانيّ إذا أعتق عبده النّصرانيّ، فقد ثبت له الولاءُ لاتِّفاق الدِّينَينِ. فإن أسلم أحدهما ثمّ مات المعتق، لم يرثه المعتق لاختلاف الدِّينَين. والفروع كثيرة في هذا النّوع.

стр. 3278

كتاب الكتابة الأصول (١): أذنَ الله تعالى في الكتابة رحمةً للخَلقِ، وحالةً متوسطةً بين السّادةِ والعبيدِ؛ لأنّ السَّيِّد ربّما شقَّ عليه أنّ يخرج قيمة العبد عن ملكه، وربَّما لم يثق بالعبد في أداء خراجه، فيريد أنّ يجتهدَ العبدُ في أداء المالِ لقصدِ الحرِّيَّة، فيحصل لكلِّ واحدٍ منهما مقصوده. وربّما كره بقاءه في ملكه، وإن كان مجتهدًا في أداء كسبه فيخرجه عن يده، ويقتنع بالقيمة. وقد يكون راغبًا في عبده، ولكن يرى فيه من الأمر ما يحمله على عتقه، وإن سمحت نفسه بذلك أنفذ له الحريّة، وإن شحّ على ماله باعه على نفسه وهي الكتابة. قال الله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ الآية (٢). قال بعض المفسرين: الكتابة واجبةٌ؛ لأنّ الله تعالى أمر بذلك أمرًا مطلقًا، والأمر المُطلَقُ محمولٌ على الوجوب. قال علماؤنا: كذلك نقول إنَّ لم تقم قرينة تصرفه عن الوجوب، أو يدلُّ على سقوط الوجوب دليلٌ، وههنا قرينة، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (٣) فصرفَ الأمر إلى عِلم المأمور، والتّكاليف الجازمة والأوامر الواجبة لا تقف على خِيَرَةِ المكلَّف وعلمه.

стр. 3279

وأمّا الدّليل الّذي دلّ على سقوط الوجوب فيها، فهو أنّ العِتقَ -وهو الأصل- لا يجب فضلًا عن الفرع وهي الكتابة، ولذلك قال علماؤنا: إنها رخصةٌ مستثناةٌ من جميع المعاملات؛ لأنّ السَّيِّد يبيع فيها ماله بماله، ولا يصحّ أنّ يُجبَرَ العبدُ عليها، وإنّما تكون برضاه، فإذا عقدها مع سيِّدِه لزمته عند جمهور العلماء. وقال الشّافعيّ (١): يجوز له أنّ يتركها متى شاء، وقال بذلك جماعة من المتقدِّمين، واحتجّوا على ذلك بحديث بريرة، قولُه فيه: "فجاءَت أَهلهَا فَبَاعُوها" خرَّجه البخاريّ (٢). قلنا: لم يبع أهل بريرة رقبة بريرة، وإنّما باعوا كتابتها، ولأجل ذلك قالت عائشة في الحديث: "إنْ أحَبَّ أَهلُكِ أنّ أعُدَّها لَهُم عَدَّةً واحِدَةً فَعَلتُ" فهذا الّذي يقتضيه حديث بريرة. وإن كان العلماء اختلفوا في بيع الكتابة، فكره ذلك الشّافعيّ (٣) وابن الماجِشُون ورَبِيعَة، وحديث عائشة نصٌّ في جوازه. فإن قيل: إنَّ بريرة كانت عجزت، وإذا عجز المكاتَب رقَّ. قلنا: هذه دَعوَى وزيادةٌ في الحديث. وأيضًا: فإنَّ عجزها لا يكون إِلَّا عند الحاكم، وأمّا بقوله فلا يسمع؛ لأنّه ليس له أنّ يرقّ نفسه، إذ قد ثبت له حقّ الحرِّيَّة. وأمّا إيتاء المال، فقال الشّافعيّ وغيره: إنّه واجبٌ عليه، ويحطّ له من آخر نجومه نجمًا واحدًا من أجزاء الكتابة. وحمل قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ الآية (٤)، على الوجوب.

стр. 3280

وقال علماونا: ليس الإيتاء واجبًا. واحتجُّوا على ذلك بالأدلَّة المعروفة، وليس الأمر كذلك، بل إيتاء الحقِّ إلى المكاتَب واجبٌ بإجماعِ الأُمَّة، إِلَّا أنّ قوله تعالى: ﴿مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ (١) يحتمل أنّ يريد به: الّذي بيد السَّيِّد، ويحتمل أنّ يريد به: من مال الله الّذي هو الزَّكاة، ويحتمل أنّ يريد به: من مال الله الّذي هو لجماعة المسلمين في أيديهم، فإنّ عَونَ المكاتَبِ فرضٌ على الكفاية. ومع هذه الاحتمالات، لا يصحُّ للشّافعيُّ ولا لغيره أنّ يقول: الإيتاء واجبٌ من الكتابة دون سائر المحتملات. تفريع (٢): إذا عقد الكتابةَ لجماعةٍ من عبيدِهِ في عقدٍ واحدٍ، فإن بعضَهم حُمَلَاءُ عن بعض، وقال الشّافعيّ (٣): لا يحمل أحدٌ عن أحدٍ شيئًا؛ لأنّه ضمانُ كتابةٍ، فلا يجوز، كضمان الأجنبيّ. فنظر الشّافعيّ إلى الأجنبي، ونظر علماؤنا إلى عَقدِ الكتابة بين القرابة، وخصوصًا الأبناء، يحمل بعضهم عن بعض، ولو يكن ضمان بعضهم عن بعضٍ لأجل القرابة، فإنّه لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزرَ أخرَى، ولا يلزم قريبًا عن قريبه مال بغير رِضَاه في شيءٍ من أحكام الشّرع، ما خَلَا العاقلة المستثناة بإجماع. فدلَّ على أنّ ذلك إنّما كان بعَقدِ الكتابة، وذلك يستوي فيه القريب والبعيد. وفروع هذا الباب كثيرة، وهي مركَّبة عليه من غيره، لِمَا يدخل عليها من شَرْطٍ، أو ولاءٍ، أو حمالةٍ، أو وصيَّةٍ، أو صفة لمقابلة، أو جراح تطرأ فيه، أو بيعٍ يقع في كتابته بما يجوز أو لا يجوز، واختلاف السَّيِّدَين بعد عَقد الكتابة واتّفاقهما. وهذا كلّه معلومٌ في أبوابه، مضبوطٌ بأصولِهِ، وهي من فنِّ التّركيب والتّعليل

стр. 3281

الّذي لم نَتَعرَّض له ههنا؛ لأنّه بابٌ عظيمٌ في الفروع، أَمَّا إنّه عرضت في الكتابة مسألة مُعضِلَةٌ وهي الكتابة الحالة، وقد اختلف فيها الفقهاء قديمًا وحديثًا، وبيانُهما في "كتب الخلاف والمسائل" على الاستيفاء. ومن غريب اضطراب العلماء فيها؛ أنّ الشّافعيَّ (١) يقول: إنَّ السَّلَم الحالّ جائزٌ، والكتابة الحالّة لا تجوز. واختلف فيها جواب علماء المالكيّة، والذي عندي أنَّ تصويرَها يكشف حقيقتها، ولها ثلاث صُوَرٍ: الصّورة الأولى: أنّ يقول لعبده: كاتَبتُك على تسعِ أَوَاقٍ في تسعة أعوام، وهذا بَيِّنٌ إِنِ التَزَمَهُ العبدُ. الصّورة الثّانية: أنّ يقول لعبده: إنْ أعطيتني كذا دنانير فأنت حُرٌّ والمال حاضر، فيقتطعه السَّيِّد من يَدِهِ، ويقضي بحرِّيَّتِه؛ لأنّ له انتزاع ماله وإبقاءه في الرِّقّ، فكيف غير ذلك ممّا له فيه حظٌّ؟. الصّورة الثّالثة: أنّ يقول له: ألزمتك مدّة دينار تُعطينيها وأنت حرٌّ، والعبدُ ليس عنده شيءٌ. فقال الشّافعيّ: هذا كلامٌ لَغوٌ. وقال علماؤنا: يرتفعان إلى الحاكم ينظر في ذلك، فإن أراد العبدُ الالتزام أَلزَمَهُ الحاكمُ، ونُجِّمَ المالُ على قَدرِ حالِ العبدِ وحال المال. ونَظَرُنا أقوَى من نَظَرِ الشّافعيّ؛ لأنّ السَّيِّد لمّا تكلَّم به أَوجَبَ حقًّا للعبد في الاِلتزام وسعيًا في الحرِّيَّة، فلم يجزْ له الرّجوع فيه؛ لأنّ هذا الحق لا يقبلُ الرّجوع ولا الإسقاط كسائر الحقوق المتعلِّقة بالعِتقِ. ومن مسائله المُعْضِلَةِ العظيمةِ الّتي اختلف فيها الفقهاء والصّحابة: إذا مات المُكاتَبُ وترك وفاءً بالكتابة وترك وَرَثَةً.

стр. 3282

فقيل: تبطل الكتابة، وبه قال الشّافعيّ (١). وقال قوم: تبقى الكتابة، وبه قال مالك وأبو حنيفة (٢)، في تفصيلٍ طويلٍ بَيْنَ الطَّوائف وأرباب المذاهب، ولا تستقلّ به إِلَّا "كتب المسائل". ونظر الشّافعىُّ إلى المعقودِ عليه -وهو المُكَاتَبِ- قد * هلك، والأصل عنده: أنّ المعقود عليه إذا هلك بطل العَقد كسائر العقود كلِّها، وهذا لَعَمْرُ الله هو الأصل، بَيدَ أَنّ هذا الحق* قد يتعدَّى من المعقود عليه إلى غيره وهم الأولاد، وثبت فيهم ثبوته في الأصل. فمن نظر من الصّحابة إلى هذا المعنى أبقى الكتابة، وحكم بأداء النّجوم، وأوجب الحرِّيَّة والميراث للأولاد، وبه نقول، والحمد لله ربّ العالمين.

стр. 3283

كتاب المُدَبَّر التّرجمة: قال الإمام: التدبير هو إنفاذ عتقه بعد موته، وأجمع المسلمون على انتقال اسم المُدَبَّر، وسمّوه مُدَبَّرًا من الدّبر (١)؛ لأنّه أعتقه بعد مماته، والممات دُبُرُ الحياة. والفقهاء يقولون: المُعتَق عن دبر، أي بعد الموت. وهو لفظ لم يُستعمَل إِلَّا في العبيد، ووجب حُكمُه في الابتياع في حياة مدبّره (٢). قال الإمام (٣): وهذا الباب من متعلِّقات عقود الحريّة وفروعها، وهو أصلٌ في نفسه أيضًا، وله أصلٌ وفروع أقلّ من الأوّل. والتّدبيرُ: هو عَقدٌ متَّفَقٌ عليه بين الأُمَّة، كان في الجاهليّة وأَقَرَّهُ الإسلام، وفي الصّحيح عن جابر؛ أنّ النّبيّ ﷺ باع مُدَبَّرًا (٤). وأصلُه أنّ يقول: أنتَ مُدَبَّرٌ، وأنتَ حرٌّ بعد موتي، لا على معنى الوصيَّة. وقال الشّافعيّ (٥): هو عِتق إلى أجل. ومن أصله: أنّ كلّ عِتق إلى أجلٍ -قُطِعَ بإتيانه أو لم يقطع- لا يقضَى بلزوم العِتق على السَّيِّد، والمسألةُ معلومة في "مسائل الخلاف". فهذه المسألة من جملة تلك الصُّور، ويخصّها أنّ النّبيّ ﷺ باع المُدَبَّر، ولو كان حُرًّا -كما قال مالك وأبو حنيفة- ما باعه.

стр. 3284

ونظر علماؤنا إلى أنّه عَقدٌ ألزمه نفسه في رقبة العبد يتعلّق بالحرية، يظهر عند أَجَلٍ آتٍ لا مَحالَةَ، فلزم كأمّ الولدِ. وأمّا حديث جابر، فلا حُجَّة فيه؛ لأنّها حكايته حال وقضيّة عَيْنٍ، وقضايا الأعيان وحكايات الأحوال لا يُستدَلُّ بها على العموم؛ لأنّها لا تقتضي ذلك لفظًا ولا معنىً، وقد بينّاه في "مسائل الأصول". فيحتمل أنّ يكون باعه ﵇ في دَين سَبق التَّدبير، وكذلك نقول. ويحتمل أنّ يكون باعه إذ كانت أمّ الولد تُباع على ما روَى جابر، ثمّ نُسِخَ ذلك. وبالجملة، فلا يُحتجُّ بمثل هذا لأنّه محتمل، وهذه المسألة من فروع التَّدبير، وههنا موضع التركيب في مسائل، فنقول: التدبير لازمٌ بالقولِ لموجِبِه على نفسه، في يمين كانت أو غير يمين، ولا رجوع له فيه عند مالك وأصحابه. وقال الشّافعيّ (١): له الرُّجوعُ فيه بإخراجه عن مِلْكِه ببَيعٍ أو هِبَةٍ، ولا يرجع فيه بالقول دون الإخراج عن المِلْكِ. وقال علماؤنا: الرّجوعُ فيه بالقول يُبطِل تدبيرَهُ، ولا يعتق إنَّ مات جعلًا. التّدبيرَ كالوصيّة الّتي يرجع فيهَا، وكذلك قال فيه أحمد (٢) وإسحاق، واحتجّا بحديث جابر، ولا حُجَّةَ في ذلك لما فيه من الاحتمال. المسألة الثّانية (٣): قوله (٤): "مَنْ دَبَّر جَارَيةً فَوَلَدَتْ لَهُ أَولَادَهَا" هو على ما قال؛ إنَّ ولدها بعد التّدبير حكمهم حكمها؛ لأنّ الولد تبع لأُمِّه في الرِّقِّ والحرِّيَّة. وأمّا الموصي بعتقها، فما وَلَدتهُ قبل موت سيّدها، فلا يدخل في وصيتها؛ لأنّ

стр. 3285

الوصيَّة لا تثبت إِلَّا بموته (١)؛ لأنّ له الرّجوع قبل ذلك. فإذا ثبت حكم التّدبير لهم (٢)، لم يُخرِجْهُم عن ذلك (٣) موت الأمّ. وكذلك موت المُعتَقَة والمُكَاتَبَة إلى أجل والمُخدَمَة أو بعضُها حرٌّ أو أم الولد، فإنَّ ولدَ كلّ واحدةٍ بمنزلتها، يُعتَق بعتقها ويرقّ برقّها، ويعتق منه بقَدْرِ ما أعتق منها. قوله (٤): "وَأمَّا مَنْ دَبَّر مُدَبَّرَة وَهِيَ حامِلٌ إِنَّ وَلَدَهَا بِمَنزِلَتِهَا" وهذا على ما قال؛ لأنّ التدبير يتناول ما في بطنها، وبه قال عليّ، وعثمان، وابن عمر (٥)، وجابر (٦)، وابن المُسَيَّب (٧). ورُوِيَ عن زَيْد بن ثابِت أنّ ولدها رقيق، وقد روي عنه أيضًا مثل ما تقدّم. المسألة الثّالثة (٨): قد بيّنّا (٩) أنّ المُدَبَّرَ مأخوذٌ من الدّبر؛ لأنّه أعتقه بعد موته، والممات دبر الحياة. والفقهاء يقولون: المعتق عن دبر، أي: بعد الموت، وهذا اللّفظ لم يُستعْمَل إِلَّا في العبيد والإماء دون سائر ما يملك، كما لم يُستَعمل العِتق إِلَّا فيهم. المسألة الرّابعة (١٠): قولُه (١١) في المُدَبَّرِ الَّذي دَبَّرَ أَمَتَهُ لَهُ أَن يَطَأَها، هو قول مالك، وأبي حنيفة (١٢)،

стр. 3286

والشّافعيّ (١). ووجه ذلك: أنّ عِتقَها إنّما يكون بعد الموت من الثُّلُث، كالموصي بعِتقِها. وأيضًا: فإنّ وطأها يؤكِّد عِتقَها؛ لأنّها إنَّ حملت منه عُتِقَت من رأس المال، وإن بقيت على حالها فإنّها تُعْتَقُ من الثُلُث. ويحتمل أنّ يقال: إنها إذا حملت بطل تدبيرها وانتقلت إلى ما هو أقوى منه، كما يبطل التّدبير بالعِتقِ. المسألة الخامسة (٢): قوله (٣): "وَلَيسَ لَهُ بَيعُه وَلَا هِبَتُهُ" يريد أنّ حُكمَ التّدبير قد لَزِمَهُ، فليس له إبطاله بقولٍ ولا فعلٍ. وقال أبو حنيفة (٤): ما كان منه مطلَقًا فليس له نقضُه (٥)، وما كان مُقَيَّدًا فله إبطالُه. وعندنا: لا يجوز إبطاله كالمُطلَقِ، وإنّما قال (٦): إنّه يجوز أنّ يغيره (٧) فيقول: لم أُرِدْ به التّدبير، فيكون له حينئذٍ حكم الوصيَّة. ودليلنا على تسليم إحدى الرِّوايتين: أنّ هذا تدبيرٌ، فوجب أنّ يلزم كالمُطلَق. وإذا قلنا: يُقَدَّرُ في المُقَيَّدِ قولٌ واحدٌ؛ أنّه إذا أراد به التّدبير لزم، فكذلك المُطلَق أَولَى؛ لأنّه عندنا صريحٌ في التّدبير، لا يقبل منه أنّه أراد به غيره، وبه قال أبو حنيفة.

стр. 3287

وقال الشّافعيّ في أحد قوليه (١): له الرُّجوع عن التّدبير المُطلَق والمُقَيَّد بالقول دون * الفعل، والقول الثّاني: له الرّجوع بالقول والفعل. والدّليل على ما نقوله: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢). ومن جهة المعنى: أنّه عَقدُ عتقٍ استفاد به* اسمًا يعرف به، فلم يكن له إبطاله، أصله الكتاب. وأيضًا: فإنّه عَقدٌ ليس له إبطاله بالقول، فلم يكن له إبطاله بالفعل. المسألة السّادسة: قال علماؤنا: ولا بأس برَهنِ المُدَبَّرِ، وللمرتهن أنّ يخدمه في حياة السَّيِّد، وهو أحقّ به بعد موته إنَّ كان قد حازه لنفسه، وإلا كان أسوة الغرماء. ومنع أشهب من رَهنِ المُدَبَّرِ، والأوّلُ أصحّ عندي. ولا بأس بإجارته، وولَدُه من أَمَتِهِ بمنزلته، وولد الأَمَةِ من زوجها بمنزلتها، وللسَّيِّد وطؤها. ولا يجوز بَيع المُدَبَّر ولا هِبَته، فمن باع مُدَبَّرًا فُسِخَ بيعُه، فإن أعتقه مبتاعُه قَبلَ فَسخ بيعه مَضَى عِتقُه؛ لأنّه أقوى سببًا من التّدبير. وقيل: يردّ عِتقُه، ويعود مُدَبَّرًا على حاله. ومن أمضى عِتقه لم يُوجِب على بائعه إدخال ثمنه في غيره، واختار ذلك ابن وهب. فإن مات عند مبتاعه، فقد فات ردّه، ويستحبّ له أنّ يجعل الفضل من قيمته في مُدَبَّرٍ مثله. وقيل: يُفسَخُ بيعُه، ويكون موته كعِتقِه، ويُردُّ الثَّمن على مبتاعه، ولا يضمن قيمته في مُدَبَّرٍ مثله. وقيل: يُفسخ على كلِّ حالٍ، وهو عندي ضعيف، بل يردّ الثّمن على مبتاعه ولا يضمن قيمته في مدَبَّرٍ مثله اعتبارًا بأم الولد.

стр. 3288

المسألة السّابعة: والمُدَبِّرُ في الحدود كالعبد، فإن جنَى جناية قُوِّمَ قِيمةَ عبدٍ، يريد فيه: وإن جَنَى فجنايتُه في خدمته دون رَقَبَتِهِ، وفُدِي بمال إذ كان له، فإن وَفّى بجنايته فكّ سبيل ذلك، وإن قصَّرَ عنها خُيِّرَ بين دفع البقيّة وبين إسلام الخدمة لا الرَّقبة، فإن أسلم استوفى ذلك سيِّده حين عاد على تدبيره. وإن مات قبل ذلك وله مالٌ يخرج (١) من ثُلُثه عتق، وكان ما بقي من أَرْشِهِ دَيْنًا في ذمَّتِه، وقيل: لا شيءٍ عليه (٢) من أَرْشِ جنايته. وإن جرح اثنين، تَحَاصَّا (٣) في خدمته. وإن جرح واحدًا فأسلمه إليه (٤)، ثمّ جرح آخر بعد ذلك (٥)، تَحاصَّا في خدمته. وقيل: إنَّ المجروح يُخيَّر في افتكاكه أو إسلامه، فإن أسلمه بَطَلَ حقّه، وإان افتكّه اختصّ في خدمته. فرع: فإن هلك سيّده وعليه دَيْن، وقد جَنَى مدبّره جناية، كان أرباب الجناية أحقّ به، إِلَّا أنّ يقول أرباب الدِّين: نحن نزيد على قيمته شيئًا نحطُّه عن ذمَّة الميِّت، وندفع إلى أرباب الجناية القيمة، فذلك لهم، ولا كلام لأرباب الجناية. فإن لم يزيدوا وكانت الجناية وفاء الرّقبة. كان اربابها أَولَى بها، وإن كان فيها فضلٌ على الجناية والدَّيْن، بيع منه لهما جزء ـدى من الثّمن بأَرشِ الجناية، ثمّ بالدَّين، ثمّ أعتق ثُلُث ما بَقِيَ، وكان الأفضل فيه عن الأَرْش والدَّين فأرباب الجناية أحقّ به، وقيل: إنّه يباع كلّه فيقتصّا منه جميعًا، وبه نقول.

стр. 3289

فرع: فإن جرحَ السَّيِّدُ مُدَبّره، لم يضمن له أَرْشَ جراحه. وإن قتله، فلا ضمان عليه. وإن قتل المُدَبَّر سيّدَه عَمدًا، بطل تدبيره، وإن قتله خطأَ، عتق في ماله دون دَينِهِ، وكان على المُدَبَّر الدِّية يُتبع بهالأولا تكون على عاقلته. والحمد لله ربِّ العالَمِين.

стр. 3290

كتاب الفرائض والمواريث العربيّة: قال أبو حاتم (١): الميراثُ مِفْعَال من الإِرث، والإرثُ ما بقي بعد صاحبه، وقيل لمال الميِّت: إرث وميراث؛ لأنّه يخلفه ويبقى بعده. اللّفظ الثّاني: "العَصَبَة" هم قرابة الرَّجل وورثتُه من قِبَلِ أبيه الّذين ليس لهم سَهْمٌ معلوم في كتاب الله. والعَصَبَة: مأخوذةٌ من العِصابة وهم الجماعة من الخَلْق، وقيل: هي مأخوذة من العِصَابة الّتي يعصَّب بها الرَّجُل رأسه عند الحرب، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية (٢)، إلى قوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ﴾. مقدمة للكتاب (٣) وفاتحة له: اعلموا -وفقكم الله- أنّ الفرائض أصلٌ من أصول الدِّين، ومن أهتّم علوم الشّريعة وأركأنّها، حضَّ النّبيّ ﵇ عليها وعلى تعليم معانيها وتَعَلُّمِها، فقال ﷺ : "تَعَلَّمُوا القُرْآنَ وَالفَرَائِضَ، وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ، فَإِنِّي مَقْبُوضٌ" (٤) وقال: "الْعِلْمُ ثَلَاثٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، وَسُنَّةٌ قَائِمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ" (٥) تولّى الله تقديرها، وبيَّن أحكامها. والأصلُ فيها: آيةُ المواريثِ المتقدِّمةِ، قولُه جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٦) الآية. والأصلُ فيه من السُّنَّة: قولُه في حديث ابن عبّاس ﵁ قال: قال النّبيّ

стр. 3291

-﵇: "أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا أَبْقَتِ الفَرَائِضَ، فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (١) وأكمل صلّى الله عليه أمرها بحديثِهِ الصّحيح حين قال: "لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ" (٢)، وقال النَّبيّ ﵇: "لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ، وَلَا الكَافِرُ المُسْلِمُ" (٣). وقد قرأناها على ستة أنواع: قرأناها على القرآن، وعلى السُّنَّة، وعلى الاِتّفاق والاِختلاف، وعلى القربى، وعلى الإِيجاز، وعلى الإلغاء، وبهذه الأصول السِّتَّة تنضبط، وبقلبها ظهرًا لبطنٍ تتحصّل، ولكنّ مالكًا في "الموطَّأ" تولى بيأنّها على الأقرباء، فنحن على مِنواله ننسج، وفي سبيله نستنتج، فقال مالك في ذلك على طريق البيان: باب ميراث الصّلب (٤) وهي كلمةٌ بديعةً تلقّنها مالك ﵀ من القرآن في قوله: (﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَآئِبِ﴾ (٥). فذكر قرابة الأب الَّتي هي الأصل، وبدأ بها لأنّها أصل الولادة، بها تجمع وعنها تتفرّع، فإذا خرجت عنها وانفصلت منها، نزلت في منازل التّطوير، وتغيّرت بإحكام التّقدير، وتفصّلَت بأحكام التّدبير، حتّى تعود خلقًا سَوِيًّا من السُّلالة إلى استواء الخِلْقَة، فهاتان الحالنان هما أخصّ الأحوال بالإنسان، فوجب أنّ تقع البداية بها، ولذلك لم يُؤثِر اللهُ تعالى شيئًا عليهما، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي

стр. 3292

أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية (١)، واتّفقتِ الأُمَّةُ على أنّها عامّةٌ جارية على شمولها، منتظمة على جملتها وتفصيلها، لا تتبيّن إلّا في جملة مسائل: المسألة الأولى (٢): تخصيصُها بحديث جابر عن النّبي ﵇؛ قوله: "لَا نُورَثُ، مَا تَرَكنَا صَدَقَةٌ"، قالت فاطمة لأبي بكر: أَرَأَيتَ لَوْ مُتَّ أَكانَت تَرِثُكَ ابْنَتُكَ؟ قال لها: نَعَمْ، قالت: فَاعْطِنِي سَهْمِي! قال لها: سَمعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لَا نُورث ما تَرَكنا فَهو صَدَقَةٌ" (٣) فكانت إحدى خِصَاله الكريمة يذكرها من سمعها، وأصغى لها من غاب عنها، وَائتلَفَت الخَليقةُ عليها. المسألة الثّانية (٤): هي مخصوصة بالكافر، لقول النّبيّ ﷺ : "لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ" وقيل له ﷺ : أَيْنَ تَنزِل؟ حين جاء مكّة، فقال: "وَهَل تَرَكَ لَنا عَقيل شيئًا" (٥) وذلك إجماعٌ أيضًا. المسألة الثّالثة (٦): اتفق العلّماءُ من الصّحابة والتّابعين على أنّ من لا يرث لأجل الكفر لا يحجب، إِلَّا عبد الله بن مسعود فإنّه حجبَ بالابن الكافر، كما يحجب بالابن المسلم (٧). وهذا ضعيفٌ؛ لأنّ الله تعالى أنزله في الميراث معدومًا، فكذلك في الحجب، وتحريره أحد

стр. 3293

فائدتي القرابة في الميراث، فأسقط حكمها الكفر، أصله السّهم. مزيد إيضاح: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية (١). وهو المذكور في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ﴾ (٢). تنببة على مسالةٍ أصوليّةٍ (٣): قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية (٤)، اتّفق المفسّرون على أنّ هذه الآية نسخت آية الوصيَّة للأَقرَبين (٥)، وهذا لا يصحّ (٦)؛ لأنّ من شروط النّسخ الأربعة -وهو أصلها - المعارضة حتّى لا يُمكِن الجمع، والجمعُ بين الآيتين ممكنٌ، فاستحال أنّ يقال: إنَّ إحداهما نَسَخَتِ الأخرى. وقالت طائفة: نسَخَها قولُ النّبيّ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" (٧)، وهذا الحديث اتّفقتِ الأُمَّةُ عليه. قلنا: هذا باطلٌ؛ لأنّ الأُمَّةَ لم تتَّفِق عليه لفظًا، والحديث ضعيفٌ، ولو كان قويًّا لَنَقَلَهُ العدلُ عن العدلِ، وما جاز نسخ القرآن به لأنّه خبرٌ واحدٌ، ونسخُ القرآن لا يجوز

стр. 3294

بخبر الواحدِ لإجماعٍ من الأُمّةِ. وأمّا إنَّ كانت الأُمَّةُ أجمعت على معناه، فالنّسخ بالإجماع محالٌ؛ لأنّه لا يصحّ تصوّره إِلَّا بعد عدم الشّريعة الواردة ببيَان الأحكام على التّنصيص في المقال خاصّة. فإن قيل: إجماع الأُمّة لا يكون إِلَّا عن حديث سمعوه من النّبيِّ ﵇، فإذا أجمعوا عَلِمْنا ضرورةَ وجودِ الأثر. قلنا:. هذا مذهب محمّد بن جرير الطّبريّ، وهو ساقطٌ قطعًا، فإنّ الأُمَّة قد تُجْمِعُ على النّظر كما تُجْمِع على الأثر، وقد بيَنّا ذلك في "أصول الفقه". ومنهم من قال: إنّما سقطت الوصيّةُ للوالدين والأقربين، لقوله في الحديث الصّحيح: "أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا أَبْقَتِ الفَرَائِضَ فَهُوَ لِأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ" (١). قلنا: كما لم يُسْقِط هذا الحديث أصلَ الوصيَّة في آية المواريث، لا يُسقط وصفَ الوصيَّة للأقربين. وإنّما معنى هذا الحديث المخصوص، فما بقي بعد الوصيَّة والدَّيْن كيفما تصرّفت وجوه الوصيَّة، وكيفما تصرّفت وجوه الدَّيْن، وقد رَوَى جابر بن عبد الله أنّه قال: جاءني رسولُ الله ﷺ يعودُني فقلت: يا رسول الله، كيف أصنع في مالي؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٢). رواه البخاريّ (٣). وثبت في الصّحيح أيضًا من طريق آخر أنّها نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (٤). وروى المصنَّفون والمُسْنِدُون عن جابر بن عبد الله أنّه خرج مع النّبيّ ﷺ إلى الأسواف، وذكر حديثًا طويلًا، منه؛ أنّ امرأة سَعْد بن الرّبيع جاءت بابنتين لها، فقالت: يا رسول الله ﷺ ؛ إِنَّ سَعْدًا

стр. 3295

هَلك، وَتَرَكَ هاتَينِ، كان عَمَّهُما استَفَاءَ (١) مِيراثهُما، وإِنَّهُمَا لَا تُنْكَحانِ إِلَّا عَلَى مالٍ. فقال رسولُ الله ﷺ : "يَقضِي اللهُ في ذَلِكَ" ثمّ نزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية (٢). فدعا رسولُ الله ﷺ عمّهما، وقال: "ادْفَعِ الثُّمنَ إِلَى المَرْأَة، والثُّلُثَينِ للابنَتَينِ، وَخُذ ما بَقِيَ" (٣). تنبيه على وهم (٤): قال بعض علمائنا: هذه الآية في شأن سعد، نسخت ما كان في الجاهلية، وهذا باطلٌ، فإنّ الجاهليّة ليس لها حُكمٌ يثبت حتّى يتطرّق إليه رَفعٌ، ولا يثبت له فى الإسلام قدم بيان، فإنّه لو كان مسكوتًا عنه لكان شرعًا، ولو كان شرعًا لما انتزع النَّبيُّ ﵇ من أخي سعد بن الرّبيع ما كان أخذه، فإنَّ حكمَ النّاسخ يثبتُ ساعةَ نزوله ولا يعترض على ما سبقه، فلمّا أمر النّبيُّ ﷺ أخا سعدٍ بأن يردّ ما أخذَ، وهذا يُبَيّن أنّها كانت ظُلَامَة. تفسير (٥): قوله تعالى: ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٦) فأولاد الرِّجال: كلُّ موجودٍ كان من صُلبه، دَنِيًّا أو بعيدًا. قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ (٧). وقال عز من قائل: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٨). فمن علمائنا من قال: إنّه حقيقة في الأدنين مجاز في الأبعدين.
следующие страницы →