← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

المسألة السابعة (١): قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٢) اختلف العلماء فيه على أقوال: القول الأوّل: قيل يُسجَن، قاله أبو حنيفة وأهل الكوفة (٣)، وهو مشهور مذهب مالك في غير بلد الجنابة. وقيل: يُنفَى إلى بلاد الشِّرك، قاله أنس، وجماعة (٤). وقيل: يُخرَجُونَ من مدينةٍ إلى مدينة أبدًا، قاله ابنُ جُبَير، وعمر بن عبد العزيز. وقيل: يُطْلَبُون بالحدود أَبَدًا فيهربون منها، قاله ابن عبّاس، والزّهري، وقتادة، ومالك أيضًا. قال (٥): والحقّ في هذا كلّه أنّ يُسجَنَ فيكون السّجن له نَفْيًا من الأرض، وأمّا نَفْيُهُ إلى بَلَدِ الشِّرك فَعَونٌ له على الفَتْكِ. وأمّا نَفْيُهُ من بلدِ إلى بلدٍ، فقد يقطع الطّريق ثانية. وأمّا من قال: إنّه يُطْلَبُ بالحدود أَبَدًا وهو يهرب من الحدِّ، فليس بشيءٍ؛ فإنّ هذا ليس بجزاءٍ وإنّما هو محاولة طلب الجزاء. وقيل: يُطلَبُ حيًّا وميِّتًا، والحيُّ أصحّ؛ لأته أنكى وأفزع، وهو مقتضى معنى الرَّدع الأصلح. قال الإمام (٦): تُقْبَلُ شهادةُ الّذين قطعوا عليهم الطّريق (٧)، قاله ابن القاسم ومالك في "الموّازية". فرع غريب (٨): وإذا أراد الإمامُ أنّ يسلِّمَ محارِبًا إلى أولياء من قُتِلَ فيعفوا عنه، فقال ابنُ القاسم:

стр. 3467

هو حُكْمٌ قد نفذَ لا يُنْقَضُ للاختلاف فيه، وبه قال سحنون. وقال أشهبُ: يُنقَضُ ويُقتَلُ، ولا خلافَ أنّه لا عَفوَ فيه، وبه قال ابن الماجشون. وقال ابن أبي زيد في "نوادره": إنَّ الشَّاذَّّّ لا يُعَدُّ خلافًا (١). وإذا قُتلَ في الرِّفْقَةِ أحدٌ من أهلها، قتل جميعهم، خلافًا للشّافعيّ في قوله: لا يُقتَلُ إلّا القاتلُ. ودليلنا: أنّ مَنْ حضرَ الوقيعةَ يشارك في الغنيمة وإن لم يباشِر القتلَ، فكذلك هذا قد اشتركوا في الدَّمِ. المسألة الثّامنة (٢): وإذا تاب قبل أنّ يُقدَرَ عليه، قال محمّد: الّذي يَستحبُّهُ مالك في توبته ما رواه عنه ابن وهب وابن عبد الحَكَم، وإن هو أظهر توبته عند جيرانه، وأخلد إلى المساجد حتّى يُعرَف بذلك، فجائز أيضًا. قال أصبَغُ: وكذلك إذا قعد في ببته، وعُلِمَ أنّ ذلك منه تَرْكٌ معروفٌ يَبُوحُ به وبالتّوبة. وقال ابن المَاجِشُون: إنَّ لم تكن توبتُه إِلَّا إتيانهُ السُّلطانَ وقولَه: جئتُكَ تائبًا، فلا ينفَعُه ذلك حتّى تُعْرَفَ توبَتُه قبلَ مجيئه، لقوله: ﴿﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٣)، يريد أنّ هذا قد قُدِرَ عليه من قبل أنّ تظهر توبته. ووَجْهُ قولِ مالكٍ: أنّ إتيانَهُ السُّلطانَ على وجهِ التّوبةِ والاستسلامِ هُوَ نَفسُ

стр. 3468

التّوبة؛ لأنّ المراد من قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (١) إظهارُ التّوبة واعتقادُها بالقلب، فلا طريق لنا إلى معرفتها، فإذا أنّ السّلطانَ على هذا الوجه، فقد أظهر التّوبة قبل أنّ يُقدَرَ عليه، وهو الصّواب. فإذا ثبت هذا، فإن توبتَهُ قبلَ أنّ يُقدَرَ عليه تُسقِطُ عنه حقوق الله تعالى ويُتْبَعُ بحقوق الآدميِّين بحسْب ما لو فعلها بغير حِرَابَةٍ، فإن قَتَلَ في حِرَابَتِهِ قُتِلَ واعتبرت فيه المكافأة، فإنّه لا يُقتَلُ الحرُّ المسلمُ بعبدٍ، ولا بذِمِّيِّ، وعليه ديّة النّصراني أو الذَّمّيّ وقيمة العبد. ويُقتَلُ بالحرِّ المسلمِ إنَّ شاء أولياؤه ويجوز عفوهم. وإذا سقط عنه القتل لعدم مكافأة أو لعفوٍ، جُلِدَ مئةً وسُجِنَ سنةً، قاله محمّد وحكاه في "كتابه". تمت الحدود والحمد لله (٢)

стр. 3469

كتاب الجامع قال الإمام أبو بكر بن العربي: هذا كتاب أَرْبَى مالك ﵀ على المحدِّثين، وطرقَ لهم في التّصنيف، وفتح فيه لجماعة من المسلمين المصنّفين بابًا عظيمًا، فأتى فيه بالعَجَبِ العُجَاب، فقال (١): باب الدُّعاء للمدينة وأهلها، وساق حديث إبراهيم ﵇ حين دعا لمكَة (٢)، وهذه مسألةَ اختلفَ العلماء فيها، فقالوا: أيّهما أفضل مكّة أو المدينة؟ وكان من الحقّ ألَّا يختلفوا في مثل هذه المسألة وأمثالها؛ لأنّ السّائل إذا قال: أيّهما أفضل؟ لم يستحقّ على ذلك جوابًا، فلُبَابُ الكلام في هذه المسألة أنّ نقول (٣): الفضائل متعدّدة مختلفة، فقدلنا: مكّة أفضل أم المدينة؟ خطأ، إنّما يصحّ أنّ يقال: أيّهما أكثر فضلًا، لا يجوز غيره على التفصيل الّذي مهّدناهُ حيث أشرنا عليه. والفضائل المقصورةُ على فضلها (٤) تسعةٌ: الأولى: بركتها وقد ذكر النبيُ ﷺ حديث بركتها كاملًا، فقال ﷺ : "ائتُونِي بِوَضُوءٍ" فَتَوَضَّأَ، ثُم قَامَ فَاستَقبَلَ القِبلَةَ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنَّ إِبرَاهِيمَ عَبدَكَ وَخَلِيلَكَ، قَد دَعَا لأَهلِ مَكَّةَ بِالبَرَكَةِ، وَأَنَا عَبْدُكَ وَرَسولُكَ أَدعُو لأَهلِ المَدِينَةِ أنّ تُبَارِكَ لَهُم في مُدِّهِم وَصَاعِهِم مَثلَ مَا بَارَكتَ لأَهلِ مَكَّةَ مَعَ البَرَكَةِ بَرَكَتَينِ" وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٥) لا مدفع فيه. وفي

стр. 3470

حديث آخر: "ومثله معه" (١) ثلاث مَرَّاتٍ. الثّانية: كونُ العمل فيها سبيلًا إلى الجنَّة. وقد قال ﷺ : "بَينَ قَبرِي وَمِنْبَرِي رَوضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ" (٢)، والعمل في الموضع الّذي مُثِّلَ بالجنةِ أفضل من العمل في غيره؛ لأنّه أقرب إليها. الثّالثة: فضيلة السّكنى. قال النّبيّ ﵇: "مَنْ صَبَرَ عَلَى سُكنَى المَدِينَةِ كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا أَو شَفِيعًا يَومَ القِيَامَةِ". خرَّجه أبو عيسى (٣) عن ابن عمر (٤) وأبي هريرة (٥)، وخَرَّجَه مسلم عنهما جميعًا (٦). الرّابعة: كفّارة ارتكاب محظورها في "صحيح مسلم" (٧) عن سعد، أنّ النّبيّ ﷺ جعل كفّارته سلب الصّائد (٨)، وقال: "مَنْ أَحدَثَ فِيهَا حَدثًا أَو آوَى مُحدِثًا، فَعَلَيهِ لَعْنَةُ الله والمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ" (٩).

стр. 3471

الخامسة: حفظها قال النّبي ﷺ : "عَلَى أَنْقَابِ المَدِينَةِ مَلَائِكةٌ لَا يَدْخُلُهَا الدَجَّالُ، ولَا الطَّاعُونُ" (١) فهي معصومةٌ. السّادسة: نفيها للخَبَثِ، ونُضُوعُ طِيبِهَا بظهور علمها، وانتشار الدِّين عنها في أقطار الأرض حتّى يعمّها رُويَ أنّ سحنون لمّا حجَّ ورأى زخرفة المسجد، قال: وددتُ أنّ يتركوا بيتَهُ كما كان حتّى يرى النَّاس أمرًا خرج من ذلك المسكن حتّى عمّ الأرضى أنّه حقّ. وبهذه الصِّفَة سُمّيت طَابَة (٢)، وبِسكنَى النّبيّ ﵇ فيها سمّيت المدينة. فإن قيل: *يحجُّ النَّاس إلى مكّة ولا يحجّون إلى المدينة؟ قلنا*: إنّما اختلف النَّاسُ في المسجدين والحرمين، فأمّا الحجُّ فباب آخر موضوعه بالحلِّ بعَرَفَة، ولا خلاف أنّ المدينة أفضل من عرَفَة. السّابعة: قالوا: وما الفائدةُ في قوله: "وَبَارِكْ لَهُم فِي صَاعِهِم وَمُدِّهِم" وعندهم الجياع؟ قلنا: الكلام فيه على وجه المجاز، والمرادُ به فيما يجري فيه المُدّ والصَّاع، وذلك الطّعام كلّه. فإن قالوا: فنراها مع هذا بلاد جوع؟ قلنا: البركةُ ثلاثة أوجهٍ: القناعةُ، وقلَّةُ الحساب، وتضعيفُ الثّوابِ. وقيل: كانت هذه الدّعوة للأنصار، فلمّا خرجوا منها زال ما كان دعا لهم.

стр. 3472

وقوله (١): "إِنِّي شَفِيعٌ لمَن يَمُوتُ بِهَا" فيه: بيان أنّ للشفاعة أسبابًا من الطّاعات، من جملتها سكنى المدينة ومجاورة النّبيّ ﷺ في البُقْعَة الكريمة، وذلك بِنُمُوّ ثواب الأعم فيها والصّبر عليها. الثامنة (٢): * قال النّبيّ ﷺ : "لا يَصبِرُ على لَأوَائِهَا وشِدَّتِهَا أَحَدٌ، إلَّا كُنتُ له شَفِيعًا أو شَهِيدًا يَومَ القِيَامَةِ" (٣) ولم يَرِدْ في مكَّةَ شيءٌ من ذلك، فإن أُدرِكَ فضلٌ في سُكنَاها بالاعتبارِ، فما كان بصَريحِ الآثارِ منه أَولَى، علئ أنّ كثيرًا من العلماء قد كَرِهُوا سُكنَى مكَّةَ، واختلفَ النَّاسُ في تعليلِ ذلكَ. فمنهم من قال: كُرِهَ ذلك لِئَلَّا تَهُونَ على ساكِنها، وهذا نظرٌ إلى الظّواهر مع ضَعفِ اليقينِ، فأمّا اليقينُ الصّادقُ* السّالكُ على الاهتداءِ، المرتبطِ بالاقتداءِ، فإنّه تزيدُه السُّكْنَى بصيرةً، وتَقْوى فيه العلانيّةُ والسّريرةُ، كما قال الخليفةُ الصّالحُ: "والله إنِّي لأغلَمُ أنكَ حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنفَعُ، ولولا أَني رأيتُ رسولَ الله ﷺ قبلَكَ ما قّبَّلتُكَ" (٤). وقال قوم في تعليلِ ذلك: إنّما هو لأجل خوفِ الذّنوبِ فيها، فإنّ المعصيةَ فيها

стр. 3473

وفي المدينة أعظمُ من المعصية في غيرهما، وكما تُضاعَفُ الحَسَنَات في البقاع الشّريفة والأزمنة الشّريفة، كذلك تُضَاعَفُ السّيئاتُ. قال الله العظيم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ بظلم﴾ الآية، إلى قوله ﴿عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢) وإن أراد السائلُ: أيُّ الأعمال فيهما أفضلُ ثوابًا؟ قلنا له: ما لم يُعَيِّنْ للعمل بُقْعَةٌ من مكّةَ أو المدينةِ فالفضلُ في ذلك سواءٌ، إِلَّا السُّكنَى كما بيَّنَّا، فالسُّكنَى في المدينة أفضلُ اقتداءً بالنَّبىِّ، فصُحبةُ المدينةِ أحبُّ إلينا من مَكَّةَ، اقتداءً بالنَّبيّ ﵇ حين قالت له عائشةُ ﵂: إنِّي دخلتُ على عامرٍ بنِ فُهَيْرَةَ، فوجدْتُه قد وُعِكَ، وهو يقول: قد رَأَيْتُ المَوتَ قَبلَ ذَوقِهِ إِنَّ الجَبَانَ حَتفُهُ من فَوفِهِ ودَخَلتُ على أبي بكرٍ وقد وُعِكَ، وهو يقول: كلُّ امرىءٍ مُصَبّحٌ في أَهلِهِ وَالمَوتُ أَدنَى مِنْ شِرَاكِ نَعلِهِ ودخلتُ على بلالٍ وقد وُعِكَ، وهو يقول: أَلَا لَيتَ شِعرِي هَل أَبِيتَنَّ لَيلَةً ... بِوَادٍ وَحَولِي إِذخِرٌ وَجَلِيلُ؟ وَهَل أَرِدَن يَومًا مِيَاهَ مَجِنَّةِ ... وَهَل يَبدُوَن شَامَةٌ وَطَفِيلُ؟ فأخبرت بذلك النّبيّ ﷺ فقال: "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَينَا المَدِينَةَ كَحُبِنَّا مَكَّةَ أَو أَكثر وَانقُل حُمَّاهَا فَاجعَلهَا بِالحُجفَةِ" (٣). مزيد وضوح: فظنَّ قوم (٤) بهذه الآثار أنّ المدينة أفضل من مكّة بدعاء رسول الله ﷺ للمدينة

стр. 3474

بقوله: "ومِثلهُ مَعهُ" (١) وليس ذلك كما ظنّوا؛ لأنّ دعاء إبراهيم لمكّة لم يعرف فضيلة مكّة به وحدَهُ، بل كان فضلُها قبل أنّ يدعو إبراهيم لها، ودعاءُ إبراهيم ﵇ قد علمناه بما نطق به القرآنُ (٢). وقالوا: وممّا يقوّي أنّ المدينة أفضل من مكّة، قوله ﷺ : "صَلَاة في مَسجِدِي هَذَا خَيرٌ مِنْ أَلفِ صَلَاةٍ فيمَا سِوَاهُ، إِلَّا المسجد الحرام، فإنَّ الصلاةَ فيه خيرٌ من الصّلاةِ في مَسْجِدِي بخَمسٍ وَعِشرِينَ صلَاة" (٣). قلنا: هذا حديث يرويه حبيبٌ المعلِّم (٤)، وهو قارئ مالك ﵀، وقد تكلّم

стр. 3475

النَّاس فيه (١)، وقيل: إنّه كان كذَّابًا (٢)، وإنه كان يقلب ورقتين ويقرأ (٣). وأيضًا: فإنّ قوله: "صَلَاة فيه أفضل بخمس وعشرين صلاة" لم تفضل المدينة مكّة بهذا؛ لأنّ الله تعالى لم يجعل الأجر على الأعمال بالأماكن والأزمان، وإنّما جعلها في أيِّ زمان كان، وفي أيِّ موضع تُعُبِّدَ فيه، ألَّا ترى إلى رَجُلَينِ يصلّي أحدهما ركعتين ويصلّي آخر مثلها في مكان واحد فتكتب لهذا عشر حسنات ويعطى الآخر مئة. ثمّ إنَّ قوله: "بَينَ قَبرِي وَمِنْبَرِي رَوضَةٌ من رِيَاضِ الجَنَّةِ" (٤) وروضةٌ من الجنَّة خير من الدنيا وألف منها، كما قيل: "قِيدُ شِبرٍ في الجنَّة خير من الدّنيا وما فيها" (٥). قلنا: والصّحيح - والله أعلم- أنّ الفضل ليس للبقعة، وإنّما يخصُّ الله ما يشاء لمن يشاء تَعَبُّدًا منه لخَلْقِهِ، لا إله سواه، فإذا فضّل اللهُ الأعمال، فليس هذا الفضل لفضل الأعمال والأزمان (٦)، ألَّا ترى أنّ الصّلاة أفضل من الصّوم. ودليل آخر أيضًا: أنّ الإنسان إذا قال: علىَّ أنّ أصلّي، أو قال: أصلّي في

стр. 3476

الإسكندرية، صلَّى في مكانه، فإذا قال: عليَّ أنّ أصوم بالإسكندرية لزمه ذلك. فنقول: إنَّ الصّوم خير من الصّلاة، وهذا لا قائل له، والأجرُ على الصِّيام غيرُ مُقَدَّر وعلى الصّلاة مُقَدَّرٌ. فإن قيل: إنَّ مكّة يلزمه المُضِيُّ إليها ولا يلزم المصير إلى المدينة. قيل له: تُرى عرفات يلزم المضيّ إليها؟ ولا نقول إنها خير من المدينة. والصّحيح أنّ مكّة أفضل من المدينة بأمور نُوِردُها الآن عليكم، إذ ليس تفضيل البقاع بعضها على بعضٍ لمعنًى موجودٍ في ذواتها، وإنّما تتضاعف الحسنات والسَّيئات فيها (١) كما تقدّم، وقد استدلّ القاضي عبد الوهّاب (٢) في تفضيل المدينة على مكّة بظواهر وآثار كثيرة حماية لمذهب المَدَنِييِّن في تفضيل المدينة على مكّة، فممّا استدلّ به حديث ابن خديج أنّ رسول الله ﷺ قال: "المدِينَةُ خَيرٌ مِنَ مَكَّةَ" (٣)، قال (٤): "وهذا نصٌّ في تفضيل المدينة على مكّة" وليس بنصّ كما زعم، إذ لم يقل: إنّها أفضل منها، وإنّما قال: إنّها خير منها في المسكن (٥)، والله أعلم، والمهاجو فيها في سَعَة الرِّزق فيها لكثرة الزَّرع والنّخيل.

стр. 3477

واستُدِلَّ أيضًا (١) بدعاء النّبيّ ﷺ في الحديث الّذي خرَّجه البزّار عن عبد الله بن عديّ بن الخيار (٢) الزّهريّ، أَخبَرَهُ أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول -وهو واقف بالحَزوَرةِ (٣) من سوق مكّة -وهو يقول: "وَاللهِ إِنَّكِ لَخَيرُ أَرضِ الله، وَأَحَبُّ أَرْضِ الله إلَى الله، ولَولَا أَنِّي أُخرِجتُ مِنكِ مَا خَرَجتُ" (٤) وهكذا رواهُ صالحُ بن كيسان (٥) وجماعة (٦) عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عدي بن الخيار (٧): أنّه سمع من النّبيّ ﵇ مثله، وهو حديثٌ لا يختلف أهل العلم في صِحَّتِه. وأمّا ما رُوِيَ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال حين خرج منِ مكّة إلى المدينة: "اللَّهُمَّ إِنكَ تَعْلَمُ أَنَّهُم أَخرَجُونِي مِن أَحَبِّ البِلَادِ إِليَّ، فأَسكِنِّي فِي أحَبِّ البِلَادِ إِلَيكَ" (٨) فَهُوَ حديثٌ

стр. 3478

موضوعٌ مُنكَرٌ، لا يُختَلَفُ في نَكَارَتِهِ وضعْفِهِ (١)، وأنّه موضوعٌ، وبنسبون وَضعَهُ إلى محمّد بن الحسن بن زبالة المدني، وحملوا عليه فيه وتركوه (٢). فهذا ممّا احتجّوا به وجعلوه أصلًا في هذا المعنى. قلنا (٣): لا حجّة فيه لضَعفِه. وأيضًا: فإنّه لو كان صحيحًا لم تكن فيه حجّة؛ لأنّه ليس على عمومه، ومعناه: فأَسْكِنِّي أحبَّ البقاع إليك بعد مكّة، بدليل ما تقدّم من أنّ مكّة أفضل من المدينة بالنّص الّذي ذكرناه (٤)، وبما رَوَى (٥) ابن وهب عن مالك أنّ آدم ﷺ لَمَّا أُهبِطَ من الجنَّة إلى أرضِ الهند قال: "يا ربِّ هذه أَحَبُّ الأرضِ إليكَ أنّ تُعْبَدَ فِيهَا؟ قَالَ: بَلْ مَكَّةُ، فسار آدمُ حتّى أتَى مكّة فوجدَ عندها ملائكة يطوفونَ بالبيتِ ويَعبُدُونَ الله، فقالوا: مرحبًا يا آدم يا أبا البَشَرِ، إنَّا ننتظرُكَ هاهنا منذُ أَلفَي سَنَةٍ" فهذه حكايةُ مالكٍ وقولُه وخَبَرُه عن مكَّةَ. ومن فضيلة مكّة: ما جعل الله فيها من الأمر العظيم، أنّ جعلَ قِبلته إليها وبيته فيها، ورِضَا الله عن عباده بحطِّ أوزارهم، بأن يقصد المقاصد حاجًّا مرّة من عمره، فيحطَّ الله عنه ذنوبه ويأمن النّار (٦).

стр. 3479

واستَدَلَّ (١) أيضًا: بقوله ﷺ : "أُمِرْتُ بِقَريَةٍ تَأكُلُ القُرَى" الحديث (٢)، وذلك من علامات نُبُوَّيِه، أخبر بما كان قبل أنّ يكون، فلا دليل في ذلك على أنّها أفضل من مكّة (٣). واحتجّوا أيضًا (٤): بقوله ﵇: "عَلَى أَنقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ لَا يَدخُلُهَا الدَّجَّالُ وَلَا الطَّاعُونُ" (٥) وهذا (٦) لا دليل فيه؛ لأنّه قد ورد الحديث فيهما جميعًا أنّه لا يدخل مكّة ولا المدينة. فالبقاعُ لم يُفَضَّل بعضها على بعض لمعنًى موجودٍ فيها من خاصّةٍ تختصّ بها، وإنّما فضّلت عليها بتفضيل الله لها برفع درجات العاملين فيها، على ما بيَّنَّاهُ (٧). باب ما جاء في سكنى المدينة والخروج عنها قوله في حديث ابن عمر (٨): اقْعُدِي لُكَعُ (٩)، فَإِنِي سَمِعتُ رَسُول الله ﷺ يَقُولُ: "لَا يَصبِرُ عَلَى لأوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ، إِلَّا كُنتُ لَهُ شَفِيعًا يَومَ القِيَامَةِ".

стр. 3480

وفيه فوائد: الأولى (١): قيل: إنّها اشتكت مولاة ابن عمر إليه ضيق حَالِهَا في معيشتها، وعرضت له بالمسألة رجاءَ رِفْدِهِ، فَكَرِهَ أنّ يفتخر عند جُلَسَائِه بالقيامِ بها، فذكرَ لها عن النَّبيِّ ﷺ ما ذَكَرَهُ، وفهِمَت عنه فقعدت، والله أعلم. الفائدةُ الثّانية (٢): قوله ﷺ : "لَا يَصبِرُ عَلَى لأوَائِهَا وَشِدَّتِهَا" الحديث. قال علماؤنا (٣): خرجَ هذا المعنى على فقراءِ المهاجرين الذين كانوا يلزمون رسول الله ﷺ على شبعِ بطونهم، وعلى أقلّ من الشبعِ، ومعلومٌ أنّ من أقام معه ﵇ حتّى يظهر أمرُ الله جديرٌ بأن ينالَ شفاعَتَهُ وشَهَادَتَهُ له يوم القيامة، بمؤازرته والرِّضا بالدُّونِ من العيش لصحبته. وللمدينة بهذا الحديث وما كان مثله فضلٌ عظيم، ولا خلاف بين العلماء المتقدِّمين والمتأخِّرين في فضلها، وأنّها أفضلُ البقاعِ وجميع ما على الأرض، إِلَّا مكّة، فإنّ جماهير العلماء والحُذَّاق منهم من أهل النَّظَرِ والتّحقيقِ؛ أنّ مكّة أفضل بقاع الله، وهو الصّحيح من القول. حديث مالك (٤) عن مُحَمَّد بنِ المُنكدِر، عَنْ جَابِرِ بنِ عبْدِ الله؛ أنّ أَعرَابِيًا بَايَعَ

стр. 3481

رَسُولَ الله ﷺ على الإسلَامِ، فَأَصَابَ الأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ بِالمَدِينَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَقِلنِي بَيعَتِي فَأَبَى. ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَقِلنِي بَيعَتِي فَأَبِى فخَرَجَ الأَعْرَابِيُّ، فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ المَدِينَةَ كَالكِيرِ تَنفِي خَبَثَهَا وَينصَعُ طِيبُهَا". الإسناد: قال الإمام: الحديثُ صحيحٌ. الفائدةُ الأولى (١): وهذا الأعرابيُّ كانت بيعتُهُ لرسول الله ﷺ والهجرة لوَطَنِهِ والمقام مَعَهُ، وهذا نوعٌ من البيعات الّتي كان رسول الله ﷺ يأخذُها على النَّاس، وكان على النَّاس في ذلك الوقت فرضًا إذا أسلموا أنّ ينتقلوا إلى المدينة إذ لم يكن للإسلام في ذلك الوقت دارٌ غيرها، ويقيموا معه ليصرفهم فيما يحتاج إليه من غزو الكفار وحفظ المدينة ممّن أراد بهم سوءًا، إلى غير ذلك من المعاني. تنبيه (٢): وهذا الأعرابيُّ كان ممّن بايع رسولَ الله ﷺ على المُقَامِ بالمدينةِ، فلمّا لحِقَه من الوَعكِ ما لَحِقَه، أراد الخروجَ عنها إلى وطنه، ولم يكن - والله أعلمُ- ممّن رسَخَ الإِسلامُ والإيمانُ في قلبه، بل كان من الذين قال الله فيهم: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (٣). الفائدةُ الثّانية (٤): قولُه: "إِنَّ الْمَدِينَةَ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا" فلا خَبَثَ أكثرُ دناءةً ممّن رغِبَ بنفسه عن

стр. 3482

رسول الله وعن صُحْبَتِه. الفائدةُ الثّالثة (١): أمّا قوله: "وَينْصَعُ طِيبُهَا" فالنّاصعُ: الخالصُ السالمُ الباقي على النّار، النَّقِيُّ الطَّيِّب من الحديد، كما قال النّابغة (٢): أَتَاكَ بِقَولٍ هَلهَلِ النَّسْجِ كَاذِبٍ ... وَلَمْ يَأتِ بِالحَقِّ الَّذِي هُوَ نَاصِعُ وحديثُ مُجَاشِع بن مسعودٍ، قال: أتيتُ النّبيَّ ﷺ لأُبايِعَه على الهجرة، فقال ﵇: "قَد مَضَتِ الهِجرَةُ لأَهلِهَا، وَلَكِن عَلَى الإِسلَامِ وَالجِهَادِ وَالبِرِّ وَالخَيرِ" (٣). وحديثُ يَعلى بن أُمَيَّةَ، قال: أتيتُ النّبيَّ ﷺ بأبي يومَ الفتحِ فقلتُ: يا رسول الله، بايع أبي على الهجرةِ، قال: "أبايِعُهُ على الجِهَادِ وَقَدِ انقَطَعَتِ الهِجرَةُ؟ " (٤). وقال ﵇: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتحِ وَلَكِن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ" (٥). حديث أبي هريرة (٦)، قال: "سَمِعتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "أُمِرْتُ بِقَريَةٍ تَأكُلُ القُرَى، يَقُولُون: يَثْرِبُ (٧)، وَهِيَ المَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَما يَنفِي الْكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ". الأصول: قال علماؤنا: في هذا الحديث دلالةٌ على أعلامِ نبوَّة نبيّنا؛ لأنّه أخبر عمّا كان قبل

стр. 3483

أنّ يكون. وأنَّ المعنى فيه: أمرتُ بالهجرة إلى قريةٍ تُفْتَحُ القُرَى منها (١)، أي المدن، فكان ذلك كما قال، كان في حياته وبعد مماته، ولا دليل فيه على أنّ المدينة أفضل من مكّة على ما تقدّم من الأدلّة. وقد قال علماؤنا (٢): هذا كلامُ عمومٍ، ومعناه الخصوصُ؛ لأنّها لم تَنفِ من النَّاس على عهد رسول الله وفي حياته إلَّا مَنْ لا إيمانَ له ولا خيرَ فيه ممّن رغِبَ بنفسه عن نَفسِ رسول الله ونُصرتِهِ وصُحبته. والدّليل على أنّ ذلك كلامٌ خرجَ على صحبته والمقام معه في حياته: خُروجُ الجِلَّةِ من الصَّحابةِ عن المدينة بعد وفاته إلى العراق والشّام وسائر البلدان، يُعلِّمون النَّاسَ الدِّينَ والقرآن، فكان منهم من سكن حمصَ ودمشقَ وغيرها من بلاد الشّام، وكان منهم من سكن الكوفةَ والبصرةَ وسائر بلاد العراق. حديث هشام بن عُروَة (٣)، عن أبيه؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يَخرُجُ أَحَدٌ مِنَ المَدِينَة رَغبَةً غنها، إِلَّا أَبدلَهَا الله خَيرًا مِنهُ". الإسناد (٤): هذا الحديث مقطوع، وقد وَصَلَهُ مَعْنُ بنُ عيسى، عن مالك في "الموطَّأ" عن عائشة (٥)، وقد رُوِيَ أيضًا مُسنَدًا من حديث أبي هريرة (٦)، وجابر (٧).

стр. 3484

التنبيه عليه (١): قال علماؤنا (٢): وهذا عندنا مقصورٌ على حياة رسول الله ﷺ ؛ فإنّ الله كان يُعَوِّضُ رسولَهُ أمرءًا خيرًا ممّن يرغب عنه، وأمّا بعد وفاته، فقد خرج منها من لم يعوّضها الله خيرًا منه من الصّحابة، فهو مقصورٌ على حياة رسول الله ﷺ . وممّا يقوِّي هذا قولُ عمر: لَا هِجرَةَ إِلَينَا بَعْدَ النَّبيِّ ﵇ (٣). حديث سُفيَانَ بنِ أَبِي زُهيرٍ (٤)؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقول: "تُفْتَحُ اليَمَنُ فَيَأتِي بِقَومٍ يَبِسُّونَ، فَيَتَحَمِّلُونَ بِأَهلِيهِم وَمَن أَطَاعَهُم، وَالمَدِينَةُ خَيرٌ لَهُم لَو كَانُوا يَعلَمُونَ" الحديث. عربيّة (٥): أمّا قوله في هذا الحديث: "يَبِسُّونَ" فاختلفت الرِّواية في ضبطه، فَرُوِيَ بفتح الياء وكسر الباء وبضمّها أيضًا، وهذه رواية ابن القاسم، وابن بُكَير، ويحيى من رواة "الموطَّأ". ثمّ اختلفوا في تفسيره، فقال ابن القاسم عن مالك: يَبسُّون يدعون (٦). وقال ابن بُكَيرٍ (٧):

стр. 3485

معناه يسيرون (١)، من قوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ (٢) ورواه ابنُ وهبٍ: يُبسُّون بضمِّ الياء من الرُّبَاعي، وفسره فقال: يُزَيِّنون لهم الخروج (٣). وكذلك رواه ابنُ حبيبٍ عن مُطَرِّف وفسَّرَهُ بنحو ذلك، فقال (٤): "يُزَيِّنون لهم البلدَ الّذي جاءوا منه، ويحبِّبونَهُ إليهم، ويَدْعُونَهم إلى الرّحيل إليه من المدينة، وذلك مأخوذٌ (٥) من إبْسَاسِ الحَلُوبَةِ (٦) عند حِلَابِها حتّى تَدُرُّ باللَّبن، وهو أنّ يجرَّ يده (٧) على وجهها وصَفْحَة عُنُقِها، كأنّه يُزَيِّنُ ذلك عندها" (٨). الثّانية (٩): أمّا قولُه: "وَالْمَدِينَةُ خيرٌ لَهُم" فالخير ههنا من طريق الفضل؛ لأنّ سُكْنَى المدينة للصّلاة في مسجد النّبيّ ﵇ الّذي صلاةٌ فيه خير من الصّلاة فيما سِواهُ من المساجد، وأفضلُ بألفِ درجةٍ، إِلَّا المسجدَ الحرامَ فإنّ الصّلاة فيه أفضلُ لما قدّمناه (١٠). ولم يذكر في هذا الحديث مكَّةَ، وقد عَلِمَ أنّها ستُفْتَحُ عليه كما تُفتَحُ الشّام والعراق واليمن؛ لأنّ مكّة ليست كغيرها.

стр. 3486

حديث مالك (١)، عن ابن حِمَاسٍ، عن عَمِّه، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "لَتُترَكَنَّ المَدِينَةُ عَلَى أَحسنِ مَا كَانَت، حَتَّى يَدخُلَ الكَلبُ أَوِ الذِّئبُ فَيُغَذِّى عَلَى سَوَارِي المسجِدِ، أَؤ عَلَى المِنبَرِ" فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَلِمَنْ تَكُونُ الثِّمَارُ ذَلِكَ الزَّمَانُ؟ فَقَالَ: "لِلعَوَافِي، الطَّيرِ وَالسِّبَاعِ". الإسناد (٢): قال الإمام: الحديث صحيح. واختلف جماعةُ الرواةِ عن مالك في اسم ابن حِمَاسٍ هذا. فقيل: يوسف بن يونس (٣). وقيل: يونس بن يوسف (٤). وقيل: إنَّ يوسف بنَ يوسف غيرُ ابنِ حماسٍ هذا. وقد روى هذا الحديث جماعةٌ عن مالك عن ابن حِمَاسٍ هكذا غير منسوبٍ ولا مُمَيِّزِ كما رواه يحيى (٥). وليس هذا الإسناد عندهم بالبيِّن، ولم يحتجّ به مالك في حكم دمٍ ولا فَرْجٍ ولا

стр. 3487

مالي، وذُكِرَ أنّه كان فاضلًا عابدًا مجابَ الدَّعوةِ (١). عربيّة: وأمّا (٢) قولُه "لِلعَوَافِي" وتفسيره له بالطَّير والسِّباع، فهو كما قال أهل المعرفة باللِّسان، ويشهَدُ لذلك حديثُ أم سَلَمَةَ عن النّبيِّ ﷺ قال: "مَا مِنْ مسلِمٍ يُحيِي أَرضًا فتُصِيبُ مِنْهَا عَافِيَةٌ أو يشربُ منها كَبِدٌ حَرَّا إِلَّا كَتَبَ الله لَهُ بِذَلِكَ أَجرًا" (٣). والعافيةُ واحدُ العوافِي، والعافي: الطّالبُ للحاجة، وجَمْعُه عوافٍ وعفاةٌ (٤)، قال الأعشى (٥): يَطُوفُ العُفَاةُ بِأَبوَابِهِ ... كَطَوفِ النَّصَارَى بِبَيتِ الوَثّنْ وفيه إخبار عن غيب يكون، فكان كما قال، وهي معجزةٌ. ومعنى قوله: "يُغَذِّي" أي: يبول (٦). وقوله: "أَو عَلَى المِنبَرِ" شكّ من المحدِّث. حديث مالك (٧)، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بنَ عَندِ العَزِيزِ حِينَ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ التَفَتَ

стр. 3488

إِلَيهَا، فَبَكَى. ثُمَّ قالَ: "يَا مُزَاحِمُ، أَتَخْشَى أَنْ نَكُونَ (١) مِمَّنْ نَفَتِ المَدِينَةُ؟ ". قال الإمام (٢): هذا إشفاقٌ منه، وقد خرج الفضلاءُ الجِلَّةُ منها ولم يخافوا ما خَافَهُ عمر، وما الخوفُ والإشفاقُ والتّوبيخُ لنفس إِلَّا زيادةً في العمل. وذَكَرَ أهلُ السِّير (٣) أنّ خروجَ عُمَرَ مع مُزَاحِم مَزلَاهُ (٤) من المدينة كان في رمضان سنةَ ثلاثٍ وتسعين، وذلك أنّ الحجَّاجَ كتب إلى الوليدِ، أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيز بالمدينة كهفٌ لأهل النّفاقِ وأهلِ البغضاءِ والعداوةِ لأمير المؤمنين، فجاوَبَهُ الوليدُ: إنِّي أَعْزِلهُ، فعزَلَهُ، وولَّى عثمانَ بنَ حَيِّانَ المُرِّيَّ (٥)، وذلك في شهرِ رمضانَ المذكررِ (٦). فلمّا صار عمر بالسُّوَيداءِ، قال لمُزَاحِم: يا مزاحمُ، أخافُ أنّ نكونَ ممّن نفتِ المدينةُ. قال ميمونُ بنُ مِهرَانَ: ما رأيتُ ثلاثةً مجتمعين خيرًا من عمرَ بن عبد العزيز، وابنِهِ عبدِ المَلِكِ، ومولاه مُزَاحِمٍ (٧).

стр. 3489

تحريم المدينة مالك (١)، عَنْ عَمرٍو بنِ أَبِي عَمرٍو مَولَى المُطَّلِبِ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ، فَقَالَ: "هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَأَنَا أحَرِّمُ مَا بَينَ لَابَتَيهَا". الإسناد (٢): هكذا رواه مالك مختَصَرًا، ورواه إسماعيل بن جعفر، فذكر فيه معانِيَ لم يذكرها مالك، ذكره سُنَيد (٣). الأصول: قال الإمام (٤): أنا محبَّتُه للجبل فمعقولةٌ، وأمّا محبَّةُ الجبلِ له فأكثرُ (٥) العلّماءِ يحملونه على المجاز. قال العلماء (٦): معناه: ويحبّنا أهله (٧)، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. وقيل: عبَّرَ بلسان الحال على لسان المقال. والمعنى (٨) عندهم في ذلك كالمعنَى

стр. 3490

في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١) يعني: أهل القرية، فكذلك قولُه في أُحُدٌ: "هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ" المعنى: يحبُّنا أهلُه يعني الأنصار الساكنين قُربَهُ وكانوا يحبُّون رسولَ الله وُيحبُّهم (٢)؛ لأنّهم آوَوهُ ونصروه وأعانوا على إقامة دِينِهِ. وقد قيل في المجاز وجهٌ آخر، وذلك أنّه كان ﵇ يفرحُ باُحُدٍ إذا طلعَ له استبشارًا بالمدينة ومَنْ فيها من أهله وذُرِّيَّتِه، ويحبّ النّظر إليهم ويبتهجُ للأَوبَةِ من سَفَرِه، والتزول على أهله وأَحِبَّتِهِ (٣). وقوله: "يُحِبُّنَا" أي: لو كان ممَّن تصحُّ منه المحبَّة لأحبنا كما نحبُّه. وقد قيل (٤): إنَّ محبَّته حقيقة، كما يسبِّحُ كلُّ شيءٍ حقيقة، ولكن لا يفهم ذلك النَّاسُ، وغيرُ نَكيرٍ أنّ يصنع الله محبّةَ رسوله في الجماد وفيما لا يَعقِلُ عقل الآدميين، كما وضع خشيته في الحجارة، فأخبر أنّ منها ما يهبطُ من خشية الله، وكما وضع في الجِذْعِ محبته ﵇ حتّى حنَّ إليه حنينَ النّاقةِ إلى ولدها، رواه أنس (٥) وجابر (٦) وغيرهما (٧)، ومثلُ هذا كثيرٌ. حديث مالك (٨)، عَنْ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ ابنِ المُسَيبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ كَانَ

стр. 3491

يَقُولُ: لَو رَأَيتُ الظِّبَاءَ تَرتَعُ مَا ذَعَرتُهَا (١)، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا بَينَ لَابَتَيهَا حَرَامٌ". الغريب (٢): اللّابتان: الحَرَّتان، واللّابةُ الحَرَّةُ، وهي الأرض الّتي أُلبِسَتِ الحجارةَ السُّودَ الجَرَدَ (٣)، وجمع اللّابَةِ: لاباتٌ ولُوبٌ (٤)، وكذلك فسَّرَهُ ابنُ وهب (٥) وغيره. الفقه في مسائل: المسألة الأولى (٦): قال علماؤنا (٧): هذا الّذي حرَّم رسولُ الله ﷺ من المدينة إنّما هو في قتل الصَّيد، قيل له (٨): فما حرّم منها في قطعِ الشّجر؟ قال: حدٌّ ذلك بريدٌ في بريدٍ، بلغني ذلك عن عمرَ بنِ عبد العزيز (٩). وقال ابنُ نافع: اللّابتان، إحداهما الّتي ينزلُ بها الحُجَّاجُ إذا رجعوا من مكَّة، وهي بغربيّ المدينة، والأخرى ممّا يليها من شرقيّ المدينة، قال: ما بين هاتين الحَرَّتَينِ حرامٌ أنّ يُصاد فيها وَحْشٌ أو طيرٌ (١٠).

стр. 3492

المسألة الثّانية (١): أجمع الفقهاءُ من أيمّة الفتوى بالأمصار وأتباعِهِم أنّ لا جزاءَ في صيد المدينة (٢)، وشذّت فرقةٌ، فقالت: فيه الجزاء؛ لأنّه حرمُ نَبِيٍّ قياسًا على مكّة؛ لأنّها حَرَمُ إبراهيم. واتَّفق مالكٌ والشّافعيُّ (٣) وأصحابُهُما وابنُ حنبل (٤) وجمهورُ العلماء أنّ الصَّيد في حَرَم المدينة لا يجوز، وعلى ذلك كان أصحاب رسول الله ﷺ (٥). وشذّ أبو حنيفة وأصحابه فقالوا: صيدُ المدينةِ غير محرَّمٍ، وكذلك قطع شجرها (٦)، واحتجّ الطّحاوي لهم (٧) بحديث أنسٍ، أنّ رسول الله ﷺ دخل حارتَهُم، فقال: "أبا عمير ما فعل النُّغَير" (٨)، وأبو عُمَير كان أخًا صغيرًا لأنسٍ، وكان له نُغَير يلعبُ به (٩)، وهذا لا حُجَّةَ فيه؛ لأنّه يمكن أنّ يكون النُّغَير في حرم المدبنة أو في غيره (١٠). حديث مالك (١١)، عن رَجُلٍ (١٢)، قال: دَخَلَ عَلَيَّ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ وَأَنَا بِالأَسوَافِ قَدِ

стр. 3493

اصطَدتُ بِهَا نُهَسًا، فَأَخَذَهُ مِن يَدِي فَأرْسَلَهُ. الغريب (١): الأسواف (٢): موضعٌ بناحية البقيع من المدينة، وهو موضع صدقةِ زَيدٍ ومَالِهِ. والنُّهَسُ (٣): طائر يقال إنّه الصُّرَدُ. وقيل: إنّه يُشبهُ الصُّرَدَ، وليس به، وهو أصغرُ من الصُّرَدِ مثل القَطَاميّ والبَاشَق. وقيل: إنّه اليمام. ما جاء في وباء المدينة مالك (٤)، عن هشام بن عُروَةَ، عن أبيه، عن عائشة؛ أَنَّها قَالَت: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ المدِينَةَ، وُعِكَ أَبُو بكرٍ وَبِلَالٌ، فَدَخَلتُ عَلَيهِمَا، فَقُلتُ: يَا أَبَتِ كَيفَ تَجدُكَ؟ ويَا بِلَالُ كَيفَ تَجِدُكَ؟ قَالَت: فَكَانَ أَبُو بَكرٍ إِذا أخَذَتهُ الحُمَّى يَقُولُ: كُلُّ امرِىءٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالمَوتُ أَدنَى من شِرَاكِ نَعلِهِ وَكانَ بِلَالٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ يَرفَعُ عَقِيرَتَهُ ويقُولُ: أَلَا لَيتَ شِعرِي هَل أَبِيتَنَّ لَيلَةٌ ... بِوَادٍ وَحَولِي إِذخِرٌ وَجَلِيلُ

стр. 3494

ؤهَل أَرِدن يَومًا مِيَاهَ مَجَنَّةِ (١) ... وَهَل يَبدُوَن لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ قَالَث عَائِشَةُ ﵂: فَجِئتُ رَسُولَ الله ﷺ فَأَخبَرتُهُ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَينَا المَدِينَة كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشّدَّ، وَانقُل حُمَّاهَا وَاجعَلهَا بِالجُحْفَةِ" (٢). حديث مالك (٣)، عن يحيى بن سعيد، أنّ عائشة (٤) زوج النّبيّ ﷺ قالت: وكان عَامِرُ بنُ فُهَيرَةَ يقول: قَد رَأَيتُ المَوتَ قَبلَ ذَوقِهِ إِنَّ الجَبَانَ حَتفُهُ من فَوقِهِ وزاد (٥) ابنُ عُيَينَةَ (٦) في هذا عن عامر بن فُهَيرَةَ: كَالثَّورِ يَحمِي جِلدَهُ بِرَوقِهِ (٧) وذكر أنّ الدّاخلَ عليهم والسّائلَ لهم عن أحوالهم، والقائلَ لكلِّ واحد منهم: كيفَ تجدُكَ، رسولُ الله لا عائشة. والصّحيحُ ما رواه مالك: لأنّه لم يختلف الرّواةُ عنه في ذلك، وأنّه جَوَّدَهُ سَنَدًا ومعنىً.

стр. 3495

العربيّة (١): قوله: "إِذخِرٌ وجَلِيلُ" فهما نبتان من الكلأ يكونان بمكّة وأوديتها، لا يكادان يوجدان بغيرها (٢). وشَامَةُ وَطَفيلٌ: جبلان بينهما وبين مكَّةَ ثلاثون ميلًا (٣). الفوائد المستفادة من هذا الحديث: وهي ثلاث: الفائدةُ الأولى (٤): في هذا الحديث عِيادةُ الجِلَّةِ الأشرافِ السّادةِ لعبيدهم وإخوانهم، وذلك تواضُعٌ. وكان بلال وعامر بن فُهَيْرَة عَبدَينِ لأبي بكر أعتقهُما. الفائدةُ الثّانية (٥): وفيه تمثُّلُ الصَّالحين والعلّماء الفضلاء بالشِّعر، وفي ذلك دليلٌ على إنشاد الشِّعْر الرّقيق، وجرازِ ذلك إذا لم يكن في الشِّعر فُحشٌ. التالثة (٦): وفيه رَفعُ العقيرةِ بالشِّعرِ، ورفعُ العقيرة هو الغناءُ العربي، يسمُّونَهُ غناء الرّكبان،

стр. 3496

وغناء النّصب، والحُدَاء، وما أشبه ذلك. والعقيرة: صوت الإسناد (١)، قاله صاحب العين (٢). حديثُ مالكِ (٣)، عن نُعَيْمِ بْنِ عبد الله، عن أبي هريرةَ؛ أنّه قال: قال رسولُ الله ﷺ : "عَلَى أَنقَابِ المَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ". الإسناد: صحيح خرَّجَهُ الأيِمَّة (٤)، وله طُرقٌ حِسَانٌ بينّاها في "التمهيد". العربيّة (٥): الأنقابُ: الطّرُقُ والفِجَاجُ، الواحدُ نَقْبٌ (٦)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾ (٧) أي: جعلوا فيها طُرُقًا ومسالِكَ. الفوائد في هذا الحديث:

стр. 3497

الأولى (١): في هذا الحديث فضلٌ كثيرٌ للمدينة، إذ لا يدخلها الدَّجَّالُ وهو رأسُ كلِّ فتنةٍ، وقد رُويَ عن النّبيِّ ﵇: أنَّ الدَّجَّالَ لَا يَدخُلُ مَكَّة وَلَا المَدِينَةَ (٢). الثّانية (٣): قد روي عن جابر بن عبد الله أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : "يخرجُ الدَّجَّالُ في خَققَةٍ من الدَّينِ (٤)، وإِدْبَارٍ من العِلْمِ، لَهُ أَرْبعونَ ليلةً يَسِيحُهَا في الأرضِ، اليومُ منها كالسُّنَّةِ، واليومُ منها كالشَّهرِ، واليومُ منها كالجُمُعةِ، ثمّ سائرُ أيَّامِهِ كأيّامكُم هذه، وله حمارٌ يركَبهُ، عرضُ ما بين أُذُنَيه أربعون ذراعًا، فيقولُ للناسِ: أنا رَبَّكُم، وهو أعورُ، وإنَّ رَبَّكُم ليس بأعورٍ، مكتوبٌ بين عَينَيْهِ: كافر، يقرأُه كُلُّ مؤمنٍ كَاتِبٍ وغير كاتِبٍ، يَرِدُ كُلَّ ماءٍ ومَنهَلٍ إلَّا المدينةَ ومكّةَ حَرَّمَهُمَا الله عليه، وقامت الملائكةُ بأبوابِها" (٥) وذِكرُ الحديثِ (٦). بطُولِهِ يأتي إنَّ شاء الله، بيانُه في بابهِ من هذا الكتاب.

стр. 3498

مَا جَاءَ في إجْلَاء اليَهُودِ مالك (١)، عن إسماعيلَ بن أبي حَكِيمٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عبدِ العَزِيزِ يَقُولُ: كَانَ مِنْ آخِرِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ أَنْ قَالَ: "قَاتَلَ الله الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِم مَسَاجِدَ لَا يَبقَيَنَّ دِينَانِ بِأرْضِ العَرَبِ". التّرجمة: قال أبو عمر (٢): "كذا عند يحيى ترجمةُ هذا البابِ، وعند ابن بُكَيرٍ: في إجلاء اليهود من المدينة. وعند القعنبيّ: في إجلاء اليهود والنّصارى من جزيرة العرب" وهو الأشهر. الإسناد: صحيح (٣)، وهو يُسنَدُ من وجوهٍ صِحَاحٍ من حديث أبي هريرة (٤)، وعائشة (٥)، وغيرهما، وهو عند مالك وغيره عن ابن شهاب، عن ابن المُسَيِّب، عن أبي هريرة (٦). الفوائد المنثورة فيه: الأولى: فيه قوله (٧): قال مالك: قال ابنُ شهابٍ "فَفَحَصَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى أَتَاهُ الثَّلَجُ وَالْيَقِينُ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا يَجتَمِعُ دِينَانِ في جَزِيرَةِ الْعَرَبِ" فَأَجْلَى يَهُودَ خَيْبَرَ.

стр. 3499

قال مالك (١): وَقَد أَجلَى عُمَرُ يَهُودَ فَدَكَ وَنَجْرَانَ، فَأَمَّا يَهُودُ خَيْبَر فَخَرَجُوا مِنْهَا وَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الثَّمرِ وَلَا مِنَ الأَرضِ شيءٌ، وَأَمَّا يَهُودُ فَدَكَ فَكَانَ* لَهُمْ نِصْفُ الثَّمَر ونِصْفُ الأَرضِ؛ لأَنَّ رسولَ الله كَانَ صَالَحَهُم على نِصَفِ الثَّمَرِ* وَنِصْفِ الأَرْضِ، قِيمَةً من ذَهَب وَوَرِقٍ وَإِبِلٍ، ثُمَّ أَعْطَاهُمُ القِيمَةَ وأَجْلَاهُمْ. الثّالثة (٢): قوله: "في جَزيرَةِ العَرب" اختلف النَّاس في ذلك، فقيل (٣): جزيرة العرب: مكّة والمدينة واليمن مدنها وقُرَيَّاتُها (٤). وقال مالك: هي مكّة والمدينة واليمامة واليمن (٥). قال الشّافعيُّ: هي ما قال مالك، إِلَّا اليمن فليست من جزيرة العرب. والصواب ما قاله مالك، والله أعلم. جَامِعُ مَا جَاءَ في أَمْرِ المَدِينَةِ مالك (٦)، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسمِ؛ أَنَّ أسلَمَ مولى

стр. 3500

عُمَرَ أَخبَرَهُ؛ أَنَّهُ زَارَ عَبدَ الله بنَ عَيَّاشٍ فَرَأَى عِنْدَهُ نَبِيذًا وَهُوَ بِطَريقِ مَكّةَ، فَقَال لَهُ أَسلَمُ: إنَّ هَذَا الشَّرابَ يُحِبهُ عُمَرُ، فَحَمَلَ عَبدُ الله بنُ عَيَّاشٍ قَدَحًا عَظِيمًا، فَجَاءَ بِه عُمَرَ فَوضَعَهُ في يَدِهِ، فَقَرَّبَهُ عُمَرُ إلَى فِيهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الشَّرَابَ طَيِّبٌ فَشَرَبَ مِنْهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ رَجُلًا عَنْ يَمِينِه، فَلَمَّا أَدبَرَ عَبدُ الله نَادَاهُ عُمَرُ فقَالَ: أأَنتَ القَائِلُ لَمَكَّةُ خَيرٌ مِنَ المَدِينَةِ؟ فقَالَ عَبْدُ الله: هِيَ حَرَمُ الله وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ، فَقَالَ عُمَرُ: لا أَقُولُ - في بَيتِ الله ولَا في حَرَمِهِ شَيئًا - ثُمَّ قَالَ لَهُ عُمَرُ ذَلِكَ مَرَّةً أُخرَى ثُمَّ انْصَرَفَ. الإسناد (١): قال الإمام: رُوِي هذا الخَبَر في موطَّأ ابن بُكَير ويحيى، عن مالك، عن يحيى بن سعيدٍ، عن ابن القاسم. ورواه القَعنَبِيُّ، عن مالك، عن ابن القاسم، ولم يذكر فيه يحيى بن سعيد. الفوائد المطلقة: وهي أربع فوائد: الفائدةُ الأولى (٢): أمّا النَّبيذ الّذي قال فيه عُمَر: "إنَّ هَذَا الشَّرَابَ طَيِّبٌ"، فقد مضَى في كتابِ الأشربةِ (٣) ما يُفَسِّرُ الطَّيِّبَ من غير الطَّيِّبِ، فكلُّ شرابٍ حُلوٍ لا يُسكِرُ الكثيرُ منه فهو الطَّيِّبُ، وما يُسكِرُ منه فهو خبيثٌ لاطَيِّبٌ. الثّانية (٤): وأمّا مناولته اليمين، فهو من حُسْنِ الأدبِ (٥)، وسيأتي في موضعه.

стр. 3501

الثّالثة (١): وأمّا قولُ عمر لعبد الله بن عيَّاش: "أأَنتَ القَائِلُ: لَمَكَّةُ خَيرٌ مِنَ المَدِينَةِ": فقد ظَنَّ قومٌ (٢) أنّ ذلك حُجَّةٌ في تفضيل المدينة على مكّة؛ لأنّ ظاهر قول عمر توبيخه على ذلك، وليس ذلك عندي ممّا يدلُّ على أنَّ المدينة أفضل من مكّة. وأيضًا: فإن لفظ "خَير"، ليس بمعنى أفضل؛ وممّا يُقوِّي هذا ما رُويَ أنّ عقيل بن أبي طالب- وكان أحد الفُصَحَاءِ- لمّا أعطاهُ معاويةُ عَطاءَ جَزلًا، قال له: من خيرٌ لك أنا أو أخوك؟ فقال: أنت خيرٌ لي من أخي، وأخي خيرٌ لنفسه منك، ومعلومٌ أنّ أخاه عليَّ ابنَ أبي طالب كان عنده أفضلَ أهل زمانه، ولكنّ معاويةَ كان خيرًا له في دنياه. الرّابعة (٣): أمّا مالك فلم يختلف عنه أصحابُهُ في أنّ المدينةَ أفضلُ من مكّةَ ومن سائر البلاد، وكان يقول: هي ممّا خص الله بهِ نبيّه من سكنى المدينة، وما خصّها الله به من الخير، أنّها محفوفةٌ بالشهداءِ وعلى أنقابها الملائكةُ، لا يدخلُها الطّاعونُ ولا الدَّجَّالُ، وهي دارُ الهجرةِ والسُنَّةِ، وبها كان ينزل الوحيُ بالفرائضِ والأحكامِ، وبها خِيَارُ النّاسِ بعد رسولِ الله ﷺ ، واختارها الله لنبيِّهِ في حياته وبعد مماته، فجعل بها قبره، وبها روضةٌ من رياضِ الجنَّةِ. قال الإمام: وما احتجّ به مالك ليس هو مسألة إجماع، لما ورد أيضًا في فضلِ مكّة وما خصّها الله به من البيتِ وأنّها قبلة للعالَمِين. وأيضًا: فإنّ خصائص النَّبيِّ ﵇ منها ما هو موقوفٌ عليه في حياته لا بعد مماته، وهو أكثر، والَّذي خُصَّ به رسولُ الله ﷺ ثمانية وعشرون خصلة: الأولى: خصَّهُ بسُكنَى المدينةِ، وذَكَرَها في القرآن كما ذكر مكّة، فقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ الآية (٤).

стр. 3502

الثّانية: خَصَّهُ بالتَّهجُّد (١) في قوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (٢). فإذا قِستَ تعبكَ إلى ثوابكَ كانت نافلة، وهي ترجع إليك من غير إيجاف خيل ولا رِكَابٍ. وقيل: إنّه الوِترُ، كان واجبًا عليه (٣). والأصحُّ: أنّه قيام اللَّيلِ. ورُوِيَ عنه ﷺ أنّه قال: " كُتِبَت عَلَىَّ الأُضحِيَةُ وَصَلَاةُ الضُّحَى وَالوِترُ، وَلَم يُكتَبْ عَلَيكُمْ" (٤). والصّحيح أنّه هو: التهجّد وإن قلّ. الثّالثة: التَّخْيِيرُ بين نسائه، فلا تصحبه امرأة تَكرَهُ صُحْبتَهُ، لقوله: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ الآية (٥).

стр. 3503

الرّابعة: حُرمَت عليه صدَقة الفرض وعلي بني هاشم (١)، ومنه حديث التّمرة الّتي أخرجها من فم الحسن ... الحديث (٢). الخامسة: صدقةُ التّطوُّع (٣) على أحد القولين؛ لأنّها من أوساخ النَّاس فيتنزّه عنها كما في صَدَقَةِ الفَرْضِ. وقيل: لم تُحَرَّم عليه، الا أنّه نَزَّهَ نفسَهُ عنها فلم يقبلها قطُّ (٤). السّادسة: حرم عليه خائنة الأَعْيُنِ (٥)، وفي حديث عمر مع أبي سفيان، إذ قال له: هلّا غمزتَ عليَّا بعينك يا رسولَ الله، فقال رسول الله ﷺ : "ما كان لرسول الله أنّ تكون له خائنة الأعين" (٦). السّابعة: أنّه إذا لبس لأمَةَ (٧) حَربِه لم ينزعها حتّى يُقاتِل (٨).

стр. 3504

الثّامنة: حرم عليه أنّ يكتب شيئًا (١)، لقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ (٢). التّاسعة: حرم عليه قول الشِّعْرِ (٣)، لقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ الآية (٤). العاشرة: جعلَ الردَّةَ في حقِّه مشروطةً بالعاقبة فيمت وهو كافر (٥)، وقيل: المراد به أُمَّتَهُ، والمطلقُ يُحمَلُ على المقيَّدِ. الحادية عشرة: أوجبَ عليه قضاء دَينِ من مات من المسلمين (٦). الثّانية عشرة: أوجبَ عليه أنّ يدفع الأشرَّ بالأحسنِ (٧) لقوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٨)، أدّبه بالحلم وهذّبه بمكارم الأخلاق لقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٩). الثّالثة عشرة: أوجبَ عليه المشاورة، كان كان الوحي يسدِّدُهُ وجبريل يؤيّدُهُ، أراد أنّ يؤدِّب بها أُمَّتَه، وامتثالًا لقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١٠).

стр. 3505

الرّابعة عشرة: نَهَاهُ عن الفتن والميل إليها، لقوله: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ الآية (١). الخامسة عشرة: أوجبَ عليه إذا رأى شيئًا يعجبه أنّ يقول: "لَبَّيْكَ إنَّ العيش عيش الآخرة". فكان يقولها في حالة الشِّدَّةِ والرَّخَاءِ (٢)، فقال يوم الخندق وأصحابه في تعب وشدّة الجوع: "اللَّهُمَّ إِنَّ العَيشَ عيشُ الآخرةِ" (٣). وقال يوم الفتح لما رآهم مسرورين: "اللُّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَةِ" (٤). وكذلك يقول كلّ من عرف الآخرةَ ونساءَها ونعيمَ عيشِها، وحَقَارَةَ الدُّنيا وذَمَّها. السّادسة عشرة: كُلِّفَ وحدَهُ من الجهاد ما كُلِّف النّاسُ أجمعين، لقوله: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الآية (٥)، وما حمل من تبليغ الرّسالة وعلم الشّريعة (٦). السابعة عشرة: حرم عليه أنّ يأكل متَّكِئًا (٧)؛ لأنّه أكل مرّة وهو متَّكئ فنزل عليه جبريل ﷺ وقال له: "أهكذا يأكل العبيدُ يا محمّد، تأدب بآداب العبوديّة" (٨).
следующие страницы →