← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

-﵇: "أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا أَبْقَتِ الفَرَائِضَ، فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (١) وأكمل صلّى الله عليه أمرها بحديثِهِ الصّحيح حين قال: "لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ" (٢)، وقال النَّبيّ ﵇: "لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ، وَلَا الكَافِرُ المُسْلِمُ" (٣). وقد قرأناها على ستة أنواع: قرأناها على القرآن، وعلى السُّنَّة، وعلى الاِتّفاق والاِختلاف، وعلى القربى، وعلى الإِيجاز، وعلى الإلغاء، وبهذه الأصول السِّتَّة تنضبط، وبقلبها ظهرًا لبطنٍ تتحصّل، ولكنّ مالكًا في "الموطَّأ" تولى بيأنّها على الأقرباء، فنحن على مِنواله ننسج، وفي سبيله نستنتج، فقال مالك في ذلك على طريق البيان: باب ميراث الصّلب (٤) وهي كلمةٌ بديعةً تلقّنها مالك ﵀ من القرآن في قوله: (﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَآئِبِ﴾ (٥). فذكر قرابة الأب الَّتي هي الأصل، وبدأ بها لأنّها أصل الولادة، بها تجمع وعنها تتفرّع، فإذا خرجت عنها وانفصلت منها، نزلت في منازل التّطوير، وتغيّرت بإحكام التّقدير، وتفصّلَت بأحكام التّدبير، حتّى تعود خلقًا سَوِيًّا من السُّلالة إلى استواء الخِلْقَة، فهاتان الحالنان هما أخصّ الأحوال بالإنسان، فوجب أنّ تقع البداية بها، ولذلك لم يُؤثِر اللهُ تعالى شيئًا عليهما، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي

стр. 3292

أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية (١)، واتّفقتِ الأُمَّةُ على أنّها عامّةٌ جارية على شمولها، منتظمة على جملتها وتفصيلها، لا تتبيّن إلّا في جملة مسائل: المسألة الأولى (٢): تخصيصُها بحديث جابر عن النّبي ﵇؛ قوله: "لَا نُورَثُ، مَا تَرَكنَا صَدَقَةٌ"، قالت فاطمة لأبي بكر: أَرَأَيتَ لَوْ مُتَّ أَكانَت تَرِثُكَ ابْنَتُكَ؟ قال لها: نَعَمْ، قالت: فَاعْطِنِي سَهْمِي! قال لها: سَمعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لَا نُورث ما تَرَكنا فَهو صَدَقَةٌ" (٣) فكانت إحدى خِصَاله الكريمة يذكرها من سمعها، وأصغى لها من غاب عنها، وَائتلَفَت الخَليقةُ عليها. المسألة الثّانية (٤): هي مخصوصة بالكافر، لقول النّبيّ ﷺ : "لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ" وقيل له ﷺ : أَيْنَ تَنزِل؟ حين جاء مكّة، فقال: "وَهَل تَرَكَ لَنا عَقيل شيئًا" (٥) وذلك إجماعٌ أيضًا. المسألة الثّالثة (٦): اتفق العلّماءُ من الصّحابة والتّابعين على أنّ من لا يرث لأجل الكفر لا يحجب، إِلَّا عبد الله بن مسعود فإنّه حجبَ بالابن الكافر، كما يحجب بالابن المسلم (٧). وهذا ضعيفٌ؛ لأنّ الله تعالى أنزله في الميراث معدومًا، فكذلك في الحجب، وتحريره أحد

стр. 3293

فائدتي القرابة في الميراث، فأسقط حكمها الكفر، أصله السّهم. مزيد إيضاح: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية (١). وهو المذكور في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ﴾ (٢). تنببة على مسالةٍ أصوليّةٍ (٣): قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية (٤)، اتّفق المفسّرون على أنّ هذه الآية نسخت آية الوصيَّة للأَقرَبين (٥)، وهذا لا يصحّ (٦)؛ لأنّ من شروط النّسخ الأربعة -وهو أصلها - المعارضة حتّى لا يُمكِن الجمع، والجمعُ بين الآيتين ممكنٌ، فاستحال أنّ يقال: إنَّ إحداهما نَسَخَتِ الأخرى. وقالت طائفة: نسَخَها قولُ النّبيّ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" (٧)، وهذا الحديث اتّفقتِ الأُمَّةُ عليه. قلنا: هذا باطلٌ؛ لأنّ الأُمَّةَ لم تتَّفِق عليه لفظًا، والحديث ضعيفٌ، ولو كان قويًّا لَنَقَلَهُ العدلُ عن العدلِ، وما جاز نسخ القرآن به لأنّه خبرٌ واحدٌ، ونسخُ القرآن لا يجوز

стр. 3294

بخبر الواحدِ لإجماعٍ من الأُمّةِ. وأمّا إنَّ كانت الأُمَّةُ أجمعت على معناه، فالنّسخ بالإجماع محالٌ؛ لأنّه لا يصحّ تصوّره إِلَّا بعد عدم الشّريعة الواردة ببيَان الأحكام على التّنصيص في المقال خاصّة. فإن قيل: إجماع الأُمّة لا يكون إِلَّا عن حديث سمعوه من النّبيِّ ﵇، فإذا أجمعوا عَلِمْنا ضرورةَ وجودِ الأثر. قلنا:. هذا مذهب محمّد بن جرير الطّبريّ، وهو ساقطٌ قطعًا، فإنّ الأُمَّة قد تُجْمِعُ على النّظر كما تُجْمِع على الأثر، وقد بيَنّا ذلك في "أصول الفقه". ومنهم من قال: إنّما سقطت الوصيّةُ للوالدين والأقربين، لقوله في الحديث الصّحيح: "أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا أَبْقَتِ الفَرَائِضَ فَهُوَ لِأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ" (١). قلنا: كما لم يُسْقِط هذا الحديث أصلَ الوصيَّة في آية المواريث، لا يُسقط وصفَ الوصيَّة للأقربين. وإنّما معنى هذا الحديث المخصوص، فما بقي بعد الوصيَّة والدَّيْن كيفما تصرّفت وجوه الوصيَّة، وكيفما تصرّفت وجوه الدَّيْن، وقد رَوَى جابر بن عبد الله أنّه قال: جاءني رسولُ الله ﷺ يعودُني فقلت: يا رسول الله، كيف أصنع في مالي؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٢). رواه البخاريّ (٣). وثبت في الصّحيح أيضًا من طريق آخر أنّها نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (٤). وروى المصنَّفون والمُسْنِدُون عن جابر بن عبد الله أنّه خرج مع النّبيّ ﷺ إلى الأسواف، وذكر حديثًا طويلًا، منه؛ أنّ امرأة سَعْد بن الرّبيع جاءت بابنتين لها، فقالت: يا رسول الله ﷺ ؛ إِنَّ سَعْدًا

стр. 3295

هَلك، وَتَرَكَ هاتَينِ، كان عَمَّهُما استَفَاءَ (١) مِيراثهُما، وإِنَّهُمَا لَا تُنْكَحانِ إِلَّا عَلَى مالٍ. فقال رسولُ الله ﷺ : "يَقضِي اللهُ في ذَلِكَ" ثمّ نزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية (٢). فدعا رسولُ الله ﷺ عمّهما، وقال: "ادْفَعِ الثُّمنَ إِلَى المَرْأَة، والثُّلُثَينِ للابنَتَينِ، وَخُذ ما بَقِيَ" (٣). تنبيه على وهم (٤): قال بعض علمائنا: هذه الآية في شأن سعد، نسخت ما كان في الجاهلية، وهذا باطلٌ، فإنّ الجاهليّة ليس لها حُكمٌ يثبت حتّى يتطرّق إليه رَفعٌ، ولا يثبت له فى الإسلام قدم بيان، فإنّه لو كان مسكوتًا عنه لكان شرعًا، ولو كان شرعًا لما انتزع النَّبيُّ ﵇ من أخي سعد بن الرّبيع ما كان أخذه، فإنَّ حكمَ النّاسخ يثبتُ ساعةَ نزوله ولا يعترض على ما سبقه، فلمّا أمر النّبيُّ ﷺ أخا سعدٍ بأن يردّ ما أخذَ، وهذا يُبَيّن أنّها كانت ظُلَامَة. تفسير (٥): قوله تعالى: ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٦) فأولاد الرِّجال: كلُّ موجودٍ كان من صُلبه، دَنِيًّا أو بعيدًا. قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ (٧). وقال عز من قائل: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٨). فمن علمائنا من قال: إنّه حقيقة في الأدنين مجاز في الأبعدين.

стр. 3296

ومنهم من قال: إنّه حقيقة في الكلّ لأجل عموم الاشتقاقال في هو التّولُّد فيه. والصّحيح عندي أنّه مجاز؛ لأنّه يجوز نفيه عنه، والحقائق لا يجوز نفيُها عن مسمّياتها. وعلى كلّ حالٍ فإنّ الأمّة اجمعت على العموم في قوله: ﴿أَوْلَادِكُمْ﴾ (١) وإن سفلوا كما دخل في قوله: "آباء" الآباء وإن علوا، فإذا ثبت أنّه على العموم في الأولاد، فليس يقتضي ذلك اشتراك الأدنى والأبعد، لقول النّبيّ ﷺ : "فَمَا أَبْقَيتِ الفَرَائِضَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (٢) فلأجل ذلك يقدَّم الابن علي أبيه، ولولا ذلك لاشترك الأب وابنه في الميراث بحكم الاشتراك في العموم، وعلى هذا ينبني اختلاف العلماء في قوله: "هذا حَبسٌ على ولدي" هل تلحق الدَّرجة السّفلى بالعلّيا؟ على ثلاثة أقوال: ١ - فقالت طائفة: لا تلحق، وهذا ضعيف. ٢ - وقالت طائفة: تلحق بهم، وهو الصّحيح. ٣ - وقالت طائفة: يشتركون فيه، ويؤثر الأعلى، وهذا إنّما هو استحسانٌ لا يعضده الدّليل في أصل المسألة، وكذلك يكون الحكم في البنات وبنات الابن. الفقه في مسائل: المسألة الأولى (٣): قولُه (٤): "مِيرَاثُ الْوَالِدِ مِنْ وَالَدِهِمْ" اعلم أنّ ميراثهم على ضربين: أحدهما: أنّ يرثوا بالتّعصيب، وهو أنّ يكونوا رجالًا ونساء. والثّاني: أنّ يرثوا بالفرائض، وهو أنّ يكنّ نساء، فإن ورثوا بالتّعصيب وكانوا رجالًا، فالميراث بينهم بالسَّواء، لتساويهم في سبب استحقاقه، وإن كانوا رجالًا ونساءً فللذّكر مثل حظِّ الانثيين. وأمّا إنَّ ورثت البناتُ بالفرائض، فلا يخلو أنّ تكون واحدة أو أكثر، فإن كانت

стр. 3297

واحدة فلها النّصف، وإن كانتا اثنتين فالّذي عليه جماعة الصّحابة ومن بعدهم أنّ فرضهما الثُّلُثان؟ ورُوِيَ عن ابن عبّاس أنّ فرضهما النّصف، ولم يثبت ذلك عنه، والدّليل على ضعفه: إجماع النَّاس على خلافه. ومن جهة المعنى: أنّ كلّ نوع من النّساء فرض إحداهنّ النّصف، فإن فرض الاثنين منهما الثُّلُثان، أصله الأخوات. المسألة الثّانية (١): فإن كان مع البنت أو البنات ذو فرض أو عصبةٍ يستحقّ الباقي، دفع إليه. وإن لم يكن ذلك، دفع باقي التّركة إلى بيت مال المسلمين، هذا قول زيد (٢)، وغيره (٣)، وسليمان بنيسار، ومالك، والشّافعيّ (٤)، وقد رُوي عن عمر، والمشهور عنه أنّه كان يردّ ما فضل عن ذوي الفرائض على ذوي السّهام من ذوي الأرحام، وبه قال علي، وأبو حنيفة (٥)، وأحمد، والثّوريّ، إِلَّا ابن مسعود فإنّه لم يردّ على أربع من أربع: لم يردّ على ابنة الابن مع البنت، ولا على الأخت للأب مع الأخت الشقيقة، ولا على ولد الأم مع الأم، ولا على الجد مع ذي سهم من ذوي الأرحام، فإذا انفردن عن الأربعة ردّ عليهن، وأجمعوا على أنّه لا يردّ على الزّوج والزّوجة. والدّليل على صحة القول الأوّل: قوله تعالى: ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ (٦)، وقولُه: ﴿وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (٧) فيجعل تعالى للأخت النّصف، وأبو حنيفة يجعل لها الكلّ. وأيضًا: فإنّه تعالى قد فرّق بين الأخ والأخت، وأبو حنيفة (٨) جعل حكمهما واحدًا. ومن جهة القياس: أنّ هذا ذو سَهْم لا تعصيبَ له، فلم يردّ عليه كالزّوج والزّوجة.

стр. 3298

وهنا كلامٌ يفتقرُ إلى جملةِ بيان في فصول ثلاثة: الفصل الأوّل في بيان الأسباب الّتي يتوارث الخلق بها فالأسبابُ الّتي تُوجِب الميراث عندنا أربعة: نسب، ونكاح، وولاء، وإسلام، وبه قال الشّافعيّ. وقال أبو حنيفة: هي خمسة: نكاح، ونَسَبٌ، وولاء، وحلف، واتّحاد الدِّيوان. وقولنا: "إنَّ الإسلام سببٌ" أنّ علماءنا اتّفقوا على أنّ الرَّجل إذا لم يكن له وارثٌ لا يجوز له أنّ يُوصِي بجميع مالِه؛ لأنّ بيت المال وارثه. وقال أبو حنيفة (١): يُوصي بجميع ماله، والمسألة طبولية، وتعلَّقَ فيما انفرد به عنّا بقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآية (٢). فأوجب تعالى الميراثَ بالمعاقدة قولًا، والاتّحاد في الدّيوان معاقدةٌ فعلًا. والوارثون (٣) من الرِّجال عشرة؛ الابنُ، وابنُ الابنِ وإن سفل، والأب، والجدّ وإن علا، والأخ، وابن الأخ، والعمّ، وابن العمّ، والزوج، ومولى النّعمة. ومن النِّساء سبع: البنتُ، وابنة الابن وإن سفلت، والأم، والجدّة، والأخت، والزّوجة، ومولاة النّعمة. وأمّا الفروض المقدَّرة في القرآن فستّة: النّصف، ونصف النّصف وهو الرّبع، ونصف الرّبع وهو الثُّمن، والثُّلُثان، ونصف الثُّلُثين وهو الثُّلُث، ونصف الثُّلُث وهو السُّدُس.

стр. 3299

المسألة الثّانية: وأمّا تسمية من لا يرث من وجهٍ ويرث من وجهٍ آخر: فهو الجدّ من الأمّ، وبنو الإخوة من الأمّ، والأعمام من الأمّ، والأخوال، وذكور بني البنات، وذكور بني الأخوات، وبنوهم لا يرثون بهذا النّسب الّذي ذكرنا، وهم يرثون إذا كانوا من عصبة الميِّت بسبب قرابة الصُّلب. المسألة الثّالثة: في تسمية من لا يرث بحالٍ من الأحوال بناتُ البناتِ من قبل ما كنّ، وبنات الإخوة من قبل ما كانوا، وبنات الأعمام، فهؤلاء وبنوهم وبنو بنيهم لا يرثون شيئًا، ولا يَحْجُبُون وارثًا، والعمّة تُورَثُ ولا ترِثُ، والخالة لا تُورَث ولا تَرِث، وقد تكون الخالة عمّة فتُورث، والجدّة أمُّ الأمِّ تَرِث ولا تُورَث، والجدّةُ أمّ الأب ترِث وتورَث. ولا يرث دَين دَينًا، ولا الكافرُ المسلمَ، ولا المسلمُ الكافرَ، إِلَّا السيّد يرث عبده بالمِلْكِ مسلمًا كان العبد أو ذمّيًّا، وكذلك النّصرانيّ يُسلِم عبده وبيده مالٌ، فيموت العبدُ الّذي أسلمَ قَبلَ أنّ يباعَ عليه، هو يرث المال الّذي كان بيده، ولا يرِث الحرُّ العبدَ، ولا العبدُ الحرَّ، ولا يرث المُعْتَق إلى أجلٍ، ولا المُعْتَق بعضه، ولا المُكَاتبون، ولا المُدَبَّرون، وأولادهم يتوارثون إذا كانوا أحرارًا ولا يرث القاتلُ عَمدًا من مالِ من قَتلَ، ولا من ديّته، ويقاد منه القتل إِلَّا أنّ يعفو من له العفو من الورثة. ولا يرث القاتلُ خطأً من الدّيّة الّتي أخذت منه، ويرث من المال. والقاتلُ عَمْدًا أو القاتلُ خطأً يرِثان الولاء جميعًا. ولا يرث المولودُ حتّى يستهلّ صارخًا. ولا يتوارث المجهولون موتهم (١) إِلَّا بالبَيِّنَة واليمين، وميراثُ كلّ واحدٍ منهم لوَرَثَتِه من الأحياء. ولا يورث إِلَّا من وُلدَ في الإسلام. ولا يتوارث تُؤامُ الزّانية إِلَّا بالأمّ، وكذلك أولاد المغتصبة وتُؤامُها لا يتوارثان إِلَّا بالأُمّ، وتُؤامُ المسبيّة، وتُؤامُ الملاعنة، وتُؤامُ المستأمنة

стр. 3300

يتوارثان بالأب والأمّ إذا كانت الولادة في العرب. ولا يرث أولاد أمّهات الأولاد الّذين وُلدُوا من غير سيِّدهم؛ لأنّهم بمنزلة أمّهاتهم، والأمّهات لا تعتق إِلَّا بموت السَّيِّد، فإنّهم كما وصفتُ لك ممّن ترث وتورث، وممّن ترث ولا تُورث. الفصل الثّاني في ذكر الحجب ومن يحجب ومن لا يحجب وكيفية القسمة الأب يحجُب أَبَوَيه، ويحجُبُ الإخوة ذكورهم وإناثهم، والأعمامُ لا يرثون معه شيئًا. والأمّ تَحْجُبُ الجدّات كلهنّ لا يرثن معها شيئًا. والابنيَحْجُبُ من تحته من بني البنين ذكورهم كإناثهم، ويحْجُبُ الإخوة كلّهم، والأعمام لا يرثون معه شيئًا. والأخ من الأب والأمّ يحْجُبُ الأخ من الأب، والأخ من الأَبِ يحْجُبُ ابن الأخ للأب، وابنُ الأخ من الأب يحْجُبُ ابن الأخ من الأب والأمّ، الأقربُ أبدًا يحْجُبُ الأَبْعَد. وأمّا من لا يسقط بحال وهم ستّة: البنون، والبنات، والآباء، والأمّهات، والزّوج، والزّوجات. وأمّا قسمة المال، ففي ذلك إحدى عشرة مسألة: المسألة الأولى: فيمن يرث المال كلّه الابن، وابن الابن، والأخ، وابن الأخ، والعمّ، وابن العمّ، والأب والجدّ إذا انفردوا. المسألة الثّانية: فيمن يرث الثُّلُثَين ترثه ابنتان فصاعدًا إذا لم يكن معهما ابنٌ ذكرٌ، وكذلك ابننا ابن وأختان شقيقتان ولأبٍ فصاعدًا إذا لم يكن معهنّ ذكر منهنّ. المسألة الثّالثة: فيمن يرث النّصف الابنةُ الواحدة إذا لم يكن معها ذكرٌ، وكذلك ابنة الابن، والأخت الشّقيقة ولأب الواحدة إذا لم يكنّ معهنّ ذكر منهنّ، والزّوج إذا لم يكن معه ولد، ولا ولد ولدٍ. المسألة الرّابعة: فيمن يرث الثُّلُث الأمّ إذا لم يكن معها ولد، ولا ولد ولدٍ، ولا اثنان من الإخوة فصاعدًا إِلَّا في

стр. 3301

الفريضتين الّتي يقال لهما: الغَرَّاوان، وإخوان الأمّ فصاعدًا ذكورًا كانوا أو إناثًا، مقسومًا ذلك بينهم بالسّواء. المسألة الخامسة: فيمن يرث الرُّبع الزّوج مع الولد، وولد، والزّوجة إذا لم يكن معها ولدٌ، ولا ولد ولدٍ، ذَكَرًا كان الولد أو أنثى. المسألة السّادسة: فيمن يرث السُّدُسَ يرثُه الأب والجدّ مع الولد وولد الولد، والأمّ مع الولد وولدِ الولد، ومع اثنيْن من الإخوةِ فصاعدًا، والأخ الواحد للأم ذكرًا كان أو أنثى، والجدّة واحدة كانت أو أكثر، وبنات البنين مع الابنة الواحدة، والأخوات للأب مع الأخت الشّقيقة الواحدة. المسألة السابعة: فيمن يرث الثُّمُنَ ترثه الزّوجة مع الولد وولد الولد، ذكرًا كان أو أنثى. المسألة الثّامنة: في المقاسمة في المال كلّه بالسّواء وفيما يبقى أيضًا كذلك وهم الذّكور من البنين، وبني البنين، والإخوة الشّقائق، والأب والأعمام وبنوهم وبنو بنيهم، والأخوات الشقائق، والأب مع البنات ومع بنات البنين. المسألة التّاسعة: في المقاسمة للذَّكَرِ مثل حظّ الأنثيين في المال كلِّه وفيما يبقى لأهل الفرائض المسمّاة وهم الذّكور مع الإناث مع البنين وبني البنين، والإخوة الشّقائق، والأب والجدّ مع الأخوات الشقائق، والأب إذا كانت المقاسمة أفضل أنصبائه. المسألة العاشرة: في التّخيير فالجدّ مخيَّرٌ مع الإخوة إذا كان معهم من له فريضة مسمّاة في السُّدُسِ من رأس المال، أو في ثُلُثِ ما بقي لأهل الفرائض، وفي مقاسمة الإخوة كأنّه أخ مثلهم. فإذا لم يكن معهم من له فريضة مسمّاة، كان مُخَيَّرًا في الثُّلُث من رأس المال وفي مقاسمة الإخوة. المسألة الحادية عشرة: في قسمة ثلث ما بقي للأمّ في الفريضتين اللّتين يقال لهما الغرَّاوان (١) وهما زوج وأبوان، وزوجة وأبوان، للزّوجين فرائضهما، وللأمّ ثُلُث ما بقي.

стр. 3302

فهذه أصولٌ ربطت جميعَ الفرائض والمواريث والحُجب المشكلة منها فقابلوها. باب (١) ميراث الرَّجل من امرأته والمرأة من زوجها بوَّبَ مالك هذا الباب، وبيَّنَ أنّ فرض الزّوج النِّصفُ، ويرجع إلى الرُّبُع (٢)، وكذلك الزوجة فرضها الرُّبُع، وترجع إلى الثُّمُن (٣). والأصل في ذلك: الآية المتقدّمة. وإن كانت الزّوجات اثنتين أو ثلاثًا، فهذا حكمها: لهنّ الرّبُع دون الولد وولد الولد، ولهنّ الثُّمُن مع الولد وولد الولد، يقتسمن ذلك على السّواء، ولا ينقصن من الثّمن إِلَّا أنّ ينقصَ العَوْل، وذلك مثل أنّ يترك زوجة وأبوين وابنتين، فأصلُ الفريضة من أربعة وعشرين، وتعولُ إلى سبعة وعشرين، وتسمّى: "المنبريّة" وذلك أنّ عليّ بن أبي طالب سُئلَ عن ميراث الزّوجة من هذه المسألة وهو يخطب فقال: "عادَ ثُمُنُها تِسْعًا" (٤) ومضى في خُطبَتِه، فسمِّيت المنبريَّة. باب (٥) ميراث الإخوة للأمّ قال الإمام: معنى هذا الباب؛ أنّ الإِخوةَ للأمِّ لا يرثونَ مع وارثٍ من الولدِ وولَدِ الولَدِ، وَلَا يرثون مع وارث من الآباء والأجداد، ويرثون مع غيرهم بالفَرْضِ دون التعصيب؛ لأنّهم يستفيدون ذلك من الأمّ وليست من أهل التّعصيب، وفرض الواحد منهم

стр. 3303

السُّدُس (١)، وفرض الانثيين فما زاد الثُّلُث، ذكورهم وإناثهم في ذلك سواء. الأصل في ذلك: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ (٢) معناه: أنّ يورث بغير أبوين ولا ولد، ثمّ قال: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (٣) فسوّى بين الأخ والأخت، ثمّ قال: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (٤) فوجب أنّ يرجع الضّمير إلى الذّكور والإناث، وذلك يقتضي تَسَاوِيهم في الثُّلُث؛ لأنّ ذلك ظاهر لفظ الاشتراك. باب (٥) ميراث الجدّة قال الإمام: اعلموا أنّ الجدّة قد دخلت في قوله: ﴿وَلأَبَوَيْهِ﴾ (٦) كما دخل الجدُّ، فاقتضت التّشريك وإن خالف اللّفظ، كما دخلت الأمّ وإن اختلف اللّفظ؛ إِلَّا أنّ مالكًا (٧) وغيره رَوَى عن قَبِيصَةَ بن ذُؤَيبٍ؛ أنَّه قال: "جَاءَتِ الجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁" إلى قوله: "فَهُوَ لَها". وقول أبي بكر: "مَالَكِ في كِتَابِ اللهِ من شَيءٍ"

стр. 3304

غريب في الفقه؛ لأنّه جعل الجدّ أبًا ولم يجعل الجدّة أُمًّا، والمعنى في ذلك: نقصان درجات النّساء؛ لأنّه لا ينكر في الأولاد فلم ينكر في الآباء، فبنتُ البنتِ ليس لها شيءٌ، وكذلك أمّ الأمّ. ثمّ جاءت الأخرى إلى عمر، وقيل: إلى أبي بكر، فذكر مالك الرّوايتين (١)، وقال علماؤنا: إنَّ الّتي جاءت أوَّلًا إلى أبي بكر كانت أمّ الأمّ، ورَوَى ذلك ابن وهب وغيره مُفسِّرًا (٢)، وعليه يدلُّ تعليل الأنصاريّ، إذ قال لأبي بكر: أَمَا إِنَّكَ تَترُكُ الَّتِي لَوْ ماتَتْ وَهُوَ حَيٌّ، كانَ إِيَّاهَا يَرِثُ، فَجَعَل أَبُو بَكرٍ السُّدُسَ بَينَهُما (٣). توفية: اعلم أنّ الجدّة من قِبَلِ الأُمّ لها السُّدُس، والجدّةُ من قِبَلِ الأب لها السُّدُس، فإذا اجتمعتا وكانت جدَّة الأب أقرب بدرجة أو درجتين فالسُّدُس لها وحدها، وأيُّهما خَلَت به فهو لها. واعلم أنّ جدَّة الأب ترث مع كلِّ وارثٍ إِلَّا مع الأب والأمّ، وجدّة الأمّ ترث مع كلِّ وارثٍ إِلَّا مع الأمّ وحدها. باب ميراث الكلالة الأصل في هذا الباب: قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ الآية (٤).

стр. 3305

وقوله (١): "إنَّ عُمَرَ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الكَلَالَةِ؟ " يحتمل (٢) أنّ يسأل عن حكمهم في الميراث. ويحتمل أنّ يسأل عمّن يستحقّ هذا الاسم من الوَرَثَة والمورّثين. العربيّة (٣): اختلف العلماء وأهل اللّغة وغيرهم في الكَلَالَةِ، فقال: صاحب "العين" (٤): الكلالةُ الّذي لا ولدَ له ولا والد. وقيل: إنَّ الكلالة من بَعُد، يقال كَلَّتِ الرَّحِمُ إذا بَعُدَ من خرج منها. وقيل: إنَّ الكَلَالَة هم الوَرَثَة الّذين يحيطون بالميراث. وقيل: إنَّ الكَلَالَةَ المالُ، ولا وجه له. وقيل: الكَلَالَة من فقد أَبَاهُ وأمّه قبله ثمّ مات بعد ذلك. تنقيح (٥): قال الإمام: والكَلَالَة الموروث على مقتضى الحديث، وهو ظاهر القرآن، وذلك قولُه: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ (٦) وقال ﷺ : "يَكفِيكَ آيَة الصَّيف" (٧) يقتضي أنّ السّؤال كان عن أحكام الوارِثِينَ. والآية نزلت في شأن جابر بن عبد الله، رواه ابن المُنْكَدِر عنه، قال جابر: مرضت فأتاني النّبي ﷺ وأبو بكر وعمر وقد أُغمِيَ عليَّ فلم أكلِّمهم، فتوضّأ فصبَّ عليَّ،

стр. 3306

فأفقتُ فقلتُ: يا رسولَ الله! كيف أصنعُ في مالي ولي أخوات؟ قال: فنزلت آية الصّيف (١). وروى أبو إسحاق عن البراء (٢)؛ أنّ آخر آية نزلت: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ الآية (٣). قُرِئَ (٤) بفتح الرّاء وكسرِها، وتشديدها مكسورة، فإن كان بالفتح فذلك عائد على الميِّت، ويكون قوله: ﴿كَلَالَةً﴾ حالًا من الضّمير في يُورَث. وإذا قرئ بالكسر، فذلك عائد إلى الوَرَثَة، ويكون قوله: ﴿كَلَالَةً﴾ مفعولًا يتعدّى الفعلُ إليه، وكذلك بالتشديد؛ وإنّما فائدته تضعيف الفعل. الفقه في مسائل: المسألة الأولى (٥): قوله (٦): "الأَمْرُ المُجتَمَعُ عَلَيهِ عِنْدَنا" إلى آخر كلامه، هو كما قال، أنّ الكلالة على ضربَينِ عند كثيرٍ من العلماء: أحدهما: من لا يرث مع الوالدين عَلَيَا أو سفلا؛ كالإخوة للأمّ، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ (٧). والثّاني: من لا يرث مع الابن وابن الابن، ولا مع الأب، ويرث مع الجدّ وابنة الابن، وذلك قوله (٨) تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ الآية (٩).

стр. 3307

باب ما جاء في العمّة هذه المسألة (١) ترجمتها في "مسائل الخلاف" وقد اختلف الصّحابة فيها والفقهاء والتّابعون، فالأكثر على سقوطها، وأن التَّوارُثَ إنّما يقع بين من سمَّى اللَّهُ في كتابه، والباقي للعصبة، لقوله: "أَلحِقُوا الفَرائِضَ بِأَهلِهَا" الحديث المتقدِّم (٢). واختار أبو حنيفة (٣) توريث ذوي الأرحام، وتعلّق بالقرآن والسُّنَّة والمعنى. أمّا القرآن فقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٤) وقد تكلّم علماؤنا عليها بوجوه، أقواها أنّه عموم إنَّ لم يكن مُجْمَلًا، فإذا كان عامًّا خصّصه المُفَسَّر من القرآن والسُّنَّةُ. وأمّا متعلّقه من السُّنَّة فضعيفٌ، ليس له في ذلك أَثَرٌ صحيحٌ. وأمّا متعلّقه من المعنى فقويٌّ، قال: سَاوَى المسلمين في الإسلام، وفَضَّلَهُم بالقرابة، فوجبَ ترجيحه عليهم. وقد استوفينا الكلام معه في ذلك في "مسائل الخلاف" والصّحيحُ توريثُهُم. عارضة: وهي امرأة توفّيت وتركت زوجها، وأمّها، وأختها لأمّها وأبيها، وجدّها، فللزّوج النّصف، وللأمّ الثلُث، وللجدّ السُّدُس، وللأخت للأب والأمّ النّصف، ثمّ يجمع سُدُس الجدّ ونصف الأخت فيقسم للذَّكَر مثل حظِّ الأنثيين؛ لأنّ الجدّ يقول: أنا أشارِكُ أخاكَ وأفضله، فكيف يفضلني وهو أفضل منك؟ وهذا ترجيح في ترجيح، ولا جوابَ عليه، وذلك بّيِّنٌ في "الخلاف".

стр. 3308

عارضة أخرى: وهي مسألة "الْمُعادَّة" قال بها مالك في الميراث والوصيّة، وانكرها الشّافعيّ وكثير من الفقهاء (١). فقال مالك: إنَّ الوَرَثَة يعادُّون أهل الوصايا بوصيّة الوارث، ثمّ يردّونها ميراثًا، وكذلك يعادُّون الإخوة للأب والأمّ والجدّ بالإخوة للأب، فإذا أخذوا نصيبهم معهم أخذوه من أيديهم. فإن قيل: كيف يحجب الجدّ من لا يرث؟ أو كيف يحطّ من لا يقسم له؟ قلنا: ليس ذلك بنكير في الفرائض؛ فإن الإخوة للأمّ يَحجُبُون الأمّ عن فرضها ويحطّونها عن سهمها، وهم يحجبون عن سهمهم. عارضة أخرى: اختلف العلماء في ميراث المرتدِّ: فقالت طائفة: ميراثه لوَرَثَتِهِ المسلمين، رُوِيَ ذلك عن عليّ (٢)، وبه قال ابن المسيِّب (٣)، والحسن البصري (٤)، وإسحاق، وعمر بن عبد العزيز (٥). وقالت طائفة: لا يرث المرتدّ وَرَثَتَهُ من المسلمين، ولا يرثُهم لأنّه كافر، وقد ثبت أنّه "لا يرث المسلم الكافر" (٦) وهذا قول مالك وربيعة؛ أنّ ميراثه للمسلمين؛ لأنّ دمه كان مباحًا. وهذا هو الصّحيح للحديث المتقدِّم، وبه أقول. عارضة أخرى: قال علماونا: حكم ولد الزّنا حكم ولد الملاعنة (٧) إذ لا أَبَّ له ولا لابنِ

стр. 3309

الملاعنة، هذا قول عطاء، وسفيان الثّوريّ، والزّهري، وبعض المدنيّين. عارضة أخرى في ميراث الخنثى: هذه نازلة تعتبر، وإن كان قد قال كلّ من يُحْفَظ عنه من أهل المدينة أنّ الْخُنْثَى يورث من حيث يبول، فإنْ بال من حيث يبول الرَّجُل ورثَ ميراث الرَّجل، وإن بال من حيث تبول المرأة ورث ميراث المرأة (١)، وهو مذهب عليّ بن أبي طالب، ومعاوية، وأهل الكوفة (٢). وقالت طائفة: يورث من حيث يسبق البول (٣)، وعليه الجمهور، وبه قال أحمد (٤)، وإسحاق. فإن بال منهما جميعًا، فهو الخنثى المشكل، واتفق أهل الفرائض على أنّ له نصف ميراث رجلٍ ونصف ميراث امرأة، فإن انفرد وحده فله ثلاثة أرباع المال، قال أبو غالب في "فرائضه": لا كلامَ بين أهل العلم في ذلك، وقد اختلفوا في الحسَاب. فقال بعضهم: من توفيّ وترك ابنا خُنثى وابنًا صحيحًا، فريضتهما من سبعة، للصّحيح أربعة وللخنثى ثلاثة. ومنهم من قال: فريضتهما من خمسة، للخنثى سهمان وللصّحيح ثلاثة. وذلك كلُّه غَلَطٌ، والصواب أنّ يعمل فريضتان: فريضة على أنّه ذَكَر، وفريضةٌ على أنّه أنثى، ففريضتهما على أنّهما ذكران من اثنين، وفريضتهما على أنّ أحدهما أنثى من ثلاثة، فاضرب الثّلاثة في اثنين فذلك ستّة، ثمّ ضعّفهما فذلك اثنا عشر، وإنّما أضعفناهما

стр. 3310

ليكون بيد كلّ واحد منهما من التذكير والتأنيث نصف صحيح، ثمّ قسمناهما على أنّهما ذكران فلكلّ واحد ستّة، ثمّ قسمناها على أنّ أحدهما أنثى فيكون للذّكر ثمانية، وللأنثى أربعة، ومن أراد الشّفاء من هذه المسائل فعليه "بالكتاب الكبير" والحمد لله تمَّ بحمد الله ومنِّه الجزء السّادس بالتجزنة السليمانية، ويليه الجزء السابع وهو الأخير، وأوّله: "كتاب القول في الدماء والقسمامة"

стр. 3311

المسالِك في شرح مُوَطَّأ مَالِك للقاضي أبي بكر محمّد بن عبد الله بن العربيّ المعافريّ (المتوفَّى سنة: ٥٤٣هـ) قرأه وعلَّق عليه محمّد بن الحسين السُّليماني ... عائشة بنت الحسين السُّليماني قدَّم له الشّيخ الإمام يوسف القَرَضَاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلّماء المسلمين المجلد السّابع دَار الغَرب الإسْلامي

стр. 3312

دار الغرب الإسلامي جميع الحقوق محفوظَة الطبعة الأولى ١٤٢٨هـ - ٢٠٠٧م دار الغرب الإسلامي ص: ب. ٥٧٨٧ - ١١٣ بيروت جميع الحقوق محفوظة. لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفرتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.

стр. 3313

المسالِك في شرح مُوَطَّأ مَالِك للقاضي أبي بكر محمّد بن عبد الله بن العربيّ المعافريّ (المتوفَّى سنة: ٥٤٣هـ) المجلد السّابع

стр. 3314

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب القول في الدِّماء والقَسَامَةِ مقدِّمة (١) قال الإمام: الدِّماءُ خطيرةُ القَدرِ في الدَّين، عظيمةُ المرتبةِ عند ربِّ العالَمِينَ، وهي وإن كانت محرَّمةً بالحُكم والأمرِ، فإنَّها مُرَاقَةٌ بالقضاءِ والحِكمَةِ، وهو الّذي ضَجَّت منه الملائكةُ ورَفعَت قولَها إلى الله ، فقالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (٢). ومن مراتِبِها وعَظيمِ خَطَرِها، قال الله : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الآية (٣)، فأجابَ الله تعالى الملائكةَ بقوله: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤). ثمّ عَلَّمَنَا الله تعالى معنى ذلك وحِكمَتَه، وهي ما بينّاه في "الأسماء" (٥)، وذلك أنّ الله سبحانه له الصِّفاتُ العُلَى والأسماءُ الحُسنَى، وكلُّ أسمائه وصفاتِه لها مُتعَلِّق لابدّ أنّ يكون ثابتًا على حُكم المُتَعلّقِ، ومنْها عامّةُ التَّعلقِ، ومنها خاصَّة، فلمّا كان من صفاتهِ الرّحمةُ، أخذَت جزءًا من الخَلْق، فكان لهم العَفْوُ والعافيةُ في الدّنيا والآخرةِ.

стр. 3315

ولمّا كان من صفاته السَّخَطُ، أَخَذَت هذه الصّفةُ جُزءًا من الخَلْقِ، فوجَبَ لهم العذابُ، واستَحَقَّت عليهم النِّقْمَةُ، إلى آخِرِ تحقيقِ هذا الفصلِ في الكتابِ المذكورِ (١). فلمّا خَلَقَ الملائكةَ يفعَلُون ما يُؤمَرُونَ، وُيسبِّحونَ اللّيلَ والنّهارَ ولا يَقتُرون، لم يكن بُدٌّ -لِمَا تقدَّمَ بيانُه- له من أَن يَخلُقَ مَنْ تجري عليه هذه الأحكامُ وهو الآدميُّ، تجري عليه المقاديرُ من خيرٍ وشرٍّ، وتَتفُذُ فيه هذه المقاديرُ من نفعٍ وضُرٍّ، والحمدُ لله الّذي بَصَّرَنا حِكمَتَهُ وأحكامَه، وإيَّاهُ نسألُ نُورًا يتيسَّرُ به العملُ. فاتحة (٢): ولعظيم حُرْمَةِ الدِّماءِ، حذَّرَ النَّبيّ ﵇ اُمَّتَه عنها، فقال في الحديث الصّحيح: "لَا يَزالُ الرَّجُلُ في فُسحَةٍ مِن دِينِهِ ما لَمْ يَسْفِك دَمًا حَرامًا" (٣). فالفُسْحَةُ في الدِّين: سَعَةُ الأعمالِ الصَّالحةِ، حتّى إذا جاءَ القتلُ ضاقَت؛ لأنّها لا تَبقَى به (٤). ورُوِيَ في رواية أخرى (٥): "في فُسحَةٍ من ذَنبِهِ" والفُسْحَةُ في الذَّنب: قَبُولُه للمغفرةِ (٦)، وإنَّ قَتلَ البهائِم بغير حقٍّ ليوجِبُ ذنبًا عظيمًا، فكيفَ قتلُ الآدَمِيِّ الّذي لو وُزِنَ بالدّنيا بأَسْرِها (٤) لرَجَحَها (٧)؟.

стр. 3316

وثبتَ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "أَوَّلُ مَا يُقْضَى فِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ في الدِّمَاءِ" (١) لأنّ المهمَّ أبدًا هو المقدّمُ. وفي "التّرمذيّ" (٢) أنّ رسول الله ﷺ قال: "زَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ قَتلِ رجلٍ مُسْلِمٍ". وعن أبي سعيدٍ الخدريّ، وأبي هريرةَ، أنّ رسول الله ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَواتِ وَأَهْلَ وَالْأَرْضِ اشْتَرَكُوا في دَمٍ رَجلٍ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُمُ اللهُ في النَّارِ" (٣). واعلم أنّ القتلَ قد قُرِنَ بالشِّرْكِ، وقع في "صحيح البخاريّ" (٤) في حديث يقتضي قوله: "الشِّرْكُ أَنْ تَجْعَلَ مع اللهِ نِدًّا وَهوَ خَلَقَكَ، وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ". وخرَّجَ مسلمٌ (٥)، والترمذيّ (٦)، عن ابنِ مسعود؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "أَوَّلُ مَا يَحْكُمُ اللهُ فِيهِ بَينَ العِبَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ في الدِّمَاءِ". تبدئة أهل الدَّمِ في القَسَامَةِ يحيى (٧)، عن مالك، عن أبي ليلى، عن سَهْل؛ أَنَّهُ أَخبَرَهُ رِجَالٌ مِن كُبَرَاءِ قَوْمِهِ. الحديث.

стр. 3317

الإسناد: قال الإمام: هكذا رواه أصحابُ مالكٍ، عن أبي لَيلَى، عن سَهْل؛ أنّه أَخبَرَهُ رجالَ من كبَراء قَوْمِهِ، وهو الصّحيح (١). الفقه في مسائل: المسألة الأولى (٢): في هذا الحديث من الفقه: أنّ المقتولَ إذا قُتِلَ وطُرِحَ على باب قومٍ لم يُؤخَذوا به، وإنّما تعلّقتْ تُهْمَةُ القتلِ في هذه القصّة على اليهود من أجل عداوتهم للمسلمين. السمألة الثّانية (٣): قال الإمام: والقَتْلُ يَثبُتُ بثلاثةِ أشياءَ عند مالكٍ: أحدُها: البيّنةُ العادلةُ. الثّاني: الإقرارُ، لقوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ (٤). الثالثُ: القَسَامَةُ، فعنده أنّه يستوجِبُ بها الدَّمُ، وقال جمهورُ الفقهاء: إنّما تُستَحَقُّ بها الدِّيَةُ، لقولِه في الحديثِ الصَّحيحِ: "تَحْلِفُونَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُم يُدْفَعُ إليكُمْ

стр. 3318

بِرُمَّتِيه" (١) وبيَّنَهُ قوله (٢): "فَتَحْلِفُونَ وَتستَحِقُّونَ دَمَ صاحِبِكُمْ؟ ". المسألة الثّالثة (٣): قوله (٤): "قُتِل وَطرِحَ في فقِير" قال مالك (٥): الفقيرُ: البئرُ. وقيل: العينُ. فقال النَّبيُّ ﵇: "تَحْلِفُونَ؟ ". قال الإمامُ: والقَسامَةُ متَّفَقٌ عليها من الجاهليّة والإِسلام، روى مسلمٌ في ""صحيحه" (٦) قال: "كانتِ القَسَامةُ في الجاهليّة فأقرَّها الإِسلامُ". وهي مخصوصة من قواعد الدِّين، وأنّها تثبتُ باللَّوثِ كما تَثبُتُ بالبَيِّنَةِ. واختُلِفَ في اللَّوثِ اختلافًا كثيرًا، فمشهورُ المذهبِ (٧) أنّه الشّاهدُ العدلُ. وقال الشّافعيُّ (٨) وأبو حنيفةَ (٩): هو قتيلُ المَحَلَّةِ، وفيه وُردتِ النّازلةُ، زادَ مالك (١٠): "وَقولُ المَقْتُولِ: دَمِي عِندَ فُلَانٍ" وزادَ لها مالك مَحِلاًّ آخرَ، فقال: إنَّ المجروحَ إذا عاشَ بعد ما يُجْرَحُ، وأكلَ وشرِبَ، ثمّ طرأ عليه الموتُ، لم يَجِبِ القَوَدُ لأوليائه حتّى يَحْلِفُوا أنّه ماتَ من ذلك الجُرْحِ.

стр. 3319

وأمّا قتيلُ المَحِلَّةِ، فليس بشُبْهَةٍ؛ لأنّ العدوِّ قد يُلقي القتيلَ على غيره، وذلك معلومٌ حقيقةً، موجودٌ عادةً. وأمّا قولُ المقتولِ: دَمِي عنْدَ فُلانٍ؛ فإنّ مالكًا إنّما تعلَّقَ فيه بما رَوَى عنه كُبَرَاءُ أصحابه حديث: بَقَرَةِ بني إسرائيلَ حينَ قامَ المقتولُ فقال: "دَمِي عِندَ فُلانٍ" و"فُلانٌ قتَلَنِي" (١). فإن قيل: هذه الآيةُ لا حُجَّةَ فيها من وجهين: أحدُهما: أنّه شَرْعُ من قَبلَنا. والثّاني: أنّها آيةٌ، والأحكامُ إنّما تُبْنَى على الدَّلالاتِ لا على الآياتِ والمعجزات. قلنا: أنا شَرْعُ من قَبْلَنا، فشرعٌ لنا (٢) من غيرِ خلافٍ في المسائلِ المالكيّةِ. فلمَّا (٣) قال الميِّتُ: "دَمِي عِندَ فُلَانٍ"، قال مالك (٤): هذا ممّا يُبَيِّنُ أنّ قولَ الميِّتِ: "دَمِي عند فُلان" مقبولٌ وُيقسِمُ عليه. فإن قيل: هذا كان آية ومعجزة على يَدَيْ موسى لبني إسرائيلَ.

стр. 3320

قلنا: الآيةُ والمعجزةُ إنَّما كانت في إحياء الميِّت، فلمَّا صار حيًّا كان كلامُهُ كسائرِ الكلام من الآدميِّين كلِّهم في القَبُولِ والرَدِّ، وهذا من دقيقِ العِلْمِ، فتأمّلُوه إنَّ شاء الله. فإن قيل: إنّما قَتَلَهُ مُوسَى بالآية. قلنا: ليس في القرآن أنّه إذا أخبرَ وجبَ صدقُهُ، فلعلّه أمرهُم بالقَسَامة معه، أو صدَّقَه جبريل فقتلَهُ موسى بعِلمِهِ، كما قتل النَّبيُّ ﵇ الحارثَ بن سُوَيد بالمجذَّر ابن زيادٍ بإخبار جبريل له، وهي مسألة خلافٍ كبرى. واستبعدَ ذلكَ البخاريُّ والشّافعىُّ (١) وجماعة من العلّماءِ، وقالوا: كيف يُقْبَلُ قولُ الميِّت في الدِّم وهو لا يُقْبَلُ في دِرْهَمٍ، وإنَّما تستحقّ بالقَسامَةِ الدِّيَة. قال الإمامُ: والحقُّ أنّ السُّنَّةَ هي الّتي تقضي وتَرُدُّ الاعتراضَ عليها. وأيضًا؛ فإن قولَهُ: "لا يُقْبَلُ في دِرْهَم" قد قلتم: إنَّ قتيلَ المَحِلَّة يُقْسِمُ فيه على الدِّيَة، وليس هنالك قولٌ لأحدٍ، وإنّما هي حالٌ محتملةٌ للباطلِ، إذ يجوزُ أنّ يقتلَهُ رجلٌ ويجعله عند آخر، بل هذا هو الغالبُ من أفعالهِم. ولهذا خالفَ مالك أبا حنيفةَ (٢)، والثّوريّ، وجماعةً من أهل الكوفة (٣)؛ لأنّهم قالوا: المُوجِبُ للقَسَامَةِ في قصَّة عبد الله، أنّه وُجِدَ مقتولًا بخَيبَر، ومَن وُجِد قتيلًا بمَحِلَّةِ قومٍ وبه جُرحٌ فهو لَوثٌ. فقال مالك (٤): "لا يُوجِبُ ذلك قَوَدًا ولا دِيَةً ولا قَسامَةً، ولو كان ذلك وشاءَ

стр. 3321

قومٌ إذايةَ قومٍ إِلَّا ألقوا قتيلًا بمَحِلَّتِهِم" وهذانظرٌ قويٌّ. وقد (١) بيَّنَ مالك أنّ البداية بأَيمَانِ المُدَّعِي هو العُمْدَةُ في الحُكم، ثمّ عَقَّبَ ذلك ببيانِ الحِكمَة والمعنى، فقال (٢): "وإنّما فُرِقَ بين القَسَامَةِ والدَّمِ وسائرِ الأَيمانِ في الحقوق" إلى قوله: "فيقولُ المقتولُ" على أنَّه قد ثَبَتَ من طريق الدَّارقطني (٣) وغيره؛ أنَّ النّبيّ ﷺ قال: "البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، واليمينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إِلَّا في القَسَامَةِ" وللقَسَامَةِ فروع كثيرة في "كتب المسائل". فصل في ذكر المسائل والفوائد المستقرأة من هذا الحديث وهي جُمَلٌ: الأولى (٤): في قوله (٥): "في فَقِيرِ بِئرٍ" وهو حفير يُتَّخَذُ في السَّرَبِ الّذي يُصنَعُ للماء تحت الأرض، يُحْمَلُ فيه من مَوضِعٍ إلى موضِعٍ غيرَهُ، فتُعْمَلُ عليه أفواهٌ كأفواهِ الآبار منافس (٦)، فتلك الآبار هي الفُقُرُ، واحدُها فَقِيرٌ. الثّانية: اختلَفَ النَّاسُ في الدِّم: فقال بعضُهم: إذا اختلف وُلَاةُ الدِّم، فقال بعضُهم: قُتِل عَمْدًا، وقال الآخرون:

стр. 3322

قُتِلَ خطأً، أقسَمُوا كلُّهم على قتله وَوَجَبَت له الدِّية. ولو قال بعضهم: قُتِلَ عَمْدًا، وقال الآخَرونَ: لا عِلْمَ لنا بقَتلِه، لم يُقْسِم واحدٌ منهم، ورُدَّت الأَيْمَانُ على المدَّعَى عليهم. وقال ابنُ عبدِ الحَكَمِ: إذا اختلفا سقَطَت دعواهُم. وقوله (١) في الحديث (٢): "تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ": يحتَمِلُ أنّهم أتوا بلَوثٍ فوجَبَ ذلك. ويحتَمِلُ أنّ يقولَ: أتحلفونَ إنَّ أثبتُم لما يُوجِبُ ذلك. فلمَّا قالوا: لا نَحلفُ، بطلَت القَسَامة. وقولُه: "دَمَ صاحِبِكُمْ": يحتملُ أنّ يريدَ به دم المقتول، أو دم القاتِلِ، وقد ظهرَ الاحتمالُ في حديثِ سليمان بن يَسار فقال: "دَمَ صاحِبِكُمْ" أو"قاتِلِكُمْ". ويحَتمِلُ أنّ يريدَ بالصَّاحبِ القتيل، فيكون ذلك على الشكّ، فإذا قلنا: المراد به دَم القاتل وإنَّما ادَّعَوْا على جماعةٍ، فيحتَمِلُ أنّ يكونَ عيَّنَهُ بعد ذلك. ولا خلافَ في المذهب أنّه يستحقُّ القَسامَة مثل القاتل، خلافًا للشافعي في قوله: إنّما تستحقون الدِّية (٣). ودليلُنا قوله: "تَستَحِقُّونَ بِهَا دَمَ صَاحِبِكُمْ" وهو نصٌّ جَلِيّ. * ومن جهة المعنى: أنّها حُجَّة يثبتُ بها القتلُ عَمدًا، فجازَ أنّ يستحقَّ بها الدِّم كالشُّهود. ولا خلافَ في المذهبِ أنّه لا يُستَحَقُّ بالقسامةِ إِلَّا قتل رَجُل واحدٍ، خلافًا للشّافعىّ في أحد قَوْلَيه. والدّليل على ما نقولُه: ما رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "وَتَستَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ"*.

стр. 3323

ومن جهة المعنى: أنّ القَسامَةَ أضعفُ من الإقرار والبيّنة، وفي قَتلِ الواحد رَدْعٌ، قاله عبدُ الوَّهاب (١). وإذا قلنا: لا يقتل إِلَّا واحدٌ، فهل يُقْسمُ على واحدٍ أو على جماعةٍ؟ ففي "المجموعة" من رواية ابنِ القاسمِ عن مالك: لا يُقْسمُ إِلَّا على واحد (٢). وقال أشهب: إنَّ شاؤا أقسمُوا على واحدٍ، أو على اثنين، أو على جميعِهم، ولا يقتلونَ إِلَّا واحدًا. فوجهُ الأوّل: أنّ فائدة القَسَامَة القِصَاص، ولا معنى لها على من لا يقتل. ووجه الثّاني: أنّها إنّما هي على قَدْرِ الدَّعْوَى، ولا يجوزُ أنّ يكونَ في بعضِه، فإذا وجبَ القصاصُ بها كان لهم تعيين مَنْ يقتصّ منه؛ لأنّ القسامة قد تَناوَلَتهُ. فهذا أقسموا على واحدٍ، فإنَّهم يقولون: إنّما مات من ضَرْبَتِه، ولا يقولون من ضربتهم، رواه ابن عبدوس، وابن الموّاز (٣). الثّالثة (٤): قوله: "تحْلِفُونَ" قال علماؤنا (٥): القَسَامَةُ لا تجبُ إِلَّا بأحدِ أمرينِ: إمَّا أنّ يقول: دمي عند فلان، أو يأتي بلَوْثٍ، وقد قال ابنُ شعبان: تجب القسامة بوجوه أربعة: الأوَّلُ: المذكورُ. والثّاني: أنّ يشهد الضّرب أو الجُرْحَ شاهدان مرضيان، ثمّ يعيش المضروب أو المجروح بعد ذلك أيامًا ثمّ يموت. والثّالث: أنّ يشهدَ شاهدٌ مرضِيٌّ أنّ فلانًا قتل فلانًا.

стр. 3324

والرّابعُ: أنّ يشهد اللّوْث أو أهل البَدْوِ على قتيل، فيقسمُ مع قولهم. ورَوَى ابنُ حبيبٍ عن مُطَرِّف عن مالك: أنّ مِنَ اللّوثِ (١) اللَّفِيف من السّواد، والنّساء والصّبيان يحضرون ذلك. ومثل الرَّجُلين والنَّفَر غير عدول، وليس هذا بمخالف للقول الأوّل، والثلاثة تدخلُ تحت قوله (٢): "أَوْ يَأتِيَ بِلَوْثٍ من بَيِّنَةٍ". الرَّابعة (٣): قوله (٤): "وَلَكِن. .. (٥) فَيَحْلِفُ مِنهُم خَمْسُونَ" يريدُ: أنّه يَحلِفُ الجماعةُ في النكُولِ كما يُحْلَف في الدّعوى؛ لأنّ القَسَامَةَ لمّا لم يَحلِف فيها إِلَّا اثنان، فما زاد إلى خمسين. فكذلك من تردّ عليهم الأَيْمَان. وقال مالك (٦): لا يحلف إِلَّا المُدَّعَى عليه بخلاف المُدَّعِي (٧). الخامسة (٨): قوله (٩): "خَمْسِينَ يَمِينًا" ووجهُهُ: قول النّبي ﵇ (١٠): "فَتُبرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا".

стр. 3325

وأيضًا: فإنّ الأَيمان المردودة يُعتبر بِعَدَدها فيما انتقلت إليه كأَيمَانِ الحقوق، فكذلك الأَيْمَانُ الثّابتةُ في الخمسينَ (١). السّادسة (٢): قوله (٣): "وَبَرِئَ" يريدُ: من الدّم، وعليه جَلْدُ مئة وحبسُ عامٍ، قاله مالكٌ، وابنُ القاسم. وإنْ أبَى أنّ يحلِف حُبِسَ حتّى يحلِف. وقال عبدُ الوهّابِ (٤) في المدَّعَى عليه إذا ردَّت عليه الأَيْمَان (٥) فَنَكَلَ: فيها روايتان: إحداهُما: يُحبسُ إلى أنّ يحلِفَ. والثّانية: تَلْزَمُه الدِّيةُ في مَالِهِ، وأراهُ أشار إلى رواية ابن القاسم (٦). فإن حُبِسَ وطالَ سَجْنُه، فقال عبدُ الوهّابِ (٧): يُخَلَّى سبيلُه. وفي "المَوَّازيَّة" و"العُتبِيَّة" (٨): إنّه يُحْبَسُ حتّى يَحْلِفَ، وقال محمّد: واتّفقوا على أنّه إنَّ نَكَل سُجِنَ أبدًا حتّى يَحْلِف.

стр. 3326

باب (١) فيمن تجوزُ قَسَامَتُه من وُلاةِ الدِّمِ الفقه في أربع مسائل: الأولى (٢): قولُه (٣): "لَا يَحْلِفُ أَحَدٌ مِنَ النِّساءِ في قَسَامَةِ العَمْدِ" يريد: لا يقسم إِلَّا الأولياء من الرِّجال ومَن له تعصيبٌ، وأمّا من لا تعصيبَ له من الخُؤُولَة وغيرهم فلا. وإذا كان للقتيلِ أمٌّ، فإن كانت مُعْتَقَةً أو أُعْتِقَ أبوها أو جَدُّها أَقسَم مواليها في العَمْد، قاله ابنُ القاسم في "المَوَّازية" و"المجموعة" وإن كانت أُمّه من العرب فلا قَسَامَةَ في عَمْدِهِ. قال محمَّد: لأنّ العَرَبَ خُؤُولَتُه، ولا ولايةَ للخُؤُولَة. وإن شهِدَ عَدْلٌ قّتَلهُ عمدًا، أو قال: دمي عند فلان، ولا عَصَبَةَ له، وكان له أقارب من نساء أو خُؤُولَة، فلا قَسَامَةَ، ويحلف المدَّعَى عليهم القتل. المسألة الثّانية (٤): قال علماؤنا (٥): "وَلَيسَ للِنِّساءِ قَسَامَةٌ وَلَا عَفْوٌ" (٦) يريد: قبل القَسَامَة، وأمّا بَعْدُ إذا أقسم العَصبةُ، فقد قال مالك: إنَّ عَفَوْنَ وقام بالدَّم العَصَبَةُ، أو عَفَا العَصَبَةُ وقُمْنَ بالدَّمِ، فمن أراد القَوَدَ أَولَى ممّن تَرَكَه؛ لأنّ الدَّمَ إذا ثبتَ فقد وجَبَ القتلُ.

стр. 3327

المسألة الثّالثة (١): قولُه (٢): "في النَّفَرِ إِذا ضَرَبُوا رجُلًا (٣)، قُتِلُوا به". وفي "العُتْبِيِّة" (٤) عن ابن القاسم فيمن ضرب رأسَ رجُل فأقام مغمورًا، وقامت بَيِّنَةٌ بضربه، فقال: إذا لم يُفِق فلا قَسَامَةَ، وإنَّما القَسَامَةُ فيمن أفاقَ أو طَعِمَ أو فتح عَينَيه وتكلّم، وما أشبه ذلك، وقاله مالك في "المَوّازيّة". وقال أشهب: إنَّ مات تحت الضرب، أو بقي مغمورًا حتّى مات، فلا قَسَامَةَ. وإن أكل وشرِبَ أو فتح عينَيه، فلابدّ من القَسامَة في العَمْد والخطأ، قال: وكذلك إنَّ قُطِعَ فَخِذُه فعاش يومًا أو أكلَ وشرِبَ ومات آخر النّهار. وأمّا إنَّ شُقَّت حِشُوَتُه وأكلَ وشرِبَ وعاشَ أيَّامًا، فإنّه يُقتَل فيه قاتلُه بغيرِ قَسَامَةٍ إذا أنفذت مَقاتِلُه، وكذلك لو قُطِعَ نخاعُ رقَبَتِهِ، وقاله ابنُ القاسم. المسألة الرّابعة (٥): قوله (٦): "فَإِن مَاتَ بَعدَ ضَرْبِهِم كَانَت قَسَامَة" يريدُ: إنَّ شهِدَ على الضّربِ شاهدانِ، فعاشَ المضروبُ ثمّ ماتَ، ففيه القَسَامَةُ لَمَّا مات من ضَرْبِهِ (٧).

стр. 3328

باب (١) القَسَامَةِ في الخطأ الفقه في مسائل: المسألة الأولى (٢): قولُه (٣): "يَحْلِفُونَ خَمسِينَ يَمِينًا" وهذا على ما قال؛ لأنّ ولاة الدِّم يُقْسِمون مع الشّاهد على قتل الخطأ. قال أشهب: وكذلك إنَّ قال: دمي عند فلانٍ قتلني خطأً. قال عبدُ الملك: وتُقبل شهادةُ النّساءِ في ذلك. المسألة الثّانية (٤): اختلفَ قولُ مالك في القَسَامَةِ على قولِ القتيلِ في الخطإِ، فقال (٥) في الغريم: لا يُقسم في الخطأ مع قول الميّت. ثمّ رجع فقال: يُقسم مع قوله. قال عبد الوهّاب (٦): ووجه الأوّل: أنَّه يُتَّهَم أنّ يريد غِنَى وَلَدِه، وحُرْمَةُ الدِّم أعظم (٧). ووجه الثّاني: أنّه معنًى يُوجِبُ القَسَامَة في العَمْد فأوجبَها في الخطأ، كالشّاهد العدل. فهذا قلنا: يُقْسم مع قوله؛ فإنّه يُقسم مع قول المسخوط من الرِّجال والنِّساء، ما لم يكن صغيرًا أو عبدًا أو ذِمِّيًّا.

стр. 3329

المسألة الثّالثة (١): قوله (٢): "يحْلِفُونَ خَمسِينَ يَمِينًا" علَّقَ ذلك بالعَدَد؛ لأنّها قَسَامَةٌ في دَمٍ، فاختصّت بالخمسين كالعَمْدِ، ويبدأ المدَّعُون وتكون الأَيْمان عليهم (٣) إنَّ كانوا يحيطون بالميراث على قَدْرِ مواريثهم، فإن كان في الأَيمَان كسرٌ، قُسِمت اليمينُ على أكثرِهم حقًّا فيها، قاله مالك في "المجموعة". وقال عبدُ الملكِ: لا يُنْظَر إلى كثرة ما عليه من الأَيمَان، وإنَّما يُنْظَر إلى تلك اليمين. قال ابنُ القاسم: فإن كان على أحدهم نصفُها، وعلى الآخر ثلُثها، وعلى الآخر سُدُسُها، أجبرت على صاحب النِّصف، وإن كان الوارثُ لا يُحِيطُ بالميراث، فإنّه لا يأخذ حصّته من الدِّيَة حتَّى يحلِفَ خمسين يمينًا. المسألة الرّابعة (٤): ولا يحمل الوَرَثَة عن بعضهم شيئًا من الأَيْمان في الخطإِ، كما تحمل بعض العصبَة عن بعض في العَمْدِ، إِلَّا في جَبْرِ بعض اليمين، فإنّها تُخبَر على أكثرهم حَظًّا على ما تقدّم، قاله ابن القاسم. قال محمَّد: لأنَّه مالٌ، ولا يَحمِل أحدٌ فيه اليمينَ عن غيره كالدُّيون.

стр. 3330

باب ميراث القَسَامَة الفقه في مسائل: الأولى (١): قوله (٢): "فَهِيَ مَوْرُوثَةٌ" يَرِثُهَا بَناتُهُ وَسَائِرُ مَنْ يَرِثهُ مِنَ النِّساءِ: الإخوة للأمّ، والزّوجة، والأمّ والجدَّة. الأصل في ذلك: ما رُوِي أنّ الضحَّاك بن سفيان كتب إليه النّبيّ ﷺ ؛ أنّ وَرِّثْ امرأةَ أَشيَم الضَّبَابىَّ من دِيَةِ زوجها (٣). المسألة الثّانية (٤): قوله (٥): "وَلَم يَسْتَحِقَّ مِنَ الدِّيَةِ شَيئًا دُونَ أنّ يَسْتَكمِلَ القَسَامَةَ" وهذا على ما قال، إنَّ بعض وَرَثَتِه إذا قام وسائرهم غيب، فلا يأخذ من الدِّيَةِ شيئًا حتّى يَحْلِفَ خمسينَ يمينًا (٦). ثمّ إنَّ جاء بعد ذلك مَنْ غاب، حلف منها بقَدْرِ ما كان يجب عليه منها لو حَضَرَ جميعهم. المسألة الثّالثة (٧): فإذا أقسموا، تعيّنت الدِّيَةُ على عاقلته إنَّ كانت له عاقلة، وإن لم تكن له ففي بيت المال مؤجّلة؛ لأنّ قتل الخطأ مبنيٌّ على المواساة والتّحمّل على القاتل. وتتركّب على هذا فروع كثيرة.
следующие страницы →