← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

باب ما جاء في عقل العينين إذا ذهب بصرهما الفقه في أربع مسائل: المسألة الأولى (١): قولُه (٢): "فِي العَيْنِ الْقائِمَةِ إِذا طَفِئَتْ مِئَةُ دِينَارٍ" هي الّتي بقيت صورتُها وذهبَ بصرُها، فيحتَمِلُ أنّ يقولَ ذلك على معنى تقدير عَقْلِها في الجُملةِ. ويحتَمِلُ أنّ يكون قال ذلك في عَيْنٍ معيَّنَةٍ أدّاه اجتهاده إلى غرم هذا المقدار فيها، وهو الصَّواب. وفي "المَوَّازية" و"المجموعة" (٣) أنّ المجتمع عليه أنّه (٤) ليس في العين القائمة -الّتي ذهب بصرها فبقيت- إِلَّا الاجتهاد. وكذلك اليد الشّلّاء تُقْطَع، ومعنَى ذلك: أنّ المنفعةَ قد ذهبت وإنّما بقي فيها شيءٌ من الجمال، فلذلك كان فيها الاجتهاد ولم يتقدّر عقلها؛ لأنّ ذلك إنّما يكون في عضو بقي فيه شيءٌ من الجمال، أو بقيت فيه المنافع أو بعضها. قال مالك (٥): وكذلك الرِّجلُ العرجاءُ. وقال ابن وهب (٦) في "الكتابين": وكذلك الذِّراع يُقْطَعُ بعد ذهاب الكَفِّ. قال ابنُ القاسم: وكذلك الكَفُّ يُقْطَعُ بعد ذهاب الأصابع.

стр. 3362

المسألة الثّانية (١): وإذا كانت العينُ قائمةً، أو فيها بياضٌ وقد ذهب بصرها، ففد قال أشهب: يُقْبَلُ قولُه وُيشار إلى عَيْنَيه أو إلى العين الّتي يدَّعِي ذلك فيها، وإن لم يستدل على صدقه حلف وأخذ (٢). وقال أشهب في "الموّازية": فإذا اختلف قولُه بأمرٍ بَيِّنٍ، لم يكن له شيءٌ. ووجهه: أنّه لا طريقَ إلى معرفة صدقه إِلَّا بمثل هذا، أو ما جرى من الضَّرب الّذي هو مثله. باب ما جاء في عقل الشِّجَاجِ الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (٣): قوله (٤): "الْمُوضِحَةُ في الْوَجهِ مِثلُ الْمُوضِحَةِ في الرَّأْسِ" يدلُّ على أنّ لها حكمها، يجب لكلّ واحدة نصف عشر الدِّية. وذلك أنّ معنى المُوضِحَةِ في اللُّغة: ما أَوْضَحَ عن العظم، وهذا موجودٌ (٥) في كلِّ عضوٍ من أعضاء الجَسَدِ، إِلَّا أنّ أَرْشَ المُوضِحَة الّذي قَدَّرَهُ الشَّرعُ بنصف عشر الدِّية، سواء عَظُمَت المُوضِحَة أو صَغُرَت. وقد تقدّم الكلام

стр. 3363

المسألة الثّانية (١): قوله (٢): "وَفِي الأَصَابع إِذا قُطِعَت فَقَد تَمَّ عَقْلُهَا" يريد: أنّ في كلّ أُصبُعٍ عشرًا من الإبل، فإذا قطعت الأصابع كلها ففيها خمسون، وذلك عقل اليد، سواء قُطِعَتِ الأصابعُ أو قُطِعَتِ الكَفّ أو اليد من المَرْفِق أو المَنْكِب. ورَوَى محمَّد وغيرهُ عن مالك: *إذا قُطِعَت أصابع الكفِّ تم عقلها خمسمئة، كما لو قطعت من الكف أو المَنكِبِ*. قال عنه ابنُ وهب: وكذلك رِجْله من الوَرِكِ فيها مثلُ ما في قَطعِ الأصابع. قال ابنُ القاسم (٣): ولو قطع فأشلَّ ساعِدَهُ، فإنَّما عليه دِيَة الكفِّ وهو من الذّهب خمسمئة دينار، لكلِّ أُصْبُع مدّة، ومن الوَرِق ستّة آلاف دِرهَم، لكل أُصْبُعٍ ألف دِرْهَم ومئتان. المسألة الثّالثة (٤): قولُه (٥): "وَحِسابُ الأَصابِعِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ دِينارًا وَثُلُثُ دِينارِ، في كلِّ أَنْمُلَةٍ ... " (٦). وقال محمّد: لم يختلف عن مالك في ذلك، يريد في كلِّ أُصْبُع مدّة، وفي الأُصبع ثلاث أنامل.

стр. 3364

وقال محمَّد (١): إِلَّا الإبهامان فإنّ فيهما أَنْمُلَتَينِ، فإذا قطعهما ففيهما عثسر من الإبِل، وفي كلّ واحدة خَمسٌ؛ لأنّهما إذا ذهبتا ذهبتِ المنفعةُ. قال (٢): وإبهامُ الرَّجْلِ مثلها. قال (٣): وما سمعتُ فيه شيئًا، وهو رَأيٌ. وقال ابن سحنون: ورَوَى ابن كنانة عن مالك: في الإبهام ثلاثة أنامل، في كلّ أَنْمُلَة ثُلُث دِية الأصابع، وإليه رجع مالك وأخذ أصحابه بقوله الأوّل. ووجه القول الأوّل: ما احتجّ به أشهب؛ قال: لو لزم في بقيّة الإبهام الّذي في الكَفِّ دِيَة، للزم في سائر الأصابع أنّ يكرن لها في مثل ذلك دِيَة أَنمُلَة رابعة، وهذا خلاف الأُمَّة. ووجه الثّاني: أنّها أُصْبُع، فكانت أنامِلُها ثلاثًا. أصلُ ذلك سائر الأصابع. باب جامعُ عقلِ الأسنانِ الفقه في مسألتين: المسألة الأولى (٤): قَضَى عمر ﵁ في الأضراس ببعيرٍ بعيرٍ، وقَضَى معاوية بخمسة (٥).

стр. 3365

ورأى ابن المسيَّب بعيرين بعيرين (١). واستحبَّ ذلك عمر بن عبد العزيز لِمَا فيه من موافقة عقل جميعها للدِّيَة الكاملة؛ لأنّها تزيد على قضاء معاوية وتنقصُ في قضاء عمر. قال ابن مُزَين: وسألتُه عن ذلك؛ فقال: تفسيرُ ذلك: أنّ عمر كان يجعلُ في الأضراسِ منها بعيرًا بعيرًا وهي عشرون، ويجعلُ في الأسنانِ خمسة، *والأسنان اثنا عشر، أربع ثنايا وأربع رباعيات، وأربع أنياب، فدية جميع ذلك ثمانون بعيرًا، فنقصت عن دية النفس عشرون بعيرًا. قال (٢): وكان معاوية بن أبي سفيان يجعل في الأضراس* خمسة خمسة، فذلك ستّون تمام المئة دية كاملة. وما قاله معاوية مرويّ عن النّبيّ ﷺ ، وسيأتي بعد ذلك، وهو قول (٣) أبي حنيفة (٤)، والشّافعيّ (٥). وعند ابنِ مُزَيْن: الأضراسُ ستّة عشر، ويزيد فيها الضّواحك أربعة، وهي الّتي تلي الأنياب. المسألة الثّانية (٦): قولُه (٧): "إِنِ اسْوَدَّت فَفِيهَا العَقْلُ، ثُمَّ إنَّ طَرِحَت فَفِيهَا العَقْلُ أَيضًا" يريدُ:

стр. 3366

اسودادها يوجبُ العقل تامًّا. قال عبدُ الوهّاب (١): خلافًا للشّافعي في قوله: فيها حكومة. ودليلُنا: أنّها إذا اسودَّت فقد ذهبت منفعتُها فوجبت الدِّيَة، ثمّ إذا طَرِحَت بَعْدُ، وجبت دِيَة أخرى لذهاب الجمال بها، كالأنف يُضرَب فيذهب الشّمّ ففيه الدِّية، ثمّ إذا قُطِعَ بعدَ ذلك ففيه دِيَةٌ أخرى. وفي "الموّازية" عن عددٍ (٢) من التّابعين: إذا اسودَّت وجبَ عقلهالأولم يبلغني عن أحدٍ خلافه. وأمّا إذا طرحت بعد اسودادها، ففيها بعض الخلاف. وقبل (٣): فيها حكومة كالعين القائمة. باب العمل في عَقْلِ الأسنانِ في هذا الباب مسألتان: المسألة الأولى (٤): قولُ ابنِ عبّاس (٥) لرسول مروان: في الضِّرسِ خمسٌ، على ما تقدّم ممّا يقتضيه حديثه ﵇: "في السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ" وذلك عامٌّ، وذلك أنّ اسْمَ السِّنِّ واقعٌ على الأَضراسِ وغيرِها، وإنّما خصّ بعضها باسمٍ يخصّها، فمُقَدَّمُ الفم يقال له: الثَّنايا. وقول ابن مروان (٦): "أَتَجعَل مُقَدَّمَ الفَمِ مِثْلَ الأَضَراسِ؟ " بَيَّنَ أنّ الأضراسَ عنده ما دخل الفم، وأنّه اعتقد المخالفة بينهما لاختلاف منافعها، وارتابَ في ذلك. فحقّق ابن

стр. 3367

عبّاس قوله، وبيّن وجْه صحّته، قال (١): "لو لم تَعتَبِر ذلك إِلَّا بالأَصابعِ، عَقلُها سواءٌ". وقد رُوِي أنّه قال: "عَقْلُهَا وَاحِدٌ وَإِنِ اختَلَفَتْ مَنَافِعُهَا" فبيَّنَ (٢) أنّ اختلاف منافعها يوجب اختلاف عقلها، واقتضى ذلك أنّ معنى الاعتبار القياس لغةً ومعنًى. باب ما جاء في دية جراح لعبيد الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (٣): قولهما (٤): "فِي مُوضِحَةِ الْعَبدِ نِصْفُ عُشْرِ ثَمَنِهِ" قال ابن مُزَين: سألتُ عيسى: لِمَ يجعل في يده ورِجْله وهو نصف قيمته، وفي غير ذلك من جراحات جسده مثل السنّ وما أشبهَها ممّا قد جاء فيه: للحرّ عقلٌ مُسَمَّى كما جاء في الأربعة الأشياء الّتي أجروها من العبد (٥) مجراها من الحُرِّ في دِيَتِه؟ فقال: إنَّ المُوضِحَة والمُنَقَّلة والجائِفة والمَأمُومة تبرأ وتعود إلى حالها بغير نَقْصٍ من الجسد، وما سِوَى ذلك يذهبُ من جَسَده وينقص من أعضائه، وربّما كان في ذلك إبطاله، فلذلك لم يَرَوا فيه إِلَّا ما نقص من ثمنه

стр. 3368

فيقام صحيحًا ومَعِيبًا، فيغرم ما نقص (١). المسألة الثّانية (٢): قولُه (٣): "كانَ (٤) يَقضِي أَنَّ عَلَى مَنْ جَرَحَهُ قَدْرَ مَا نَقَصَ من ثَمَنِهِ" يحتمل أنّ يريد غير هذه الشِّجَاج الأربع فهي الّتي لا تكاد تبرأ في الغالب (٥). وقوله (٦): "جُرْحُها بِجُرْحِهِ" هو مذهب مالك، والشّافعيّ (٧). وقال أبو حنيفة (٨): لا قِصاصَ بينهما في الأطراف. ودليلُنا: قولُه تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ (٩) وهذا عامٌّ في كلِّ ذَكَرٍ وَأُنثى، وإن كانت هذه الآية وردت في التّوراة، فإنّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا، إذا ورد في القرآن أو في حديثٍ صحيحٍ عن النّبيّ ﷺ حتّى يُنْسَخ. ومن جهة المعنى: أنّ كلَّ شخصين جرى بينهما القِصَاص في النّفس، فإنّه يجري بينهما في الأطراف كالحُرِّيْن. المسألة الثّالثة (١٠): قوله (١١): "خُيِّرَ سَيِّدُهُ، فَإِنْ شاءَ قَتَلَ" يريد العبد القاتل. "وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ العَقلَ" (١٢) يريد إنَّ شاء عَفا عن القتل، فيكون سيِّدُ القاتل مُخَيَّرًا

стр. 3369

بين أنّ يدفع قيمة عبده المقتول، أو يسلم إليه العبد الجاني إذ ليس عليه أكثر من ذلك. وقال الشّافعيّ (١): سيّدُ الجاني مخيّرٌ بين أنّ يفتدي بأَرْشِ الجناية، أو يُسلمه بالبيع، فإن كان ثمنه قَدْرَ الأَرْشِ أو أقلّ لم يكن لوليّ الدّم غيره، وإن كان أكثر دفع إليه بقَدْرِ أَرْشِهِ، وكان الباقي لسيّد الجاني (٢). باب ما جاء في دِيَة أهل الكتاب الفقه في تسع مسائل: المسألة الأولى (٣): قوله (٤): "إِن دِيَةَ اليَهُودِيِّ عَلَى النِّصْفِ من دِيَةِ المُسْلِمِ" بهذا قال مالك. وقال أبو حنيفة (٥): مِثلُ دِيَّةِ المسلمِ، لحديثِ عُمَرَ المتقدِّم. وقال مالك: دِيَتُه على النّصفِ من دِيَةِ المسلمِ، ودِيَةُ المجوسيّ ثمانمئة دِرْهَمٍ؛ لأنّ ذلك قضاء عمر، وفيه أَثَرٌ عن النَّبِيِّ ﷺ . وقال الشّافعيّ (٦): دِيَةُ الذِّميِّ ثُلُثُ دِيَةِ المسلمِ.

стр. 3370

تنبيه على إسناده: قال الإمام: أمّا ورود الأحاديث في هذا الباب، فَرَوَى عَمرو بن العاص، عن النّبي ﵇؛ أنّه قال: "دِيَةُ الْكافِرِ مِثل نصف دِيَة المُؤْمِن" (١)، ولم يَرِد من طريقٍ صحيحٍ، غير أنّه قد ورد مثل هذا الطّريق وأضعف منه: "دِيَةُ الكافِرِ مثل دِيَة المُسْلِم" (٢). والحديثُ الأوّل هو متعلَّق مالك، والحديث الثّاني هو متعلَّق أبي حنيفة (٣)، فَمَطْلَعُ النَّظَرِ نَقيُ المساواةِ في القِصاص حَسَبَ ما تقدّم. وأمّا متعلَّق للشّافعي في تقدير الثُّلُث، فضعيفٌ ليس فيه أثرٌ، وإنّما أخَذَهُ من جهة المعنى بقوله: "والثُّلُثُ كَثِيرًا" (٤) وهو متعلَّقٌ ضعيفٌ. المسألة الثّانية (٥): قال علماؤنا (٦) في هذا الباب قوله (٧): "مثلُ نصفِ دِيَةِ المسلمِ" المثلُ هاهنا العين والجِنْسُ، وقد قال مالك في "الموّازية": ما أعرفُ في نصفِ الدِّيَةِ فيهم إِلَّا قضاء عمر بن عبد العزيز فإنّه كان إمامَ هُدى وأنا أتّبعه. ومن جهة المعنى: أنّ نقصَ الكفرِ أعظم من نقص الأُنُوثةِ، بدليل أنّ الأُنوثة لا تمنع القِصَاص، والكفر يمنعه، فإذا كانت الأُنوثة تُؤَثِّر في نقص الدِّبَة، فإنّ تأثير الكفر أَوْلَى.

стр. 3371

المسألة الثّالثة (١): فإذا ثبت ما قلناه أنّها أقلّ من دِيَة المسلمِ، فهي على النّصف منها. وقال الشّافعيُّ (٢): على الثُّلث. ودليلنا: أنّ هذا نقصٌ يمنعُ المساواة في الدِّية، فلم يقصرها على الثُّلث كنقص الأُنوثة. المسألة الرّابعة (٣): قوله (٤): "لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ"، يريدُ أنّ يقتلَهُ وهو مسلمٌ، وأمّا إذا قَتَلَهُ وهو كافرٌ ثمّ أسلم، فإنّه يقتصّ منه، وبه قال الشّافعيّ (٥). وقال أبو حنيفة (٦): يُقتل المسلمُ بالذِّمّيّ. ودليلنا: قولُه (٧): "لَا يُقتَلُ المُسلِمُ بِالْكافِرِ". ومن جهة المعنى: أنّه ناقصٌ بالكُفْر، فلم يجب له القَوَد على المؤمّن كالمستأمن. المسألة الخامسة (٨): ويُقتَلُ الكافرُ، بالمسلمِ، هذا لا خلافَ فيه. وأمّا القِصاصُ في الأطرافِ، فقال مالكٌ في "الموّازية" و"المجموعة": لا قِصاص بيهما، ورُوِيَ عنه أنّه تَوَقَّف في ذلك. وقال ابنُ نافع في "الموّازية": يُخَيَّرُ المسلمُ فإن شاء اسْتَفَادَ وإن شاء أخذَ العقل.

стр. 3372

وقال عبدُ الوهّاب (١): والصّواب أنّ له عليه القِصَاص. والدّليل على صحّته: أنّ كلَّ من يُقادُ به في النّفس فإنّه يقادُ في الجُرح، كالذَّكَر والأُنثى. فهذا قلنا: لا يُقتَلُ المسلمُ بالكافر، فإنّه يُجْلَد مئةَ ويُسْجَن سنةً *وتجب به الدِّية. وعلى مَنْ الدِّية؟ ففي "المدوّنة" (٢) قال أشهب*: الدِّية على عاقلته. وقال ابنُ القاسم وابنُ عبد الحَكَم وعبد الملك وأَصْبَغ: هي في ماله. ووجه قول أشهب: ما احتجّ به من أنّه عَمْدَ لا قَوَدَ فيه، فكانت دِيَتُه على العاقلة كدِيَة الجائفة. ووجه القول الثّاني: أنّه عَمَد منع القِصاصَ منه نقصُ الحرمة كقتل العبد. المسألة السّادسة (٣): فهذا ثبت ذلك، فإنّ القِصاص يجري بين اليهود والنّصارى. قال عبد الوهّاب (٤): والكُفَّارُ في ذلك ملة واحدة تتكافأ دماؤهم. وقال ابن زِياد عن مالك في "المجموعة": يُقتَلُ اليهوديُّ بالمجوسيِّ، وهذا على ما قال؛ لأنّ نقص دِيَته عن دِيَة اليهوديّ لا يمنع أنّ يقتل فيه اليهوديّ، كما يُقتَل. الرَّجُل بالمرأة وإن كانت دِيَتها نصف دِيَته.

стр. 3373

فرع (١): وإذا تحاكم إلينا نصرانيّان في قتل، فقال القاتل: ليس في ديننا قصاص، ففي "العُتْبِيّة" (٢) عن ابن القاسم: لا يقتل. وقيل: إنَّ شهد عليه ذو عدلٍ سلّم إليه (٣) المقتول بقتله، إنَّ شاء فعل وإن شاء عفا عنه. وقال علماؤنا (٤): إنَّ عفا عنه ضَرَبَهُ الإمام مدّة وسجنه سنة. ووجهه (٥): أنّ أحكامهم بينهم موقوفة على مقتضى شرعهم. ووجه الثّاني: أنّ هذا من التّظالم فيحكم بينهم بحكم الإسلام. المسألة السّابعة (٦): قولُه (٧): "وَدِيَةُ الْمَجُوسِيَّ ثَمانِي مِئَةِ دِرْهَمٍ" هو قول مالك (٨). وقال أبو حنيفة (٩): مثل دية المسلم، وقد تقدّم مذهبه في أوّل الباب. وقد استدلّ عبد الوهّاب (١٠) في ذلك؛ بِأنّه إجماع الصّحابة حَكَمَ به عمر فلم ينكروه عليه فصار إجماعًا، وكان يكتب بذلك إلى عمّاله. ومن جهة المعنى: أنّ كلِّ جنسٍ لا تُؤكل ذبيحته؛ فإنّه لا يساوي المسلم في الدِّيَة كالوَثَنِيّ والمرتدّ. ودية المرأة منهم مثل نصف دِيَة الرَّجُل، وكذلك سائر المِلَلِ.

стр. 3374

المسألة الثامنة (١): وإذا ارتدَّ المسلمُ فقتل في حالِ ارتدادِهِ، لم يُقتَل قاتِلُه المسلم ويجب به الديّة. واختلف في ذلك: ففي "كتاب ابن سحنون" عن ابن القاسم وأَشهَب وأَصْبَغ: أنّ دِيَته ديَةُ المجوسيّ في العَضد والخطأِ في نفسه وجراحه، رجع إلى الإسلام أو لم يرجع. وقال سحنون عن أشهب: دِيَتُه دية الّذين ارتدّ إليهم، وهو الصَّواب عندي. ووجه الأوّل: أنّه لا يقرّ على كُفرِه، فصار له حكم الأقلّ، -أعني أقلّ الأديان- وهو دِين من لا كتابَ له. ووجه الثّاني: أنّه من أهلِ الكتاب؛ لأنّه إنّما انتقل إلى دِينهم فكان له حُكمُهُم، كما لو كان عليه مولودًا، وهو الأصحّ في النَّظَرِ. باب ما يُوجِبُ العَقْلَ على الرَّجُلِ في خَاصَّةُ مَالِهِ الفقه في مسائل: المسألة الأولى (٢): قوله (٣): "لَيْسَ عَلى الْعاقِلَةِ مِنْ دِيَةِ الْعَمدِ شَيءٌ" وذلك أنّ جنايات العَمْد على ضربين: منها ما يكون فيه القِصاص كقطع اليد وفَقءِ العين، وهذا لا خلاف في أنّ العاقلةَ لا تحمل عَمْدَه.

стр. 3375

والضربُ الثّاني: لا قصاصَ فيه، وسيأتي إنَّ شاء الله. وفي هذا أربع فصول: الفصل الأوّل: في معرفة العاقلة وصفة تحملها للدّية. والثّاني: في صفة العَمْد وتمييزه من الخطإ. والثّالث: فيما يجب بجنايته. والرّابع: في معرفة ما تحمله العاقلة من الجناية. الفصل الأوّل (١) قال علماؤنا (٢): أمّا العاقلة فيعتبرُ فيها ثلاثة أشياء: ١ - القبائل، فلا تَعْقِلُ قبيلةٌ مع قبيلةٍ ما دام في قبيلةِ الجاني من يَحْمِلُ الجنايةَ. ٢ - الدّيوان، فإن أهل الدّيوان يعقل بعضهم عن بعض، وإن كان في غير الدّيوان من غير العشيرة. ٣ - والآفاق، فلا يَعْقِلُ شاميٌّ في مَوْضِعِ مصريٍّ، ولا شاميّ مع عراقيّ وإن كان أقرب إلى الجاني ممّن يَعْقِل معه من أهل أُفِقِهِ. قال سحنون: ويضمّ أهل إفريقية بعضهم إلى بعض من إطرابلس إلى طنجة. مسألة: واختُلِفَ في البدْوِ والحَضَر، فقال مالك في "المدوّنة" (٣): لا يَعْقِلُ أهل البَدْو مع أهل الحَضَر؛ لأنّه لا يستقيم أنّ يكون في دِيَة واحدةٍ إبلٌ وعينٌ، وبهذا قال ابنُ القاسم، وجوّزه أشهب وعبد الملك، ورواه ابن وهب عن مالك في "كتاب ابن سحنون". توجيه: قال الإمام: فوجه الأوّل: أنّ الدِّيَّةَ مبنيةٌ على جنسٍ واحدٍ، فلذلك جعل على أهل الذَّهب الذَّهب، وعلى أهل الوَرِقِ الوَرِق، ولو جاز تبعيضُها لكان على كلِّ إنسانٍ ما

стр. 3376

عنده، ولرجع في ذلك إلى القيمة. ووجه الثّاني: أنّ العاقلة مبنيةٌ على المعاونة، وقد يُضافُ إلى القبيل من ليس منه مع تباعدهم، فبأن يُضَافَ إلى أهل الحضَر من أهل البَدْوِ من هو من عصابة الجاني أَوْلَى. قال (١): ويؤدِّي الجاني مع العاقلة (٢)، قاله مالك في "المجموعة". وأنا النّساء والصّبيان، فلا مَدْخَلَ لهم فيها (٣)، قاله (٤) في "المجموعة" أيضًا. الفصل الثّاني (٥) في صفة العَمْدِ قال ابنُ وهب عن مالك في "المجموعة": العَمْدُ أنّ يعمد إلى القتل فيما يرى النَّاس. وقال في "الموّازية": أو للضّرب الّذي فيه الهلاك فيما يرى النَّاس. وقال في "الكتابين": والمجتمعُ عليه عندنا؛ أنّ من عَمَدَ إلى ضربِ رَجُلٍ بعَصًا أو بحَجَرٍ أو غيره فمات من ذلك، فهو عند ابن القاسم على وجه العَمْدِ. قال مالك ﵁: والعمَدُ كلّ ما يضرب به الرَّجُل من ضربةٍ أو ؤكزَةٍ أو لَطمَةٍ، ولو قال: لم أُرِد الضَّربَ، لم يُصَدَّق. وكلّ ما عَمَدَ بِهِ إلى اللّعب من رمية أو غيرها، فهذا لا قَوَدَ فيه، ولا يُتَّهَم بما يُتَّهَم به المُتَغَاضِب لظهور الملاعبة منهما.

стр. 3377

فرع: ومن أشار على رَجُلٍ بسيفٍ فماتَ، فقال محمّد: إنَّ تَمَادَى بالإشارةِ وهو يفرُّ منه فطلبه حتّى مات، فعليه القصاص. وقال ابن القاسم: إنَّ طَلَبَهُ بالسّيفِ حتّى سقطَ فمات، فليقسم أولياؤه أنَّه مات خوفًا منه ويقتلونه. والفرق بينه وبين مسألة محمّد، أنّه يحتمل أنّ يكون مات من السَّقْطَة وهي من فعل نفسه، فلذلك كانتِ القَسَامَة، وفي المسألة الأُولى لم يوجد شيءٍ من فعله يحمل عليه موته، فلم تجب فيه قَسامَة، وبه قال ابن القاسم، وابن حبيب، وابن الماجشون (١). مسألة: وأمّا شبه العمد، فاختلف فيه قول مالك، فمرّة أثبته ومرّة نفاه، ورَوَى عنه ابن القاسم (٢) أنّ شبه العَمَد باطلٌ. وقال ابنُ وَهب بإثباته، رواه ابن حبيب عنه، وعن ابن شهاب، وربيعة، وأبي الزّناد، وحكاه أصحابنا العراقيّون عن مالك، وبه قال أبو حنيفة (٣) والشّافعيّ (٤). وقال عبد الوهّاب (٥): وجه نفيه؛ قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ الآية (٦)، وقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (٧). فلم يذكر غيرهما. ومن جهة المعنى: أنّ الخطأ معقولٌ، والعَمْدَ معقولٌ، ولا يصح أنّ يكون لهام ثالث، ولا يصحّ وجود القَصْد وعدمه لكونهما ضِدَّين.

стр. 3378

ووجه إثباته: ما رُوِي عنه ﷺ أنّه قال: "أَلَا إِنَّ قَتِيلَ الْخَطَإِ قَتِيلَ السَّوْطِ وَالْعَصَا، وَفِيهِ مِئَة مِنَ الْإِبِلِ أَرْبَعُونَ مِنْهَا خَلِفَةً" (١) فهذا يثبت شبه العمد. وهذا الحديث غير ثابت، رواه عليّ بن زيد بن جدعان -وهو ضعيفٌ-، عن القاسم بن رَبِيعة، عن ابن عمر، والقاسم لم يلق ابن عمر (٢). قال عبد الوهّاب (٣): وشبهُ العَمْدِ أنّ يقصد إلى الضّرب، وشبهُ الخطأ أنَّه يضربه بما لا يقتل غالبًا. الفصل الثّالث (٤) قولُه (٥): "وَمِمَّا يُعرَفُ بهِ أَنّ العاقِلَةَ لَا تُؤَدَّي دِيَةَ عَمْدٍ، قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ الآية (٦) ". قيل في تفسير الآية: يريد أنّ من أُعْطِيَ من أخيه شيءٌ من العَقْلِ فَلْيَتبَعْهُ (٧)، يريد: أنّ الدِّيَة على هذا التّأويل لا تجبُ على قاتل العَمْدِ، فتتحمّلها عنه عاقلته، وإنّما تكون ببذله الدِّية ليحقن به دمه.

стр. 3379

تنبيه: قال الإمام: وقد اختلف علماؤنا في تأويل هذه الآية: فقيل: معنى "عُفِيَ لَهُ" بذلَ له أخوهُ القاتل الدِّيَة، فيكون معناه: بذل له، والضّمير في "له" عائد إلى وليّ المقتول، والأخ هو القاتل، فندب وليّ المقتول إلى الرِّضَا بذلك والمطالبة بما بذل له من الدِّيَة بمعروف، ويؤدِّي القاتل إليه بإحسان. وهذا على إحدى الرِّوايتين عن مالك. ورَوَى عنه ابن القاسم وأشهب في "المجموعة": ليس عليه الدِّيَة إِلَّا أنّ يشاء ذلك، فإنَّما عليه القِصاص، وبه قال الشّافعيّ (١). ودليل ذلك قويٌّ من جهة المعنى: أنّه معنًى يجب به القتل، فلا يستحقّ به التخيير بين القتل والدِّيَة كالزِّنا. ورُوِيَ عن مالك أيضًا أنّ وليّ القتيل مخيَّرٌ بين القتل والدِّيَة، وهو اختيارُ أشهب، وبه قال أبو حنيفة (٢). خاتمة هذا الباب (٣): قولُه (٤) في العبدِ يُقتل: "فِيهِ الْقِيمَةُ يَومَ يُقْتَلُ" يريد: زادتِ القيمةُ على الدِّيَة أو نَقَصَت، وبه قال الشّافعيّ (٥). وقال أبو حنيفة (٦): إنَّ كانت قيمته أقلّ من دِيَةِ الحُرِّ بعشرة دراهم، ففيه القِيمَة. وإن زادت على ذلك، لم تزد على هذا القَدْر.

стр. 3380

ودليلُنا: أنّه ما تضمّن جميعه بالقِيمَة، فإنّه يضمن بجميع القيمة كالبهيمة. وقوله (١): "وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِ شَيءٌ مِن قِيمَتِهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى الَّذِي أَصَابَهُ". وقال أبو حنيفة (٢) والشّافعيّ (٣): ذلك عليهم. ودليلُنا: أنّ كلّ ما يضمن بالقيمة، فإنّ العاقلةَ لا مدخل لها في تَحَمُّلِ قيمتِهِ، كالثّياب والعروض. باب جامع العقل الأحاديث الإسناد: رَوَى أبو هريرة (٤)؛ أنّ النَّبيَّ ﷺ قال: "جَرْحُ العَجْماء جُبَارٌ، وَالبئْرُ جُبَارٌ" (٥). العربيّة: ١ - الجُبَارُ: الّذي لا دِيَةَ فيه (٦)، يريد: كلُّ ما يهدر فهو جُبَار (٧). ٢ - والعجماءُ (٨): هي البهيمة، وإنّما سُمّيت عجماء لأنّها لا تتكلّم (٩)، وكذلك كلّ

стр. 3381

من لا يَقدِر على الكلام فهو أعجم ومستعجم، وإنّما يكون جرح العجماء جُبارًا إذا كانت منفلتةً ليس لها قائد ولا سائق ولا راكب، وأمّا إذا كان لها سائقٌ أو راكب فما أصابت عند ذلك بِيَدٍ أو رِجْلٍ فهو على من قادها أو ساقها أو ركبها؛ لأنّ الجناية حينئذٍ ليست للعجماء إنّما هي جناية (١). ٣ - واللَّفظ الثّالث (٢)، قوله (٣): "المَعْدِنُ" والمَعْدِنُ هي الّتي يعمل فيها النَّاس، وإنَّما قيل لها مَعدِن لأنّها موضع الإقامة ليلًا ونهارًا، والمَعْدِنُ الإقامة، ومنه قولُه : ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ (٤) أي: جنّات إقامة، فما سقط في المَعْدِنِ فمات فكل ذلك هَدْرٌ. ٤ - اللّفظ الرّابع (٥): " الرِّكازُ" المال المدفون الّذي دفن قبل الإسلام ففيه الخمس. الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٦): قوله (٧): "ولا ضمان عليه" قال بذلك ابن القاسم وأشهب في "المجموعة" وإنَّما

стр. 3382

ذلك على السّائق والقائد، يريد لاختصاصهما بسبب الجنايةِ. المسألة الثّانية (١): قوله (٢): "الرَّجُلُ يَحْفِرُ الْبِئرَ عَلَى الطَّرِيقِ" وهذا على ما قال، إنَّ ما صنعه ممّا هذه سبيلُه؛ إنّه ينقسم على قسمين: ١ - أحدهما: ممنوع، مثل أنّ يحفر بئرًا على الطَّريق لغير غَرَضٍ مباحٍ، فإنّه يضمن ما أُصيب فيها. ٢ - أو في دار غيره بغير إذنه، فقد قال ابنُ القاسم وأشهب في "المجموعة": يضمن، قال أشهب: لأنّه حفرَ بغيرِ إذنِ رَبِّ الدَّار. وكذلك من جعل في الطّريق مربطًا لدابَّتِهِ، فهو ضامِنٌ لما أصابت فيه؛ لأنّه مُتَعَّدٍ في ذلك كلّه. وكذلك من اتّخذ كلبًا في داره أو في غَنَمِه، فإنّه يضمن. وأمّا من فعل من ذلك ما يجوز له، قال ابنُ القاسم عن مالك في "المجموعة": "مِن بِئرٍ حفرَها" للمطر، قال ابن القاسم: أو مِرْحاضٍ يحفر إلى جانب الطّريق أو الحائط وما أشبه ذلك، فلا ضمانَ عليه. المسألة الثّالثة (٣): ولو اصطدم فارسان، فقال مالك (٤): إنَّ أصاب فرس أحدهما صاحبَه، أو صبيًّا، فعلى عاقلتهما الدِّيَة، وذلك أنّ الجِنَاية بسببهما. ولو اصطدما فماتا، أو ماتَ فرساهما،

стр. 3383

فعلى عاقلة كلِّ واحدٍ ديَة الآخر وقيمة فرسه في ماله (١). المسألة الرّابعة (٢): ولو دفعَ رجلٌ رجلًا فوقع على آخرَ فقتلَه، فعلى الدّافع العقل. ولو دَفَعَهُ (٣) فوقعت يده تحت ساطور الجزّار فقطع أصابعه، ففي "الموّازية" عقل ذلك على طَارِحِهِ. وقيل: على عاقلة الجزّار، ويرجع به على عاقلة الدّافع. فرع (٤): ومن سقط ابنه من يده فمات، لم يلزمه شيءٌ. ولو سقط شيءٌ من يده على ابنه أو ابن غيره فمات، فقال أشهب: الدِّيَة على عاقلته، وإن كان الأَرْش أقلّ من الثُّلُث ففي ماله. ووجهه: أنّ سقوطه من يده ليس عليه فيه شيءٌ؛ لأنّه لم يمت من فعله (٥). وأنا إذا سقط شيءٌ من يَدِه على إنسان فقتله، *فإنّ الهالك إنّما هلك بحركة السّاقط عليه، وذلك من سبب الّذي كان بيده. ومن طلب غريفًا، فلما أخذه خشي الموت على نفسه* فتركه فمات، فَرَوَى أبو زيد عن ابن القاسم في "الموّازية" و"العُتْبيّة" (٦): لا شيءٍ عليه. المسألة الخامسة (٧): قوله (٨): "في الصَّبِيِّ يَأمُرُهُ الرَّجُلُ يَنْزِلُ في الْبِئرِ" وهذا على ما قال، وذلك أنَّه إذا

стр. 3384

استعمل صبيًّا أو عبدًا في شيء له بال، فهو ضامن لما أصابه، وذلك أنَّه أَمَرَهُ بغير إذن من له الإذن. وأمّا العبدُ فيُعتَبَرُ فيه إذن سيِّده، وأنا الصبيُّ فيُعتَبرُ فيه إذن أبيه إنَّ كان له أبٌ. باب مَا جَاءَ في الغِيلَةِ وَالسِّحْرِ الإسناد: روى ابنُ المُسَيَّب (١)؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَتَلَ نَفَرًا، خَمْسَةً أَوْ سَبْعَةً، بِرَجُلٍ واحدٍ قَتَلُوهُ غِيلَةً، وَقَالَ عُمَرُ: لَوْ تَمَالأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ قَتَلْتُهُمْ كُلُّهُمْ بِهِ. قال علماؤنا (٢): " قصدَ بقوله: "لَوْ تَمَالأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لقَتَلْتُهُمْ بِهِ"؛ لأنّ القاتلَ كان من أهلِ صنعاء، ذكر ذلك أبو عُبَيد (٣) ويحيى بن سلّام وغيرهما". قال الإمام: في هذا الباب فصلان: أحدهما في قتل الجماعة بالواحد، والثّاني: في معنى الغِيلَة. الفصل الأوّل وفيه مسائل: المسألة الأولى (٤): وأمّا قتلُهم بالواحد يجتمعون في قَتْلِهِ، فعليه جماعة العلماء، وبه قال عمر، وعليّ، وابن عبّاس، وغيرهم، وعليه فقهاء الأمصار إِلَّا ما يُرْوَى عن أهل الظّاهر (٥).

стр. 3385

ودليلنا: قصّة عمر هذه، ولم يُعْلَم له مخالف، فثبت أنّه إجماع. ومن جهة المعنى: أنّ هذا حدٌّ وَجَبَ للواحد على الواحد، فوَجَبَ للواحدِ على الجماعة كحدِّ القَذفِ. ومن جهة القياس: أنّ كلَّ واحدٍ منهم مُخرِجٌ للنَّفْسِ كلها إذِ النَّفسُ لا تتجزأ؛ لأنّه لا يمكن أحدهم أنّ يكون أخرج ربعها والآخر ثلثها والآخر نصفها، فيكون القصاص من الفاعل كذلك، ولكنّه مخرج للنَّفْس كلها فتُؤخَذ نفسه كلّها، والله أعلمُ. المسألة الثّانية (١): قال مالك في "الموّازية" و"المجموعة": يُقتَلُ الرَّجُلان وأكثر بالواحد، والنّساءُ بالمرأةِ، والإِمَاءُ والعبيدُ كذلك. قال ابنُ القاسم وأشهب: وإن اجتمع نَفَرٌ على قتل امرأةٍ أو صبيٍّ قُتِلُوا كلّهم به. وهذا إذا اجتمعوا على ضربه حتّى يموت تحتهم، فقال مالك: يقتلون به. قال ابنُ القاسم وابن الماجشون: وكذلك إنَّ مات بعد انكشافهم عنه. المسألة الثّالثة (٢): وإذا اشترك في قتل عبدٍ حرٌّ وعَبْدٌ، ففي "الموّازية" و"المجموعة" عن مالك: يُقتَلُ العبدُ وعلى الحُرِّ نصف قيمته. فرع (٣): وإذا قتَلَه صغير وكبير، قُتِلَ الكبيرُ وعلى عاقلة الصّغير نصف دِيَتِهِ. وروى ابنُ حبيب عن ابنِ القاسم؛ أنّه اختلف فيها قوله، فمرّة قال ما تقدّم. ومرّة قال: إنَّ كانت ضربة الصغير عَمْدًا قُتِلَ الكبيرُ، وإن كان خطأً لم يُقتَل وعليهما الدِّيَة. قال أشهب (٤): يُقتَلُ الكبيرُ، قال محمّد: وهذا أحبُّ إِليَّ.

стр. 3386

فرعٌ (١): وأمّا إذا اشترك العامد والمخطئ، فقد قال ابن القاسم: لا يُقتَلُ العامدُ إذا شاركه المخطئ؛ لأنّه لا يُدرَى من قَتَلَه. وقال أشهب في "المجموعة": لو أنّ قومًا في قتال العدوِّ قَتَلُوا مسلمًا، منهم مَنْ ظَنَّهُ من العدوِّ، ومنهم من تَعَمَّدَهُ لعداوةٍ، قُتِلَ المتعَمِّد وعلى الآخرين نصيبهم من الدِّية. الفصل الثّاني في معنى الغيلة قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁ (٢): أدخل مالك ﵀ في هذا الباب (٣) قتلَ الغِيلَةِ، وهي من الحِرَابَةِ، والحِرابَةُ عندنا تكون في الحَضَرِ كما تكون في الفيافي، وتكونُ بالسَّيْف، وتكونُ بالعَصَا. فإذا كانت بالعصا لا يُؤخَذُ فيها بالْيُسْرِ؛ ذلك لأنّ المقصودَ من السَّلب والقتل واحدٌ، والعصا كالسَّيف عند مالكٍ في العَمْدِ ووُجوبِ القِصَاصِ، وزادَت العصا بأنّها أعظمُ في الخديعة؛ لأنّه إذا مَشَى بالسّيف استُنْكِرَ، وتشوَّفَتِ النَّفسُ إلى التَّحَفُّظِ منه، وكان أمرُ العصا في الخديعةِ أبلَغَ، وفي الغِيلَةِ أَدْخَلَ، فينبغي أنّ تكونَ في العقوبةِ أعْظَمَ. ألَّا ترى أنّه يُؤخَذُ فيه مئةٌ بواحدٍ، وكذلك يُؤخَذُ فيه بالعَصَا والسّيفِ بالقتلِ بلا خلافٍ؟ ولَمَّا لم يَتَعَرَّض للحِرابةِ لم يتعرُّض لها.

стр. 3387

توفية (١): قال الإمام: وقتلُ الغِيلَةِ يُورِدُونَه (٢) على وجهين: أحدهما: القتل على وجهِ الخديعةِ. الثّاني: على وجه القصد الّذي لا يجوز عليه الخطأ. فأمّا الأوّل ففي "العُتْبيّة" (٣) و"الموَّازية" منصوصٌ عليه: وقتلُ الغِيلَةِ من المحاربة، وذلك أنّ يغتال رجلًا أوَ صبيًّا فيخدعه حتّى يدخله في موضع فيأخذ ما معه، فهو كالحرابة، فهذا بَيِّنٌ في أحدِ الوجهين، واللهُ أعلمُ. حدِيثٌ (٤): روى مُحَمَّد بن عبد الرَّحمن بن سَعدِ بنُ زُرارَةَ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ؛ أَن حَفْصَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَتَلَتْ جارِيَةً سَحَرَتها، وَقَد كَانَت دَبَّرَتها، فَأَمَرَتْ بِها حَفْصَة فَقُتِلَت. الإسناد: قال الإمام: الأحاديث في هذا الباب كثيرة لا بأس بها. ورَوَى (٥) نافع، عن ابنِ عمرَ؛ أنّ جاريةً لحَفْصَة سحرتها، فوجدوا سحرها واعترفت، فأمرت عبد الرّحمن بن زيد بن الخطّاب بقتلها فقتلها، فبلغ ذلك عثمان فأنكره، فأتاه ابن عمر فقال: إنّها سحرتها واعترفت (٦). قال علماؤنا (٧): إنّما أنكر عثمان ذلك لمَّا فعلته دون السّلطان، فإنّ السّاحر وإن

стр. 3388

كان يجب قتله، فإنّه لا يلي ذلك إِلَّا السّلطان (١).

стр. 3389

وخَرَّجَ التّرمذيّ (١)، عن الحَسَنِ، عن جُنْدَبٍ، أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ" وهو حديثٌ ضعيفٌ (٢). وخرَّجَ البخاريُّ (٣)؛ أنَّ رسول الله ﷺ سُحِرَ وَجُعِلَ سِحْرُهُ في بِئر ذَرْوانَ. وأن عليًّا استخرجه كلّما حل عُقْدَة وَجَدَ النّبيُّ ﵇ راحَةً وَخِفَّةَ، فقام كأنَّما أُنْشِطَ من عِقَال (٤). وروى أبو عمر (٥)، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة، وهذا طريقٌ مَرْضِيٌّ صحيحٌ (٦)، أنّه قال -حين سُحِرَ-: أَتَانِي رَجُلَانِ، أَحَدُهُما عِندَ رَأسِي، والآخَرُ عِندَ رِجلَىَّ. فقالَ أَحَدُهُمَا: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ فَقالَ: الثّاني: مَطبُوبٌ، قالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ قالَ: لَبِيدُ بنُ الأَعصَمِ اليَهُودِيّ، قَالَ: في أَيِّ شَيءٍ؟ قالَ: في مُشطٍ وَمُشاطَةٍ، وَفِي جُفِّ طَلْعةٍ ذَكَرٍ، قَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قالَ: في بِئرِ أَرْوَانَ. العربيّة: والسِّحرُ مأخوذٌ من قَلْب الأَمْرِ على غَيرِ وَجْهِهِ، ويقالُ: أَرْضٌ مَسْحُورَةٌ، وقد سحرت سحرًا للّتي يأخذها المطر فيقلبُ نباتها ويقلِعه من أصوله، وتُقلَبُ الأرضُ لشدّته، ذكره أبو حاتم في "كتاب الزِّينَة" (٧) قال: وأصلُ السِّحْرِ هاروت وماروت، يقال من جهة اللُّغة، وهو فاعول من الهَرْتِ، والهَرْتُ: الفصاحة والبلاغة في الكلام.

стр. 3390

ومَاروت أيضًا كذلك من المَرْتِ، والمَرتُ: المفازة الّتي لا ماءً فيها ولا كَلأَ. قال: وأَمْراتٌ جمعُ مَرتٌ، فكأنَّ هاروت وماروت اشتُقَّ لهما هذان الاسمان من الفصاحة والبيان، ومن الجدوبة وقلّة الخير، ويجوزُ قبلَ أنّ يغضبَ اللهُ عليهما، فلما غضب اللهُ عليهما قلَّ الخيرُ عندهما، وصارا بمنزلة المفازة الّتي لا خيرَ فيها ولا عُشْبَ. الأصول: قال علماؤنا (١): في هذا الحديثِ إثباتُ السِّحْرِ وأنّه حقٌّ، أعني بقولي "حقًّا" أنّه موجودٌ، لا أنّه حقّ في ذاته. وحقيقتهُ: تخيّلُ الأعيانِ. وقد أنكرته المعتزلة والقَدَرِيَّة فقالت: إنّه لا حقيقة له. قلنا: وقد أَثبَتَهُ الله بأنّه موجودٌ في كتابه، وأخبر به في مواضعَ كثيرة، وحقيقته (٢): أنّه كلامٌ مُؤَلَّفٌ يُعَظَّمُ فيه غير الله، وتُنْسَبُ إليه الأفعالُ والمقاديرُ، ويخلقُ اللهُ عند قول الساحر وفِعْلِهِ في المسحورِ ما شاء من أّمره حسب ما جربتِ العادةُ، فهو كفرٌ حسب ما أخبر اللهُ عنه بقوله: (فَلَا تَكْفُرْ) (٣). وقال الشّافعيُّ (٤): هو معصيةٌ إنَّ قَتَل به قُتِلَ، وإن ضرب به ضُرِبَ. قلنا: قد قطعَ اللهُ بقوله حَسَبَ ما أخبرَ به، بقوله: ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾ (٥) فقطعَ معضل الخلاف فيه.

стр. 3391

الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى: قال مالك: السِّحرُ إذا وقع من فَاعِلِهِ فهو كفرٌ، حَسَبَ ما أخبرَ الله عنه بقوله: ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾ (١). وقال (٢) الشّافعيُّ (٣): هو معصيةٌ، وقال: عقوبَتُه على مِقْدَارِ تأثيره. وقال مالك: يُقتَلُ السّاحرُ كُفرًا. وتعلَّقَ مالك بظاهر القرآن، وإنَّما جعله في باب الغِيلَةِ؛ لأنّ المسحورَ لا يعلمُ بِعَمَلِ السَّاحرِ حتّى يَقَعَ فيه، وقد قال مالكٌ: إنَّ مِنَ الغِيلَةِ سَقيَ السُّمَّ، وكذلك المُرْقِدِ (٤) لأَخذِ أموالِ النَّاس، وهذا ظاهره، وقد مهّدنا أدّلته في "مسائل الخلاف". المسألة الثّانية (٥): قولُه (٦): "أَنَّ حَفْصَةَ قَتَلَت جَارِيَةً" ففي "الموّازية" في العبد أو المُكَاتَب يسحر سَيِّدَه يقتله السُّلطان، وليس لسَيِّدِهِ ولا لغيره قتله (٧). ووجهه: أنّه قَتْلٌ بحقِّ اللهِ تعالى يجب على من أظهر ذلك في الإسلام، فلا يلي ذلك إِلَّا الإمام، وحكمه كقتل المُرْتَدِّ أو الزِّنديق. المسألة الثّالثة (٨): قال علماؤنا (٩): ولا يُقتل حتّى يثبت ذلك أنّ ما يفعله من السّحر الّذي وصفه الله تعالَى بأنّه كفر. قال أَصْبَغُ: يَكشِفُ عن ذلك من يعرف حقيقته بذلك ويثبت ذلك عند الإمام؛ لأنّه

стр. 3392

معنى يجب به القتل فلا يحكم به إِلَّا بعد ثبوته، كسائر ما يجب به القتل. المسألة الرّابعة (١): إذا قلنا: إنَّ السَّاحرَ يُقْتَلُ كفرًا، فإنّه لا يرثه ورثته من المسلمين، وإنّما حكمه حكم المُرْتَدّ. وقال أَصْبَغُ: إنَّ كان لِسْحِرهِ مُظهِرًا، فقُتِل حين لم يَتُبْ، فمالُهُ في بيت مال المسلمين ولا يصلِّى عليه. قال: فإن اسْتَتَرَ به، فمالُه بعدَ قَتلِهِ لوَرَثَتِهِ من المسلمين، ولا آمُرُهُم بالصَّلاة عليه، فإن فَعَلُوا فهم أعلمُ. المسألة الخامسة (٢): وإن كان السّاحر ذِمِّيًّا، فقد قال مالك: لا يقتل إِلَّا أنّ يُدْخِل بسِحْرِه ضَرَرًا على المسلمين، فَيُقْتَل نقضًا للعهد، ولا تُقبَل منه توبة غير الإسلام، وأمّا إن سَحَرَ أهلَ ملَّتِهِ فليُؤَدَّب، إِلَّا أنّ يَقتُل أحدًا فيُقتَل به (٣). وقال سحنون في "العُتْبِيّة" (٤): يُقتَلُ إِلَّا أنّ يُسلِم فيُترَك. فظاهر قوله أنّه يُقتَل على كلِّ حالٍ إِلَّا أنّ يُسلِم، يخالف قول مالك: لا يُقْتَل إِلَّا أنّ يُؤذِي مسلمًا أو يقتل ذِمِّيًّا. ووجه قول مالك: ما احتَجَّ به ابن شهاب من أنَّ لَبِيد بن الأَعْصَم اليهوديّ سَحَر النّبيّ ﷺ فلم يقتله، ولأنَّ اليهوديّ كافرٌ، فإن كان السّحر دليلًا على الكفرِ، فإنَّما يدلُّ من كُفْرِ اليهوديِّ على ما هو معلومٌ. ووجه قول سحنون: أنّه ناقضٌ للعهدِ ومنتقلٌ إلى كفر لا يُقَرُّ عليه. وقد قال أشهب

стр. 3393

في اليهوديِّ يتنبَّأ: إنَّ كان مُعْلِنًا به استُتِيبَ إلى الإسلام، فإن تاب وإلا قُتِلَ. فرع (١): وأمّا من لم يباشر عمله (٢) وإنَّما ذهب إلى من يعمله له، ففي "الموّازية": أنَّه يُؤَدَّبُ أدَبًا شديدًا. ووجهه: أنّه لم يكفر، فلذلك لم يقتل، ولكنّه يستحقّ العقوبة لأنّه آثر الكُفْرَ. باب ما يجب في العَمْدِ الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٣): قال الإمامُ: ذكر مالك ﵀ في هذا الباب مسائل القَوَدِ، وذلك: أنّ يَضْربَ رَجُلٌ رَجُلًا بِعَصًا أَوْ بِحَجَرٍ عَمْدًا، فَيَمُوتُ، فَفِيهِ الْقِصاصُ، (٤) ولَقَبُ هذه المسألة "القَتْلُ بالمُثَقَّلَ" وهي مسألةٌ ضعيفةٌ عند أبي حنيفة (٥)؛ لأنّه تعلَّقَ فيها علماءُ العراقِ بالحديث المشهور: "أَلَا إِنَّ فِي قَتْلِ الْعَصا والسَّوْطِ مِئةً مِنَ الإِبِلِ" الحديث المذكور (٦). فإذا رَمَاهُ بخشَبَةٍ، فإنّها جملةٌ مجموعةٌ من أجزاءٍ، لو انفرَدَ كلُّ

стр. 3394

جزء منها لم يَجِبْ به قصاصٌ، فإذا اجتمَعَت كان حالُها في الإفراد شُبْهَةً عند اجتماعِها في إسقاطِ ما يَسْقُطُ بالشُّبُهَاتِ. فقلنا لأهل العراق: الجوابُ عن هذا أَبْيَنُ من الإطنابِ فيه، أَتَرجُو أنّ تُلَفِّقَ لهذا الباطلِ دليلًا؟ ما تحاولُهُ هذا لا يَتَوَجَّهُ، كما قال الشّاعرُ (١): تَدُسُّ إلَى العَطَّارِ سِلْعَةَ بَيْتِها ... وَهَل يُصْلِحُ الْعَطَّارُ ما أَفْسَدَ الدَّهْرُ فرع (٢): فإذا أخذ الرَّجُلُ حَجَرًا وصبَّه على رأس رَجُلٍ، إنَّ كان هذا عَمْدَ خَطَأ، فالضّربُ بالسّيفِ خطأٌ مَحْضٌ، ولهذا قال علماؤنا: إنَّ هذا المذهبَ يهدمُ قاعدةَ القِصاصِ، ويُمَكِّن الأعداءَ مِنَ الأعداءِ. المسألة الثّانية (٣): مذهب مالك أنّ من قتل حرًّا بآلةٍ يُقتَل بمِثلِها، أو قَصَدَ القتلَ وجبَ عليه القَوَد سواء شَدَخَهُ (٤) بحَجَرٍ غير محدودٍ أو محدودٍ.

стр. 3395

وعنه في مِثقَلِ الحديد روايتان، وبه قال الشّافعيّ (١) والنَّخعي، والحسن. ودليلنا: "أنّ يهوديًّا رَضَخَ رأسَ جاريةٍ من الأنصار بِسَبَب أَوْضاحٍ (٢) لَها، فَأُتِيَ بِهَا النَّبيّ ﷺ فَقَالَ لَها: مَنْ بِكِ، أَفُلَانٌ؟ فأَشارَت أنّ لَا. فَقَالَ: أَفُلَانٌ؟ فأَشارَت: أَن لَا. فَقالَ: أَفُلَانٌ -يعني اليَهُودِيّ؟ فأَشَارَت بِرَأسِهَا -أَيّ نَعَمْ- فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَأَقَرَّ، فأَمَرَ بِهِ النّبيُّ ﵇ فَرُضِخَ رَأسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ" خَرَّجَهُ البخاريُّ (٣) والأَيِمَّة (٤). المسألة الثّالثة (٥): فهذا ثبت ذلك، فكلُّ ما تعمّدَ به القتل من ضربةٍ أو وَكزَةٍ أو غيرهما فقد قال مالك: ذلك عَمدٌ. قال أشهب: ولم يختلف أهل الحجاز في ذلك، فقد يقصد إلى القتل بغير الحديد. فرع (٦): ومن طرح رَجُلًا في بئرٍ على وجهِ العداوةِ، فعليه القِصَاص (٧). المسألة الرّابعة (٨): القِصَاصُ يكون بمِثْلِ ما قتل به، ومن أَلْقَى رَجُلًا في النَّارِ فمات، أُلقِيَ هو في النَّارِ، وبأَيِّ شيءٍ قَتَلَ قُتِلَ به وبمثله، هذا هو المشهور من المذهب، وهو ظاهر الحديث.

стр. 3396

وقد خالف الحديثَ والجمهورَ في ذلك أبو حنيفةَ (١) فقال: لا يجوزُ القَوَدُ إِلَّا بالسَّيف خاصّة. ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٣). ومن جهة السنّة: الحديث المتقدِّم (٤)، "أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَخَ رَأسَ جَارِيَةِ" فلا كلامَ على هذا بوجهٍ. المسألة الخامسة (٥): إذا ثبت ذلك، فإنّ لأصحابنا في فروع هذه المسألة اختلافًا، والأصل ما قدّمنا، فقد رَوَى محمّد عن ابن المّاجشُون: أنّه من قَتَلَ بالنّار لم يُقتل بها، والمشهور عن مالك وأصحابه أنّه يُقْتَل بها. ووجه ذلك: ما تقدّم من الحديث والآي. ومتعلّق ابن الماجِشُون: ما رُوِيَ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "لَا يُعَذَّبُ بالنار إِلَّا رَبُّ النَّارِ" (٦). ومن جهة القياس: أنّه تفويت رُوحٍ مُباحٍ، فلم يجز تفويته بالنَّارِ كالذَّكَاةِ. فرع (٧): فإن غَرَّقَهُ في الماء غُرِّقَ به، رواه عبد الملك بن الماجشون عن ابن القاسم في

стр. 3397

"العُتبِيّة" (١)، وقاله في "المجموعة" أشهب، وعبد الملك. قال ابن القاسم: إنَّ كَتَّفَهُ وطَرَحَه في نهرٍ، صُنِعَ به مثل ذلك. بابُ (٢) القِصَاصِ في القَتْلِ مالك (٣)؛ أَنَّه بَلَغَهُ: أَن مَرَوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بنَ أَبِي سُفْيانَ يَذكُرُ لَهُ أَنَّهُ أُتِيَ بِسَكرانَ وقَدْ قَتَلَ رَجُلًا، فَكَتَبَ إِلَيهِ مُعاوِيَةُ: أَنِ اقْتُلْهُ بهِ. الإسناد: قال الإمام: الحديثُ بَلَاغٌ في "الموطَّأ" وله في الصِّحَّة والنَّظَر معنًى. الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٤): قال علماؤنا (٥): إنّما وجب أنّ يُقادَ من السَّكران لأنَّه أدخلَ على نفسه السُّكر، ولو تُرِكَ القَوَدُ منه لم يشأ أحَدٌ أنّ يقتل أحدًا إِلَّا شَرِبَ وقَتَل واعتذرَ بالسُّكْر. وقد يَستَعْمِلُ السُّكرَ من ليس بسكران، وإنّما يقع السُّكر على الّذي لا يُمَيِّزُ بين الذّرّةِ والفِيلِ (٦). المسألة الثّانية: وقد بيَنّا حقيقة السُّكر، وأنّه عبارة عن حبس العقل عن التَّصرُّف على القانون الّذي

стр. 3398

خلق عليه في أصل الخِلْقَة المعتادة (١)، وأَنَّ (٢) السّكران إذا قصد إلى القتل قُتِلَ؛ لأنّه يبقى له من العقل ما يثبت به عليه القصاص وسائر الحقوق، ولو بلغ حدّ الإغماء الّذي لا يصحّ معه قَصْدٌ لكانت جنايَتُه كجنايةِ المُغمَى عليه والنّائم، وفي "العُتبيّة" (٣) عن ابن القاسم أنّه قال: "يُقادُ من السّكران ولا يقادُ من المجنون والصَّبِيِّ" يريد: الجنونَ المطبقَ، والصَّبِيِّ الّذي لا يَعْقِل ابن سنة ونصف. المسألة الثّالثة (٤): قوله (٥): " أَحْسَنُ شَيءٍ سَمِعتُ في هَذِهِ الآيَةِ، قوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ (٦) هو على ما قال، يريد أنّ ذلك في الذُّكور والإناث؛ لأنّ الآية تقتضي القِصّاصَ بين الإناث كما تقتضي (٧) بين العبيد والأحرار، فإنَّما يثبت بغير هذه الآية؛ لأنّ الآية إنّما تقتضي إثبات الأحكام المنصوص عليها من القِصَاص بين الأحرار والعبيد وبين الذكور والإناث، ولا يمنع القصاص بينهم في ذلك، وإنّما يثبت ذلك بسائر أدِلَّة الشَّرعِ. والذي عليه الجمهور؛ أنّ الحرّ لا يُقْتَلُ بعَبْدِه ولا بعَبْدِ غيرهِ. وروي عن النَّخعي أنّه يُقْتَل بعبده (٨). وتعلّق بالآية بدليل الخطّاب (٩).

стр. 3399

ودليلنا: أنّ القتلَ أحد بدَلَي النَّفس، فلم يَثبُتْ للعبدِ على سيّده كالدِّيَة. ولا يُقْتَل بعَبْد غَيرِهِ، وبه قال الشّافعيّ (١). وقال أبو حنيفة (٢): يُقتَلُ به. ودليلُنا: إجماعُ الصّحابةِ؛ لأنّه مرويٌّ عن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وابن عبّاس، وابن الزّبَير، وزَيد بن ثابِت، ولا مخالفَ لهم. والمسألةُ طبوليّة في "مسائل الخلاف". المسألة الرّابعة (٣): قولُهُ (٤): "والقِصاصُ يَكُونُ بَينَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ" يريد: أنّ الرَّجل يُقْتَل بالمرأة، والمرأةُ بالرَّجلِ، وعليه الجمهور، إِلَّا ما روي عن الحسن (٥)؛ أنَّه قال: لا يُقتَلُ الرَّجلُ بالمرأةِ. ودليلنا: قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٦)، ثمّ قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ الآية (٧)، وقال: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٨) فالظّاهر أنّه راجعٌ إلى جميع ما تقدّم ممّا ذكر أنّ الله أنزله. ومن جهة القياس: أنّهما شخصان متكافئان في حدِّ القذفِ، فوجب أنّ يتكافئان في القِصَاص كالرَّجُلَيْن. المسألة الخامسة (٩): قولُهُ (١٠): "وَجُرحُهَا بِجُرْحِهِ" يريد: أنّ القِصَاص يجري بينهما في الأطراف،

стр. 3400

وهو قوله (١)، وقولُ جمهور العلماء لمُطلَقِ قولِهِ تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ الآية (٢)، ولم يفرِّق. فرع (٣): قوله (٤): "فِي الرَّجُلِ يُمْسِكُ الرَّجُلَ لِيَضرِبَهُ فَيَمُوتُ" هو على ما قال، إنّه إذا أمسكه وهو يريد قتله، أنّ على القاتل والمُمْسِك القتل. وقال أبو حنيفة (٥) والشّافعيّ (٦): لا يُقتَلُ المُمْسِك، ودليلنا: أنّه أَمْسَكَهُ ظلمًا لما يعلم أنّه قاتله، فأشبه إذا أمسكه لِسَبُعٍ حتّى أكله، أو في نار حتّى أحرقته. فرع (٧): قوله (٨): "ولو أمسكه أو حبسه وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ يُرِيدُ أَن يَضرِبَهُ بِمَا يَضرِبُ النَّاسُ" يريد: الضَّرب المعتادَ الَّذي لا يُخافُ منه الموت، قال مالك: يُعاقَبُ أشدَّ العقوبة (٩). ورَوَى يحيى عن ابن نافع: أنّه يُحْبَس ويُجْلَد بقَدْرِ ما يرى السُّلطان من ذَنْبِه.
следующие страницы →