← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

حديث مالك (١)؛ عَنْ عَمِّهِ أَبيِ سُهَيلِ بنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ كَعْبِ الأَحبَارِ؛ أَنَّ رَجُلًا نَزَعَ نَعلَيهِ، فَقَالَ لَهُ: لِمَ خَلَعتَ نَعلَيكَ؟ لَعَلَّك تَأَوَّلْتَ هَذهِ الآيةَ: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ (٢) ثُمَّ قَالَ كَعبُ الأَحبَارِ: أتَدرِي مَا كَانَتَا نَعْلَا مُوسَى ﵇؟ قالَ مالكٌ: مَا أَدرِي مَا أَجَابَهُ الرُّجُلُ (٣)، فَقَالَ كَعبٌ: كَانَتَا من جِلدِ حِمَارٍ مَيَّتٍ. المعاني (٤): قوله: "لِمَ نَزَعتَ نَعْلَيكَ" هذا على معنى الإنكار لفعله، أو توقُّع فعله على وجهٍ ممنوعٍ. ويحتملُ أنّ يكون إنّما أنكر عليه خلع نعليه لصلاة، أو ما أشبهها من دخول مسجد، أو دخول الحرم بالنَّعلين. ويحتمل أنّ يكون أنكر عليه خَلع نَعلَيه حال الجلوس، إيثارًا للبسهما على كلّ الأحوال، إِلَّا أنّ يمنع من ذلك مانع. فأمّا دخولُ الحرمِ أو المسجد الحرام بالنَّعلين فمباحٌ، وقد سئل مالك عن الطّواف بالنَّعلين فأجازَه. الثّانية (٥): قولُه تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ (٦) فقيل: معنى "طُوَى" يقول: طَأِ الأرض بقَدَمَيك حافيًا، قاله مجاهد، فذهب كعب الأحبار إلى أنّه أُمِرَ بخَلْع نَعلَيه لمَا كانت من جلد حمارٍ ميِّت، فأُمِرَ ألّا يطأ الأرض المقدَّسة بهما لنجاستهما، وبذلك قال قتادة وعِكرِمَة.

стр. 3607

وقال الحسن بن أبي الحسن البصري ومجاهد: لم تكونا من جلد حمار ميِّت، وإنَّما أراد اللهُ تعالى منه أنّ يباشر بقَدَمَيه بركة الأرض المقدّسة (١)، وهي الطّاهرة (٢) وقيل: المباركة (٣). وقال كعب الأحبار أيضًا: "أُمِرَ موسى ﵇ أنّ يخلع نَعلَيه؛ لأنّهما كانتا من جلد حمار ميِّت، وليباشر القدس بقَدَمَيه" (٤)، فجمع بين المعنيين (٥)، والله أعلم. مَا جَاءَ فِي لُبْس الثِّيَابِ مالك (٦)؛ عَنْ أَبِي الزِّنادِ، عَنِ الأَعْرجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُول الله ﷺ : نَهَى عَنْ لِبسَتَينِ، وَعَن بَيْعَتَين، وَعن المُلَامَسَةِ، وعنِ المُنَابَذَةِ، وَأن يحتَبِيَ الرَّجُلُ في ثَوبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرجِهِ مِنهُ شَيءٌ، وَعَن أَنْ يَشتَمِلَ الرَّجُلُ الثَّوب الوَاحِدَ عَلَى أَحَدِ شِقَّيهِ.

стр. 3608

المعاني: قال الإمام: إنّما أراد مالك ﵀ أنّ يبيِّن في هذا الباب ما يجوز من اللِّباس وما لا يجوز، وعوّل فيه على النّهي عن اشتِمَال الصَّمَّاء (١)، وقد اختلف النَّاس في ذلك: فقال (٢) أبو عبيد (٣): "اشتمال الصمَّاء: هو أنّ (٤) يشتمل الرّجل الثّوب فيجلّل به جسده كلّه، ولا يرفع منه جانبًا يخرج منه يده. قال (٥): وإنّما اضطجع فيه على هذه الحالة، كأنّه يذهب إلى أنَّه لا يدري هل يصيبه شيءٍ يريدالاحتراس منه" والّذي عندي أنّ هذا التّأويل يقتضي أنّ المنع لا يختصّ بحال الصّلاة، بل يتناول جميع الأحوال. والاضطباعُ: أنّ يدخل الثّوب تحت يده اليمنى (٦) فيلقيه على منكبه الأيسر. وقال ابنُ القاسم (٧): "وهو من ناحية الصّماء"، ومعنى ذلك: أنَّه إذا أخرج يده اليسرى بدت عورته (٨). شرح (٩): قوله (١٠): "إنَّ عُمرَ بنَ الخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاء عِنْدَ بَابِ المَسجِدِ".

стр. 3609

الحُلَّةُ: ثوبان، رداءٌ وإزارٌ. والسِّيَراء: قال أبو علي: هو ثوبٌ مُسَيَّرٌ فيه خطوطٌ تعملُ من القزّ (١). وقال الخليل: السيراء المضلع بالحَريرِ (٢)، ومعنى ذلك كثرة الحرير فيه؛ لأنّه إذا كان سُدَاهُ حريرًا أو بعض لحمته حريرًا، كان ذلك أكثر من وزن ثُلُثِهِ، فهذا الّذي يقتضي تحريمه، ولذلك لبس النَّاس المحرّر (٣). وروى سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر في هذا الحديثْ "حُلَّةَ إِسْتَبرَقٍ" (٤) وهو غليظ الحرير. * وروى نافع: حُلَّة حرير (٥). ورُويَ عن مالك أنّه قال: هو وشي من حرير. وقد تقدّم ذكر تحريم الحرير * على الرِّجال. الثّانية: قوله (٦): "إِنَّمَا يَلبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ": واضحٌ في تحريمه والوعيد الشَّديد على لباسه (٧). وأمّا لباس عمر المرقعات، فكان ذلك منه زهدًا في الدّنيا وحوطة على بيت مال المسلمين، وإلَا فلبس الثِّياب الحِسَان جائز إجماعًا، لقوله: "إِذَا وَسَّعَ اللهُ عَلَيكُم فَأَوسِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُم" (٨).

стр. 3610

وقد كان مالك يلبس الثِّياب العربيّة ويستجيدها (١). وإنّ (٢) الله تعالى قد أدّب أهل الإيمان فأحسن أدبهم، فقال: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (٣)، فإنّ الله ما عذَّب قومًا أعطاهُم الدّنيا فشكرُوهُ، ولا عذَرَ قومًا زَوَى عنهم الدّنيا فعَصَوه. وقال عيسى ﵇: البسوا ثيابَ الملوكِ، وأميتوا قلوبكم بالخشية (٤)، وإنّما كره العلماء لباس الشّهرةِ والإفراط في البذاذة والإسراف والغلوّ. مَا جَاء فِي لِبَاسِ الصُّوفِ (٥) خرّج التّرمذيُّ (٦)، قال أبو بُردَةَ: "أخرَجَت إلينَا عَائِشةُ كِسَاءً غليظًا مُلَبَّدًا، وَإزارًا غَليظًا، فقالت: قُبِضَ رَسُولُ الله ﷺ في هَذَيْن" حسن صحيح (٧). وذكر (٨) عن ابن مسعود عن النّبيّ ﵇ قال: "كَانَ عَلَى مُوسَى ﵇

стр. 3611

يَومَ كَلَّمَهُ ربُّهُ كِسَاءٌ من صُوفٍ وَجُبَّةٌ مَنْ صُوفٍ، وَسَرَاويلُ من صُوفٍ، وَكَانَت نَعلَاهُ مَن جَلدِ حِمَارٍ مَيَّتٍ". الإسناد (١): الّذي صحَّ عنِ النّبيِّ ﵇ في لباسِ الصّوف حديثان: أحدهما: الكسوة المتقدِّم ذكرها (٢). وحديث المغيرة بن شعبة قال: "وعليه جُبَّة صوف" (٣). الغريب: الكُمَّةُ: القَلَنْسُوة الصّغيرة (٤)، والقَلَنسُوة: لباس الأنبياء والصَّالحين، تصونُ الرَأسَ، وتمكَّنُ العَمَامة. وهي من السُّنَّة. العِمَامَة: عن جابر قال: "دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ يَومَ فتح مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ عِمَامَة سودَاءُ" (٥) صحيحٌ (٦). وعن ابن عمر (٧)؛ أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا اعتَمَّ سَدَلَ عِمَامَتَهُ بَينَ كَتِفَيهِ. حديث غريب (٨).

стр. 3612

الإسناد (١): رُوي أنّ رسول الله ﷺ خَرَجَ في مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَخَطَبَ وَعَلَيهِ عِمَامَة دسمة (٢). يعني بالدّسم: سوداء (٣). ولم يصحّ عندي في العِمَامةِ شيءٌ غير هذين الحديثين. الأحكام في مسائل: المسألة الأولى (٤): العِمَامةُ سُنَّةُ الرّأس، وعادةُ الأنبياء والسّادة، وقد صحَّ عن النّبيِّ ﵇ أنَّه قال: "لا يلبسُ المُحرِمُ القَمِيصَ، ولا العِمَامَةَ" (٥) وهذا يدلُّ على أنّها كانت عادة أمر باجتنابها حالة الإحرام، وشرع كشف الرّأس فيها إجلالًا لذي الجلال والإكرام. المسألة الثّانية (٦): منتهاها أنّ تكون على قَدْرِ الحاجة، ولا يُسرِفُ في إسدالها. المسألة الثّالثة (٧): سنّتها أنّ تكون بحنك، ولا يجعلها - كما في غريب الحديث - اقتعاطًا كاقتعاط الشَّيطان (٨).

стр. 3613

المسألة الرّابعة (١): سنّتُها أنّ تكون لها ذُؤَابَةٌ يُسدِلُها بين كَتِفَيه، ويجعلها بعضهم على صدره، وعادةُ أهل المشرق كلّهم أنّ تكون مُسدَلةٌ بين الكَتِفَيْنِ، وكذلك رواه أبو عيسى عن ابن عمر (٢)، وروى التّرمذيّ (٣)، عنِ ابنِ رُكَانَة، عن أبيه؛ قال (٤): "فَرْقُ مَا بَينَنَا وَبَينَ المُشرِكِينَ العَمَائِمُ عَلَى القَلَانِسِ"، فالسُّنَّة أنّ يلبس القَلَنسُوة والعِمَامَة، وأمّا لبس القَلَنسُوَة وحدها فهو زي المشركين، وأمّا لبس العِمَامَة على غير القَلَنسُوَة فهو لباسٌ غير ثابتٍ لأنّها تنحلّ (٥). صفةُ النَّبيّ ﷺ - مالك (٦)؛ عَنْ رَبِيعَةَ بنِ أَبي عَبدِ الرّحمن، عَنْ أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ لَيسّ بِالطَّويلِ البائِنِ ولَا بالقَصِيرِ، وَلَيس بِالأَبيَضِ الأَمهَقِ وَلَا بِالآدَمِ وَلَا بِالجَعدِ القَطِطِ، وَلَا بِالسَّبِطِ، بَعثَهُ اللهُ عَلَى رَأسِ أَربَعِينَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشرَ سِنِينَ، وَبِالمَدِينَةِ عَشرَ سِنِينَ، وَتَوَفَّاهُ اللهُ عَلَى رَأسِ سِتِّينَ سَنَةً، وَلَيْسَ في رَأسِهِ وَلِحيَتِهِ عِشرُونَ شَعرَةً بَيضَاءَ. الإسناد (٧): الحديث صحيح، رواه عن رَبيعَةَ -كما رواه مالك- جماعةٌ، منهم: الأوزاعي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وغيره.

стр. 3614

المعاني والفوائد: الأولى (١): أمّا قوله: "لَيسَ بِالطَّوِيلِ البَائِنِ" فإنّه أراد ليس بالمُشْرِفِ في الطُّولِ المتفاوت في الشَّطَاط. "الّذي يضطرب من طوله، وهو عيبٌ في الرِّجال والنّساء" هذا الّذي قاله الأخفش (٢)، وكان النّبيّ ﵇ منزّهًا عن ذلك. الثّانية (٣): "والأَمْهَقُ" الّذي بياضُهُ لا إشراقَ فيه، كأنّه البَرَصُ، ولا يخالطُه شيءٌ من الحُمرَةِ (٤)، وذلك أيضًا عيبٌ. الثّالثة (٥): "الآدَمُ": هو الأسمر، والأُدمَةُ: السُّمْرَةُ، وقد قيل: إنَّ من هذا هو مشتقُ اسمِ آدَمَ، من الأدمة. الرّابعة: قوله: "الجَعد القَطِط" هو * الّذي شَعرُهُ من شدَّة الجعودةِ كالمحترق يُشبهُ شعورَ أهل الحبشة (٦).

стр. 3615

"والسَّبِطُ": المرسلُ الشَّعر * الّذي ليس في شعره شيءٍ من التَّكسُّرِ (١)، كأنّه قد رُجِّلَ بالمُشطِ، ويدلُّ على ذلك في رواية عائشة قالت: "كُنْتُ أُرَجِّلُ رأسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بالمُشطِ وَأَنا حَائِضٌ" (٢). حديث؛ رَوَى البراء بن عازب أنَّه قال: ما رأيتُ أحسنَ من رسولِ الله ﷺ في حُلَّةٍ حَمرَاءَ، قال: وإنَّ جُمَّتهُ لتضربُ مَنكِبَيْهِ (٣). وروى جَرِير بن حَازِم، عن قتَادَة، عن أنس بن مالك؛ قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ ضَخم القَدَمَينِ، وكَانَ ضَخْمَ الرَّأسِ وَاليَديْنِ، حَسَنَ الوَجهِ، لَمْ أَرَ بَعدَهُ وَلَا قَبلَهُ مِثلهُ، وكان بَسِطَ الكَفَّيْنِ (٤). ورُوي في أنَّه قيل له (٥): هل وجهُ رسول الله مثلُ السَّيْفِ؟ قال: بل مثلُ القَمَرِ (٦). وقال أبو بكر الصديق ﵁: نظرتُ إلى النَّبيّ ﵇ في ليلة مُقمِرَةٍ، فجعلتُ أنظرُ إليه مرَّةً وإلى القمر مرّةَ وحُسنُه يَزيدُ على القَمَرِ. وأنشد أبو الطيب (٧) في ذلك: من أَيْنَ لِلقَمرِ المُنِيرِ جَلَالُهُ ... وَجَلالُه في النُّسْكِ والإِخبَاتِ الله أعطاهُ النبوَّةَ مُنعَمًا ... وَحَبَاهُ بالتَّقدِيسِ والصَّلوَاتِ

стр. 3616

الخامسة (١): قوله (٢): "بَعَثَهُ اللهُ عَلَى رَأسِ أَربَعِينَ سَنَةً" وافقه على ذلك عبد الله بن عبّاس (٣)، وأبو هريرة (٤)، وعروة بن الزُّبير (٥) وجماعة. ورُوِيَ عن ابن عبّاس أنَّه قال: "بُعِثَ عَلَى رَأسِ ثَلاثٍ وَأَرْبَعِينَ سنةً" (٦). قال سعيد بن المسيِّب: واختلف في مُقَامه بمكَّة، فقال أنس بن مالك في هذا الحديث (٧): "أقَامَ بِمَكَّةَ عَشرَ سِنِينَ". ورُوِيَ عن عائشة، وابن عبّاس: "أنّهُ أَقَامَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عشرةَ سنَةً" وهو الصّحيح. ويشهد له قول أبي قيسٍ صِرمَةَ بن أبي أنس، حيث قال قصيدته: ثَوَى فِي قُرَيٍ بِضعَ عَشرَةَ حِجَّةً ... يُذَكِّرُ لَو يَلقَى صَدِيقًا مُوَاتِيا في أبيات كثيرة. ولا خلاف بين العلماء في السِّيَرِ والآثار أنّ رسولَ الله ﷺ وُلِدَ عام الفيل. السّادسة (٨): قوله (٩): "تُوُفِّي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستِّين سنة، وتُوُفِّيَ أبو بكرٍ وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّينَ سَنَة، وتوفِّي عمر وهو ابن الخطّاب وهو ابن ثلاث وستين سنة. قال البخاريّ: وهذا أصحّ (١٠) " من رواية ربيعة عن أنس أنَّه توفّي ابن ستِّين ورَوَى قتادة عن أنس أنَّه تُوُفِّيَ ابن خمس وستِّين (١١)، والأوّل أحسن سَنَدًا.

стр. 3617

السابعة (١): قوله (٢): "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَيْسَ في رَأسِهِ وَلِحيَتِهِ عِشرُونَ شَعرَةً بَيْضَاءَ" يريد بذلك تقليل شيبه. وقال ابنُ سيرين: سُئِلَ أنس عن خِضَابِ النّبيِّ ﷺ فقال: "إنّه لم يبلغ ما يَخْضِبُ، لو شئتُ أنّ أَعُدَّ شَمَطَاتِهِ في لِحيَتِهِ" (٣). وسيأتي الكلام على الخضاب في موضعه من هذا الكتاب إنَّ شاء الله. تتميم (٤): قال الإمام: وأحسنُ شيءٍ رُوِيَ في صفة النّبيِّ ﵇ ما رُوِيَ عن عليّ بن أبي طالب ﵁ كانَ إذا نَعَتَ رسول الله ﷺ قال: "لم يكن بالطَّويل المُمَغّطِ، ولا القصير المُتَردِّدِ، وكان رَبْعَةً من القوم، ولم يكن بالجَعْدِ (٥) القَطَطِ، ولا بالسَّبِطِ، كان جَعدًا رَجِلًا، ولم يكن بالمُطَهَّم (٦)، ولا بالمُكَلثَم (٧)، وكان في الوجه تدويرٌ، أبيض مُشربٌ بِحُمْرَةٍ، أَدعَجَ العينينِ (٨)، أَهدَبَ الأَشفارِ، جليلَ المُشَاشِ والكَتَدِ،

стр. 3618

أَجرَدَ ذو مَسرُبَةٍ، شَئنَ الكَفَّينِ والقَدَمَين، إذا مَشَى تقَلَّعَ كأنّه يمشي في صَبَبٍ، وإذا التفتَ التَفَتَ معًا. بين كَتِفَيهِ خاتَمُ النُّبُوَّةِ، وهو خاتَمُ النَّبِيِّينَ، أَجوَدَ النَّاس كفًّا وأَرْحَبَ النَّاسِ صدْرًا، وأصدقَ النَّاس لهجةً، وأَوفَى النَّاس بِذِمَّةٍ، وألينَهُم عَرِيكَةً، وأكرمَهُم عِشرَةً، من رآهُ بديهةً هَابَهُ، ومن خالَطَهُ معرفةً أَحَبَّهُ، لم أَرَ قبلَهُ ولا بعدَهُ مثلَهُ" (١). غريبه (٢): قوله: المُمَغَّط" هو الطّويل المديد (٣)، فيما ذكره أهل اللُّغة. وقال الخليل (٤): الفرسُ المطَهَّم: التامّ الخَلْقِ. وقال أبو عبيد (٥): المُشَاشُ: رؤوسُ العظام. وقال الخليل (٦): الكَتَدُ: ما بين الثَّبَجِ إلى منتصف الكاهل من الظَّهر. والمَسرُبَةُ: شعراتٌ تَتَّصِلُ من الصَّدْر إلى السُّرَّةِ. ما جاء في صفة عيسى بن مريم ﵇ والدجَّال مالك (٧)، عَنْ نَافِع، عَن ابنِ عُمر؛ أَنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ: "أَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ

стр. 3619

الكعبَةِ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ، كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ من أُدْمِ الرِّجَالِ، لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنتَ رَاءٍ مِنَ اللَّمَمِ، قَد رَجَّلَهَا فَهيَ تَقطُرُ مَاءً، مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَينِ -أَو عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَينِ- يَطُوفُ بِالكَعبَةِ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذا؟ فقِيلَ: هَذا المَسِيحُ ابْنُ مريَمَ، ثُمَّ إِذَا أَنَا بِرَجُل جَعْدٍ قَطَطٍ، أَعوَرِ العَينِ اليُمنَى، كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، فَسَألتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: المَسِيحُ الدَّجَّالِ". الإسناد (١): قال الإمام: لم يُختَلَف عن مالك في إسناده ولا في لفظه، وهكذا رواه أيّوب عن نافع، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﵇ (٢). ورواه ابنُ شهاب عن سالم، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "بينما أنا نائمٌ أطوفُ بالكعبةِ ... " فذكر نحوه في صفة المسيح ابن مريم، وقال: "ثمّ ذهبتُ ألتفتُ فإذا رجلٌ جسيمٌ أحمرُ، جَعدُ الرَّأسِ، أعورُ العينِ، كأنّ عينَهُ اليُمنَى كعِنَبَةٍ طافِيَة. قلت: من هذا؟ قالوا: الدَّجَّالُ، وإذا أقربُ النَّاس بِه شَبَهًا ابنُ قَطَنٍ، رَجُلٌ من خُزَاعَةَ" (٣). وفي حديث عُبادَة بن الصَّامِت، عن النَّبيِّ ﵇ في صفة الدَّجَّال: "قصيرٌ أَفحَجُ (٤)، جَعدٌ، أعورُ مطموسُ العينِ" (٥). وفي حديث الشَّعبيَّ، عن فاطمة بنتِ قَيْسِ، حديثُ الجسَّاسةِ في صفة الدَّجَّال: "أعظمُ إنسانٍ رَأيتُ خَلْقًا، وأشدُّهم وَثَاقًا" (٦). وفي حديث الزُّهرِيّ، عن أبي سلمة، عن فاطمة بنت قَيْس في ذلك: "فإذا رجلٌ

стр. 3620

يجرُّ شَعْرَهُ مَسَلْسَلٌ في الأغلالِ، ينزُو فيما بين السماءِ والأرضِ" (١). قال أبو عمر (٢): وهذه الآثار كلُّها ثابتةٌ، كلُّها صِحَاحٌ من جهة النَّقْل والإسناد. والآثارُ مختلفةٌ في نتوء عينه. قال الإمام: وفي هذا الحديث علوم جمّة، وفوائد كثيرة لا يُخلَى هذا المختصر منها إنَّ شاء الله. المعاني والفوائد المنثورة: وهي عشرة: الفائدةُ الأولى (٣): قولُه: "أَرَانِي اللَّيلَةَ عِنْدَ الكَعبَةِ": يريد في منامه، أو يريد في الوجود الحسِّيِّ، أو في الوجود الخيالي، وربُّك أعلم أيّهما كان، كما قال ﵇: "كأنِّي أَنظُرُ إِلَى يُونُسَ بنِ مَتَّى وهو ببطن الوادي يُلبِّي" (٤). قولُه: "فَرَأَيتُ رَجُلًا آدَمَ": يريد: إلى السُّمرَةِ. "كأحسن ما أنت راء من أُدْم الرجال" * يريد: كأحسن ما أنت ترى ممّن هذه صفته *. "لَهُ لِمَّةٌ" وهي الشَّعر. "كَأَحسَنِ مَا أَنتَ رَاءٍ من اللِّمَمِ، قَد رَجَّلَهَا" يريد -والله أعلم- قد رجَّلها بالماء، فلذلك كانت تقطرُ الماءَ ولعلّه قد نبَّهَ بذلك على أنّه مشروعٌ لطوافِ القدوم والله أعلمُ. أو يكون هذا كما رُوِيَ في الحديث: "كأنّه خارجٌ من دِيمَاسٍ" (٥) وهو الحمَّام.

стр. 3621

الفائدةُ الثّانية: قوله: "فَسَاَلْتُ، مَنْ هَذَا؟ فقيل: عِيسَى بنُ مَريَم" اختُلِفَ في هذا الاسم على أقوال ثلاثة: الأوّل: أنّ مريم بالعبرانيّة خادمةُ الله. الثّاني: قيل: إنّه مشتقٌ من رمتُ، أي طلبت. الثّالث: قيل: إنّما سمّيت مريم لأنّها مَرّتْ في طاعة الله مرور الحوت في اليَمِّ. والأوَّلُ أحسن. ومن كرامة مريم: أنّ الله تعالى اصطفاها وطهَّرها على نساء العالمين؛ لأنّها عرض عليها التَّزويج فلم تتزوّج وأبت، قال الله تعالى: لا جَرَمَ أني أعطيتُكِ مقصودَ النّساء من الرِّجال، وهو ثلاثة أشياء: الشَّهوة، والولد، والنّفقة. وجعلتُ شهوتَكِ في ذكري وأعطيتُكِ الولد من غير أب، وأنفذتُ لكِ الرِّزق من الجنّةِ. وأنواعُ رزقها من أربعة أشياء: ١ - من الجنَّة أعلى شيءٍ. ٢ - ومن النخل أحلى شيءٍ. ٣ - ومن الجَرَادِ أَخلَى شيءٍ. ٤ - ومن المسك أعذب شيءٍ. روى أبو أُمَامَةَ الباهلي، عن النّبيّ ﵇ "أنّ مريم قالت: اللَّهُمَّ ارزقني لحمًا بغير دمٍ، فرزقها الله الجراد". الفائدةُ الثّالثة: عيسى هو آية الله؛ لأنّ الله تعالى خَلَقَ آدم ردًّا على الملائكة، وبدأ خَلْقَ عيسى ردًّا على الطبائعيّة، وبدأ خلق آدم بقوله: ﴿كُن﴾ (١) وبدأ خَلْقَ عيسى بقوله: ﴿كُن﴾ وبدأ خَلْقَ آدم من تراب، وبَدَأَ خَلْقَ عيسى أيضًا من تراب، وبدأ خلق آدم من غير أب. ولا أمّ،

стр. 3622

وبدأ خلق عيسى من أمّ بلا أب، فقال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ (١) معناه في التكوين، لقوله: ﴿كُن﴾ (٢). الفائدةُ الرّابعة (٣): وصفُ النّبيِّ له بأنّه آدم، والأُدْمَةُ لونُ العربِ وهي السُّمرَةُ في الرِّجال، وقد تقول العرب للأبيض من الإبل الآدم، والآدم من الظِّباء عندهم الّتي هي لون التّراب (٤). واللِّمَّةُ: الجُمَّةُ، وهي أكمل من الوَفرَة، والوَفرَةُ ما يبلغ الأُذُنَين من شَعْر الرّأس (٥). وقد رَوَى مجاهدٌ، عن ابن عمر، عن النّبيّ ﷺ في صِفَةِ المسيح "أنَّه: أحمر جعدٌ، عريض الصَّدر" (٦). والأحمر عند العرب: الأبيض، قال رسول الله ﷺ : "بُعِثتُ إِلى الأَحمَرِ وَالأَسوَدِ" (٧) وشبّه النّبيّ ﵇ عيسى ابن مريم بعروة ابن مسعود (٨). الفائدةُ الخامسة (٩): قوله: "يَطُوفُ بِالكَعبَةِ" إشارة أنّ لذَّته في العبادة بقيت إلى الآخرة، فلم ير لنفسه لذة سواها، كما أنّ موسى ﵇ كانت همّته الصّلاة؛ لأنّها أول شيءٍ سمع من

стр. 3623

ربّه، لقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (١) وقال النّبيّ ﵇: "رأيتُ موسى ليلةَ الإسراءِ على قَبرِهِ يُصلِّي على الكثيبِ الأحمرِ بجانب الطّريقِ" (٢). السّادسة (٣): قولُه: "فقلتُ من هذا؟ فقيل: هو المَسِيح ابن مريم" بفتح الميم وكسر السِّين (٤)، وله تسعة معانٍ: الأوّل: أنَّه مسيح الهُدَى اسم علَم، كما أنّ مسيح الضّلالة اسم علم (٥)، لا من الزِّيادة. الثّاني: مسيح فعيل، من مَسَحَ الأرضَ (٦)، ومثلُه في الاشتقاقِ والاسمِ الدَّجَّالُ، إِلَّا أنَّه مفرَّق بينهما بالهدى والضَّلالة، والصَّالح والكذَّاب، والدجَّال والنبيّ، والأعور والسليم. الثّالث: مسيح، فعيل، بمعنى مفعول؛ كأنّه مُسِحَ بالبركة (٧). الرّابع: مسيح؛ لحُسنِ وَجهِهِ (٨)، تقول العرب: عليه مِسحَةُ جمالٍ (٩). الخامس: مسيح، فعيل، بمعنى مفعول، مسحه يحيى بن زكريّا إذ وُلِدَ (١٠).

стр. 3624

السّادس: مسيحٌ، فعيلٌ، بمعنى فاعل، كان لا يمسح ذا عاهة إِلَّا بريء (١). السّابع: كان لا يمسح طائرًا يخلقه ولا ميِّتًا إِلَّا حَيَّ. الثّامن: مسيح بمعنى صديق (٢). التّاسع: مسيح، معرَّب، من مشيح، كما عُرِّبَ موسى من موشى (٣). وفي هذه الأسماء تداخل، وبعضها يعضدها الشّرع، وبعضها يعضدها اللُّغة، وقد فصّلناها في "شرح النَّيْرَيْن". السابعة (٤): وأمّا قوله: "المَسِيحُ الدَّجَّالُ" فقد تقدّم (٥) فيه وجهان، والثّالث: أنّه ممسوح العين (٦)، وكلاهما صحيح، كأنَّ الله يَغُيِّرها هيئة في عينه؛ لأنّ التَّغييرَ علامة الحدوث، والثّبوت علامة القِدَم، فيأتي عَوَره وتغيُّرُه دليلًا على دليل، ونقصانًا على نقصان. الفائدةُ الثّامنة: قوله: "الدَّجَّالُ" فقد اختلف النَّاس في اشتقاقه ومعناه. فقيل: لأنّه يُمَوِّه على النَّاس (٧)، ومنه قوله: بعيرٌ مُدَجَّلٌ إذا طُلِيَ بالقَطِرَانِ (٨).

стр. 3625

وقيل له ذلك: لعظم قَدرِهِ وتفاقُمِ خَطْبِهِ، ومنه رُفْقَةٌ دَجَّالَةٌ إذا كانت كبيرة، ومنه دِجلَة من كِبَرِها في الأنّهار. وقال أبو حاتم في "كتاب الزِّينة" (١): الدَّجَّالُ مأخوذ من الدَّجل، والدجل والدجن جميعًا وهو التباس الغيم وظلمته، فكأن الدّجالُ فعال من الدّجل وهو الظّلام والتباس الغيم، فكأنّه يلبس على النَّاس ويظلم عليهم أمر دينهم حتّى لا يعرفون رُشْدَهُم، فيدّعي الرّبوبيّة. تنبيه على وهم وتعليم على جهل (٢): رواه بعضهم: المسيخ بالخاء المعجمة، على معنى فعيل، بمعنى مفعول، من المسخ (٣)، وهو تغيّر الخِلْقَة المعتادة، وكأنّه بجهله كره أنّ يشترك مع عيسى بن مريم في الاسم والصِّفَة، وليس يلزم من الاشتراك في الحالات الاشتراك في الدّرجات، وقد بينّاه قبل، بل أغربَ من ذلك أنَّه لا يضر الاشتراك في المحاسن. وقد جاء آخر بجهالة أعظم من الأوّل فقال: إنّه مِسِّيخٌ بتشديد السِّين والخاء المعجمة (٤)، فجاء لا فِقْهَ وَلَا لُغَةَ، كما قيل في المثل: لا عقل ولا قرآن؛ لأنّ فِعِّيلًا من أبنية الفاعلين، ومسيح من معاني المفعولين وهما ضدّان والله أعلم. وقال أبو القاسم الجوهري (٥): "سُمِّيَ ابن مريم مسيحًا؛ لأنّه مُسِحَ بالبركة حين وُلِدَ، وسُمِّيَ الدَّجالُ مسيحًا بالتَّخفيف من سياحته؛ لأنّه ممسوح العين اليمنى" وهذا هو الصّحيح.

стр. 3626

وقد رَوَى الحسن بن أبي الحسن البصريّ، عن سَمُرة بن جندب، عن النّبيّ ﵇؛ "أنّ الدّجّال أعور العين اليسرى" (١)، وقد اختُلف في سماع الحسن عن سَمُرَة، وأحاديثه عنه في بعضها نظر، وإن كان راويها قتادة. الفائدةُ التّاسعة (٢): قولُه: "كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ" قال عيسى بن دينار: شبّهها بحبّة عِنَب قد فضحت فذهب ماؤها فصارت طافئة (٣)، أي (٤) ممتلئة تكاد تتفقأ، وكذلك عينه قد ظهرت كما يظهر الشّيء فوق الماء. قال الإمام: وهو أشبه عندي والله أعلم. واسم العِنَبَة يقع على الممتلئة، فيكون معنى الطافية أنّها علت على ما يجاورها من الجسم. العاشرة: قال ﵇ في الثّابت الصّحيح في "مسلم" (٥) وغيره (٦): "ينزلُ عيسى بن مريم حَكَمًا مُقسِطًا (٧) فيَكْسِرُ الصَّليبَ ويقتلُ الخنزيرَ، وتكونُ الدَّعوةُ للهِ ربِّ العالَمِين". ومن حديث سَمُرة بن جندب أنّ نبي الله كان يقول إنَّ الدَّجَّالَ خارجٌ وهو أعورُ

стр. 3627

الشِّمالِ (١)، عليها ظَفْرَةٌ غليظةٌ، إنهُ يُبرِيءُ الأَكمَهَ والأبرصَ، ويُحيِي الموتَى، ويقول للنَّاس: أنا ربُّكم، فمن قال: أنت ربِّي فقد فُتِنَ، ومن قال: ربِّيَ الله، حتّى يموت على ذلك فقد عُصِمَ من فِتنَتِهِ، ولا فتنةَ عليهِ، فيلبثُ في الأرضِ ما شاء الله، ثمّ يجيءُ عليه عيسى بنُ مريم من قِبَلِ المغربِ مصدِّقًا لمحمَّد ﷺ وعلى مِلَّتِهِ، فيقتلُ الدَّجَّالَ، ثمّ إنّما هو قيام السّاعةِ" (٢). وقيل: إنّه ينزل عند المنارة البيضاء بدمشق (٣). وفي "العُتبية" (٤) عن مالك قال: بينما النَّاس بِلُدٍّ، إذ يسمعون الإقامة -يريد الصّلاة- فتغشاهم غمامة، فإذا عيسى بن مريم قد نزل. نكتةٌ: قال الإمام: وأجمعتِ العلّماءُ أنّ خروج المهديّ حقٌّ لا شكّ فيه ولا ريب، وأنّ خروجه يكون قَبْلَ خروج الدَّجَّالِ، وقبلَ نزول عيسى بن مريم، فيفتش المهدي فلا يوجَد، فينزل عيسى بن مريم. وقد خرّج أبو داود (٥)، عن النّبيّ ﵇؛ قال: "لو لم يبق من الدّنيا إِلَّا يومٌ -قال زائدةُ- لطوَّل الله ذلك اليوم، حتّى يبعثَ الله فيه رجلًا مني أو مِنْ أهل بيتي يُوَاطِيءُ اسمُه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأُ الأرضَ قِسطًا وعدلًا كما مُلِئَت جورًا وظلمًا". وفي حديث سفيان (٦): "لا تذهبُ، أو لا تنقضي الدّنيا حتّى يملكَ العربَ رجلٌ من أهل بيتي، يواطيء اسمُه اسمِي" (٧). ومن الحديث الثّابت الصّحيح، عن سعيد بن المسيِّب، عن أمّ سَلَمَة؟ قالت:

стр. 3628

سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "المهديّ من عِتْرَتِي من وَلَدِ فاطمة" (١). ومن حديث أبي سعيد الخُدْرِيّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "المهديُّ منِّي، أَجلَى الجبهة (٢)، أَقنَى الأنف (٣)، يملأُ الأرضَ قسطًا وعدلًا كما مُلِئت جورًا وظُلمًا، يملِكُ سبعَ (٤) سنين" (٥). وفي الحديث: أنّ عليًّا نظر إلى ابنه الحسن وقال: إنَّ ابنِي هذا سيّدٌ، كما سمّاهُ رسولُ الله ﷺ ، وسيخرجُ من صُلبِهِ رجُلٌ يسمَّى باسم نبيِّكُم، يُشبهُهُ في الخُلُقِ، ولا يُشبِهُهُ في الخَلق". ثمّ ذكر قصّةَ يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا (٦). ومن حديث عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : "يخرجُ رَجُلٌ من وراء النَّهر يقال له الحارث، حَرَّاثٌ، على مقدِّمته رجلٌ يقال له منصور، يُوطِّيءُ، أو يُمَكّنُ لآلِ محمّدٍ، كما مكَّنَت قريشٌ لرسول الله (٧) " (٨). وقد أشفينا القول في هذه المعاني في "النيِّرين".

стр. 3629

السُّنَّة في الفطرة التّرجمة: قال الإمام: الفطرةُ هي أصل الخِلقَة وابتداء النَّشأة، لكن يعبَّرُ بها عن الدِّين الّذي يوسف أنَّه من الفطرة. قال (١) الله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ الآية (٢). يريد بالفطرة الدِّين الّذي وُلِدُوا عليه وخُلِقُوا عليه ومنه الحديث الصّحيح عن النّبيّ ﵇: "كلُّ مولودِ يولَدُ على الفطرةِ، فأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِه أو يُنَصِّرانِهِ" (٣). ولهذه اللَّفظة أشياء قد تقدّم الكلام عليه، والمراد بها هاهنا (٤): الخصال الّتي يكمُلُ بها المرء حتّى يكون على أفضل الصّفات، فذَكرَها مالك (٥) خمسًا، وذكرها مسلم عشرًا (٦)، ومن جملتها المضمضة، والاستنشاق، والاستنجاء، والختان. وكلّ واحد منها متأكدّ في النّدب. فأمّا مالك (٧)، فَرَوَى عن سَعِيدِ بنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَال: "خَمسٌ مِنَ الفِطرَةِ: تَقلِيِمُ الأَظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَحَلقُ العَانَةِ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَالاِختِتَانُ".

стр. 3630

الإسناد (١): لم يختلف الرّواة عن مالك في "الموطَّأ" في توقيف هذا الحديث على أبي هريرة، وهو حديث محفوظ من حديث أبي هريرة مرفوعًا إلى النّبيّ ﷺ (٢). الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٣): اختلف النَّاس في المضمضة والاستنشاق، هل كلّ واحد منهما متأكّد؟ أو هل هما واجبان أم لا؟ فقال قوم (٤): إنّهما واجبان. والدّليل عليه: أنّ الفم والأنف يدخلان في حكم الظّاهر، بدليل حكم وجوب غسلهما من النّجاسة كظاهر البدن. وبنى علماؤنا على قول النّبيّ للأعرابي: "تَوَضَّأ كَما أمَرَكَ الله تعالى" (٥) وعلى أنّهما باطنان من أصل الخِلْقَةِ، وعلى أنّ الجُرح النافذ إليه جائفة، فتعارضتِ الأحكامُ، وكان مع نفي وجوبهما ظاهر القرآن (٦)، على ما بينَّاه في كتاب الطّهارة، فليُنظَر هنالك.

стр. 3631

المسألة الثّانية (١): قوله: "وَقَصُّ الشَّارِبِ" قال مالك (٢): "يؤخذُ منه حتّى يبدو طرفُ الشَّفَةِ" (٣). وقال ابنُ القاسم كذلك عنه. وقوله: "نَتفُ الإِبْطِ" هو الشَّعر الّذي تحت الآباط (٤). و"حَلقُ العَانَةِ" يريد شَعْر السُرَّة، وهو الاستحداد (٥). وليس لقصّ الأظفار وأخذ الشَّارب وحلق العانة حدًّ إذا انتهى إليه أعاده، ولكن إذا طال ذلك، وكذلك شَعر الرّأس لا أعلم فيه حدًّا (٦). إِلَّا أنّ في "كتاب مسلم" (٧) أنّ الحدّ فيه "أربعون يومًا" ولا تجوز الزِّيادة على هذا الحدّ والمقدار. المسألة الثّالثة: قولُه: "وَالاِختِتانُ" اختلف الأيمّة في الاختتان هل هو واجب أو سنّة؟ فأَوْجَبَهُ كثير من العلماء (٨)، منهم الشّافعيّ (٩)؛ لأنّه من شعار الدِّين وصفة النّبيّ ﵇ في التّوراة والإنجيل، ولأنّه يَكشِفُ له العورةَ (١٠). والذي عندي أنّ جملتها واجبة، وأنَّ الرَّجُل إذا

стр. 3632

لم يختتن لم يكن من جملة المسلمين. وقال مالك وأبو حنيفة (١): الاختتان سنّة، آكد من قصّ الشّارب ونتف الإِبْطِ وحَلقِ العَانَةِ. واستدلَّ (٢) القاضي أبو محمّد عبد الوهّاب (٣) على نفي وجوبه بأنّه قرنه النّبيّ ﵇ بقصّ الشّارب ونتف الإِبْطِ، ولا خلافَ أنّ هذه ليست بواجبة، وهو استدلال بالقرائن. وأكثر علمائنا على المنع منه (٤). ودليلنا من جهة القياس: أنّ هذا قطع جزء من الجسد ابتداءً، فلم يكن واجبًا بالشَّرع، كقصِّ الشَّاربِ. فرع (٥): واختلف العلماء في الشّيخ الكبير يسلم (٦)، فيخاف على نفسه من الاختتان، فقال محمّد بن عبد الحكم: له تركه (٧)، وبه قال الحسن بن أبي الحسن البصري (٨). وقال سحنون: لا يتركه وإن خاف على نفسه (٩). قال الإمام: وهذا من سحنون يقتضي كونه واجبًا متأكّد الوجوب. وروى ابن حبيب عن مالك: أنّ من تركه من غير عُذرٍ ولا عِلَّةٍ لم تجز إمامته (١٠) ولا شهادته.

стр. 3633

ووجه ذلك عندي: أنّ ترك المروءةِ مؤثِّرٌ في ردِّ الشّهادة، ومَنْ ترك الاختتان من غير عُذْرٍ فقد ترك المروءة، فلم تُقبَل شهادته. فرع (١): ورُوِيَ عن ابن عبّاس وجابر بن زيد وعكرمة أنّ الأغلفَ لا تؤكل ذبيحته، ولا تجوز شهادته (٢). وقال أبو عمر بن عبد البرّ (٣): "جمهورُ أهلِ العلمِ لا يَرَونَ بأكل ذبيحته بأسًا إذا وقعت الذّكاة كاملة". فرع (٤): واختلف العلماء في الّذي يُولَدُ مختونًا، فقالت فرقة: يُجرى عليه الموس، وإن كان فيه ما يُقطَع قُطِعَ. وقال آخرون: قد كفى الله فيه المَؤُوْنَةَ، وهو الصّحيح عندي. المسألة الرّابعة (٥): إذا ثبت ما قدَّمناه، فهل للصّبيَّ حدَ في الاختتان أو اختيار؟ فاختار مالك وقت الإثغار. وقيل عن مالك: إنَّ حد ذلك من سبع سنين إلى العشرة (٦).

стр. 3634

قال: ولا بأس أنّ يعجّل قبل الإثغار أو يؤخَّر بقليل، وكلّما عجل بعد الإثغار فهو أَحبُّ إليَّ (١)، وكره أنّ يختتن الصّبيّ وهو ابن سبعة أيّام، وقال: هذا من فعل اليهود (٢)، وكان لا يرى بأسًا أنّ يفعل لعلّة تخاف على الصَّبيِّ. والأصل: في ذلك ما روي عن ابن عبّاس. ومن جهة المعنى: أنّ هذا وقت تَفَهُّمٍ ويمكن منه امتثال الأمر والنَّهي، وهو أوّل ما يؤخذ بالشّرائع، ولذلك يؤمر بالصّلاة. المسألة الخامسة (٣): وأمّا الخِفَاض، فقد قال مالك (٤): أُحِبُّ للنّساء قصّ الأظفار، وحَلْق العانة، والاختتان، مثل ما هو على الرِّجال (٥). قال (٦): ومن ابتاع أَمَةً فليخفضها إنَّ أراد حَبسَها، وإن كانت للبيع فليس ذلك عليه. وقال مالك (٧): والنّساء يَخْفِضنَ الجَوَارِي. قال (٨) غيره: وينبغي أنّ لا يبالغ في قطع المرأة، لما رُوِيَ عن النّبيّ ﵇ أنَّه قال لأمّ عطيّة -وكانت تخفض-: "أَشِمِّي ولا تُنْهِكي؛ فإنّه أَسْرَى للوجه وأحظَى عند الزّوج" (٩).

стр. 3635

قال الشّيخ أبو محمّد في "مختصره" (١): "أكثر لماء الوجه ودمه وأحسن في جماعها" والله أعلم، وأهلُ الشّرقِ على هذا. حديث مالك (٢)؛ عن أبي سعيد، عن سعيد بن المسيِّب؛ أنَّه قال: كَانَ إبْرَاهِيمُ ﵇ أَوَّلَ النَّاسِ ضَيَّفَ الضَّيْفَ، وَأَوَّلَ النَّاسِ اختَتَنَ، وَأَوَّلَ النَّاسِ قَصَّ شَارِبَهُ، وَأَوَّلَ النَّاسِ رَأَى الشَّيْبَ، فَقَال: يارَبِّ، ما هذا؟ فَقَالَ الله تَبَرَكَ وَتَعالى: وَقَارٌ يَا إِبرَاهِيمُ، فَقَالَ: رَبِّ، زِذني وَقَارًا. الإسناد: الحديث موقوف (٣)، وهو صحيح، وله طرق حِسَانٌ (٤). الفقه والفوائد، وهي خمسٌ: الفائدةُ الأولى (٥): قوله: "أَوَّلُ النَّاسِ ضَيَّفَ الضَّيْفَ إِبْرَاهِيم" وهي سُنَّة كريمة، وخصلة شريفة، كان إبراهيم لا يأكل وحده، وصارت تلك سنّة بعده. وقد ذكر المفسّرون: أنّ إبراهيم دعا من يأكل معه طعامه، فلمّا تقدّم إليه قال له: سمّ الله وكل، قال: لا أدري ما الله! قال: فاخرج عن طعامي، فنزّل الله عليه جبريل ﵇ فقال له: إنَّ الله يطعمه منذ خَلَقَه وهو كافر، وبخلتَ أنت عليه بلقمةٍ، قال: فخرج إبراهيم في طَلَبِهِ حتّى أدركه، فقال له ارجع، فسأله فأخبره، فآمن وسمَّى الله معه وأكلَ (٦).

стр. 3636

واختلف العلماء في الضّيافة، فرآها اللَّيث بن سعد واجبة (١)، لقول النّبيّ ﵇: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فَليُكرِمْ ضيفَهُ، جَائِزَتُهُ يومٌ وليلةٌ، وما زادَ على ذلك فهو صَدَقةٌ" (٢). وروي أنّهم قالوا: يَا رَسولَ الله، نمرُّ بهم فلا يَقرُونَا. فقال النّبيُّ ﵇: "خُذُوا الّذي لكم" (٣). فمن العلماء من قال: إنّه منسوخٌ بأخبارٍ (٤)، من جملتها: "لا يحلُّ مالُ امْرِئٍ مسلمٍ إلّا عن طيبِ نفْسٍ منهُ" (٥). ومن النَّاس من قال: إنّها جائزةٌ في القُرى حيث لا طعام ولا مأوى، بخلاف الحواضر؛ فإنّ كلّ من دخلها يجد فيها أين يأوي وما يشتري (٦). والحديث الأوَّل لا حُجَّةَ فيه؛ لأنّ النّبيّ ﵇ قال: "فَليُكْرِمْ ضَيْفهُ" (٧). والكرامةُ ليست بواجبةٍ (٨)، والذي يتنخّل عند التّحقيق حسب ما بينَّاه في "شرح الصّحيح" أنّها فرض على الكفاية كسائر فروض الكفايات. المسألة الثّانية (٩): قوله: "وَأَوَّلُ النَّاسِ اخْتَتَنَ" رُوِيَ عن أبي هريرة حديثٌ موقوفٌ، عن النّبيّ عليه

стр. 3637

السّلام قال: "اختَتَنَ إبراهيمُ (١) وهو ابن عشرين ومئة سنة، ثمّ عاش بعد ذلك ثمانين سنة" (٢) وهذا الحديث هو أوّل الباب عند القَعْنَبِيِّ. ورُوِيَ أنّ إبراهيمٍ اختتن بالقَدُّوم (٣)، وهو موضع، ويُخَفَّف فيقال: القَدُومُ، قال ابن الفراء: القَدُومُ -مخفَّفٌ- هي القَدُومُ المعروفة. وقيل: إنَّ اختتانه من الكلمات الّتي ابتلاه الله بها. وقيل غير ذلك، والله أعلم. وهذا الحديث حجّة لمن أمر الشّيخ الكبير يُسْلِم بالاختتان. المسألة الثّالثة: قوله: "وأوَّلُ النَّاس قصَّ شَاربَهُ" قال مالك (٤): يؤخذُ من الشّاربِ حتّى يبدو طَرفُ الشَّفَةِ، وهر الإطارُ، ولا يَجُزُّهُ فَيُمَثِّلُ بنفسه. المسألة الرّابعة (٥): قولُه: "وأوَّلُ الناسِ رأَى الشَّيْبَ ... " الحديث. يحتمل -والله أعلم- أنَّه لم يكن قبله شيبٌ حتّى رآه إبراهيم ﵇ أوّل من رآه. ويحتمل أنّ يكون الشَّيْبُ معتادًا على حسب ما هو اليوم، ولكن كان إبراهيم أوّل من قال هذا، وسأل عنه عند رؤيته. والأوّل أظهر؛ لأنّه لو كان الشَّيب معتادًا قد رآه إبراهيم بجميع النَّاس قبله ما أنكره، ولا قال: يا ربّ، ما هذا؟ ولو سأل عن وقوعه به مع معرفته بمعناه كما رآه بغيره، لم يفسِّره له بأنّه وقَارٌ، ولقيل له: هو الشَّيْبُ الّذي رأيته لمن بلغ سنَّكَ، ولكان

стр. 3638

هو قد علم أنّ معناه الوَقَار، ولم يحتج أنّ يدعو الله تعالى أنّ يزيده وقارًا حين علم معناه. المسألة الخامسة (١): قوله: "وَقارٌ، قال: يا رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا". قال الإمام: وإنّما جعله وقارًا لأنّه ينبيءُ عن ضعف القوى، ويُذهِبُ بشرة الفُتُوَّةِ والصِّبَا، فتسكنُ الحركات لضَعفِ الشَّهوات، فيكون بشَيْبِهِ السُّكون والوَقَار، وقد قال كبار الصّحابة: إنَّ الله ما شَانَ رسولَه بالشَّيب، ولو كان محمودًا ما خُضَّبَ فإنّه لا يُستر إِلَّا ما يُكره. قلنا: إنّما كان ذلك لأجل الغزو والغلظة على العدوِّ. وإذا قلنا: إنَّ الشَّيبَ يغيَّرُ بالخضاب، فلا نُبالي على أيِّ لونٍ كان التّغيير بخِطْرِ (٢) أو بفَاغِيَةٍ (٣) سوداء أو حمراء، إنّما غيَّرَهُ أصحاب النّبيّ ﵇ بالحمرة؛ لأنّه هو الّذي عرفوه وأمكنهم في مواضعهم، وقد رُوِيَ أنّ النّبيّ ﵇ خَضَبَ بالحنَّاء (٤)، ولم يصحّ، وسيأتي بيانُه في باب خضاب الشَّعْر إنَّ شاء الله. سؤال (٥) في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ (٦). الجواب: قلنا: يُحتملُ أنّ يخاطب به هذه الأُمَّة، أو مَنْ شاب من زمان إبراهيم ﵇ إلى يوم القيامة. ويحتمل أنَّه خُوطب به جميعُ الخَلق مَنْ شابَ ومن لم يَشِبْ، إِلَّا أنَّه جمع مع

стр. 3639

الضَّعف الأخير الشَّيب؛ لأنّ مِنَ الخَلقِ مَنْ لم يَشِب، كما أنَّه لم يردّ أنّ جميعهم يضعف، بل منهم من يموت في الضّعف الأوّل، ومنهم من يموت حال القوّة قبل الضّعف الثَّاني، والله أعلمُ. تكملة: في فضيلة إبراهيم ﵇ وفي قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (١) والخليلُ هو الّذي قد تخلَّل فؤاده بمحبَّته، فلا يكون لأحدٍ فيها طَمَعٌ. وقيل: إنّه ﷺ سألَ عن ذلك، فقيل له: لِمَ اتّخذَكَ الله خليلًا؟ فقال: لأنّي لم أتّهمه بما تكفّل لي به، وما خُيِّرْتُ بين شيئين إِلَّا اخترتُ ما للهِ فيه رِضا، ولا تغدّبتُ ولا تعشيّتُ إِلَّا مع ضيفٍ. وقيل: إنّه سأل ربّه، لم اتّخَذتَنِي خليلًا؟ فقال: لثلاثة أشياء: لقيامك بين يَدَيَّ آناء اللّيل والنّهار، ولأنك لا تغفل عنّي على كلّ حال، ولذكرك إيّاي في كلّ وقت. وقيل: اتّخذه خليلًا لأنّه سلّم ماله للضّيفان، وولده للقُربان، ونفسه للنّيران، وقلبه للرحمن. وقيل: اتخذه خليلًا لخدمته لأضيافه، ألم تسمع إلى قوله : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (٢). وقيل: اتخذه خليلًا لأنّه لم يذكر سرّه إلى غيره، فأوحى الله إليه: أنت خليلي، فانظر أنّ لا يختلج في قلبك وسرّك غيري فاقطعُ خِلَّتي عنك. وقيل: اتّخذه خليلًا حين صيّر له الرّمل دقيقًا، فقال لسارة: من أين لكِ هذا الدّقيق؟ فقالت: من عند خليلك الحضَرِيّ، فقال لها: بل هو من عند خليلي السّماويّ. وقيل: اتخذه خليلًا لأنّه خاف من الله تعالى، فأوحى الله إليه: هل رأيت خليلًا يخاف خليله، فقال: إذا ذكرتُ ذنوبي نسيتُ خِلَّتي.

стр. 3640

وقيل: اتّخذه خليلًا لأنّه كان يُسمَعُ وَجِيبُ (١) قلبِه من مِيلَيْنِ. وقيل: اتّخذه خليلًا لأنّه جاءه ضيف كافر، فوسَّدَه فخذَه ولقمه بيده، فأوحى الله إليه: يا إبراهيم، تطعم عَدُوِّي وعدوّك، فقال: يا ربِّ، تعلّمتُ منك؛ لأنك خَلَقتَهُ ورزَقتَه وكَفَيتَهُ، فتخلّقتُ بخُلُقٍ من أخلاقك، فأوحى الله إليه: إنِّي قد اتّخذتُك خليلًا لذلك. وقيل: اتّخذه خليلًا حين سَمع جبريل ﷺ يقول: سُبُّوح، قدّوس، ربُّ الملائكة والرُّوح، ولم يَدرِ أنَّه جبريل، فقال له: اذكر خليلي مرّة أخرة ولك ما أملك، فذَكَرَهُ، فأعطاه ملكه، فقال جبريل: يا خليلَ الرّحمن، أنا جبريل جئت لأختبرك، فوجدتُك خير مجرّب، ووجدتك تستحقّ خِلَّتَهُ. وقيل: جاءته الملائكةُ، فقرَّبَ إليهم طعامًا، فلم يأكلوا منه، وقالوا: إنَّا معشر الأنبياء لا نأكل إلّا بالثّمن، قال: ومعكم ثمنه فكلوه، فقالوا: وما ثمنه؟ قال: التّسميةُ عند ابتدائه، والحمدُ عند فراغه، فقالوا: سبحان الله، يستحقّ أنّ يُتَّخَذَ خليلًا. وقيل: اتّخذه خليلًا: لقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢). فقال الله: يا إبراهيم لا جَرَمَ أنّي اتّخذتُك خليلًا. فهذه إحدى عشرةَ قولةً في قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٣) وقد أَشْفَيْنَا القول فيه في "الكتاب الكبير". نكتةٌ بديعة: فإن قيل: ما وجه الحكمة في قوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤). الجواب عنه من أوجه: الأوّل: قيل لأنّ العرب ادَّعت بأنّا على دِينِ إبراهيم، فقال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ (٥)؛ لأنّه كان مسلمًا، وقد علَّق الله هذه الآية بالأَبَوِيَّةِ على سبعة: على آدم بالولادة.

стр. 3641

وعلى نوح بالذُّرِّيَّة. وعلى إبراهيم بالمِلَّة. وعلى الملائكة بالاستغفار لهم. وعلى محمّد بالأُمَّة. وعلى نفسه بالعبوديّة. وقد تكلّمنا على هذه المعاني في "الكتاب الكبير" (١). النَّهيُ عن الأكلِ بالشِّمال مالك (٢)؛ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكرٍ بْنِ عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إذَا أَكَلَ أَحَدُكُم فَليَأكُلْ بِيَمِينِهِ، وَليَشرَبْ بِيَمِينِهِ". الإسناد: الحديث الأوّل (٣)، وهذان الحديثان صحيحان مرويان من طرق (٤). الأصول في أربع مسائل: المسألة الأولى (٥): أمّا قولُه في الحديث الأوّل في هذا الباب: "نَهَى أنّ يَأْكُلَ الرَّجُلُ بِشِمَالِهِ، أَو يَمْشِيَ

стр. 3642

فِي نَعْلٍ واحدٍ، أَو يَشتَمِل الصَّمَّاءَ (١)، أَوْ يَحْتَبِيَ فِي ثَوْبٍ وَاحدٍ". أمّا الثّلاث فإنَّها مكروهة، وأمّا الرّابعة فإنّه حرام لوجوب سَتْر العورة. المسألة الثّانية (٢): قوله: "نَهَى" والنّكتة الّتي يعتمد عليها علماؤنا في الفرق بين المكروه والحرام، أنَّه إذا جاء النّهي مقرونا بالوعيد دلَّ على تحريمه لا مَحَالَةَ، وإذا جاء مُطلَقًا كان أدبًا، إِلَّا أنّ تقترن به قرينةٌ تدلُّ على أنَّه مصلحة في البدن أو في المال على الاختصاص بالمرء، فإنّه يكون مكروهًا على حاله، ولا يترقَّى إلى التّحريم. فإن كان لمصلحة تعمُّ النَّاس صار حرامًا. والدّليل على ذلك: أنّ للمرء أنّ يتحمّل الضّرر في نفسه إنَّ كان ذلك يسيرًا، وليس له أنّ يلحقه بغيره يسيرًا كان أو كثيرًا، وهذا بديعٌ. المسألة الثّالثة (٣): قوله (٤): "فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ". اختلف في هذا علماؤنا، فمنهم (٥) من حَمَلَهُ على الحقيقة بأنّ الشّياطين يأكلون ويشربون، ولذلك جاء نهيُه ﷺ عن الاستنجاء بالرّوث والرمَّة، وقال: "إنَّ ذلك لَزادُ إخوانكم من الجنّ" (٦).

стр. 3643

ومنهم من قال: إنّما ذلك لئلا يتشبه بفعل الشيطان. وقال آخرون: إنّما أكلُهم تشَمُّمٌ (١)، فعلى هذا يكون قوله: "إنَّ الشَّيْطَانَ يأكُلُ بِشِمالِهِ" على المجاز، فمعناه: أنَّه يريد أنّ يأكل الإنسان بشماله ويدعو إليه فأُضِيفَ الأكلُ إليه. وقال علماؤنا (٢): لا يأكل أحدٌ بشِمَاله، ولا يشرب بشماله إِلَّا مِنْ عُذْرٍ. المسألة الرّابعة: قال علماؤنا: في هذا الحديث دليلٌ على وجود الجِنِّ، وأنّهم أجسامٌ، خلافا وردًّا على قول الفلاسفة الّذين يقولون إنهم بسائط، وقد بينّا ذلك في "كتب الأصول" (٣) وأنّهم مكلَّفون، وأن منهم المؤمّن ومنهم الكافر، ومنهم الصّالحون ومنهم دون ذلك، وأنّ لهم حياةً وأجسامًا، وأنّهم تختلف صفاتهم. ورُوِيَ عن وهب بن مُنّبِّه (٤)؛ أنَّه سئل عن الجِنِّ، وهل يأكلون ويشربون ويتوالدون؟ فقال: منهم من يأكل ويشرب وينكح وَيَتَوَالَد ومنهم الشّياطين والغِيلان والقطارية (٥)، وغير ذلك ممّا قد أوضحناه في "الكتاب الكبير".

стр. 3644

ما جاء في المساكين مالك (١)؛ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: لَيسَ المِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوافِ عَلَى النَّاسِ، تَرُدُّهُ اللُّقمَةُ واللُّقمَتَانِ، والتَّمْرَةُ وَالتَّمرَتَانِ. قالُوا: فَمَا المِسْكِينُ يَا رَسُولَ الله؟ قَال: الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغنِيهِ، وَلَا يَفْطُنُ النَّاسُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسأَلَ النَّاسَ. حديثُ مَالك (٢)؛ عَنْ زَيْدٍ، عن ابنِ بُجَيْدٍ الأنصاريِّ، عن جَدَّتِهِ؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "رُدُّوا المِسكِينَ وَلَو بِظِلفٍ مُحرَقٍ". الإسناد: قال الإمام: الحديث الأوَّل صحيح، والثّاني (٣) عن زيد، عن ابنِ بُجَيْدٍ؛ فإنّ ابن بُجيْدٍ اسمُه عبد الرّحمن بن بُجَيْد بن قيظي الأنصاري، أحد بني حارثة، وهو الّذي ردَّ على سهل بن أبي حَثمةَ حديثَه في القَسَامَةِ، ولم يكن سهل بن أبي حَثْمَة بأكثر علمًا منه ولكنّه كان أسنَّ منه (٤). التّرجمة (٥): إنّما بوَّبَ مالك ﵀ على هذا؛ لأنّه اسمٌ شرعيٌّ ممدوحٌ في الدِّين، وفي الحديث: "اللَّهمَّ احيِني مِسكِينًا، وأَمِتني مسكينًا، واحشُرنِي في زُمْرةِ المساكين" (٦).

стр. 3645

وفي هذا الحديث نكتةٌ بديعةٌ، وهو أنَّه محمود في الجملة، كالصَّمْت محمودٌ في الجملة لكثرة آفاتِ الحركة، وكثرة آفات الكلام، وقد يكون الشَّيءُ ممدوحًا بذاته وصفاته، وقد يكون ممدوحًا لقلّة آفاته، وتَركُكَ الشّرِّ للنّاس صدقةَ، لا سيّما وقد قال علماؤنا: إنَّ أوّل ما خلَقَ الله السُّكونُ، والحرَكَةُ بعده ثانيًا، ويستحيلُ عقلًا أنّ تسبقه الحركة، فصار السكونُ ممدوحًا بأصل الخِلقَةِ. وبينَ أيضًا نَدبَ الصَّدقة إليه، والتَّخصيص في الجزاء عليه، فقال: "رُدُّوا السّائلَ ولو بِظِلْفٍ مُحرَقٍ" (١) وليس هو بمثل، وإنّما هو حقيقة؛ فإنّه إنّما خاطب به قومًا كانوا يأكلون الجلود ويمُصّونَ النَّوَى، وإذا وَجَدُوا ظِلفًا مُحرَقا كان غايةً لهم في اللَّذَّةِ، وأيضًا: فإنّه بيَّن فيه حال المسكين، وهو الّذي لا شيءَ له لاختلاف النَّاس فيه، والفقيرُ والمسكينُ اسمان مشتركان في وجهٍ مفترقان في آخر، فقد يكون الفقيرُ مسكينًا، وقد يكون المسكينُ فقيرًا، وقد جمع الله بينهما في الصَّدقة، واشتغل النَّاس لقلَّةِ تحقيقهم بأن يطلبوا الفرقَ بين المسكين والفقير، وليس المقصود هذا حتّى تفنى فيه الأعمار، وتُسَوَّدَ الأوراقُ، وإنّما المقصودُ أنّ النَّاس المحتاجين قسمان: قسم لاشيءَ لهم، وقسم
следующие страницы →