← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

الثّالثة (١): وأمّا قولُ عمر لعبد الله بن عيَّاش: "أأَنتَ القَائِلُ: لَمَكَّةُ خَيرٌ مِنَ المَدِينَةِ": فقد ظَنَّ قومٌ (٢) أنّ ذلك حُجَّةٌ في تفضيل المدينة على مكّة؛ لأنّ ظاهر قول عمر توبيخه على ذلك، وليس ذلك عندي ممّا يدلُّ على أنَّ المدينة أفضل من مكّة. وأيضًا: فإن لفظ "خَير"، ليس بمعنى أفضل؛ وممّا يُقوِّي هذا ما رُويَ أنّ عقيل بن أبي طالب- وكان أحد الفُصَحَاءِ- لمّا أعطاهُ معاويةُ عَطاءَ جَزلًا، قال له: من خيرٌ لك أنا أو أخوك؟ فقال: أنت خيرٌ لي من أخي، وأخي خيرٌ لنفسه منك، ومعلومٌ أنّ أخاه عليَّ ابنَ أبي طالب كان عنده أفضلَ أهل زمانه، ولكنّ معاويةَ كان خيرًا له في دنياه. الرّابعة (٣): أمّا مالك فلم يختلف عنه أصحابُهُ في أنّ المدينةَ أفضلُ من مكّةَ ومن سائر البلاد، وكان يقول: هي ممّا خص الله بهِ نبيّه من سكنى المدينة، وما خصّها الله به من الخير، أنّها محفوفةٌ بالشهداءِ وعلى أنقابها الملائكةُ، لا يدخلُها الطّاعونُ ولا الدَّجَّالُ، وهي دارُ الهجرةِ والسُنَّةِ، وبها كان ينزل الوحيُ بالفرائضِ والأحكامِ، وبها خِيَارُ النّاسِ بعد رسولِ الله ﷺ ، واختارها الله لنبيِّهِ في حياته وبعد مماته، فجعل بها قبره، وبها روضةٌ من رياضِ الجنَّةِ. قال الإمام: وما احتجّ به مالك ليس هو مسألة إجماع، لما ورد أيضًا في فضلِ مكّة وما خصّها الله به من البيتِ وأنّها قبلة للعالَمِين. وأيضًا: فإنّ خصائص النَّبيِّ ﵇ منها ما هو موقوفٌ عليه في حياته لا بعد مماته، وهو أكثر، والَّذي خُصَّ به رسولُ الله ﷺ ثمانية وعشرون خصلة: الأولى: خصَّهُ بسُكنَى المدينةِ، وذَكَرَها في القرآن كما ذكر مكّة، فقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ الآية (٤).

стр. 3502

الثّانية: خَصَّهُ بالتَّهجُّد (١) في قوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (٢). فإذا قِستَ تعبكَ إلى ثوابكَ كانت نافلة، وهي ترجع إليك من غير إيجاف خيل ولا رِكَابٍ. وقيل: إنّه الوِترُ، كان واجبًا عليه (٣). والأصحُّ: أنّه قيام اللَّيلِ. ورُوِيَ عنه ﷺ أنّه قال: " كُتِبَت عَلَىَّ الأُضحِيَةُ وَصَلَاةُ الضُّحَى وَالوِترُ، وَلَم يُكتَبْ عَلَيكُمْ" (٤). والصّحيح أنّه هو: التهجّد وإن قلّ. الثّالثة: التَّخْيِيرُ بين نسائه، فلا تصحبه امرأة تَكرَهُ صُحْبتَهُ، لقوله: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ الآية (٥).

стр. 3503

الرّابعة: حُرمَت عليه صدَقة الفرض وعلي بني هاشم (١)، ومنه حديث التّمرة الّتي أخرجها من فم الحسن ... الحديث (٢). الخامسة: صدقةُ التّطوُّع (٣) على أحد القولين؛ لأنّها من أوساخ النَّاس فيتنزّه عنها كما في صَدَقَةِ الفَرْضِ. وقيل: لم تُحَرَّم عليه، الا أنّه نَزَّهَ نفسَهُ عنها فلم يقبلها قطُّ (٤). السّادسة: حرم عليه خائنة الأَعْيُنِ (٥)، وفي حديث عمر مع أبي سفيان، إذ قال له: هلّا غمزتَ عليَّا بعينك يا رسولَ الله، فقال رسول الله ﷺ : "ما كان لرسول الله أنّ تكون له خائنة الأعين" (٦). السّابعة: أنّه إذا لبس لأمَةَ (٧) حَربِه لم ينزعها حتّى يُقاتِل (٨).

стр. 3504

الثّامنة: حرم عليه أنّ يكتب شيئًا (١)، لقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ (٢). التّاسعة: حرم عليه قول الشِّعْرِ (٣)، لقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ الآية (٤). العاشرة: جعلَ الردَّةَ في حقِّه مشروطةً بالعاقبة فيمت وهو كافر (٥)، وقيل: المراد به أُمَّتَهُ، والمطلقُ يُحمَلُ على المقيَّدِ. الحادية عشرة: أوجبَ عليه قضاء دَينِ من مات من المسلمين (٦). الثّانية عشرة: أوجبَ عليه أنّ يدفع الأشرَّ بالأحسنِ (٧) لقوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٨)، أدّبه بالحلم وهذّبه بمكارم الأخلاق لقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٩). الثّالثة عشرة: أوجبَ عليه المشاورة، كان كان الوحي يسدِّدُهُ وجبريل يؤيّدُهُ، أراد أنّ يؤدِّب بها أُمَّتَه، وامتثالًا لقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١٠).

стр. 3505

الرّابعة عشرة: نَهَاهُ عن الفتن والميل إليها، لقوله: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ الآية (١). الخامسة عشرة: أوجبَ عليه إذا رأى شيئًا يعجبه أنّ يقول: "لَبَّيْكَ إنَّ العيش عيش الآخرة". فكان يقولها في حالة الشِّدَّةِ والرَّخَاءِ (٢)، فقال يوم الخندق وأصحابه في تعب وشدّة الجوع: "اللَّهُمَّ إِنَّ العَيشَ عيشُ الآخرةِ" (٣). وقال يوم الفتح لما رآهم مسرورين: "اللُّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَةِ" (٤). وكذلك يقول كلّ من عرف الآخرةَ ونساءَها ونعيمَ عيشِها، وحَقَارَةَ الدُّنيا وذَمَّها. السّادسة عشرة: كُلِّفَ وحدَهُ من الجهاد ما كُلِّف النّاسُ أجمعين، لقوله: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الآية (٥)، وما حمل من تبليغ الرّسالة وعلم الشّريعة (٦). السابعة عشرة: حرم عليه أنّ يأكل متَّكِئًا (٧)؛ لأنّه أكل مرّة وهو متَّكئ فنزل عليه جبريل ﷺ وقال له: "أهكذا يأكل العبيدُ يا محمّد، تأدب بآداب العبوديّة" (٨).

стр. 3506

الثّامنة عشرة: أوجب عليه السِّواك (١)، فقال: "أُمِرْتُ بالسِّوَاكِ، وَلَولَا أنّ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرتُهُم بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ" (٢). التّاسعةَ عشرة: حرم عليه أكل الثُّومِ والبَصَلِ (٣)، وقال: "لَوْلَا أنَّ المَلَكَ يَأْتِيني لأَكَلْتُهُ" (٤) وهو في حقِّ غيره مكروهٌ كراهيةَ تنزيهٍ. المُوفِيَةُ عشرينَ: حرم عليه أنّ ينطق بشيءٍ من الهوى من تلقاء نفسه بشيء من أمور الدّنيا (٥). الحادية والعشرون: حرم عليه أنّ يمتنَّ على أحدٍ (٦)، لقوله: ﴿وَلَا تَمْنُن تسَتكَثرُ﴾ (٧) أَي يستكثر خير عمله.

стр. 3507

الثانية والعشرون: كُلِّفَ مشاهدة الحقِّ مع معاشَرَةِ الخَلْقِ، فكان يُؤثِرُ الخَلوَةَ ويخرج أوقاتًا إلى جبل حراء (١). الثّالثة والعشرون: أوجب عليه أنّ يستغفر كلَّ يومِ سبعين مرَّة (٢). الرّابعة والعشرون: حرم الله عليه التّوارُثَ (٣). فقال: "ما تَركنا صَدَقَةٌ" (٤). الخامسة والعشرون: حرم الله عليه أنّ يتبدّل امرأةً من نسائه (٥)، فقال: ﴿يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية (٦)، ثمّ رخص له ونسخَ، وأباح النّساء أكثر من أربع، فالنِّكاحُ في حقّه كالملك في حقّ غيره، ونكاح الموهوبة. السّادسة والعشرون: النِّكاح بتزويجِ الله إياه (٧)، لقوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (٨). السّابعة والعشرون: النِّكاح بلا وليّ ولا بشاهِدَيْنِ قيَاسًا على الموهوبة (٩). الثّامنة والعشرون: النِّكاحُ من غير استمرار المُدَّة. التّاسعة والعشرون: التكاح في الإحرامِ (١٠).

стр. 3508

الموفية ثلاثين: أنّ يعتق جاريته ويجعل عِتْقها صداقها؛ لأنّه لم يكن له أنّ يتزوّج بأَمَةٍ (١). الحادية والثّلاثون: النِّكاح من غير إذن وليّها (٢). الثّانية والثّلاثون: جعله الله أَوْلَى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهم وأموالهم (٣). الثّالثة والثّلاثون: حرَّم نساءَهُ من بَعْدِهِ على غيره (٤). الرّابعة والثلاثون: أباح له النِّصف من المغنم، وأربعةَ أخماس الفيىء، وخُمسَ خُمُسِ الغنيمةِ، وتقسم على خمسة أسهام، سهمٌ لرسول الله يوضَعُ في الكراع والسِّلاح ومصالح المسلمين، وسهمٌ لذي القُربَى بني هاشم وبني عبد المطَّلِب بين غنيِّهم وفقيرهم، وسهم اليتامى والفقراء والمساكين الّذين لا يَقدِرُونَ على قوتِ سَنَةٍ، وسهم ابن السَّبيلِ. وأمّا أربعة أخماس الفيىء فهو رِزْقٌ للأجناد والمُقَاتِلَةِ (٥). الخامسة والثلاثون: أباح له دخول الحرم من غير إحرام، خائفًا كان أم آمنًا (٦)، وغيره إنَّ كان خائفًا لا يجوز له، كان كان آمنًا ففيه خلاف. السّادسة والثّلاثون: أباح له القتل في الحرم، مثل قتل عبد الله بن خَطَل (٧)، وأباح

стр. 3509

له القتل بعد اعطاء الأمان، فقال: "خُذُوا عَدُوَّ الله بِأَمَانِ الله" وَقُتِلَ بِذلِكَ (١). السّابعة والثّلاثون: أباح له الوصّالَ في الصّوم (٢)، لقوله: "إنِّي لَسْتُ كهَيئَتِكُمْ" (٣). الثامنة والثّلاثون: أباح له سبّه للمسلمين؛ لأنّه جعل سبّه رحمة للمؤمنين (٤). التّاسعة وِالثّلاثون: ينامُ فيصلِّي ولا يتوضأُ (٥). الموفية أربعين: يُنسَبُ له الأولاد، كأولاد بناته الحسن والحسين أولاد عليّ (٦) وغيره.

стр. 3510

الحادية والأربعون: الإنساب منقطعة إِلَّا نبسه (١)، وقيل: المراد به نسب الإسلام (٢). الثّانية والأربعون: أباح له إذا دعا الرَّجل وهو في الصّلاة أنّ يجيبَهُ (٣) فيقول: "لَبَّيْكَ " عامدًا، ولا تبطل صلاته (٤). ومالُهُ بعد موته قائمٌ على نَفَقَةِ أَهلِهِ ونَفَقَةِ مصالح المسلمين (٥). الثّالثة والأربعون: أباح له دخول المسجد وهو جُنُبٌ إكرامًا له (٦)، ولم بفعله قَطُّ. الرّابعة والأربعون: أباح له الحكم لنفسه (٧)، وقَبُول إشهاده لنفسه بنفسه (٨). الخامسة والأربعون: أباح له أنّ يحكم لولده وولد ولده (٩). السّادسة والأربعون: شربت أم أَيْمَن - الّتي كانت حاضنةً له بعدَ حَلِيْمةَ - بولَه فلم

стр. 3511

ينكر عليها (١)، فقال: إذًا لا يَتَّجِعَنَّ بَطنُكِ أبدًا (٢). السابعة والأربعون: شرب عبد الله بن الزُّبير دمه عند الحِجَامَةِ فلم ينكر عليه (٣)، فقال ابنُ الزبير: إنَّ الله تعالى أكرم من أنّ يُدخِل النّار بَدَنًا شرب من دَمِهِ تبرّكًا وإعظامًا له (٤). الثامنة والأربعون: نهى عن طعام الفُجَاءَةِ، وذلك أنّ يدخل الرَّجلُ على الرَّجلِ وهو مشتغل بالأكل، ففاجأه أبو الدّرداء فلم ينكر عليه (٥). التّاسعة والأربعون: جُعِلَت له الأرضُ مسجدًا وطهورًا (٦)، مسجدًا بالصّلاة، وطهورًا بالتيمُّم، أينما أدرك الصّلاة صلّى، وإذا عدِمَ الماء تيمَّمَ، وغير ذلك من المعاني يطول استقصاؤها.

стр. 3512

ما جاء في الطّاعون حديث ابنِ عبّاس (١)؛ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشّاَمِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ (٢) لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ؛ أَبُو عُبَيدَةَ وَأَصحَابُهُ، فَأَخبَرُوهُ بِأَنَّ الوَبَأَ وَقَعَ بِالشَّامِ، فَقَالَ عُمَرُ: ادعُ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلينَ فَشَاوِرهُمَ، وَاختَلَفُوا، ثُمَّ دَعَا المُهَاجِرينَ الآخرِينَ فَاختَلَفُوا، ثُمَّ دَعَا الأَنْصَارَ فَسَلَكُوا سَبِيلَهُم، ثُمَّ قَالَ: ادعُوا لِي مَشيَخَة قُريشٍ مِن مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ، فَدَعَوهم فَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الرُّجُوعِ عَنِ الوَبَإِ كَبَقِيَّة أصحاب النّبيّ ﵇، فَعَزَمَ على الانصراف ... الحديث. الفوائد المنثورة: قال ابن قُتَيْبَةَ (٣) في الطّواعين وأوقاتها، عن أبي حاتم عن الأصمعي قال: "أوَّلُ طاعونٍ كان في الإسلام طاعون عَموَاس بالشّام، مات فيه مُعاذ بن جَبَل، وامرأته وابنه، وأبو عُبَيدَةَ بن الجرّاح (٤). والثّاني: طاعون شيرَوَيه بن كسرى بالعراق في زمان واحدٍ، وكانا جميعًا في زمان عمر بن الخطّاب.

стр. 3513

قال أبو محمّد (١): وبيْنَ طاعون شِيرَوَيه وطاعون عَموَاس مدّة طويلة. الثّالث: طاعون الجارف في زمان ابن الزُّبير سنة تسع وستين، وعلى البصرة يومئذٍ عُبَيد الله بن معمَرٍ (٢). الرّابع: طاعون الفَتَيَاتِ؛ لأنَّه بدأ في العَذَارَى والجوارِي بالبَصرة فسمّي بذلك (٣). وبواسط (٤)، وبالشّام، وبالكوفة، والحجّاج يومئذ بواسط في ولاية عبد الملك ابن مروان، ومات فيه عبد الملك أو بعده بقليل، ومات فيه أُمَيَّة بن خالد بن عبد الله بن أسيد، وعليّ بن أصمع، وصعصعة بن حِصْن، وكان يقال له: طاعون الأشراف (٥). الخامس: ثمّ كان بعده طاعون عديّ بن أَرطَأَة سنة مئة (٦). والسّادس: طاعون غُراب سنة سبع وعشرين ومئة، وغُراب رجلٌ من الرّباب، وكان أوّل من مات فيه، في ولاية الوليد بن يزيد بن عبد الملك (٧). السّابع: ثمّ طاعون سلم بن قُتَيبَة بالعراق سنة إحدى وثلاثين ومئة" (٨) وقال أهل التّاريخ (٩): ولم يقع بالمدينة ولا بمكّة طاعون قطّ. تنبيه وتفسير (١٠): وقيل لمُطَرِّف بن الشِّخِّير: ما تقولُ - يرحمك الله- في الطّاعون والفرار منه؟ فقال:

стр. 3514

هو القَدَرُ تخافونَه، وليس منه بُدٌّ (١). وقال ابنُ عبّاس في قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ (٢) قال: كانوا أربعةَ آلافٍ خرجوا فِرَارًا من الطّاعون فماتوا، فدَعَا الله نبىٌّ من الأنبياء أنّ يُحيِيَهُم حتّى يَعبُدُوهُ، فأحياهُم الله (٣). وقال عَمْرُو بنُ دينارٍ في هذه الآية: وقع الطّاعونُ في قريتهم، فخرج أُنَاسٌ وبَقيَ أُناسٌ، فمن خرج أكثر ممّن بَقِيَ، قال: فنجا الّذين خرجوا، وهلك الّذين أقاموا، فلمّا كانتِ الثّانيةُ، خرجوا بأجمعهم إِلَّا قليلًا، فأماتَهُم الله ودَوَابَّهُم، ثمّ أحياهم الله، فرجعوا إلى بلادهم وقد توالدت ذرِّيَّتُهُم (٤). وقال بعضهم (٥): بقال إنّه قَلَّ ما فَرَّ أحدٌ من الطّاعونِ فسَلِمَ من الموتِ، قال (٦): وهربَ عَمرُو بن عُبَيد وَرَباطُ بن محمّد بن رَبَاط من الطّاعون، فقال إبراهيم بن علي الفُقَيمِيّ: وَلَمَّا اسْتَفَزَّ المَوتُ كُلَّ مُكَذِّبٍ ... صَبَرتُ وَلَم يَصبِر رَبَاطٌ وَلَا عَمرُو ولقد أحسن أبو العَتَاهِيّة في قوله (٧): كُلٌّ يُوَافِي بِهِ القضَاءُ اِلَى المو ... تِ وَيُوفِيهِ رزقهُ كَمَلَا

стр. 3515

كلّ فقد أَمهَلَهُ أملْ يُلـ ... ـهِيْ وَلكنَّ خَلفَه الأَجَلَا فيَا بُؤسَ الغافلِ المُضَيِّعِ عَنْ ... أيِّ عظيمٍ من أمرِه غَفَلا الفائدةُ الثّانية: قال الإمامُ: وإنَّما نُهِيَ عن الخروج لئلّا يقول: لولا خروجي ما سلِمتُ فيشرك، ولولا أنِّي فعلت كذا وكذا ما نجيت، فهذا هو النّهيُ، وأيضًا فيكون ذلك فرارًا من قَدَرِ الله. وقال قوم: إنّما نُهِيَ عن الخروج لئلًا يضيع المرصى فيكون ذلك عَونًا عليهم، أَلا ترى أنّ فرضَ الجمعةِ يسقطُ بحقِّ المريض. ووجه ثانٍ: إذا قدم على الوباء ثمّ اختلف الهواء، أو كان سببًا للموت بتَحرُّك الأمراض والأسقام بالهواء، وقد وقع الطّاعون بالشّام فقال (١): إنّه رجس فتفرّقوا عنه، فقال شرحبيل: سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ: "إِنَّها رَحمَةُ رَبِّكُم، وَدَعوَةُ نَبِيِّكُم، وَمَوتُ الصَّالِحينَ قَبلكُم، فَلَا تَفَرَّقُوا" (٢). تنبيه: وقد ظنّ قوم (٣) أنّ قوله: "وَدَعوَةُ نَبِيِّكُم" قوله ﷺ : "اللَّهُمَّ اجعَل فَنَاءَ أُمَّتِي بِالطَّعنِ وَالطَّاعُونِ" (٤) وربُّنا أعلمُ بهذا. الفائدةُ الثّالثة (٥): ذكر مالك حديث عُمر في خروجه إلى الشّام، واستوفَى مساقَهُ بخلاف غيره، وإنّما فعل ذلك لكثرة فوائده، وقد استوفينا ما فيه في "الكتاب الكبير" ففي هذا الحديث:

стр. 3516

خروجُ الإمام على الجيوش بنفسه دون أنّ يستخلفَ عليها أحدًا من أصحابه. الفائدةُ الرّابعةُ: فيه قصدُه إلى الثَّغرِ ليتفقَّدَ أموره ومصالح المسلمين. الفائدةُ الخامسةُ: تركُ الإمام دَوحَةَ المُلكِ ومَقَرَّ الخلافةِ خاليةً منه. الفائدةُ السّادسةُ: تَلَقِّي الوُلاةِ والنّاسِ له شوقًا وتعظيمًا، وقد كان يُفعَلُ ذلك بالنبيّ ﵇. الفائدةُ السابعةُ: تَوَقُّفُه للخَبَرِ المَخُوفِ. الفائدةُ الثَامنةُ: استشارتُه للنَاس (١)، وهي سُنَّةٌ في الجاهليّة والإسلام والمِلَّةِ؛ لأنَّ الاستشارة مَخَاضَةُ العقلِ ومِحضَنَتُهُ. الفائدةُ التّاسعةُ: فيه الكلام بالآراء دون ذِكْرٍ لقولِ الله أو لقولِ رسولِ الله. العاشرة: فيه ترتيبُ النَّاسِ على منازلهم كما رُوِيَ في الحديث: "أُمِرنَا أنّ نُنْزِلُ النَّاسَ مَنَازِلهُم﴾ " (٢). الحاديةَ عَشَرَةَ: فيه البدايةُ بالهجرةِ، وهي المنزلةُ الثَالثةُ في الدِّينِ، والرّابعةُ هي النُّضْرَةِ،

стр. 3517

وتقديمها (١) على النّصرة، وقد بَيَّنَّا ذلك في "كتاب الجهاد" في قوله: "لَولَا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امرَأً مِنَ الأَنصَار" (٢). الثّانية عَشَرَ: فيه تقديمُهُ مشيَخَةَ قريشٍ على من سِوَاهُم من النَّاس، لفضل البَيْتِيَّة ولِحُرْمَةِ القَرَابَةِ، وبعدَ ذلك فلا فضيلةَ، بلِ النَّاس سواء كأسنان المُشْطِ، إِلَّا من قَدَّمَهُ العلّمُ والعملُ. الثّالثة عَشَرَ: فيه إمضاءُ العَزمِ، وقد نَظَرَ بعضُهم إليه. الرّابعةَ عَشَرَ: فيه أخذُ الإمامِ بالفَتْوَى بما يرى أنّ فيه صلاح المسلمين. الخامسَةَ عَشَرَ: فيه إمضاؤه للحُكْمِ، لقوله (٣): "إِنِّي مُصْبحٌ عَلَى ظَهْرٍ" (٤). السّابعة عَشَرَ: فيه مراجعةُ الفتْوَى بعدَ القضاءِ، ولكن مِمَّن اؤتُمِنَ. الثّامنةَ عَشَرَ: فيه الإقرارُ بالقضاء والقَدَرِ، ويأتي بيانهُ إنَّ شاء الله بعدَ هذا. التّاسعةَ عَشَرَ: فيه التمثيلُ والتّنظيرُ في مسائل الدِّينِ، والحُكْمُ بها على أفعالِ المسلمينَ.

стр. 3518

الموفِّيةُ عشرين: فيه دخولُ القياس في أُصولِ الدِّين، وبالقاس عُرِفَ الله، ولولاهُ ما كان للعلّم به سبيلٌ لأحدٍ من الخَلْقِ. الحاديةُ والعشرونَ: فيه العمل بخَبَرِ الواحدِ (١)، أخبرَ الحاكِمُ بمَن حضَرَ عمّن غابَ. الثّانيةُ والعشرونَ: فيه العمل بخَبَرِ الواحدِ في الأُمورِ العِظَامِ، فكيف لي الأُمورِ الصّغار؟! الثالثةُ والعشرونَ: تسميةُ رسول الله ﷺ الطّاعونَ رِجزًا أُرسِلَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَنَا (٢)، وقد سمّاه شهادةً عندنا، فقال: "وَالمَطْعُونُ شَهِيدٌ" (٣) وتحقيقه: أنّ الله تعالى جعلْهُ عذابًا لمن كان قبلنا بحِكْمَتَهِ، وجعلَهُ شهادةً لنا برحمته. الرّابعة والعشرونَ: قوله (٤): "لَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ" وإنّما ذلك لأمور منها: ألَّا تتعرَّضَ للحُتُوفِ، وإن كان لا نجاةَ من قدَرِ الله، ولكن من حُسْنِ قَدَرِهِ أنّ يسَّرَ لك الحَذَرَ. ومنها: إِلَّا تُشرِكَ به، فتقولَ: لو لم أَدخُلْ ما مَرِضْتُ. حديث مالك (٥)؛ أنّه بلَغَهُ أنّ عمر قال: "لَبَيْتٌ بِرُكبَةَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن عَشَرَةِ أَبيَاتٍ بِالشَّامِ". الإسناد (٦): قال مالك: "يُريدُ يطُول الأَعْمَارِ وَالبَقَاءِ وَلِشِدَّةِ الوَبَإِ بالشَّامِ" وهذا الكلام في "الموطَّأ" عند بعض رواته (٧)، وليس هو في كلِّ الموطّآت.

стр. 3519

العربيّة (١): قولُه: "بِرُكبَةَ" قال ابنُ وضَّاحٍ: رُكبَةُ موضعٌ بين الطائف ومكّة في طريق العراق (٢). وقال غيره: رُكبّةُ وَادٍ من أودية الطّائفِ (٣). فقه ذلك (٤): قال: وهذا الّذي فسّره مالك محتَملٌ، معناه عندي: أنّ الشّام كثير الأمراض والوَبَإِ والأسقام، وأن رُكبَةَ أرضٌ مُصِحَّةٌ طَيِّبَةُ الهواءِ، قليلةُ الأمراض والوبإِ؛ لأنّ الأمراض تُنقصُ من العمرِ أو تزيدُ في البقاءِ وتؤخّرُ الأجلَ، هذا لا يمكن. وقبل: إنَّ أهل رُكبَة يُعَمَّرون العُمُرَ الطبيعيَ لِقلَّةِ الفاكهة عندهم. باب النّهي عن القولِ بالقَدَرِ التّرجمة (٥): قال الإمام: هذا بابٌ قد بيَّنَّاهُ في "كتب الأصول" وأشرفنا الخَلقَ فيه على مراتبِ النّظرِ، ولكن لاهتبالِ مالكٍ به، وحُقَّ له، فنحنُ نشيرُ إلى أنموذجٍ من البيان فنقول: أمّا ترجمتُهُ بالنّهي عن القول بالقَدَرِ فغريبةٌ؛ لأنّ النّبيّ ﷺ قال في الحديث الصّحيح: "وأن تُؤمِن بِالقَدَر خَيرِهِ وَشَرِّهِ حُلوِهِ وَمُرِّهِ" (٦) فكيف يصحُّ أنّ يّنهّى عن القول بالقَدَرِ وذِكرهِ وهو مَحضُ الإيمانِ! ولكنّه إِنَّما بَوَّبَ بالنّهي؛ لأنّ الصّحابة كانت تَعَافُهُ؛

стр. 3520

لما تقدَّمَ من النّبيِّ إليهم فيه، والله أعلم. وقد رُوِي في الآثار: "إِذَا ذُكِرَ القَدَرُ فَأَمْسِكُوا" (١) ورُوِيَ عن النّبيّ ﷺ أنّه خرَجَ يومًا على أصحابه وهم يتكلّمون في القَدَرِ، فاحمَرَّ وَجهُه، وقال: "إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبلَكُم بهذا" وذكر باقي الحديث (٢). ووجهُ كراهية الكلام فيه: أنّ الخَوضَ فيه لا يَئولُ إلى بيانٍ؛ لأنّ البَيَانَ إذا تُعرَّضَ لبيانه فَسَدَ وخرجَ عن حَدِّهِ، إذ المفعولُ لا يُفعَلُ، والموجودُ لا يُوجدُ، وقد كان النّبيُّ ﷺ بَيَّنَ لأصحابه حينَ سألوهُ أوَّلَ دُفعَةٍ عنه، فقالوا له: هذا الّذي نحن فيه أمرٌ مستَأْنَفٌ، أم قد فُرِغ منه؟ فقال: "اعمَلُوا فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" الحديث (٣). فبعدَ أنِ استقرَّا القولُ فيه والبيانُ، لا يَبقَى إِلَّا الاعتراضُ المُشَكِّكُ. والَّذي يقطَعُ بهم قوله:

стр. 3521

﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (١). نُكتَةٌ أصولية اعتقادية: واعلم أنّ مذهب أهل الحقّ في القضاء والقَدَرِ والتوكُّلِ والطَّلَب وخَلْقِ الأفعالِ وإرادة الكائنات منتشرٌ، ولا يخرجُ شيءٌ من عِلْمِهِ وقضائه، وقُدرَتِهِ وإرادته ومشيئته. ولم نتعرَّض لاستيفاء هذه التّرجمة الآن. إنّما نذكر في هذا الكتاب أحكامًا ظاهرة قريبة من العقول لقرب الفائدةُ على النّاظر. فاعلم أوّلًا أنّ كلّ ما يجري في العالَمِ من خيرٍ وشرٍّ، ونفع وضُرٍّ، وإيمان وكفرٍ، وطاعةٍ ومعصيةٍ، وكذلك لا يطيرُ طائرٌ بجناحَيهِ ولا يدُبُّ حيوانٌ على بطنه أو رِجلَيهِ، ولا تسقطُ ورقةٌ إِلَّا بعلمه، ولا تتصرّف بعوضة إِلَّا بقضائه وقَدَرِهِ ومشيئته. كما لا يجري شيءٌ من ذلك إِلَّا وقد سبق عِلمُهُ به. واعلم أنّ القُدْرَةَ والطَّلَبَ لا يتنافيان، والتوَكّلَ والكسبَ لا يتضادّان، وذلك أنّ تعلمَ أنّ كلَّ ما قَضَى الله خالِقُنا في القضاءِ والقَدَرِ وَافَقَنَا في العلم، فَرُبَّ أمر قَدَّرَ الله وصوله إليك بغير طَلَبٍ وهو واصلٌ إليك، وَرُبَّ أمرِ قَدَّرَ الله وصوله إليك بغير طلب فلا يصل إليك إِلَّا بالطَّلَبِ، والطَّلَبُ أيضأ من المقدور، ولا فرق بين الأمر المطَلوب وبين الطَّلبِ في أنّهما مُقَدَّرَانِ. فمن هاهنا قلت: إنهما لا يتنافيان. وكذلك التوكّل مع الكسب؛ لأنّ التوكّلَ محلّه القلب، والكسب محلّه الجوارح، ولا يتضادّ شيئان في مَحَلَّينِ. فأحسن ما يتحقّق العبد: أنّ التّقدير من قِبَلِ الله تعالى، وإن تَعَسَّرَ شيءٌ فبتقديره، وإن اتّفق فبتيسيره. تنبيه: واعلم أنّ القَدَرَ سبب الطَّلَب، والطَّلَب سبب القَدَر، فكُّل واحدٍ منهما مُعِينٌ

стр. 3522

لصاحبه، وقال بعضهم لا تَدَعَنَّ الطَّلَبَ اتّكالًا على القَدَرِ، ولا تجهدنَّ نفسك في الطَّلَبِ معتمدًا عليه مستغنيًا بالقَدَرِ، فإنّك إذا جهدتَ نفسَكَ في الطَّلَبِ بوجود التّدبير، مصدِّقًا بالقَدَرِ، نلتَ ما تحاول ولم تضق عليك الأمور. مقدَّمةٌ أخرى في سرد الآثار والأخبار في معنى القضاء والقَدَرِ ممّا يُقَوِّي الإيمان وبزول التشكيك بواضح البرهان سليمة من الجدل والامتحان منها: ما سئل عنه عليّ بن أبي طالب ﵁ عن القَدَرِ، فأعرض عن السّائل، فأَبَى إِلَّا الجواب، فقال عليَ: أخبِرنِي أَخَلَقَكَ الله كَمَا شِئْتَ أَم كمَا شَاءَ؟ فَأَمْسَكَ الرَّجُلُ. فَقَالَ عَلِيُّ للحاضرين: أَتَرَونَهُ يَقُولُ: كما أشاء، إذا والله أضرب عُنُقَهُ، فقال الرَّجُلُ: كما شاء. فقال: أَيُحيِيكَ كما شاء أو كما شئت؟ قال: كما يشاء. قال: أيدخلك حيث يشاء أو حيث تشاء؟ قال: حيث يشاء. قال: فليس لك من الأمر شيءٌ. ورُوِيَ أنّ رجلًا قَدَريًّا ومجوسيًا تناظَرَا في القضاء والقَدَرِ، فقال القدريُّ للمجوسيّ: مالك لا تُسلِم؛ فقال المجوسي: لو أراد الله لأَسلمتُ. فقال القدريُّ: قد أراد الله أنّ تسلم، لكنّ الشيطان يمنعك. قال المجوسي: فأنا مع أقواهما، فالحُجَّةُ بالحُجَّةِ. فكان المجوسي أحسن اعتقادًا من القَدَرِيِّ. ورُوِيَ أنّ رجلًا من الخوارج قال لعليّ بن أبي طالب ﵁: أرأيتَ مَنْ حبسني سبيل الهُدَى، وسلك بي سبيل الرَّدَى، أَحْسَنَ إِلَيَّ أم أَساءَ؟ فقال علىٌّ: إنَّ كنت استوجبت عليه شيئًا فقد أساء، وإن كنت لم تستوجب عليه شيئًا فهو يفعل ما يشاء. حكاية: وَرُوِيَ أنّ رجلًا قال لبُزُرْجمِهر: هل تُناظِر في القَدَرِ؟ فقال: وما نصنع بالمناظرة في القَدَرِ رأيت ظاهرًا استدللت به على باطن، ورأيت أحمقَ مرزوقًا وعاقلًا محرومًا، فحلمت أنّ التَّدبِيرَ ليس للعباد، ولما وَلَّى كسرى بزرجمهر وجدَ في مِنطَقَتِهِ كتابًا فيه: إذا

стр. 3523

كان القَدَرُ حقًّا فالحرصُ باطلٌ، وإذا كان القَدَرُ في الناس طِبَاعًا فالثّقةُ بكلِّ أحدٍ عَجزٌ، وإذا كان الموتُ بكلِّ أحدٍ نازلًا فالطمأنينةُ إلى الدنيا حُمقٌ. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ (١) إنَّما كان الكنز لوحًا من ذهبٍ مكتوبٌ فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، عجبتُ لمن يؤمن بالقَدَرِ كيف يحزن! وعجبتُ لمن يُؤمن بالرِّزْقِ كيف يتعب! وعجبتُ لمن يؤمن بالموت كيف يفرح! وعجبتُ لمن يؤمن بالحسابِ كيف يغفل! وعجبتُ لمن يعرف الذنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئنّ إليها! لا إله إلا الله محمد رسول الله" (٢). خبر آخر: وقال يحيى بن مُعاذِ: عجبتُ من ثلاثةِ: رجُلُ يُدَبِّرُ تناول رزقه بتدبيره، وهو يرى تناقض تَدبيره، ورجلٌ شَغَلَة همّ تدبيره، ومن عالم مفتونٍ يعيبُ على زاهدٍ مغبوطٍ. آخر (٣): وقال ابن مسعودٍ: إن الرجُلَ ليُشرِفُ على الأمر من أمور التّجارة وغيرها، وكره الله فوق سماواته ذلك، فيقول للمَلَكِ: اصرِف عن عبدي هذا الأمرَ، فإنّي إن يسَّرتُهُ له أدخلْتُهُ به جهنّم، ويقول مسخطًا: سبقني فلانٌ، وحسَدَني فلان، ولو فعلتُ كذا وكذا لكان كذا، وما صرفه عنه إلاَّ الله. نُكتَةٌ: قال: استأذن العقلُ على الجدِّ فقال: اذهب لا حاجةَ لي بك فقال العقل: ولِمَ؟

стр. 3524

قال: لأنك تحتاج إليَّ ولا أحتاجُ إليكَ. وَوَصَّى حكيمٌ ابنه فقال له: رزقك الله جَدَّا يخدمك به ذو العقول، ولا رزقك الله عقلًا يخدمك به ذو الجُدُودِ. وكان يقال: إفراطُ العقلِ مُضِرٌّ بالجَدِّ. وُيرْوَى أنّ رَجُلًا خُيِّرَ في أمرٍ فَأَبَى أنّ يختار، وقال: إنِّي بِجَدِّي أوثق منّي بعقلي. وقال سهل: الخيرُ من الله أمرٌ، والشَرُّ منه نهيٌ، والله أوْلَى بالخير أنّ يُنْسَبَ إليه، ونحن أَوْلَى بالشَّرِّ أنّ يُنْسَبَ إلينا، والشَّرُّ منه وبه وليس إليه، والخيرُ منه وبه وإليه. وقال (١): العلّمُ والكتابُ والقضاءُ والقَدَرُ، والعلّم أقدم من الكتاب، ثمّ القضاء، ثمّ القَدَرُ، ولا يخرجُ الخَلقُ من القَدَرِ، والعِلم أصلٌ لا يخرج منه أحدٌ، والكتابُ يمحو ما يشاء ويثبت، والقضاء هو الحُكمُ الّذي يثبت، والقَدَرُ إظهارُهُ في الخَلقِ. وسئل (٢) عن القَدَرِ فغضب، فقال: إنَّ الله عالم بالأصل لا يُنسَب إلى جهلٍ، عادلٌ في الفرع لا يُنسَب إلى جَورٍ، كلُّ الخَلق فقيرٌ إليه، لا يستغنى عنه طرفة عين، فالفرارُ منه إليه، فإنّ الهارب من المقدور كالمتَقَلِّب في يد الطّالب. ومن ذلك ما وقع إلينا من لطائف مجرى القضاء والقَدَرِ ما جرى بمدينة إسكندرية، وذلك أنّ رجلًا من خَدَمَةِ السُّلطان أَخَلَّ بخدمته وغاب أيامًا، ثمّ ظَفِرَ به غُرَماؤه فقادوه إلى السُّلطان، فخشى من سَطوَتِهِ، فبينما هم يقتادونه إذ مرّ على بئرٍ على شارع الطّريق، فانساب من بينهم وترامَى في البئر. ولهذه المدينة تحت الأرض سَرَبٌ يسيرُ الرَّجلُ فيه قائمًا من أوّلها إلى آخرها، فما زال هذا الرَّجل يمشي في نَفَقٍ تحت الأرض، إلى أنّ وجد بئرًا صاعدًا فتعلّق بها. فإذا البئر في قصر السُّلطان، فلم يستفق أهل الدَّار إِلَّا والرَّجُل قد طلع عليهم من البئر، فقبض عليه السُّلطان وأراد به، فَفَرَّ بزعمِهِ من قُدرةِ

стр. 3525

السّلطانِ مُكرَهًا، ثمّ مضَى إليه برِجلَيهِ طائعًا. هكذا تفعل الأقدار، والكلام على هذا الفنّ كثيرٌ جدًا، لُبابُهُ ما سردناه عليكم. حديث مالك (١)، عن أبي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدمُ الَّذِي أَغوَيت النَّاسَ وَأَخرَجتَهُم مِنَ الجَنَّةِ؟ فَقَالَ آدَمُ: أَنتَ مُوسَى الَّذِي أَعطَاكَ الله عِلمَ كُلِّ شَيءٍ وَاصطَفَاكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدَّرَ عَلَى قَبلَ أنّ أُخْلَقَ بِأَربَعينَ سنةً". الإسناد (٢): انتهى الحديث إلى قوله: "قَبلَ أنّ أُخلَقَ" في حديث مالك، ورواه ابن عُيَينَةَ عن أبي الزِّنَاد بإسناده وزاد فيه: "قَبلَ أنّ أُخْلَقَ بِأَربَعِينَ سَنَةً" (٣). ورواه ابنُ شهاب، فاختُلِفَ عليه فيه، فمن أصحابه من جعله: عنه، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هريرة (٤). ومنهم من رواه: عنه، عن حُمَيد بن عبد الرّحمن، عن أبي هريرة (٥). ومنهم من يرويه: عنه، عن ابن المسيِّب، عن أبي هريرة. بألفاظٍ مختلفة (٦)، فيه (٧) أنّه قال له: أَنْتَ آدَمُ الذِي نَفَخَ الله فيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَعَلمَكَ الأَسمَاءَ كُلها، وَأَمَرَ المَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ؟ قَالَ نَعَم. قالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ أَخرَجتَنَا مِنَ الجَنةِ ونَفسَكَ؟ قال له آدَمُ: مَنْ أَنْتَ؟ قال: أَنَا مُوسى. قَالَ: أَنتَ نَبِيُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي كَلَّمَكَ الله من وَرَاء حِجَابٍ، وَلَمْ يَجعَل بَينَكَ وَبَينَهُ وَاسِطَةً وَلَا رَسُولًا من خَلقِهِ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: أَفَمَا وَجَدْتَ في كِتَابِ الله الذِي أُنْزِلَ عَلَيكَ أَنَّ ذَلِك كَانَ في الكِتَابِ قَبلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ:

стр. 3526

نعَم. فَقَالَ: أَتَلُومُنِي في شَيءٍ سَبَقَ مِنَ الله فِيهِ القَضَاءُ قَبلُ؟ قَالَ عِندَ ذَلِكَ رسولُ الله ﷺ : "فحَجَّ آدَمُ مُوسَى". قال أبو عمر (١): "هذا الحديث صحيح عند جماعة أهل العلم من جهة الإسناد، وكلّهم يرويه ويقرُّ بِصحًتِهِ. ويحتَجُّ به أهلُ الحديثِ والفقهِ، وهم أهلُ السُّنَّةِ في إثبات قِدَمِ علم الله. وسواء منهم من قال: خبرُ الواحدِ يُوجبُ العملَ دون العلّمِ، ومن قال: بل يُوجبُ العلّمَ والعملَ، كلُّهم يحتج به فيما ذكرنا؛ لأنّه خبرٌ جاء مجيئًا متواترًا فاشيًا. وأمّا أهلُ الباع فَيُنكرونَه، ويتعرَّضون فيه بضروبٍ من القول، كرهتُ ذِكْرَ ذلك؛ لأنَّ كتابنا كتاب سُنَّةٍ واتباع، لا كتاب جَدلٍ وابتداع". الأصول (٢): قال علماؤنا (٣): في هذا الحديث دليلٌ على أنّ الله قد سبق في عِلمِهِ ما يَكونُ، وأنّه في كتابٍ مسطورٍ، وجرى القلمُ فيه بما يكون إلى آخر الأَبَدِ، وأنَّ علمه قديم وأنّ العباد لا يعملون إِلَّا فيما قد عَلِمَهُ الله وقَضَى به وقَدَّرهُ. وفيه إثبات المشيئة لله سبحانه. الثّانية (٤): قوله: "أفَتَلُومُنِي عَلَى أَمرٍ قد قُدِّرَ عَلَيَّ" فهذا خصوصٌ لآدم ﵇؛ لأنّ ذلك إنّما كان منه ومن مُوسَى بعد أنّ تِيبَ على آدم (٥)، وبعد أنّ تلقَّى من رَبِّه كلمات فتاب عليه من ذنبه في أكل الشّجرة. وقد أجمع العلّماءُ على أنّه غيرُ جائزٍ لأحد إذا أنّ ما نهى الله عنه أو حرَّمهُ عليه أنّ يحتجَّ بمثلِ هذا، فيقول: أفتلومني على أنّ قتلتُ وقد سبق في عِلمِ الله أنّ أقتُلَ! وتلومني

стр. 3527

على أنّ أسرِقَ وأزني وأَجُور وقد سبق ذلك في علم الله وقَدَرِهِ. هذا ما لا يسوغُ لأحدٍ أنّ يجعلَهُ حُجَّةً لنفسه. والأُمَّةُ مجتمعةٌ على أنّه جائزٌ لوم من أَتَى ما يلامُ عليه من معاصي الله وذمّه على ذلك، كما أنّهم مُجمِعُون على حَمْدِ من أطَاعَ، وأَتى من الأمور المحمودة ما يُحمَدُ عليه. الثّالثة (١): والتقاءُ آدمَ وموسَى يمكن أنّ يكون كما قال ابنُ وهبٍ: أنّ يُرِيَهُ الله إيّاه وهو حيٌّ، والصّحيح (٢) أنّ يكون إنّما التقت أرواحهُما وهي الحياة الأَبَدِيَّة، وعَلِمَ ذلك رسولُ الله ﷺ بما يعلمُ به خبرَ السّماءِ في غير ذلك. وهذا ومِثلُهُ ممّا لا يطاقُ فيه على التَّكييف، وإنّما فيه التّصديق والتّسليم. الرّابعة: قولُه: "فَحاجَّ آدَمُ مُوسَى" (٣) قيل: إنَّ من هذا الحديث يخرجُ أنّ الجدال والحجاج مباحٌ (٤)، وهي مسألة خلاف. فإن قلت (٥): فعلم الجدل والكلام مذمومٌ كعلم النّجوم، أو مباح أو مندوب؟ فاعلم أنّ في هذا للناس غُلُوًّا وإسرافًا، فمن قائل: إنّه بدعةٌ وحرامٌ، وإنّ العبدَ إِن لَقِيَ الله بِكُلِّ ذنبٍ سوى الشّرك خيرٌ له من أنّ يلقاهُ بالكلام.

стр. 3528

ومن قائل: إنّه واجبٌ وفَرضٌ، إنّما على الكفاية أو على الأعيان وإنَّه أفضل الأعمال وأعلى القُرُبَاتِ، فإنّه تحقِيقٌ لعلّم التّوحيد، ونضالٌ عن دِينِ الله. وإلى التّحريم ذهب الشّافعيّ، ومالك، وأحمد بن حنبل، وسفيان، وجميع أهل الحديث من السّلف. قال ابن عبد الأعلى: سمعت الشّافعيَّ يوما ناظر حَفصَ الفَرد - وكان من متكلِّمي المعتزلة- فقال لأَنْ يلقَى الله العبدُ بكلِّ ذنبٍ ما خلا الشّرك خيرٌ من أنّ يلقاهُ بشيءٍ من الكلام، ولقد سمعت من حفص كلامًا لا أَقدِرُ أنّ أحكيه (١). وسئل الشّافعيُّ عن شيءٍ من الكلام فغضبَ وقال: سل عن هذا حفص الفرد وأصحابه أخزاهم الله (٢). ولمّا مرض الشّافعيُّ دخل عليه حفص الفرد، وقال: من أنا؟ قال: حفص الفرد لا حفظك الله ولا راعاك حتّى تتوب ممّا أنت فيه (٣). وقال بعضهم (٤): لو علم النَّاسُ ما في الكلام من الأهواء لَفَرُّوا منه فرارهم من الأسد.

стр. 3529

وقال أيضًا: إذا سمعت الرَّجل يقول الاسم هو المسمّى أو غير المسمّى فاشهد أنّه من أهل الكلام ولا دِينَ له (١). وقال الزعفراني: قال الشّافعيّ: حُكمِي في أصحاب الكلام أنّ يُضرَبُوا بالجَرِيدِ، وُيطافُ بهم على العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسُّنَّة وأخذ في علم الكلام (٢). وقال أحمد بن حنبل: لا يُفلِحُ صاحب كلام أبدًا، ولا يكاد يرى أحد ينظر في الكلام إِلَّا وفي قلبه دَخَلٌ (٣)، وبالغ فيه حتّى هجر الحارث بن أسدّ المُحَاسبي مع زُهدِهِ وَوَرَعِهِ بسبب تصنيفه كتابًا في الرَّدِّ على المبتَدعة، وقال له: ويحك ألستَ تحكي بدعتهم وتحمل النَّاس بتصنيفك على مطالعة البدعة والتّفكُّر في تلك الشُّبهات، فيدعوهُم ذلك إلى الرأي والبحث (٤). وقال مالك: أرأيت إنَّ جاء من هو أجدل منه، أياع دينه كلّ يوم بدين جديد؟ يعني: أنّ أقوال المتجادلين تتقاوم (٥). واحْتَجَّ أيضًا: أنّ ذلك لو كان من الدِّين لكان أهمّ ما يأمر به رسول الله ﷺ ويعلِّم طريقه، وُيثْنِي على أربابه، فقد علّمهم الاستنجاء (٦)، وندبهم إلى علم الفرائض وأثنى

стр. 3530

عليه، ونهاهم عن الكلام في القَدَرِ، فقال: "إِذَا ذُكِرَ القَدَرُ فَأَمْسِكُوا" (١). وقد رُوِّينَا أنّ سلمان الفارسي سئل عن الإيمان بالقدر، قال: إذا علم الرَّجل من قِبَلِ نفسه أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فذلك الإيمان بالقَدَرِ (٢). ولمّا خاض النَّاس في القول بالقَدَرِ بالبصرة مع مَعْبَدٍ الجُهَنِيّ، اجتمع مسلم بنيسار ورفيع أبو العالية، فقال أحدهما لصاحبه: تعالَ حتّى ننظر فيما خاض النَّاس فيه من هذا الأمر، فقعدا وتناظرا، فاتّفق رأيهما أنَّه يكفي المؤمّن من هذا الأمر، أنّ يعلم أنّه ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأنّه لا يصيبه إلّا ما كتب الله عليه، وأنّه يجري بعلمه (٣). وعن عطاء بن السّائب، عن يعلي بن مرّة؛ أنّ أصحابَ علي قالوا، إنَّ هذا الرَّجل في حرب، وإلى جنب عدوٍّ، وإنّا لا نأمن عليه فليحرسه منّا كلّ ليلة عشرة، وكان عليّ إذا صلّى العشاء لحقَ بِقِبلَةِ المسجدِ فَيُصَلّي ما شاء الله أنّ يصلّي، ثمّ ينصرف إلى أهله. فصلَّى ذات ليلة ثمّ انصرف، فرآهم فقال: ما أجلسكم هنا هذه السّاعة؟ فقالوا: جلسنا نحرسك، فقال: من أهل الأرض تحرسوني، أم من أهل السَّماء؟ فقالوا: نحن أهون على الله من أنّ نحرسك من أهل السَّماء، ولكن نحرسك من أهل الأرض، قال: فلا تفعلوا؛ فإنّه إذا قُضِيَ الأمرُ من السَّماء عمله أهل الأرض، وإنّ العبد لا يجد طعم الإيمان حتّى يُوقن أنّ ما أصابه لم يكن ليُخطِئَهُ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه (٤). وقال بلال بن أبي بردة لمحمد بن واسع: ما تقول في القضاء والقدر؟ فقال: أيّها الأمير، إنَّ الله لا يسأل عباده عن قضائه وقَدَرِهِ، وإنّما يسألهم عن أعمالهم.

стр. 3531

وَرُوِّينا أنَّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى الحسن البصري: إنَّ الله لا يطالب خَلقَهُ بما قضى عليهم، ولكن يطالبهم بما نهاهم عنه وأمرهم به، فطالب نفسَك من حيث يطالبك ربّك. حديث مالك (١)، عن مسلم بنيَسارِ؛ أنّ عُمَرَ سُئِلَ عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية (٢) فقال عمر: سَمِعتُ رَسُولَ الله ﷺ يُسأَلُ عَنْهَا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ الله خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهرَهُ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخرَجَ الذُرِّيةَ، فَقَالَ: خَلَقتُ هَؤُلَاءِ للجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي" الحديث. الإسناد (٣): قال الإمام: لم يختلف عن مالك في إسناده، وهو حديثٌ مُتقَطِعٌ؛ لأنّ مُسلِمَ بن يَسَارٍ هذا لم يلقَ عمرَ، بينهما نُعَيْمُ بن رَبِيعَةَ. وقيل (٤): نُعَيْم بن ربيعة ومسلم بنيَسار مجهولان غير معروفين بحمل العلم ونقل الحديث. وليس هو مسلم بنيَسار البصري العابد، وإنّما هو رجلٌ مَدَنِيٌّ مجهولٌ (٥). قال أبو عمر (٦): "وهذا الحديث وإن كان عليلَ الإسنادِ؛ فإنّ معناه قد رُوِيَ عن النّبيّ ﵇ من وجوهٍ عن عمر وغيره". الأصول: قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية (٧).

стр. 3532

قال (١): الأخذ ههنا القُدرة. وقال في الحديث: "إنَّ الله مَسَحَ بِيَدِهِ آدَمَ فَاسْتَخْرَجَ مِنهُ بَنِيهِ". فإن قيل: كيف يطابق المعنى الأخذ مع المسح؟ فالفائدة أنّه أخذٌ بِرِفْقٍ فيطابقُ المعنى، وقوله: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ جمعٌ؛ لأنّه أخرج من ظهر آدم بَنِيهِ، ومن ظهور بَنِيهِ حَفَدَتَهُم، فجمع وَبَانَ بالجمع أنّ الوجود الأوّل مثل الثّاني، وقوله في الحديث: "مَسَح بِيَمِينِهِ فَاستَخرَجَ ذِرِّيَتَهُ" بيَّنَ به الوجود الأوّل وصفته. وقوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ﴾ أي: قَدَّرَهُم في الوجود الأوّل، ليكونوا شهداء على أنفسهم في الوجود الثّاني، وإقدارهم في الوجود الأوّل كان نَظَرًا واستدلالًا عليه لتّصحّ الحُجَّةُ عليهم في الوجود الثّاني، فنقول: إنَّ الله تعالى خلقهم في الوقت الّذي قدّرهم خَلقًا سالمًا من الآفات والشهوات، عارفين بالنّظر والاستدلال، ليس فيهم آفة تمنع من النّظر، بخلاف الخَلقِ الثّاني. فإن قيل: كيف تقوم الحُجَّةُ عليهم وقد خُلِقُوا عارفين بغير شهوة بخلاف الخلق الثّاني؟ فالجواب: أنَّه لمّا خَلَقَ الآفات فيهم أخبرهم بها، وأخبرهم أنّها تؤدِّي إلى كذا وكذا، وحذِّرَهُم على ألسنة الرُّسُلِ، ومن حذَّرَكَ عن شيءٍ فلم تَحْذَرهُ فلا حُجَّةَ لك عليه. وقوله: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ (٢) أي: مخافةَ أنّ تقودوا هذا، والشّاهد هنا هو المقرّ. فإن قيل: لم سَلِمَ الخلْقُ الأوَّل من الآفات وكان ذلك في الثّاني؟ الجواب، قلنا: عِلمُهُ لا يَعلَمُهُ إِلَّا الله، ولا يُسأل عمّا يفعل. فإن قيل: لا نذكر الآن الإِشهَاد الأوّل؟ فالجواب: أنّه إنّما نذكر إذا ذَكَّرَنَا الله يوم القيامة. وحينئِذٍ يرجع المُشْرِكُون فيقولون: لا نقدر على جحد المعاصي فلنجحد الكفر، فتُكذِّبهم جوارحهم. هذا تفسير أهل السُنَّةِ. وأمّا أهل البدع فيقولون: لم نقدر قطُّ على ذلك، وإنّما هذه الأخبار على المجاز. فالجواب: أنّ هذا الأمر نحمله على اللّفظ ولا ننقله إلى المجاز إِلَّا بدليل.

стр. 3533

وقولُه: ﴿قَالُوا بَلَى﴾ بلى، هل هي بمعنى نعم هاهنا أم لا؟ قلنا: لا يصحُّ أنّ تكون هاهنا بمعنى نعم؛ لأنّهُ كُفْرٌ؛ لأنّها قد تكون نافية للرّبوبية. تتميم (١) في سرد الآثار: وعن عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: كان رسولُ الله ﷺ جَالِسًا وَفِي يَدِه عُودٌ يَنكُتُ بِهِ في الأَرضِ، فَرَفَعَ رَأسَهُ وَقَالَ: "مَا مِنكُم من نَفس إِلَّا وَقَد عَلِمَ مَنزِلَهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، فَلِمَ نَعَمَلُ؟ قَالَ اعمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (٢). وقالت الحكماءُ والعلّماءُ: القَدَرُ سِرُّ الله فَلا تَنظُروا فيه، فلو شاء الله ألَّا يُعصَى ما عصاهُ أحدٌ، فالعبادُ أَدَقُّ شأنًا وأحقرُ من أنّ يعصوا الله إِلَّا بما يريدُ. وَرُوِيَ عن الحسن أنَّه قال: لو شاء الله ألَّا يُعصَى ما خَلَقَ إِبليسَ. وقال مُطَرِّف بن الشّخير: لو كان الخيرُ في يد أَحَدِنَا ما استطاع أنّ يجعلَهُ في قلبه حتّى يكونَ الله هو الّذي يجعلُه فيه (٣). وقال: وجدتُ ابن اَدمَ مُلْقًى بين يدي الله والشيطانِ، فإن أنجاهُ الله نَجَا، وان خَلَّى بينه وبين الشيطان ذهب به (٤). ولقد أحسن القائل: لَيسَ للهِ العَظِيمِ نِدُّ وَهَذِهِ الأَقدَارُ لَا تُرَدُّ

стр. 3534

لَهُنَّ وَقتٌ وَلَهُنَّ حَدُّ مُؤَخَّرٌ بَعْضٌ وبعضٌ بَعدُ وَلَيسَ من هَذَا وَهَذَا بُدُّ وَلَيسَ مَكتُوبًا لِحَيٍّ خُلدُ وفي الحديث المرفوع: "إِذَا أَرَادَ الله بِعَبدٍ خَيرًا سَلَكَ في قَلبِهِ اليَقِين وَالتَّصدِيقَ، وإِذَا أَرادَ الله بعَبْدهِ شرًّا سَلَكَ في قَلْبِهِ الرِّيبَةَ والتَكذِيبَ" (١)، قال الله العظيم: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ الآية (٢). وقال الفضلُ الرقاشيُّ لإياس بنِ معاويةَ: يا أبا وائلةَ، ما تقولُ في الكلام الّذي أكثر النَّاس فيه -يعني القَدَرَ-؟ فقال: إن أَقرَرتَ بالعلّم خصمت، وإن أنكرتَ العلّمَ كفرتَ. وقال الأوزاعي: هَلَكَ عُبَّادُنَا وَخِيَارُنَا في هَذَا الرَّأيِ، يعني القَدَر. وسَئِلَ (٣) يحيى بن مَعِين، عن محمّد بن إسحاق صاحب "المغازي" هل ثبت عليه الّذي قيل فيه -يعني القدر-؟ قال: نعم. وأنشد أبو علي الجيّاني في معنى الذّمّ على ذلك: يَا لَذَّةً قَصُرَت وَطَالَ بَلَاؤُهَا ... عِنْدَ التَّذَكُّرِ في الزَّمَانِ الأَطوَلِ لَمَّا تَذكَّرهَا وَنَالَ نَدَامةً ... مِن بَعدِها يَا لَيتَنِي لَمْ أَفعَلِ وعن الحسن بن محمّد بن الحنفيّة، قال: أوَّلُ من تكلّم بالقَدَرِ، أنْ جاء رجلٌ فقال: كان من قَدَرِ الله أنَّ شَرَرَةً طَارَت فأحرقتِ الكعبةَ. فقال آخر: ليس من قَدَرِ الله أنّ تُحْرَقَ الكَعبَةُ. فكان هو أوّل الجَدَلِ (٤).

стр. 3535

وسمع ابنُ عبّاسٍ رجلين يختصمان في القَدَرِ، فقال: مَا مِنكُمَا إِلَّا زائغٌ (١). حديث مالك (٢)؛ أنَّه بلغه أنَّ رسول الله ﷺ قال: "تَرَكتُ فيكُم أَمرَينِ لَنْ تَضِلُّوا ما تَمَسَّكتُمْ بِهمَا: كِتَابَ الله وَسُنَّةَ نبِيِّهِ". الإسناد (٣): قال الإمام: قد رُوِيَ هذا الحديث مُسْنَدًا (٤) من طريق أبي هريرة وعَمرو (٥)، أمّا حديث أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إِنِّي قد خلفتُ فِيكُم اثْنَتَيْنِ -أو قال اثنَيْنِ- لَن تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كتَابَ الله وَسُنَّتِي" (٦). قال الإمام: الهُدَى كلَّ الهُدَى في اتّباعِ كتابِ الله، واتّباعِ سُنَّةِ رسولِهِ، فهي المُبَيِّنَةُ

стр. 3536

مرادَ كتابِ الله تعالى، إذا أشكلَ ظاهِرُهُ بيَّنَتِ السُّنَّةُ عن بَاطِنِهِ وعن مراد الله منه. والجدالُ فيما تعتقدُهُ الأفئدةُ من الضَّلَالِ. حديث طاوُس اليمانيّ (١)؛ أَنهُ قَالَ: أَذرَكتُ نَاسًا من أَصحَابِ رَسُولِ الله ﷺ يَقُولُونَ: كُلُّ شَيءٍ بِقدَرٍ. قال طاوُوسٌ: وسمعتُ ابن عمر يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ : "كُلُّ شَيءٍ بِقضَاءٍ وَقدَرٍ، حَتَّى العَجزِ وَالكَيْسِ، أَوِ الكَيْسِ وَالعَجزِ". وهكذا (٢) رواهُ يحيى على الشَّكِّ في تقديم أحد اللّفظين، وتابعه ابن بُكَيْرٍ وأَبُو مُصعَبٍ (٣). ورواه القَعنَبِيُّ (٤) وابنُ وهبٍ (٥) فلم يزيدا على قول طاووسٍ شيئًا. الإسناد: قال أبو عمر (٦): "أكثرُ رُوَاةِ "الموطَّأ" يروونه كما رواه يحيى، وهو الصّحيح". الأصول (٧): قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (٨) وقال عزّ من قائل ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٩) فليس لأحدٍ مشيئة أنّ تَنفُذ إِلّا أنّ تتقدّمها مشيئةُ الله، وإنّما يجري

стр. 3537

العبادُ فيما قد سبق في علم الله. والقَدَرُ سرُّ الله لا يُدْرَكُ بِجِدَالٍ، ولا يَشفي منه مَقَالٌ، والحُجَجُ فيه مُرْتَجَةٌ مُغلَقَةٌ، لا يُفتَحُ منها شيءٌ إِلَّا بكَسرِ شيءٍ. وقد تواترتِ الآثار عن السَّلَف بالنَّهي عن الجدال فيه والإِسلام له والإيمان به، لحديث ابن مسعود، عن النّبيّ ﷺ ، أنَّه قال: "إِذَا ذُكِرَ القَدَرُ فَأَمسِكُوا، وإِذَا ذُكِرَتِ النُّجُومُ فَأَمسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَ أَصحَابِي فَأَمسِكُوا" (١). والقاعدة (٢) في هذا الباب قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٣). حديث عبد الله بن الزبير (٤)، يقول في خُطبَتِهِ: "إِنَّ الله هُوَ الهَادِي وَالفَاتِنُ". المعاني (٥): الهُدَى والضَّلالُ ضِدَّان، وهذا مأخوذٌ من قوله ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي﴾ (٦) وقول نوح ﵇: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٧) ولا يكون في مُلكِ الله إِلَّا ما يريد، ومَا رَبُّك بظلّامٍ للعبيدِ. وعن عطاء بن أبي رَبَاح، قال: كنت عند ابنِ عبّاسٍ، فأتاه رَجُلٌ فقال: أرأيتَ مَنْ حَرَمَنِي الهُدَى وأَوْرَثَنِي الضَّلالةَ والرَّدَى، أتراهُ أَحْسَنَ إِلَيَّ أُوْ ظَلَمَنِي؟ فقال ابنُ عبَّاس: إنَّ كان الهُدى شيئًا لك عِنْدَهُ فَمَنَعَكَهُ فَقَد ظَلَمَكَ، وإن كان * الهُدَى هُدَى الله يُؤتِيهِ من يشاء، فما ظَلَمَكَ، ولا تُجالِسنِي بَعدَهُ (٨). وقد رُوِّينا أنّ غَيلَانَ القَدَرِيّ، وقف بِرَبيعةَ فقال له: يا أبا عثمانَ، أرأيتَ الّذي

стр. 3538

مَنَعَنِي الهُدَى ومَنَحَنِي الرَّدى، أأحسنَ إليَّ أم أساء؟ فقال له ربيعة: إنَّ كان منعك شيئًا هو لك فقد ظَلمك*، وإن كان فضلُه يؤتيه من يشاءُ فَمَا ظَلمَكَ شيئًا (١). قال الإمام: وهذا أخذهُ ربيعة من كلام ابن عبّاس. وقال غيلان لربيعةَ: أنتَ الّذي تزعُمُ أنّ الله يحبُّ أنّ يُعصَى؟ قال: وأنت الّذي تَزعُمُ أنّ الله يُعصَى قسرًا (٢). حديث مالكٍ (٣)، عن عمّه أبي سُهْيلِ بنِ مالكِ قال: كُنتُ أَسِيرُ مَع عُمَرَ ابنِ عَبدِ العَزِيزِ، فقال: مَا رَأيُكَ في هَؤُلَاءِ القَدَرِيَّةِ؟ قُلتُ: رأيِيْ أنّ تَستَتيِبَهُم، فَإِن قَبِلُوا، وإلَّا عَرَضتَهُم عَلَى السَّيفِ. فَقَالَ عُمرَ: وَذَلِكَ رَأيِي. الأصول والأحكام في مسائل: المسألة الأولى: في تسميتهم قدَرِيَّة قيل لهم ذلك لأنّهم يزعمون أنّهم يُقَدِّرُونَ أفعالَهُم ويُدبِّرُونَهَا، ويجعلونها مُقَدَّرَةً دون خالِقِهم (٤)، والقَدرِيُّ هو من يدّعي ذلك لنفسه، كما أنّ الصّانع الّذي يدّعي الصّناعة ويعْرَفُ بأنّه صانع مصوغ دون من يزعم أنّه يُصاغُ له.

стр. 3539

المسألة الثّانية (١): مذهب عمر بن عبد العزيز القتل والاستتابة. وقد زعم قومٌ أنَّه قَتَلَ غَيلانًا القَدَرِيَّ وصَلَبَهُ، وهذا جهلٌ بعلم أيّام النَّاس، وإنّما الصّحيح أنّ عمر لما ناظرَهُ دعا عليه وقال: ما أظُنُّكَ تموتُ إِلَّا مصلوبًا، فقتلَهُ هشامٌ وصلَبَهُ؛ لأنّه خرج مع زَيْد بن عليّ بن حسين ابن عليّ. ومذهبُ مالك (٢) وأصحابه أنّ القَدَرِيَّة يُستَتَابُون (٣)، قيل لمالك: كيف يستتابون؟ قال: يقال لهم اتركوا ما أنتم عليه وانزِعُوا عنه. المسألة الثّالثة (٤): هل يُسَلَّم على القَدَرِيَّة وأهل البدع وأهل الأهواء، أم لا؟ فمذهب مالك: لا يسلَّم عليهم، ولا يُصَلَّى خَلفَهُم، ولا يصلَّى عليهم، ولا تُقبَل شهادتُهُم (٥). تنقيح (٦): أمّا قولُه: "لَا يُصَلَّى خلفَهُم" فإنّ الإمامة يُتَخَيَّرُ لها أهلُ الكمالِ في الدِّين من أهل التّلاوة والفِقْهِ، هذا في الإمام الرّاتب. وأمّا قوله: "لَا يُصَلَّى عَلَيهِمْ" فإنّه يريد إِلَّا يُصَلَّي عليهم أيمّةُ الدِّين والعلّم؛ لأنّ ذلك زَجرٌ لهم وخِزيٌ لهم لابتِدَاعِهِم، رجاءَ أنّ ينتهوا عن مذهبهم، وكذلك تركُ ابتداءِ السّلامِ عليهم.

стр. 3540

وأمّا تركُ الصّلاةِ عليهم جملةً إذا ماتوا، فلا، بل السُّنَّةُ المجتمعُ عليها أنّ يُصَلَّى على كلِّ من قال: لا إله إِلَّا الله محمّدٌ رسول الله، مبتدعًا كان أو مرتكبًا للكبائر، ولا نعلم أحدًا من فقهاء الأمصار وأيمّة الفتوى يقول في ذلك بقول ظاهر مالك (١). وأمّا شهادتهم، فإنّ مالكًا شَذَّ في ذلك، إِلَّا ابنَ حنبل فإنّه قال: ما تُعجِبُنِي شهادةُ الجهمّية، والرّافضةِ، ولا القَدَرِيَّةِ، قال إسحاقُ: وكذلك كلُّ صاحِبِ بدعةٍ. وهذه المسألة انفرد بها مالك، وجماعةُ الفقهاء أبو حنيفة (٢) والشّافعيّ وأصحابهما والثوريّ والطّبريّ وسائر من تكلّم في الفقه إِلَّا مالكًا وطائفة من أصحابه، على قَبُولِ شهادة أهل البدع القَدَرِيَّة وغيرهم إذا كانوا عُدُولًا لا يَستَحِلُّونَ الزُّورَ، ولا يَشهدُ بعضُهُم على تصديق بعضٍ في خَبَرِهِ ويمينه كما تَصنَعُ الخطّابيّةُ (٣). وقال الشّافعيُّ: وشهادةُ من يَرَى إنفاذَ الوعيدِ في دُخولِ النَّارِ على الذَّنبِ إنَّ لم يَتُب منه، أَولَى بالقَبُولِ من شهادةِ من يستخِفُّ بالذُّنوبِ (٤). قال أبو عمر (٥): "كلُّ من يجيزُ شهادتَهُم لا يرى استتابتَهُم ولا عَرضَهُمْ على
следующие страницы →