← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

مرادَ كتابِ الله تعالى، إذا أشكلَ ظاهِرُهُ بيَّنَتِ السُّنَّةُ عن بَاطِنِهِ وعن مراد الله منه. والجدالُ فيما تعتقدُهُ الأفئدةُ من الضَّلَالِ. حديث طاوُس اليمانيّ (١)؛ أَنهُ قَالَ: أَذرَكتُ نَاسًا من أَصحَابِ رَسُولِ الله ﷺ يَقُولُونَ: كُلُّ شَيءٍ بِقدَرٍ. قال طاوُوسٌ: وسمعتُ ابن عمر يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ : "كُلُّ شَيءٍ بِقضَاءٍ وَقدَرٍ، حَتَّى العَجزِ وَالكَيْسِ، أَوِ الكَيْسِ وَالعَجزِ". وهكذا (٢) رواهُ يحيى على الشَّكِّ في تقديم أحد اللّفظين، وتابعه ابن بُكَيْرٍ وأَبُو مُصعَبٍ (٣). ورواه القَعنَبِيُّ (٤) وابنُ وهبٍ (٥) فلم يزيدا على قول طاووسٍ شيئًا. الإسناد: قال أبو عمر (٦): "أكثرُ رُوَاةِ "الموطَّأ" يروونه كما رواه يحيى، وهو الصّحيح". الأصول (٧): قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (٨) وقال عزّ من قائل ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٩) فليس لأحدٍ مشيئة أنّ تَنفُذ إِلّا أنّ تتقدّمها مشيئةُ الله، وإنّما يجري

стр. 3537

العبادُ فيما قد سبق في علم الله. والقَدَرُ سرُّ الله لا يُدْرَكُ بِجِدَالٍ، ولا يَشفي منه مَقَالٌ، والحُجَجُ فيه مُرْتَجَةٌ مُغلَقَةٌ، لا يُفتَحُ منها شيءٌ إِلَّا بكَسرِ شيءٍ. وقد تواترتِ الآثار عن السَّلَف بالنَّهي عن الجدال فيه والإِسلام له والإيمان به، لحديث ابن مسعود، عن النّبيّ ﷺ ، أنَّه قال: "إِذَا ذُكِرَ القَدَرُ فَأَمسِكُوا، وإِذَا ذُكِرَتِ النُّجُومُ فَأَمسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَ أَصحَابِي فَأَمسِكُوا" (١). والقاعدة (٢) في هذا الباب قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٣). حديث عبد الله بن الزبير (٤)، يقول في خُطبَتِهِ: "إِنَّ الله هُوَ الهَادِي وَالفَاتِنُ". المعاني (٥): الهُدَى والضَّلالُ ضِدَّان، وهذا مأخوذٌ من قوله ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي﴾ (٦) وقول نوح ﵇: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٧) ولا يكون في مُلكِ الله إِلَّا ما يريد، ومَا رَبُّك بظلّامٍ للعبيدِ. وعن عطاء بن أبي رَبَاح، قال: كنت عند ابنِ عبّاسٍ، فأتاه رَجُلٌ فقال: أرأيتَ مَنْ حَرَمَنِي الهُدَى وأَوْرَثَنِي الضَّلالةَ والرَّدَى، أتراهُ أَحْسَنَ إِلَيَّ أُوْ ظَلَمَنِي؟ فقال ابنُ عبَّاس: إنَّ كان الهُدى شيئًا لك عِنْدَهُ فَمَنَعَكَهُ فَقَد ظَلَمَكَ، وإن كان * الهُدَى هُدَى الله يُؤتِيهِ من يشاء، فما ظَلَمَكَ، ولا تُجالِسنِي بَعدَهُ (٨). وقد رُوِّينا أنّ غَيلَانَ القَدَرِيّ، وقف بِرَبيعةَ فقال له: يا أبا عثمانَ، أرأيتَ الّذي

стр. 3538

مَنَعَنِي الهُدَى ومَنَحَنِي الرَّدى، أأحسنَ إليَّ أم أساء؟ فقال له ربيعة: إنَّ كان منعك شيئًا هو لك فقد ظَلمك*، وإن كان فضلُه يؤتيه من يشاءُ فَمَا ظَلمَكَ شيئًا (١). قال الإمام: وهذا أخذهُ ربيعة من كلام ابن عبّاس. وقال غيلان لربيعةَ: أنتَ الّذي تزعُمُ أنّ الله يحبُّ أنّ يُعصَى؟ قال: وأنت الّذي تَزعُمُ أنّ الله يُعصَى قسرًا (٢). حديث مالكٍ (٣)، عن عمّه أبي سُهْيلِ بنِ مالكِ قال: كُنتُ أَسِيرُ مَع عُمَرَ ابنِ عَبدِ العَزِيزِ، فقال: مَا رَأيُكَ في هَؤُلَاءِ القَدَرِيَّةِ؟ قُلتُ: رأيِيْ أنّ تَستَتيِبَهُم، فَإِن قَبِلُوا، وإلَّا عَرَضتَهُم عَلَى السَّيفِ. فَقَالَ عُمرَ: وَذَلِكَ رَأيِي. الأصول والأحكام في مسائل: المسألة الأولى: في تسميتهم قدَرِيَّة قيل لهم ذلك لأنّهم يزعمون أنّهم يُقَدِّرُونَ أفعالَهُم ويُدبِّرُونَهَا، ويجعلونها مُقَدَّرَةً دون خالِقِهم (٤)، والقَدرِيُّ هو من يدّعي ذلك لنفسه، كما أنّ الصّانع الّذي يدّعي الصّناعة ويعْرَفُ بأنّه صانع مصوغ دون من يزعم أنّه يُصاغُ له.

стр. 3539

المسألة الثّانية (١): مذهب عمر بن عبد العزيز القتل والاستتابة. وقد زعم قومٌ أنَّه قَتَلَ غَيلانًا القَدَرِيَّ وصَلَبَهُ، وهذا جهلٌ بعلم أيّام النَّاس، وإنّما الصّحيح أنّ عمر لما ناظرَهُ دعا عليه وقال: ما أظُنُّكَ تموتُ إِلَّا مصلوبًا، فقتلَهُ هشامٌ وصلَبَهُ؛ لأنّه خرج مع زَيْد بن عليّ بن حسين ابن عليّ. ومذهبُ مالك (٢) وأصحابه أنّ القَدَرِيَّة يُستَتَابُون (٣)، قيل لمالك: كيف يستتابون؟ قال: يقال لهم اتركوا ما أنتم عليه وانزِعُوا عنه. المسألة الثّالثة (٤): هل يُسَلَّم على القَدَرِيَّة وأهل البدع وأهل الأهواء، أم لا؟ فمذهب مالك: لا يسلَّم عليهم، ولا يُصَلَّى خَلفَهُم، ولا يصلَّى عليهم، ولا تُقبَل شهادتُهُم (٥). تنقيح (٦): أمّا قولُه: "لَا يُصَلَّى خلفَهُم" فإنّ الإمامة يُتَخَيَّرُ لها أهلُ الكمالِ في الدِّين من أهل التّلاوة والفِقْهِ، هذا في الإمام الرّاتب. وأمّا قوله: "لَا يُصَلَّى عَلَيهِمْ" فإنّه يريد إِلَّا يُصَلَّي عليهم أيمّةُ الدِّين والعلّم؛ لأنّ ذلك زَجرٌ لهم وخِزيٌ لهم لابتِدَاعِهِم، رجاءَ أنّ ينتهوا عن مذهبهم، وكذلك تركُ ابتداءِ السّلامِ عليهم.

стр. 3540

وأمّا تركُ الصّلاةِ عليهم جملةً إذا ماتوا، فلا، بل السُّنَّةُ المجتمعُ عليها أنّ يُصَلَّى على كلِّ من قال: لا إله إِلَّا الله محمّدٌ رسول الله، مبتدعًا كان أو مرتكبًا للكبائر، ولا نعلم أحدًا من فقهاء الأمصار وأيمّة الفتوى يقول في ذلك بقول ظاهر مالك (١). وأمّا شهادتهم، فإنّ مالكًا شَذَّ في ذلك، إِلَّا ابنَ حنبل فإنّه قال: ما تُعجِبُنِي شهادةُ الجهمّية، والرّافضةِ، ولا القَدَرِيَّةِ، قال إسحاقُ: وكذلك كلُّ صاحِبِ بدعةٍ. وهذه المسألة انفرد بها مالك، وجماعةُ الفقهاء أبو حنيفة (٢) والشّافعيّ وأصحابهما والثوريّ والطّبريّ وسائر من تكلّم في الفقه إِلَّا مالكًا وطائفة من أصحابه، على قَبُولِ شهادة أهل البدع القَدَرِيَّة وغيرهم إذا كانوا عُدُولًا لا يَستَحِلُّونَ الزُّورَ، ولا يَشهدُ بعضُهُم على تصديق بعضٍ في خَبَرِهِ ويمينه كما تَصنَعُ الخطّابيّةُ (٣). وقال الشّافعيُّ: وشهادةُ من يَرَى إنفاذَ الوعيدِ في دُخولِ النَّارِ على الذَّنبِ إنَّ لم يَتُب منه، أَولَى بالقَبُولِ من شهادةِ من يستخِفُّ بالذُّنوبِ (٤). قال أبو عمر (٥): "كلُّ من يجيزُ شهادتَهُم لا يرى استتابتَهُم ولا عَرضَهُمْ على

стр. 3541

السَّيف"، وقد بينّا ذلك في "كتاب الشهادات" (١). جامع ما جاء في أهل القدر حديث مالك (٢)، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "لَا تَسأَلِ المَرأَةُ طَلَاقَ أُختِهَا (٣) لِتَستَفرغ صَحفَتَها (٤)، وَلِتَنكِحَ؛ فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا". الأصول (٥): قال الإمام: في هذا الحديث إثبات القَدَرِ، والإقرار بعدم العلم، بقوله: "إِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا" (٦) وهذا نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (٧). وذِكْرُ الصَّحفَةِ في هذا الحديث، كنايةٌ عن خير الزّوج لتنفرد به وحدَها. وفي هذا الحديث دليلٌ على كراهية اشتراط المرأةِ على زوجها أنّ يعقد لها على نفسه؛ أنّ كلَّ من ينكحها عليه طالق.

стр. 3542

وأمّا سؤالُها طلاقَ مَنْ جَمَعَها معها رجلٌ واحد، فَنَصٌّ لا دليلٌ. حديث معاوية (١) على المنبر: أَيُّها النّاسُ، إنَّهُ لَا مَانِعَ لما أَعْطَى الله، ولَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ الله، وَلَا يَنفَعُ ذَا الجدِّ منكَ الجَدُّ، مَنْ يُرِدِ الله بهِ خَيْرًا يُفقِّههُ في الدِّين، ثُمَّ قَالَ: سمِعْتُ هؤُلاء الكَلِمَاتِ من رَسُولِ الله عَلَى هَذِهِ الأَعوَادِ. الإسناد (٢): هذا حديثٌ صحيحٌ، وإن كان ظاهرُهُ من رواية مالك في "الموطَّأ" الانقطاع (٣)، وظاهرُ حديثِ مالكٍ: أنّ معاوية سمع الحديث كلَّه من النّبيِّ ﷺ . ورَوَى أهلُ العراق من الطُّرُقِ الصِّحاح أنّ معاوية كتب إلى المغيرة بن شُعْبةَ؛ أنِ اكتب إِلَيَّ بشيءٍ حفِظتَهُ من رسول الله ﷺ ، قال: فكتب إليه المغيرةُ: إنِّي سمعت رسولَ الله ﷺ يقولُ حين يسلِّمُ من الصّلاة: لا إله إِلَّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، اللَّهُمَّ لا مانِعَ لما أَعطيتَ، ولا مُعطِي لما منعتَ ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ". إلى هاهنا انتهى حديث المغيرة، وفي كثيرٍ من طُرُقِهِ (٤) ليس في شيءٍ منها: "مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيرًا يُفقِههُ في الدِّينِ" فهذه الكلمات هي الّتي سمع معاوية من رسول الله ﷺ على أعواد مِنْبَرِهِ. الغريب (٥): قوله: "وَلَا يَنفعُ ذَا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ": فالرِّواية عندنا في "الموطَّأ" الجَدُّ. بفتح الجيم. وهو الأغلب عند أهل العلم بضبط الحديث، وهو الّذي فسَّره أبو عُبَيد وغيرُهُ بأنّه الحَظُّ. قال أبو عُبَيْد (٦): "لا ينفعُ ذا الغِنَى غِنَاهُ، وإنّما ينفعه العملُ بطاعتك". واحتجّ

стр. 3543

بقوله ﵇: "قمتُ على باب الجنَّةِ فإذا عامّةُ من يدخلُها الفقراءُ، وإذا أصحاب الجَدِّ محبوسونَ" (١) يعني أصحاب الغنى، وقد رُوِيَ هذا الحديث بكسر الجيم، وكان ابنُ حبيب يقول: "لا يجوز فيه إِلَّا الكسر، وهو الاجتهاد"، قال: "والمعنى: أنَّه لا ينفع أحدًا في طلب الرِّزق اجتهادُهُ، وإنّما له ما قَسَم الله له منه، وليس الرِّزقُ على قَدرِ الاجتهادِ، ولكنَّ الله يُعطي من يشاءُ ويمنعُ من يشاء" (٢). وهو أيضًا وجهٌ حَسَنٌ محصّلٌ غير مدفوع، والله أعلم بما أراد رسوله بقوله ذلك. حديث مالك (٣)؛ أنّهُ بلغه أنَّه كان يقال: الحَمدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ كَمَا يَنبَغِي، الَّذِي لا يُعجِلُ شَيْءٌ إِنَاهُ وَقَدَرَهُ، حَسبِيَ الله وَكَفَى، سَمِعَ الله لِمَن دَعَا، لَيْسَ وَرَاءَ الله مَرمَى. الإسناد (٤): هكذا رواه يحيى وطائفة من رواة "الموطَّأ": " يَعجَلُ شَيءٌ (٥) إنَاهُ وقَدَرَهُ" كأنّه يقول: الحمد لله الّذي قضى بألّا يتقدَّمَ شيءٌ وقتَهُ وحِينَهُ الّذي قَدَّرَهُ فيه، أو قُدِّرَ له، وإِنَاءُ الشيءِ: وقْتُه وحينُه، بدليل قوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ (٦) أي: وقته وحينه. ورواه القَعنَبِىُّ: "الذِي لَم يُعَجِّل شَيئًا اَنَاهُ وَقَدَّرَهُ" وَرَوَتهُ هكذا أيضًا طائفةٌ (٧)،

стр. 3544

والمعنى فيه: أنّ الله لا يُعَجِّلُ ما قَضَى بتأخيره، ولا يُؤخِّر ما قَضَى بتعجيله، وكُلُّ على ما سَبَقَ في عِلمِهِ. والأناءُ والأناةُ في اللُّغة: التّأخير. قال الحُطَيئَة (١): وَآنيتُ العَشَاءَ إلى سُهَيلٍ ... أَوِ الشِّعرَى فَطَالَ بِيَ الأَنَاءُ التّرجمة: قال الإمام: إنّما أدخل مالك هذا الحديث حجّة على القَدريَّة لقولهم: إنَّ للإنسان أنّ يعجلَ ما أراد عن وقته، وهو أَولَى؛ لأنّ فيه الحُجَّة عليهم. وأمّا قوله: "لم يعجل" معناه: أنّ الله لم يعجل شيئًا، ونحن نعرف ذلك، فلا حُجَّةَ علينا فيه. وأكثر الرّواة يروونه بفتح الجيم: "لم يعْجَل" فتقوم الحجّة عليهم من وجهين. وكذلك أدخل حديث: "لَا تَسأَلِ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُختِهَا إلى قوله: ما قُدِّرَ لَهَا" (٢) ردًّا على القَدَريَّةِ؟ لأنّهم يقولون: إنَّ الأرزاق قد قسمها الله، لكنّ القويّ يغلب الضّعيف فيأخذ رزقه. وكذلك أيضًا فعل مالك في الباب الّذي قبله (٣) في إدخاله الحديث قوله: "لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكتُم بِهِمَا: كِتَابَ الله وَسُنَّةَ رَسُولِهِ" فيه ردٌّ على القدريّة؛ لأنّ القدريّةَ تقول: لا نأخذ إِلَّا بكتاب الله؛ لأنّ الحديث يكشفهم، إذ هو وحيٌ وتفسيرٌ للقرآن. وقوله: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ الآية (٤)، ردٌّ عليهم، أي: لا يقدرون إِلَّا على ما قدّره الله عليهم وختم، فلا يدخل مالك حديثًا في بابٍ ويتبعه بآخر إِلَّا لمعنى بديع لا يتنبه لذلك إِلَّا فحول العلماء.

стр. 3545

الأصول (١): قوله (٢): "الحَمدُ للهِ الذِي خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ كَمَا يَنبَغِي" الحديث إلى آخره، أمّا قوله: "كَمَا يَنْبَغِي" فمعناه: كما يُرادُ، فإن رجَعَ ذلك إلى إرادةِ الخالقِ، فكذلك كانَ، وان رجَعَ إلى إرادةِ المخلوقِ، ففيه ما لا يريدُهُ المخلوقُ، وإن أراد غيرَ ذلك من المعنى فالكلمة قَلِقَةٌ وما أظنُّها نَبَوِّيةٌ. وأمّا قوله: "لَا يَعجَلُ شَيئًا" فقد ضُبطَ على عَشرِ صفاتٍ، أَضبِطُهُ لكم بالتّعجيم لا بحروف المعجَمِ، لئلَّا يَطُولَ، فاضْبِطُوهُ لئلا يَدرُسَ بِمُضِيِّ الزَّمانِ: الّذي لا يُعَجِّلُ شيئًا أَنَاهُ وقدَّره. وتُرَكِّبُوا بعضَها على بعضٍ وتُفَسِّروا "أَنَاهُ" بالاسمِ والفِعلِ، وتُرَكِّبُوهُ فعلًا على "يُعَجِّلُ"، أو يبقَى ظَرْفًا للشّيء على ما هو عليه. فإن قرأتَ: "يُعجَلُ" ببناءِ ما لم يُسَمَّ فاعِلُهُ، والجِيمِ مفتوحةً، كان سَلبًا للخَلقِ عن التَّصرُّفِ بغيرِ حُكمِ الخالقِ. وان قرأتَ بِضَمِّ الياءِ وخَفضِ الجِيمِ مُشَدَّدَةً، كان إخبارًا على أنّ البارىءَ إنّما يَخلُقُ أفعالَه على قَدرِ عِلمِهِ وقضائه. وإن فتحتَ الياءَ من: "يَعجَلُ" ورَفَعتَ: "شَيئًا" كان نِسبَةً للعَجَلَةِ إلى ذلك الشّيءِ، ويكونُ المعنى: أنّ شيئًا لا يَقدِرُ أنّ يتَعَجَّلَ بنفسه على شيءٍ يخرُجُ به عن قضاءِ ربِّهِ، وذلك كله ردٌّ على القَدَرِيَّةِ الّذين يقولون: إنَّ الخَلقَ بفعالهم يُعَجِّلُونَ الأشياءَ قبلَ وقتِها كالآجال، ويخالِفُونَ مُقَدَّرَها كالطّاعات، وبعضُ هذه الرِّواياتِ أقوى من بعضٍ، وقد بيَّنَّاه في "شرح النَّيِّرَينِ" لُبَابُهُ: أنّك إذا قلت "يُعجِلُ" بضمِّ الياء وإسكانِ العينِ وكَسر الجِيمِ، ونَصَبتَ "شيئًا" على المفعولِ، وقرأتَ "إِناه" بكسر الهمزة أو

стр. 3546

بفتحها. وإذا أسكَتتَ الدَّالَ من قوله: "قدرَه" ونصبتَ الراءَ ونصبت العينَ من "يُعَجِّلُ"، وشدَّدتَ الجِيمَ وباقيهِ كذلكَ، أو قرَأتَهُ بهذَين اللَّفظينِ، وشَدَّدت الدَّالَ من "قَدَّرَه" وفتحت الرَّاءَ، ونَصَبتَ الهمزةَ من "أَنَاه" على أنّهما فعلان لا اسمان، كان معناهُ على هذه الألفاظِ: أنّ الله تعالى لا يُقدِّمُ شيئًا قبل وقتِهِ، ولا يُعَجِّلُ شيئًا قَدَّرَهُ وأخَّرَهُ. وهذه الرِّوايات كلها ردٌّ على القَدَرِيَّةِ الّذين يقولون: نحن نُعَجِّلُ ونُؤَخِّرُ بأفعالنا، فالمعنى: أنَّه لا يجرِي كلّ شيءٍ إِلَّا على ما سبقَ في عِلمِهِ، لا يتقدّم شيءٌ، ولا يتأخر عن وقته الّذي سبقَ القضاء به. حديث مالك (١)؛ أنَّه بلغه أنّه كان يقالُ: إِنَّ أَحَدًا لن يَمُوتَ حَتَّى يَستَوفِيَ رزقَهُ، فَأَجمِلُوا في الطَّلَبِ. الإسناد (٢): قال الإمام: هذا حديثٌ مُسنَدٌ، معروفٌ محفوظٌ عند أهل العلم بالحديث (٣)، مرويٌّ من طرق كثيرةٍ عن جابر وغيره (٤) قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَحدَكُم لَن يَمُوتَ حَتَّى يَستَوفِيَ رِزقهُ، فَاتَّقُوا الله وَأَجمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا ما أَحلَّ الله، وَدَعُوا مَا حَرَّمَ الله" (٥)، وقد رُويَ من وجوه مختلفة الألفاظ، والمعنى واحدٌ أخذه أبو العتاهيّة فقال (٦):

стр. 3547

أُقَلِّبُ طَرْفَي مَرَّةً بَعدَ مَرَّةٍ ... لأعلَمَ مَا فِي النَّاسِ وَالقَلبُ يَنقَلِبْ فَلَم أَرَ عِزًّا كَالقُنُوعِ لأَهلِهِ ... وَأَن يُجمِلَ الإِنسَانُ مَا عَاشَ في الطَّلَبْ حديث: قولُه: "إِنَّ رُوحَ الْقُدس نفَث في رُوْعِي: أَنَّ نَفسًا لَن تمُوتَ حَتى تَسْتَوفِيَ رِزقَهَا" (١) حديثٌ معروفٌ، والكلام عليه في "الكتاب الكبير". و"روحُ القُدس" ههنا: جبريل ﵇. مَا جَاَءَ فَي حُسْنِ الخُلُقِ مالك (٢)؛ أنَّ معاذَ بن جبلٍ قالَ: آخِرُ مَا أَوصَانِي بِهِ رَسُولُ الله ﷺ حين وَضَعتُ رِجلِي في الغَرزِ، أنّ قَالَ: "أَحسِن خُلُقَكَ لِلنَّاسِ". الإسناد (٣): هكذا رواه يحيى عن مالك أنّ معاذا، ورواهُ غيرُه عن مالك أنَّه بلغه أنّ معاذا، وروته طائفةٌ من رواة "الموطَّأ" عن مالك، عن يحيى بن سعيد؛ أنّ معاذا (٤). قال الإمامُ: ولا يوجد بهذا اللّفظ مُسنَدًا (٥) عن النّبيِّ ﵇، وإنّما المحفوظُ

стр. 3548

أنّ رسولَ الله ﷺ لمَّا بعثَ معاذًا إلى اليمن (١)، قال له: "اتَّقِ الله، وَخَالِقِ الناسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ" (٢). ورُوِيَ عن معاذ في حديث آخر، قال: آخِرُ مَا أوصَانِي بِهِ رَسُولُ الله ﷺ أنّ قال: "لَّا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطبًا من ذِكرِ الله" (٣). وفي حديث آخر عن معاذ، قال: إنَّ آخرَ مَا فارَقْتُ عليه رَسُول الله ﷺ قلت له: يا رسولَ الله: أَيُّ شيءٍ أَنْجَى لابن آدَم من عذَاب الله؟ قال: "أنّ يمُوتَ وَلِسَانُهُ رطبٌ بذِكرِ الله" (٤). الأصول (٥): الخلقُ، والخُلُقُ عبارتانِ عن جُملةِ الإنسان، وأمّا الخَلقُ فعبارة عن صفَتِهِ الظّاهرةِ، وأمّا الخُلُقُ فعبارة عن صفته الباطنة، وقد يُعَبَّرُ عن الباطن بلفظ الظّاهر، ولا يُعَبَّرُ بلفظ الباطن عن الظّاهر. وفي ذلك كلامٌ بديعٌ قد بيناه في "الكتاب الكبير". غير أنّ العلماء اختلفوا، هل الخُلُق الحسن مكتسبة أو غريزية؟ فذهب أبو جعفر الطّبريّ إلى أنّها غريزيّة في أصل الخِلقَةِ، لحديث عمر بن الخطّاب: "البُخلُ والجُبنُ غَرائِز يَضَعُهَا الله حيثُ شَاءَ" (٦).

стр. 3549

وتعلّق من قال إنها مكتسبةٌ، بحديثِ معاذ هذا بقوله: "حَسِّن خُلُقَكَ لِلنَّاسِ". ولاشكّ أنّ الخُلُقَ الحسن محمود شرْعًا وعادةً، فالخُلُقُ الحسنُ، والإيمانُ والكفرُ، والعِلمُ والجهلُ، واللِّينُ والشِّدَّةُ، والسّخاءُ والبخلُ، وما أشبه ذلك من الصّفات والأشباه، والمحمود والمذموم يدورُ على عشرين خصلة. وقد أتقنَ مالكٌ هذا الباب ورتَّبَهُ، وذكر حديث عائشة قالت: "كَانَ خُلُقُ رَسُولِ الله ﷺ القُرآن" (١)؛ لأنّه تأدَّب فيه بآداب الله، وكلُّ من لا يتأدَّب بآداب الله في القرآن، فإنّه لا يحسن أنّ يُحمَدَ أبدًا، ولا يحمد أبدًا، فلمّا تأدّب رسول الله ﷺ بآداب القرآن، وتخلَّقَ به، أَثنَى عليه المولَى جلَّت قُدرتُه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٢). نكتةٌ: وإنّما أوصى رسولُ الله ﷺ لمعاذ بحُسنِ الخُلُقِ وهو قائم؛ لأنّه كان أميرًا، والأميرُ أحوجُ النَّاسِ إلى توسعة الخُلُق لرعيَّته، وكأنّه أشار له أنّ يقتديَ به لأنّه الأسوة الحسنة للنَّاس كافّةً. وأنشدني بعضُ الأصحابِ: فَأَيُّ نَبِيٍّ كَانَ للنَّاسِ مثلَه ... له جُمِعَ الإحسانُ من كُلِّ جَانِبِ فمكارمُ أخلاقٍ وفضلٌ ورحمةٌ ... وبَيْتٌ رَفِيعُ السَّمكِ عَالِي الجَوَانِبِ توسَّط عِزًّا من قريش مُنَعَّمًا ... وَجَاءَ بِمَجدٍ من لُوَيِّ بن غالبِ

стр. 3550

فَصَلَّى عليه الله ما ذَرَّ شارقٌ ... وأَقبَلَ صُبحٌ من شِعَاب الغَيَاهِبِ وكان رسولُ الله ﷺ لا يغضب لنفسه قطٌّ، فتأدَّب بقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١). وعن عائشة. ﵂. قالت: مَا ضَرَبَ رَسُولُ الله شَيئًا بيَدِهِ قَط، إِلَّا أنّ يُجاهِدَ في سَبِيلِ الله، وَلَا ضَرَبَ خَادِمًا، وَلا امرَأَةً قَطُّ، وَلَا خُيِّرَ فِيَ أَمرَينِ إِلَّا كان أَيسَرُهُمَا أَحبَّهما إِلَيهِ مَا لَمْ يَكُن إِثمًا، فَإِذَا كَانَ الإثمُ، كَانَ أبعَدَهُم مِنهُ، وَلَا انتَقَم لِنَفسِهِ مِن شَيءٍ يُؤتَى إِلَيِه، إِلَّا أنّ تُنتَهَكَ حُرُمَاتُ الله، فَيَكُونُ يَنتقِمُ لله (٢). الفوائد المنثورة: الأولى (٣): هذا الحديث يدلُّ ويندبُ الأمراء وسائر الحُكّامِ والعلّماء إلى أنَّه ينبغي لكلِّ واحدٍ منهم أنّ يتجافَى عن الانتقام لنفسه تَأَسِّيًا بنبيِّهِ ﷺ ، ولا ينسى الفَضلَ والأخذ به في العَفوِ عمّن ظَلَمَهُ. وقد أجمع العلماء على أنّ القاضيَ لا يقضي لنفسه. وأجمع الجمهورُ من الفقهاء؛ أنَّه لا يقضي لمن لا تجوز له شهادَتُهُ من بَنِيهِ وآبائه (٤).

стр. 3551

الثّانية (١): فيه الأخذ برخصة الله. الثّالثة: قوله (٢): "مَا انتَقَمَ رَسُولُ الله ﷺ لِنَفسِهِ" معناه: في الحقِّ الدّنِيويّ المتعلّق بالمال، وأمّا شَتمُه وسَبُّهُ فلابدّ من الانتقام فيه؛ لأنّه من حقوق الله تعالى، ولأنّه كُفرٌ وَمَن كَفَرَ لا يُترَك، ألَّا ترى أنّ من سَبَّهُ يُقتَل (٣)، ومن سبَّ الله يستتاب ويُؤَدَّب؛ لأنّ الله لا يتأَذَّىَ بذلك، بخلاف الرّسول. حديث مالك (٤)، عن ابن شهاب، عن عليِّ بن حُسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالب ﵁؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "من حُسنِ إِسلَامِ المَرءِ تَركُهُ مَا لَا يَعنِيهِ". الإسناد (٥): قال الإمام: هكذا رواه مالك في "الموطَّأ" عن ابنِ شهاب، عن عليّ بن حسينٍ، عن أبيه، وهو أيضًا مع ذلك مُرسَلٌ. وهو يُسنَدُ (٦) من طريق الزّهريُّ، عن أبي سَلَمَة،

стр. 3552

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من حُسنِ إِسلَامِ المَرءِ تَركُهُ مَا لَا يَعنِيهِ" (١). فهذه فائدةٌ في سَنَدِ هذا الحديث. الأصول: فيه لعلّمائنا تأويلان: أحدهما: قيل: هو فيما لا يجلب به نفعًا ولا يدفعُ به مضرّةً، وهو ممّا لا يعني، وهذا بعيدٌ. وكأنّه أراد أنَّه مَنْ أكثرَ مِن فِعلِ المباحات وقع في المكروهات، ومن وقع في المكروهات خِيفَ عليه الوقوع في المحرّمات، فالعالِمُ يقدرُ أنّ يُثَابَ على كلِّ فعلِ إذا قصد به وجه الله تعالى؛ لأنّه إذا أكل نوى التَّقوية على طاعة الله وابتغاء الحَلَالِ، وإذا لبس قصد ستر العورة، وإذا جامع قصدَ بذلك العِصْمة لنفسه وأهله وغير ذلك. وأمّا من قصدَ من المباحات الشّهوة خاصّة، فلا ثواب له على ذلك، إِلَّا أنّ يقول: أعفّ نفسي عن المحارم. وفي (٢) هذا الحديث من كلام النُّبوَّة وحكمتها ما لا ينحصر، وهو جامعٌ لمعانِ جَمَّةٍ من الخير. وفي صُحُفِ إبراهيم: من عَدَّ كلامَهُ من عَمَلِهِ، قَلَّ كلامُه إِلَّا بما يَعْنِيهِ (٣). وقيل للقمان الحكيم: ألستَ عَندَ بَنِي الحسحاس؟ قال: بلى، قالوا: فما بَلَغَ بك ما ترى؟ قال: صِدقُ الحَدِيثِ، وأَدَاءُ الأمانَةِ، وترك ما لا يعنيني (٤). وكان محمّد بن عجلان يقول: إنّما الكلامُ أربعةٌ: أنّ تذكُرَ الله، أو تقرأَ القرآنَ، أو

стр. 3553

تسأل عن علمٍ، أو تتكلَّم فيما يَعنِيكَ من أمر دُنيَاكَ (١). حديث مالك (٢)؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالت: استَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَت عَائِشَةُ: وَأَنَا مَعَهُ في البَيتِ، فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "بئسَ ابْنُ العَشِيرَةِ" ثُمَّ أَذنَ لَهُ، قَالَت عَائِشَةُ: فَمَا نَشِبتُ أنّ سَمِعتُ ضَحِكَ رَسُولِ الله ﷺ مَعَهُ. فَلَمَّا خَرَجَ الرِّجُلُ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله: قُلْتَ فِيهِ مَا قُلْتَ، ثُم لَمْ تَنشَبْ أَنْ ضَحِكتَ مَعَهُ، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنِ اتَّقَاهُ النَّاسُ لِشَرِّهِ". الإسناد (٣): هذا حديثٌ بَلاغٌ، ويُسْنَدُ من وجوهٍ صحاحٍ بألفاظٍ مختلفةٍ من حديث مجاهد عن عائشة، وابن المُنكَدِر. وأحسنها حديث ابن المُنكَدِر (٤). قال ابن عُيَينَة: سمعتُ محمّد بن المُنكَدِرِ يقولُ: حدَّثني عُروَةُ بنُ الزَّبير؛ أنَّه سمع عائشةَ زوج النّبيَ ﷺ تقولُ: استَأذَنَ رَجُلٌ عَلَى رسولِ الله ﷺ فقالَ: ائذَنُوا لَهُ، فَبِئسَ ابْنُ العَشِيرَةِ - أَو بِئسَ أَخُو العَشِيرَةِ - فَلَمَّا دخلَ أَلَانَ لَهُ القولَ، فلمّا خرجَ قلتُ: يا رسولَ الله: قلتَ الّذي قلتَ، ثُم أَلَنتَ له القولَ؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ من شَرِّ الناسِ عِنْدَ الله يَومَ القِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحشِهِ" فقال ابنُ المُنكَدِر: لا أدري أقال: تَرَكَهُ النّاسُ، أو وَدَعَهُ النّاسُ، قال سفيانُ: فعجبتُ من حِفظِ ابنِ المُنكَدِر. وقد رُوِيَ عن علي أنَّه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إِنَّ شِرَارَ النَّاسِ عِنْدَ الله الذينَ يُكرَمُونَ اتِّقَاءَ شَرِّهِم" (٥).

стр. 3554

وعن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : "خَيرُ النَّاسِ من يُرْجى خَيرُهُ وُيؤمَنُ شَرُّهُ، وَشَرُّ النَّاسِ من لَا يُرْجَى خَيرُهُ، وَلَا يُؤمَنُ شَرُّهُ" (١). الفوائد المنثورة في هذا الحديث: وهي ثلاث: الفائدةُ الأولى: قولُه للمستأذِن عليه: "بِئسَ ابن العشيرة" فيه دليل على إباحة الغيبة في الفاسق (٢)، ولقوله ﵇: "لا غِيبَة لِفَاسِقٍ" (٣). وفيه دليل على المداراة. قال الإمام: ودخل رَجلٌ على أبي الوفاء ابن عُقِيل ببغداد فتكلّم معه وحدَّثَه، ثمّ خرج فتكلَّم أبو الوفاء، فقلت له: هذا لا يجوز أنّ تتكلّم فيه، فقال: نعم يجوز، واحتجَّ بحديث عائشة هذا. وقال أسدّ بن الحارث: لا تجوز غيبة الفاسقِ، وبيان ذلك قوله ﵇: "إِنْ

стр. 3555

كَانَ حَقًّا فَقَدِ اغتَبتهُ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا بَهَتَّهُ" (١) إِلَّا أنّ يكون تشاور فيه، كالخِطبَةِ والشَّهادة وما أشبه ذلك. وأمّا الكافر فتجوز غِيبَتُه في غير وجهه، ولا تجوز في وجهه؛ لأنَّه يتأذَّى بذلك، ولم تكن له الذِّمَّة إِلَّا بالسَّلامة في المال والعِرضِ والدَّم. فإن قيل: فما معنى هذا الحديث إذا لم تصحُّ غِيبَة الفاسق؟ قلنا: معناه أنّ المؤلَّفةَ قلوبُهُم على ضربين: منافق لا مَطْمَعَ فيه، ومنافق مخلخل الإيمان، فلمّا عَلِمَ النّبيُّ ﵇ أنَّه لا مطمع فيه اغتَابَهُ، ألَّا ترى قول عمر لمّا قوِيَ الإِسلامُ قال للمؤلَّفَة قلوبهم: "لا حاجةَ لنا بإِعطَائهم" (٢) ولهذا يجوز غيبة الزِّنديق لأنّه أكثر من الكافر. حديث مالك (٣)؛ عن عمِّه أبي سُهَيلِ بنِ مالكٍ، عن أبيه، عن كعبِ الأحبارِ؛ أنَّه قال: إِذَا أَحبَبتُم أَنْ تَعلَمُوا مَا لِلعَبدِ عِنْدَ الله، فَانظُرُوا مَاذَا يَتبَعُهُ من حُسنِ الثَّنَاءِ. قال الإمام: يعني بعد موته (٤). الفوائد المنثورة: الفائدةُ الأولى (٥): أنّ تعلم أنَّ أصحاب النّبيِّ ﷺ لا يُثنُون على أحدٍ إِلَّا بصدقٍ، ولا يمدحون أحدًا إِلَّا بحق، لا لشيءٍ من أعراض الدُّنيا شهوةً أو تُقيَةً.

стр. 3556

الثّانية (١): وممَّا يقوِّي هذا الحديث والمعنى، ما رُوِيَ عن أنس أنّه قال: مُرَّ بجنازةٍ، فقيل لها: خَيرٌ، وتتابَعَتِ الأَلْسُنُ بِالخَيرِ، فقال ﵇: "وَجَبَت" قال: ومُرَّ بجنازةٍ، فقيل لها: شَرٌّ، وتتابَعَتِ الأَلْسُنُ بالشَّرِّ، فقال رسولُ الله صلّى الله عليه: "وَجَبَت، أَنْتُم شُهَدَاءُ الله في الأَرْضِ" (٢) وقد بيَّنَّاه في "كتاب الجنائز". حديث مالك (٣)، عن يحيى بنِ سعيدٍ؛ أنَّه قال: بَلَغَنِي أَنَّ المَرْءَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ القَائِمِ بِاللَّيلِ، الظَّامِىء بِالنَّهَارِ، أو قال بِالهَوَاجِرِ. الإسناد: قال الإمام (٤): هذا الحديث رُوِيَ عن النّبيّ ﵇ مُسْنَدًا (٥). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَكمَلَكُم إِيمَانًا أَحسَنُكُم أخلَاقًا إِذَا فَقِهُوا" فهذا هو سنده (٦). وعن أبي الدَّرداء عن النّبيّ ﵇ قال كعب: "إِنَّ في كِتَابِ الله المُنَزَّلِ: إِذَا أَرَادَ الله بِعَبدٍ خَيرًا حَسَّنَ خَلقَهُ وَخُلُقَهُ" (٧).

стр. 3557

المعاني: حَسَنُ الخُلُقِ خيرٌ من الصّائم القائم؟ لأنّ الصّوم عمله لنفسه لا يتعدَّى إلى النَّاس، وسوء الخُلُقِ وحسنه يتعدّى إلى النَّاس، ولا يصحُّ هذا المثال إِلَّا في النَّافلة من الصّوم والصّلاة، لا في الفرائض، والله أعلم. حديث مالك (١)، عن يحيى بن سعيد أنَّه قال: سمعتُ ابنَ المسيِّبِ يقول: ألَا أُخبِرُكُم بِخَيِرٍ مِن كَثِيرٍ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ! قَالُوا: بَلَى، قَال: إِصلَاحُ ذَاتِ البَينِ، وإيَّاكُمْ وَالبَغْضَاءَ فَإنَّهَا هِيَ الحَالِقَةُ. الإسناد (٢): قال الإمام: هذا الحديث قد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﵇، رواه يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ المسيِّبِ، عن أبي الدَّردَاءِ، عن النَّبيِّ ﵇ مُسنَدًا، وزاد فيه فقال: أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ حَالِقَةُ الشَّعرِ، وَلَكِنَّهَا حَالِقَةُ الدِّينِ (٣). المعاني (٤): وهذا أيضًا مثل ما تقدمّ أنَّه لا يكون إصلاحُ ذاتِ البَينِ خيرًا من صلاة الفريضة ولا الصَّدَقة الواجبة، وإنَّما أراد النَّافلة (٥). وقد قيل إنّه مندوبٌ إليه لقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ الآية (٦).

стр. 3558

حديث مالك (١)؛ أنَّه بَلَغَهُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "بُعِثتُ لأُتَمِّمَ حُسنَ الأخلَاقِ". تنبيه (٢): هذا حديث مُسنَدٌ صحيحٌ عن النّبيّ ﷺ ، أَوْصَلَهُ النَّاس (٣) عن ابن عجلان، عن القَعقَاعِ بن حَكِيمٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّمَا بُعِثتُ لأُتمِّمَ صَالِحَ الأَخلَاقِ". ما جاء في الحياء . التّرجمة (٤): قال الإمام: أدخل مالكٌ ﵀ قوله (٥): "الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ" وصَدَّرَ به، وإنّما صار من الإيمان المكتسب -وهو جِبلَّةٌ-، لما يفيد من الكَفِّ عما لا يحسن، فَعَبَّرَ عنه بفائدته على أَحَدِ قسمَي المجاز. مالك (٦)؛ عن سَلَمَةَ بنِ صفوانَ الزُّرقِي، عن زيدِ بنِ طَلحَة بن رُكَانَةَ، يرفعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﵇؛ قَال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لِكُلِّ دِينٍ خُلُقٌ، وَخُلُقُ الإِسلَامِ الحَياءُ". الإسناد (٧): الحديثُ مُرْسَلٌ، وهكذا رواه يحيى: عن زيد بن طلحة، وقال القَعنَبِيُّ (٨) وابنُ

стр. 3559

القاسم وابن بُكير (١): يزيد بن طلحة. * وهو الصّواب. وكذلك رواه وكيع (٢) وغيره عن مالك؛ قالوا: يزيد بن طلحة * عن أبيه (٣)، وأنكره ابنُ مَعِينٍ وغيرُه عليه؛ لأنّه ليس في "الموطَّأ": عن أبيه. وهو يزيد بن طلحة بن رُكَانَةَ بنِ عبدِ يزيدَ بنِ هشامٍ بنِ المطَّلِب بنِ عبدِ منَافٍ، قُرَشِيٌّ (٤) قال الإمام: والأحاديث الواردة ثلاثة: الأوّل: ما تقدّم. الثّاني: حديثُ معاذٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لِكُلِّ دِينٍ خُلُقٌ، وخُلُقُ الإسْلَامِ الحَيَاءُ، من لَا حَيَاءَ لهُ لَا دين لَهُ" (٥). الثّالث: وبإسناده (٦) قال: قال رسولُ الله: "زَيِّنُوا الإِسلَامَ بِخصلَتين، قلنا: ومَا هُمَا؟ قال: الحَيَاءُ والسَّمَاحَةُ في الله لَا فِي غَيْرِهِ". العربيّة: الحياء من الاستحياء ممدودٌ، وحياء النّاقة ممدودٌ. وقال أبو الحسن، قال ثعلب: حياء النّاقة يُمَدُّ ويقصر، وقيل: الحياءُ على ثلاثة أَوْجُهٍ، فالحَيَا: الغيث والخصب،

стр. 3560

مقصور (١)، ويكتب بالألف، وأصله الياء، وإنّما يكتب بالألف لأنّ الّذي قبل آخره ياء، فكرهوا أنّ يجمعوا بين ياءين. حديث مالك (٢)، عن ابن شهاب، عَن سَالِمٍ، عن ابنِ عمر؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ في الحَيَاءِ، فَقَالَ النّبيُّ ﵇: "دَعهُ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ". الإسناد (٣): قال الإمام: هكذا عند جماعة رواة مالك في "الموطَّأ" (٤) وغيره ولم يزيدوا فيه شيئًا في لفظه (٥)، ولا اختلفوا في إسناده. وهو حديثٌ صحيحٌ خَرَّجَهُ الأيمّة مسلم (٦)، والبخاري (٧)، وغيرهم من المصنّفين (٨)، وفي بعض ألفاظه (٩) زيادات. فرواه الزُّهْرِيُّ، عن سالم، عن ابن عمر؛ قال: سَمِعَ النَّبِيُّ ﵇ رَجُلًا يُعَاتِبُ أَخَاهُ في الحَيَاءِ يقولُ: إِنَّكَ لَتَستَحِي حَتَّى قَدْ أَضَرَّ بِكَ، فقال رسولُ الله: "دَعهُ، فَإِنَّ الحَياءَ مِنَ الإِيمَانِ" (١٠).

стр. 3561

ونظائره: حديث أنس بن مالك، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَا كَانَ الحَيَاءُ في شَيءٍ قَطٌّ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا كَانَ الفُحشُ فِي شَيءٍ قَطٌّ إِلَّا شَانَهُ" (١). وعن أنس أيضًا، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أَوَّلُ مَا يَنْزعُ الله مِنَ العَبدِ الحَيَاءُ، فَيَصِيرُ مَمقُوتًا مُمقَّتًا، ثُمَّ يَنْزعُ مِنهُ الأَمَانَةَ، فَيَصِيرُ خَائِنًا مُخَوَّنًا، ثُمَّ يَنْزعُ مِنهُ الرَّحْمَةَ، فَيَصِيرُ فَظًّا غَلِيظًا، وَيَخلعُ رِبقَةَ الإِسلَامِ من عُنُقِهِ، فَيَصِيرُ شَيطانًا لَعِينًا" (٢). وهذا الحديث ضعيفُ الإسناد عند أهل الحديث (٣)؛ لأنّ في طريقه خراش وهو مجهول، والحديث بهذا اللّفظ لا يُعرَفُ إِلَّا من هذا الوجه (٤). الأصول: قولُه: "الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ" يريد ثمرته، والإيمانُ كسبيٌّ، والحياءَ غريزيٌّ، وإنّما قال النّبيّ ﵇: "الحَيَاءُ مِنَ الإيمَانِ" لأنّ مِنَ الحياء يكون العَفَافُ وترك المعاصي، والمعاصي مثل الزِّنا وشُرب الخّمْرِ والغِيبَة مناقضةٌ للإيمان، فقال: "الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ" لأنّه مصاحبٌ للإيمان الّذي يكون منه الخير والعفاف، ومن الكفِّ عن المعاصي تمَّ إيمانُه، ومن الإيمان ما هو اعتقادٌ بالجنان، وفعل بالجوارح، وأداء الأركان. وللإيمان (٥) أصولٌ وفروعٌ، فمِنْ أصولِهِ: الإقرارُ باللِّسان مع اعتقادِ القلب بما ينطق به اللِّسان من الشّهادة للرّحمان: لا إله إِلَّا الله، محمّد رسول الله؛ وأنَّ كلَّ ما جاء به عن ربِّه حقٌّ؛ من البعث بعد الموت، والإيمانِ بملائكة الله وكتبه ورسله، وكلَّ ما أَحْكَمَهُ

стр. 3562

الكتاب، ونقلته الكافّة عن النّبيِّ ﵇ من الصّلاة والزَّكاة والصّيام والحجّ، وسائر الفرائض. وبعد هذا، فكلُّ عملٍ صالح فهو من فروع الإيمان، فبرُّ الوالدين، وأداءُ الأمانةِ من الإيمان، وحُسنُ العهد من الإيمان، وحُسنُ الجوار من الإيمان، وتوقيرُ الكبير من الإيمان، ورحمةُ الصّغير، حتّى إطعامُ الطّعام من الإيمان، وإفشاء السّلام من الإيمان. فهذه الفروعُ منْ ترك شيئًا منها لم يكن ناقص الإيمان بتركها، كما يكون ناقصَ الإيمانِ بارتكاب الكبائر وتَركِ عملِ الفرائضِ، وإن كان مُقِرًّا بها. والحياءُ مقيَّدٌ بالإيمان، يَردَعُهُ عن الكذِب والفجورِ والآثامِ، كما قال ﵇: "الإيمانُ قَيَّدَ الفَتكَ، لا يَفتِكُ مُؤمِنٌ" (١) والفتكُ: القتلُ بعد الأمان، والغَدرُ بعد التّأمين. فلمَّا صار الحياء والإيمان سبَبَيْنِ إلى فعل الخير، جُعِلَ الحياءُ شعبةً من الإيمان؛ لأنّه يمنعُهُ عن ارتكاب المعاصي، والله أعلمُ. وتلخيصُ هذا يطولُ شَرْحُه وبيانُه، وهذا كلُّه يدلُّ على أنّ الإيمان قولٌ وعملٌ كما قال أهل العلم بالفقه والحديث، وقد بيَّنَّا معنى الإسلام والإيمان في أوّل الكتاب فليُنْظَر هنالك. مَا جَاءَ في الغَضَبِ مالك (٢)، عنِ ابنِ شهابٍ، عَنْ حُمَيدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ؛ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيِّ ﵇ فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ الله، عَلِّمنِي كَلمَاتٍ أَعِيشُ بِهنَّ وَلَا تُكثِر عَلَيَّ فَأَنْسَى. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تَغْضَب".

стр. 3563

الإسناد (١): قال الإمام: هكذا في "الموطَّأ" عند جماعة الرُّواة (٢)، والحديثُ مُرسَلٌ (٣)، ويُسنَدُ من غير روايةِ ابنِ شهابٍ (٤)، من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخُدريّ (٥)، وعبد الله ابن عَمرِو بن العاصي (٦)، عن النّبيِّ ﷺ . أمّا حديث أبي هريرة؛ فإنّه قال: إنَّ رجُلًا قال: يَا رَسولَ الله، أَوْصِنِي بعَمَلٍ أَعْمَلُهُ، قال: "لا تَغْضَب" (٧). وأمّا حديث عبد الله بن عمرو، أنَّه قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ ، فقلت: يا رسولَ الله، مَا يُبعِدُنِي من غَضَبِ الله؟ قال: "لَا تَغضَبْ" (٨). وقيل (٩): كان الشَّعبيُّ من أولعِ النَّاس بهذا البيت: لَيسَ الأحَلامُ فِي حينِ الرِّضَا ... إنَّمَا الأحلَامُ فِي حينِ الغَضَب وقال غيرُه: لَا يُعرَفُ الحِلمُ إِلَّا سَاعَةَ الغضَبِ وقال أبو العتاهية (١٠): أُقَلِّبُ طَرفِي مَرَّةَ بَعدَ مَرَّة ... لأَعلَمَ مَا فِي النَّاسِ والدَّهرُ يَنْقَلِب فَلَمْ أَرَ عِزًّا كالقنُوع لأَهلِهِ ... وأَنْ يُجمِل الإنسَانُ ما عَاشَ في الطَّلَبْ

стр. 3564

وَلَمْ أرَ فَضلًا صَحَّ إِلَّا علَى التُّقَى ... وَلَمْ أَرَ عَقلًا تَمَّ إِلَّا عَلَى أَدَب وَلَمْ أرَ في الأَعدَاءِ حِينَ خَبَرتُهُم ... عَدُوًّا لِعَقلِ المَرءِ أَعدَى من الغَضَب الأصول: الرّجل الّذي جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: "عَلِّمنِي، وَلَا تُكْثِر عَلَيَّ فَأَنْسَى". قيل: هو عمّ الأحنف بن قيس (١)، فقال له النّبيُّ ﵇: "لَا تَغضَب" (٢). فجمع له ﷺ في هذه الكلمة حكمة عظيمة؛ لأنّ الغضبَ من أُمّهات المعاصي، وربّما أيضًا قال له ذلك لأنّه عرفَ أنّ الغضبَ أعظم أسباب المعاصي عنده، والغضبُ نارٌ في النَّفس ولذلك قال ﵇: "إذا غضب أحدُكُم وهو قائمٌ فليقعُد، وَإِن كَانَ قَاعِدًا فليضطجع" (٣)، وجاء: "فليغتسل بالماء فإنّه نَارٌ" (٤). وقال علماؤنا (٥): إنّما نهاه عمّا علم أنَّه هَوَاهُ، وأنّ الغالب عليه الغضب، فتفرَّسَ فيه، وعلم ذلك منه، كما قال لوفد عَبدِ القَيسِ: "لا تشربوا مسكرًا" (٦) وتركَ بيانَ سائر المعاصي لما علم أنّ الخّمْرِ هواهم وشهوتهم، وإنّما كان ذلك لأنّ المرء إذا ترك ما يشتهي كان أجدر أنّ يترك ما لا يشتهي، وخصوصًا الغضب، فإنّ من ملك نفسه عنده

стр. 3565

كان شديدًا، وإن من ملكها عند الغضب كان أَحرَى أنّه يتركها عند الكِبرِ والحسد وأخواتهما، على ما نُبيِّنُه إنَّ شاء الله. حديث مالك (١)؛ عنِ ابنِ شهاب، عنِ ابنِ المسيَّب، عن أبي هريرةَ: أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "لَيس الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ. إنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَملِكُ نَفسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ". الإسناد (٢): قال الإمام: هذا الحديث صحيح الإسناد (٣)، واختلف على مالك وعَلَى ابن شهاب في إسناده، والصّحيح ما في "الموطّأ". وتتعلّق بهذا الحديث أَخبارٌ كثيرة، وإن في هذا الحديث مجاهدة النَّفسِ في صَرفِها عن هواها أَشَدُّ محاولةً وأصعب مرامًا، وأفضلُ من مجاهدة العَدُوِّ؛ لأنّ النّبيِّ ﷺ قد جعل للَّذي يملكُ نَفسَهُ عند الغضب من القُوْة والشِّدَّةِ ما ليس للذي يغلبُ النَّاسَ ويصرعُهُم. وقوله "الصُّرَعَة" يريد: الّذي يصرع النَّاس ويَكثُرُ ذلك منه، كما يقال للرَّجل الكثير النوم: نُوَمَةٌ، وللكثير الحفظ: حُفَظَةٌ بالتّخفيف، وما أشبه ذلك. الأصول (٤): اعلم أنّ الغضبَ شعلةُ نارٍ (٥) اقتبست من نار الله المُوقَدَة، إِلَّا أنَّه لا تطَّلِعُ إِلَّا على

стр. 3566

الأفئدة، وإنَّها لمستكِنَّةٌ في طَيِّ الفؤاد استكنانَ الجَمْرِ تحت الرَّماد، ويستخرجها الكير الدّقيق من قلب كلِّ جبّارٍ عنيد، كما يستخرجُ الحجر النّار من الحديد، وقد انكشفت للنّاظرين بنور اليقين؛ لأنّ الإنسان ينزعُ منه عرق إلى الشَّيطان اللَّعين، فمن استفزّته نار الغضب فقد قرنه قرانة الشَّيطان، حيث قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (١). فإنّ شأن الطّين السّكون والوقار، وشأن النّار التّلظي والاستعار والحركة والاضطراب، ولذلك قال الحسن البصري: ابن آدم، كلّما غضبت وثبت، ويوشك أنّ تثب وثبةً فتقع في النّار. وأغلظَ رجلٌ (٢) لعمر بن عبد العزيز القول، فأطرق عمر طويلًا، ثمّ قال: أردتَ أنّ يَستَفِزَّني الشَّيطانُ بعزّة السُّلطان، فأنال منك اليوم ما تنال منِّي غدًا (٣). وقال وَهْب: للكفر أربعة أركان: الغضب، والشَّهوة، والخرق، والطَّمع. وقال نبيّ من الأنبياء لمن معه: من يتكفَّل لي أنّ لا يغضب، ويكون معي في درجتي في الجنَّة، ويكون بعدي خليفتي؟ فقال شابّ من القوم: أنا، ثمّ أعاد عليه، فقال الشاب: أنا أوفي به، فلمّا مات كان في منزلته بعده، وهو ذو الكِفل، سُمِّيَ به لأنّه كَفَلَ بالغضب ووفى به.

стр. 3567

نكتةٌ: والناسُ في الغضب أربعة: فبعضهم: كالحَلفَاءِ سريع الوقود سريع الخُمُودِ. وبعضهم: كالعصا بطيءُ الوقود بطيءُ الخُمُودِ. وبعضهم: بطيءُ الوقودِ سريعُ الخمودِ وهو الأحمد، ما لم يَنتَهِ إلى فتور الحمية. وبعضهم: سريع الوقود بطيء الخُمُودِ، وهذا هو أشرَّهم، وفي الخبر: "سَرِيعُ الغَضَبِ سرِيعُ الرِّضَى" (١) فهذه بتلك. وقال الشّافعيّ: منِ اسْتُغضِبَ فلم يغضب فهو حمار (٢). نكتةٌ نافعة للغَضَب (٣): ولو أنّ رجلًا تفكَّر في قُبحِ صورته عند غَضبِه، بأن يتذكَّر صورة غيره في حالة الغضب، ويتفكّر في قُبحِ الغضبِ في نفسه ومشابهتِهِ صاحب الكلب الضَّاري، والسَّبع العادي، ومشابهة الحليم الهاديء التَّارك للغضب الأنبياءَ والعلّماءَ والحكماء، ويُخيِّر نَفسَهُ بين أنّ يتشبَّه بالكلاب أو بالسِّباع أو أَرذَل النَّاس، وبين أنّ يتشبَّه بالأنبياء في الاقتداء إنَّ كان قد بقي معه مُسكَة عقل. والمعنى الثّاني: أنّ يتفكَّر في السّبب الّذي يدعُوه إِلى الانتقام ويمنعه من كظم الغيظ، ولابدّ أنّ يكون له سبب، مثل قول الشَّيطان له: إنَّ هذا يُحمَلُ منك على العجز وصِغَرِ النَّفس والذِّلة والمهانة، وتصير حقيرًا في أعين النَّاس، فلتأنف ذلك بما يؤول أَمرُه من سوء العاقبة، ومن الخزي يوم القيامة والافتضاح إذا أخذ بيدك للانتقام. وأن تتفكَّر بأن: "الغضبُ من الشَّيطان، وإنَّ الشَّيطان خُلِقَ من النَّار، وإنّما تُطفَأُ النّار بالماء، فإذا غضِبَ أحدُكُم فليتوضأ" (٤) وقال ﵇: "أَلَا إِنَّ الغَضَبَ جَمرَةٌ في

стр. 3568

قَلبِ ابنِ آدَمَ، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُم من ذَلِكَ شَيئًا فَليُلصِق خَدَّهُ بِالأَرْضِ" (١) وكأنّ هذا إشارة إلى السّجود، وتمكُّنِ أَعَزِّ الأعضاءِ من أذلِّ التُّرابِ والمواضعِ، لتستشعر النّفسُ الذُّلَّ. وغضب عمر بن الخطّاب يومًا، فدعا بماءٍ فاستنشق، وقال: إنَّ الغضب من الشَّيطان وهذا يُذهِبُ الغضبَ. وقال بعضهم (٢): إذا غضبتَ فانظُر إلى السَّماء فوقك وإلى الأرض تحتك، ثمّ عَظِّم خالقهما. قال الله العظيم: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ الآية (٣). فذكر ذلك في معرض المدح. وقال ﵇: "مَنْ كفَّ غضبه كفَّ الله عنه عذابه، وَمَنِ اعتَذَرَ إِلَى رَبِّهِ قبِلَ الله عذره، ومن خزن لسانه ستر الله عورته" (٤). وقال ﵇: "ما جرع عبد بأعظم أجرًا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله" (٥). وقال ﵇: "إنَّ لجهنم بابًا لا يدخلها إِلَّا من شفى غيظه بمعصية الله" (٦).

стр. 3569

وكان ﵇ يقول: "اللَّهُمَّ أَغْنِنِي بالعلّم، وزَيِّنِّي بالحلم، وكَرِّمْنِي بالتّقوى، وجَمِّلنِي بالعافية" (١) والكلام على هذا كثير جدًّا. ما جاء في المهَاجَرَةِ مالك (٢)، عنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي أَيُوبَ الأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: "لَا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أَن يُهَاجِرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يلتَقِيَانِ، فَيُعرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيرُهُمَا الَّذِي يَبدَأُ بِالسَّلَامِ". الإسناد (٣): قال الإمام: الحديثُ صحيحٌ مشهور، ورُوِيَ في هذا الحديث: "يَهجُر" (٤)، وَ"يُهَاجِرُ". والحديثُ الثّاني، حديثُ أبي أمامة المُسْنَد عن النّبيّ ﵇؛ أنَّه قال: "أَوْلَى النَّاسِ بالله مَنْ بَدَأَهُم بِالسَّلَامِ" (٥) وهذا يحتمل من المهاجرين ومن غيرهم.

стр. 3570

والحديث الثّالث: الحديث الصّحيح عن أبي هريرة؛ أنَّه قال: "لَا يَحِلُ لِمُؤمِنٍ أَنْ يُهجُرَ مُؤمِنًا فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَإِنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلَاثٌ فَلَقِيَهُ فَليُسَلِّم عَلَيْهِ، فَإِنْ رَدَّ ﵇ فَقَدِ اشتَرَكَا في الأَجرِ، وَإِنْ لم يَرُدّ عَلَيْهِ فَقَد بَاءَ بِالإِثْمِ. وَخَرَجَ (١) المُسلِمُ مِنَ الْهَجرِ" (٢). الغريب: الهجرُ: التّركُ من هجَر يهجُر هجرًا، علي بناء المصدر. الأصول: قال الإمام: في هذا الحديث سؤالات ثلاث: الأوّل: هل الحديث نصٌّ في أنّ لا تحلّ الهجرة فوق ثلاث، أو دليل خطاب؟ والثّاني: هل هو عموم أو خصوص؟ والثّالث: ما وجه الحكمة في هجرة الرَّجل أخاه ثلاثًا؟ وما وجه تخصيصه بالثّلاث؟ السؤال الأوّل: فإن قيل: هل هو نصٌّ في أنّ لا تحلّ الهجرة فوق ثلاث أو دليل خطاب؟ الجواب أنّ يقال: هو نصّ في الطرفين في جواز الثّلاث، وفيما فوق الثّلاث، ومعنى ذلك: أنّ كلّ كلامٍ دار بين طَرَفَينِ، نَفْيٌ وإثباتٌ، سَلبٌ وإيجابٌ، فالأوَّلُ فيه ضدّ الثّاني، وهذا نفي ما فوق الثلاث، فيكون الأوّل ضدّ الثّاني، وضدّه جواز الثّلاث فدون ذلك، ويسمِّيه المنطقيون المقابلة. وكذلك تكون الغاية، كقول القائل: سرتُ حتّى طلعتِ الشّمسُ، فالأوَّل إثباتٌ، والنَّفي لما طلعت. وقالوا: كلُّ كلام تُكُلِّمَ به يدلُّ على شيئين: يدلُّ على واحدٍ دلالةً لفظيَّةً، وعلى الآخر دلالةَ اقتضاءٍ، كقولنا: هذا خاتَم، فإنّه يدلُّ

стр. 3571

على فِضَّةٍ أو ذهبٍ، ويدلُّ على وجهٍ آخر بالاقتضاء على صائغ وآلة. السُّؤال الثّاني: هل هو عموم أو خصوص؟ والجواب: أنَّه على الخصوص؛ لأنّ مهاجرة أهل البدع جائزة، وكذلك أهل المعاصي. الدّليل على ذلك: أنّ النّبيَّ ﷺ هجر كَعبًا وأصحابَهُ، وأمران لا يكلِّمهم أحدٌ خمسين ليلةً (١). ودليل ثانٍ: أنّ عائشة ﵂ هجرت ابن الزُّبير لما خالفها، وذلك أنّها تأوَّلت أنَّه عاصٍ لمّا قال عبد الله: يضرب على يديها. السؤال الثّالث: ما وجهُ الحكمة في تخصيصه بالثلاث؟ الجواب، قلنا: قد تكلَّم النَّاس في ذلك، فقيل: لأنّ اليوم الأوّل يكون للغضب، والثّاني: للفكرة ولفتور الغضب، والثّالث: للاختيار، يقول لنفسه: لابدّ لَكِ من الصُّلح وإلّا وقعتِ في المعصية، واليوم الرّابع: للصلح وإلَّا وقع في الإثم بإجماع من الأُمَّةِ. فإن قيل: لأيِّ شيءٍ خُصَّت بثلاثة؟ وما الحكمة في الثّلاث؟ قالوا: إنَّ الثلاث تذكرة للأوائل وامصلوها، ألَّا ترى قوله: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ الآية (٢) وقوله "لا يُقيمُ المُهاجرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاِء نُسُكُهِ فَوْقَ ثَلَاثٍ" (٣). والحكمة: أنّ الله تعالى أباح هجران هذا القَدر لئلَّا يقع أحدٌ في المحظور؛ لأنّ طَبعَ النّفسِ الغضبُ والشِّدَّة والمنافسة والحَسَد في الأشياء، فأُبيح للإنسان أنّ يستريح في هجران صاحبه إلى هذا المقدار.

стр. 3572

نكتةٌ بديعة (١): وذلك أنّ تعلم أنّ الله تعالى خلق الخَلقَ أشتاتًا في الأهواء؛ لأنّه خَلَقَهُم من أشتاتٍ في الابتداء، ثمّ دعاهم إلى التآلف، وذلك ضدّ ما جبلهم عليه؛ لأنّه تعالى هو الدَّاعي، وهو المُيَسِّر، وهو الخالق لكلِّ شيءٍ له مقدار المقدَّر له، فإذا يسَّرَكَ لما أمرك فقد أدركت، وإذا حال بينك وبينه بُعْدٌ فقد فات، وكلُّ ذلك علامة على الهَلَكَةِ أو النّجاة. ولأجل هذا جعل في الهجران ثلاثًا؛ لأنّ المرء في ابتداء أمره في الغضب مغلوبٌ، فرخَّصَ له في التَّمادي على حاله حتّى يسكن الغضب بالاغتسال، كما جاء في الحديث (٢). والهجرانُ على أوجهٍ: فإن كان من أجل الدِّين، أو كان رجلًا مبتدعًا، فهجرانه جائزٌ، كما بينَّاه قبلُ، أنّ في حديث كعبٍ أصلًا في هجران أهل المعاصي والبدع. حديث مالك (٣)؛ عن ابنِ شهاب، عن أنس؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ الله إِخوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لمُسلِمٍ أَنْ يُهَاجِرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ".

стр. 3573

الإسناد (١): قال يحيى: "يُهَاجِرُ أَخَاهُ" وسائر الرّواة عن مالك يقولون: "يَهجُر" (٢)، والحديث صحيحٌ مُسنَدٌ. الفوائد المنثورة: وهي تسعة: الفائدةُ الأولى (٣): قوله: "لَا تَبَاغَضُوا" معناه: النّدب إلى رياضة النَّفْسِ عن التَّحَابِّ؛ لأنّ المحبَّة والبِغضَةَ لا يكادُ المرءُ يغلِبُ فيهما على نفسه، بدليل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ الآية (٤). وقال ﷺ : "الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنهَا اختَلَفَ" (٥) وقد تقدَّمَ (٦) حديث أبي الدَّرداء: أنّ البِغضَةَ حالقةُ الدِّينِ؛ لأنّها تبعث على الغِيبَة، وسَتْرِ المحاسن، وإظهار المساويء، وربَّما أدت إلى ما هو أكثر من ذلك. وحقيقة البغض: هي كراهية النفس للمرء وصفاته. الفائدةُ الثّانية: قوله: "وَلَا تَحَاسَدُوا": وحقيقةُ الحسدِ (٧): تمنِّي نقل النِّعمة من غيرك إليك، فينبغي للمرء أنّ يسأل الله من فضله. وهو ينقسم قسمين: محمودٌ، ومذموم.

стр. 3574

فالمذموم: ما تقدّم. والمحمود: ما (١) أجازه رسول الله ﷺ حيث قال: "لَا حَسَدَ إِلَا في اثنَتَينِ: رَجُلٌ آتاهُ الله القُرآنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ ليلَهُ، وَرَجُلٌ آتاهُ الله عِلمًا أَو حِكمةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا" (٢) هذا حديث ابن مسعود عن النّبيّ ﵇، وأمّا حديثُ ابنِ عُمر عن النّبيِّ ﵇ أنَّه قال: "لَا حَسَدَ إِلَّا في اثنَتَينِ: رَجُلٌ آتاهُ الله القُراَنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتاهُ الله مَالًا، فَهُوَ يُنفِقُهُ باللَّيل وَالنَّهَارِ" (٣) وفي لفظ آخر: "رَجُلٌ آتَاهُ الله مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ في الحَقِّ" (٤). ورَوَى يحيى عن النّبيِّ ﵇ أنّه قال: "إِذَا حَسَدتُم فَلَا تَبغوا" (٥). ويقال: إنَّ الحسد لا يكادُ يَسلَمُ منه أَحدٌ فمن لم يَحمِله حسَدُه على البغي لم يضرَّه. ورُوِّينَا (٦) عن الحسن البصري أنَّه قال: "ليس أحدٌ من وَلَدِ آدمَ إِلَّا وقد خُلِقَ معه الحسدُ، فمن لم يجاوِزهُ إلى البغي والظُّلم، لم يتبَعهُ منه شيءٌ". وقال ابنُ القاسم: سمعتُ مالكًا يقولُ: إنَّ أوَّلَ معصيةٍ عُصِي الله بها الحسدُ، حسد إبليس لآدم، وحسد قابيل لهابيل (٧).

стр. 3575

وقال (١) ﵇: "الحَسَدُ يَأكُلُ الحَسَنَات كما تَأكُلُ النَّارُ الحَطَبَ" (٢). وقال ﵇: "سِتَّةٌ يَدخُلُونَ النَّارَ قَبل الحِسَابِ بسنة"، قِيلَ: يا رسول الله، مَنْ هُم؟ قالَ: "الأُمَرَاءُ بِالجَورِ، والعَرَبُ بالعَصَبِيَّةِ، والدَّهَاقِينُ بالتَّكَبُّرِ، والتُجَّارُ بالخِيَانَةِ، وأَهلُ الرّستَاقِ بالجَهَالَةِ، والعلّماءُ بالحَسَدِ" (٣). وفي الحديث قال ﵇: "أَخوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي أنّ يَكثُرَ فيهم المَالُ فَيَتَحَاسَدُونَ وَيقتَتِلُونَ" (٤). وقال ﵇: "استَعِينُوا عَلَى قَضاءِ الحَوَائجِ بِالكِتمَانِ، فَإِنّ كُلَّ ذِي نِعمةٍ محسُودٍ" (٥).
следующие страницы →