← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

أمّا أحدُهما، فلا عُذرَ للشّافعيِّ في إسقاط الحدِّ في التّعريضِ؛ لأنّه عربيٌّ فصيحٌ لم يَخْفَ عليه ما في الكناية من الإفهام، فإنّها أبلغُ من صريحِ الكلامِ. وأمّا أبو حنيفةَ (١)، فهو أعجمِيٌّ، فلا يُستَنكَرُ عليه الجهلُ بهذه المسألة، فأراد أنّ يتفصَّحَ ويتفقَّهَ ليُثبِتَ دعواهُ في العربيّةِ، فقال: لو قال رجلٌ لامرأةٍ، زَنَأْتِ في الجَبَلِ، وجبَ عليه الحدُّ، والزُّنُوءُ هو الرُّقِيُّ، فخاف أبو حنيفةَ أنّ يريدَة زنيتِ، فيأتي بالهمز ليُخْفِيَ السَّبِّ، وهذا رجوعٌ إلى مذهب مالك في إيجاب الحدِّ بالتّعريضِ. وفروعُ القذفِ والتّعريضِ كثيرةٌ، أطنبَ فيها أهلُ كتب المسائل وأصولها، ولُبابُها ثلاثون، ومسائل القَذفِ كثيرةٌ: المسألة الأولى (٢): اختلفَ العلّماءُ في حدِّ القذفِ، فمنهم من قال: هو حقٌّ لله تعالى، قاله أبو حنيفة (٣). وقالت طائفةٌ: هو حقٌّ للآدميِّ. *وعن مالك الروايتان، والمشهورُ أنّه حقٌ للآدمىِّ* (٤). وقد بيَّنَّا في "صريح الخلاف" و"تلخيصه" أنّ فيه شائبةَ حقِّ لله، وشائبةَ حقٍّ للَآدميِّ، إِلَّا أنّ المُغَلَّبَ شائبةُ حقِّ الآدَمِيِّ، والمعوَّلُ لمن قال: إنّه حقُّ الآدَمي، وقوفُ استيفائه على مُطَالبةِ الآدَمِيِّ. وليس للقومِ مُتَعَلَّقٌ، إِلَّا أنّهم قالوا: لو كان حقا للآدَميِّ لَمَا تَشَطَّرَ بالرِّقِّ والحريةِ. قلنا: قد يتشطَّرُ حقُّ الآدميِّ بالرِّقِّ والحريّة كالنِّكاح والطلاق.

стр. 3432

فإن قيل: لو كان حقًّا للآدميِّ لجازَ إسقاطُه بالعَفوِ كالقصاص. قلنا: كذلك نقولُ في إحدى الرِّوايتَينِ: بجواز العفو فيه مطلقًا، والقولُ بالعَفوِ إذا أراد سترًا ضعيفٌ، وقد بيَّنَّا ذلك في "مسائل الخلاف". المسألة الثّانية (١): اتّفق علماءُ الامصارِ على أنّ القاذفَ إذا تابَ قُبِلَت شهادتُه، وخالفَهُم أبو حنيفةَ (٢)، أخذًا بظاهر مُطلَقِ قولِهِ : ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ (٣). قال الإمام: وعَجَبًا له، كيف تعلَّق بهذا! أَوَ لَمْ يبقَ له في الدِّين ظاهرًا إِلَّا تَرَكَهُ، فلم يَبقَ عليه إِلَّا مراعاةُ هذا، ولو راعاه كما يَجِبُ لقال: إنَّ التّوبةَ تعملُ فيه، لقوله بعدَ ذلك: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ الآية (٤)، وهذا الاستثناءُ راجعٌ إلى جميع ما تَقدَّمَ قبلَهُ. وقال أبو حنيفةَ: يرجِعُ إلى أقرب مذكورٍ كالضّميرِ. والَّذي أَوجَبَ عليه هذا قِلَّةُ مَعرِفَتِهِ باللُّغةِ، فليس يمتنعُ في الاستثناءِ المُتَعَقَّبِ للجُمَلِ أنّ يَرجِعَ إلى جميعِها. فإن قيل: لو رجَعَ إلى الجميع لسَقَطَ الجلدُ بالتّوبةِ. قلنا: إنّما تُؤَثِّرُ التّوبةُ في إسقاطِ حقوقِ الله إجماعًا، وقد لا تُؤَثِّرُ فيها كما تقدَّم في "مسائل الخلاف". المسألة الثّالثة (٥): قوله (٦): "إِنَّ عُمَرَ بن عبد العزيز جَلَدَ عَبدًا في فِرْيَةٍ ثَمَانِينَ"* الفِريَةُ: هي الرَّميُ، وحدُّ الحُرِّ فيه ثمانونَ جَلْدَةً*، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ

стр. 3433

شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (١) فرأى عمر أنّ حد العبدِ في الفِريةِ كحد الحُر، وهذا يخالِفُ ما رُوِيَ عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن عمر بن الخطّاب وعثمان والخلفاء، إلى زمنه، كانوا يجلدون العبدَ في القَذْفِ أربعين، نصفَ حدّ الحُرِّ (٢). وقال به مالك في العبد ومن فيه بقيّة رِقٍّ. ودليلُنا: أنّه حدّ يتبعَّضُ، فكان حدُّ الحُرِّ ثمانين، وحدُّ العبدِ نصف حدّ الحرّ، كحدّ الزِّنَا. المسألة الرّابعة (٣): قول مصباح (٤) لابنه: "يَا زَانِي" قَذفٌ له، وكذلك مَنْ قال ذلك لغيره فإنّه قاذفٌ له. فإن قال: أردت أنّه زَانِيءٌ في الجَبَلِ (٥). قال أَصبَغٌ: عليه الحدّ ولا يُقْبَلُ قولُه (٦). وقال ابنُ حبيب: يحلفُ. وقال مالك: يُجْلَدُ الأبُ لقَذْفِ ابنه بما يخصّه من القَذْفِ، وبه قال أصحابُ مالك، إِلَّا ما رَوَى ابنُ حبيبٍ عن أَصْبَغ: أنّه لا يُحَدُّ الأبُ به أصلًا، وبه قال أبو حنيفة (٧)، والشّافعيّ (٨). ودليلُنا: قولُ مالكٍ، ووجهُ تعلُّقِهِ: أنّه يُقْتَل به إذا أقرَّ بقتله، وكذلك يُحَدُّ بقذفه إذا

стр. 3434

كان محصنًا كالأجنبيّ. وقول أَصبَغ يحتمِلُ أنّ يكونَ مبنيًّا على قول أَشهَب: لا يُقتَلُ الأبُ بابنِهِ. فإذا قلنا: إنّه يُحَدُّ به؛ فإنّ ذلك يُسقِطُ عدالةَ الابنِ، رواه محمّد، وتعلّق بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (١). المسألة الخامسة (٢): ومَن قذفَ مجهولًا فلا حدَّ عليه، قاله محمّد. ولو قال رجلٌ لجماعة: أحدُكُم زانٍ، لا حدَّ عليه؛ إذ لا يعرف من أراد. وإن قاموا بذلك، فقد قيل: لا حدَّ عليه، وإن قام به أحدهم فادّعى أنّه أراده، كُلِّف البيان. ولو عرف من أراد، لم يكن للإمام أنّ يحدَّه إِلَّا بعد أنّ يقوم عليه، ومعنى ذلك: أنّ القذفَ من شروط وجوبه أنّ يقوم به وليّه. وكذلك لو سمع الإمام رَجُلًا يقذف رَجُلًا لم يكن عليه أنّ يعرفه، فإذا قام به وثبت عنه، تعلَّقَ به حقّ الله، ولم يكن لِوَلِيِّهِ العفو عنه. المسألة السّادسة (٣): وقولُه (٤) في قاذف الجماعة: "لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا حدٌّ وَاحِدٌ" وبه قال مالك وأصحابه (٥)، سواء كانوا مجتمعين أو مفترقين، فحدّ لهم أو لأحَدِهِم. ووجهه: أنّه حدٌّ من الحدود متداخِلٌ كحدِّ الزِّنا والسّرقة، وبهذا فارقَ حقوقَ الآدميِّين فإنّها لا تتداخل. وقال ابنُ القاسم في "العتبية" (٦): من قذف قومًا وشرِبَ خمرًا إنّه يجزئه حدٌّ واحدٌ.

стр. 3435

فزع (١): ومن قَذَفَ فجُلِدَ، فلم يكمل جلده حتّى قَذَفَ آخر، فقال ابن الماجِشُون (٢): إنَّ كان إنّما مضى مثل السَّوطِ أو الأسواط اليسيرة - قال أَشهَب: والعَشرةُ يسيرةٌ - قال ابن الماجِشون: فإنّه يتمادى وُيجْزِئهُ لهما. وقال ابنُ القاسم في "الموّازية": إذا جلد من الحدِّ الأوَّل شيئًا، ثمّ قَذَفَ ثانيًا، فإنّه يستَأنِفُ من حينِ الثّانية، وبه قال رَبِيعَة. وإن بقي مثل الأسواط أو السّوط أتمّ، ثمّ ابتدأ في حدٍّ ثانٍ. قال محمّد: إذا لم يبق إِلَّا اليسير مثل العشرة والخمسة عشر، فليتمّ الحدّ ثمّ بستأنف. وقال أَشهَب: إنَّ ضُرِبَ نصف الحدّ أو أكثر أو أقلّ قليلًا، فليأتنف من حينئذ. وقال ابن الماجِشُون: كان مضت الثّلاثون أو الأربعون ونحوهما، ابتدأ لهما. قال الإمام: فيجيء على قول أشهب أنّه على ثلاثة أقسام: ١ - قسمٌ: إذا ذهب اليسير تمادَى وأجزأ لهما. ٢ - وقسمٌ ثانٍ: إذا مضى نصفُ الحدِّ أو ما يقربُ منه، استُؤنِف لهما الحدّ. ٣ - وقسمٌ ثالثٌ: إذا لم يبق إِلَّا اليسير من الحدّ الأوّل، فيتمّ ويستأنف الثّاني. وأمّا على مذهب ابنِ القاسمِ فعلى قسمين: أحدُهما: أنّه متى مضَى من الحدِّ الأوّل شيءٌ، أنّه لا يستانف من حين القذف (٣) لهما، ولا يحتسب بما مضى من الأوّل. والثّاني: إنَّ بَقِيَ اليسير، فيتمّ حدّ الأوّل، ويستأنف الحدّ الثّاني، فلا يتداخل الحدّان.

стр. 3436

تركيبٌ وفروعٌ (١): قال (٢): ولو أعطاه دينارًا على أنّ يعفُوَ عنه، قال مالك في "العتبية" (٣): لا يجوزُ ذلك، ويُجْلَدُ الحدِّ. ووَجهُهُ: أنّه حقّ لله تعالى، فلا يسقط بمالٍ، كالقطعِ في السَّرِقَةِ. فرع: ولو قذفَ إنسانٌ إنسانًا، فللمَقْذُوف أنّ يكتب له كتابًا أنّه متى شاء تام به، قاله مالك في "الموّازية" ثمّ قال: وإني لأكرهه، ومعنى ذلك عندي: قبل أنّ يبلغ الإمام، فإذا بلغ الإمام، فإنّه يقيمُ الحدَّ ولا يُؤخّره، وقد رأيتُ لمالكٍ نحوَهُ، وقال: إذا أخّره فإنّه يُشْبِه العْفوَ. فرع: ومن أقام بيّنةً على قاذِفِهِ عند الإمامِ، ثمّ أكذبهم وأكذَب نفسَهُ، ففي "الموّازية": لا يُفبَلُ منه ويُحَدُّ القاذف: لأنّه إسقاطٌ للحدِّ كالعَفوِ. وإن صَدَقَ القاذِفُ وأقرَّ على نفسه بالزِّنَا، قال أصْبَغُ (٤): إن ثبتَ على إقرارِه حُدَّ للزِّنا، ولم يحدّ القاذف. فرع: ومن قال لرجل: يا زوج الزّانية، وله امرأتان، فعَفَت إحدَاهُما وقامت الأخرى تطلبه، ففي "العتبية" (٥) و"الواضحة" عن ابن القاسم: يحلف ما أراد إِلَّا الّتي عفت ويبرأ، فإن نَكَلَ حُدَّ.

стр. 3437

المسألة السّابعة (١): في التّعريض قال الشّافعيّ (٢) وأبو حنيفة (٣): ليس في التّعريض حدٌّ. ودليلنا: ما استدلّ به عبد الوهّاب (٤) أنّه لفظٌ يُفهَمُ منه القَذْف، فوجب أنّ يكون قَذفًا، أصله التّصريح. فإن منعوا أنّ يكون قَذفًا، فقد أحالوا المسألة. وهذه المسألة تتركّب عليها جملة فروع: الأوّل: لو قال في مُشَاتَمَتِهِ: إنِّي لعفيف الفَرْجِ (٥)، ففي "الموّازية": يُحَدُّ، وقال ابن الماجِشُون: إنَّ قاله لآخر حدّ (٦)، إِلَّا أنّ يدَّعي أنّه أراد عفيفًا في المكسب، فيحلفُ ولا حدَّ عليه وَيُنَكَّلُ؛ لأنّ المرأة لا يعرض لها بذِكرِ العفاف في المكسب بخلاف الرَّجُل. ومن قال (٧) في مشاتمته: إنَّك لعفيف الفَرْجِ ففي "الموّازية": حُدَّ. قال ابن القاسم: ومن قال: فعلتُ بفلانةٍ في أعكأنّها وبين فَخِذَيها، حُدَّ. وقال أشهب: لا يُحَدُّ. ووجه قول ابن القاسم: أنّ ما قال هو من التَّعريضِ بل هو أشدَّ. ووجه قول أشهب: أنّه لا يُفهَمُ منه الجِماع، فلا يجب به الحدّ، وإنّما يجب الحدّ على من قَذَفَها بما يُوجِبُ الحدّ، وهو ضعيفٌ في النَّظَرِ، والأوّل أقوى عندي (٨).

стр. 3438

فرع (١): ومن قال لرَجُلٍ: يا ابن العفيفة، قال ابنُ وهب: بلغني عن مالك أنّه قال: يحلف أنّه ما أراد القَذْفَ، ويعاقَب. وقال أَصْبَغُ: إنَّ قاله على وجهِ المشاتمة حُدَّ. فرع (٢): ولو قال له: مَا لَكَ أَصْلٌ ولا فَرعٌ، ففي "العتبية" (٣) عن مالك: لا حدَّ في هذا. وقال أَصبَغ: عليه الحدّ. وقيل: لا حدَّ عليه إِلَّا أنّ يكون من العرب ففيه الحدّ. ووجه الأوّل: أنّه لمّا نَفَى صفة أصله احتمل أنّ ينفي بذلك الشّرف، وأمّا أصله فمحال نفيه؛ لأنّه ما من أحدٍ إِلَّا له أصلٌ. والوجه الثّاني: أنّ اللَّفظَ يقتضي نفي النَّسَبِ وهو الأصل، وذلك يُوجِبُ الحدَّ. والوجه الثّالث: أنّ العرب هي الّتي تماسكت بالأنساب وحافظت عليها دونَ العَجَمِ. فرع (٤): ومن قال: يا ابن منزلة الرّكبان، ففي "الواضحة": أنّه يُحَدُّ، وكذلك من قال: يا ابن ذات الرّاية، عليه الحدّ؛ لأنّ نساء الجاهليّة، كُنَّ ينزل عليهنّ الرّكبان لأجل الرّايات المُوضَعَة لعلّامة الزِّنَا. فرع (٥): ومن قال لرجل: أنا أفتري عليك، وأنا أقذفك، فلا حدَّ عليه، ويحلف أنّه ما أراد

стр. 3439

الفاحشة. قال الإمام: وهذا في الأجانبِ، وأمّا الأبُ، فقال مالكٌ: لا يُحدُّ في التّعريضِ بابْنِهِ؛ لأنّ بُنُوَّتَه عليه تمنعُ من ذلك. قوله (١): "وَالرَّجُلُ يَنفِي الرَّجُلَ عَنْ أَبِيهِ، عَلَيْهِ الحَدُّ" وذلك إذا نفاه عن أبيه بأن يقول له: لستَ ابن فلان (٢)، وكذلك لو قال: لست لأبيك. فرع (٣): ومن نسبَ رجُلًا إلى غير أبيه أو غير جدَّه، فقال ابن القاسم: يُحَدُّ، وإن لم يقله على سِبَابٍ ولا غضبٍ، إلّا أنّ يقوله على وجه الإخبار. وقال أشهب: لا يُحَدُّ، إِلَّا أنّ يقولَهُ على وجه السِّباب؛ لأنّه قد يقوله وهو يريد أنّه كذلك. ولو نَسَبَهُ إلى جدِّه في مشاتمةٍ، لم يحد، قاله مالكٌ (٤) وابنُ القاسمِ (٥). وقال أشهب: يُحَدّ. قال محمّد: قول ابن القاسم أحبّ إليّ، إِلَّا أنّ يعرف أنَّه أراد القَذْفَ، مثل أنّ يتّهمَ الجدّ بأمّه ونحوه، وإلّا لم يُحَدّ.

стр. 3440

فرع (١): ولو نَسَبَهُ إلى عمِّ أو خالٍ، فعليه الحدّ عند ابن القاسم. وقال أشهب: لا حدَّ عليه، إِلَّا أنّ يقولَهُ في مشاتمةٍ (٢). قال أَصبَغُ: وقد سمّى الله العمّ أبا فقال: ﴿أَنَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ الآية (٣). فرع (٤): ولو قال له: يا ابنَ البَربَريِّ أو النّبطيِّ، فإن قاله لعَرَبِيِّ فعليه الحدّ (٥)، فإن قاله لمَولَى، *فقد قال ابن المَاجِشُون: إنَّ قال له: يا ابن البربريّ وأبوه فارسيّ*، فلا حدّ عليه في البياض كلّه. وان كان أبوه أسود فلا شيءَ عليه في السّواد كلّه، إذا نَسَبَهُ إلى غير جنسه من السّودان، إلّا أنّ يكون أبيض فيكون ذلك نفيًا ويُحَدُّ، مثل أنّ يقول للأسود: يا ابن الفارسي، فإنّه يُحَدُّ. وفي "الموّازية": من قال لمولىً: يا ابن الأسود، حُدَّ. ولو قال له: يا ابن الحبشيّ، لم يحدّ؛ لأنّ من دعا مولىّ إلى غير جنسه لم يحدّ، وإن دعاه إلى غير لونه وَصِفَتِه حُدَّ. فرع (٦): ولو قال لرجل (٧): يا ابن اليهوديّ، أو النّصرانيّ، أو عابد وَثَن، فقال ابنُ

стр. 3441

القاسم (١): يُحَدُّ، إِلَّا أنّ يكون في آبائه من هو كذلك، يريد في قوله: يا ابن كذا، فإنّه يُنَكَّل. وقال أشهب: لا يُحَدُّ إذا حلف أنَّه لم يُرِدْ في قوله نَفْيًا. ولو قال يا ابن الحفاظ أو الحانك أو الحَجَّام، ففرَّقَ ابن القاسم وابن وهب؛ أنّه إن كان عربيًّا حُدَّ، إِلَّا أنّ يكون ذلك في آبائه من هو كذلك. وقال أشهب: هما سواء ولا حَدَّ عليه، ويحلف ما أراد نَفْيًّا. فرع: ومن قال لآخر: يا مُخَنَّث، لزمه الحدّ والأدب، ومن قال لرجل: يا حمار، فقد اختلف فيه: فقيل: عليه الأدب. وقيل: التّعزير (٢). نكتةٌ لغوية: التّعزير عندنا: ما لا يبلغ الحدّ. وقال بعض أهل اللُّغة: العزر في اللُّغةِ معناه: المنع والردّ عن الشّيء، فقولك: عزرت فلانًا إذا أدَّبته، معناه أنَّكَ فعلت به ما يردّه عن القبيح ويمنعه منه، ومنه قوله: ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ الآية (٣) يريد: رددتم عنهم. قال أبو عبيد (٤): التّعزير: أَصْلُه التّاديب، وقد يكون التّعزير في مواضع أُخر تعظيم الرَّجل، ومنه قوله تعالى: ﴿وتعزروه وتوقروه﴾ الآية (٥).

стр. 3442

بَابُ مَا لَاحَدَّ فِيهِ الفقه في ثمان مسائل: المسألة الأولى (١): قوله (٢): "في الأمَةِ يَقَعُ بِهَا الرَّجُلُ، وَلَهُ فِيهَا شِركٌ" هذا على ما قال (٣)؛ لأنّه لا حدَّ عليه فيه، سواء كانت تلك الحِصَّة قليلة أو كثيرةٍ، أو كان الباقي منها لِواحدٍ أو لجماعة، وذلك أنّ حصّة الّتي يملك منها شبهة تسقط عنه الحَدَّ. المسألة الثّانية (٤): فلو كان بعضها له، وبعضها حرٌّ، ففي "الموّازية": لا يُحَدُّ. ووجهه: أنّ له فيها شِركًا يُوجِبُ بها أحكام الرِّقِّ، كالتي نصفها رقيقٌ لغبره. المسألة الثّالثة (٥): ولو تزوّج بِأَمَةٍ فوطئها قبل البناء بزوجته، فقال ابن القاسم: لا حَدَّ عليه. قال أَصْبَغُ: وكذلك لو أصدقها دراهم فتجهَّزَت فيها بخادمٍ فَزَنَى بها الزّوج قبل البناء بزوجته، هما سواء. وقال عبد الملك وأشهب: عليه الحدّ. توجيه: فوجه القول الأوّل: أنّ الزوجة تملك بالعَقدِ نصف الأَمَة، إنّما تملك النِّصف الآخر بالبناء، ولذلك قال ابنُ القاسم: إن وَطِئَها بعد أنّ بَنَى بها فهو زَانٍ يُرجَم. والقول الثّاني: مبنيٌّ على أنّ الزّوجة تملك جميعها بالعَقْدِ، ولذلك قال أشهب: لو أراد أنّ يتزوّج أَمَتَهُ الّتي أصدق قبل البناء بامرأته كان له ذلك. وقد اختلف قول مالك في هذا الأصل، وقد تقدَّم بيانه وكشفه في كتاب النِّكاح، فلينظر هنالك.

стр. 3443

المسألة الرّابعة (١): قوله في هذا الباب (٢): "ويُلحَقُ الوَلَدُ بِه" يريد: في النَّسب ويعتق عليه. أمّا قولنا: على أنّ القيمة تلزمه؛ لأنّ الولد لاحق به بالوطء. وأنا على قولنا: يوم الحكم؛ فلأنّ حصّة منه تعتق عليه، فيعتق عليه الباقي بالسّراية والاستيلاء. ولذلك قال مالك في "الموّازية": ويتبع الواطىء بنصف قيمة الولد. وتُقَامُ عليه الجارية حين حملت، وهي: المسألة الخامسة (٣): قال (٤): "وَتُقَامُ عَلَيْهِ الْجَارِيَةُ إِذَا حَمَلَتْ" (٥) هو على ما قالَ، فلا يخلو إذا وطئها من أنّ تحمل أو لا تحمل، فإن لم تحمل، ففي "الموّازية" أنّ الشّريك مخيَّرٌ في قول مالك وأصحابه، يريد: بين تقويمها على الواطىء، وبين الاستمساك بها وبقائها على حكم الشّركة. وقد قال مالك: إنَّ لم تحمل بقيت بينهما. فإن لم يشأ الشَّريك أنّ يقومها، فقد قال محمّد عن ابن القاسم: لا شيءَ عليه في نقصها (٦). فإن حملت -وهي مسألة الكتاب- فإنّه لابدّ من التّقويم، قال محمّد: شاء الشّريك أو أَبَى (٧).

стр. 3444

المسألة السّادسة (١): قال (٢): فإن كان (٣) معدمًا، ففي "الموّازية" عن مالك: تكون حِصَّةَ الواطىءِ منهما بحكم أمّ الولد، والباقي رقيق لشريكه، وقد كان مالك يقول: تُقَوَّمُ عليه في عَدَمِهِ ويتبع (٤)، وإليه رجع ابن القاسم. ووجهه: أنّ الاستيلاد قد سَرَى في جميعهما، فكان أقوى من العِتقِ الّذي اختصّ بحصّته منهما. المسألة السّابعة (٥): قوله (٦): "فِي الرَّجُلِ يُحِلُّ لِلرَّجُلِ جَارِيَتَهُ": يريد: أَطلقَ له ذلك وأذِنَ له فيه مع تمسُكِّه برَقَبَتِها، وهذا يكون بعَقدٍ يقتضي الإباحة كعَقْدِ النِّكاح، وقد يكون بغير عَقدٍ، فأمّا إذا كان بعقد النِّكاح مثل أنّ يزوَّج أَمَتَهُ منه على أنّها أَمَته ويسلّمها إليه، فإنّه مباح، وما ولدت فهو رقيقٌ للسيِّد. ولو زوّجَها منه وقال له: هي ابنتي، فولدت من الزّوج، فلا حدَّ عليه (٧)، والولدُ حُرٌّ وعليه قيمتُه يومَ الحُكمِ (٨)؛ لأنّه وطءٌ بشُبهَةٍ، ودخل على حرِّيَّة وَلدِه فلا يسترقّون، ولمّا كانت أمّهم أَمَة، كان على الأب قيمتهم في النِّكاح، كالّتي غرت من نفسها، وللّزوج أنّ يتمسّك بنكاحها، وعليه جميع المهر، وما ولدت بعد معرفته فهو رقيقٌ أو يفارق، ولا يكون عليه من المَهرِ إِلَّا الرُّبع.

стр. 3445

فرع (١): ولو زوج منه ابنته، فأدخل عليه أَمَتَهُ على أنّها هي، فإنّها تكون أمّ ولد إنَّ حملت، وتكون عليه قيمتها يوم الوطء حملت أو لا، ولا قيمةَ عليه في الولد. ولو علم الواطىء أنّ الّتي وطىءَ غير زوجته، فلا حدَّ عليه. المسألة الثّامنة (٢): وأمّا إذا أباح له وَطأَها بغير عَقدٍ، مثل أنّ يقول: تطؤها عُمرَكَ ورَقَبَتُهَا لي، فإنّ هذا ليس بإحلال على الحقيقة؛ لأنّ العَقدَ غير حلال، ولكنه إِذنٌ في الوطىءِ. وفي "كتاب ابن سحنون": أنّ الواطىء يلزمه قيمتُها يوم الوطىء ولا ترجع إلى ربِّها، كان للواطىء مالٌ أم لا، ويتبعه في عَدَمِه، فإن حملت به فهي أمّ ولد. فرع (٣): وإذا اشترى جاريةً للآمر (٤) ببيِّنة ولا أَشهَدَ، ثمّ وطئها فحملت، فهو زانٍ (٥).

стр. 3446

كتاب السّرقة والقَطْع قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ الآية (١)، فهذه الآية عامّةٌ في كلِّ سَرِقَةٍ كيف ما وُجِدَت، وعلى أيِّ حالةٍ جَرَت، إِلَّا أنّ الشّريعة خصَّصَتْها بخصائصَ، وعَقَدَتها بمَعَاقِدَ، ولمّا قال: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ لم يُوَقِّت في كم من السّرقة تُقطَع اليد؟ وفي هذا الكتاب أربعةَ عشرَ مَعْقِدًا (٢): المَعقِدُ الأوَّل: قالت طائفةٌ: يتعَلَّقُ القطعُ في السّرقةِ بقليل المال وكثيره، لقوله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ، يَسرِقُ البَيضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقطَعُ يَدُهُ" (٣) وهذا حديثٌ صحيحٌ. وتعلّقت به طائفةٌ من الخوارجِ، والعمل به. قال ابنُ قتيبة (٤): المرادُ بالبيضةِ بيضةُ الحديد، والمرادُ بالحَبلِ حبلُ السَّفينةِ (٥)، وابنُ قتيبةَ هَجُومٌ وَلَّاجٌ على ما لا يُحسِنُ، ولَيتَهُ يُخطِىءُ في البيضِ والحِبَالِ، ولا يُخْطِىءُ في صفاتِ ذي الجلالِ والإكرامِ. وعَضَدَ ذلك بعضُهُم بحديث يُروَى عن النّبيّ ﷺ أَنَّه

стр. 3447

قَطَعَ في بَيضَةٍ قيمتُها ثَلَاثُونَ دِرهَمًا (١)، وهذا الحديث لا يُسَاوِي سَمَاعَهُ. وإنّما معنى الحديثِ تحقيرُ العبد المُتعرِّضِ للسّرقةِ المُتَلَبِّسِ بدناءتِها، المُتَوَصِّلِ من قليلِها إلى كثيرِها، فإنّ الخيرَ عادةٌ، والشّرِّ لَجَاجَةٌ، ويعودُ ذلك إلى ضرب المَثَلِ، وذلك كثيرٌ في الشّريعة في تحقير المُحَقَّرِ وتعظيم المُعَظَّمِ، كقوله ﷺ : "مَنْ بَنَى للهِ مَسجِدًا ولو مثل مَفحَصِ قَطَاة بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ" (٢) والمرادُ بذلك: المبالغةُ في تعظيم ثواب المساجد مع صِغَرِ بنائها. ووجه المَثَلِ: أنَّ مَنْ بني للهِ مسجدًا لا يصَلِّي فيه إِلَّا واحدٌ كأُفحُوصِ القَطَاةِ الّتي لا يَسَعُ سواها. سَردُ أحاديث هذا الباب: خرّجَ الأيمّةُ (٣) عنِ ابنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَطَعَ في مِجَنِّ ثَمَنُهُ ثَلَاثةُ دَرَاهِمَ. وخرّج البخاريّ (٤) ومسلم (٥) عن عائشة ﵂ أنّ النّبيَّ ﷺ قال: "لَا قَطعَ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، وعليه عوَّلَ مالكٌ. وروت عَمرَةُ ابنَةُ عَبدِ الرَّحمَانِ؛ أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ في زَمَانِ عُثمَانَ بن عَفَّان أُتْرُجَّةً، فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ أنّ تُقَوَّمَ، فَقُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ من صَرفِ اثنَي عَشَرَ دِرهَمًا بِدِينَارٍ. فَقَطَعَ عُثمَانُ يَدَهُ (٦).

стр. 3448

والأُترُجَّةُ كانت ممّا تُؤكَل، كذلك قال غيرُ واحدٍ من العلّماءِ (١). تنبيه على وهم (٢): قال ابنُ شعبان: كانت أُترُجَّة من ذهب مثل الحِمَّصَة، وظاهرُ الحديثِ على خلاف ما قال، وذلك أنّ عثمان أمر بتقويم الأُترُجَّة، ولو كانت من ذهب ما أَمَرَ بتقويمها وإنّما كان يأمر بوزنها؛ لأنّ الذّهب لا يُقوَّمُ بغيره؛ لأنّه ثمن للأشياء، وإنّما يُعتبَرُ بنفسه لا بغيره. وهذا لا خلافَ فيه؛ لأنّ الذّهب يُعتَبرُ وَزنُه (٣)، فكان النّبيُّ المُبَيِّنُ عن الله في مقدار ما تُقطَعُ فيه اليد. المَعقِدُ الثّاني: قالت طائفة لا يُؤبَهُ بها: إنَّ القطعَ لا يقفُ على أخذِ المالِ من الحِرْزِ، لعموم هذه الآية، وهي مُصَادمةٌ للإجماع السّابق من الأُمَّة قبلَهم، مع أنّه ورد أمران: أنا الأوّل: فإنّ السّرقةَ تقتضي أنّ يكون معها من يحفظُها، بخلاف الآخذ. وإذا لم يكن هنالك حافظ لم يكن هنالك سارقٌ. ولأجل هذا لم يُعَدَّ آخِذُ المالِ المُلقَى على الطّريق أو المطروح في المفَازَةِ سارقًا؛ لأنّه لم يكن له حافظٌ. والثّاني: قولُ النّبيّ ﵇: "لَا قَطعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ، إِلَّا مَا آوَاهُ الْجَرِينُ" (٤)

стр. 3449

فَشَرَطَ في وجوب القطعِ وَضع المالِ في مَوضِعِ الحِفْظِ. المَعقِدُ الثّالث: القول في النِّصاب لَمَّا ثبت الفرقُ بين قليلِ المال وكثيرِه في وُجوبِ القطعِ، تَعَيَّنَ الوقوفُ على مقدارٍ يتعلَّقُ به الحُكمُ وَيرتَبِطُ به التَكليفُ. فلو وَكَّلَتهُ الشّريعةُ إلى الاجتهادِ لجازَ، ولكنَّ البارىءَ تعالى تولَّى بيانَ حُكْمِهِ على لسانِ رسوله، فَقَدَّرَهُ برُبُعِ دينارٍ من نصاب الذَّهبِ، وثلاثة دراهم من نصاب الفضّة، كذلك ادّعتِ المالكية (١). وقالت الشّافعيّةُ (٢): لا نِصَابَ للفضّةِ في السّرقة، وادعت أنّ النصابَ مقصورٌ على الذّهبِ. وادَّعت الحنفيّةُ (٣) أنّ النّصاب في السّرقة عَشَرَةُ دراهمَ، وتعلّقت في ذلك بآثار مرويَّةٍ عن النّبيّ ﵇؛ أنّه قَطَعَ في ثَمَنِ مِجَنٍّ قِيمَتُهُ دينَارٌ. رواه أبو داود (٤). وروى النسائي (٥): "عَشرَةُ دراهِمَ". وكذلك رواه عمرُو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جدّه بلفظه (٦). وتعلَّق الشّافعيُّ (٧) بما رَوَى الجميعُ؛ أنَّ النّبيّ ﷺ قال: "تُقطَعُ اليَدُ في رُبُع دِينَارٍ فَصَاعِدًا" (٨). واحتجّتِ المالكيّةُ بما احتجّت به الشّافعيّةُ، واتّفقَ عليه الكلُّ أيضًا؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ في ثَمَنِ مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ (٩)، وهذا نصٌّ في النِّصابَينِ من الذَّهب والفضّةِ،

стр. 3450

فَيَبطُلُ بذلك من ادّعى غير هذا. وأمّا حديث الحنفيّةِ فضعيفٌ، والدّليلُ على ضَعْفِهِ تركُ العملِ به، وقد قطع عثمانُ في ثلاثةِ دراهِمَ (١)، والتّقديرُ عند أبي حنيفة لا يَثبُتُ بقياسٍ، وعند الجميع لا يَثبُتُ إِلَّا بنصِّ القرآن، أو بخبرٍ صحيحٍ. المَعقِدُ الرّابعُ: إذا ثبت اعتبارُ القيمة في النِّصاب، فإنّما تُعتبرُ القيمة يومَ الجنَايَةِ، وذلك حين يسرقُ. وقال أبو حنيفة (٢): تُعتبرُ القيمةُ يومَ القطعِ. ومذهبُ مالكٍ (٣) يتردَّدُ كثيرًا في مسائل الضّمان بين اعتبار القيمة يوم الجناية أو يوم القضاء، لأدلّة تتعارض هنالك، ومهما وقع الاختلاف هنالك في حالة الاعتبار يوم الجناية، فإنّ في ذلك اليوم يتعلَّقُ الضّمانُ بذمّةِ السّارقِ، ولم يَطرَأ ما يعارِضُه. فإن قيل: قد طَرَأَ وهو تقدير القيمة يوم الحكم، فكيف يَقطعُ الحاكمُ في درهمين، والقطعُ ممّا يَسقُطُ بالشُّبهةِ؟ قلت: ليستِ الشّبهةُ ممّا يَسقُطُ بها القطعُ، فإنّ الضّمان قد تعلّق بذِمَّةِ السّارق، وقد اتّفقنا على أنّه يَغرَمُ ثلاثةَ دراهِمَ، فكيف نأخذُ من يَدِهِ ثلاثةَ دراهِمَ ونُسقطُ القَطعَ؟ المَعقِدُ الخامس: إذا طرأ مِلكُ السّارقِ على السّرقةِ لم يَسقُطِ القَطْعُ؛ لأنّه مِلكٌ طرأ بعدَ وجوبِ الحدِّ فلا يَسْقُط. أصلُه: إذا اشترى الجاريةَ بعد الزِّنا بها، ويَعضُدُهُ -وهو نَصٌّ فيه- حديثُ صَفوَانَ بنِ أُمَيَّةَ حينَ سرقَ سارقٌ رداءَهُ وقد تَوَسَّدَهُ ونام في المسجد، فقال صفوانُ: هُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، فقال رسول الله ﷺ : "فَهَلَا قَبلَ أنّ تَأتِيَنِي بِهِ" (٤).

стр. 3451

فإن قيل: هذا الحديثُ لا حُجَّةَ فيه فإنّه مضطربٌ؛ لأنّه رُوِيَ أنّه نام في المسجد فتوسَّدَ رداءه، وروى أبو داود (١) والنّسائي (٢)؛ أنّه تَوَسَّدَ خَمِيصَةً قِيمَتُهَا ثَلَاثُونَ دِرْهَمًا، فجاء رجلٌ فَاخْتَلَسَهَا، فَأُخذَ الرَّجُلُ فَأُتِىَ بهِ رسولُ الله ﷺ ، فَأَمَرَ بِهِ فَقطع، قال صفوانُ: فقلت أتقطَعُه من أجل ثلاثين درهمًا، أنا أبِيعُهُ به، فقال رسول الله ﷺ : "فَهَلَا قَبلَ أَنْ تَأتِيَنِي بِهِ" وروى النّسائي (٣)؛ أنّ ذلك كان بمكّة، فقال: إنّه طاف بالبيتِ ثمّ أخذ رداءه فتوسّده ونام الحديث. قلنا: الحديثُ صحيحٌ، وهذا الاضطرابُ الّذي فيه. لا يُسقِطُ القَطْعَ الحُجَّةَ فيه؛ لأنّه لم يَرِد الاضطرابُ في موضِعِ الدّليل، وهو أنّ الملكَ لا يُسقِطُ القَطْعَ. المعقدُ السّادسُ: كلّ مالٍ يباعُ ويُبتاعُ وتمتدُّ إليه الأطماعُ، تتعلَّقُ به السَّرِقَةُ. وأسقَطَ أبو حنيفةَ القطعَ في مسألتين من ذلك: احداهُما: قال: لا قطعَ فيما كان أصلُه على الإباحةِ، لشُبهةِ الشَّركَةِ المتقدِّمة فيه. وهذا ضعيفٌ؛ فإن ما تقدّم من الشَّرِكة لا ينتصِبُ بشُبهَةٍ في حدِّ السّرقة. أصلُه: خُلوصُ المِلكِ في الجارية المشترَكَةِ لأحد الشّركاء، لا يُسقِطُ- باتِّفاق- حدَّ الزِّنا عمَّن وَطِئَها ممّن خرَجَ عن حِصَّتِهِ فيها. الثّانية: قال أبو حنيفةَ (٤): ما يُسَارِعُ إليه الفسادُ من المأكولاتِ ولم يَصلُح للإدِّخارِ لا قطعَ في سَرِقَتِهِ؛ لأنّه معرَّضٌ للتّلَف بالعَفَنِ والنَّتَنِ، وكلُّ مالٍ معرَّضٍ للتَّلَفِ لا قطعَ على من سرَقَهُ، كالمال المُلقَى بمضيَعَةٍ. قلنا: هذا لا يُشبِهُ فهمَ أبي حنيفة؛ لأنّه قال: المالُ المُلقَى بمَضيَعَةٍ لا يتعلَّقُ به طمَعٌ ولا يجوزُ فيه بَيْعٌ، فصار في حَيِّزِ المعدوم، والمالُ المُلقَى بمَضيَعَةٍ قُصِدَ به التّعريضُ للتَّلَفِ، والمالُ الّذي يصلُح للبقاء والادِّخار إذا دخلت فيه صَنعَةٌ يُسرِعُ معه الفسادُ إليها، فلم يُقْصَد فيه الفسادُ والتّعريضُ للتَّلَفِ، وانّما قُصِدَ فيه الاستصلاحُ لِلَّذَّةٍ

стр. 3452

والبَقَاءِ، ومن ضرورة جِبِلَّتِهِ - حسَبَ ما أَجْرَى اللهُ العادة فيه - أنّ يَفسُدَ، فذلك فسادُ ضرورةٍ لا فسادُ قصدٍ، فلم يَصِحَّ أنّ يُعتبَرَ بشيءٍ من ذلك. اصطلاح (١): قال الإمام: قوله (٢): "في مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ" يتضمّنُ القطعَ في العروضِ، وبه قال جماعةُ العلّماءِ، وإن اختلَفُوا في بعض أنواعِها، فقالَ مالكٌ: يقطع في جميع المنقولات الّتي يجوزُ بيعها، كان أصلُها مباحا كالماءِ والصَّيدِ والحَشِيشِ، أو محظورًا كالثِّياب والعَقَارِ، وبه قال الشّافعيّ (٣). وقال أبو حنيفةَ (٤): إنَّ ما كان أصلُه مباحًا فلا قَطعَ فِيهِ. ودليلُنا: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ الآية (٥). ومن جهة المعنى: أنّه نَوعُ مالٍ يُتَمَوَّلُ معتادًا كالثِّيابِ والعبيدِ. تفريع (٦): ويقطع من سرق المصحفَ، خلافًا لأبي حنيفة أيضًا (٧) ووجهه: ما تقدّم.

стр. 3453

فرع (١): ومن سرق زييًا ماتت فيه فأرة، ففي "الموّازية" عن أشهب أنّه يقطع إذا كان يساوِي ثلاثة دراهم. ولو سرق جِلْدَ ميتة غير مدبوغٍ، فقال أشهب: يقطع. وقيل: إذا كان قيمة ما فيه من الصَّنعةِ ثلاثة دراهم، قطع إلّا لم يقطع. قال مالك: ولا يقطع في الميِّتة، وقد نهى النّبيّ ﷺ عن الانتفاع بعظمها. فرعٌ (٢): ومن سرق صلّيبًا من خشبٍ من كنيسة أو غيرها، فإن كانت قيمته على ربِّه غير صلّيب ثلاثة دراهم، قطع، سرقَهُ مسلمٌ من ذمّيّ أو ذمّيِّ من مسلم. فرع (٣): ومن سرق كلبًا نُهيَ عن اتِّخاذه لم يقطع، واختلف فيه إذا كان لصَيدٍ أو ما أشبهه، فقال أشهب: يقطع وان كان كلبًا نهي عن بيعه. وقال ابنُ القاسم: لا قطع في كلبِ صيدٍ ولا غيره. فرع (٤): ومن سرق لحم أُضحيةٍ أو جِلْدها، فقال أشهب: يقطع إذا كانت القيمة ثلاثة دراهم. وروى ابن حبيب عن أَصبَغ: إنَّ سرقها قبل الذَّبح قطع، وان سرقها بعد الذَّبح لم يقطع؛ لأنّها لا تُبَاع في فَلْسٍ، ولا تُورَثُ مالًا، إنّما تورث لتُؤكَل، وإن سرقها ممّن تصدَّق بها عليه قطع؛ لأنّ المعطي قد ملكها.

стр. 3454

فرع (١): ومن سرق مزمارًا أو عُودًا أو دَفًّا أو كَبَرًا (٢) أو غير ذلك من الملاهي، ففي "العُتبية" (٣) عن ابن القاسم: إنَّ كانت قيمته بعد الكسر رُبُع دينارًا، أو كان فيها فضّة زِنَة ثلاثة دراهم- قال ابن حبيب: عَلِمَ بها السارق أو لم يعلم - قطع، سرقه مسلم من ذميٍّ أو ذميٌّ من مسلمٍ؛ لأنّ على الإمام كسرها عليهم إذا أظهروها، وأمّا الدَفُّ والكَبَرُ فإنّه يراعى قيمتهما صحيحين؛ لأنّه أرخص في اللّعب بهما. فرع (٤): وفي "الموّازية" قال: ويُقطَعُ في كلِّ شيءٍ، حتّى الماء إذا أُحرِزَ لوضوءٍ أو شربٍ أو غير ذلك، وكذلك الحَطَبُ والعَلَفُ والتِّبن والوَردُ والياسمين إذا كانت قيمته ثلاثة دراهم وسُرِق من حِرزٍ. المَعقِدُ السّابعُ: عندنا أنّه يُقطَعُ النبّاشُ، وبه قال الشّافعيّ (٥) وجمهورُ العلّماءِ (٦). وقال أبو حنيفة (٧): لا يُقطعُ لوجهين: أحدهما: عَدَمُ السّرقةِ. والثّاني: عَدَمُ الحِرزِ. * قال (٨): أمّا عَدَمُ السّرقةِ، فإنّما تكونُ السرقةُ عند تحديق أَعيُنِ النُّظَّارِ وتصويبِها نحوَ المحفوظِ، والكَفَنُ لا عَينَ فيه تحفَظُه ولا تَلحَظُهُ.

стр. 3455

وأمّا عَدَمُ الحِرزِ، فظاهرٌ؛ لأنّه لم يُجعلِ التّرابُ عليه ليرجِعَ إليه*. قلنا: أمّا تحقيقُ السَّرقةِ، فهي فيه لا شك موجودةٌ، وهو من جملة السّرقة، ولكنّه يختصُّ باسم النَّبَّاش، اشتُقَّ له هذا الاسم من فعلِه. وأمّا قولُه: "إنّه ليس هنالك عين تَلحَظُهُ"، فليس ذلك من شروط السّرقة، بدليل أنّ البلدَ إذا شَغَرَ أهلُه في يوم عيدٍ، أو لحادثٍ يحتاجون إلى التَّبرُّز له، فسرَقَ سارقٌ من المنزلِ، حينئذٍ يجب عليه القطعُ إجماعًا، وليس هنالك حافظٌ ولا بصرٌ لَاحظٌ. وأمّا القبرُ، فإنّه حرزٌ قرَآنَا وسُنَّةً وعادةً. أنا القرآن، فقدله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ (١) فامتَنَّ سبحانه علينا بأن جعلَ الأرضَ كِفَاتَا في حالة الحياة والمَمَاتِ، وسَوَّى بين الموضعين، وَوُجِدتِ المنفعةُ بذلك في الوجهين من الاكتنازِ والاستتارِ، حالة الحياةِ والمَمَاتِ. وأمّا السُّنَّةُ، فهو الحديثُ، وهو قولُه ﷺ : "لَعَنَ اللهُ المُخْتَفِيَ وَالمُختَفِيةَ" (٢). وأمّا العادةُ، فإن الحِرزَ في الأشياء باتِّفاقٍ ليس بابًا واحدًا، وإنّما هو في كلِّ شيءٍ بِقَدْرِهِ، وقد تقدّم الكلامُ عليه في "كتاب الجنائز" بأَوعَبِ كلامٍ. المَعقِدُ الثّامنُ: قال الشّافعيُّ (٣): ليس إيجابُ القطع يُسقِطُ العَزم؛ لأنّهما حقّان لمستحِقَّينِ مختَلِفَينِ في مَحِلَّينِ متغايِرَيْنِ، فجازَ أنّ يجتمعا، أصَلُه الدِّيَةُ والكفّارةُ. قال أبو حنيفة (٤): لا يجتمعُ القطعُ والغُرمُ.

стр. 3456

وتعلَّقَ العراقيونَ (١) من أصحابنا بقولِهِ تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ الآية (٢)، ولم يذكُر غُرمًا، والغُرْمُ زيادةٌ على النَّصِّ، والزِّيادةُ على النّصِّ نسخٌ، ونَسخُ القرآن لا يجوزُ إِلَّا بقرآن مثلِهِ أو بخبرٍ مُتَوَاتِرٍ. وتعلّقَ الخراسانيُّونَ من أصحابه بأنّ قطعَ السّرقةِ واجبٌ حقَّا للهِ، وما كان ذلك حتّى كان المجنِي عليه مُحْتَرَمًا لحقّ الله، فإنّه لو كان مُحتَرَمًا لحقِّ العبد لكان الخيارُ في استيفاء العقوبةِ للعبدِ كالقِصَاصِ. وقال مالكٌ: يجبُ القطعُ والغُرْمُ على المُوسِرِ، فإن كان مُعْسِرًا سقطَ الضّمان وَوَجَبَ القَطعُ (٣). فأمّا مذهب الشّافعيِّ (٤)، فهو ظاهرُ النَّظَرَ في أوّل درجاته، لكنّا سَنُبَيِّنُ قُصُورَهُ الآن في هذه العُجَالةِ. وأمّا مذهب أبي حنيفةَ، ففاسِدٌ لا دليلَ عليه؛ لأنّ وُجُوبَ الضّمان على كلِّ مُتلِفٍ أظهرُ بيانًا، وأكثرُ أدّلةً من وجوب القطع في السّرقة. وللآخر أنّ يقولَ: إيجابُ القَطْعِ في السَّرِقَةِ مع الضّمان زيادةٌ على النَّصِّ. فإن قيل: هذا لا يقولُه أحدٌ. قلنا: وما ذَكَرتَ إذا أدَّى إلى هذا لا يَستدِلُّ به أحدٌ. وأمّا قولُه: "إنَّ الحُرمَةَ قد جعلت لله" فلو كان هذا صحيحًا، وزالَ حقُّ الآدميِّ من العَينِ، ما عاد إليه أبدًا. وأمّا مالكٌ، فله في هذه المسألة مَقَامَةٌ عظيمةَ، وذلك أنّ السّارقَ إذا كان مُوسِرًا

стр. 3457

وَجَبَ القطعُ في يَدَيْه عقوبةً، ووجبَ الغُرمُ في مالِهِ عقوبةَ أخرى. فهذا كان مُعْسِرًا وجبَ القطعُ في يَدَيه؛ فلو أَوجَبْنَا الغُرمَ في ذِمته، لكنّا قد جمَعنَا بين عقوبَتَينِ في مَحِلٍّ واحدٍ، وذلك لا يجوزُ. المَعقِدُ التّاسعُ: رُوِيَ أنّ بعضهم قال: تُقطَعُ الأصابعُ خاصّةً دونَ الكفِّ، وهذا فاسدٌ جداٌ؛ لأنّ اليدَ اسمٌ لهذه الجارحةِ المعلومةِ من الظُّفرِ إلى المَنكِبِ، وهي في العُرفِ منطلقةٌ على ما حَازَهُ الكُوعُ إلى الظُّفرِ، وهي أقلُّ ما ينطِلقُ عليه، فلا يتناولُ اللّفظُ بعضَ مُحتملِهِ باتِّفاقٍ. المَعقِدُ العاشرُ: قال عطاءٌ: لا تُقطعُ إِلَّا يدٌ واحدةٌ (١)؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢) فتُقطَعُ من كلِّ واحدٍ يدٌ. قلنا: لم يُعط عطاءٌ فهْمَ هذه المسألةِ لغةً، مع أنّه كان في الطَّبقةِ العُليا من الفصاحة، وهي زُمرَةُ التّابعين، ألم تَرَ أنّ ضميرَ المقطوعِ المُطلَقِ جَمعٌ، وأن التّثنية إنّما كانت في ضمير المقطوع منه؟ ألم يَرَ أنّ الأُمَّة بعدَهُ قد أجمعت على التّثنيةِ في القَطعِ؟ ألم يُكَرِّر أبو بَكرٍ القطعَ على السّارقِ (٣)، فلم يُنكِر عليه أحدٌ؟ معضل: فمن قُطِعَت يدُه وهو مؤمنٌ ثمّ كَفَرَ، أو هو كافر ثمّ آمنَ، قال قومٌ: إنّه يبدِّلُ اللهُ له يدًا أخرى، لا يجوز غير ذلك.

стр. 3458

وقال عِبَادٌ: لو أنّ مؤمنا قُطِعَت يده ثمّ كفَرَ، ثمّ أُدخِلَ النّار، لرُدَّت عليه يده الّتي قُطِعَت وهو مؤمنٌ. وكذلك الكافر إذا قُطِعَت يده ثمّ آمن؛ لأنّ الكافر والمؤمن ليس هما اليد والرَّجل، هكذا ذكر البلخي (١). المَعقِدُ الحادِيَ عَشَرَ: قال أبو حنيفةَ (٢): لا تُقطعُ للسّارقِ رِجْلٌ؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٣) ولم يأت للرَّجلِ ذكرٌ. قلنا: عن ذلك جوابان: أحدُهما: فإنّ الله تعالى وإن كان لم يَذْكُر قطعَ الرَّجلِ في السّارق؛ فإنّه قد ذَكَرَهُ في المُحَارِبِ، فَنَحمِلُهُ عليه، بأنّه أخَذَ المال بالسَّعي عليه فَقُطِعَ، كما لو أخَذَهُ بالسَّعيِ مُحَارِبًا. فإن قيل: لا يجوزُ اعتبارُ مسألتنا بالمحاربةِ، فإنّ القتلَ في الحِرَابَةِ، وليس في مسألتنا قتلٌ. قلنا: وهو المَعقِدُ الثّانِي عَشَرَ: قال مالكٌ: يُقتَلُ إذا سرَقَ الخامسة في رواية المدَنِيِّينَ، وفي ذلك حديث ضعيفٌ (٤)

стр. 3459

لا تناطُ بمثله إباحةُ المحظوراتِ، وإنّما عوَّلَ مالكٌ في هذه الرِّوايةِ على المصلحةِ، وهي أحدُ أركانِ أصولِ الفقهِ على ما بينًاهُ، وذلك أنا نقولُ -وهو يجمعُ المسألتين في دليل واحد-: إنَّ المصلحة تقتضي إذا سرَقَ أنّ تُقْطَع يمينُه الّتي بها يَتناولُ ما لا يَحِلُّ له، تنقيصًا لبَطشِهِ، الّذي جَعَلَهُ اللهُ له قوّةً على الطّاعة فَصَرَفهُ إلى المعصية. فإذا عاد إلى السّرقةِ ثانيةً، اقتضمت المصلحةُ أنّ يُنقَضَ سَعيُهُ الّذي به توصَّلَ إلى البَطشِ ليُستَوفَى حقّ العقوبة، ويَبقَى له في البَطشِ جارحةٌ. فإذا عاد الثّالثةَ إلى السَّرقةِ، علمنا أنّ بَطشَهُ فَسَدَ بتَعَدِّيهِ. فإذا سرَقَ الرّابعةَ، تبيَّنَ أنّ سَعيَهُ فَسَدَ بتعدِّيهِ. فإذا سرَقَ الخامسةَ، تبيَّن أنّها نفسٌ خبيثةٌ لا تَتَّعِظُ بنفسِها، ولا ترتَدِعُ بما فقدت من جوارِحِهَا، فلم يبقَ إِلَّا إتلافُها. المعقِدُ الثالثَ عَشرَ: لم يخفَ على ذي لبٍّ أنّ الله تعالى إنّما وضَع هذه العقوباتِ في الأبدانِ روادعَ وزواجرَ، فهِمَ ذلك الخَلقُ من تَنْبِيه الله لهم عليه، وتعريفِهم به، ولذلك قلنا: إنَّ الجماعة إذا قَتَلُوا الواحدَ قُتِلُوا به حِفْظًا لقاعدة الدّماء، لئلَّا يستعين الاعداءُ بالجماعةِ على الأعداءِ، فَيَبلُغُوا غرضَهم من التَّشَفِّي، وتسقُط عنهم عقوبةُ القِصَاصِ. وهذا المعنى يقتمحي أنّ الجماعةَ إذا سرَقُوا حِرزًا أنّه يُقطع جميعُهم، حِفظًا لقاعدةِ الأموال، لئلّا يستعينَ الفَسَقَةُ على أخذ الأموال بالاشتراك، رجاءَ سقوطِ القَطعِ. المَعقِدُ الرّابعَ عَشر: في الحِرَابَةِ (١) قال الله العظيم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (٢).

стр. 3460

قال الإمام: ظاهرُ هذه الآية مُحَالٌ؛ فإن الله تعالى لا يُحَارَبُ ولا يغَالَبُ ولا يشَاق ولا يحَادّ، لوجهين: أحدُهما: ما هو عليه من صفاتِ الجلالِ، وعمومِ القُدرةِ والإرادةِ على الكمالِ، وما وجبَ له من التّنزيه عن الأضدادِ والأندادِ. والوجهُ الثّاني: أنّ ذلك يقتضي أنّ يكون كلُّ واحد من المحاربين في جهةٍ وفريقٍ عن الآخرِ، والجهةُ على الله تعالى محالٌ، وقال جماعةٌ من المفسِّرين لما وجب من حَملِ الآية على المجاز: أنّ معنى: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ (١) أي: أولياء الله، وعبَّرَ بنفسه العزيز سبحانه عن أوليائه إكبارًا لإذايتهم، كما عَبَّرَ بنفسه عن الفقراء في قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ الآية (٢)، لُطْفًا بهم ورحمةً لهم، وكَشَفَ الغطاءَ عنه بقوله في الحديث الصّحيح: "عبدي مَرِضتُ فلم تعُدنِي، وجُعتُ فلم تُطعِمني، وعَطشتُ فلم تَسقِنِي" الحديث (٣)، وذلك كلّه على البارئ سبحانه مُحَالٌ، ولكنّه كنى بذلك عنه تشريفًا له. وفي هذا المَعقِدِ جملة مسائل: المسألة الأولى (٤): في حقيقة الحرابة قال المفسِّرونَ: إنَّ الحِرَابَةَ هي الكُفْر، وهو معنى صحيح؛ لأنّ الكُفرَ يبعث على الحَرْبِ. واختلف المفسّرون فيمن نزلت: قيل: نزلت في المشركين، نقضوا العَهدَ، وأخافوا السَّبِيلَ، وأفسدوا في الأرضِ (٥).

стр. 3461

وقيل: نزلت في عُكل وعُرَينَة، وهم الذين قتلوا رَاعي رسول الله ﷺ ، واستاقُوا الذّودَ، فسُمِلَت أعينُهم، وقُطِّعَتْ أيديهم، وتُرِكُوا في الحَرَّةِ حتّى ماتوا على حالهم (١). واختار أبو جعفر الطّبريّ (٢) أنّها نزلت في يهود، ودخل تحتها كلُّ محارب. وهذا لا يصحّ؛ لأنّه لم يبلغنا أنّ أحدًا من اليهود حارب، ولا أنّه جُوزِيَ بهذا الجزاء. وقول من قال: إنها نزلت في المشركين أقرب إلى الصّواب؛ لأنّ عُكلًا وعُرَينَة ارتدُّوا وقَتَلُوا وأَفْسَدُوا، ولكن يبعدُ؛ لأنّ الكفّار لا يختلف حكمهم ولا يَلزَم صلبهُم في زوال العقوبةِ عنهم بالتّوبة بعد القدرة كما سقط قبلَها، وقد قيل في الكفار: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية (٣). وقال في المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٤) وكذلك المرتدُّ يُقتَلُ للردّة دون المحاربة (٥). قال (٦): والمرتدّ يلزم استتابَتُهُ، وعند إصراره على الكفر يُقْتَل. وفيه روايتان: قيل: يُستَتَابُ. وقيل: لا يُستَتَاب. وقد اختلف العلماءُ في ذلك على قولين: فقيل: لا يستتاب؛ لأنّ النّبيّ ﷺ قَتَلَ هؤلاء ولم يَستَتِبهم. وقيل: يُستَتَابُ المرتدُّ، وهو شهور المذهب (٧)، وإنّما تَرَكَ النّبيُّ ﷺ استتابةَ هؤلاء لما أحدثوا من القتلِ والمُثلَةِ والحرب؛ وإنّما يستتابُ المرتدُّ الّذي يرتاب، فيتربَّص به

стр. 3462

وُيرشد، وتُجَلَّى له الشُّبهةُ. المسألة الثّانية (١): قال علماؤنا: والمحاربةُ هي إشهار السّلاح. قال ابنُ وهب: قال مالك: المحاربُ هو الّذي يقطعُ السَّبيلَ وُينَفِّرُ النَّاسَ في كلِّ مكانٍ، ويُظهِرُ الفسادَ في الأرضِ وإن لم يقتل أحدًا، إذا ظهر عليه يُقتَل، قال مالك: والمستترُ والمُعْلِنُ في ذلك سواء، وإن استخفَى بذلك، وظهر في النَّاس وأراد الأموال وأخافَ السَّبيلَ أو قَتَلَ، فذلك إلى الإمام، يجتهد أيّ هذه الخصال شاء فعل. وفي رواية غير ابن وهب أنّ ذلك إنَّ كان قريبًا وأخذ بحدثانه، فليأخذ الإمام فيه بأيسر (٢) عقوبة؛ وفي ذلك أربعة أقوال: القول الأوّل والثّاني: ما تقدّم ذِكرُهُ لمالك. والثّالث: أنّها للزِّنا والسّرقة. قاله مجاهد. وقيل: إنّه المُجَاهِرُ بقطع الطّريق والمكابَرَةِ باللُّصوصيّة في المِصْرِ وغيره، قاله الشّافعيّ (٣)، ومالك في رواية (٤)، والأوزاعي. والرّابع: أنّه المجاهرُ في الطّريق لا في المِصْرِ، قاله أبو حنيفة (٥)، وعطاء. فأمّا قول مجاهد فساقطٌ؛ إِلَّا أنّ يريدَ به أنّ يَفْعَلَهُ مجاهرةً مغالبةً، فإنّ ذلك أفحش في الحرابة، فإنّ الإمام مُخَيَّرٌ يفعل ما شاء (٦).

стр. 3463

المسألة الثّالثة: قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (١). هذه الآية عامّةٌ في المسلمين والمشركين على ظاهرها، إلى أنّ يدلَّ دليلٌ خارج منها، فالمحاربُ من شَهَرَ السِّلاح في قُبَّةِ المسلمينَ، وأفسد السّبيلَ، فإذا ظُهِرَ عليه، فالإمامُ مخيِّرٌ فيه، إنَّ شاء قَتَلَهُ، وإنْ شاء صَلَبَهُ، كان شاء قطعَ يَدَهُ ورِجلَهُ، وإذا أظهرَ السِّلاحَ وقَتَلَ، قُتِلَ. وإن أخذ المالَ ولم يَقتُل، قُطِعَت يدُه ورِجلُه. وإن أخذ المالَ وقتَلَ، قُتِلَ ثمّ صُلِبَ، وهذا قول قَتَادَة وعَطَاء. وقال الأوزاعي: إذا جَرَح وقَتَلَ، قُتِلَ. فإن أخذ المالَ وقَتَلَ صُلِبَ وقُتِلَ مصلوبًا، كان أخذ المالَ ولم يَقتُل قُطِعَت يدُه ورِجلُهُ (٢). وقال اللَّيث بن سَعد: إذا أخذ المال وقَتَلَ، صُلِبَ وقُتِلَ بالحِرَابَةِ مصلوبًا. وقال أبو يوسف (٣): إذا أخذ المالَ وقَتَلَ، صُلِبَ وقُتِلَ على الخَشَبَةِ. وقال أبو يوسف أيضًا: القتلُ يأتي على ذلك كلِّه وعلى كلِّ شيءٍ. وقال الشّافعيّ (٤): إذا أخذ المالَ قُطِعَت يدُه اليمنى وحُسِمَت (٥)، ثمّ قُطِعَت رجلُه اليسرى ثمَّ حُسِمَتْ وخُلَّّّّّّّيَ. وإذا قَتَلَ قُتِلَ، وإذا أخذ المالَ وقَتَلَ قُتِلَ وصُلِبَ، ورُوِيَ عنه أنّه قال: يُصلبُ ثلاثة أيّام. وقال قومٌ: لا ينبغي أنّ يُصلَبَ قبلَ القتلِ فيحالُ بينهُ وبين الصّلاة والأكل والشّراب (٦). وحُكِيَ عن الشّافعيّ أنّه قال: أَكرهُ أنّ يُقتلَ مصلوبًا، لنهي النّبيِّ ﷺ عن المُثلَةِ. فإن قيل: كيف مثَّلَ النّبيُّ بالرُّعاةِ، وهي: المسألة الرّابعة: في حديث صحيح (٧) عن أنس؛ أنَّ نَفَرًا من عُكل قَدِمُوا المدينةَ على النَّبيِّ ﷺ

стр. 3464

فَأَسلَمُوا واجتَوَوا المدينةَ، فأَمَرَهُمُ النّبيُّ ﵇ أنّ يخرجوا إلى إِبِلِ الصَّدَقَةِ فيشرَبُوا مِنْ أبَوَالِهَا وأَلبَأنِهَا فَفَعَلُوا، فَقَتلُوا راعيَها وَاستَاقُوا الذَّودَ، فبعثَ النّبيُّ ﷺ في طلبهم قَافَةً، فَأَتَى بِهِم فَقَطَعَ أَيدِيَهُم وَأَرجُلهُم ولم يَحسِمهَا، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُم وتَرَكهُم في الحَرَّةِ حتَّى مَاتُوا، فأنزل اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (١). عربيّة: قوله: "وَسَمَلَ أَعْيُنَهُم" السَّملُ: هو إخراج العين من محلِّها بالشوك. وقوله: "سَمَلَ أَعْيُنَهُم" يُروَى بتخفيف الميم وبتشديدها، يقال: سَمَلتُها أَسمُلُها سملًا. والصّحيحُ: أنّ يكون السَّمل بالشَّوك. ويروى: "سَمرَ أَعيُنَهُم" بالرّاء و "سمل" باللّام، بمعنى سملها فَقَأَ عينها بالشَّوك، كما قال أبو ذؤيب (٢): وَالعَينُ بَعدَهُمُ كَأَنَّ جُفُونَها ... سُمِلَت بشَوكٍ وهي عُورٌ تدمعُ وقال أهل اللُّغة: الحَسمُ كَيُّ العروقِ بالنَّار لينقطع الدِّم. المسألة الخامسة: اختلفَ العلّماءُ في فعل النّبيّ ﷺ بالرُّعاة ذلك، فقال ابنُ شهاب: كان ذلك قبل أنّ تنزل الحدودُ. وقال أنس: كان ذلك قصاصًا، وهو الصّحيح؛ فإنّ ذلك ظَنٌّ وقع من ابنِ شهاب، وأنس أعرفُ بالقضيَّةِ. واختلف العلماء أيضًا في الحرابة في المصر، هل حكمها حكم المحارب في غير المصر أم لَا؟ فالمشهور عندنا - وبه قال الشّافعيّ (٣) - أنّهما سواء.

стр. 3465

وفرق بينهما بعض أصحابنا -وهو مذهب أبي حنيفة (١) - وقد تقدّم الكلام عليه. وعندنا: أنّ المحارِبَ في العصر وغيره سواء، قاله ابن القاسم وأشهب في "كتاب ابن سحنون" وفيه اختلاف. واختلف علماؤنا في بقائه على الجِذع إذا صُلبِ (٢)، فقال أَصبَغُ: لا بأس أنّ يخلَّى لمن أراد من أهله وغيرهم إنزاله، ويصلِّى عليه وُيدفن كسائر من قُتِل في حدِّ. وَوَجهُهُ: أنّه مات على الإسلام، قُتِلَ في عقوبةٍ، فثبت له حكم الصّلاة عليه كسائر من قُتِلَ في حدٍّ. وروى ابن سحنون عن أبيه (٣): إذا صُلِبَ المحارِبُ أُنزِلَ في تلك السّاعة، ويُدفَعُ إلى أوليائه. ورَوَى ابن حبيب عن ابن المَاجِشُون: أنّه لا يُمَكَّن منه وليّه ولا أهله ولا غيرهم حتّى تفنَى الخَشَبَة وتأكله الكلاب، وذلك تغليظًا منهم وازدجارًا للخَلقِ. المسألة السّادسة (٤): وإذا رأى الإمام قَطعَهُ، فإنّه يَقطعُ يدَهُ ورِجلَهُ من خلافٍ. والأصلُ في ذلك القرآن المطلق، فتُقطَع يَدُه اليُمنَى ورِجلُه اليسرَى. ولو كان أقطعَ اليُمنَى أو كانت شَلَّاءَ، فقد قال أشهبُ: تُقطَعُ يدُه اليسرى، ورِجلُه اليسرى. وقال ابنُ القاسم: يدُه اليُسرَى ورِجلُه اليُمنَى. ووَجهُ الأوّل: أنّ القطعَ أوّل مرّة متعلِّقٌ باليمين، فإذا مَنَعَ من ذلك مانعٌ انتقلَ إلى اليسرى، وبَقِيَ القطعُ في الرِّجل اليسرَى على ما كان؛ لأنّه لم يمنع منه مانع. ووجه الثّاني: أنّ الخلاف مشروعٌ بنصّ القرآن، فإذا تعذَّرَ قطع اليد اليمنى والرِّجْل اليسرى، وانتقل إلى اليسرى، وجب أنّ ينتقلَ قطعُ الرِّجلِ اليسرَى إلى اليُمنَى.

стр. 3466

المسألة السابعة (١): قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٢) اختلف العلماء فيه على أقوال: القول الأوّل: قيل يُسجَن، قاله أبو حنيفة وأهل الكوفة (٣)، وهو مشهور مذهب مالك في غير بلد الجنابة. وقيل: يُنفَى إلى بلاد الشِّرك، قاله أنس، وجماعة (٤). وقيل: يُخرَجُونَ من مدينةٍ إلى مدينة أبدًا، قاله ابنُ جُبَير، وعمر بن عبد العزيز. وقيل: يُطْلَبُون بالحدود أَبَدًا فيهربون منها، قاله ابن عبّاس، والزّهري، وقتادة، ومالك أيضًا. قال (٥): والحقّ في هذا كلّه أنّ يُسجَنَ فيكون السّجن له نَفْيًا من الأرض، وأمّا نَفْيُهُ إلى بَلَدِ الشِّرك فَعَونٌ له على الفَتْكِ. وأمّا نَفْيُهُ من بلدِ إلى بلدٍ، فقد يقطع الطّريق ثانية. وأمّا من قال: إنّه يُطْلَبُ بالحدود أَبَدًا وهو يهرب من الحدِّ، فليس بشيءٍ؛ فإنّ هذا ليس بجزاءٍ وإنّما هو محاولة طلب الجزاء. وقيل: يُطلَبُ حيًّا وميِّتًا، والحيُّ أصحّ؛ لأته أنكى وأفزع، وهو مقتضى معنى الرَّدع الأصلح. قال الإمام (٦): تُقْبَلُ شهادةُ الّذين قطعوا عليهم الطّريق (٧)، قاله ابن القاسم ومالك في "الموّازية". فرع غريب (٨): وإذا أراد الإمامُ أنّ يسلِّمَ محارِبًا إلى أولياء من قُتِلَ فيعفوا عنه، فقال ابنُ القاسم:

стр. 3467

هو حُكْمٌ قد نفذَ لا يُنْقَضُ للاختلاف فيه، وبه قال سحنون. وقال أشهبُ: يُنقَضُ ويُقتَلُ، ولا خلافَ أنّه لا عَفوَ فيه، وبه قال ابن الماجشون. وقال ابن أبي زيد في "نوادره": إنَّ الشَّاذَّّّ لا يُعَدُّ خلافًا (١). وإذا قُتلَ في الرِّفْقَةِ أحدٌ من أهلها، قتل جميعهم، خلافًا للشّافعيّ في قوله: لا يُقتَلُ إلّا القاتلُ. ودليلنا: أنّ مَنْ حضرَ الوقيعةَ يشارك في الغنيمة وإن لم يباشِر القتلَ، فكذلك هذا قد اشتركوا في الدَّمِ. المسألة الثّامنة (٢): وإذا تاب قبل أنّ يُقدَرَ عليه، قال محمّد: الّذي يَستحبُّهُ مالك في توبته ما رواه عنه ابن وهب وابن عبد الحَكَم، وإن هو أظهر توبته عند جيرانه، وأخلد إلى المساجد حتّى يُعرَف بذلك، فجائز أيضًا. قال أصبَغُ: وكذلك إذا قعد في ببته، وعُلِمَ أنّ ذلك منه تَرْكٌ معروفٌ يَبُوحُ به وبالتّوبة. وقال ابن المَاجِشُون: إنَّ لم تكن توبتُه إِلَّا إتيانهُ السُّلطانَ وقولَه: جئتُكَ تائبًا، فلا ينفَعُه ذلك حتّى تُعْرَفَ توبَتُه قبلَ مجيئه، لقوله: ﴿﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٣)، يريد أنّ هذا قد قُدِرَ عليه من قبل أنّ تظهر توبته. ووَجْهُ قولِ مالكٍ: أنّ إتيانَهُ السُّلطانَ على وجهِ التّوبةِ والاستسلامِ هُوَ نَفسُ

стр. 3468

التّوبة؛ لأنّ المراد من قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (١) إظهارُ التّوبة واعتقادُها بالقلب، فلا طريق لنا إلى معرفتها، فإذا أنّ السّلطانَ على هذا الوجه، فقد أظهر التّوبة قبل أنّ يُقدَرَ عليه، وهو الصّواب. فإذا ثبت هذا، فإن توبتَهُ قبلَ أنّ يُقدَرَ عليه تُسقِطُ عنه حقوق الله تعالى ويُتْبَعُ بحقوق الآدميِّين بحسْب ما لو فعلها بغير حِرَابَةٍ، فإن قَتَلَ في حِرَابَتِهِ قُتِلَ واعتبرت فيه المكافأة، فإنّه لا يُقتَلُ الحرُّ المسلمُ بعبدٍ، ولا بذِمِّيِّ، وعليه ديّة النّصراني أو الذَّمّيّ وقيمة العبد. ويُقتَلُ بالحرِّ المسلمِ إنَّ شاء أولياؤه ويجوز عفوهم. وإذا سقط عنه القتل لعدم مكافأة أو لعفوٍ، جُلِدَ مئةً وسُجِنَ سنةً، قاله محمّد وحكاه في "كتابه". تمت الحدود والحمد لله (٢)

стр. 3469

كتاب الجامع قال الإمام أبو بكر بن العربي: هذا كتاب أَرْبَى مالك ﵀ على المحدِّثين، وطرقَ لهم في التّصنيف، وفتح فيه لجماعة من المسلمين المصنّفين بابًا عظيمًا، فأتى فيه بالعَجَبِ العُجَاب، فقال (١): باب الدُّعاء للمدينة وأهلها، وساق حديث إبراهيم ﵇ حين دعا لمكَة (٢)، وهذه مسألةَ اختلفَ العلماء فيها، فقالوا: أيّهما أفضل مكّة أو المدينة؟ وكان من الحقّ ألَّا يختلفوا في مثل هذه المسألة وأمثالها؛ لأنّ السّائل إذا قال: أيّهما أفضل؟ لم يستحقّ على ذلك جوابًا، فلُبَابُ الكلام في هذه المسألة أنّ نقول (٣): الفضائل متعدّدة مختلفة، فقدلنا: مكّة أفضل أم المدينة؟ خطأ، إنّما يصحّ أنّ يقال: أيّهما أكثر فضلًا، لا يجوز غيره على التفصيل الّذي مهّدناهُ حيث أشرنا عليه. والفضائل المقصورةُ على فضلها (٤) تسعةٌ: الأولى: بركتها وقد ذكر النبيُ ﷺ حديث بركتها كاملًا، فقال ﷺ : "ائتُونِي بِوَضُوءٍ" فَتَوَضَّأَ، ثُم قَامَ فَاستَقبَلَ القِبلَةَ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنَّ إِبرَاهِيمَ عَبدَكَ وَخَلِيلَكَ، قَد دَعَا لأَهلِ مَكَّةَ بِالبَرَكَةِ، وَأَنَا عَبْدُكَ وَرَسولُكَ أَدعُو لأَهلِ المَدِينَةِ أنّ تُبَارِكَ لَهُم في مُدِّهِم وَصَاعِهِم مَثلَ مَا بَارَكتَ لأَهلِ مَكَّةَ مَعَ البَرَكَةِ بَرَكَتَينِ" وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٥) لا مدفع فيه. وفي

стр. 3470

حديث آخر: "ومثله معه" (١) ثلاث مَرَّاتٍ. الثّانية: كونُ العمل فيها سبيلًا إلى الجنَّة. وقد قال ﷺ : "بَينَ قَبرِي وَمِنْبَرِي رَوضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ" (٢)، والعمل في الموضع الّذي مُثِّلَ بالجنةِ أفضل من العمل في غيره؛ لأنّه أقرب إليها. الثّالثة: فضيلة السّكنى. قال النّبيّ ﵇: "مَنْ صَبَرَ عَلَى سُكنَى المَدِينَةِ كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا أَو شَفِيعًا يَومَ القِيَامَةِ". خرَّجه أبو عيسى (٣) عن ابن عمر (٤) وأبي هريرة (٥)، وخَرَّجَه مسلم عنهما جميعًا (٦). الرّابعة: كفّارة ارتكاب محظورها في "صحيح مسلم" (٧) عن سعد، أنّ النّبيّ ﷺ جعل كفّارته سلب الصّائد (٨)، وقال: "مَنْ أَحدَثَ فِيهَا حَدثًا أَو آوَى مُحدِثًا، فَعَلَيهِ لَعْنَةُ الله والمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ" (٩).
следующие страницы →