← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

والأصلُ في هذا نُكتةٌ بديعةٌ؛ وهو أنّه إذا أدركَ ركعةً، أو ما يكونُ به مُدْرِكًا، فقد فاتَتْهُ أركانٌ وصفةُ أركانٍ، فَليَقضِ ما فاتَهُ من رُكنٍ أو صِفَةٌ لرُكنٍ (١). ومن العلماءُ من قال: يَقضِيها في محلِّ مِثْلِهَا، وهو الصّحيحُ كما تقدَّمَ. وقد سمعتُ أبا الوفاءِ (٢) إمام الحنابلةِ ببغدادَ يقولُ: من نَسِيَ الفاتحة في الثّلاثِ ركَعاتٍ، قرأَهَا في الرّكعةِ الرّابعةِ أربعَ مرّاتٍ، وكان يُسْنِدُ ذلك إلى أبي بكرٍ الصِّديقِ، وهذا لا يقولُ به إمامٌ مثلُ أبي الوَفَاءِ. حديثُ مالكٍ (٣)، عن نافعٍ؛ أنّ ابنَ عمرَ كان يقولُ: إذا فَاتَتْكَ الرَّكْعةُ فقد فَاتَتْكَ السَّجْدَةُ. آخر: حديثُ مالكٍ (٤)؛ أنّه بَلَغَهُ أنَّ ابنَ عمرَ وزَيْدَ بنَ ثابتٍ، كانا يقولان: من أدركَ الرَّكعةَ فقد أَدْرَكَ السَّجْدَةَ. هكذا رواه يحيى، وأمّا القعنبيُّ (٥) وابن بُكَيْر (٦) وأكثر الرُّواة للموطّأ (٧)، فرَوَوْهُ عن مالكٍ؛ أنّه بلَغَهُ أنّ ابنَ عمر وزيدَ بنَ ثابتٍ كانا يقولان: مَنْ أدركَ الرّكعةَ قبلَ أنّ يَرْفَعَ الإمامُ رأسَهُ فقد أدركَ السَّجْدَةَ.

стр. 387

* مالك (١)، أنّه بَلَغَهُ أنّ أبا هريرة كان يقول: من أدركَ الرّكعَةَ فَقَدْ أدركَ السَّجْدَةَ*، ومَن فَاتَتهُ قراءةُ أُمِّ القرآنِ، فقد فَاتَهُ خيرٌ كثيرٌ. قال الشيخ أبو عمر ﵁ (٢) -: معنى قوله: "مَن أَدْرَكَ الرّكعةَ" الإدراكُ ههنا هو أنّ يركَعَ الإمامُ فيُدْرِكُهُ المأمومُ رَاكعًا فيركَعُ برُكُوعِه, فهذا معنى قوله, وهذا قولُ مالكٍ وأكثرِ العلماءِ، وفي ذلك خلافٌ من أجلِ حديثِ أبي هريرةَ؛ أنّه قال: منْ أَدركَ القومَ رُكُوعًا فلا يُعْتَدُّ بصَلاَتِهِ أو لا يُعْتَدُّ بها. قال الإمام الحافظ (٣): وهذا قولٌ لا أعلم أحدًا من فقهاءِ الأمصارِ قال به، وفي إسناده أيضًا نظر (٤). وأمّا قوله (٥): "ومَن فاتَهُ قراءةُ أُمِّ القرآنِ فقد فاتهُ خيرٌ كثيرٌ" قال ابنُ وضّاح (٦) وجماعة من الفقهاء (٧): ذلك مَوضِعُ التّأمينِ واللهُ أعلمُ، يَعْنونَ قولَهُ: "من وَافقَ تأمينُه تأمينَ الملائكةِ غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (٨).

стр. 388

باب ما جاء في دُلُوك الشّمس وغسَقِ اللّيل فيه فصول: الفصل الأوّل (١) في الترجمة أدخل مالكٌ ﵀ هذا البابَ لنُكْتَةٍ واحدةٍ - وإن كان فيه كلامٌ كثيرٌ- ليُبَيِّنَ من قول ابنِ عمرَ (٢) وابن عبّاس (٣) - وهما أصلانِ في اللُّغةِ- أنّ الدُّلوكَ الزَّوَالُ، حتّى يكونَ قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿مَشْهُودًا﴾ (٤) مُتَنَاوِلًا للصّلوات الخمس (٥). تأصيلٌ: بَيَّنَ مالكٌ ﵁ في هذا الباب أصلًا من أصول الفقه؛ وهو أنَّ الحُكْمَ إذا تعلَّقَ باسْمٍ له أوَّلٌ وآخرٌ، تعلَّق بأوَّلِهِ. وقد اختلفَ العلماءُ في ذلك اختلافًا كثيرًا، تتعلَّق به الفروعُ من "كتاب الطهارة" إلى "أُمَّهَات الأولاد".

стр. 389

قال الإمامُ: وللدّلوكِ أوّلٌ وهو سقوطُ الشّمسِ عن كَبِدِ السّماءِ وآخِرٌ وهو الغروبُ في رَأْيِ العينِ. الفصل الثّاني في الإسناد قال الإمامُ الحافظُ الشّيخُ أبو عمر ﵁ (١) -: قولُ مالكٍ (٢): "أَخبرني (٣) مُخْبِرٌ؛ أنّ ابنَ عَبَّاسِ كان يقول: دُلُوكُ الشَّمْسِ: إِذَا فَاءَ الْفيءُ، وَغَسَقُ اللَّيلِ: اجْتِمَاعُ اللَّيْلِ وظُلْمَتُهُ" إنّ الْمُخبِرَ هاهنا هو عِكْرِمَةُ، وكذلك رواه الدّراوَرْديُّ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عبَّاسِ، وكان مالكٌ يَكْتُمُ اسمَه، لكلامِ ابن المسيَّب فيه، وقد صرَّحَ به مالكٌ في "كتاب الحجِّ" (٤)، وقد ذكرنا السَّبَبَ المُوجِبَ لذلك (٥)، وذكرنا فضلَ عِكْرِمَةَ والثّناءَ عليه مع فضائلِ التّابعينَ في جُزءٍ مُفْرَدٍ (٦)، ومات عِكْرِمَةُ عند داوُدَ بنِ الْحُصَيْنِ بالمدينةِ. واختلفت ألفاظُ المتأوِّلينَ في ذلك؟

стр. 390

فمنهم من يقولُ: دُلوكُها مَيْلُها بعدَ نصفِ النّهار (١). ومنهم من يقولُ: دلوكُها زيغُها (٢) ومنهم من يقولُ: دلوكُها غروبُها (٣). ولم يُخْتَلَفْ عنِ ابنِ عمرَ أنّه كان يقولُ: دلوكُها ميلُها (٤). وأمّا (٥) ابنُ مسعودٍ، فلم يُخْتَلَف عنه أنّ دُلُوكَها غُروبُها، وكان يُقْسِمُ على ذلك (٦)، والوجهان في اللغة معروفان (٧). وقال بعضُ أهلِ اللُّغةِ: دُلوكُها: مِنْ زوالِها إلى غروبِها (٨). وأما غَسَقُ اللّيل، فالأكثرُ على أنّه أُرِيدَ به صلاةَ العِشاءِ. ورُوِيَ عن مجاهدٍ أنّه قال: غَسَقُ اللَّيلِ هو غروبُ الشَّمسِ (٩). وقال غيره: غَسَقُ اللَّيلِ: المغربُ والعشاءُ.

стр. 391

جَامِعُ الوُقُوت قال الشيخ أبو عمر ﵁ (١) -: هذه التّرجمة عند يحيى (٢)، وأمّا عند ابن القاسم في موطِّئِهِ في هذا الموضع: "وقتُ صلاة الظُّهرِ والعصرِ إلى غُروبِ الشَّمسِ، والمغربِ والعشاءِ إلى طُلُوعِ الشَّمسِ". تنببهٌ على مقصد (٣): أدخلَ مالكٌ هذا الحديثَ في "جامِعِ الوُقُوتِ" لِمَا رَأَى من تَضْيِيع النَّاسِ لها خصوصًا، حتى أخرجُوها عن وقتها المختارِ لها، وهو البياضُ الغَالِبُ على الشَّمسِ، وقد أدخل فَضْلَ غيرِها في مَوْضِعِه، وقَدِّمَ الصّلاةَ للحاجةِ إلى تقديمِها. وفي "البخاريِّ" (٤) عن بُرَيْدَةَ: "مَن فاتَتْهُ صلاةُ العصرِ فقد حَبِطَ عَمَلُهُ" ومعناه: ذهب , ففي حديث ابنِ عمرَ (٥) جعَلَها قرينةَ الأهلِ والمالِ، وفي حديث بُرَيْدَةَ جعَلَها مُعَادِلَةَ العملِ، والمعنيانِ متقارِبَان مشترِكَان في التّأويل إنّ شاء الله؛ لأنّ المرادَ بقولِه: "وُتِرَ أَهلَهُ ومَالهُ" يعني: سُلِبَ، فضَرَبَ بِه مَثَلًا (٦).

стр. 392

قال الإمام الحافظ أبو عمر ﵁ (١) -: معناه عند أهل الفقه واللُّغة: أنّ الّذي يُصابُ بأهله ومَالِهِ يَجتَمِعُ عليه غَمَّانِ: غَمٌّ لذَهَابِ أهلِهِ ومَالِهِ، وغَمٌّ لما يُقَاسِي من طَلَبِ التَّرّة (٢)، كأنّه يقول: الّذي تفوتُه صلاةُ العصرِ لو وُفِّقَ لِرُشْدِهِ وعرفَ قَدْرَ ما فاتَهُ من الفضلِ والخيرِ، كان كالّذي أُصيبَ بأهلِهِ ومالِهِ، وأنشدُوا في المعنى (٣): كَأنَّمَا الذِّئبُ إذْ يَعْدُو عَلَى غَنَمِي ... في الصُّبحِ طَالِبُ وِتْرٍ كانَ فاتَّأَرَا قال علماؤنا (٤): هو أنّ تفوتَهُ صلاةُ العصرِ من غيرِ (١) عُذْرٍ حتْى تغربَ الشّمسُ، ولا يُدْرِكُ منها ركعةً قبلَ الغروبِ. وأمّا من قال: إنّ ذلك أَنْ يؤخِّرَهَا حتّى تَصْفَرَّ الشّمسُ، فليسَ بشيءٍ. والدّليلُ على ذلك: قولُه: "الّذِي تَفُوتُهُ" والفَوْتُ الذَّهابُ. وقال علماؤنا من أهل الحديث (٥): قد يَحتَمِلُ أنّ يكونَ تخريجُ قولِه ﷺ في هذا الحديث على جوابِ سائل سألَ، كأنّه قالَ: يا رسولَ الله، الّذي تفوتُه صلاة العصر؟ فقالَ رسولُ الله: هو كَمَن وُتِرَ أهلَهُ وَمَالَهُ، فإن كان هذا، فقد دخَلَ في معنى العصر (٦)، والله أعلمُ. واختَلَف العلماء (٧) في معنى "الفَوْت"؟ فقال الأَصِيلِىُّ: هو الّذي تَغرُبُ الشّمسُ ولم يُدْرِك شيئًا، وهذا أشبه بالفَوْتِ.

стр. 393

وقال ابنُ وهبِ: الفوتُ هو إذا لم يُصلِّ في الوقتِ المُختارِ، وهو أنّ يَصِيرَ ظِلُّكَ مِثلَيْكَ، واختار هذا القول الدّاوديّ. وقال في قوله: (وُترّ أَهْلَهُ وَمَالَهُ" يَحْتمِلُ أنّ يريدَ به: وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ دون أجْرٍ ولا ثواب يُذَّخَر له على ذلك. وقال غيرُهُ: معناه أنّ هذا الّذي فاتَتْهُ الصّلاة يلحقه من الأسَفِ والاسترجاعِ ما يلحق مَنْ قد وُتِرَ أهلَهُ ومالَهُ (١). حديث مالكٌ (٢)؛ عن يحيى بنِ سعيدٍ؛ أنّ عمرَ بنَ الخطَّابِ انْصَرَفَ من صلاةِ العصرِ، فَلَقِيَ رَجُلًا لم يَشْهَدْ صلاةَ العصرِ. الحديث. تنبيه على مقصد: قال الإمامُ الحافظُ الشّيخُ أبو عمر ﵁ (٣) -: إنَّما أردفَ مالكٌ ﵁ حديثَهُ هذا (٤) بحديثه عن يحيى بنِ سعيدٍ؛ أنّ عُمَرَ انْصَرَفَ من صلاةِ العصرِ. الحديث؛ يقول مالك (٥).

стр. 394

وقولُ (١) مَنْ تَقَدَّمَ لشرح المُوَطَّأ (٢): إِنّ هذا الرّجلَ الّذي لَقِيَهُ عمرُ هو عثمان، وهذا لا يوجدُ في أَثَرٍ عَلِمْتُهُ (٣)، وإنّما عثمانُ هو الّذي جاءَ وعمرُ يَخْطُبُ، فقال له عمرُ: أيّةُ سَاعَةٍ هي هذه؟ رُوِي ذلك من طريقٍ ثابتٍ (٤). وأمّا الرَّجلُ الّذي لَقِيَهُ عمرُ، فهو رجلٌ من الأنصارِ من بني حَدِيدَةَ، صاحب النّبيِّ ﷺ (٥) وقولُه في هذا الحديث (٦): "طَفَّفْتَ" معناه: أنّك نَقَضْتَ نفسَكَ حظَّها من الأجْرِ، بتأخُّرِكَ عن الصّلاة في الجماعة في (٧) مسجد النَّبيِّ ﷺ . وإن كان (٨) يُدْركُ فضيلةَ المسجدِ بصلاةِ الفَذِّ، ويُدْرِكُ فضيلةَ الجماعةِ في غيرِ ذلكَ المسجدِ.

стр. 395

وأمّا "التَّطفيفُ" في لسان العَرَبِ، فهو الزِّيادةُ على العدْلِ والنُّقصانُ منه، وذلك ذَمٌّ لفاعلِهِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ الآية (١). ومَن ذمَّهُ اللهُ استحقَّ عقابَهُ، كما أنّ مَنْ مدَحَهُ استَوْجَبَ ثوابَهُ. تبيين: قال الشّيخ أبو عمر ﵁ (٢) -: "وأمّا قولُ مالكٍ: "يُقَالُ لِكُلِّ شيءٍ وَفَاءٌ وتَطفِيفٌ" فإنّه يعني: أنّ هذه اللّفظةَ تدخُلُ في كلِّ شيءِ مذمومٍ، زيادةً كان أو نقصانًا". ورُوِيَ عن ابنِ وهبٍ أنّه قال: الصّلاة كالمِكْيَالِ مَنْ أَوْفَى اسْتَوْفَى، أو قالَ: فَمَنْ أَوْفَى قُبِلَ مِنْهُ. وقيل: تَرْكُ المُكافَأةِ مِنَ التَّطْفِيفِ (٣). قال الهروي (٤) في قوله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ (٥) قال: التّطفيفُ عبارة عن كلَّ شيءٍ مذمومٍ (٦)، أو قال: عني النّقص (٧). والتّطفيفُ أيضًا في الوضوءِ والصّلاةِ والمكيالِ والميزانِ مذمومٌ (٨). حديث مالكٌ (٩)، عن يحيى بن سعيدٍ؛ أنّه كان يقولُ: إنّ المُصَلِّيَ ليُصَلِّي الصَّلاةَ وما فَاتَهُ وَقْتُها. الحديث. وفيه فصلان:

стр. 396

الفصل الأوّل في إسناده قال الشّيخُ الإمامُ الحافظُ أبو عمر (١): "هكذا رواه في الموطّأ، وهذا الحديث موقوفٌ على يحيى بن سعيدٍ، وهذا مرويٌّ من طُرقٍ ضعيفةِ الإسنادِ (٢)، وتردُّها أيضًا أصولُ الآثارِ الصِّحَاحِ. لطائفةٌ تروِيه عن يحيى بن سعيدٍ، عن يَعْلَى بن مُسْلِمٍ، عن طَلْق بن حبيبٍ، عن النّبيِّ ﷺ ، وهذا مُرْسَلٌ. وطَلْق ثِقَةٌ فيما نَقَلَ، إلَّا أنّه رأسٌ من رؤوس المرجئة (٣)، وكان مع ذلك فاضلًا عابدًا (٤)، وكان مالكٌ يُثْنِي عليه لعبادته وفضله، ولا يرضاهُ لمذهبه. وقد رُوِي مُسْنَدًا (٥)، إلَّا أنّه يدور على يعقوب بن الوليد وهو متروك الحديث (٦) ".

стр. 397

الفصل الثّاني في حَظِّ الأصول الإمام الحافظ (١): والأصولُ الّتي تَرُدُّ هذا الحديث، منها حديثُ نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنَّه قال: "من فَاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ فكأنما وُتِرَ أهلَهُ وَمَالَهُ" (٢)، فلم يقع المثل ههنا والتّشبيه "إلَّا لمن فاته وقت الصّلاة كلّه، بدليل قوله: "مَنْ أَدْرَكَ رَكعَةً من العصرِ" (٣) وبدليل قوله- حين صلَّى في طرفَي الوقتْ -: "ما بَينَ هذيْنِ وقّتٌ" (٤). وقد حَكَى ابنُ القاسم عن مالكٌ أنّه لم يُعجِبه هذا الحديث (٥). قال القاضي أبو الوليد الباجي (٦): "قوله "إِنَّ الْمُصَلِّيَ لَيُصَلِّي الصَّلاةَ" قال مالكٌ: لايُعْجِبُنِي ذلكَ، ويصلِّي الناسُ في أوّله وَوَسَطِه، وكَرِهَ التّضييقَ في ذلكَ". تنببهٌ على مقصدٍ: قال (٧):؛ وكراهيةُ مالكٍ (٨) لهذا الحديثِ: أنّ ظاهرَهُ يعارضُ الحديثَ الّذي لا خلافَ في صِحَّتِه، من قوله ﷺ : "الذِي تَفُوتُهُ صلاة الْعَصْرِ." الحديث" (٩).

стр. 398

وقولُه (١): (مَن تَرَكَ الصلاةَ (٢) سَاهِيًا" السَّهْوُ: الذّهولُ عن الشيءِ تَقَدّمَهُ ذِكْرٌ أو لم يتقدِّمه. وأمّا النِّسيان فلابُدَّ أنّ يتقدَّمه الذَّكر" (٣). واختلفَ العلماءُ في الشَّفَقِ على قولين (٤): ١ - فمذهبُ مالكٍ ﵀ (٥) - والثوريِّ والشافعيِّ (٦) وغيرِهم يقولونَ: الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ، وقاله ابنُ عبّاس وابنُ عُمَرٍ. ٢ - والقولُ الثاني: رُوِيَ عنه أيضًا أنّه قال: الشَّفقُ البياضُ، وبه قال أبو حنيفةَ (٧) وأصحابُهُ وعمرُ بن عبد العزيز (٨). حديثُ مالكٍ (٩)، عن نافعٍ؛ أنّ ابنَ عمرَ أُغَمِي عليه، فذهبَ عقْلُهُ، فلم يَقْضِ الصَّلاةَ. قال مالكٌ: وذلك فيما نَرَى أنَّ الوقتَ قد ذَهَبَ ... (١٠). فمالكٌ والشَّافعيُّ (١١) وأصحابُهُما (١٢) على مذهبِ ابن عمرَ في الْمُغْمى؛ أنّه لا يقضِي ما فاتَهُ من الصّلوات الّتي أُغْمِي عليه فيها حتى خرجَ وقتُها.

стр. 399

قال الإمام: وقد خالفَ ابنَ عُمَرَ في ذلك عمَّار وعِمْرَانُ بنُ حُصَينٍ، فَرَأيا القضاءَ وإن خرجَ الوقتُ. وذكر ابنُ أبي شَيْبَةَ في مصنَّفِه (١)؛ أنّ عَمَّارَ بن ياسرِ أُغْمِي عليه الظُّهرَ والعصرَ والمغربَ والعِشَاءَ، فأفاقَ في بعضِ اللَّيل فقضاهُنَّ. وقد رُوِيَ (٢) عن عِمْرَانَ بنِ حُصينٍ؛ أنّه قال: يَقْضِىِ المُغْمَى عليه الصّلواتِ كلِّها. وأمّا (٣) من أفاقَ وأدْرَكَ من الوقتِ ما يَقْضِي فيه الصَّلاةَ، فلا خلافَ بين الأَيِمَّة فيه أنّه إذا أفاقَ في وقتِ يُمْكِنُهُ الأداء أنّها تَلْزَمُهُ. قال الإمامُ الحافظُ ﵁: وحُجَّةُ مالكٍ ﵁ ومَن ذهبَ مَذْهَبَهُ؛ أنّ القَلَمَ مرفرعٌ عن المُغْمَى عليه، قياسًا على المجنون المتّفَقِ عليه؛ لأنّه لا يحْزُبُ المُغْمَى عليه إلَّا أصلان: أحدُهما: المجنونُ الذّاهبُ العقلِ. والآخرُ: النّائمُ. ومعلوم أنّ النّومَ لذَّةٌ، والإغماءَ عِلَّةٌ وبليَّةٌ، فهي بحالِ الجنونِ أَشْبَهُ. قال الإمامُ الحافظُ: وهذه مسألةٌ ليس فيها حديثٌ مُسْنَدٌ، ولا أَثَرٌّ يعْضُدُهُ نصٌّ جَلِيٌّ، وهي مُعْضِلَةٌ جدًّا (٤)، وفيها عن ابنِ عمرَ وعمَّارِ بنِ ياسرٍ خلافٌ، فابنُ عمرَ لا يقضِي ما خرَجَ وقتُه، وعمَّارٌ يَقضِي.

стр. 400

باب النوم عن الصلاة مالكٌ (١)، عن ابن شهاب، عن ابنِ المسيَّب؛ أنّ رسولَ الله ﷺ حين قَفَلَ من خيبر أَسْرَى ... الحديث. فيه فصولٌ: الفصلُ الأوّل (٢) في الإسناد قال الإمام الحافظ ﵁: هذا حديث مُرْسَلٌ في المُوَطَّأ عند جميعِ رُوَاتِهِ (٣) فيما عَلِمْتُهُ وقيَّدْتُه، وكذلك رواه ابنُ إسحاق (٤)، وابنُ عُيَيْنَة (٥)، ومَعْمَر في رواية عبدِ الرزَّاقِ (٦) عنه مُرْسَلًا كما رواه مالكٌ، وَوَصَلَهُ أبَان، عن مَعْمَرٍ (٧). وَوَصَلَهُ

стр. 401

الأوزاعيّ أيضًا (١)، وُيونُس، عن الزّهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة (٢). وقد (٣) رُوِيَ في نومه ﵇ آثار كثيرةٌ من وجوه، رواها جماعة منهم (٤): ابنُ مسعودٌ (٥)، وأبو قتادة (٦)، وعِمْرَان بن الحُصَيْن (٧)، وأبو هريرة (٨). الفصل الثّاني في الفوائد المنثورة والتفسير قال الإمامُ الحافظُ ﵁ (٩) -: قولُ ابنُ شهابٍ (١٠) في هذا الحديثِ: "حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ" هو أصحُّ من قولِ من قال: إنّ ذلك كان حين مَرْجِعَهُ من غَزْوَةِ حُنَيْنٍ. وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ. أنّ نومَهُ ذلك كان في عامِ الحُدَيْبِيَّةِ (١١)، وذلك في زَمانِ خَيْبَرَ. وقد ثبتَ في الصّحيحِ؛ أنّ رسولَ الله ﷺ نامَ عنِ الصّلاةِ ثلاثَ مَرَّاتٍ (١٢):

стр. 402

الأوُلَى: كان ﷺ أوَّلُهُم اسْتيقاظًا (١). المرّةُ الثانيةُ: استيقظَ قبلَهُ أبو بكرٍ، فكَبَّرَ حتَّى استيقظَ رسولُ اللهِ ﷺ (٢). المرّةُ الثالثةُ: لم يحضُرْها أبو بكرٍ ولا عمرُ، وإنّما كان في رَكْبٍ ثمانيةٍ أو نَحوِها (٣). وكلُّ ذلك ثابتٌ بنَقْلِ العدلِ عن العَدْلِ. فائدةٌ لغويةٌ (٤): قولُه: "قَفَلَ" القُفُولُ: الرُّجوعُ من السَّفَر، ولا يقالُ قَفَلَ إذا سَارَ مُبْتَدِئًا، قال صاحب "العين" (٥): "قفلَ الجيشُ قُفُولًا وقَفْلًا: إذا رَجَعُوا"، وقَفَلْتُهُم أنا أيضًا هكذا. الفائدة الثانية (٦): فيه: أنّ خروجَ الإمامِ بنَفْسِهِ في الغَزَواتِ من السُّنَنِ، وكذلك إرسالَهُ السَّرايا، كلّ ذلك سنَّةٌ مَسْنُونَةٌ. الفائدةُ الثالثةُ: أَسْرَى وسَرَى باللّيلِ بمعنى واحدٍ (٧)، وهي (٨) لفظةٌ مؤنّثةٌ، يقالُ: سَرَى وأَسْرَى لُغتانِ، ولا يقالُ لمَشْيِ غيرِ اللَّيلِ سُرَى (٩)، ومنه الْمَثَلُ السّائرُ: "عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ القَوْمُ

стр. 403

السُّرَى" (١) وعليه ينطلقُ قولُه تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ الآية (٢). الفائدةُ الرابعةُ (٣): قوله: "عَرَّسَ" والتّعريسُ: النزولُ آخرَ اللَّيلِ، ولا يقالُ للنّزولِ أوّل اللَّيلِ تعريسًا (٤). الفائدةُ الخامسةُ (٥): قولُه لبلالٍ: "اكْلأ لَنَا الصُّبْحَ" معناه: ارقُبْ لنا الصُّبحَ (٦)، واحفَظ علينا وقتَ صلاتِنا، وأصلُ الكِلاَءةِ الحِفْظُ والرِّعَايةُ والمَنْعُ، وهي كلمةٌ مهموزَةٌ (١). الفائدةُ السادسةُ (٧): فيه: إباحةُ المَشْيِ على الدَّواب باللَّيلِ، وذلك على قَدْرِ الاحتمالِ، ولا ينبغي أنّ يثقلَ عليها بالمشيِ ليلًا ولا نهارًا، وقَد أَمَرَ رسولُ الله ﷺ بالرِّفقِ بها وأَنْ يُخَفَّفَ عنها. الفائدة السّابعة (٨): فيه: أَمْرُ الرَّفيقِ بما خفَّ من الخدمةِ والْعَوْن في السَّفَرِ، وذلك محمولٌ على

стр. 404

العُرْفِ في مِثْلِه، وإنّما قلنا بالرَّفيق ولم نَقُلْ بالمَمْلوكِ؛ ولأنّ بِلالًا كان حُرًّا يومئذٍ أعتقَهُ أبو بكرٍ بمكَّةَ، وكانت غزوةُ خيبر سنةَ ستٍّ من الهجرةِ. وقال القاضي أبو الوليد الباجيّ (١) ﵁: "إنّ قولَ رسولِ الله ﷺ لبلال: "اكْلأ لَنَا الصُّبْحَ دليلٌ على صِحَّةِ خَبَرِ الواحِدِ؛ لأنّه ﷺ رَجَعَ في وقتِ الصّلاةِ -وهو من أهمِّ أمورِ الشّريعةِ- إلى قولِ بلالٍ وَحْدَهُ. وقولُه: "وَكَلأَ بلاَلٌ مَا قُدِّرَ لَهُ" إخبارٌ منه ﷺ أنَّ فِعْلَ بلالٍ كان بِقَدَرٍ من اللهِ، وفي هذا ردٌّ على القَدَرِيَّةِ الذين يقولون: لا قَدَرَ، وينفونَ ذلكَ". الفائدة الثّامنة: قوله (٢): "فاسْتَيْقَظ رسولُ الله ﷺ والشَّمْسُ قد طلعَت" ههنا هو موضعُ الكلامِ على نَوْمِهِ ﷺ . فإن قال قائل (٣): وكيفَ نَامَ ﷺ وقد قيَّدْنَا عنه أنّه قالَ: "إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ ولا يَنَامُ قَلْبِي" (٤) وقد نامَ هُوَ ههنا حتى طلعتِ الشَّمسُ؟ الجوابُ عنه - قلنا: إنّ من أهلِ العِلْم من تأوَّلَ ذلكَ من قوله: "إنَّ عَيْنَيَّ تنامان ولا ينامُ قلبي" على أنّ ذلك كان غالبًا من حَالِهِ (٥). ومن العلماءِ من تأوَّل قوله: "ولا ينَامُ قَلبِي"

стр. 405

على أنَّه لا تستغرقه آفة النوم حتى يوجد منه الْحدَثُ ولا يشعر (١)؛ لما رُوِيَ عنه ﵇ أنّه كان مَحْرُوسًا (٢)، وأنّه كان يَنَامُ حتّى (٣) يُسّمَعُ غَطِيطُهُ (٤)، ثمّ يُصَلِّي ولا يَتَوَضَّأُ (٥). الجوابُ الثاني - قال شيخُنا القاضي أبو الفضل في "الشِّفَا" (٦) له: "قد قيَّدنا فيه أنّ معنى قوله: "لاَ ينَامُ قَلْبِي" أنّ قلْبَه لا ينامُ من أَجْلِ أنّه يُوحَى إلَيْهِ في المَنَامِ، وليسَ في قصَّةِ الوَادِي إلَّا نَوْمُ عَيْنَيهِ عن رؤيةِ الشَّيءِ (٧). فإن قيل: فلَوْلاَ عادَتُه من اسْتِغْرَاقِ النَّومِ، لَمَا قالَ لبلالٍ:، "اكْلَأْ لنَا الصُّبْحَ. الجوابُ عن ذلك - قيل: إنَّه لمّا كان من شأنِهِ ﵇ التّغْلِيسُ بالصُّبح، ومُرَاعَاةُ أوَّلِ الفَجْرِ، إذ لا يَصِحُّ لمَنْ نَامَتْ عَيْنُهُ، إذ هُوَ ظاهرٌ لا يُدْرَكُ إلَّا بظاهرِ، فَوَكَّلَ لبِلاَلٍ مراعاة أَوَّلِه لِيُعْلِمَهُ بذلك". قال الشّيخ أبو عمر (٨) ﵁: "والنّكتةُ في نَوْمِهِ ﷺ مع قوله "إنَّ عَيْنَيَّ تنامانِ ولا ينامُ قَلْبِي" أنّ الأنبياءَ ﵈ تنامُ أعينُهم ولا تنامُ قلوبُهم؛ ولأجل ذلك

стр. 406

كانت رؤياهُم وَحْيًا، وكذلك قال ابن عبّاسٍ: رُؤيَا الأنبياءِ وَحْيٌ، وتَلا قوله: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ الآية (١). وقد رُوِيَ عنه ﷺ قال: "إنَّا مَعْشَرَ الأنبياءِ تنامُ أَعْيُنُنَا ولا تنامُ قلوبُنا" (٢) ونومُه ﵇ في السَّفَر من باب قوله:، إِنِّي لأنْسَى أَوْ أُنَسَّى لأَسُنَّ" (٣) فخرقَ نومُه ذلك عادةً، ليسُنَّ لأُمَّتِهِ، ألا ترى أنّ قولَه في حديث العَلاَءِ بنِ خَبَّاب (٤): "لو شاءَ اللهُ لأَيْقَظَنَا" ولكنّه أرادَ أنّ تكونَ سُنَّةً لمن بعدَكُم" (٥). وقد قال غير واحد من علمائنا (٦): إنّ نومَهُ كان يَنَامُ أحيانًا نَوْمًا يُشْبِهُ نومَ سائر الآدمِّيينَ، وقد يكونُ نومه في وَقْتٍ دونَ وقْتٍ، ونومُه ذلكَ إنّما كان منه غِبًّا، لمعنّى يريدُ اللهُ إِحْدَاثَهُ، ولِيَسنَّ لأُمَّتِهِ بعدَه ذلك (٧).

стр. 407

وقال بعضُ الصّوفية: إنّ معنى قوله: " إنّ عَيْنَيَّ تنامانِ ولا ينامُ قلبِي" معناه: أنّ عينَيْه تنامُ عن الدُّنيا, ولا ينامُ قَلْبُه عن المَلَكُوتِ الأعْلَى. قال الإمامُ الحافظُ أبو عمر (١) ﵁: "أمّا طَبْعُه وعادَتُه المعروفةُ منه ومِنَ الأنبياءِ قَبْلَهُ، فيما حَكَى عن نفسِهِ: "إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ، ولا يَنَامُ قَلْبِي" (٢) فأطلَقَ ذلكَ على نفسِهِ إطلاقًا غيرَ مُقَيَّدٍ بوَقْتٍ، وفي حديث آخرَ: "إنا مَعْشَرَ الأنبياءِ تَنَامُ أَعْيُنُنَا ولا تَنَامُ قُلُوبُنَا"، فأخبرَ أنَّ كلَّ الأنبياءِ كذلكَ". قال الإمام الحافظُ أبو بكر بن العربي ﵁ (٣) -: اعلم أنّ الله تعالى خَلَقَ العبدَ حيًّا دَرَّاكًا مفكِّرًا قادرًا، في أحسنِ تقويمٍ، ثمّ ردَّهُ أسفلَ سافِلينَ، ثمَّ سلَّط عليه السَّهوَ والغَفْلَة، ليتبيَّنَ قُصورَ هذه الفضائِلِ الّتي فيه، حتى لا يقول: أنا كذا وأنا كذا. وسلَّطَ عليه النّومَ، وهيَ آفة تُدْرِكُ الحواسَّ، وركودٌ يقومُ بالجوارحِ، لا يَلْحَقُ القلبَ ولا الرُّوحَ ولا النَّفْسَ منها شيءٌ؛ ولذلك قال علماؤنا ﵃: إنّ الرُّؤيا إدراكٌ حقيقةً وعِلْمٌ صحيحٌ، والمَرْءُ في يَقَظِتِه ومنامِهِ لا ينفَكُّ عن حالَتِهِ الّتي هو عليها, إنّ كان في اليقَظَةِ في تخليطٍ وتلاعُبٍ مع البطَّالينَ، انتقَلَ إلى مِثْل ذلك في المَنَام. وإن كان في يقَظتِهِ في عِلْم وتحقيقٍ وعبادةٍ؛، انتقلَ إلى مِثْلِ ذلكَ في المنامِ، فَلَقَفَهُ مَلَكُ الرُّؤيا إلى نَفْسِهِ، وألْقَى عليه مِثْلَ ما كان فيه من التّحقِيقِ. ولكنَّ الرؤيا أكثرُها حَقًّا؛ لأنّها أقربُ إلى الله، ولأنّها تأتي بواسطةِ الْمَلَكِ وليس عندَهُ إلَّا الحقُّ، فلذلك كانت جزءًا من النُّبوَّة؛ لأنَّ الْمَلَك يُلقيها إلى كلِّ عبدٍ، ولذلك كانت بُشْرَى؛ لأنّها خَبَرٌ من الْمَلَكِ عن الله تعالى. ونظيرُها في اليَقَظَةِ الفَأْلُ، فقد كان ﵇ يُصْغِي إليه ويُعَوَّلُ عليه، لكنّ الفَأْلَ

стр. 408

أدنّى منزلةً، إذ يكونُ من الطِّفل والمرأة، ومِنْ مؤمنٍ وكافرٍ في دار الشُّعُوب (١) " (*) وهي اليَقَظَةُ، والرُّؤيا تكونُ من المَلَكِ مُخْلِصَةً في حالةِ الخُصُوصِ، لكن لغَلَبَةِ الشَّهوَاتِ (*) للآدميِّينَ، واستيلاءِ الغَفلاتِ على العِبَادِ، وأولئك في إقبالٍ على شَهْوَةِ البطْنِ والفَرْجِ. وقد يقعُ العبدُ من النّوم في غَمْرَةٍ، فلا يرى شيئًا، حقيقةً ولا خَيالًا، لا تكونُ نِسْبَةُ تلكَ الْغَمْرةِ في المنام نسبةَ السُّكَرِ أو الوَلَهِ في اليقَظَةِ. تنزيه وتشريف (٢): قال الإمام: فإذا ثبتَ هذا الكلامُ، فالنّبيُّ ﵇ في حُكْم الآدميَّة وجِبِلَّةِ البشريّة مُطَهَّرٌ عن ذلك كلِّه وعن أشباهه، في ابتدائِهِ وفي مَآلِهِ، وكيفَ ما اختلفت حالُهُ من نومٍ أو يقَظَةٍ، في حقٍّ وفي تحقيقٍ، ومع الملائكةِ في كلِّ يومٍ وفي كلِّ طريقٍ. إنّ نَسِيَ فَبآكَدَ من ذلك اشتغلَ. وإن نامَ فبقَلِبه ونَفْسِهِ على الله تعالى أقبلَ. وهذا القَدْرُ الّذي ألقيناهُ إليكُم قد عَلمَتْهُ الصّحابةُ -رضوانُ الله عليهم-؛ فإنّها قالت في الصّحيح: وكان رسولُ الله ﷺ إذا نام لا نُوقِظُه حتّى يستَيقِظُ، لأنّا لا ندري ما هو فيه (٣)؛ لأنّ نومَه ﷺ لم يكن منه عن آفةٍ، وإنّما كان بالتصرُّفِ من حالةٍ إلى حالةٍ، ليكونَ لنا سُنَّةَ. وقد قال ﵇: "إنّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُم أَنْسَى كما تَنْسَوْنَ" (٤) فإذا ثبتَ هذا، فتبين الاشتراك في البشريّةِ والنِّسيانِ (٥).

стр. 409

الفائدةُ التاسعةُ: قوله (١): " ففَزعَ رسولُ اللهِ ﷺ اختلف العلماء في ذلك: فقال القاضي أبو الوليد الباجي (٢): "إنّ فَزَعَهُ ﷺ لما فَاتَه من وقتِ الصّلاةِ، ولم يكن عنده قبلَ ذلك الوقت ما يجِبُ على من نَابَهُ مثل ذلك، فَفَزعَ له، وهذا أشبه بالخَبَرِ. وقال الأصيليُّ: إنّ فَزعَه كان لأجل المشرِكِينَ الّذين رَجَعَ من غَزْوِهِم (٣) ". وقال الإمام الحافظ (٤): أخَّرَ النّبيُّ ﷺ الصلاةَ عند الهبوبِ من النّومِ حتّى اقتادوا لأجل خمسة أوجه: أحدُها: انتظارُ الأمرِ من اللهِ تعالى، كيف يكونُ العملُ في ذلكَ. الثاني: تَحَرُّزٌ من العدوِّ واستشرافٌ له. الثّالثُ: كراهيةُ البقعةِ الّتي وقَعَت فيها الآفةُ. الرَّابعُ: ليَعُمَّ الاستيقاظُ والنّشاطُ إذا رحَلَ جميعُهُم. الخامسُ: قال أصحابُ أبي حنيفةَ (٥): إنّما فعل ذلكَ لكي يذهبَ الوقتُ المنهيّ عن الصّلاةِ فيه، وفي الحديث: "حتَّى إذا ارتفعتِ الشَّمسُ وابيَضَّت، نَادَى رسولُ الله ﷺ بالصّلاةِ" (٦). قال الشّيخ أبو عمر (٧): "إنّما كان فَزَعُهُ إشفاقًا منه وحُزْنًا على ما فَاتَه من وقتِها بالنّوم الغالِبِ عليه، وحِرْصًا على بُلُوغِ الغايةِ من طاعةِ ربِّهِ. كما فَزعَ حينَ قامَ إلى صلاةِ الكُسوفِ فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ (٨)، وكان فَزَعُ أصحابِهِ لأنّهم لم يَعرِفُوا حُكْمَ من نامَ عن الصّلاةِ

стр. 410

في رَفْعِ المَأثَمِ عنه وإباحةِ القضاءِ؛ ولذلك قال لهم رسولُ الله ﷺ "إنّ اللهَ قبضَ أرواحَنَا" الحديث (١). الفائدة العاشرة: قال الشّيخُ أبو عمر (٢) ﵁: "في هذا الحديثِ تخصيصُ قولِهِ: "رُفِعَ القلمُ عنِ النّائمِ حتّى يَستَيْقِظَ" (٣) وبيانُ أنّ من رُفِعَ المأثمُ عنه إنّما ذلك لما غَلَبَهُ من النّوم، ولم يرفع عنه وُجُوبَ الإتيانِ بالصّلاةِ إذا نسيت الصّلاة". الفائدة الحادية عشر: قوله ﷺ (٤): "اقتَادُوا" اختلَفَ العلماءُ والشّارِحونَ للحديثِ في معناه، وفي تأويل ذلك، فالّذي يحضُرُني، من ذلك وجهان (٥): أحدُهما: أنّه ﷺ أَمَرَ بالاقتياد لِئَلَّا يبقَى من أصحابِه نائمٌ؛ إذ الرّحيلُ يَعُمُّ جميعهم. الثاني: أنّه ﷺ عَلَّلَ وَجْهَ الاقتيادِ بما ذَكَرَهُ في حديث زَيْد بن أَسْلَمَ: "إنّ هَذَا وَادٍ بِهِ شيطانٌ" (٦).

стр. 411

قال. القاضي أبو الوليد (١): "وهذه علّةٌ لا طريقَ لنا نحن إلى معرِفَتها، فلا يلزمُنا العمل بها. وأبو حنيفةَ (٢) يقولُ: إنّ تأخيرَ رسولِ الله ﷺ (٣) وأمرَهُ بالاقتيادِ إنّما كان لأنّه انتبهَ في حينِ طُلوع الشَّمسِ، ولا يجوزُ قضاءُ الفوائتِ في ذلك الوقتِ عنده. قال الإمام (٤): وهذا الّذي ذهبَ إليه أبو حنيفةَ ليس بصحيح؛ لأنّ وقتَ طلوعِ الشّمسِ لا يكونُ لها ضوءٌ يضربُ شيئًا ممّا على وجهِ الأرضِ، وقد قال في حديث عِمْرَان بن حُصَينٍ (٥): "فما استَيْقَظنَا إلا لحرِّ الشَّمْسِ". تفريع (٦): قال (٧): ولم يَخْتَلِف أحدٌ من رُوَاةِ الأحاديثِ في نومِ النَّبيِّ ﷺ ، في الصَّحيحِ؛ أنّه ﷺ لَمَّا استيقظَ أَذَّنَ بالصّلاة وأقامَ لها، وفي ذلك اختلافٌ بينَ العلماءِ، وفي بعضِ طُرُقهِ: "أَذَّنَ وأَقَامَ" (٨)، أو:"أَذَّنَ" (٩)، واليقين في الأحاديثِ الصِّحاحِ أَوْلَى أنّ يُتَّبعَ من الشَّكِّ، كما أنّه لابدَّ من رَكْعتَي الفَجْر. لأنّ النّبيَّ ﷺ صَلاَّهُما قبل صلاة الصُّبح (١٠)، فلا تلتَفِتُوا لروايةِ من قال بتَرْكِهِما.

стр. 412

وأمّا (١) ما رواهُ جميعُ رواةِ المُوَطَّأ؛ أنّه "أَذَّنَ وأَقَامَ" (٢) على اليقينِ، رواهُ كلُّهم (٣)، ورواه ابن بُكَيْر "فَأذَّنَ أو أقَامَ" (٤) على الشكّ، وقولُ الجماعةِ أَوْلَى وأصحّ. مسألة (٥): اختلَفَ الفقهاءُ في الأذانِ للفوائتِ على مذاهب: ١ - المذهبُ الأوَّل: مذهبُ مالكٍ (٦) الّا يؤذَّن لشيءٍ منها، وبه قال الشّافعيُّ (٧) والأوزاعيُّ. ٢ - وقال أبو حنيفةَ: يُؤَذَّنُ لها ويقامُ (٨)، وبه قال أحمدُ بن حنبل. قال الإمامُ الحافظُ (٩): والمنصورُ من هذه الأقوالِ (١٠)، قول من قال: لا يُؤذَّنُ لها. والدّليلُ على أنّه لا يؤذذَنُ لها: أنّ الأذانَ إنَّما هو إعلامُ للنّاسِ بالوقْتِ، ووقْتُ القضاءِ ليس بوقتِ إعلامٍ. وأيضًا: فإنّ الأذانَ في غيرِ وقْتِهِ تخليطٌ على النَّاسِ، وإذا اختصَّ بأوقاتِ الصّلواتِ، لم يُشْرَعْ في الفَوَائِتِ، إِذِ الفوائتُ لا تختصُّ بوقتٍ كالنّوافلِ. فإذا ثبتَ ذلكَ؛ فإنّ الأذانَ المذكورَ في الحديثِ هو إعلامٌ بالصّلاةِ دونَ الأذان المشروعِ.

стр. 413

قال الإمام الحافظ (١): والدّليلُ أيضًا على أنَّ الإقامةَ مشروعةٌ في الفَوَائِتِ: الحديث المتقدّمِ (٢). ومن جهة المعنى: أنَّ الإقامةَ ذِكْرٌ شُرعَ في استفتاحِ الصّلاةِ لا يجوزُ أنّ ينفصلَ عنها. مسألةٌ: قال الإمام: وَمنْ ذكرَ صلاةً يخافُ فواتَهَا، إنّ أَذَّنَ لها وهو في جماعةٍ يَلْزَمُهُم الأذان في الوقت، فليصلّوا (٣) جماعةً ويتركُوا الأذانَ. وأيضًا إنّ خافوا الفَوَاتَ بالإقامةِ صلُّوا بغيرِ إقامةٍ (٤)، قاله أبو الوليد الباجي في "المنتقى" (٥). تكملةٌ: قال الشّيخُ أبو عمر (٦) ﵁: "الدّليلُ القاطع لمالك ﵀ أنّ الإقامة تُجْزِىءُ في الفَوائِتِ عن الأذَانِ: فعلُ رسولِ الله ﷺ يوم الخَنْدَقِ حينَ حُبِسَ يومئذٍ عن صلاةِ الظّهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاءِ إلى هَوِيِّ من اللَّيلِ، ثمّ أقام لكل صلاةٍ ولم يذكر أَذانًا. رُوِيَ من حديث أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ (٧)، وابنِ مَسْعُودٍ أيضًا" (٨).

стр. 414

الفائدة الثّانية عشر (١): في الكلام على مَنْ نام عن الصّلاةِ حتّى فاتَ وَقْتُها، هل يصلِّي ركعتَي الفجرِ أم لا؛ هذا في الفوائتِ. فمذهبُ مالكٍ ﵀ أنّه قال: "ييدأُ بالمَكْتُوَبةِ"، ولم يعرِف ما ذُكِرَ عن النَّبيِّ ﷺ في ذلك في ركعتَي الفجرِ يومئذٍ (٢). وقال مالكٌ: إنّه من نَامَ عن صلاةِ الصُّبحِ حتّى طَلَعَت الشّمسُ إنّه لا يركَعُ ركعتَي الفجرِ، ولا يبدأُ بشيء سِوَى الفريضةِ؛ لأنّه لم يَبْلُغنا أنّ الرَّسولَ ﷺ صلى ركعتَيِ الفجرَ حينَ نامَ عن الصّلاةِ حتّى طَلعَتِ الشّمسُ (٣). وليس في حديثه الّذي رواهُ مالكٌ أنَّه ركَعَهُما. وعلى هذا هو مذهبُه وجمهورُ أصحابِه، إلَّا أشْهَبَ وعليَّ بن زيادٍ فإنّهما قالا: يركَعُ ركعَتَيِ الفجرِ قبلَ أنّ يُصَلِّيَ الصُّبح، وقالا: قد بلَغنا أنَّ رسولَ الله ﷺ صلّاهُما يومئذٍ (٤). وأمّا الإمامُ الشّافعيّ (٥) وأبو حنيفةَ (٦) والثوريّ فإنّهم قالوا: يركَعهُما إنّ شاءَ الله ولا ينبغي أنّ يتركَهما، وإلى هذا ذهبَ أحمدُ بن حنبلٍ وإسحاق، ورُوِيَ في ذلك حديث عن عِمْرَان بن حُصَين (٧). الفائدة الثالثة عشر: في قوله ﷺ : "مَنْ نامَ عن الصَّلاةِ أَوْ نَسِيَهَا فَليُصَلِّها إِذا ذَكَرَهَا، فإنَّ الله تعالى يقولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (٨) ".

стр. 415

قال الإمام الحافظ: والنِّسيانُ في لسانِ العربِ وفي مُعْظَمِ اللُّغةِ يكونُ بمعنى الترك عَمْداَ، قال الله العظيم: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (١) أي: تركوا طاعةَ الله والإيمانَ بما جاءَ به محمَّد ﷺ ، فتركهم اللهُ من رحمته، وهذا ما لا خلافَ فيه. الجواب في ذلك (٢) - فإن قيلَ: فَلِمَ خصَّ النّبيُّ ﷺ النّائمُ والنّاسي بالذِّكر في قوله:"مَن نَامَ عَنْ الصَّلاةِ أَوْ نَسِيَها"؟ قيل: خصّ (٣) بالذِّكر ليرتفع الوهمُ والظَّنُّ فيهما، لرفعِ القَلَم في سقوطِ المَأثَمِ عنهما بالنَّومِ والنِّسيانِ، فبيَّنَ رسولُ الله ﷺ سقوطُ الإثمِ عنهما، وأَنّ ذلك غير مسقطٍ لِمَا يلزمهما من فرضِ الصّلاة، وإنّما أَوْجَبَهُ عليهما بذكرها. ولم يَحْتَجْ إلى ذِكْر العامِدِ؛ لأنّ العلَّةَ المتوهّمةَ في النّاسي والنّائمِ ليست فيه، ولا عُذرَ له في ترك فرضٍ وَجبَ عليه إذا كان ذاكرًا له. وقال أهلُ الظّاهر (٤): أمّا العامدُ لترك الصّلاة، فإنّه لا يردّها أبدًا؛ لأنّه ﷺ لم يذكر العامد، وإنّما ذكر النّائم والنّاسي (٥).

стр. 416

تنبيهٌ على مقصد (١): قد بيّنّا أنّ مالكًا ﵀ قَصَدَ في كتابِه هذا تبيينَ أصولِ الفقهِ وفروعِهِ، ومن جُمْلَتِها أنّه ذَكَرَ مسألتين بيَّنَ فيهِما أنَّ شرعَ من قَبْلَنَا شرعٌ لنا: المسالةُ الأولى: احتجاجُه بالآية في قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٢). وهذا خطابٌ لموسى ﵇، وأنّه أيضًا متَوجِّهٌ إلينا كتوجُّهِهِ لموسى ﵇ وأُمَّتِه. المسألةُ الثانيةُ: ذَكَرَهَا في "كتابِ الدِّياتِ (٣) "، على ما نُبَيِّنُه إن شاء الله. استدراكٌ وتبيينٌ (٤): قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٢) وهنا نكتةٌ بديعةٌ: احتِجَاجُه بها؛ لأنّها مسألةٌ لُغَوِيّةٌ، وهي إضافةُ المصدَرِ إلى المفعولِ، المعنى: أَقِمِ الصَّلاةَ إذا أخْلَفْتُ لك الذِّكْر إليها. وغيرُ ذلك من التّأويلاتِ، يعضدُها (٣) الاشتقاق وتشهد بذلك سائر الأدلّة.

стр. 417

واختلف العلماء في معنى ذلك: فيمن قرأ: "للذِّكْرَى" (١) و"لذكري"، فأمَّا مجاهد فقال: معنى لِذِكْري، ان تذكُرَني فيها، فأوصل ذكر ربِّهِ بذلك (٢). وقال النَّخعي (٣) والشّعبي وأبو العالية: معنى لذكري، هو أنّ يصلِّي الصَّلاة إذا ذكرها (٤)، كأنّه يقول: إذا ذكرتَها فذلك وقتها، هذا على تأويل الزّهريّ للآية. تفريع (٥): واختلفَ العلماءُ فيمن ذَكَرَ صلاةً وهو في صلاةٍ (٦)؟ فقال قومٌ: فسدت. عليه الّتي هو فيها حتّى يصلي الّتي ذَكَر (٧). ومن علمائنا من قال: يصلِّيها لأنّه مأمورٌ يإقامة الصّلاة المذكورة في حين الذّكْرِ، فصار ذلك وقتًا لها، فإذا ذكَرَها وهو في صلاةٍ، فكأنّها مع صلاة الوقت صلاتان من يومٍ واحدٍ، اجتمعتا عليه في وقتٍ واحدٍ، فالواجبُ عليه أنّ يبدأ بالأوّل منها، فلذلك فسدت عليه الّتي كان فيها، كما لو صلّى العصرَ قبلَ الظّهر من ذلك اليوم. قال الشّيخ أبو عمر ﵁ (٨) -: "وفسادُها من جهةٍ التّرتيبِ، وكذلك عندَ العلماءِ. وأمّا مالكٌ وأصحابُه (٩) ومن قال بقولِهِم: لا تجبُ إلَّا مع الذّكْرِ وحصولِ الوقْتِ

стр. 418

وقلَّةِ العددِ، وذلك صلاة يومِ وليلةٍ فما دون (١). فإذا خرج الوقتُ سقطَ التّرتيبُ، وكذلك يسقط التّرتيب مع كثرة العدد، لِمَا في ذلك من المشقَّةِ الّتي لا يُطاق عليها". قال الإمام الحافظ (٢): "واحتجّ بعضُهُم في التّرتيب (٣) بحديث أبي جُمُعَةَ - واسمُهُ حبيبُ بن سِبَاع له صحبةٌ (٤) -؛ قال: صلَّى رسولُ الله ﷺ المغربَ يومَ الأحزابِ، فلمّا سَلَّمَ قال: "هل عَلِمَ أَحَدٌ منكُم أَنِّي صليتُ العصرَ؟ " قالوا: لا، قال؛ فصلَّى العصر، ثمّ أعادَ المغرِبَ" (٥). قال الشّيخ أبو عمر (٦): "هذا حديثٌ لا يُعرفُ إلَّا عن ابن لَهِيعَةَ، عن مجهولين، لا تقومُ بهما حُجَّة (٧). وقال الشّافعيّ (٨) والطّبريّ: لا يَلْزَمُ التّرتيبُ في شيء من ذلك، وقالوا: مَنْ ذَكَرَ صلاةَ وهو في صلاةٍ وحدَهُ أو وراءَ إمام تَمَادَى في صلاتِه، فإذا أَتَمَّهَا، صلّى الّتي لم يذكر ولم يُعِدِ الأخرى بعدَها، فسقَطَ التّرتيبُ عندهم، ولا يُوجِب عندهم شيئًا إلَّا في صلاة اليوم وحدَهُ. وحجَّتُهُم: إنّما يجبُ التّرتيبُ في اليوم وحدَهُ وأوقاته، فإذا خرج الوقتُ سقطَ التَّرتيبُ، كما يجبُ ترتيب رمضان لا في غيره (٩)، وإذا خرج الوقتُ سقطَ التّرتيبُ فصامَ متى شاء".

стр. 419

قال المؤلِّف ﵀: قد مَضَى القولُ في فوائد هذا الحديث، وبَقِيَ الكلامُ في إثبات الجنِّ والشّياطين في قوله (١): "إِنَّ هَذَا وَادٍ به شيطانٌ". الفائدة الرابعة عشر (٢): في الكلام في النَّفس والرُّوحِ في قوله: "إنّ الله قبض أرواحنا" الحديث قال الإمامُ الحافظُ: قولُه ﵇: "هذَا وَادٍ بِهِ شيطانٌ" نصٌّ في وجودِ الشّياطينِ، (*) ولا خِلاَفَ فيه بين أهلِ السُّنَّةِ، وهم نوعٌ من الخَلْقِ خَلَقَهُم الله تعالى ويَسَّرَ لهم التبدُّل (*) في الصُّوَرِ باختيارهم، كما يسَّرَ لنا التَّصرفَ في الحركاتِ. وسلَّطَهُمُ اللهُ تعالى على الخَلْقِ تسليطًا سبق به الوعدُ الحقُّ، ليتميَّزَ المطيعُ من العاصي بِفِتْنَتِه، كما يتميَّز عند الله تعالى في عِلْمِهِ وكَلِمَتِهِ، فسلّطَهُ على بلالٍ حتّى أضجَعَهُ وشغَلَه عنِ ارتقابِ الصّلاة حتّى فاتت لرسولِ الله ﷺ وظنَّ الشيطانُ أنّه قد حصَلَ على صَفْقَةٍ، فهيَّأَ اللهُ لنا فيها سُنَّةَ كلِّ من نام عن الصّلاة أو نَسِيَهَا. وكملت لنا فيها المثُوبَةَ. وهكذا يفعلُ اللهُ بالأولياءِ إذا طالَبَهُم الأعداءُ، لِيُنْفِذَ مُرادهُ فيهم، ولكن يُعْقِبُهُم بعدَ ذلك عُقْبَى جميلةً، حتّى يتبيَّن للعدُوِّ أنّه لم يكن ما أرادَ فيهم. مزيد إيضاح: قال: وقوله: "هذَا وَادٍ بهِ شَيْطَانٌ" قال بعض علمائنا: هذا خصوصٌ لذلك الوادي، ومعنى الكلام في ذلك: أنّ في هذا الوادي شيطانًا نَوَّمَنَا عن صلاتِنَا حتّى خَرَجَ وقتُها، فلا تجوزُ الصّلاةُ فيه. وقال غيرُه: والصّلاةُ في الأودية مباحةٌ إلَّا في ذلك الوادي، لتركِ النّبيِّ ﷺ الصّلاة في ذلك الوادي. فإذا أصابَ المسافرُ مثل ما أصابَ النَّبيِّ ﷺ وأصحابه، فينبغي له الخروج من

стр. 420

ذلك الموضع كما فعلَ رسول الله ﷺ لأنّه موضعٌ مذمومٌ معلومٌ، كما رُوي عن عليّ بن أبي طالب ﵁ أنّه قال: نَهَى رسولُ الله ﷺ عن الصّلاة بأرضِ بَابِل لأنّها ملعونة (١)، ورُوي عنه أنّه أتى أرضَ ثمود فأسرع في الوادى (٢) وقال: "هذا وادٍ ملعون" (٣). ورُوِي عنه صلّى الله عليه أنّه أَمَرَ بالعجين الّذي عُجِنَ بماءِ ذلك الوادي أنّ يُطْرَحَ فطرحَ (٤). وقال: "لا تدخلُوا على هؤلاء المعذَّبينَ، إلَّا أنّ تكونُوا بَاكِينَ، أنّ يُصِيبَكُم مثلُ مَا أصَابَهُم" (٥)، وخَمَّرَ رأسَهُ وأسرع السَّيرَ (٦). فلا تجوزُ الصّلاةُ في ذلك الوادي، وذلك الوادي مخصوصٌ. قال الإمام الحافظ (٧): وهذا الكلامُ فيه نظرٌ، لقوله ﷺ : "جُعِلَت لِي الأرضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" (٨). فقيل: إنَّه منسوخٌ بهذا، وقيل: إنّ هذا لا يجوزُ فيه النّسخ؛ لأنّه من فضائله، وما خَصَّ اللهُ به نبيِّه ﷺ فلا يجوزُ عليه النّسخُ ولا التبديلُ ولا النّقْصُ. وأمّا قوله ﷺ : "وَأَمَرَ بِلاَلًا أنّ يُؤَذِّن أو يُقِيمَ" فهكذا رواه مالكٌ على الشَّكِّ، وقد مَضَى القولُ فيه.

стр. 421

الكلام في إثبات الجنِّ والشّياطين قال علماؤنا من أهل الأصول: اعلموا أنَّ اللهَ تعالى جعل في النَّبيِّ ﷺ قوة يميِّزُ بها الشّياطين في الهواء؛ لأنّ الشّياطين أجسامٌ لطيفةٌ تتشبَّثُ بالهواء، كما أنّا نُدرِكُ في الهواءِ الشيءَ الّذي لا يتميَّز ولا يتبيَّن لنا إلَّا عند دخول الشَّمس في البيوت من الكُوَى. وقال آخَرونَ: إنّ الله تعالى قَوَّى أبصارَ الأنبياءِ ﵈ على تَمْيِيزِ أشخاصِ الشّياطين، كما جعلَ في النَّبيِّ ﷺ قوة لطيفة كان يرى بها من وراء ظهرهِ، كما يرى بها من أَمَامِه. وكذلك جُعِلَت أيضًا في يده قوة لطيفة قَدرَ بها على أَخْذِ الشّياطين، وقد أخذَ الشّيطانَ ورَبَطَه، كما قال ﵇: "لولاَ أنِّي ذكرتُ دعوةَ أخِي سليمان: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (١) لَوَجَدْتُمُوهُ مربوطًا بأَحَدِ سَوَارِي المسجد" (٢). وقال أهلُ الحديثِ: يجوزُ أنّ تراه أنتَ، ومَنْ معك لا يراه، واعْتَلُّوا بالحديث الّذي رواه أَيُّوب؛ أنّه قال؛ جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله، إنِّي رأيتُ كالهرة، فقال له: "ذلك مِنَ الجِنِّ" (٣)، وقد كانتِ الجنُّ تُرَى في عهد سليمان بن داود ﷺ ويكلِّمون النّاس، ثمّ إنّ اللهَ حَجَبَهُم. وقالت الكفَرةُ من الأطبّاء: محالٌ أنّ يكون شيءٌ إلَّا ما أَدْرَكَهُ الحسُّ والعيانُ, وما لم يُدْرِكهُ الحسُّ والعيانُ فباطلٌ، إنّما هي الْمِرَّةُ (٤) السّوداء تهيجُ على الإنسانِ، فيذهب عقله وتتخيّل له الأوهام الكاذبة (٥).

стр. 422

وقالت فرقةٌ من المعتزلة: إنّه لا يُرى بوجهِ ولا على حالٍ، لقوله: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (١) الآية، وقالوا: إنّ الأبصار لا تدركُ غيرَ الألوانِ. وقالوا: إنَّه ليس تدركُ العينُ ما ليس بلونٍ، فلو كان لها ألوانٌ لأدرَكَها النَّاس كلّهم إدراكًا واحدًا (٢). قال الإمام الحافظ: وهذا باطلٌ، والخوضُ معهم ضلالٌ؛ لأنّ الآثار والقرآن قد تواتر بذلك كلِّه، والله أعلم. الكلام في النّفس والرُّوح من قوله: "إنَّ الله قبضَ أرواحَنا" وقولُ بلال: "أخذَ بنفسي الّذي أخذ بنفسك يا رسول الله " قال الإمام الحافظ ﵁: أمَّا القول في الرُّوح، فالإمساكُ عنه أقرب إلى التَّخلُّص، وإنّما خُضْنَا فيه كما خاضَ أوائلُنا. والأظهرُ فيه أحد وجهين: ١ - إمّا أنّ يكون عَرَضًا، كما قال القاضي أبو بكر بن الطَّيِّب (٣) والإسفراينيون (٤). ٢ - وإمّا أنّ يكون جسْمًا لطيفًا مشابِكًا للأجسامِ المحسوسة، كما اختاره أبو المعالي (٥).

стр. 423

قال الشّيخُ أبو الحسن (١): إنَّه النَّفسُ الدّاخلُ والخارجُ. وقال القاضي: هو الحياةُ، وهو عَرَضٌ. وقال الطُّوسي أبو حامد (٢): هو من عَالَمِ الأمر ليس بمخلوقٍ. ولكلِّ واحدٍ في مَنْزَعِهِ هذا وجهٌ يتعلَّق به، يطول الكلام بذِكْرِهِ, ويخرج الكتاب عن مقصده بالتَّعَرُّضِ لشرحه (٣). والَّذي يليقُ بما نحن فيه؛ أنَّ من قال: إنّه النّفسِ، ورأى أنّ قِوَامَ الجسم بالتَّردُّد فيه من دخولي وخروح، فعبَّرَ عنه به. والَّذي قال: إنَّه عَرَضٌ، بناه على أنَّ العَرَضَ هو الموجود بالجسم المتردِّد فيه الّذي بناه الجسم، فإنّ الله لا يخلُقُ شيئًا منه. والذي قال: إنَّه جسمٌ مُشَابِكٌ، تعلَّق بظواهر الآثار" وما وُصِفَت به الرُّوح من الأفعال الّتي حقيقتها في الأجسام لا في الأعراض، فحفظَ للظواهرِ حقيقتها، وكلُّ ذلك عندي جائزٌ. وأمّا الّذي ذهب إليه الطُّوسي أبو حامد، فهي عبارةٌ فلسفيّةٌ، وهي عن سبيل الشَّرْعِ قَصِيَّةٌ، وقد حام على الكلام عليها في أكثر كُتُبه فقال: إنَّه من عالَمِ الأمر، ولله عَالَمَانِ: عالَمُ الخَلْقِ وعالَمُ الأمر. وعالَمُ الأمر: هو ما لا كميَّةَ له، وعالَمُ الخَلْقِ: هو ما له كميّة ومقدار. وهذا قولٌ غير مخلص؛ لأنّ الّذي لا كمية له شيئان: أحدُهما: اللهُ سبحانه، ونَفْيُ الكميّة والمقدار عنه تقديس.

стр. 424

والثّاني: العَرَضُ لا كميَّةَ له، ونفيُ الكمية عنه تحقيقٌ، فإنْ أراد به العَرَض - كما قال القاضي- فلم يدخل في هذا. مزيد إيضاح: فإن قيل: فما معنى الرُّوح عندكم؟ وهذه التسّمية على ما تَقَعُ؟ قلنا: قد تقعُ على أشياء، منها: الرُّوح بمعنى الحياة الموجودة بنفس. ومنها: الروح بمعنى النَّفس المتردِّد في الأجسام الباردة والحارة. وقد قيل: إنَّه جبريل. وقد قيل: إنَّه مَلَكٌ عظيمٌ ليس في الملائكة أعظم منه. نكتةٌ لغويّةٌ: وأمّا موقعه في اللّغة وأصله؛ فإنّه مأخوذٌ من الانْبِسَاطِ. ومنه قولُهم: رجلٌ أَرْوَح، إذا كان صدر قَدَمَيه منبسطًا. ومنه قولُ العرب: قَدَمُ فلانٍ رَوْحًا، يعنون منبسطة. تنبيه على مقصد: قال أبو الحجّاج الكفيف (١) في معنى قوله ﷺ : "إنَّ اللهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا" فقال: إنَّ ذلك يرجعُ إلى قبضِ العلومِ والإدراكاتِ بترك تجديدها على الذّوات، وسميت روحًا لأنّ الحيَّ بها يصحُّ له التَّصرُّف والانبساط.

стр. 425

وقال: وقد رأيتُ لابن فُورَك في "مشكل القرآن" أنّ الرُّوحَ رقيقٌ هوائي من جنسِ الرِّيح مُتَردِّدٌّ في جوانب الإنسان (١). وقال قوم: إنّ الرُّوح عَرَضٌ، وهو خطأٌ من قائله. قلنا: وليس الرُّوح بَعَرَضٍ؛ لأنّه هو الّذي يديرُ الجسمَ ويقيمُه، والجسمُ جوهرٌ، والعَرَضُ لا يُديرُ الجوهرَ ولا يُقِيمُه، فالنَّفسُ جوهرٌ على هذا القولِ، ومحالٌ أنّ تديرَ الأعراضُ الجواهرَ؛ لأنّ الجواهرَ هي الّتي تديرُ الأعراضَ، فالنَّفسُ والرُّوحُ إذاَ جوهرٌ وليستَا بعَرَضٍ. وقال قومٌ: إنّ الرُّوح هو الدَّم، وليس هذا القول بشيءٍ؛ إذ نجد كثيرًا من الحيوان ليس فيه دَمٌ، وهذا القولُ هو قوله مُعْظَمِ الأطبّاءِ. تنبيه على أصل: قال: واحتجَّ قومٌ بأن الرُّوحَ غير معلومة، بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية (٢). فهذا قدِ احتجَّ بأصلٍ؛ لأنّ ما يردُّ من ظواهر القرآن يجب حملُه على ما يوافقُ أدلَّةَ العقولِ. وقد اختلف النّاسُ في منحى اليهود عن السُّؤال بهذا اللّفظ على خمسة أقوال: القولُ الأوّل: أنّ الرُّوح هو جبريل ﵇ (٣)، وهو عدوّ اليهود من الملائكة. فقيل: إنّهم سألوا عن عظيم أَمْرِه، لِمَا ورد فيه من الآثار بأنّ أحد جنَاحَيّه بالمشرق والآخر بالمغرب، فقال الله سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية، يعني بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ كبَرَ جَسَدِهِ وعِظَمَ جِسْمِهِ، وَترَدُّدِهِ وصعوله بأمر الله في اليسير من الزّمان. وإذا كان ذلك كذلك، لم يكن في الآية دليل على أنّ الرُّوح غير معلوم.
следующие страницы →