← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

وقد خالف الحديثَ والجمهورَ في ذلك أبو حنيفةَ (١) فقال: لا يجوزُ القَوَدُ إِلَّا بالسَّيف خاصّة. ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٣). ومن جهة السنّة: الحديث المتقدِّم (٤)، "أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَخَ رَأسَ جَارِيَةِ" فلا كلامَ على هذا بوجهٍ. المسألة الخامسة (٥): إذا ثبت ذلك، فإنّ لأصحابنا في فروع هذه المسألة اختلافًا، والأصل ما قدّمنا، فقد رَوَى محمّد عن ابن المّاجشُون: أنّه من قَتَلَ بالنّار لم يُقتل بها، والمشهور عن مالك وأصحابه أنّه يُقْتَل بها. ووجه ذلك: ما تقدّم من الحديث والآي. ومتعلّق ابن الماجِشُون: ما رُوِيَ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "لَا يُعَذَّبُ بالنار إِلَّا رَبُّ النَّارِ" (٦). ومن جهة القياس: أنّه تفويت رُوحٍ مُباحٍ، فلم يجز تفويته بالنَّارِ كالذَّكَاةِ. فرع (٧): فإن غَرَّقَهُ في الماء غُرِّقَ به، رواه عبد الملك بن الماجشون عن ابن القاسم في

стр. 3397

"العُتبِيّة" (١)، وقاله في "المجموعة" أشهب، وعبد الملك. قال ابن القاسم: إنَّ كَتَّفَهُ وطَرَحَه في نهرٍ، صُنِعَ به مثل ذلك. بابُ (٢) القِصَاصِ في القَتْلِ مالك (٣)؛ أَنَّه بَلَغَهُ: أَن مَرَوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بنَ أَبِي سُفْيانَ يَذكُرُ لَهُ أَنَّهُ أُتِيَ بِسَكرانَ وقَدْ قَتَلَ رَجُلًا، فَكَتَبَ إِلَيهِ مُعاوِيَةُ: أَنِ اقْتُلْهُ بهِ. الإسناد: قال الإمام: الحديثُ بَلَاغٌ في "الموطَّأ" وله في الصِّحَّة والنَّظَر معنًى. الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٤): قال علماؤنا (٥): إنّما وجب أنّ يُقادَ من السَّكران لأنَّه أدخلَ على نفسه السُّكر، ولو تُرِكَ القَوَدُ منه لم يشأ أحَدٌ أنّ يقتل أحدًا إِلَّا شَرِبَ وقَتَل واعتذرَ بالسُّكْر. وقد يَستَعْمِلُ السُّكرَ من ليس بسكران، وإنّما يقع السُّكر على الّذي لا يُمَيِّزُ بين الذّرّةِ والفِيلِ (٦). المسألة الثّانية: وقد بيَنّا حقيقة السُّكر، وأنّه عبارة عن حبس العقل عن التَّصرُّف على القانون الّذي

стр. 3398

خلق عليه في أصل الخِلْقَة المعتادة (١)، وأَنَّ (٢) السّكران إذا قصد إلى القتل قُتِلَ؛ لأنّه يبقى له من العقل ما يثبت به عليه القصاص وسائر الحقوق، ولو بلغ حدّ الإغماء الّذي لا يصحّ معه قَصْدٌ لكانت جنايَتُه كجنايةِ المُغمَى عليه والنّائم، وفي "العُتبيّة" (٣) عن ابن القاسم أنّه قال: "يُقادُ من السّكران ولا يقادُ من المجنون والصَّبِيِّ" يريد: الجنونَ المطبقَ، والصَّبِيِّ الّذي لا يَعْقِل ابن سنة ونصف. المسألة الثّالثة (٤): قوله (٥): " أَحْسَنُ شَيءٍ سَمِعتُ في هَذِهِ الآيَةِ، قوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ (٦) هو على ما قال، يريد أنّ ذلك في الذُّكور والإناث؛ لأنّ الآية تقتضي القِصّاصَ بين الإناث كما تقتضي (٧) بين العبيد والأحرار، فإنَّما يثبت بغير هذه الآية؛ لأنّ الآية إنّما تقتضي إثبات الأحكام المنصوص عليها من القِصَاص بين الأحرار والعبيد وبين الذكور والإناث، ولا يمنع القصاص بينهم في ذلك، وإنّما يثبت ذلك بسائر أدِلَّة الشَّرعِ. والذي عليه الجمهور؛ أنّ الحرّ لا يُقْتَلُ بعَبْدِه ولا بعَبْدِ غيرهِ. وروي عن النَّخعي أنّه يُقْتَل بعبده (٨). وتعلّق بالآية بدليل الخطّاب (٩).

стр. 3399

ودليلنا: أنّ القتلَ أحد بدَلَي النَّفس، فلم يَثبُتْ للعبدِ على سيّده كالدِّيَة. ولا يُقْتَل بعَبْد غَيرِهِ، وبه قال الشّافعيّ (١). وقال أبو حنيفة (٢): يُقتَلُ به. ودليلُنا: إجماعُ الصّحابةِ؛ لأنّه مرويٌّ عن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وابن عبّاس، وابن الزّبَير، وزَيد بن ثابِت، ولا مخالفَ لهم. والمسألةُ طبوليّة في "مسائل الخلاف". المسألة الرّابعة (٣): قولُهُ (٤): "والقِصاصُ يَكُونُ بَينَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ" يريد: أنّ الرَّجل يُقْتَل بالمرأة، والمرأةُ بالرَّجلِ، وعليه الجمهور، إِلَّا ما روي عن الحسن (٥)؛ أنَّه قال: لا يُقتَلُ الرَّجلُ بالمرأةِ. ودليلنا: قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٦)، ثمّ قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ الآية (٧)، وقال: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٨) فالظّاهر أنّه راجعٌ إلى جميع ما تقدّم ممّا ذكر أنّ الله أنزله. ومن جهة القياس: أنّهما شخصان متكافئان في حدِّ القذفِ، فوجب أنّ يتكافئان في القِصَاص كالرَّجُلَيْن. المسألة الخامسة (٩): قولُهُ (١٠): "وَجُرحُهَا بِجُرْحِهِ" يريد: أنّ القِصَاص يجري بينهما في الأطراف،

стр. 3400

وهو قوله (١)، وقولُ جمهور العلماء لمُطلَقِ قولِهِ تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ الآية (٢)، ولم يفرِّق. فرع (٣): قوله (٤): "فِي الرَّجُلِ يُمْسِكُ الرَّجُلَ لِيَضرِبَهُ فَيَمُوتُ" هو على ما قال، إنّه إذا أمسكه وهو يريد قتله، أنّ على القاتل والمُمْسِك القتل. وقال أبو حنيفة (٥) والشّافعيّ (٦): لا يُقتَلُ المُمْسِك، ودليلنا: أنّه أَمْسَكَهُ ظلمًا لما يعلم أنّه قاتله، فأشبه إذا أمسكه لِسَبُعٍ حتّى أكله، أو في نار حتّى أحرقته. فرع (٧): قوله (٨): "ولو أمسكه أو حبسه وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ يُرِيدُ أَن يَضرِبَهُ بِمَا يَضرِبُ النَّاسُ" يريد: الضَّرب المعتادَ الَّذي لا يُخافُ منه الموت، قال مالك: يُعاقَبُ أشدَّ العقوبة (٩). ورَوَى يحيى عن ابن نافع: أنّه يُحْبَس ويُجْلَد بقَدْرِ ما يرى السُّلطان من ذَنْبِه.

стр. 3401

بَابُ (١) العَفْوِ في قَتْلِ العَمْدِ الفقه في ثمان مسائل: المسألة الأولى (٢): قوله (٣): "إِذا أَوْصَى أَنّ يُعْفَى عَنْ قَاتِلِهِ، أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ" وهذا على ما قال، وذلك مثل أنّ يُنفِذَ مَقَاتِلَه وتبقَى حياتُه فيَعفُو عنه؛ أنَّ عفوه جائزٌ. قال ابنُ نافع عن مالك: إِلَّا في قَتلِ الغِيلَةِ. وقال في "الموّازية": ولا قولَ في ذلك لوَلَدِهِ ولا لِغُرَمَائِهِ وإن أحاط الدَّيْن بمالِهِ. المسألة الثّانية (٤): ولو أَوْصى المقتولُ أنّ تُقْبَلَ الدِّيَة منه، ففي "العُتبِيَّة" (٥) عن ابنِ القاسم فيمن قُتِلَ عَمْدًا فأَوْصَى أنّ تُقبَلَ الدِّيَة وأَوْصَى بوصايا: أنَّ ذلك جائزٌ (٦). المسألة الثّالثة (٧): وأمّا الجِرَاحُ، فإن أراد المَجْنِيَّ عليه أنّ يعفو عن الدِّيَة، لم يكن ذلك إِلَّا باختيار الجاني. قال محمّد: لم يختلِف فيه قول مالك وأصحابه. ووجهه: أنّ الجارِحَ يريد استيفاء المال لنفسه، والقاتل لا يريد استيفاءَهُ لنفسه؛ لأنَّه إذا قُتِلَ قصاصًا تركَ المالَ لغيره. المسألة الرّابعة (٨): وإذا عفا بعضُ الأولياءِ عن الدَّمِ، لم يُقتَل، ولَزِمَهُ من الدِّية حصَّة من لم يعف عنه، ولم يكن له الامتناع.

стр. 3402

فرع (١): وإذا كان الوليّ واحدًا، فعفا عن بعض الدَّمِ، لم أَرَ فيه نصًّا. وقوله (٢): " وَعَفوُ البَنِينَ جائِزٌ عَلَى البَنَاتِ" وهو نحو ما قال. وحَكَى عبد الوهّاب (٣) أنَّ مالكًا اختُلِف عنه في النِّساء هل لهنّ مَدْخَلٌ أم لا؟ فعنه في ذلك روايتان: إحداهما: أنّ لهنّ مدخلًا. والثّانية: لا مَدْخَلَ لهُنَّ فيه (٤). فوجه الرّواية الأُولَى: قولُه ﷺ : "مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فأَهْلُهُ بَينَ خيرتَينِ: إنَّ شاءُوا قَتَلُوا، وَإِنْ شَاءُوا عَفَوْا وَأَخَذُوا الدِّيَة" (٥). ولأنَّ القصاصَ يُستَحَقُّ على استحقاقٍ، فوجبَ أنّ يثبتَ لجميع الوَرَثَةِ المستحقَّة له. فإذا قلنا: لهُنَّ مدخلٌ، ففي أيِّ شيءٍ يدخلن؟ ففي ذلك روايتان: إحداهما: لهنّ المدخل في القَوَدِ دون العَفْوِ. الثّانية: لهنَّ مدخل في العَفْوِ دون القَوَدِ. المسألة الخامسة (٦): إذا ثبت ذلك، فإن كان للمقتول بنون ذكورٌ، فلهم العَفْو والقَوَد، وإن عفا أحدهم لم يكن لغيرهم قَوَدٌ (٧). قال محمّد: وهذا ممّا لم يختلف فيه مالك وأصحابه.

стр. 3403

المسألة السّادسة (١): ولو اجتمع بناتٌ وعَصَبَةٌ، فعَفَت واحدةٌ دون العَصَبَة، ففي "العُتبِيّة" (٢) عن ابن القاسم: أنّ ذلك يجوزُ على من بَقِيَ. وفي "الموّازية" عن أشهب: لا يجوزُ العَفوُ إِلَّا باجتماعهنَّ. المسألة السّابعة (٣): وإذ تَرَكَ القتيلُ أبًا وأمًّا، ففي "الموّازية": لا حقَّ لها مع الأب، وكذلك الأخوات معه. وأمّا الأمّ فهل لها مدخلٌ معه أم لا؟ عن ابن القاسم (٤): أنّ لها ولايةَ الدَّم (٥)، ورَوَى مُطَرِّف عن مالك: أنّه ليس لها ولاية (٦)، وحكاه ابنُ حبيب عن ابن المَاجِشُون (٧). المسألة الثّامنة (٨): وإذا قال المقتول: دمي قد فَوَّضتُهُ إلى فلان، فهو له إنَّ شاءَ قَتَلَ، وإن شاء عَفَا على غير دِيَةٍ، وإن شاء على الدِّيَةِ، فيكون لوَرَثَةِ المقتولِ وإن كان الدَّم بقَسَامَةٍ فالقسامةُ لعصبَتِه والقتلُ والعَفْوُ إلى هذا (٩)، رواه محمّد عن أشهب.

стр. 3404

بَابُ (١) القِصاص في الجراح الفقه في مسائل: المسألة الأولى (٢): قوله (٣): "مَنْ كَسَرَ يَدًا أَوْ رِجْلًا عَمْدًا، أَنَّهُ يُقَادُ مِنْهُ" يريد: أنّ القَوَدَ لازمٌ، ليس للجاني أنّ يمتنع منه، ولا للمجني عليه غيره. ولا يُخَيَّر المجنى عليه بينه وبين الأَرشِ كما رُوِيَ عنه (٤) في القتل. المسألة الثّانية (٥): قال علماؤنا (٦): والجنايةُ على ضربين: ضربٌ لا قَوَدَ فيه. وضربٌ فيه القَوَد. فأمّا ما لا قَوَدَ فيه، فعلى قسمين: قسمٌ لا قَوَدَ فيه؛ لأنّه لا تُعْرَفُ فيه المُمَاثَلَة. وقسمٌ يمتنعُ فيه؛ لأنّ الغالب فيه التَّلَف. فأمّا ما لا يُستفادُ منه لعَدَمِ المماثلة، فكاللّطمَةِ، قال مالك في "الموّازية" و"المجموعة": لا قَوَدَ فيها، وفيها العُقوبَة. زاد أشهب: ولا في الضَّرْبَةِ بالسَّوطِ أو بالعَصَا إذا لم يكن جُرْحًا؛ لأنّه لا يُعْرَفُ حدّ ذلك، وهو من النَّاس مختلفٌ بالقوّة والضَّعْفِ.

стр. 3405

وقال ابنُ نافع عن مالك: ليس ذو الشَّرَفِ والمُرُوءَةِ كالدَّنِيءِ والوضيعِ والصَّبِيِّ، ولا القوي كالضَّعيفِ. ورُوِيَ عن النَّخعي أنّه قال: يُقَادُ من الضَّرْبَةِ بالسَّوطِ. ودليلُنا: قوله تعالى: ﴿وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١) تعلَّقَ به مِنْ علمائنا مَنْ يقول بدليل الخطاب. ومن جهة المعنى: ما احَتُجَّ به من اختلافِ الضّارِبِ والمَضْرُوبِ (٢) في القُوَّةِ وقد عدمت دُونَ أَثَرٍ، فتعذَّرَ فيها المماثلة. مسألة (٣): ومن نتفَ لحيةَ رَجُل أو رأسه أو شاربه، فقال المُغِيرَةُ في "المجموعة": لا قَوَدَ فيه، وفيه العقوبةُ والسَّجْنُ. وقال ابنُ القاسمِ: فيه الأدب. وقال أَشهَبُ: فيه القِصَاصُ، وفي الشَّارِبِ وفي أشفارِ العَينَين. توجيهٌ: فوجه الأوّل: أنّها جناية ليس لها أثرٌ، فلم يكن فيها قِصَاصٌ كاللَّطمَة. ووجه الثّاني: أنّها جناية أتلفت شيئًا من الجَسَدِ فيه جمالٌ، فكان فيها القِصَاص كقطع الأَنْف. فإذا قلنا بالقصاص، فقال ابن أبي زيد: أعرفُ لأَصْبَغَ أنَّ القصاصّ فيها بالوَزْن، وَعَابَهُ غيره. وقال المُغِيرَةُ: لا يجوزُ ذلك لاختلاف اللِّحَى بالْعِظَمِ، ولو أقادَ جميع اللِّحية

стр. 3406

لكان صوابًا، فإذا نتف البعض فليس فيها إلّا ما يرى الإمام من العقوبة. وأمّا القسم الثّاني ممّا لا قصاص فيه لأنّ الغالب منه التّلف، فهو كالمَأْمومة والمُوضِحَة والجَائِفة، وقد تقدّم ذلك في بابه. وأمّا الضّرب الثّاني الّذي فيه القصاص، فكلّ جُرْحٍ لا يُخافُ منه التَّلَف غالبًا، وقد تقدّم. ومَنِ الّذي يباشِرُ القَوَدَ؟ قال مالك في "الموّازية" و"المجموعة": لا يستقيدُ لنفسه، وليدع له من له بصرٌ بالقِصَاص فيقتصّ له بقَدْرِ ما نقصه، قال ابن القاسم: ويُدْعَى أرفق من يَقْدِر عليه، فيقتصّ له بأرفق ما يَقْدِر عليه. مسألة (١): إذا كان الجُرْحُ مُوضِحَة، ففي "الكتابين" لأشهب: يشرط في رأسه مثلها، وقاله ابن القاسم، غير أنّهما اختلفا في معنى المُمَاثَلَة، فقال أشهب: إنَّ أخذت من المَجنِيَّ عليه ما بين قرنيه وهي لا تبلغ من الجارح إِلَّا نصفَ رأسِهِ، فإنَّما يُنْظَر إلى قَدرِ ما أخذت من رأسه. فإن أخذت ما بين قرني المَجْنِيِّ عليه، شقّ ما بين قرني الجاني، ولا يُنْظَر إلى عِظَمِ الرَّأس ولا صِغَرِهِ. قال محمّد: واختلف فيه قول ابن القاسم، فقال: يُشَقُّ في رأسه بقَدرِ ما شَقَّ، فإن استوعب رأسه ولم يستوعب طولَ الشَّقِّ، فليس عليه أكثر. قال: وكذلك الجبهة والذّراع، يؤخذ منه بطول ذلك ما لم يَضِق عليه العضو فلا يزاد عليه. قال محمّد عن أَصبَغ: قولُ ابن القاسم هذا ليس بشيءٍ، ولا أعلم إِلَّا أنّه رجع عنه، وبِقَوْلِ أشهب أقول (٢)، أنّ القِصَاص في الجراح مبنىٌّ على هذا؛ لأنّ المماثلةَ إنّما

стр. 3407

تقع بالأسماء، ولذلك تُقطَعُ يد كبير بيد صغير، وصغير بكبير. ووجه قول ابن القاسم: أنّ الاعتبار فيه بالصِّفات، ولذلك يُقادُ مِن مُوضِحَةٍ بِمُوضِحَة، ومن الصِّفات المعتبرة الطُّول والقِصَر، كما يعتبر فيها الوصول إلى العَظْم. مسألة (١): ولو قطع بعض أصابعه، لَقُطِعَ من أصبعه بقَدْرِ ذلك، ولا يُنْظَر إلى طُولها ولا قِصَرها، ولو قطع من أُنمُلَتِهِ ثُلُثها لَقُطِع من أُنْمُلَتِهِ ثُلُثها كذلك، رواه أشهب وابن نافع عن مالك في "العتبيّة" (٢) وغيرها. مسألة (٣): لكان أخطأَ الطّبيبُ فزادَ أو نقص، فقد رَوَى أبو زيد عن ابن القاسم: إنَّ بلغ ذلك ثُلُث الدِّية فعلى العاقلة، كان قصر عن ذلك ففي ماله؛ لأنّها جناية خطأ، وأمّا ما نقص، ففي "المجموعه" عنه (٤): لا يرجع فيقتصّ له من بقيّة حَقِّه؛ لأنّه قد اجتهد له، وكذلك الأُصْبُع يخطئ فيه بأُنْمُلَة ولا يقاد مرَّتين. مسألة (٥): وأُجْرَةُ القِصَاص على الّذي يُقْتَصُّ له، قاله ابن القاسم عن مالك.

стр. 3408

وقال ابنُ القاسمِ في "العُتبيّة": إنّه يُوَكِّلُ مَنْ يطلب ديته وقبضه، فيكون جعله على الطّالب. تكملة هذا الباب (١): قولُه (٢): "فَإِنْ جَاءَ جُرْحُ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ مِثْلَ جُرْحِ الْأَوَّلِ، فَهُوَ الْقَوَدُ. وَإِنْ زَادَ أو مَاتَ، فَلَيْسَ عَلَى الْمُسْتَقِيدِ شيءٌ" وبهذا قال الشّافعىُّ (٣). وقال أبو حنيفة (٤): السِّرايةُ على القِصَاصِ مضمونةٌ. ودليلُنا: أنّ كلَّ قطعٍ كان غير مضمونٍ في الابتداء، فلا يضمن ما يسري إليه، كالقطع في السّرقة؛ ولذلك قال (٥): *إنَّ بَرِئَ المستقاد وقتل المجروح أو برئت جراحاته وبها عيبٌ أو نقصٌ أو عَثَلٌ، فإن المستقاد منه لا يُقتَل ثانيةً، ولكن يعقل بقَدْر ما نقص*. والفروعُ في هذا الباب أكثر من أنّ نستوفيها في هذه العاجلة.

стр. 3409

كِتَابُ الرَّجْمِ والحدود مقدمة قال أبو حاتم (١): يقالُ رجلٌ محدودٌ، إذا أُقِيمَ عليه الحدُّ، وإنّما سُمِّي حَدًّا؛ لأنَّ اللهَ تعالى قد حَدَّه وأمرَ عباده به. والرَّجمُ مأخوذٌ من الحِجَارَةِ، وهي الرَّميُ بها، والرّجام: الحجارةُ، واحدُها رَجمَةٌ، ورَجَمٌ، وَرِجامٌ. والجلد سُمِّيَ بذلك؛ لأنّه يكشف عن بَدَنِهِ فيضربُ على جلده، يقالُ: جُلِدَ الرَّجلُ، معناه: ضُرِبَ على جلده. قال الإمام (٢): الرَّجمُ سنَّةٌ ماضيةٌ، وأصلٌ في الشّريعة، تقدَّمَ في المِلَلِ قبلَها، وقرَّرَهُ الإِسلامُ بعدَها، وكان من حُجَجِ النّبيِّ ﷺ على اليهودِ في إنكارِهِم لنُبُوَّتِه، حتّى انتهتِ الحالُ إلى أنّ تكون البهائمُ تفعَلُهُ، كما ورد في "البخاريّ" (٣) عن عَمرِو بْنِ مَيمَونٍ؛ أَنَّهُ شَاهَدَ في الجَاهِلِيّةِ رَجمَ القِرَدَةِ عَلَى الزِّنَا، مُختَصَرًا، وَصُورَتُه: أنّه قال: رَأَيتُ قِرْدَةً تُضَاجِعُ صَاحِبَهَا، حَتى جاءَ قِرْدٌ مُختَفِيًا، فَلَمَّا أَحَسَّتْ بِهِ سَلَبَت ذِراعَهَا من تَحْتِ رَأسِ صَاحِبِهَا، ثُمَّ مَشَت إِلَيهِ فَوَاقَعَهَا، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهَا، ثُمَّ عَادَت إِلَى مَضَجَعِهَا مَعَ صَاحِبِها، فَلَمَّا اسْتَيقَظَ استنكَرَها وَصَاحَ، واجتَمَعَتِ القُرُودُ فَشَمُّوها، ثُمَّ رَجَمُوها بِالحِجَارَةِ وأنا أنظرُ إليهم. تنبيه (٤): قال الإمام: فإمّا أنّ يكونَ هذا من أفعالِ من كان شَخصًا ثمّ صارَ مَسْخًا، وإمّا أنّ

стр. 3410

يكون هذا أمرًا أَوْقَعَهُ اللهُ في نُفُوسِ البهائم إلهامًا، و مُقَدِّمَةً للنَّذارَةِ لمن يُحيِي هذه السُّنَّةَ الّتي أماتها اليهودُ. مقدّمة (١) قال الإمام: وأحاديثُ الرِّجمِ معدُودَةٌ، أصولُها عَشَرَة أحاديث: الحديث الأوّل: ما رَوَى الأيمّةُ بأجمعهم عن أبي هريرة (٢) وغيره (٣)، أَدخَلنَا حديثَ بعضِهِم في بعض وجمعناهُ، قالوا: جاءَ مَاعِزُ بنُ مالكٍ الأَسلَمِيُّ إِلَى رسولِ الله ﷺ فقال: يَا رَسُولَ الله، ظَلَمتُ نَفسِي وَتُبتُ، طَهِّرْنِي، قَالَ: "مِمَّ أُطَهِّرُكَ؟ " قَالَ: مِنَ الزِّنَا، قَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ "ارجِعْ فَاستَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيه". فَرَجَعَ غَيرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ قُمْ فَطَهِّرنِي، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵇ مِثلَ ذلك، حَتَّى كَانَتِ الرابِعَةُ، قَالَ لَهُ: "مِمَّ أُطَهِّرُكَ"؟ قَالَ: مِنَ الزِّنَا، قَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : "لَعَلَّكَ قَبَّلتَ أَوْ غَمَزتَ أو نَظَرتَ؟ " قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "أَنِكْتَهَا؟ " قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "أَبِهِ جُنُونٌ؟ " قالوا: لَا، قالَ "أَشَرِبَ خَمرًا؟ " قالُوا: لا، فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ فَلَم يَجِدْ مِنهُ رِيحَ خَمرٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَلَمَّا وَجَدَ مَسِّ الحِجَارَةِ فَرَّ يَشتَدُّ، حَتى مَرَّ بِرَجُلٍ مَعَهُ لَحْيُ جَمَلٍ، فَضَرَبَهُ وَضَرَبَهُ النَّاسُ، فَلَمَّا وَجَدَ أَلَمَ المَوتِ صَرَخَ: يَا قَوْمِ، رُدُّونِي إلى رَسُولِ اللْهِ ﷺ ، فَإِنَّ قَومِي قَتَلُونِي وغَرُّوني، وأَخبَرُوني أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ غَيرُ قَاتِلِي، فَلَم يُنْزَع عَنْهُ حَتَّى قَتَلُوهُ، فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: "فَهَلَّا تَرَكتُمُوهُ وَجِئتُمُونِي بِهِ". زاد أبو داود (٤) والنّسائي (٥): "لِيَستَثْبِتَ رَسُولُ الله ﷺ فِيهِ، فَأَمًا لِيَرُدَّ حَدًّا فَلَا" قاله أبو هريرة. زاد أبو داود (٦): "أَلا تَرَكتُمُوهُ حَتَّى أَنظُرَ فِي شَأنِهِ، هَلَّا تَرَكتُمُوهُ فَيَتُوبَ، فَيَتُوبَ اللهُ عليه".

стр. 3411

زاد مسلمٌ (١) والنّسائىُّ (٢) قال: فَرَدَّهُ، فَلَمَّا كَاَنَ مِنَ الْغَدِ أَتَاهُ، فَأَرسَلَ النّبيُّ ﷺ إِلَى قَوْمِهِ، أَتَعْرِفُونَهُ؟ قَالُوا: مَا بِهِ بَأسٌ، فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيهِم أَيضًا، فَأخبَرُوهُ أَنَّه لَا بَأسَ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ في الرَّابعَةِ، أَمَرَ بِرَجمِهِ. زاد في "الموطَّأ" (٣): أَنَّه جَاءَ إِلَى أَبِي بَكرٍ الصَّدِّيقِ، فَقَالَ لَهُ: تُبْ إِلَى اللهِ وَاستَتِر، وَأَتَى عُمَرَ فَقَالَ لَهُ مِثلَ مَا قَالَ لأَبِي بَكرٍ، فَقَالَ عُمَرُ مَقَالَة أَبِي بَكرٍ. فَجَاءَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَعرَضَ عَنْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يُعرِضُ عَنْهُ، حَتى إِذَ أَكثَرَ، بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أهله: "أَيَشتَكِي أَبهِ جِنَّةً" فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ : إِنَّهُ لَصَحِيحٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: أَبِكرٌ أَنْتَ أَم ثَيِّبٌ؟ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُجِمَ. زَادَ (٤) من رواية سعيد بن المسيَّب أنّه قال: "لَو سَتَرتَهُ بِرِدَائِكَ لَكَانَ خَيرًا لَكَ". زاد مسلم (٥) والبخاري (٦): "قَالَ جَابرٌ: فَرَجَمنَاهُ بِالْمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذلَقَتهُ الْحِجَارَةُ فَرَّ، فَأَدرَكنَاهُ بِالحَرَّةِ فَرَضَخنَاهُ". الحديث الثّاني: روى الأيِمَّةُ (٧) ما عدا البخاريَّ عن عُبَادَةَ بنِ الصّامتِ أنّ النّبيَّ ﷺ قال: "خُذُوا عَنِّي، قَد جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكرُ بِالبِكرِ؛ جَلدُ مِئَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّب؟ جَلدُ مِئَةٍ وَرَجمٌ بِالحِجَارَةِ". الحديث الثّالث: حدبثُ العَسِيفِ، قال أبو هريرةَ وزيدُ بنُ خالدٍ: إِنَّ رَجلينِ

стр. 3412

اختَصَمَا إلي رَسُولِ الله ﷺ ، فقال أحدُهما: يا رَسُولَ اللهِ اقْضِ بَينَنَا بكِتَابِ اللهِ، وقال الآخرُ -وهو أَفقَهُهُمَا -: أَجَل يَا رَسُولَ اللهِ، فَاقْضِ بينَنَا بكِتَابِ اللهِ، وَأذَن لِي فِي أَنْ أتكَلَّم، قَالَ: "تكَلَّم". قَالَ: إنَّ ابنِي كَانَ عَسِيفًا لهَذَا، فَزَنَى بِامرَأَتِهِ، فَأُخبِرتُ أَنَّ عَلَى ابنِي الرَّجمَ، فَافتَدَيتُ مِنهُ بمِئَةِ شَاةٍ وبِجَارِيَةٍ لِي، ثُمَّ إِنِّي سَأَلتُ أَهل العِلْمِ فَأَخبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابنِي جَلدَ مِئَةٍ وتغْرِببَ عَامٍ، وَأَخْبَرُونِي أَنَّ الرَّجمَ عَلَى امرَأَتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقضِيَنَّ بَينَكُما بِكِتابِ الله، أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرُدَّ عَلَيْه غَنَمَهُ وَجَارِيَتهُ" وَجَلدَ ابنه وَغَرَّبَهُ عَامًا، وَأُتِيَ بِالمَرأَةِ فَاعتَرفَتْ فَرَجَمَهَا (١). الحديثُ الرّابعُ: حديثُ عُمَرَ، لَمَّا صَدَرَ مِنْ مِنًى أَنَاخَ بِالأَبْطَحِ، ثُمَّ كَوَّمَ كَوْمَةً بَطحَاءَ، ثُمَّ طَرَحَ عَلَيْهَا رِدَاءَهُ ؤأستَلقَى، ثُمَّ مَدَ يَدَهُ إِلى السَّمَاءِ فَقَالَ: إِلَهِي كَبُرَ سِنِّي، وَضعُفَت قُوَّتِي، وَانتَشَرَت رَعِيَّتِي، فِاقبِضنِي إِلَيكَ غَيرَ مُضَيَّعٍ وَلَا مُفَرِّطٍ. ثُمَّ قَدِمَ المَدِينَةَ، فخطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: أيُّهَا النَّاسُ، قَد سُنَّت بِكُم السُّننُ، وَفَرِضَت لَكُم الفَرَائضُ، وَتُركتُم عَلَى الوَاضِحَة، إِلَّا أنّ تَضِلُّوا بِالنَّاسِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَضَرَبَ بِإِحدَى يَدَيْهِ على الأُخرَى، ثُمَّ قَالَ: إِيَّاكم أنّ تَهلِكُوا عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ، فيقُولُ قائِلٌ: إِنَّا لَا نَجدُ حَدَّينِ فِي كِتَابِ اللهِ، فَقَد رَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَجَمنَا، وَالَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لِولَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: زَادَ عُمَرُ في كتَابِ اللهِ لَكتَبتُهَا: "الشَّيخُ وَالشَّيخَةُ فَارجُمُوهُما البَتَّة" فَإنَّا قَد قَرَأنَاهَا. فَمَا انسَلَخَ ذُو الحِجَّةِ حَتَّى قُتِلَ عُمَرُ (٢). وقال الّذي حديث ابن عبّاس الطّويل بين يّدَي موتِه: "الرَّجمُ في كِتَاب اللهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى مِنَ الرِّجَال وَالنِّساءِ إِذَا أَحْصَنَ، إِذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ، أو كان الحَبلُ أَوْ الاعتِرافُ" (٣).

стр. 3413

الحديث الخامس: خرّج مسلمٌ (١) وغيرُه (٢)، أنَّ عليَّ بنَ أبي طالبِ ﵁ جَلَدَ شُرَاحَة الهَمدَانِيةَ يَومَ الخَمِيسِ وَرَجَمَهَا يَومَ الجُمُعَة، وقَالَ: جَلَدتُهَا بكِتَابِ اللهِ، ورَجَمتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ الله. الحديث السّادس: حديثُ عِمْرَانَ بنِ حُصَينٍ، قَالَ: جَاءَتِ امرَأَة من جُهينَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهي حُبلَى مِنَ الزِّنَى، فقَالَت: يَا رسُولَ اللهِ، أَصَبتُ حَدًّا فَأَقِمهُ عَلَيَّ، فَدَعَا رسُولَ الله ﷺ وَليَّهَا، فَقَالَ لَهُ: "أَحسِن إِلَيهَا، فَإِذَا وَضعَتْ فَأْتِنِي بهَا"، فَفَعَل، فَشُكَّت عَلَيها ثيَابُهَا، ثُمَّ رُجِمَت، ثُم صَلَّى علَيهَا، فَقَالَ عُمَر: أَتُصَلِّي عَليهَا وَقَد زَنَت؟ فَقَال: "لقَد تَابَت تَوبَةٌ لَو قُسِمَت بَينَ سَبعِينَ من أَهلِ المَدِيِنَةِ لَوَسعَتهُمْ" خرَّجه مسلم (٣)، والتّرمذي (٤)، وأبو داود (٥). الحديث السابع: خَرَّجهُ مسلم (٦)، والنّسائيّ (٧)، وأبو داود (٨)، قالوا: إِنَّ امرَأَةً من غَامِد من الأَزدِ. قالت: يا رسول الله، طَهِّرنِي، قَالَ: وَيحَكِ! ارجعِي فَاستَغفَرِي اللهَ وَتُوبِي إليهِ. قالت لهُ: أَتُرِيدُ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدت مَاعِزًا؟ قَالَ لهَا: وَمَا ذَاك؟ قَالَت: إِنِّي حُبلَى من الزِّنَى، قال: آنْتِ؟ قَالَت: نَعَم. قَالَ: اذهَبي حَتَّى تَضَعِي، فَكفَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ حَتَّى وَضَعَت. فأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخبَرَهُ. قَالَ: إذًا لا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرضِعُهُ، قَالَ رجُلٌ من الأنَصَار: إليَّ رَضَاعُهُ، فَرَجَمَهَا. الحديث الثّامن: روى النَّسائي (٩) وأبو داود (١٠): قال اللَّجلَاجُ أنّه كان يعملُ في

стр. 3414

السُّوقِ، فمرّت به امرأةٌ تَحْمِلُ صبيًّا، فثارَ النّاسُ، فكنتُ ممّن ثارَ، فانتهيتُ إلى النَّبىِّ ﷺ وهو يقولُ: من أبو هذا الغلام؟ فقال شاب حِذَاءَهَا: أنا يا رسول الله، فقال لها النّبىُّ ﵇: من أبو هذا الغلام؟ فسكتت، فقال له الفَتَى: إنها حديثة العهد بِجُرْمٍ وليست تكلّمك، أنا أبوه، فنَظَرَ إلى بعضِ أصحابِه كأنّه يسألُهم عنه، فقالوا: ما علِمْنَا إِلَّا خيرًا، فقال له النّبيّ ﵇: أأحصنت؟ قال: نعم، فأمر به فَرُجِمَ. قال فحفرنا له حُفرةً حتّى أَمكَنَّاهُ، ثمّ رَمَينَاهُ بالحِجَارَةِ. الحديثُ التّاسعُ: روى أبو بَكرَةَ قال: شَهِدتُ النّبىَّ ﷺ وهو واقفٌ على بغلتِه، فذكَرَ أنّ امرأةً حُبلَى جاءتِ النّبيَّ ﷺ فقالت: بَغَيتُ، فقال لها: "استري يستركِ اللهُ" فذهبت ثمّ رجعت، فقال لها: "اذهبي حتّى تَلِدِي" ثمّ قال: "انطَلِقِي حتّى تَطهُرِي من الدّم" ثمّ جاءت، فبعثَها النَّبىُّ ﷺ إلى نسوةٍ من هوازنَ ينظُرنَ إليها، أَطَهُرَت أم لا؟ فجثنَ يَشهَدْنَ عند رسول اللهِ، فأمرَ ﷺ بحُفرةِ إلى ثَديَيها، ثمّ أخذَ حصاةً كأنّها الحِمَصُّ فرمَاها. ثمّ قال للمسلمين: ارمُوا، فرَمَوها، ثمّ طَفِئَت، ثمّ أَمَرَ بإخراجِها وصلَّى عليها، وقال: لو قُسِمَ أجرُها بين أهلِ الحجازِ لوَسِعَهُم (١). وفي "الموطَّأ" (٢) قال: "اذْهَبِي حَتَّى تَضَعِي، اذْهَبِي حَتَّى تُرْضِعِيهِ "، ثُمَّ جَاءَتهُ فَقَالَ لَهَا: "اذهَبِي حَتَّى تَستَودعِيهِ "، فَاستَودَعَتهُ، فَرَمَاهَا فرُجِمَت. الحديث العاشر: روي في "الموطَّأ" (٣) ورواهُ الأيِمّةُ (٤)، عَنْ عَبدِ الله بنِ عُمَرَ؛ قَالَ: جَاءَتِ الْيَهُودُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنهُم وَامرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا تَجدُونَ في التَّورَاةِ في شَأنِ الرَّجْمِ؟ " فَقَالُوا: نَفضَحُهُم وَيُجلَدُونَ.

стр. 3415

فقَالَ عبدُ اللهِ بنُ سَلَامِ: كَذَبتُم، إِنَّ فِيهَا آية الرَّجْمِ، فَأتَوا بِالتَّورَاةِ فَنَشَرُوهَا، وَوَضَعَ أَحَدُهُم يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ. ثُم قَرَأَ مَا قَبلَهَا وَمَا بَعدَهَا. فَقَالَ لَهُ عَبدُ اللهِ بنُ سَلَام: ارفَع يَدَكَ، فرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ، فَقَالُوا: صَدَقتَ يَا محَمّدُ، فِيهَا آيةُ الرَّجمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُجِمَا. قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ: فَرَأَيتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى المَرأَةِ، يَقِيهَا الحِجَارَةَ. قال الإمام (١): فهذه أصولُ أحاديث الرَّجمِ بجُملَتِها، ولا خلافَ فيه بين الأيِمَّةِ، إِلَّا أنّ طائفةً من البربرِ نزلت على جبلِ أطرابُلُسَ، ليس لهم إِلَّا مَطَلَعٌ ضيّقٌ، كفروا باللهِ ورسولِهِ، وتستّروا بكلمةِ الإسلامِ والتّعصبِ لعثمانَ، وَيرَؤنَ أنَّّ الوضوءَ بدعةٌ، وأن التَّيمُّمَ هو الأصلُ، والزّاهدُ منهم هو الْذي يموتُ ولا يَمسُّ ماءً قَطُّ في عُمُرِه، ويرونَ سُقوطَ الرَّجْمِ ويضرِبُونَ الزّاني بالسَّوطِ حتّى يموتَ، في مُحالاتٍ لا نهايةَ لها (٢)، وكانوا يخالِطَوننا ويُجَالِسونَنا، فقلنا لعلّمائنا، أيحلُّ لكم أنّ تنركوا هؤلاء بين أَظهُرِكُم على هذه الحالةِ من الكفرِ؟ قالوا لي: إنَّ القومَ في عدد عظيمٍ، وفي مَنَعَة من المكان لا ترقَى إليهم الأوهام، ولوِ اعْتَرَضنَا أحدًا ممّن ينزلُ منهم لقتلوا بالواحد منهم مئةً منا، فقبلتُ عُذرَهُم. تنبيهٌ على وَهمٍ (٣): قال بعضُ النَّاس: إنَّ الرَّجْمَ الواردَ في الشَريعةِ ناسخٌ للحبس إلى الموت الّذي كان مشروعًا قبلَهُ، وقد بيَّنَّا فسادَ ذلك في "كتب الأصول" من وجوهٍ، أقربُها الآنَ إليكم: أنّ الحبسَ في البيوتِ كان حُكمًا ممدودًا إلى غايةٍ، وكلُّ حُكمٍ مُدَّ إلى غايةٍ فانتهى إلينا، لا يكونُ انتهاؤُهُ نسخًا، وهو أحدُ شروطِ النَّسخِ الأربعةِ الّتي لا يُزادُ عليها، وحُكمُ الغايةِ أنّ يكونَ ما بعدَها مخالفًا لما قبلَها، وإلّاَ فمتَى كانت تكون غايةً. واعلموا - أنار الله قلوبَكُم للمعارف- أنّ في هذه الأحاديثِ المتقدِّمةِ أحكامًا كثيرةً وفوائدَ

стр. 3416

لطيفةً، استوفيناها في "شرح الحديث " الحاضرُ الآن ممّا يتعلَّقُ بها خمسةَ عَشَرَ حُكمًا (١): الحكم الأوّل: قولُ ﷺ : "خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي" (٢) تأكيدًا وتنبيهًا، فإنّه ما بُعِثَ إِلَّا ليُؤخَذَ عنه، وقد كان سبَقَ الأخذُ عنه، فَأكَّدَ بهذا القول ونَبهَ على قَدرِ الحُكمِ. الحكم الثّاني: قولُه (٣): "جَلدُ مِئَةٍ" يحْتَمِلُ أنّ يكون قالَهُ ثمّ نزلتِ الآيةُ بعدَه في الجَلدِ، وَيحتَمِلُ أنّ يكون قالَهُ بعد نزول الآية تأكيدًا وبيانًا للحُكم. الحكم الثّالث: وهو التغريبُ وقد اختلف علماؤنا فيه، فأسقَطَهُ أبو حنيفةَ (٤)؛ لأنّه زيادَةٌ: على القرآن بخَبَرِ الواحدِ، والزِّيادةُ على النَّصِّ نسخٌ، ولا يُنْسَخُ القرآنُ إِلَّا بقرآنٍ مثله، أو بخبرٍ متواترٍ، وقد مهّدنا ذلك في "مسائل الخلاف". وقال الشّافعيُّ (٥): يُغَرِّبُ كلُّ زانٍ بكرٍ بعموم الحديث، ومَنَعَهُ مالك في المرأةِ والعَبدِ، أمّا المرأة فلأنّ تغريبها مُعَرِّضٌ لها للوقوع في مثل ما جُلِدَتْ عليه، وإنّما تُحفَظُ المرأةُ بالحجابِ حيث تُعرَفُ. خذوا نُكتةٌ بديعةٌ في أصول الفقه لم تُذكَر فيها، نبّه عليها إمام الحرمين في "كتاب العموم" فقال: "إنَّ العمومَ إذا وردَ وقلنا باستعماله، أو قام دليلٌ على جوازه، أو

стр. 3417

على وُجُوبِ القولِ به، فإنّما يتناولُ الغالبَ دون الشاذ النادِرِ الّذي لا يَخطِرُ ببالِ القائلِ " وصدَقَ، فإن العموم إنّما يكونُ عموما بالقَصدِ المقارِنِ للقَوْلِ،* فما قُطِعَ على أنّ القائل لم يَقصِده، لا يتناولُه القولُ*، وعلى هذا يتناوَلُ الحُكمُ في العُمومِ ما يُغتَرضُ عليه بالإبطالِ. ولو أدخَلنَا المرأةَ في التّغريبِ لاعتُرِضَ بالإبطالِ على التّحصين الّذي لأجله شُرعَ الحدُّ. وكذلك العبدُ لم يَرَ مالك تغريبَهُ، لا لأجل أنّه لم يدخُلْ تحتَ العُمومِ كما قلنا في المرأة. ولكن عارَضَه حقُّ السَّيِّدِ، فَقُدِّمَ على حقِّ الله؛ لفَقرِ السَّيِّدِ، والله هو الغنيُّ الحميدُ. فإن قيل: فلِمَ لم يَسقُطِ الحدُّ مراعاةً لحقِّ السَّيِّدِ؟ قلنا: الحدُّ هو الأصلُ والتّغريبُ تَبَعٌ، فلأجل ذلك أقمنا الأصلَ الّذي لا يَقْطَعُ بالسَّيِّد من حقّه، وتركنا التَّبَعَ الّذي يُعتَرضُ عليه بالإبطال. الحكم الرّابع: في الجَلدِ قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: يُجْلَدُ الثَّيِّبُ ثمّ يُرجمُ؛ لحديثِ عُبادةَ، وحديث شُرَاحَةَ المتقدِّمَينِ. قلنا: هذا الحديثُ الواردُ عن عُبَادَةَ منسوخٌ قطعًا بمِثله في الوُرُودِ بحديثِ ماعزٍ والغامديةِ والعَسِيفِ، فإن النّبيِّ ﵇ لم يتعرض للجَلدِ في واحدٍ منهما، وقد كان ذلك بعدَهْ، فتَمَّ النَّسخُ بشَرطِهِ. الحكم الخامسُ: الزِّنَا يثبتُ بثلاثةِ أشياءَ: ١ - اعترافٌ. ٢ - وشهادةٌ. ٣ - وحملٌ ظاهرٌ لم يسبِقه نكاحٌ ولا سيادةٌ.

стр. 3418

فأمّا "الشهادةُ" فقد استقرَّ أمرُها في كتاب اللهِ وفي سنَّةِ رسولِ الله، وهو أنّ يأتوا بأربعة شهداء عدولٍ يشهدون على الرُّؤيَةِ، وهو قول مالكٍ وجميعِ أصحابه. وأمّا "الإقرارُ" وهو الأصلُ في إثباتِ الحقوقِ، فإنّ العلّماءَ اختلفوا فيه، هل للمُقِرِّ بالزِّنى أنّ يرجِعَ عن الإقرارِ أم لا؟ فمنهم من قال: إنَّ له أنّ يرجِعُ، (*) قال به الجمهورُ، وهو إحْدَى الرِّوايتَين عن مالكٍ، ومنهم من قال: إنَّ له أنّ يرجِعُ (*) إنَّ ذكر وجهًا، وهي الرِّواية الثّانية عندَهُ. ومنهم من قال: لا يرجِعُ. فأمّا من قال: لا يُقْبَلُ الرجوعُ؛ فلأنّ الإنسانَ على نفسِهِ بصيرةٌ، وهو أعلمُ. وأمّا من قال: إنّه يرجِعُ إنَّ ذكَر وجهًا؛ فلأنّ الحدّ ممّا يَسقُطُ بالشُّبْهَةِ، وهذه شبهةٌ، مع أنّ النّبيَّ ﷺ نبّه عليها ماعزًا فقال: "لَعَلَّكَ قَبَّلتَ، لَعَلَّكَ نَظَرتَ". (١) وأمّا من قال: إنّه يرجِعُ مطلقًا، فهو الحقُّ، وعليه تدلُّ الأحاديثُ المذكررةُ آنفًا في ترديد النّبيّ ﷺ كلَّ من أَقَرَّ بالزِّنى، وتنبيهِهِ له على الرّجوعِ، وكذلك ينبغي أنّ يفعَلَ كلُّ حاكم، فلا قُدْوَةَ أعظمُ من محمّد ﷺ ولا أُسوَةَ فوقَهُ. وقال أبو حنيفة (٢): لا يَثبُتُ الزِّنا بالإقرارِ حتّى يكونَ أربعَ مرّاتٍ في أَربَعِ مجالسَ، واحتجّ بأن النَّبيَّ ﷺ رَدَّ ماعزًا أربعَ مرّاتٍ. قلنا: لم يَرُدَّهُ ليثبُتَ الإقرارُ، إنّما ردَّهُ رجاءَ الرُّجوعِ، ألَّا ترى أنّه لم يَرُدَّ الغامِدَيَّة ولا سِوَاها، ولا يجوزُ أنّ يُحمَلَ على الشّهادةِ؛ لأنّ الشّهادةَ فرعٌ، والإقرارَ أصلٌ، ولا يجوزُ أنّ يُحمَلَ الأصلُ على الفرع. وأمّا الحملُ إذا ظَهَرَ ولم يَسبِقهُ سببٌ جائزٌ، فإنّه يُعلَمُ قطعًا أنّه من حرامٍ، فثبتتِ المقدِّمةُ بالنَّتيجةِ، وهو استدلٌ معلومٌ من طريقِ العادَةِ يُسَمَّى قياسَ الدّلالةِ،

стр. 3419

كدَلَالةِ الدُّخان على النارِ، إِلَّا أنّ تدَّعِيَ أنّها استُكرِهَت، وتأتي على ذلك بِبَيَّنَةٍ أو بأَمَارةٍ، مِثلَ أنّ تأتي داميةً وهي بِكرٌ، أو استغاثت أو أُغِيثَت على تلك الحالِ. فإن لم تأتِ بشيءٍ من ذلك، ثبتَ الحدُّ إنَّ لم يكن يعارِضُه ما يُسقِطُهُ. وقال الشّافعيّ: لا يُقبَلُ قولُها. وهو قولٌ باطلٌ؛ لأنّه لا يمكن إنَّ غُلِبَت أنّ تفعلَ أكثرَ ممّا فعلت، ولا يكلِّفُ اللهُ نفسا إِلَّا وُسعَهَا. الحكم السّادس: إذا سُمِعَ الإقرارُ، فلابدَّ بعدَهُ من الاختيارِ، كما فعلَ النّبيُّ ﵇ إذ قال: "أَبِهِ جُنُونٌ؟ " فَقَالُوا: لا (١) وبهذا يتبيَّنُ أنّ قولَ المجنونِ هَدرٌ، ويَعضُدُ هذا بصحّته حديثُ علىَّ الضّعيفُ في السَّنَدِ: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ" (٢). فذكَر المجنونَ الّذي يَغلِبُ عليه، فيفوتُه تحصيلُ القولِ، فإنّه لا يُؤاخَذُ به في حُكمٍ من الأحكامِ، لقول النّبيِّ ﵇ في حديثه هذا: "أَيَشتَكِي؟ " فبيَّنَ أنّ الشَّكْوَى تبطِلُ الإقرارَ. فلمّا أنّ علم أنّه صحيح العقل (٣)؛ قال: "أَبِكرٌ هُوَ أَمْ ثَيَّبٌ؟ ". قال علماؤنا (٤): يحتَمِلُ أنّ يقول ذلك لِمَاعِز لَما أُخبِرَ بِصحَّةِ عَقلِهِ (٥)، وقد قال ماللق: يسألُ الإمامُ الزَّانِيَ عَنْ ذلك، ويقبل قوله أنَّه بِكر ويصدِّقه، إِلَّا أنّ تقوم بيِّنَةٌ أنّه ثَيِّب. وقال مرّةً: لا يسأله حتّى يكشف عنه، فإن وَجَدَ من ذلك علمًا، وإلا سأَلَهُ وقَبِلَ قولَه دونَ يمينِ. قال محمّد: وهو أحبّ إلينا.

стр. 3420

فعلى هذا يتبيّن أنّ الشّكوى تُبطلُ الإقرارَ، ولذلك نقولُ: إنَّ المريض إذا طلَّقَ في حرجِ المَرَضِ، لا ينفذُ طلاتُه إذا تَثبَّجَ من المرضِ قَولُه، وهو كذلك أيضًا، وهو الحكم السّابع. الحكم الثّامن: قال الّذي الحديث (١): "أَشَرِبَ خمْرًا؟ " فكان دليلًا على أنّ السّكران لا يجوزُ إقرارُهُ، وقد اختلف العلّماءُ في ذلك على أقوال عديدةٍ جملةً وتفصيلًا، واختلف أربابُ مذهبنا كاختلافهم، والذين اعتبروا قولَ السّكرانِ قالوا: إنَّ عقله زالَ بمعصيةٍ، فَجُعِل كالموجودِ حكمًا، والمعصيةُ قد أَخذت حقَّها في الإثمِ وفي الحدِّ، وجَعلُ المعدومِ موجودًا حُكمًا يفتقرُ إلى دليلٍ، وقولُ النّبيّ ﷺ : "أَشَرِبَ خَمرًا؟ " يحتملُ أنّ يكون قال ذلك إذ كانتِ الخمرُ محلَّلَةَ. قال: وهذه حكايةُ حالٍ وقصّة عين يتطرّقُ إليها الاحتمالُ، فيسقُطُ بها الاستدلالُ، لكن يبقى أصلُ الدّليلِ من أنّ العقل ذاهبٌ. قال لي بعض أشياخي: لم يختلف قولُ مالكٍ أنّه إنَّ قتَلَ سكرانُ أنَّه يُقْتلُ به، وهذا عندي لعظيم حُرْمَةِ القتلِ، فأمّا سائرُ الأحكام فيهونُ أمرُها. الحكم التّاسع: قولُة: "أنِكْتَهَا" (٢) لا يَكْنِي، وافْتَقَرَ النّبيُّ ﷺ إلى ذلك لبيانِ سببِ الحدِّ بعد أنّ تكررَّ الردُّ. والحد لا يكون عندنا إِلَّا بعَشَرةِ أوصافٍ مُعْتَبَرَةٍ: وَطءٌ. مُحَرَّمٌ. مُحْصَن.

стр. 3421

حُرٌّ. بالغٌ. عاقلٌ. في فَرْج. مشتهىً. طَبعَا. وقع من مُسلِمٍ. فبهذه الشّروطِ يجبُ الرَّجمُ، وبها يجبُ الحدُّ الّذي هو الجَلدُ، ما عدا الإحصانَ. تفصيل هذه الجملة: أمّا قولنا: "وطءٌ" فلسؤالِ النّبيِّ ﵇ عنه، وإجماع الأُمَّةِ عليه. وأمّا قولنا: "محرَّم" فَلِوُقُوعِ معصيةٍ تَلِيقُ بهذه العقوبةِ. أمّا قولنا: "مُحصَن" فلِتَنتَفِي الشُّبهةُ الّتي تُسقِطُ الحدَّ، والإحصانُ الّذي سأل عنه هو الزّوجية، ومنه قوله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآية (١)، يريد: ذوات الأزواج الحَرَائِر. وأمّا قولنا: "من حرٍّ" فلأَنَّ الإحصانَ معدومٌ معه قرَانًا، منصوصٌ عليه فيه. وأنا قولنا: "من بالِغٍ" فلأنَّ البالغَ يجبُ عليه الحدّ، وتجري عليه الأحكام. وأمّا الصَّبيَّ، فإنّه ساقطُ الاعتبارِ إجمالًا لأنّ إِيلَاجَه صورةُ وطءٍ لا معنَى لها. وأمّا "العقلُ" فقد تقدَّمَ الكلام فيه في قوله: "أَبِهِ جِنَّةٌ" في حديث مَاعِز (٢). وأمّا قولنا: "في فَرجٍ" فلاتِّفاقِ الأُمَّة عليه، ولأنّه قد ذُكِرَ في الحديث: "أَغَابَ ذَلِكَ مِنكَ في ذَلِكَ مِنهَا كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ في الْمُكحُلَةِ" (٣) وفي حديث اليهوديِّ أنّ النّبيّ ﷺ

стр. 3422

قال لهم: "ائْتُونِي بِأعلَمِ مَنْ فِيكُم"، فَجَاؤُوهُ بابن صُورِيَا، فَنَاشَدَهُ: "هَلِ الرَّجْمُ في التَّوْرَاةِ؟ " فَقَالَ: نَعَم، إِذَا شَهِدَ أَربَعَةٌ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ قَد غَابَ في ذَلِكَ مِنْهَا كَمَا يَغِيبُ المِرْوَدُ في المُكحُلَةِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﵇ بِالشُّهُودِ فَجَاءُوا فَشَهِدُوا بذَلِكَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﵇ بِهِمَا فَرُجِمَا (١). وأمّا قولنا: "مُشتَهىً طَبعًا" فبيانٌ لسقوطِ الحدِّ عن وطءِ البهيمةِ، لما رَوَى النّسائيُّ (٢) وأبو داوُدَ (٣) والتّرمذي (٤)، أنّ النّبيّ ﷺ قال: "مَنْ وَجَدتُمُوهُ قّد وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقتُلُوهُ وَاقتُلُوا البَهيمَةَ" وقد تقدّم الكلام عليه وأنّه ضعيفٌ (٥)، وتعلَّق به ابن حنبل (٦). الحكم العاشر: وهو الحكمُ في اللَّواطِ اختلفَ العلّماءُ في هذا الباب على أقوالٍ، المنصورُ منها قولُ مالكٍ لصحّةِ متعلِّقِهِ. وقال الشّافعيُّ (٧): هو ذِنَى يفترقُ فيه البِكْرُ والثَّيِّبُ. وقال أبو حنيفة (٨): هو موضع أدبٍ يجتهدُ فيه الإمامُ فيضربُهُ بالسَّوطِ قَدرَ ما يراه رَادِعًا. ولا يرى أبو حنيفةَ والشّافعىّ أنّ يُجاوِزَ الأَدَبُ أكثرَ الحَدِّ. ورأى مالكٌ أنَّه يُرجَمُ بِكْرًا كان أو ثَيِّبًا، وهو أسعدُ الأقوالِ؛ لأنّ الله أخبرنا عن قومٍ فَعَلُوهُ وعن عقوبَتِهِ فيهم بالرَّميِ بالحجارةِ، فوجب أنّ يُتَّعَظَ بقولِه، وأن يُمتَثَلَ ما سبَقَ من فِعلِهِ، وهذا يَدُلُّك على

стр. 3423

أنّ مالكًا رأى أنّ شرعَ من قَبلَنَا شرعٌ لنا بلا خلافٍ، ألَّا تراهُ لم يختلف قولُه في البِكرِ أنّه يُرجَم كما رَجَمَ الله بِكرَهُم وثَيِّبَهُم. فإن قيل: قد رُجِمَ صغيرُهُم وكبيرُهُم، فارجموا إذنِ الصّغيرَ. قلنا: ارتفَعَ بذلك النَّصُّ، وَبَقِيَ الباقي على الظّاهر من الحُكْمِ. والحكمةُ في رَجمِ الصّغيرِ منهم أمران: ١ - أحدُهما: ما عُلِمَ منهم أنّهم كآبائهم، فَجَرَى عليهم عُقُوبَتهُم. ٢ - وإما أخَذَ الكلِّ بعذابِ الدُّنيا، ثمّ يُحْشَرُ كلُّ أحدٍ على نِيَّتِهِ، على ما وَرَدَ في حديث الجيشِ الّذي يُخسَفُ به في البَيدَاءِ في آخر الزّمان (١). وأمّا الصحابةُ فقد علمت بذلك، قال (٢) ابنُ حبيبٍ: كتب أبو بكرٍ أنّ يحرقوا بالنَّار، وفعلَ ذلك ابن الزّبَير في زمانه، وهشام بن عبد الملك في زمانه كذلك، وعمل به عليّ بالعراق، ولم يخطئ في ذلك كلّ من عمل بهذا الحكم. تفريع (٣): وأمّا مَنْ وطىءَ امرأةً في دُبرِها، فحُكمُ ذلك كالزِّنا، قاله محمّد، ورواه ابن حبيب عن ابن الماجِشُون. ووجهه: أنّه أحد فَزجي المرأة كالقُبُل. فرع (٤): والشهادةُ على اللِّواطِ كالشّهادة على الزِّنا أربعة شهداء، وبه قال الشّافعيّ (٥).

стр. 3424

وقال أبو حنيفةَ: يثبتُ بشاهِدَينِ، فإذا ثبتَ لم يكن فيه إِلَّا التّعزير (١). ودليلنا (٢): ما ذَكَرَهُ النّبىَّ ﷺ أنّه قال: "اقتُلُوا الفَاعِلَ والمَفعُولَ بِهِ" (٣). ودليلنا أيضًا على أنّه لابدّ من أربعة شهداء: لأنّه معنًى يجبُ به الرَّجْمُ من غيرِ قِصَاصٍ، فلم يَثبُت إِلَّا بأربعةٍ كالزِّنَى. فرع (٤): وأمّا المساحقتان من النِّساء، فحُكمُهُما الأدَب، وفي "العُتبِيَّة" (٥) عن ابن القاسم: * ليس في عقوبتهما حَدٌّ، وذلك إلى اجتهاد الحاكم. وقال ابنُ شهابٍ: سمعتُ رجالًا من أهل العلم يقولون: يُجلَدَانِ مئة (٦). والدّليل على صحة قول ابن القاسم*: أنّه بمعنى المباشرة؛ لأنّه لا يجبُ الحدُّ إِلَّا بالتقاء الخِتَانَيْنِ، وذلك غير مُتَصَوَّرٍ في المرأتين، فلَزِمَ به التّعزير. وقال أَصبَغُ: يُجلَدَانِ خمسين خمسين (٧). والصّواب عندي أنّه موقوفٌ، مصروف على اجتهاد الإمام، كما قال ابن القاسم. الحكم الحادي عشر: اختلف علماؤنا في صلاة الإمام على المحدود، فقال الشّافعيّ (٨): يصلّي عليه الإمامُ والناسُ.

стр. 3425

وقال سائرُ العلّماءِ من فقهاءِ الأمصارِ: لا يصلِّي الإمامُ على المحدودِ. وقدِ اختلفتِ الرواياتُ في الأحاديث المتقدمة، وفي بعضها: "ثُمَّ صَلَّى عَلَيهَا" (١) ولم يثبت ذلك (٢)، وإنّما الثّابت ترك الصّلاة. واختلفَ النّاسُ في تعليل ذلك على أقوال متباينة: فقيل: إنّما صلَّى على الغامديّةِ لأنّها عرَفَتْ ما يجبُ عليها من الحدِّ، فلذلك صلّى عليها، وماعِزٌ إنّما جاء مُستَفهِمًا غير عارفٍ بما يجبُ عليه، فلذلك لم يصلّ عليه، وهذا قولٌ زائفٌ. ومن النَّاس من قال: إنَّ الحكمة فيه أنّ قتلَهُ غضبًا للهِ، فكيف يُصَلِّي عليه رحمةٌ، والرّحمةُ تناقِضُ الغَضَبَ، وهذا فاسدٌ؛ لأنّ الغضبَ قد انقضَى، وموضعَ الرّحمةِ قد تَعَيَّنَ. والنّكتةُ البديعةُ في ذلك: وهي أنّ الإمام إذا تركَ الصّلاةَ على المحدودِ كان ذلك رَدعًا لغيره. نكتةٌ صوفية: وهي من فوائد الذِّكر قال: كان بعضُ الصّوفية قد صلّى العشاءَ الآخرةَ خَلفَ رَجُلٍ من الأيِمَّة حَسَنِ الصَّوتِ، فسَمِعَهُ يقرأ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ (٣) فصَعِقَ، فلمَّا فُرغَ من الصّلاة وُجِدَ ميِّتًا، فجهَّزُوهُ يومًا آخَرَ، واحتملوه إلى قبرِهِ، ثمّ قالوا: من يُصَلِّي عليه؟ فقال بعضُ الصُّوفيةِ: يصلّي عليه من قَتَلَهُ، فاستحسنَ النَّاسُ هذه الإشارةَ، وقد أوردنا من هذا النوع عجائب في "كتاب الجنائز (٤) " فليُنْظَر هنالك. الحكم الثّاني عشر: قوله (٥): "وَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ".

стр. 3426

قال أبو حنيفةَ (١): الكفالةُ في الحدود مشروعةٌ لأجل ذلك، وقد اعتَضَدَ ذلكَ بعمل الخليفةِ عمرَ حين قال في الحديث المعروف: "وَكَفِّلهُم عَشَائِرَهُمْ" (٢). وقال سائرُ العلّماءِ: الكفالةُ مشروعةٌ إلّا في الحدودِ. وليس لهم في ذلك حجّةٌ؛ لأنّهم يزعُمُونَ أنّ الكفاللهَ في البَدَنِ ليس لها تعلُّقٌ بالمالِ، ويقول مالك: إنَّ لها بالمال تعلُّقًا بَدَلًا عن البدَنِ إذا أُطْلِقَ، ولم يقل: ليست من المال في شيءٍ، ولو قال: لم يكن في ذلك حجّةٌ؛ لأنّ المال لو كان لازمًا في كفالةِ البَدَنِ لما جاز استئناؤه منه. وفائدةُ الكفالةِ أمران: ١ - إمّا إحضارُ المُطَالَبِ ليتكلّم عن نفسه أو يؤدِّي ما عليه. ٢ - وإما قضاءُ ما عليه من المالِ. فيُتَصَوَّرُ في الحدود أحدُ المعنيينِ، فصارَ المذهبُ العراقيّ أقوى من المالكيّ. الحُكمُ الثَّالثَ عَشَرَ: لم يَسجُنْ رسولُ الله ﷺ الزَّاني حتَّى أقام الحدَّ عليه، واختلف العلماء في ذلك على قولين: ١ - أحدُهما: أنّه يجوزُ له الرُّجوعُ، فلأيِّ فائدةٍ يُسجَنُ، إنّما تَمَادَى على إقراره ليسترجِع أو لينزعَ، فإن نَزَعَ فلا يُتبَعُ. ٢ - وقيل: إنّما لم يُسجَن لأنّ المدينَةَ كلَّها سِجنًا له، لم يكن للإسلام مستقرٌّ سواها فَيُخَافُ أنّ يختلِطَ المسجونُ بغيرِه. والتأويلُ الأوَّل أقوى.

стр. 3427

واختلف النَّاس في السِّجنِ هل هو قديم أو محدَثٌ: فقيل: أوَّلُ من أحدثه بنو إسماعيل كانوا إذا جنى أحد شيئًا أمسكوه (١). وقيل: إنّه قديمٌ على ما بينّاه في سورة يوسف (٢). الحكم الرّابع عشر: قال الشّافعيّ وغيرُه: التوبةُ تُسقِطُ الحدَّ (٣)، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية (٤). ولأنّ الأُمَّةَ أَجمَعت على أنّ التّائبَ من الذّنبِ كمن لا ذنبَ له. وقال سائرُ العلّماءَ: لا تُسقِطُ التّوبةُ الحدَّ؛ لأنّ النَّبىَّ ﷺ حدَّ مَنْ تَحَقَّقنَا تَوبَتَهُ بِخَبرِهِ حين قال عنها: "إِنَّهَا تَابَت تَوبَةً لَوْ قُسِمَت عَلَى أَهلِ المَدِينَةِ لَكَفَتهُم" (٥) وهذا نصٌّ. وقولُه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية (٦)، نصٌّ في تلك النّازلة مخصوصٌ بها للمصلحة. فإنّ المرتفعَ في الجبل لو عَلِمَ أنَّ توبتَهُ لا تُقبَل لَغَمَّهُ ذلك ولم ينزل، فَشُرِعَت التّوبةُ استنزالًا له عن حَالِهِ، ورجاءً في إقلاعه ممّا هو فيه. توفية ومزيد إيضاح: قد بَيَّنَّا شروطَ الرَّجمِ، وذكرنا أنّ الإحصانَ من أوَّل شُروطِهِ وأولاها، وذكرنا الإِسلامَ وهو شرطٌ في صحّةِ الإحصانِ؛ فإنّه لا إحصانَ لمن لا إسلامَ له، إذ الإحصانُ كمالٌ وفضيلةٌ، ولا فضيلةَ مع الكفرِ. فإن قيل: قَد رجمَ النّبيُّ ﷺ اليهُودِيَين. قلنا: إنّما فعل ذلك لإقامةَ الحُجَّةِ عليهم من كتمان ذِكْرِهِ في التّوراة.

стр. 3428

فإن قيل: فكيف يُقيمُ الحُجَّةَ عليهم بما لا يراه حقًّا، وهو قد قيل له: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (١)، وليس من القِسطِ أنّ يُرجَمَ الكافرُ، وعلى هذا عوَّلَ الأيِمَّةُ من أصحابِ الشّافعيِّ بأنّ الإِسلامَ لا يُشتَرَطُ في الإحصانِ (٢). قلنا: مَنْ فهِمَ مساقَ المسألةِ عَلِمَ وَجهَ الحُجَّةِ، وصورتُها: أنّ اليهودِيَينِ زَنَيَا، فلو شاء اليهوديُّ لما جاء إلى النّبيّ ﷺ ، لأنّه لم يكن له حكمٌ عليهم بالشَّرطِ الّذي شَرَطَ لهم، ولكنّهم قالوا نمشي إليه حتّى نعلم حاله في الرَّجم، فإن حَكَمَ به فهو نبيٌّ، وإن مَرَّضَ (٣) فيه فهو مُحتَالٌ. فلما مَثَلُوا بين يَدَيْه وسَرَدُوا عليه القصّةَ، فَهِمَ النّبيُّ ﷺ الغَرَضَ، فقال: "أَنشُدُكُما الله، هل تجدونَ الرَّجْمَ في التّوراة؟ " قالوا: لا، قال: "فأتُوا بالتّوراةِ فاتلُوها"، فجاؤا بها، فوضَعَ أحدُهُم يَدَهُ على آيةِ الرّجم، وجعَلَ يقرأُ ما قبلَها وما بعدَها، فقال عبدُ الله بنُ سَلَامٍ: يَرفَعُ يَدَهُ، فإنّ آية الرَّجْم تَحتَ موضِعِ يَدِهِ، فرفَعَ يدَهُ فإذا آيةُ الرَّجْم تلوحُ، فقال: "ما حَمَلَكُم على ترك الرَّجم"، فذكر الحديث إلى آخره (٤). فإن قيل: فلم اسْتَدعَى شُهُودَ اليهودِ؟ قيل: حتّى تقومَ الحُجَّةُ عليهم من قِبَلِ أنفُسِهم، فلا يقولون: عَجِلَ علينا محمّدٌ. فتبيّن عند عامّة اليهود على يدَي النّبيِّ ﷺ أنّ علماءهم في صِفَةِ من يَكتُمُ الحقَّ في كتابِ اللهِ، حتّى يُكَذِّبوهم في قولِهم: ليس ذكرُ محمّدٍ في التّوراة، فإذا لاحتِ الحقائقُ فَليَقُل المُتَعصِّبُ بعدَها ما شاءَ. تكملة من العارضة (٥): بوَّبَ أبو عيسى التّرمذيّ (٦): "باب رجم أهل الكتاب". قال الإمام: جاء اليهودُ إلى النّبيِّ ﷺ مُحَكِّمِينَ له في الظَّاهرِ، ومُختَبِرِينَ لحَالِهِ في

стр. 3429

الباطن، هل هو نبيّ حقّ أو مسامحٌ في الحقِّ؟ واختلف العلماء كيف كان الحُكْمُ فيهم على ثلاثة أقوال: الأوّل: أنّه حَكَمَ بينهم بحُكمِ المسلمين، وليس الإسلام شرطًا في الإحصان كما تقدّم. القول الثّاني: أنَّه حَكَمَ بينهم بشريعةِ موسى وشهادَةِ اليهودِ. الثّالث: قال في " كتاب محمّد": "إنّما حَكَمَ بينهم لأنّ الحدودَ لم تكن نَزَلت، ولا يُحْكَمُ اليوم إِلَّا بحُكْم الإسلام" وكذلك دليل القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الآية (١). الحكم الخامس عشر: قال الإمام: الجَلْدُ في الزِّنا إنّما هو حقٌّ للهِ يستوفيه نَائِبُه فيه وفي اْمثاله، ويقومُ به خليفَتُه عليه وعلى غيرِه، وهو الإمامُ أو مَنْ يقوم مقامَهُ. وهذا ممّا لا خلافَ فيه بين العلماء. ومن. العلماء أيضًا من أَجرَاهُ على عُمُومِه. ومنهم من خصَّصَهُ، فأخرجَ حدودَ العبيد عن حُكمِ الإمام وجعلها بأيدي السّادة، وهو الشّافعيُّ (٢) ومالكٌ. وتعلّقوا في ذلك بأدلّة استوفيناها في "مسائل الخلاف " الحاضرُ الآن منها والأَقوَى فيها؛ أنّ الكلَّ كان بيدِ النَّبيِّ ﵇، فاستناب النّبيُّ ﷺ السَّادَةَ عليه، فقال: "أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَت أَيمَانُكُم، مَنْ أَحْصَنَ مِنهُم وَمن لَمْ يُحْصِن" خرجه مسلم في "صحيحه" (٣)، والنَّسائي (٤)، وأبو داود (٥). وقال النّبيّ ﷺ من الصّحيح المتَّفَقِ عليه (٦): "إِذَا زَنَت أَمَةُ أَحَدِكُم، فَاجلِدُوهَا الحَدَّ وَلَا تَترُكُوهَا" وهذا نصٌّ، وليس للقوم عليه كلامٌ ينفَعُ، فلا نطوِّلُ عليكم بذِكْرِه في هذه

стр. 3430

العُجالة. ولهذا الباب أحكامٌ وفروعٌ كثيرةٌ تتفرع عليه، أضربنا عنها لِئَلَّا يطول الكلام، والله الموفّق. باب ما جاء في القَذف والنّفي والتّعريض والتّعزير الأصول (١): قال الإمام: لا خلافَ أنّ الله تعالى جعَلَ الأعراضَ ثُلُثَ الدِّينِ في أبواب المَنهِيَّاتِ، وصانَها بالتّغليظِ فيها رَجمًا في الفَرجِ، فإنّه من العِرضِ، وحدًّا في النَّسَبِ؛ لأنّه سببٌ من أسبابِ الأحكام، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآية (٢)، فصانه تعالى بالحدِّ، وقَصَرَ به عن الزِّنَا، ليُبَيِّنَ تَفَاوُتَ المراتبِ في المعاصي والفحشاء. والرِّمْيُ (١) الّذي يُوجِبُ الحدَّ: كلُّ ما عَادَ إلى الفَرجِ، وغيرُ ذلك ففيه الأدبُ من السَّبِّ والإذاية، إِلَّا أنّ الشّريعة ألحقت حُكمَ الولاءِ بِحُكم الفَرجِ في أن جعلتها قطعةً منه، لقوله ﷺ في الصّحيح: "الْوَلَاءُ لُحمَة كَلُحمةِ النَّسَبِ" (٣) فإذا وقع النّفيُ فيه، جَرَى الحدُّ عليه، إنزالًا له في تلك المنزلة. وزادَ مالكٌ ﵀ على الفقهاء التّعريضَ (٤)، فجعلَ له حُكْمَ* التّصريح، فقال: لأنّه قول يُفْهَمُ منه القَذْفُ، فوجَبَ فيه* الحدُّ؛ لأن أصلَهُ التّصريحُ، لا سيّما والكنايةُ عند العرب أبلغُ في المُخَاطباتِ من التّصريحِ، وخالفَ في ذلك الشّافعيُّ (٥) وأبو حنيفةَ (٦)، وفي ذلك منهما عَجَبَانِ عظيمانِ:

стр. 3431

أمّا أحدُهما، فلا عُذرَ للشّافعيِّ في إسقاط الحدِّ في التّعريضِ؛ لأنّه عربيٌّ فصيحٌ لم يَخْفَ عليه ما في الكناية من الإفهام، فإنّها أبلغُ من صريحِ الكلامِ. وأمّا أبو حنيفةَ (١)، فهو أعجمِيٌّ، فلا يُستَنكَرُ عليه الجهلُ بهذه المسألة، فأراد أنّ يتفصَّحَ ويتفقَّهَ ليُثبِتَ دعواهُ في العربيّةِ، فقال: لو قال رجلٌ لامرأةٍ، زَنَأْتِ في الجَبَلِ، وجبَ عليه الحدُّ، والزُّنُوءُ هو الرُّقِيُّ، فخاف أبو حنيفةَ أنّ يريدَة زنيتِ، فيأتي بالهمز ليُخْفِيَ السَّبِّ، وهذا رجوعٌ إلى مذهب مالك في إيجاب الحدِّ بالتّعريضِ. وفروعُ القذفِ والتّعريضِ كثيرةٌ، أطنبَ فيها أهلُ كتب المسائل وأصولها، ولُبابُها ثلاثون، ومسائل القَذفِ كثيرةٌ: المسألة الأولى (٢): اختلفَ العلّماءُ في حدِّ القذفِ، فمنهم من قال: هو حقٌّ لله تعالى، قاله أبو حنيفة (٣). وقالت طائفةٌ: هو حقٌّ للآدميِّ. *وعن مالك الروايتان، والمشهورُ أنّه حقٌ للآدمىِّ* (٤). وقد بيَّنَّا في "صريح الخلاف" و"تلخيصه" أنّ فيه شائبةَ حقِّ لله، وشائبةَ حقٍّ للَآدميِّ، إِلَّا أنّ المُغَلَّبَ شائبةُ حقِّ الآدَمِيِّ، والمعوَّلُ لمن قال: إنّه حقُّ الآدَمي، وقوفُ استيفائه على مُطَالبةِ الآدَمِيِّ. وليس للقومِ مُتَعَلَّقٌ، إِلَّا أنّهم قالوا: لو كان حقا للآدَميِّ لَمَا تَشَطَّرَ بالرِّقِّ والحريةِ. قلنا: قد يتشطَّرُ حقُّ الآدميِّ بالرِّقِّ والحريّة كالنِّكاح والطلاق.

стр. 3432

فإن قيل: لو كان حقًّا للآدميِّ لجازَ إسقاطُه بالعَفوِ كالقصاص. قلنا: كذلك نقولُ في إحدى الرِّوايتَينِ: بجواز العفو فيه مطلقًا، والقولُ بالعَفوِ إذا أراد سترًا ضعيفٌ، وقد بيَّنَّا ذلك في "مسائل الخلاف". المسألة الثّانية (١): اتّفق علماءُ الامصارِ على أنّ القاذفَ إذا تابَ قُبِلَت شهادتُه، وخالفَهُم أبو حنيفةَ (٢)، أخذًا بظاهر مُطلَقِ قولِهِ : ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ (٣). قال الإمام: وعَجَبًا له، كيف تعلَّق بهذا! أَوَ لَمْ يبقَ له في الدِّين ظاهرًا إِلَّا تَرَكَهُ، فلم يَبقَ عليه إِلَّا مراعاةُ هذا، ولو راعاه كما يَجِبُ لقال: إنَّ التّوبةَ تعملُ فيه، لقوله بعدَ ذلك: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ الآية (٤)، وهذا الاستثناءُ راجعٌ إلى جميع ما تَقدَّمَ قبلَهُ. وقال أبو حنيفةَ: يرجِعُ إلى أقرب مذكورٍ كالضّميرِ. والَّذي أَوجَبَ عليه هذا قِلَّةُ مَعرِفَتِهِ باللُّغةِ، فليس يمتنعُ في الاستثناءِ المُتَعَقَّبِ للجُمَلِ أنّ يَرجِعَ إلى جميعِها. فإن قيل: لو رجَعَ إلى الجميع لسَقَطَ الجلدُ بالتّوبةِ. قلنا: إنّما تُؤَثِّرُ التّوبةُ في إسقاطِ حقوقِ الله إجماعًا، وقد لا تُؤَثِّرُ فيها كما تقدَّم في "مسائل الخلاف". المسألة الثّالثة (٥): قوله (٦): "إِنَّ عُمَرَ بن عبد العزيز جَلَدَ عَبدًا في فِرْيَةٍ ثَمَانِينَ"* الفِريَةُ: هي الرَّميُ، وحدُّ الحُرِّ فيه ثمانونَ جَلْدَةً*، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ

стр. 3433

شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (١) فرأى عمر أنّ حد العبدِ في الفِريةِ كحد الحُر، وهذا يخالِفُ ما رُوِيَ عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن عمر بن الخطّاب وعثمان والخلفاء، إلى زمنه، كانوا يجلدون العبدَ في القَذْفِ أربعين، نصفَ حدّ الحُرِّ (٢). وقال به مالك في العبد ومن فيه بقيّة رِقٍّ. ودليلُنا: أنّه حدّ يتبعَّضُ، فكان حدُّ الحُرِّ ثمانين، وحدُّ العبدِ نصف حدّ الحرّ، كحدّ الزِّنَا. المسألة الرّابعة (٣): قول مصباح (٤) لابنه: "يَا زَانِي" قَذفٌ له، وكذلك مَنْ قال ذلك لغيره فإنّه قاذفٌ له. فإن قال: أردت أنّه زَانِيءٌ في الجَبَلِ (٥). قال أَصبَغٌ: عليه الحدّ ولا يُقْبَلُ قولُه (٦). وقال ابنُ حبيب: يحلفُ. وقال مالك: يُجْلَدُ الأبُ لقَذْفِ ابنه بما يخصّه من القَذْفِ، وبه قال أصحابُ مالك، إِلَّا ما رَوَى ابنُ حبيبٍ عن أَصْبَغ: أنّه لا يُحَدُّ الأبُ به أصلًا، وبه قال أبو حنيفة (٧)، والشّافعيّ (٨). ودليلُنا: قولُ مالكٍ، ووجهُ تعلُّقِهِ: أنّه يُقْتَل به إذا أقرَّ بقتله، وكذلك يُحَدُّ بقذفه إذا

стр. 3434

كان محصنًا كالأجنبيّ. وقول أَصبَغ يحتمِلُ أنّ يكونَ مبنيًّا على قول أَشهَب: لا يُقتَلُ الأبُ بابنِهِ. فإذا قلنا: إنّه يُحَدُّ به؛ فإنّ ذلك يُسقِطُ عدالةَ الابنِ، رواه محمّد، وتعلّق بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (١). المسألة الخامسة (٢): ومَن قذفَ مجهولًا فلا حدَّ عليه، قاله محمّد. ولو قال رجلٌ لجماعة: أحدُكُم زانٍ، لا حدَّ عليه؛ إذ لا يعرف من أراد. وإن قاموا بذلك، فقد قيل: لا حدَّ عليه، وإن قام به أحدهم فادّعى أنّه أراده، كُلِّف البيان. ولو عرف من أراد، لم يكن للإمام أنّ يحدَّه إِلَّا بعد أنّ يقوم عليه، ومعنى ذلك: أنّ القذفَ من شروط وجوبه أنّ يقوم به وليّه. وكذلك لو سمع الإمام رَجُلًا يقذف رَجُلًا لم يكن عليه أنّ يعرفه، فإذا قام به وثبت عنه، تعلَّقَ به حقّ الله، ولم يكن لِوَلِيِّهِ العفو عنه. المسألة السّادسة (٣): وقولُه (٤) في قاذف الجماعة: "لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا حدٌّ وَاحِدٌ" وبه قال مالك وأصحابه (٥)، سواء كانوا مجتمعين أو مفترقين، فحدّ لهم أو لأحَدِهِم. ووجهه: أنّه حدٌّ من الحدود متداخِلٌ كحدِّ الزِّنا والسّرقة، وبهذا فارقَ حقوقَ الآدميِّين فإنّها لا تتداخل. وقال ابنُ القاسم في "العتبية" (٦): من قذف قومًا وشرِبَ خمرًا إنّه يجزئه حدٌّ واحدٌ.

стр. 3435

فزع (١): ومن قَذَفَ فجُلِدَ، فلم يكمل جلده حتّى قَذَفَ آخر، فقال ابن الماجِشُون (٢): إنَّ كان إنّما مضى مثل السَّوطِ أو الأسواط اليسيرة - قال أَشهَب: والعَشرةُ يسيرةٌ - قال ابن الماجِشون: فإنّه يتمادى وُيجْزِئهُ لهما. وقال ابنُ القاسم في "الموّازية": إذا جلد من الحدِّ الأوَّل شيئًا، ثمّ قَذَفَ ثانيًا، فإنّه يستَأنِفُ من حينِ الثّانية، وبه قال رَبِيعَة. وإن بقي مثل الأسواط أو السّوط أتمّ، ثمّ ابتدأ في حدٍّ ثانٍ. قال محمّد: إذا لم يبق إِلَّا اليسير مثل العشرة والخمسة عشر، فليتمّ الحدّ ثمّ بستأنف. وقال أَشهَب: إنَّ ضُرِبَ نصف الحدّ أو أكثر أو أقلّ قليلًا، فليأتنف من حينئذ. وقال ابن الماجِشُون: كان مضت الثّلاثون أو الأربعون ونحوهما، ابتدأ لهما. قال الإمام: فيجيء على قول أشهب أنّه على ثلاثة أقسام: ١ - قسمٌ: إذا ذهب اليسير تمادَى وأجزأ لهما. ٢ - وقسمٌ ثانٍ: إذا مضى نصفُ الحدِّ أو ما يقربُ منه، استُؤنِف لهما الحدّ. ٣ - وقسمٌ ثالثٌ: إذا لم يبق إِلَّا اليسير من الحدّ الأوّل، فيتمّ ويستأنف الثّاني. وأمّا على مذهب ابنِ القاسمِ فعلى قسمين: أحدُهما: أنّه متى مضَى من الحدِّ الأوّل شيءٌ، أنّه لا يستانف من حين القذف (٣) لهما، ولا يحتسب بما مضى من الأوّل. والثّاني: إنَّ بَقِيَ اليسير، فيتمّ حدّ الأوّل، ويستأنف الحدّ الثّاني، فلا يتداخل الحدّان.
следующие страницы →