← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

على فِضَّةٍ أو ذهبٍ، ويدلُّ على وجهٍ آخر بالاقتضاء على صائغ وآلة. السُّؤال الثّاني: هل هو عموم أو خصوص؟ والجواب: أنَّه على الخصوص؛ لأنّ مهاجرة أهل البدع جائزة، وكذلك أهل المعاصي. الدّليل على ذلك: أنّ النّبيَّ ﷺ هجر كَعبًا وأصحابَهُ، وأمران لا يكلِّمهم أحدٌ خمسين ليلةً (١). ودليل ثانٍ: أنّ عائشة ﵂ هجرت ابن الزُّبير لما خالفها، وذلك أنّها تأوَّلت أنَّه عاصٍ لمّا قال عبد الله: يضرب على يديها. السؤال الثّالث: ما وجهُ الحكمة في تخصيصه بالثلاث؟ الجواب، قلنا: قد تكلَّم النَّاس في ذلك، فقيل: لأنّ اليوم الأوّل يكون للغضب، والثّاني: للفكرة ولفتور الغضب، والثّالث: للاختيار، يقول لنفسه: لابدّ لَكِ من الصُّلح وإلّا وقعتِ في المعصية، واليوم الرّابع: للصلح وإلَّا وقع في الإثم بإجماع من الأُمَّةِ. فإن قيل: لأيِّ شيءٍ خُصَّت بثلاثة؟ وما الحكمة في الثّلاث؟ قالوا: إنَّ الثلاث تذكرة للأوائل وامصلوها، ألَّا ترى قوله: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ الآية (٢) وقوله "لا يُقيمُ المُهاجرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاِء نُسُكُهِ فَوْقَ ثَلَاثٍ" (٣). والحكمة: أنّ الله تعالى أباح هجران هذا القَدر لئلَّا يقع أحدٌ في المحظور؛ لأنّ طَبعَ النّفسِ الغضبُ والشِّدَّة والمنافسة والحَسَد في الأشياء، فأُبيح للإنسان أنّ يستريح في هجران صاحبه إلى هذا المقدار.

стр. 3572

نكتةٌ بديعة (١): وذلك أنّ تعلم أنّ الله تعالى خلق الخَلقَ أشتاتًا في الأهواء؛ لأنّه خَلَقَهُم من أشتاتٍ في الابتداء، ثمّ دعاهم إلى التآلف، وذلك ضدّ ما جبلهم عليه؛ لأنّه تعالى هو الدَّاعي، وهو المُيَسِّر، وهو الخالق لكلِّ شيءٍ له مقدار المقدَّر له، فإذا يسَّرَكَ لما أمرك فقد أدركت، وإذا حال بينك وبينه بُعْدٌ فقد فات، وكلُّ ذلك علامة على الهَلَكَةِ أو النّجاة. ولأجل هذا جعل في الهجران ثلاثًا؛ لأنّ المرء في ابتداء أمره في الغضب مغلوبٌ، فرخَّصَ له في التَّمادي على حاله حتّى يسكن الغضب بالاغتسال، كما جاء في الحديث (٢). والهجرانُ على أوجهٍ: فإن كان من أجل الدِّين، أو كان رجلًا مبتدعًا، فهجرانه جائزٌ، كما بينَّاه قبلُ، أنّ في حديث كعبٍ أصلًا في هجران أهل المعاصي والبدع. حديث مالك (٣)؛ عن ابنِ شهاب، عن أنس؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ الله إِخوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لمُسلِمٍ أَنْ يُهَاجِرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ".

стр. 3573

الإسناد (١): قال يحيى: "يُهَاجِرُ أَخَاهُ" وسائر الرّواة عن مالك يقولون: "يَهجُر" (٢)، والحديث صحيحٌ مُسنَدٌ. الفوائد المنثورة: وهي تسعة: الفائدةُ الأولى (٣): قوله: "لَا تَبَاغَضُوا" معناه: النّدب إلى رياضة النَّفْسِ عن التَّحَابِّ؛ لأنّ المحبَّة والبِغضَةَ لا يكادُ المرءُ يغلِبُ فيهما على نفسه، بدليل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ الآية (٤). وقال ﷺ : "الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنهَا اختَلَفَ" (٥) وقد تقدَّمَ (٦) حديث أبي الدَّرداء: أنّ البِغضَةَ حالقةُ الدِّينِ؛ لأنّها تبعث على الغِيبَة، وسَتْرِ المحاسن، وإظهار المساويء، وربَّما أدت إلى ما هو أكثر من ذلك. وحقيقة البغض: هي كراهية النفس للمرء وصفاته. الفائدةُ الثّانية: قوله: "وَلَا تَحَاسَدُوا": وحقيقةُ الحسدِ (٧): تمنِّي نقل النِّعمة من غيرك إليك، فينبغي للمرء أنّ يسأل الله من فضله. وهو ينقسم قسمين: محمودٌ، ومذموم.

стр. 3574

فالمذموم: ما تقدّم. والمحمود: ما (١) أجازه رسول الله ﷺ حيث قال: "لَا حَسَدَ إِلَا في اثنَتَينِ: رَجُلٌ آتاهُ الله القُرآنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ ليلَهُ، وَرَجُلٌ آتاهُ الله عِلمًا أَو حِكمةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا" (٢) هذا حديث ابن مسعود عن النّبيّ ﵇، وأمّا حديثُ ابنِ عُمر عن النّبيِّ ﵇ أنَّه قال: "لَا حَسَدَ إِلَّا في اثنَتَينِ: رَجُلٌ آتاهُ الله القُراَنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتاهُ الله مَالًا، فَهُوَ يُنفِقُهُ باللَّيل وَالنَّهَارِ" (٣) وفي لفظ آخر: "رَجُلٌ آتَاهُ الله مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ في الحَقِّ" (٤). ورَوَى يحيى عن النّبيِّ ﵇ أنّه قال: "إِذَا حَسَدتُم فَلَا تَبغوا" (٥). ويقال: إنَّ الحسد لا يكادُ يَسلَمُ منه أَحدٌ فمن لم يَحمِله حسَدُه على البغي لم يضرَّه. ورُوِّينَا (٦) عن الحسن البصري أنَّه قال: "ليس أحدٌ من وَلَدِ آدمَ إِلَّا وقد خُلِقَ معه الحسدُ، فمن لم يجاوِزهُ إلى البغي والظُّلم، لم يتبَعهُ منه شيءٌ". وقال ابنُ القاسم: سمعتُ مالكًا يقولُ: إنَّ أوَّلَ معصيةٍ عُصِي الله بها الحسدُ، حسد إبليس لآدم، وحسد قابيل لهابيل (٧).

стр. 3575

وقال (١) ﵇: "الحَسَدُ يَأكُلُ الحَسَنَات كما تَأكُلُ النَّارُ الحَطَبَ" (٢). وقال ﵇: "سِتَّةٌ يَدخُلُونَ النَّارَ قَبل الحِسَابِ بسنة"، قِيلَ: يا رسول الله، مَنْ هُم؟ قالَ: "الأُمَرَاءُ بِالجَورِ، والعَرَبُ بالعَصَبِيَّةِ، والدَّهَاقِينُ بالتَّكَبُّرِ، والتُجَّارُ بالخِيَانَةِ، وأَهلُ الرّستَاقِ بالجَهَالَةِ، والعلّماءُ بالحَسَدِ" (٣). وفي الحديث قال ﵇: "أَخوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي أنّ يَكثُرَ فيهم المَالُ فَيَتَحَاسَدُونَ وَيقتَتِلُونَ" (٤). وقال ﵇: "استَعِينُوا عَلَى قَضاءِ الحَوَائجِ بِالكِتمَانِ، فَإِنّ كُلَّ ذِي نِعمةٍ محسُودٍ" (٥).

стр. 3576

وقال ﵇: "لا تُظهِرِ الشَّمَاتَةَ بِأَخِيكَ فَيَرحَمُهُ الله وَيَبتَلِيك" (١). ومن حديث أنس (٢)، قال ﵇: "يَطلُعُ عَليكُمُ الآنَ من هَذَا الفَجِّ رَجُلٌ من أَهْلِ الجَنَّةِ، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِن الأَنصَار تَنطِفُ لِحيَتُهُ من وضوئه، وقد علَّقَ نعلَيهِ في يده الشِّمال، فَسَلَّم، فلمّا كان الغد، قال رسولُ الله ﷺ مثل ذلك، فطلع ذلك الرَّجل، وقاله في اليوم الثّالث، فطلع ذلك الرَّجل، فلمّا قام النَّبيُّ ﵇ تَبِعَهُ عبدُ الله بن عمرو بن العاص، فقال له: إنّي ضَيفُك، قال: نعم، قال: فبات عنده ثلاث ليالٍ، فلم يره يقوم من اللَّيلِ شيئًا، غير أنّه إذا انقلب على فراشه ذكرَ الله تعالى ولم يقم حتّى يؤقت صلاة الصُّبح، قال: فكدتُ أنّ أَحَتَقِرَ عملَه، قلت: يا عبد الله، سمعتُ النَّبيِّ ﷺ يقول كذا وكذا، فأردتُ أنّ أرى عمَلَكَ، فلم أرك تعمل عملًا كثيرًا، فما الّذي بلغ بك ذلك؟ قال ما هو إِلَّا ما رأيت، غير أنِّي لا أجد على أحدٍ من المسلمين في نفسي غِشًّا ولا حسَدًا على خير أعطاه الله إيَّاه، قال عبد الله: هي الّتي بلغت بك، وهي الّتي لا أطيق أنا" (٣). ورُوِي أنّ موسى ﵇ لما تعجَّلَ إلى ربِّه، رأى في ظلِّ العرش رَجُلًا قائمًا فغبطه بمكانه، وقال: إنَّ هذا لكريمٌ على رَبِّه، فسأل ربَّه أنّ يُخبِرهُ باسْمِه فلم يخبره، وقال: أحدِّثُك من عمله بثلاث: كان لا يحسد النَّاس على ما آتاهم الله من فضله، وكان لا يَعُقُّ والدَيْه، وكان لا يمشي بالنَّميمة (٤).

стр. 3577

والآثار في هذا المعنى كثيرة جدًا انتقينا (١) منها هذه. الفائدةُ الثّالثة (٢): وأمّا "المباغضة" وهي الحالقة، فإنَّ صلاح ذات البين بها يقوم الإسلام من الصّلاة والحج وغير ذلك. الفائدةُ الرّابعة (٣): التَّدابر قال مالك (٤): لا أَحسبُ التَّدَابُرَ إِلَّا الإعراضَ عن أخيك بالسَّلام، فَتُدبرُ عنه بوجهِكَ. قال الإمام: ما كان أغوصَ مالكًا على المقاصد، وما كان أعرفَه بالمصالح. أصل الفساد البغض، فنهى النّبيّ ﷺ عنه، وينشأ عن البغض الإعراض، وهو أوَّل درجات التَّدابر، ويترتَّب على الأعراض اختلافُ الأهواء، ومُرُوجُ الأمور، وفسَّره بالأعراض لهذا المعنى. الفائدةُ الخامسة (٥): أمّا الظنّ، فهو حديث في النّفس عما يتوهّمه المرء، فإن كان عن دليل فالعمل عليه واجبٌ، وإن كان مسترسلًا أو عن شهوة فهو أكذب الحديث (٦).

стр. 3578

الفائدةُ السّادسة (١): قوله: "وَلَا تجَسَّسُموا" والتجَسُّسُ طِلّابُ الأخبار من عيوب النَّاس في الجملة، وذلك لا يجوز إِلَّا للأمام الّذي رتب لمصالحهم، وأُلقِيَ إليه زمام حفظهم. وأمّا التحسّس فهو طلب الخبر الغائب للشَّخص، وذلك لا يجوز لا للإمام ولا لسواه. نكتَةٌ: ويروى بالحاء، والحاء المعجمة، وقيل: معناه واحدٌ (٢)، وقيل: اثنان، التَحَسُّس بالحاء غير معجمة في الخير، والنَّهي في الشَّرِّ، وقيل في الّذي يروى للخبر، أنَّه نَهَى عنه؛ لأنّه يدعو إلى الشَرِّ. الفائدةُ السّابعة: قولُه: وَلَا تنَافَسُوا ؤلَا تَحَاسَدُوا" هل هما شيءٌ واحدٌ وفيهما معنى؟ فالجواب: أنّهما بمعنى واحد؛ لأنّ القرآن لا يتكرر إِلَّا لفائدة. وهذا الحديث أصل في الفصاحة، وعليه تتركَّب اللُّغة؛ لأنّ النّبيّ ﵇ أفصح ولد آدم. الفائدةُ الثامنة (٣): قوله: "وَلَا تَنَافُسوا" والتّنافس هو التَّحاسد في الجملة، إِلَّا أنَّه يتميز عنه بأنّه سببه، وكأنّه قيل له: لا ترى نفسك خيرًا من أحد حتّى يحملك ذلك على الحقد والحسد. الفائدةُ التّاسعة (٤): قوله (٥): "ولّا يَحِلٌّ لِمُسلِمٍ أنّ يَهجُر أَخاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ".

стр. 3579

قال الإمام: هذا مخصوصٌ عندي بحديث كعب بن مالك كما تقدّم (١)، وقال النَّاس فيه كلامًا لبابه ما أشرتُ إليه. تتميم (٢): وَرُوِّينَا (٣) عن سفيانَ الثّوريّ أنَّه قال: "الظَّنَّ ظَنَّانِ: ظَنٌّ فيه إِثمٌ، وظَنٌّ ليس فيه إِثمٌ، فالظَّنُّ الّذي فيه الإِثمُ ما يَتَكلَّمُ المرءُ به، والظَّنُّ الّذي لا إِثمَ فيه مالم يتكلَّم به" (٤). وقال عمر: "لا يَحِلُّ لامْرِىءٍ مسلمٍ سمعَ من أخيه كلمةً أنّ يظُنَّ شَرًّا وَهُو يجدُ لَهَا من الخير مَصدَرًا" (٥). ومن حديث معاوية أنَّه قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إِنِ اتَّبَعْتَ عَوْراتِ النَّاس أفسَدتَهُم، أو كِدتَ أنّ تُفسِدَهُم". قال أبو الدرداء: كلمةٌ سمعها معاويةُ فنَفَعَهُ الله بها (٦). ما جاء في المصافحة حديث مالك (٧)؛ عن عطاء الخُرَاسَانِيَ، قال: قال رسول الله ﷺ : "تَصَافحُوا يَذهَب الغِلُّ، وَتَهادَوْا تحَابُّوا، وتَذْهَبِ الشَّحَنَاءُ".

стр. 3580

الإسناد: قال الإمام: الحديثُ مُرْسَلٌ (١)، وفي الباب (٢) أحاديث في المصافحة حِسَانٌ، منها: حديثُ البَرَاءِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَا من مُسلِمَينِ يَلتَقِيانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبلَ أنّ يَفتَرِقَا" (٣). ورُوِيَ عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا إذا الْتَقَوا تصافَحُوا. وقال الأسود وعَلقَمَة: "تمامُ التَّحيةِ المصافحةُ (٤) والمعانقةُ (٥)، وإنَّ ذلك يزيد في المودَّة" (٦). وأمّا المصافحةُ، فلم يرها مالك (٧)؛ لأنّه لم يسمع بها، والحديثُ لم يصحَّ عنده فيها (٨)، وقد اجتمع مع سفيان بن عُيَيْنَة فصافحه سفيان، وقال له: كذلك صافح النّبيُّ

стр. 3581

-﵇ جعفر حين قَدِمَ من أرض الحَبَشَةِ، فقال مالك: ذلك مخصوصٌ بجعفر، قال له: ما الدَّليلُ على خصوصه؟ قال: لأنّه لم يفعله النّبيّ ﵇ لغيره، فكان كالنَّسخ (١). واحتجّ سفيان بحديث البراء بن عازب: "مَا من مُسلِمَينِ يَلتَقِيَانِ ... " الحديث، فأجاز المصافحة بهذا الحديث (٢). وأمّا الغلّ: فهو العداوة والحقد (٣). الفائدةُ الثّانية (٤): قوله (٥): "تَهَادُوا تَحَابُّوا" فقد رُوِيَ مُسنَدًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تَهَادُوا تَحَابُّوا" (٦) وفي رسول الله الأُسوةُ الحَسَنَةُ، كان يهادي أصحابه وغيرهم، ويقبلُ الهديَّةَ ويُثِيبُ عليها، وقال: "لَو أُهْدَيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لقَبِلتُهُ، وَلَوْ دُعِيتُ إلى ذِرَاعٍ لأَجَبتُ" (٧). فالهديَّة بما وَصَفنَا سُنَّةٌ، إِلَّا أنّها غيرُ واجبةٍ؛ لأنّ العِلَّة فيها استجلاب المحبَّة بها، وإنّها من أسباب التَّوَادِّ لعلاقة الآمال بالمال، فترى النّفس أنّ كلَّ ما أعأنّها على

стр. 3582

مصالحها يُحِبُّها، فتنبعثُ المحبَّةُ بسبب ذلك، ولقوله: "جُبلَتِ القُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أحسَنَ إِلَيهَا" (١). الفائدةُ الثّالثة: قوله: "تَحَابُّوا": قد بيَّنَّا معنى المحبّة في "كتب الأصول" (٢)، وقد قال جماعة من العلماء: إنَّ المحبّةَ هي الإيثار بالمال والنَّفس. أمّا المال، فقد قال الله العظيم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ الآية (٣).

стр. 3583

وأمّا النفسُ، فتكون مثل ما فعل الصِّدِّيق ﵁ لمّا دخل مع النّبيّ ﷺ الغَارَ، أرادتِ الحيَّةُ أنّ تخرج من الجُحرِ فسدَّهُ برِدَائِهِ، ففداهُ بنفسه (١). وكما تَرَّسَ عليه طلحة بِبَدَنهِ، وكما نام عليّ بن أبي طالب ﵁ على الفراش في البرد بدلًا منه (٢)، على ما أوردنا في "الكتاب الكبير". حديث مالك (٣)؛ عن سُهَيلِ بن أبي صالح، عن أبي صالح السَّمَّانِ، عن أبي هريرة؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "تُفتَحُ أَبوَابُ الجَنَّةِ يَومَ الاثنَينِ وَيَومَ الخَمِيسِ، فَيُغفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُسلم لَا يُشرِك بِالله شَيئًا، إلَّا رَجُلًا كَانَت بَينَهُ وَبَينَ أَخِيهِ شَحنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنظِرُوا (٤) هَذَين حَتَّى يَصطَلِحَا". وفي الحديث الآخر (٥): "فَيُقَالُ: اترُكوا هَذَينِ حَتى يَفِيئَا، أوِ اركُوا هَذَينِ حَتَّى يَفِيئَا". الإسناد (٦): قال الإمام: حديثُ سُهَيل مُسنَدٌ حسن (٧)، وحديث مسلم بن أبي مريم هو حديث موقوف عند جماعة رُوَاةِ "الموطَّأ" (٨) وقد رواه ابنُ وهبٍ، عن مالك، عن مسلم، عن

стр. 3584

أبي صالح عن أبي هريرة، عن النّبيِّ ﷺ ؛ مُسنَدًا (١)، وهو الصّحيح؛ لأنّه لا يقال مِثلُه بالرَّأيِ، ولا يُدرَكُ بالقياسِ. العربيّة (٢): قوله فيه (٣): "وَاركُوا هَذَيْنِ" فقيل: "اركُوا" معناه: اتركوا. وقيل: معناه أخَّروا هذين. يقال: أخّر هذا، وأَنظِر هذا، وأَرجِ هذا، واركِ هذا، كلُّ ذلك بمعنىً واحدٍ. وقولُه: "حَتَّى يَفِيئَا" فهي كلمةٌ فصيحةٌ فوقانية (٤)، ومعناه: حتّى يرجعَا إلى ما عليه أهلُ المؤاخاةِ والمصافاة من الأَخِلَّاءِ والأولياء. والفيءُ: الرُّجوع والمراجعة، قال الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ الآية (٥). وقال عزَّ من قائل: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا﴾ (٦) أي: رَجَعُوا إلى ما كانوا عليه من وَطءِ أزواجهم، وحنثوا أنفسهم في أيمَانهم. الفوائد المطلقة: فيه ثلاث فوائد: الفائدةُ الأولى (٧): قال الإمام: قولُه (٨): "تُعرَضُ الأَعمَالُ" أفاد هذا الحديث فائدة عظيمة، وهي أنّ المعاصي تُوقفُ المغفرة لا تبطلها.

стр. 3585

وأفاد أيضًا: عِظَمَ المُهَاجَرةِ في المعاصي حتّى لا تَنفَع الأعمالُ الصّالحةُ معها في الحال، حتّى تقع المقابلةُ في المآل. الفائدةُ الثّانية: قولُه (١): "يَومَ الإِثنَينِ، وَيومَ الخَمِيسِ": هذا لفضلهما، وأنّ فيهما فضلًا كثيرًا، لِمَا يفتحُ الله فيهما من الرَّحمة لعباده، والمغفرة لهم ولذنوبهم (٢). أمّا يوم الإثنين، ففيه وُلد المصطفى ﷺ ، وأمّا يوم الخميس؛ فإنّه يوم صالحٌ، وربّما كان الفضلُ للجمعةِ فكان مقدِّمة له، وقد ذكرنا في "كتاب الصِّيام" عدد أبواب الجنَّة وما جاء فيها، وذكرنا الآثار الواردة في أنّ الجنّة والنّار مخلوقتان. الفائدةُ الثّالثة (٣): قال علماؤنا (٤): في هذا الحديث دليلٌ على أنّ الذُّنوبَ بين العباد إذا تَسَاقَطُوهَا وغَفَرَهَا بعضُهُم لبعضٍ، أو خرجَ بعضُهُم لبعضٍ عمّا لَزِمَهُ منها، سَقَطَتِ المطالبةُ من الله بها، بدليل قوله في هذا الحديث: "حَتَّى يَصطَلِحَا" فَإِذَا اصطلَحَا غُفِرَ لَهُمَا، والله أعلم. ما جاء في لُبْسِ الثِّيابِ للجمال بها قال الإمام: الأحاديث في هذا الباب كثيرة، والألفاظ مختلفة، وهي صِحَاحٌ. الأوَّلُّ: حديث جابر هذا (٥) الّذي صدر به مالك في هذا الباب.

стр. 3586

مقدمة (١): اللباسُ ينقسم على خمسة أقسام: واجبٌ، ومندوبٌ إليه، ومباحٌ، ومحظورٌ، ومكروهٌ. ومنها عامّ، ومنها خاصّ. ومنها ما يثبت الحكم له بحقِّ الله ، ومنها ما يثبت بحقِّ الآدميِّين. فالواجب منها بحقِّ الله : سترُ العَورَة عن أبصار الخَلقِ، وهو عامٌ في جميع النَّاس من الرِّجال والنِّساء. والواجب منه بحق الآدميِّين: ما يقي الحرّ والبَرْد، ويستدفع الضَّرر به عن نفسه في الحرب، إذ ليس له أنّ يترك ذلك من أجل الإضرار بنفسه، وهذا عامٌ في جميع الرَّجال. والمندوب إليه: منه بحقِّ الله ، كالرِّداء للإمام، والخروج إلى المسجد للصَّلاة، لقوله : ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢)، وللعيدين وللجمعة، لقوله ﷺ : "ما على أَحَدِكُم لو اتَّخَذَ ثَوبَينِ لجُمُعَتِهِ سِوَى ثَوبَي مِهنَتهِ" (٣)، وما في معنى ذلك. والمندوب إليه بحقِّ الآدميِّين: ما يتجمَّلُون به فيما بينهم من غير إسرافٍ، لقول النّبي ﵇ للذي نزع الثّوبين الخَلِقَيْنِ ولبس الثَّوبين الجديدين: "ألَيْسَ هَذَا خَيْرًا،

стр. 3587

ضرَبَ الله عَنُقَكَ" فضُرِبَتْ عُنُقُهُ في سبيل الله (١). وقولُه للذي رآه رَثَّ الهيئةِ، فسأله: "هَل لَكَ من مَالٍ؟ قال: نَعَمْ. قَالَ: من أَيِّ المَالِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ المَالِ. قَالَ: فَليُرَ عَليكَ مَالُكَ" (٢). حديث مالك (٣) أنَّه بَلغَهُ أنّ عمر قال: "إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ أَنْظُرَ إلى القَارِىءِ أَبيَضَ الثِّيَابِ". ولهذا الحديث نظائر حِسَان، منها (٤): حديث عَلقَمَة بن عبد الله، عن النّبيّ ﵇ أنّه قال: "لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ ذَرَّةِ مِنْ كِبرٍ، وَلَا يَدخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ في قَلبِهِ مِثقَالُ ذَرَّةِ من إِيمَانٍ، فقال رجُلٌ: يا رسولَ الله، الرَّجُلُ يُحِبُّ أنّ يكون ثوبُه حَسنًا، ونَعلُهُ حَسَنًا؟ فقال رسولُ الله ﷺ : إِنَّ الله جميلٌ يُحِبُّ الجمالَ، وَالكِبْرُ من بَطَرِ الحَقِّ وَغَمطِ النَّاسِ" (٥). ومنها: حديث عمر أيضًا، أنَّه رَأَى عليه رسولُ الله ثوبًا غَسِيلًا، فقال له رسولُ الله ﷺ : "يا عمرُ، أجديدٌ ثوبُكَ هذا أم غَسِيلٌ؟ فقال: غسِيلٌ يا رسولَ الله، فقال رسولُ الله ﷺ : البَس جَدِيدًا وَعِش حَمِيدًا، وتموتُ شَهِيدًا، وُيعطِيكَ الله قُرَّةَ عَينِ في الدُّنيا والآخرة" (٦) فكان كما قال ﷺ . الفوائد ثلاث: الفائدةُ الأولى (٧): قوله: "القارئ" هاهنا العابدُ الزَّاهدُ المتعفِّفُ، والقُرَّاءُ عندهم العلّماءُ العُبَّادُ، ومن

стр. 3588

هذا كان يقال للخوارج قبل خروجهم القُرَّاء لِمَا كانوا فيه من العبادة والاجتهاد. ويحتمل أنّ يريد به القارئ للقرآن المشهور بقراءته، وهم كانوا أهل العلم والدِّين في زمانه. الفائدةُ الثّانية: ويخرج من هذا الحديث ما يدلُّ على أنَّ الزهدَ في الدّنيا والعبادة ليس بلباس الخَشِنِ الوَسخِ من الثِّياب (١)، وفي رسول الله وما ندب إليه الأُسوةُ الحَسَنة، وإنّما كان عمر يستحبُّ لهم لبس البياض من الثِّيابِ دون لبس المُعَصفَرِ، ولأنّ البَيَاضَ من أحسن الزِيِّ والمحافظة على الطّهارة له. نكتةٌ أصولية: وهي الفائدةُ الثّالثة. قوله: "إِنَّ الله جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ" (٢) يريد: جمال الأفعال، والإحسان إلى خَلقِه، ويحبُّ أنّ يتخلَّقَ خَلقُه بذلك. حديث مالك (٣)؛ عَنْ أيُّوبَ بنِ أَبِي تَمِيمَةَ، عَن ابنِ سِيِرِينَ؛ قالَ: قَالَ عُمَرُ: "إِذَا أَوسَعَ الله عَلَيكُم، فَأَوسِعُوا عَلَى أَنفُسِكُم، جَمَعَ رجُلٌ عَلَيهِ ثِيَابَهُ". وقِيل (٤): إنّما جاء ذلك في الصّلاة. وأمّا (٥) قوله: "جَمَع امْرُءٌ عَلَيهِ ثِيَابَهُ" فهو لفظ الخبر، والمرادُ به الأمر، كأنّه قال: أَوسِعوا عليكم إذا أَوسَعَ الله عليكم، وأَجمِعُوا عليكم ثيابَكُم في الصّلاة، وفي العيدين والجمعة، ونحو ذلك من المحافل ومُجتَمَعِ النَّاسِ، ومثل هذا قول الخطيب الواعظ: مَا لقِيَ عَبدٌ رَبَّهُ ونَصَحَ نَفسَهُ أي: فليتّق عبد ربِّه، ولينصح لِنَفْسِهِ.

стр. 3589

ما جاء في لُبْسِ الثِّياب المُصْبَغة والذَّهب قال الإمام: أراد مالك أنّ يُبيِّن ما يجوز من الألوان وما لا يجوز، وهي على مراتب خمسة: الأوّل: الأبيض، وفيه الآثار المتقدَّمة ذكرها، وقوله: "خَيرُ ثِيَابِكُم البَيَاض فَكَفِّنُوا فِيهَا مَوتَاكُم" الحديث (١). الثّاني: الأحمر، فقد رَوَى مجاهد؛ أنّ رَجُلًا مرَّ على رسولِ اللهِ ﷺ وعلَيهِ ثَوبَانِ أحمَرَانِ، فسلَّمَ فلم يَرُدَّ ﵇ (٢). وقال جابر بن سمرة (٣): رأيتُ رسولَ الله ﷺ وعليه في ليلةٍ مُقْمِرةٍ، أو قال: في ليلةٍ قمراءَ إِضْحِيَان وعليه حُلَّةٌ حَمْرَاءُ. وقال البراءُ: رأيتُ رسول الله ﷺ وعليه حُلَّةٌ حمراءُ (٤). وكلاهما صحيحان.

стр. 3590

والمعنى في الحديث الأوّل، قال العلماء (١): إنّما لم يسلِّم النّبيّ ﷺ على ذلك الرَّجل ولا ردَّ عليه؛ لأنّه رآه مزهوًا بلبسه، ولأن الثَّوبين كانا أحمرين بالعصفر والزَّعفَرَان، فكرهَ ذلك؛ لأنّه مخصوص بالنِّساء، بخلاف الصّبغ الأصلّيّ فإنّه مأذون فيه. تنبيه (٢): ومن أجل هذا الحديث الوارد من طريق مجاهد، المعترض في سنده (٣)، أدخل مالك عن نافع عن ابن عمر؛ أنَّه كان يلبس الثّوب المصبوغ بِالمَشْقِ (٤) والزَّعفَرَانِ (٥)، فنافع أثبتُ من مجاهد، ولو استوى السَّنَد لكان سند نافع أوْلى وأثبت. الأصفر: لم يردّ فيه حديث، لكنّه ورد مُمَدَّحًا في القرآن، قال في صفة البقرة: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ الآية (٦). وأُسنِدَ إلى ابن عبّاس؛ أنَّه من طلب حاجةً على بُلغَةٍ صفراء قُضِيَتْ حاجَتُه؛ لأنّ حاجةَ بني إسرائيل قُضِيَت بجلد أصفر (٧)، وهذا من غَوص ابن عبّاس على المعاني. الأسود: في الصّحيح عن عائشة، قالت: "خَرَجَ رَسولُ اللهِ ﷺ وعليه ثَوبٌ أسود" (٨)، وقد كانت رَايَتُه سَودَاء (٩).

стр. 3591

وفي حديث آخر: دخلَ مكَّةَ يوم الفتح، وعلى رأسه عمامة سوداء (١). الأخضر: ورد فيه الأثر (٢)، والقرآن، لقوله: ﴿ثِيَابًا خُضْرًا﴾ (٣) وهو حسن في النّوم لِرَائِيْهِ. وأمّا قوله (٤): "وَالذَّهَب": فقد جاء النّهي عنه ﷺ عن التّختّم بالذَّهب (٥)، وأجمع العلماء أنّه للنِّساء مباحٌ، فلم يبق إِلَّا الرِّجال فإنّ النّهي مقصور عليهم، بدليل الحديث الّذي فيه: "عَلَى ذُكُورِ اُمَّتِي" (٦). مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الحَرِيرِ (٧) والخَزِّ حديث عائشة في هذا الباب (٨) حَسَنٌ، ورَوَى التّرمذيُّ عن أبي موسى الأشعري؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "حَرَّمَ اللهُ لِبَاسَ الحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، وَأَحَلَّ لإِنَاثِهِم" (٩). الإسناد: قال الإمام: أحاديث الحرير والذَّهب كثيرة في المُصَنَّفاتِ، فأشار مالك إلى نُبَذٍ منها، وهي أمَّهاتُها وأصولُها.

стр. 3592

مقدِّمة (١): إنَّ الله سبحانه نهانا عن السَّرَفِ حتّى في التَّرَفِ، وأمر بالقصد في كلِّ معنى، وخلَق الآدميَّ محتاجًا إلى الطّعام والشَّراب، وركَّبَ فيه الشهوة الدَّاعية إلى استعمالها، ونوّعهما إلى سرف وترف، وإلى قصد وإلى قُوْتٍ، ونَهَى عن الأوّل وأمر بالثّاني، وصرف النّهي كيف شاء، كلُّ تلك بحكمة منه بالغة، وأرجأ الشَّبع لما قدَّم من ذلك في الدُّنيا لأهل الدِّين إلى الآخرة، وإنّما قدّمه عنوانًا لهم وترغيبًا فيما أعدَّهُ لهم. المعاني (٢): وقد اختلف العلماء فيه من الصّحابة والتّابعين والفقهاء، وأطلقوا القول في ذكر الخلاف فيه. وعوَّل مالك في "الموطَّأ" على دقيقةٍ (٣) وهي أنّ عبد الله بن الزُّبير لبسه مع أنَّه كان يرى الحرير حرامًا على النّساء (٤)، فدلَّ على إباحته. * والنَّكتة المعنويَّة في ذلك: أنّ الحرير حرام، والصوف والكتَّان حلال *، فإذا مُزِجَا جاء منهما نوع لا يسمَّى حريرًا، فلا الاسم يتناوله، ولا السَّرف ولا الخيلاء يدخله، فخرج عن النَّوع اسمًا ومعنًى، فجاز على الأصل ذكره على الشّبهة (٥). الثّانية (٦): وقد تكلّم النّاسُ في الحكمةِ الّتي نَهَى عن لبس الحرير لأجلها:

стр. 3593

فقال قوم: نَهَى عنه لِئَلَّا يتشبَّه بالنّساء. وقال آخرون: إنّما ذلك لما فيه من السَّرفِ. وقيل: إنّما ذلك لِمَا يحدث من الخُيَلَاء. والَّذي يصحّ من ذلك: ما فيه من السَّرف كما قدَّمناه. الثّالثة (١): كان الحرير مباحًا في أوَّل الإسلام، ثمّ طرأ عليه التّحريم. وأمّا اختلافُ العلّماءِ فيه فعلى عشرة أقوال: الأوّل: أنَّه محرَّمٌ على كلِّ حالٍ. الثّاني: أنّه محرَّمٌ إِلَّا في الحرب (٢). الثّالث: أنَّه محرَّمٌ إِلَّا في السَّفَر. الرّابع: أنَّه محرَّمٌ إِلَّا في المرض (٢). الخامس: أنَّه محرَّمٌ إِلَّا في الغزو. وقيل: في الحرب (٣). السّادس: أنَّه محرَّمٌ إِلَّا في العَلم. السّابع: أنَّه محرَّمٌ على الرِّجال والنّساء على الإطلاق. الثّامن: أنَّه محرَّمٌ إذا لُبِسَ من فوق دون لبسه من أسفل، وهو الفرش، قاله أبو حنيفة، وابن الماجشون من أصحاب مالك. التّاسع: أنَّه مباحٌ بكلِّ حالٍ. العاشر: أنَّه محرَّمٌ وإن خلط مع غيره كالخَزِّ. وأمّا كونه حرامًا مُطْلَقًا، فلقول النّبي ﷺ في الحُلَّةِ * السِّيَرَاء، وهي المضلعة: "إِنَّمَا هذِهِ لِباس من لا خَلَاق لَهُم" * (٤).

стр. 3594

تنقيح هذه الأقوال: أمّا قول من قال: إنّه مباح في الحرب، فلأنَّ المنع منه إنّما هو لما فيه من الخيلاء، وذلك جائز في الحرب (١). وأمّا من قال: في المرض، فهو من باب الرِّفق بالمريض وأيضًا: فإنّ المريض لا يزهو به بل يتلذَّذ بلبسه، وقد أشبعنا هذه الأقوال (٢) في "الكتاب الكبير" على الاستيفاء. الخَزُّ -عند المتقدمين- هو ثوبٌ سُدَاهُ من حرير (٣) ولُحمَتُه من غيره صوف أو كتّان أو قطن. واختلف فيه الصّحابة اختلافًا متباينًا، والصّحيح جوازه؛ لأنّ من حرَّمَهُ لم يعدّه شيئًا؛ لأنّه تعلّق بالأصل في تحريم الحلال. فأمّا الّذي جوَّزه ونقل جوازه (٤)، فقد أفاد علمًا، وقد (٥) لبسه جماعة من الصّحابة

стр. 3595

والتابعين منهم: ابن عبّاس (١)، وأبو قَتادّة (٢)، وأبو هريرة (٣)، وعبد الله بن الزُّبير (٤)، والحسن بنُ عليّ (٥). وَذَكَرَ وَكَيعٌ عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن خَيثَمَةَ؛ أنّ ثلاثة عشر من أصحاب النّبيّ ﷺ كانوا يلبَسُون الخَزَّ (٦). واختُلِفَ عن سَعدِ بن أبي وقّاص في لبس الخَزِّ، فرُويَ عنه أنَّه كان يلبَسُهُ (٧)، ورُوِيَ عنه أنَّه كَرِهَهُ. وكان مالك ربما لبس الخَزَّ، ذكر عنه جماعة من أصحابه أنَّه كان يلبسه (٨). ما يكره للنساء لبسه من الثِّياب الرّقيق من الثِّياب يجوز لبسه للرِّجال بلا خلافِ، ويُكرَهُ للنِّساء إِلَّا مع الزوج، وإلى هذا المعنى أشار النّبيُّ ﷺ بقوله (٩): "كَاسِيَاتٌ عاريَاتٌ" يعني: أنّهن يلبسن الرّقيق الَّذي

стр. 3596

يظهرن منه (١). وكلُّ ثوب لا يستر فلا يجوز لباسه بحالٍ، إِلَّا مع ثوبٍ يستره. حديث أبي هريرة؛ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "صِنفَانِ من أَهل النَّارِ لَمْ أرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُم سِيَاطٌ كأَذنَابِ البَقرِ يَضرِبُونَ بِهَا، وَنسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِياتٌ" (٢) وفي لفظ آخر (٣): "مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ، لَا يَدخُلنَ الجَنَّةَ، وَلَا يَجِدنَ رِيحَهَا، وإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ من مسِيرَةِ خَمسِ مِئَةِ سَنَةٍ". المعاني: فمعناه (٤): كاسياتٌ بالاسمِ، عارياتٌ في الحقيقة؛ إذ لا تستُرهُنَّ تلك الثِّياب (٥). وقولُه: "مَائِلَاتٌ" يعني عن الحقِّ، "مُمِيلَاتٌ" لأزواجهنَّ إلى هواهنَّ (٦). الثّانية (٧): قوله: "لَا يَدخُلنَ الجَنَّةَ" إلى آخر قوله، مُقَيَّدٌ عندي بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٨)، وقولِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٩)، وقولِهِ: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ (١٠). حديث مالك (١١)؛ عَنْ يَحيَى بنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ،

стр. 3597

فَنَظَرَ في أُفُقِ السَّمَاءِ فَقَالَ: "مَا فُتِحَ اللَّيلَةَ مِنَ الخَزَائِنِ؟ وَمَاذَا وَقَعَ مِنَ الفِتَنِ؟ كَمْ مِن كَاسِيَةٍ في الدُّنيَا عَارِيةٌ يَومَ القِيَامَةِ، أَيقِظُوا صَوَاحِبَ الحُجَرِ". الإسناد (١): هذا الحديث يُروَى مُسنَدًا عن النَّبيِّ ﵇، ولم يَفهَمْهُ يحيى بنُ سعيد من رواية مالك، ولا من رواية غيره، إِلَّا من طريق نسرده عليكم: عن أمِّ سَلَمَةَ؟ أنّ النّبيَّ ﷺ استيقظَ ليلةً فقال: "سبحانَ اللهِ! ماذا أَنزلَ اللهُ اللّيلةَ من الفتنةِ وماذا فتحَ من الخزائِنِ". هذا لفظ ابن المبارك (٢). وقال عبد الرزّاق (٣) بإسناده عن أم سَلَمَة، قالت: استيقظَ رسولُ الله ﷺ ذاتَ ليلةٍ وهو يقولُ: "لا إله إِلَّا اللهُ، مَا فَتَحَ الله من الخزائنِ، لا إله إِلَّا اللهُ، ما أَنْزلَ اللَّيلةَ من الفتنةِ" ثمّ اتّفقا فقالا (٤): "مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجَر، يا ربّ كَاسِيَات في الدُّنيَا، عَارِيَات يَومَ القِيَامَةِ". العربيّة (٥): قوله: " أَيقِظُوا صَوَاحِبَ الحُجَرِ": فالحُجَرُ جمع حُجْرةٍ، وهي بيوتُ أزواجِ النّبيِّ ﷺ أَمَرَ أنّ يُوقَظنَ في تلك اللَّيلة لِئَلَّا يكُنَّ من الغافلين في ليلةٍ فيها آيةٌ من آيات الله، ولعلّها كانت ليلة القَدرِ الّتي فيها يُفرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم أو غيرها، فقد كانت فيها آية، ومن سُنَّتِهِ ﵇ عند الآيات ذكر الله تعالى والصّلاة.

стр. 3598

الأصول (١): قال علماؤنا (٢): في هذا الحديث علَمٌ من أعلام نُبُوَّتِه ﷺ : لأنّه أخبر عن غَيْبٍ وقع بعدَهُ، وذلك أنَّه فتحَ اللهُ على أُمَّتِه بُلدانَ المشرقِ والمغربِ من ديارِ الكفر، ودَرَّتْ بها الأرزاق، وعَظُمتِ الخيراتُ، وذلك كلُّه من خزائن رحمته. ووقع من الفتنِ بعده ﵇ مُنذُ قَتلِ عثمان إلى يومنا هذا ما لا يحيطُ بعلمه إِلَّا هو، ولن يزالَ الهَرجُ إلى قيام السّاعة. مَا جَاءَ في إِسبالِ الرَّجُلِ ثَوْبَه مالك (٣)، عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَر؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "الَّذِي يَجُرُّ ثَوبَهُ خُيَلَاءَ، لَا يَنظُرُ الله إِلَيهِ يَومَ القِيَامةِ". الإسناد: الحديث صحيح: خرّجه الأيمّة (٤)، وزاد التّرمذيّ فيه: "لَا يَنظُرُ اللهُ إِلَى منْ جَرَّ ثوبهُ من خِيَلَةٍ يَوم القِيَامَةِ" (٥). الأصول (٦): قوله (٧): "لَا يَنظُرُ الله": قد تقدّم من قولنا في الكلام في الوعد والوعيد ما يُغني عن تكراره هاهنا. والقول فيه والمعوّلُ عليه: أنّ الله لا ينظر إليه في حالٍ دون حَالٍ، وفي وقت دون وقت. فمن الأحوال: أنّ يكون يعتقد ذلك جائزًا، فيكون متكبِّرًا على الله أو الرّسول أو

стр. 3599

الإسلام، فإن كان ذلك فقد كفر، أو يكون ذلك في وقت حتّى يغفر الله له بما معه من حسناتٍ أو إيمانٍ. الثّانية (١): قوله: "لَا يَنظُرُ الله إِلَيهِ" البارئ سبحانه يَرَى ولا يخفَى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السّماء من الموجودات، إذ لا يصحّ تعلُّقُ الرّؤيةِ بالمعدوم، لا مِنَ البارئ ولا من عباده، وإنّما معنى نفي النَّظر هاهنا نفي الرَّحمة والعطف الّذي يهب لمن يشاء. العربيّة: الخيلاء (٢) والخِيَلَة: الكبر حالة الخيلاء، كالشَّبيبة حالة الشباب، والخيلاء (٣) والاختيال: هو التَّكَبّرُ والتَّبَختُرُ والزَّهوُ، وكل ذلك أَشَرٌ وبَطَرٌ وازدِرَاءٌ على النَّاس واحتقارٌ لهم، والله لا يحبُّ كلَّ مختالٍ فخورٍ. وقال أهل العربيّة: الخيلاء ممدُودٌ مضمومة الأوّل وإنّما كسره، فيقال: خِيَلَاء، وهي مشيةٌ مكروهةٌ. حديث مالك (٤)، عَنِ العَلَاءِ بنِ عَبدِ الرَّحمن، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدرِيّ عَنِ الإزَارِ؟ قَالَ: أَنا أُخبِرُكَ بِعِلمٍ، سَمِعتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِزرَةُ المُؤمِنِ (٥) إِلَى أَنصَافِ سَاقَيهِ، لَا جُنَاحَ عَلَيهِ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ الكَعبَينِ".

стр. 3600

الإسناد: قال الإمام: الحديث صحيحٌ لا مَدفَعَ فيه. الغريب (١): هي إِزرَةٌ بكسر الهمزة، يعني: الهيئة، كالقِعدة بكسر القاف، والجِلسَةُ بكسر الجيم: هيئة القعود والجلوس، وقد يُرْوَى بالكَسر والضَمِّ. المعاني: الإزار: هو القميص، يعني أنّ ما تحت الكعبَين من القميص في النّار. قال الإمام: سواءٌ كان إزرة، أو جُبّة، أو عِمَامة، فالحكم فيه سَواء، والوعيد فيه كذلك، لقوله في الحديث الآخر: "مَنْ جَرَّ ثَوبَهُ مِنْ خيَلَةٍ، لَمْ يَنظُرِ الله إِلَيهِ يَومَ القِيَامَةِ" (٢): أي معنى ذلك: لا يرحمُهُ. وفي الحديث الصّحيح: "بَينَمَا رَجُلٌ يَمشِي في جُبَّةٍ، فعجبَته نَفسُهُ، إذ خَسَفَ الله بِهِ الأرْضَ، فَهُوَ يَتَجَلجَلُ فِيهَا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ" (٣). الثّانية: الإسبالُ حرامٌ للرِّجال (٤) وجائز للنّساء، فهو حرام في الأصل، وعلى كلّ حالٍ يجرُّ

стр. 3601

إلى الخيلاء، إِلَّا أنَّه أُذِن للمرأة في إسبال ذراعٍ، وأُذِن للرّجال في الإسبال إلى الكعبين. الثّالثة (١): وهي إذا سقطَ الرّداءُ، أو مسحَ الأرضَ، ومسحه عليها من غير قصدٍ، لم يكن عليه في ذلك حَرَجٌ، لقول النّبيّ ﷺ في الحديث: "مَنْ جَرَّ ثَوبَهُ خُيَلَاء، لَمْ يَنظُرِ اللهُ إِلَيهِ يَومَ القِيَامَةِ" (٢). الرّابعة: عن أبي هريرة أنّ النّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ الله لا يَقبَلُ صلاةَ رَجُل مُسبِلٍ إزَارهُ" ؤأَمَرَهُ أنّ يَتَوَضَّأَ، يعني: ويعيد الصّلاة. خرّجه أبو داود (٣). فالعارضة فيه ومعناه: أنّ الصّلاة حالُ تواضعٍ، وإسبالُ الإزارِ فعلُ مُتَكَبِّر فتعارضا، وأمره بإعادة الوضوء أدبًا له وتأكيدًا عليه؛ لأنّ المصلّيَ يناجي ربَّه، والله لا ينظر إلى من جرّ إزاره ولا يكلّمه، فلذلك لم تُقبَل صلاته. الخامسة (٤): قد جاءت عن ابن عبّاس رخصة في ذلك، أنَّه كان يُرْخِي إزاره من قُدّام حتّى يضرب على قدميه ويرفعه من مؤخّره (٥)، ويقول: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يَفْعَلُهُ. قال علماؤنا: إِنما جاء الوعيد فيمن يفعله خُيَلَاءَ وتكبرًا، وابنُ عبّاسٍ يُنَزّهُ عن هذا، فكيف بالنَّبيِّ ﷺ !.

стр. 3602

ما جاء في إسبَال المرأة ثوبهَا قال الإمام: فيه حديث أمّ سلمة (١) أَنَّهَا قَالت - حِينَ ذُكِرَ الإِزارُ: فالمَرأَةُ يَا رسُولَ اللهِ؟ قالَ: "تُرخيه شِبرًا". قَالت أمُّ سَلَمةَ: إذا أنكَشَفَ عَنهَا؟ قالَ: "فَذراعًا لَا تزِيدُ عَلَيهِ". الإسناد (٢): قال الإمام: عجبتُ منِ ابنِ وضَّاحِ، كان يقول: "لَا تَزِيدُ عَليه" ليس من كلام النّبيّ ﵇، وقد رُوِّينا هذا الحديث من وجوهٍ كثيرةٍ (٣)، فيها كلّها عن النّبيِّ ﵇: "فَذرَاعًا لَا تَزيدُ عَلَيهِ" وفي الحديث إطالة الذّيول للنّساء، وقد أخذه الشَّاعر (٤)، فقال: كُتِبَ القَتلُ وَالقِتَالُ عَلينَا ... وَعَلَى الغَانِيَات جَرُّ الذُّيُولِ وقد رُوِيَ أنّ أوَّلَ من جَرت ذيلَها هاجَر أم إسماعيل ﵇. وقد رُوِيَ عن ابن عبّاس مُسْنَدًا (٥) قال: "أوَّلُ امرأةٍ جرَّتْ ذيلَها أمُّ إسماعيل ﵇، لمَّا قَرُبَت من سَارَة أَرخَت ذيلَهَا لِتُخفِي أَثَرَها. قال: وَمن هنا أَخَذَت نِسَاءُ العَرَبِ جَرَّ الذُّيُولِ". قال ابنُ عبّاس: "أوَّلُ من سَعَى بينَ الصَّفَا والمَروَة أُمُّ إسماعيل" (٦). الأصول (٧): قول النّبيّ ﷺ : "فَذِرَاعًا لا تَزِيدُ عَليهِ" وهذا يقتضي أنّ النّبيّ ﵇ إنّما أباح

стр. 3603

منه للضَّرورة إليه، وهذا لفظ افعل وارد بعد الحَظر، ومع ذلك فإنّه يقتضي الوجوب؛ لأنّه نهى عن إرخاء الذَّيل، ثمّ أمر المرأة بإسبال ما يسترها منه، وذلك على الوجوب، لا يحلّ للمرأة أنّ تترك ما تستتر به، والله أعلم. مَا جَاءَ فَي الانتَعَالِ مالك (١)، عن أبي الزِّنَاد، عَنِ الأَعرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَة؛ أَنَّ رَسُول اللهِ ﷺ قَال: "لَا يَمْشِيَنَّ أَحَدُكُم فِي نَعلٍ وَاحدٍ، لِيُنعِلهُمَا جمِيعًا، أَو لِيخلَعهُمَا جمِيعًا". الحديث صحيح، وقد عقدنا فيه جزءًا نحوًا من عشرين ورقة (٢). الأصول (٣): قال علماؤنا (٤): هذا نَهيُ أدبٍ وإرشاد (٥)، لإجماعهم -والله أعلم- أنَّه إذا مشى في نعلٍ واحدٍ لم يحرم عليه النَّعل، وليس يكون بذلك عاصيا عند الجمهور وإن كان بالنَّهي عالمًا (٦). وقال أهل الظّاهر: إذا كان المرءُ بالنَّهي عالمًا فهو عاصٍ.

стр. 3604

قلنا لهم: النهيُ ينقسم على أقسام: منه ما يكون نهي تحريم. ومنه ما يكون على وجه الأدب. ومنه ما يكون على وجه النَّدْب والاستحسان. فلا وجه للكلام معهم. الثّانية (١): "لَا يَمشِيَنَّ أَحَدُكُم في نَعلٍ وَاحدٍ" نصّ على المنع من ذلك، وبه قال مالك (٢)، وعليه جماعة الفقهاء؛ لِما فيه من المُثلَةِ والمفارَقَةِ للوَقَار ومشابهة زيِّ الشَّيطان، كالأكل بالشّمال، وهذا مع الاختيار، فأمّا مع الضّرورة، فذلك مباحٌ لمن انقطع شِسْع (٣) نَعلِه. وقد روى ابن القاسم عن مالك في؟ "العُتبية (٤) "أنَّه قال: "لا يمشي في النَّعل الواحد حتّى يُصلحهما ليُحفهما (٥) جميعًا" أو ليقف (٦)، فبيَّن ذلك النّبيّ ﷺ ، ولم يثبت عنه ﷺ فيما نعلمه أنّه مَشَى في نعل واحدة حتّى أصلح الأخرى (٧)، ولا ثبت عن عائشة ﵂ أنّها كانت تمشي في خُفِّ واحدة (٨)، ولو ثبت ذلك عنها لحُمِلَ على الضَّرورةِ الدّاعية إلى ذلك (٩).

стр. 3605

وقال القاضي أبو محمدٍ (١): "إنّه يجوز أنّ يمشي في النعل الواحد المشي الخفيف إذا كان هنالك عُذرٌ، وهو أنّ يمشي في إحداهما متشاغِلًا بإصلاح الأُخرى وان كان الاختيار أنّ يقف إلى الفراغ منها؛ لأنّه لا يُنسَبُ حينئذٍ إلى شيءٍ ممّا يكره". وقال بعضهم: لا يمشي أحدٌ في نعلٍ واحدٍ إذا انقطعت الأخرى شِبْرًا واحدًا؛ لأنّه لا يجوز له ذلك، هذا إذا كان عالمًا بالنَّهي، وإذا كان جاهلًا فلا شيءَ عليه غير أنَّه يُنهَى عنه. حديث مالك (٢)؛ عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الأَعرَج، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "إِذَا انتَعَلَ أَحَدُكُم فَليَبدَأ بِاليَمِينِ، وَاِذا نَزع فَليَبدَأ بِالشِّمالِ، وَلتَكُنِ اليُمنَى أَوَّلَهُمَا تُنعَلُ، وَآخِرهُمَا تُنزَعُ". الحديث صحيح (٣). الأصول (٤): قال الإمام: معنى هذا أنّ التَّيامُن مشروعٌ في ابتداء الأعمال واللِّباسِ (٥)، وأنَّ التَّيَاسُرَ مشروعٌ في خَلعِ الملبوسِ وترك العمل، وكان رسول الله ﷺ يُحبُّ التَّيَامُنَ ما استطاع في طهوره وتنعّله وترجّله وشأنّه كلّه. وقولُه: "وَلتَكُنِ اليُمنَى أَوَّلَهُمَا تُنعَلُ، وَآخِرَهُمَا تُنزَعُ": على معنى إيثار اليمين باللّبس، فتكون أوّلهما تنعل وآخرهما تنزع (٦). فيكون ذلك لتشريف اليمين وتفضيلها على اليسرى بالإكرام. ومن (٧) تفضيله اليمنى أنّ جعلَها للأكل والشرب، وجعل اليسرى للاستنجاء.

стр. 3606

حديث مالك (١)؛ عَنْ عَمِّهِ أَبيِ سُهَيلِ بنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ كَعْبِ الأَحبَارِ؛ أَنَّ رَجُلًا نَزَعَ نَعلَيهِ، فَقَالَ لَهُ: لِمَ خَلَعتَ نَعلَيكَ؟ لَعَلَّك تَأَوَّلْتَ هَذهِ الآيةَ: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ (٢) ثُمَّ قَالَ كَعبُ الأَحبَارِ: أتَدرِي مَا كَانَتَا نَعْلَا مُوسَى ﵇؟ قالَ مالكٌ: مَا أَدرِي مَا أَجَابَهُ الرُّجُلُ (٣)، فَقَالَ كَعبٌ: كَانَتَا من جِلدِ حِمَارٍ مَيَّتٍ. المعاني (٤): قوله: "لِمَ نَزَعتَ نَعْلَيكَ" هذا على معنى الإنكار لفعله، أو توقُّع فعله على وجهٍ ممنوعٍ. ويحتملُ أنّ يكون إنّما أنكر عليه خلع نعليه لصلاة، أو ما أشبهها من دخول مسجد، أو دخول الحرم بالنَّعلين. ويحتمل أنّ يكون أنكر عليه خَلع نَعلَيه حال الجلوس، إيثارًا للبسهما على كلّ الأحوال، إِلَّا أنّ يمنع من ذلك مانع. فأمّا دخولُ الحرمِ أو المسجد الحرام بالنَّعلين فمباحٌ، وقد سئل مالك عن الطّواف بالنَّعلين فأجازَه. الثّانية (٥): قولُه تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ (٦) فقيل: معنى "طُوَى" يقول: طَأِ الأرض بقَدَمَيك حافيًا، قاله مجاهد، فذهب كعب الأحبار إلى أنّه أُمِرَ بخَلْع نَعلَيه لمَا كانت من جلد حمارٍ ميِّت، فأُمِرَ ألّا يطأ الأرض المقدَّسة بهما لنجاستهما، وبذلك قال قتادة وعِكرِمَة.

стр. 3607

وقال الحسن بن أبي الحسن البصري ومجاهد: لم تكونا من جلد حمار ميِّت، وإنَّما أراد اللهُ تعالى منه أنّ يباشر بقَدَمَيه بركة الأرض المقدّسة (١)، وهي الطّاهرة (٢) وقيل: المباركة (٣). وقال كعب الأحبار أيضًا: "أُمِرَ موسى ﵇ أنّ يخلع نَعلَيه؛ لأنّهما كانتا من جلد حمار ميِّت، وليباشر القدس بقَدَمَيه" (٤)، فجمع بين المعنيين (٥)، والله أعلم. مَا جَاءَ فِي لُبْس الثِّيَابِ مالك (٦)؛ عَنْ أَبِي الزِّنادِ، عَنِ الأَعْرجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُول الله ﷺ : نَهَى عَنْ لِبسَتَينِ، وَعَن بَيْعَتَين، وَعن المُلَامَسَةِ، وعنِ المُنَابَذَةِ، وَأن يحتَبِيَ الرَّجُلُ في ثَوبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرجِهِ مِنهُ شَيءٌ، وَعَن أَنْ يَشتَمِلَ الرَّجُلُ الثَّوب الوَاحِدَ عَلَى أَحَدِ شِقَّيهِ.

стр. 3608

المعاني: قال الإمام: إنّما أراد مالك ﵀ أنّ يبيِّن في هذا الباب ما يجوز من اللِّباس وما لا يجوز، وعوّل فيه على النّهي عن اشتِمَال الصَّمَّاء (١)، وقد اختلف النَّاس في ذلك: فقال (٢) أبو عبيد (٣): "اشتمال الصمَّاء: هو أنّ (٤) يشتمل الرّجل الثّوب فيجلّل به جسده كلّه، ولا يرفع منه جانبًا يخرج منه يده. قال (٥): وإنّما اضطجع فيه على هذه الحالة، كأنّه يذهب إلى أنَّه لا يدري هل يصيبه شيءٍ يريدالاحتراس منه" والّذي عندي أنّ هذا التّأويل يقتضي أنّ المنع لا يختصّ بحال الصّلاة، بل يتناول جميع الأحوال. والاضطباعُ: أنّ يدخل الثّوب تحت يده اليمنى (٦) فيلقيه على منكبه الأيسر. وقال ابنُ القاسم (٧): "وهو من ناحية الصّماء"، ومعنى ذلك: أنَّه إذا أخرج يده اليسرى بدت عورته (٨). شرح (٩): قوله (١٠): "إنَّ عُمرَ بنَ الخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاء عِنْدَ بَابِ المَسجِدِ".

стр. 3609

الحُلَّةُ: ثوبان، رداءٌ وإزارٌ. والسِّيَراء: قال أبو علي: هو ثوبٌ مُسَيَّرٌ فيه خطوطٌ تعملُ من القزّ (١). وقال الخليل: السيراء المضلع بالحَريرِ (٢)، ومعنى ذلك كثرة الحرير فيه؛ لأنّه إذا كان سُدَاهُ حريرًا أو بعض لحمته حريرًا، كان ذلك أكثر من وزن ثُلُثِهِ، فهذا الّذي يقتضي تحريمه، ولذلك لبس النَّاس المحرّر (٣). وروى سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر في هذا الحديثْ "حُلَّةَ إِسْتَبرَقٍ" (٤) وهو غليظ الحرير. * وروى نافع: حُلَّة حرير (٥). ورُويَ عن مالك أنّه قال: هو وشي من حرير. وقد تقدّم ذكر تحريم الحرير * على الرِّجال. الثّانية: قوله (٦): "إِنَّمَا يَلبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ": واضحٌ في تحريمه والوعيد الشَّديد على لباسه (٧). وأمّا لباس عمر المرقعات، فكان ذلك منه زهدًا في الدّنيا وحوطة على بيت مال المسلمين، وإلَا فلبس الثِّياب الحِسَان جائز إجماعًا، لقوله: "إِذَا وَسَّعَ اللهُ عَلَيكُم فَأَوسِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُم" (٨).

стр. 3610

وقد كان مالك يلبس الثِّياب العربيّة ويستجيدها (١). وإنّ (٢) الله تعالى قد أدّب أهل الإيمان فأحسن أدبهم، فقال: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (٣)، فإنّ الله ما عذَّب قومًا أعطاهُم الدّنيا فشكرُوهُ، ولا عذَرَ قومًا زَوَى عنهم الدّنيا فعَصَوه. وقال عيسى ﵇: البسوا ثيابَ الملوكِ، وأميتوا قلوبكم بالخشية (٤)، وإنّما كره العلماء لباس الشّهرةِ والإفراط في البذاذة والإسراف والغلوّ. مَا جَاء فِي لِبَاسِ الصُّوفِ (٥) خرّج التّرمذيُّ (٦)، قال أبو بُردَةَ: "أخرَجَت إلينَا عَائِشةُ كِسَاءً غليظًا مُلَبَّدًا، وَإزارًا غَليظًا، فقالت: قُبِضَ رَسُولُ الله ﷺ في هَذَيْن" حسن صحيح (٧). وذكر (٨) عن ابن مسعود عن النّبيّ ﵇ قال: "كَانَ عَلَى مُوسَى ﵇
следующие страницы →