← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

وعلى نوح بالذُّرِّيَّة. وعلى إبراهيم بالمِلَّة. وعلى الملائكة بالاستغفار لهم. وعلى محمّد بالأُمَّة. وعلى نفسه بالعبوديّة. وقد تكلّمنا على هذه المعاني في "الكتاب الكبير" (١). النَّهيُ عن الأكلِ بالشِّمال مالك (٢)؛ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكرٍ بْنِ عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إذَا أَكَلَ أَحَدُكُم فَليَأكُلْ بِيَمِينِهِ، وَليَشرَبْ بِيَمِينِهِ". الإسناد: الحديث الأوّل (٣)، وهذان الحديثان صحيحان مرويان من طرق (٤). الأصول في أربع مسائل: المسألة الأولى (٥): أمّا قولُه في الحديث الأوّل في هذا الباب: "نَهَى أنّ يَأْكُلَ الرَّجُلُ بِشِمَالِهِ، أَو يَمْشِيَ

стр. 3642

فِي نَعْلٍ واحدٍ، أَو يَشتَمِل الصَّمَّاءَ (١)، أَوْ يَحْتَبِيَ فِي ثَوْبٍ وَاحدٍ". أمّا الثّلاث فإنَّها مكروهة، وأمّا الرّابعة فإنّه حرام لوجوب سَتْر العورة. المسألة الثّانية (٢): قوله: "نَهَى" والنّكتة الّتي يعتمد عليها علماؤنا في الفرق بين المكروه والحرام، أنَّه إذا جاء النّهي مقرونا بالوعيد دلَّ على تحريمه لا مَحَالَةَ، وإذا جاء مُطلَقًا كان أدبًا، إِلَّا أنّ تقترن به قرينةٌ تدلُّ على أنَّه مصلحة في البدن أو في المال على الاختصاص بالمرء، فإنّه يكون مكروهًا على حاله، ولا يترقَّى إلى التّحريم. فإن كان لمصلحة تعمُّ النَّاس صار حرامًا. والدّليل على ذلك: أنّ للمرء أنّ يتحمّل الضّرر في نفسه إنَّ كان ذلك يسيرًا، وليس له أنّ يلحقه بغيره يسيرًا كان أو كثيرًا، وهذا بديعٌ. المسألة الثّالثة (٣): قوله (٤): "فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ". اختلف في هذا علماؤنا، فمنهم (٥) من حَمَلَهُ على الحقيقة بأنّ الشّياطين يأكلون ويشربون، ولذلك جاء نهيُه ﷺ عن الاستنجاء بالرّوث والرمَّة، وقال: "إنَّ ذلك لَزادُ إخوانكم من الجنّ" (٦).

стр. 3643

ومنهم من قال: إنّما ذلك لئلا يتشبه بفعل الشيطان. وقال آخرون: إنّما أكلُهم تشَمُّمٌ (١)، فعلى هذا يكون قوله: "إنَّ الشَّيْطَانَ يأكُلُ بِشِمالِهِ" على المجاز، فمعناه: أنَّه يريد أنّ يأكل الإنسان بشماله ويدعو إليه فأُضِيفَ الأكلُ إليه. وقال علماؤنا (٢): لا يأكل أحدٌ بشِمَاله، ولا يشرب بشماله إِلَّا مِنْ عُذْرٍ. المسألة الرّابعة: قال علماؤنا: في هذا الحديث دليلٌ على وجود الجِنِّ، وأنّهم أجسامٌ، خلافا وردًّا على قول الفلاسفة الّذين يقولون إنهم بسائط، وقد بينّا ذلك في "كتب الأصول" (٣) وأنّهم مكلَّفون، وأن منهم المؤمّن ومنهم الكافر، ومنهم الصّالحون ومنهم دون ذلك، وأنّ لهم حياةً وأجسامًا، وأنّهم تختلف صفاتهم. ورُوِيَ عن وهب بن مُنّبِّه (٤)؛ أنَّه سئل عن الجِنِّ، وهل يأكلون ويشربون ويتوالدون؟ فقال: منهم من يأكل ويشرب وينكح وَيَتَوَالَد ومنهم الشّياطين والغِيلان والقطارية (٥)، وغير ذلك ممّا قد أوضحناه في "الكتاب الكبير".

стр. 3644

ما جاء في المساكين مالك (١)؛ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: لَيسَ المِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوافِ عَلَى النَّاسِ، تَرُدُّهُ اللُّقمَةُ واللُّقمَتَانِ، والتَّمْرَةُ وَالتَّمرَتَانِ. قالُوا: فَمَا المِسْكِينُ يَا رَسُولَ الله؟ قَال: الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغنِيهِ، وَلَا يَفْطُنُ النَّاسُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسأَلَ النَّاسَ. حديثُ مَالك (٢)؛ عَنْ زَيْدٍ، عن ابنِ بُجَيْدٍ الأنصاريِّ، عن جَدَّتِهِ؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "رُدُّوا المِسكِينَ وَلَو بِظِلفٍ مُحرَقٍ". الإسناد: قال الإمام: الحديث الأوَّل صحيح، والثّاني (٣) عن زيد، عن ابنِ بُجَيْدٍ؛ فإنّ ابن بُجيْدٍ اسمُه عبد الرّحمن بن بُجَيْد بن قيظي الأنصاري، أحد بني حارثة، وهو الّذي ردَّ على سهل بن أبي حَثمةَ حديثَه في القَسَامَةِ، ولم يكن سهل بن أبي حَثْمَة بأكثر علمًا منه ولكنّه كان أسنَّ منه (٤). التّرجمة (٥): إنّما بوَّبَ مالك ﵀ على هذا؛ لأنّه اسمٌ شرعيٌّ ممدوحٌ في الدِّين، وفي الحديث: "اللَّهمَّ احيِني مِسكِينًا، وأَمِتني مسكينًا، واحشُرنِي في زُمْرةِ المساكين" (٦).

стр. 3645

وفي هذا الحديث نكتةٌ بديعةٌ، وهو أنَّه محمود في الجملة، كالصَّمْت محمودٌ في الجملة لكثرة آفاتِ الحركة، وكثرة آفات الكلام، وقد يكون الشَّيءُ ممدوحًا بذاته وصفاته، وقد يكون ممدوحًا لقلّة آفاته، وتَركُكَ الشّرِّ للنّاس صدقةَ، لا سيّما وقد قال علماؤنا: إنَّ أوّل ما خلَقَ الله السُّكونُ، والحرَكَةُ بعده ثانيًا، ويستحيلُ عقلًا أنّ تسبقه الحركة، فصار السكونُ ممدوحًا بأصل الخِلقَةِ. وبينَ أيضًا نَدبَ الصَّدقة إليه، والتَّخصيص في الجزاء عليه، فقال: "رُدُّوا السّائلَ ولو بِظِلْفٍ مُحرَقٍ" (١) وليس هو بمثل، وإنّما هو حقيقة؛ فإنّه إنّما خاطب به قومًا كانوا يأكلون الجلود ويمُصّونَ النَّوَى، وإذا وَجَدُوا ظِلفًا مُحرَقا كان غايةً لهم في اللَّذَّةِ، وأيضًا: فإنّه بيَّن فيه حال المسكين، وهو الّذي لا شيءَ له لاختلاف النَّاس فيه، والفقيرُ والمسكينُ اسمان مشتركان في وجهٍ مفترقان في آخر، فقد يكون الفقيرُ مسكينًا، وقد يكون المسكينُ فقيرًا، وقد جمع الله بينهما في الصَّدقة، واشتغل النَّاس لقلَّةِ تحقيقهم بأن يطلبوا الفرقَ بين المسكين والفقير، وليس المقصود هذا حتّى تفنى فيه الأعمار، وتُسَوَّدَ الأوراقُ، وإنّما المقصودُ أنّ النَّاس المحتاجين قسمان: قسم لاشيءَ لهم، وقسم

стр. 3646

آخر له شيءٌ يسيرٌ، فأَعطِهما جميعًا من الصّدقة وسَمِّهِمَا كيف شئتَ، وإنّما يفترقان بحالهما لا بأسمائهما، فافهم ولا تُضَيِّع زمانك في هذه المعاني، مثل الكلام في الفقر والغِنَى (١) وأيهما أفضل كذا وكذا، فإنّ التّحقيق فيه قليل، والكلام فيه عَناء إذا كان من غير تحصيل. ما جاء في مِعَى الكافرِ مالك (٢)؛ عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيرَةَ قالَ؛ قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يأكُلُ المُسلِمُ في مِعًى وَاحدٍ، وَالكَافِرُ يَأكُلُ في سَبعَةِ أَمعَاءٍ". الإسناد: قال الإمام: الحديث صحيحٌ، خرّجه الأيمّة (٣) والتّرمذي (٤)، وفي بعض طرقه ألفاظ من حديث أمّ أيمن (٥) ليست هي في "الموطَّأ".

стр. 3647

الأصول (١): فيه ثلاثة أقوال: ١ - أحدها: أنّها حكايته حالٍ وقضيّة عين اختصت بكافرٍ واحدٍ، على ما جاء في حديث أم أيمن، أو بكفّارٍ ثلاثة أحدهم: الجهجاه (٢)، والثّاني: نضلة بن عمرو (٣)، والثّالث: حُمَيلٌ بن بَصرةَ (٤). ٢ - وقيل: إنَّ ذلك عبارة عن رغبة الكافر وحرصه على الأكل والجمع؛ لأنّه لا يعلم المقصود من الدّنيا، ولا المطلوب من الغذاء، فإذا آمنَ وعلِمَ قَدرَ ما خُلِقَ له، قصر شهوته وحذف مساحةً كثيرةً من بطنه. الثّالث: قالت الصّوفية: المؤمّن يأكل في مِعىً واحد وهو التَّقَوِّي على عبادةِ الله، والأخذ بمقدار الحاجة بما يديم حال البدن على الاستواء والصحَّة، والكافر يأكل بسبعة أوجُهٍ، ضرب لكلِّ وجهٍ منها مثلًا بالمِعَى، حتّى صارت سبعة أمعاء: الأوّل: أنَّه يأكل عادة. الثّاني: أنَّه يزيد رغبة، بأن يرى أنّ اللّقمة في بطنه خير من عشرة في جيبه. ٣ - ثمّ يسمع وصف الطّعام بأُذُنِهِ فيجد له شهوة. ٤ - ثمّ يراه فيجد له أخرى. ٥ - أو يشتم ذلك أيضًا. ٦ - * فإن ذاقه زاد التجدُّد. ٧ - وقد تتجدد له شهوة باللَّمس إذا وجده لَيِّنًا *.

стр. 3648

وهكذا حواسه الخمس الّتي جعلها الله له للعبرة، فجعلها هو علاقة للشّهوة، فتصير له سبع طرق يأكل بها وبجميع سبلها. والعارضة فيه (١): أنّ المؤمّن يأكل ليتقوَّى، والكافرُ يأكل للشَّهوة ويقصد بذلك تمتعه وملءَ بطنه، والمؤمنُ وإن اشتهى فإنّه يأكل بتَوَسُّطٍ، ويقصد التَّقَوِّيَ وإقامةَ الصُّلبِ، وتقوية الأعضاء على الطّاعة، فيكتفي بالقليل عن الكثير، ولا يقنع الكافر به كالبهيمة؛ لأنّ فعلها مسترسل على الشّهوة، خالٍ عن النّظرِ إلى مقصوده، ولا خوفٍ من عاقبته. ومع القصد يُنزِلُ اللهُ البركةَ في الطّعام للمؤمن حتّى يملأ بطنه شبعًا وأعضاءه قوّة، كما أنَّه بما يخلُق من القناعة في قلوب المؤمنين، وينزل من البركة؛ أنّ يكفي طعام الواحد الاثنين، والاثنين للثّلاثة، والأربعة للثّمانية، كما خرّجه التّرمذيّ (٢)، وصحّّحه مسلم في "كتابه" (٣). وقد فسره بعض أهل الزّهد فقال: إنَّ السّبعة الأمعاء كناية عن الحواسّ الخمس وعن الحاجة والشّهوة، فيسمع ذكر الطّعام فيحدث له عنده شَرَهٌ، وعن الرّؤية مثله إذا رآه ممدّحًا، وعند رائحته قتارة بشمّه، وعن لمسه، وعن ذوقه، ويأكل للحاجة، ويزيد بعد ذلك للشّهوة، فيكون بعد ذلك سبعة أمعاء، وهي أسباب، فكنى عن الأسباب بالأمعاء، إِذِ المؤمّن إنّما يأكل بمعِىً واحدٍ.

стр. 3649

وأمّا "طعام الأربعة يكفي الثمانية" فانفرد به من الصّحيح مسلمٌ، والمعنى فيه: ما حثَّ اللهُ عليه المؤمنَ من القناعةِ والاجتزاء باليسير، والتقلُّلِ من الغذاء والقصد فيه للقوّة؛ لأنّ المُؤمنَ يقصد في أكله المواساة وأنَّ الغالب من أحوال المؤمّن ألَّا يشبع، فإن شبع فنادرٌ. وأمّا ما أورَدَهُ أهل الزّهد في فضيلة الجوع وذمّ الشّبع، فأمرٌ لا تحمله الدّواوين من عظمه وشأنّه، ولكن نسرد عليكم منه ما صحّ وما يصلح بالمؤمن أنّ يمتثله. وبالجملة فإنّ الجوع محمودٌ على كلّ حالٍ، وإنّ الشّبع مذموم، وفي ذلك آثار حِسَانٌ؛ قال (١) رسولُ الله ﷺ : "جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش، فإنّ الأجر في ذلك كأجر المجاهدة (٢) في سبيل الله، وأنّه ما من عمل أحبّ إلى الله تعالى من جوع وعطش" (٣). وقال ابن عبّاس (٤): لا يدخل ملكوت السَّماء من ملأ بطنه (٥). وقيل: يا رسول الله أيّ النَّاس أفضل؟ قال: "مَنْ قَلَّ طَعَامُهُ وضحكُه (٦)، وَرَضِيَ بِمَا يَسْتُرُ بِه عَورَتَهُ" (٧). وقال ﷺ : "سيّد الأعمال الجوع، وذلّ النّفس لباس الصّوف" (٨). وقال أبو سعيد الخدري: قال رسول الله ﷺ : "البسوا واشربوا، وكلوا في أنصاف البطون فإنّه جزء من النُّبُوَّةِ" (٩).

стр. 3650

وقال الحسن: قال ﵇: الفكرُ نصف العبادة، وقلّةُ الطّعامِ هي العبادة (١). وفي الخبر؛ أنّ رسول الله ﷺ كان يجوع من غير عَوزٍ، أي مختارًا له (٢). وقال الحسن: قال ﵇: "أفضلكم منزلة عند الله أطولكم جوعًا وتفكُّرًا (٣)، وأبغضكم إلى الله تعالَى كلّ نوَّام أكول شروب" (٤). وقال ﵇: "لا تُمِيتُوا القلوبَ بكثرة الطّعامِ والشّراب؛ فإنَّ القلبَ كالزَّرع يموتُ إذا كثر عليه الماء" (٥). وقال ﵇: "أهل الجوع في الدّنيا هم أهل الشِّبع في الآخرة" (٦). وعن عائشة ﵂ قالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "أَدِيمُوا قَرعَ باب الجنَّة يُفتَحُ لكم، قلت: وكيف نديمُ قرعَ باب الجنَّة؟ قال: بالجوع والظَّمأ" (٧). والقاعدة في هذا المعنى: قوله في الصّحيح: "ما ملأ ابنُ آدم - أو قال: آدميّ - وعاءًا شرًّا من بطنه، حَسبُ ابنِ آدمَ لُقَيمَاتٌ يُقِمْنَ صُلبَه، وإن كان لا مَحَالةَ فثُلُثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنفسه" (٨). وأمّا قوله: "المُؤمِنُ يَأكُلُ في مِعىً وَاحدٍ والمُنَافقُ يَأكُلُ في سَبعَةِ أَمعَاءٍ، أي: يأكل سبعة أضعاف ممّا يأكل المؤمّن، أو تكون شهوته سبعة أمثال شهوته، وذكر المِعَى كناية عن الشّهوة؛ لأنّ الشّهوة هي الّتي تقبل الطّعام وتأخذه كما تأخذه المِعَى، وليس

стр. 3651

المعنى زيادة عدد مِعَى المنافق على مِعَى المؤمّن (١)، والله أعلم. باب النّهي عن الشُّرْبِ في آنية الفضّة والنَّفخ في الشَّراب مالك (٢)، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ زَيدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَبدِ الرّحمنِ بن أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "الَّذِي يَشرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ إِنمَا يُجَرْجِرُ في بَطنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ". الإسناد (٣): قال الإمام: لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث إِلَّا ابن وهب وطائفةٌ قالوا فيه: عن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عبد الله بن أبي بكر الصِّدِّيق، والأكثرُ يقولون كما قال يحيى: عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي بكر، وهو الصّواب. وخرج الترمذيُ (٤) حديث الحَكَم عن ابن أبي ليلى، أنّ حُذَيفَةَ حدثه (٥) أنّ

стр. 3652

رسول الله ﷺ نَهَى عن الشُّربِ في آنِيَةِ الفضَّةِ والذَّهبِ ولُبسِ الحرير والدِّيباجِ، وقال: "هِيَ لَهُم في الدُّنيَا وَلَكُم في الآخِرَةِ". وفي "صحيح مسلم" (١) عن حذيفة قال: "لا تَشرَبُوا في آنيةِ الذَّهَبِ والفضَّةِ ولا تأكلُوا في صحَافِهَا، فإنّها لهم في الدُّنيا ولكم في الآخرة". وأصلُ هذا الباب حديث مالك عن أمّ سَلَمة الّذي تقدَّم، وهو أصحُّها وأحسنُها مَسَاقًا. العربيّة: قال علماؤنا: المقصود به صوتُ جرع الشّارب إذا شرب (٢)، وهي كلمةٌ مستعارةٌ مأخذوةٌ من جرجرة الفحل من الإبل، وهي هديرُهُ وصوتٌ يُسمَعُ من حَلقِهِ يردِّدُه، فقال امرؤ القيس (٣): إِذَا سَاقَهُ العود النَّبَاطِيُّ جَرجَرا أي: رغا (٤) لبُعدِ الطَّريق وصعوبته. وقال الرّاجزُ يصف فحلًا (٥): وإذا جَرجَرَ عند الهَبِّ جَرجَر في حَنجَرَةٍ كالجُبِّ وَهَامَةٍ كالمرجَلِ المُنكَبِّ" قال الإمام: قولُه (٦): "جرجر" يريد حقيقة الصوت، فهو يُروى برفع نار ونصبها (٧).

стр. 3653

وأمّا إذا قلنا: إنّه مأخوذٌ من صوت البعير عند الهدير، فعلى هذا تكون الرِّواية: "نارُ جهنَّم" بالرَّفع. وإن كان بمعنى جرجر بمعنى يَجرَعُ، فتكون الرِّواية على هذا على النّصب للرّاء: "نارَ جهنّم". وقال الزجاج: يُجَرجرُ في جوفه، أي: يردّد في جوفه. الفقه والأحكام في عشر مسائل: المسألة الأولى وهي أصولية (١): قوله (٢): "من شَرِبَ بها في الدّنيا لم يشرب بها في الآخرة"، كذلك قولُه في الخّمْرِ: "من شَرِبَ الخّمْرِ في الدّنيا ولم يتب منها لم يَشرَبْها في الآخرة" (٣) كذلك هذا معناه إذا لم يتب منه على التَّفصيل المتقدِّم. وقوله: في الحديث "جنَّتان آنيتهما وما فيهما من ذهبٍ، وجنتَان وآنيتهما وما فيهما من فضة" (٤). فهذا لبس الذَّهب والفضّة والحرير، وأكل في آنية الفِضَّة والذَّهَب، لم يدخل الجنّة إِلَّا أنّ يتوب"، فإنّ من حاول في الذهب والفضّة والحرير الأكل والشّرب والِّلباس فليس له في الجنّة على هذا الوعيد مستمتع، إذ ليس له فيها إِلَّا ما أخبر الله عنه أنّه لا يناله. فيحملُ الحديثُ على ما تحمل عليه آيات الوعيد من أنّ ذلك مخصوصٌ في شخصٍ دون شخصٍ، أو حال دون حال، وقد تقدَّمَ بيان هذا في كتاب الأشربة.

стр. 3654

المسألة الثّانية (١): وقوله (٢): "نَارَ جَهَنَّمَ" فمجازٌ يُعبَّرُ به عن عقاب الفعل، فسُمِّيَ باسم الفعل، فإِنّ شُرْبَ الماء في الإناء المذكور يُوجِبُ النّارَ إنَّ عُوقبَ، فكأنّه صوت الماء صوت النّار، فإن كان معنى "جرجر": صبّ، كما قال بعضهم، فهو مثله، أي: إنّما يصبّ في جوفه النّار، واستشهد أبو عُبَيْد (٣) بقول الشّاعر: وهوَ إِذَا جَرْجَرَ بعد الهبَّ جرجرَ في حنجرةٍ كالْجُبِّ وأكثر ما يُعبَّر عن الصبّ؛ لأنّه هو الّذي سَاغَهُ. المسألة الثّالثة: قال أهل الظّاهر ومن تعلَّق بقراءة الحديث من أهل الغباوة والجهل أنّه يجوز الأكل في آنية الفضّة والذّهب؛ لأنّ النّهي إنمّا ورد عن الشّرب (٤)، وهذا لا يصحّ؛ لأنّ النّبي ﵇ إذا علّق الحكم على اسم إمّا أنّ يُعلِّقه على اللَّفظ أو على المعنى، فإن عَلَّقَه على اللّفظ اقْتَصَر عليه، وإن كان على المعنى فحيث ما وُجِدَ المعنى تَعَدَّى الحكم إليه. والنّبيُّ ﵇ نّهَى عن الشُّربِ في آنية الذّهب والفضة لما فيها من الخُيَلَاء والكِبْرِ والسَّرَفِ، ونحن نجد ذلك المعنى في الأكل. وكذلك لا يجوز التَطَيُّب بهما لما فيهما؛ لأنّ المعنى موجودٌ، ولقد دخلت يومًا إلى طعامِ وليمةٍ فدفعت إلينا آنية

стр. 3655

فيها طيب، فكرهتُ الأخذ منها حتّى أخذ من طيبها رجلٌ فأخذتُ الطّيب من يده. وهذا بديعٌ. المسألة الرّابعة (١): فإذا ثبت هذا، فإنّه يحتمل أنّ يكون النّهي عن الأكل والشُّرْبِ في ذلك عبادة. ويحتمل أنّ يكون مُعَلِّلًا بالسَّرَفِ. وعلى أيِّ الوجهين سِرْتَ في قصد النّظر لم يلزم الانتفاع بآنية الذّهب والفضّة في غير الأكل والشُّرْبِ المنصوص عليهما، من تدهن أو تطيب أو بخور، لقوله: "هي لهم في الدُّنيا ولنا في الآخِرة" (٢) فجعلهما دارين ومنفعتين وفريقين، وعيَّنَ لكل فريق في كلِّ دار منفعةً. المسألة الخامسة (٣): اختلف النَّاس في المعنى المقصود إليه بهذا الحديث، فقالت طائفةٌ من العلماء: إنّما عَنَى رسولُ الله ﷺ بقوله هذا المشركين والكفّار من ملوك الفرس وغيرهم الّذين يشربون في آنِيَةِ الفضِّة، فأخبر ﵇ عنهم، وحذَّرَنَا أنّ نفعلَ فِعْلَهم أو نتشبَّهَ بهم. وقال آخرون: بل نَهَى رسولُ الله عن الشُّرْبِ في آنية الفضّة والذّهب، فمن شرب منهما بعد علمه بنهي رسول الله ﷺ عن ذلك، فقد استوجب الوعيد المذكور في الحديث، إلّا أنّ يعفو الله عنه، فإنّه يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء. وأجمع العلماء على أنّه لا يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أنّ يأكل أو يشرب في آنية فضّة أو ذهب. والجمهور من العلماء أنّه لا يجوز اتّخاذُها ولا استعمالها، ومن اتّخذها كان عاصيًا باتِّخاذها.

стр. 3656

المسألة السّادسة (١): فإذا ثبت هذا، فما يُصنَعُ من الياقوت والزّمرّد واللّؤلؤ والمرجان لا يجوز استعمالها فيما يمنع فيه استعمال الذّهب والفضّة؛ لأنّ ذلك أغْلى من الذّهب وأغلى من الفضّة، فيكون تحريمه من باب الأَوْلَى وهو السَّرَف (٢). المسألة السّابعة (٣): إذا ثبت هذا، فلا يجوز اتّخاذ الأواني؛ لأنَّ ما لا منفعة في صورته - إلّا فيما يحرم - لم يكن لها حرمة ولا قيمة لها إنَّ كسرت، ولا ضمان ولا تقويم فيها في زكاة وغير ذلك. والبوق المفضّض لا يجوز اتّخاذه، ومن كسره لا ضمان عليه إلّا عند الطّبريّ وحده فإنّه يجيز اتّخاذه. المسألة الثامنة: قال التّونسي: إنَّ الإنسان إذا عَمِلَ صنمًا من فضّة لا يجوز له أنّ يبيعه ممّن يتّخذه ويعبده؛ لأنّه حرام، وإن كسره إنسان لم يلزمه شيءٍ. وإذا رأى أحدٌ آنية فضّةٍ أو ذهبٍ بيد آخر فكسرها لزمته القيمة، أعني قيمة صنعتها. فإن قيل: ما الفرق بينهما وهما محرّمان للاتِّخاذ؟ الجواب: إنَّ الفرق بينهما أنّ الهيئة في الأواني ليست محرّمة، والمحرّم استعمالها ولا يجوز، وهيئة الصّنم حرام. وصنعة البوق لا تُجَوِّزُ اتّخاذَهُ، ومن كسره لا يضمن إلّا عند الطّبري وحده فإنّه يجيز اتّخاذه.

стр. 3657

المسألة التّاسعة (١): وهي إذا وُصِلَتِ الآنيةُ بذهبٍ أو فضّةٍ من تشعيب أو تضبيبٍ لم يمنع ذلك من استعمالها؛ لأنّه تبعٌ فلا يجري عليه حكم المقصود. وقال الشّافعيُّ: لا يستعمل الإناء المُضَبَّبُ بالفضّةِ (٢). وقال لي بعضهم عن أبي حنيفة: يجوز إنَّ كان تضبيبُهُ في غير موضع الشُّرب، فإن ضبَّبَهُ في موضع الشُّرب لم يجز، والتّضبيب عندهم هو التّطويق. المسألة العاشرة (٣): حمل الشّافعيُّ في أوّل قوليه النّهْي عن ذلك على التّنزيه (٤)، لما في ذلك من التّشبُّه بالأعاجم، وفي الصّحيح عن أُمّ سلمة ما تقدَّمَ من أنّ الّذي يأكل أو يشرب في آنية الذّهب والفضّة إنّما يجرجرُ في بطنه نار جهنّم، نصّ في تحريم ذلك بالوعيد الشّديد. المسألة الحادية عشر (٥): سواءٌ في هذا الحكم الرّجال والنّساء؛ لأنّ الإذن إنّما وقع في التّحلِّي خاصّة، وبقي التّحريم في سائر ذلك.

стр. 3658

وقد كره مالك المرآةَ تكون فيها الحَلَقَة من الفضّة لا يعجبه النّظر فيها (١)، وقد أشبعنا القول في هذا في "الكتاب الكبير". حديث مالك (٢)، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ حَبِيبٍ مَوْلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وقَّاصٍ، عَنِ المُثَنَّى الجُهَنِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: كُنتُ عِنْدَ مرْوَانَ بْنِ الحَكَم، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَقَالَ لَهُ مرْوَانُ: أَسَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله؛ إِنِّي لَا أرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله: فَأَبِنِ الْقَدَحَ عَنْ فِيكَ ثمَّ تَنَفَّسْ. قَالَ: فإِنِّي أَرَى الْقَذَاةَ فِيهِ. قال: فأَهْرِقْهَا. الإسناد (٣): قال الإمام: هكذا يقول مالك في شيخه هذا أيّوب بن حبيب مَوْلَى سعد بن أبي وقّاص وهو أعلم به (٤). وقال غيره: هو أيُّوب بن حبيب الجمحي من أنفسهم. وقال مصعب الزّبيري: هو أيّوب بن حبيب بن أيّوب بن حبيب بن أيّوب (٥)، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة.

стр. 3659

وأمَّا أبو المُثَنَّى الجُهنيِّ فلا أقف له على اسمٍ، وهو عندهم ثقةٌ (١)، أخذ عنه أيّوب ابن حبيب ومحمّد بن أبي يحيى، واسم أبي سعيد الخُدْري سعد بن مالك. الفوائد والفقه: الأولى (٢): فيه من الفقه دخولُ العالِمِ على السّلطانِ. الثّانية (٣): فيه ما كان عليه الأمراء والسّلاطين في سالف الأيّام في الإسلام من السؤال عن العلم، والبحث عنه، ومجالسة أهله. الثّالثة (٤): فيه القراءةُ على العالِمِ وأنّ قوله نعم يقوم مقام إخباره، وكذلك الإقرار عندنا يجري هذا المجرى، وإن كان غيرنا قد خالفنا فيه، وهو أنّ يقال للرّجل الفلان: عندك كذا؟ فيقول: نعم، فيلزمه، كما لو قال لفلان: عندي كذا. الرّابعة (٥): فيه الرّخصة في الزّيادة على الجواب إذا كان من معنى السّؤال. الخامسة (٦): فيه إباحة الشّرب في نَفَسٍ واحدٍ، وكذلك قال مالك. وقد قال مالك (٧) أنّ

стр. 3660

النّبيّ ﷺ لم ينه الرّجل حين قال: إنِّي لا أروى من نَفَسٍ واحد إنَّ شرب في نَفَسٍ واحد، بل قال كلامًا معناه: فإن كنت لا ترْوَى من نَفَسٍ واحدٍ فأَبِنِ القَدَحَ عن فِيكَ، وهذا إباحة منه له للشّرب في نَفَسٍ واحدٍ. وقد كره ابن عبّاس الشرب من نفس واحد لأنّه كذلك شرب الشيطان (١). وفي النّبيّ ﷺ الأسوة الحَسَنَة؛ لأنّه كان يستاكُ عرضًا، ويشرب مصًّا، ويتنفّس ثلاثًا، ويقول "هذا أهنأ وأمرأ وأبرأ" (٢). السّادسة (٣): وأكثر الآثار إنّما جاءت بالنهي عن التَّنَفُّس في الإناء، وقد قلنا: إنَّ المعنى واحد، والنّهي عن هذا نهي أدبٍ نهي تحريم؛ لأنّ العلماء قد أجمعوا أنّ من تنفَّس في الإناء أو نفخ فيه لم يحرم عليه بذلك طعامه ولا شرابه، ولكنّه مُسيءٌ على فعله إذا كان عالمًا بالنَّهيِ. وكان داود يقول: إنَّ النَّهي عن هذا كلّه وما كان مثله نهي تحريم، وهو قولُ أهل الظّاهر، لا يجوز عند واحدٍ منهم أنّ يشرب من ثُلْمَةِ القَدَحِ، ولا أنّ يتنفّس في الإناء، ومن فعل شيئًا من ذلك كان عاصيًا لله عندهم إذا كان بالنّهي عالمًا. السابعة (٤): واختلف العلماء في المعنى الّذي من أجله ورد النّهي عن التّنفُّس في الإناء.

стр. 3661

فقال قوم: إنّما ذلك لأنّ الشُّرْبَ في نَفسٍ واحدٍ غير محمودٍ عند أهل الطِّبِّ، وربّما آذى الكبد، فكره ذلك كما كره الاغتسال بالماء المشمّس (١) لأنّهم قالوا يُوَرِّث البَرَصَ، وما أظنُّ هذا صحيحًا من قولهم إنّه يُورِّثُ البَرَصَ. وقال آخرون: إنّما نُهِيَ عن التّنَفُّسِ في الإناء ليزيل الشّارب القَدَحَ عن فِيهِ؛ لأنّه إذا أزاله عن فيه صار مستأنِفًا للشُّرْبِ، ومن سنّة الشّراب أنّ يَبْتَدِيهِ المرءُ بذِكرِ الله تعالى، فمتى أزال القَدَحَ عن فيه حمد الله، ثمّ استأنف الشّرب فسمّى الله، فحصلت له بالذّكْر حسنات، فإنّما جاء هذا رغبةً في الإكثار من ذِكْرِ الله على الطّعام والشّراب. قال أبو عمر (٢): وهذا تأويلٌ ضعيفٌ؛ لأنّه لم يبلغنا أنّ النّبيّ ﷺ كان يُسَمِّي عند كلّ لُقْمَةٍ إلّا في أوّله وفي آخره. ورَوَى ابن عبّاس عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "لا تَشْرَبُوا واحدة كشُرْبِ البَعِيرِ، ولكن اشْرَبُوا مَثْنَى وثلاثَ، وسَمُّوا إذا شرِبْتُمْ، واحمدُوا إذا رَفعْتُمْ" (٣). وقال آخرون إنّما نهى عن التّنفُّس في الإناء لأدب المجالسةِ؛ لأنّ المتنفّس في الإناء قلَّ ما يخلو من أنّ يكون مع نفسه رِيقٌ ولُعَابٌ، ومن سوء الأدب أنّ يشرب ثمّ يناول جليسه لُعابه، فتكرهُ النفسُ ذلك، ولأنّ اللّعاب رقيق سريع الخلطة بالماء. الثامنة: قوله (٤): "وَيُكْرَهُ النَّفْخُ في الطّعامِ كما يُكْرَهُ النَّفْخُ في الشَّرَابِ" (٥) ومعنى ذلك عندي أنّه يتوقّع أنّ يسرع إليه من ريق النّافخ من غير اختيار ما يتقذَّر به ذلك الطّعام كما يتقذّر الشّراب، والله أعلم.

стр. 3662

ما جاء في شُرْبِ الرَّجُل وهو قائمٌ مالك (١)، أَّنَّهُ بَلَغَهُ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كانوا يَشْرَبُونَ قِيَامًا. وعن سعْد بن أبي وَقَّاص وعائشة كَانَا لَا يَرَيَانِ بشُرْبِ الإِنْسَانِ وَهُوَ قَائِمٌ بَأْسًا (٢). الإسناد (٣): قال الإمام: إنّما رسمَ مالكٌ هذا البابَ وذكر فيه عن عمر وعليّ وعثمان وسَعْد وعائشة وابن عمر وابن الزّبير أنّهم كَانُوا يَشْرَبُونَ قِيَامًا لما سمع فيه من الكراهية والله أعلم، ولم يصحّ عنده الحظرُ، وصحّت عنده الإباحة، فذكرها في باب أُفْرِدَ لها من كتابه. وهو الأكثر عند العلماء، وعليه جماعة الفقهاء (٤). وقد تعارضت الأحاديثُ هاهنا، فخرج أبو عيسى (٥) حديث قتادة، عن أنس؛ أنّ النَّبيَّ ﷺ نَهى عن الشُرْبِ قائمًا، فقيل: فَالأَكْلُ؟ قال: ذلك أَشَدُّ. حديث صحيح. وذكر (٦) حديث نافع، عن ابن عمرَ، أنّهُ قال: كُنَّا نأكلُ ونحن نمْشِي،

стр. 3663

ونشرَبُ ونحن قِيَامٌ. وذكر (١) عن الشّعبىِّ عن ابن عبّاس أنّ النّبيَّ ﷺ "شَرِبَ من زمْزَمَ وهو قائمٌ"، صحيح (٢). وذكر (٣) حديث عَمْرِو بن شعَيْبٍ، عن أبيه، عن جدِّهِ، قال: "رأيتُ النبيَّ ﷺ يَشْرَبُ قائمًا وقاعدًا". وقد تكلّم النّاسُ في حديث قتادة هذا، وقد خَرَّجهُ مسلم (٤)، والصّحيح أنّه موقوف على أبي هريرة. الأصول في تسع مسائل: الأولى (٥): قال علماؤنا: هذا نهىٌ من قوله وجوازٌ من فعله، وقد اختلف العلماء إذا تعارضَ قولُ النّبىِّ ﵇ وفعله على ثلاثة أقوال: الأوّل: أنّ يقدَّمَ القولُ لأنّه عامٌّ. والثّاني، قيل: يُقدَّمُ الفعلُ لأنّه أقْوى. الثّالث: قيل: يسقطان، ويطلب دليل آخر، ولا تُبَالي عرفت المقدم منهما أو المتأخر، وتحقيقه في كتب الأصول. الثّانية (٦): قالت طائفةٌ لا تعارضَ بين الفعل والقول؛ لأنّ الفعلَ يقف عليه ولا صيغةَ له. قلنا: هو أحال على فعله كما أحال على قوله، فقال: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (٧)، و"خُذُوا عنّي منَاسِكَكُمْ" (٨)، وقال: "أَلَا أخْبَرْتِيهَا أنِّي أفعلُ

стр. 3664

ذلك" (١) وغضب على من قال: لسنا مثلك يا رسول الله، اللهُ يحلُّ لرسوله ما شاء (٢). الثّالثة (٣): قال: الإخبار بالنّهي عن الشُّرْبِ قائمًا ليس بنهي شرع وإنّما هو نهي تطبُّبٍ، وهو يدخل في الشّريعة على وجه ما، وبقصد ما، وذلك أنّه يُسْتحسَنُ الشُّرْبُ قاعدًا؛ لأنّه أمكن للاستمراء وأهنأ لصبّ الماء وأهدأ في الاستغذاء وأبعد من الدّاء، وذلك بيِّنٌ عند النّظر، وما يكون طريقه المنفعة للبدن لا يُعَدُّ من مبيِّنات الشّرع المختصَّة به. الرّابعة (٤): للمرءِ ثمانية أحوال: قائمٌ. ماشٍ. مُسْتَنِدٌ. راكعٌ. ساجدٌ. متَّكىءٌ.

стр. 3665

قاعدٌ. مضطجعٌ. كلّها يتأتّى الشُّرْبُ فيها، وأهنؤُها القعود وأكثرها استيفاء، فنهيُ النّبيّ ﵇ عن القيام لما فيه من الاستعجال المؤذي للبدن، وفعله قاعدًا لأنّه أهنأ وأسلم. ولكنّ الفقهاء وجماهير العلماء على جواز الشرب قائمًا ولكن القعود أحسن لما قدّمنا. الخامسة (١): وأمّا شربه ﷺ قائمًا، فقال أهل الفطانة: إنّه كانت حال ضرورة إذ فعله في زمزم وهو موضع زِحَامٍ لا يمكن فيه الجلوس إلّا على ضرورة ونادرًا ولا لكلِّ أحدٍ، أو أراد أنّ يبيّن الجواز. السّادسة (٢): رُوِيَ أنّه شرب بعَرَفَة وهو قائم على بعيره، وهذا لا حُجَّةَ فيه؛ لأنّ المرء على بعيره قاعدٌ غير قائمٍ. السّابعة (٣): يترجّح حديث الجواز على حديث المنع من وجوه: الأوّل (٤): لأنّ الخلفاء عملوا بالشُّرْب قائمًا. الثّامنة (٥): ولأنّ ثبوت الجواز كان في حَجَّةِ الوداع، وهو من آخر فعله، ويحتمل أنّ يكون

стр. 3666

النهّى قبله أو بعده فسقط. التّاسعة (١): يحتملُ أنّ يكون النّهيُ تحريمًا أو تأديبًا أو نادرًا، وحديث الجواز لا احتمال فيه. وقد قيل: إنَّ الجواز عُلِمَ من فِعْلِهِ والنّهيَ عُلِمَ من قوله، فتعارض القولُ والفعلُ، وهي مسألةٌ عظيمةٌ من أصول الفقه، فشَرِبَ قاعدًا تأَدُّبًا وعَلَّمَ جوازَه قائمًا، واللهُ أعلم. والأصلُ (٢) فيه الإباحة حتّى يردَ النّهيُ من وجهٍ لا معارِضَ له، فإذا تعارضتِ الآثارُ سقطت، والأصلُ ثابتٌ (٣) حتّى يصحّ الأمر أو النّهي بلا مدفع فيه، ويقع التّرْجيح بين الجواز والمنع والفعل والقول. السُّنَّة في الشُّرْب ومناولته عن اليمين مالك (٤)، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أُتِيَ بِلَبَنٍ وَقدْ شِيبَ بِمَاءٍ (٥)، وَعنْ يَمِينِهِ أعْرابِىٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَشَربَ ثُمَّ أَعْطَى الأعْرَابِىَّ. وَقَالَ: "الَأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ".

стр. 3667

الإسناد (١): لم يختلف على مالكٍ ولا على ابنِ شهابٍ في هذا الحديث أنّ عن يمينه الأعرابي وعن يساره أبا بكر. وبعضهم يقول فيه عن ابن شهاب: وعن يمينه رجل من أهل البادية، وأهلُ البادِية هم الأعراب. وبعضهم يقول فيه: "وعن يمينه غلام وعن يَسَارِه الأَشْيَاخُ، فقال للغلام: أَتَأْذَنُ لي أنّ أُعْطِي هَؤلاءِ؟ فقال: والله يا رسولَ الله لا أُؤثِرُ بنصيبي منك أحدًا، قال: فَتلَّهُ (٢) رسولُ الله ﷺ في يَدِهِ" (٣). الفوائد المنثورة فيه أربعة: الفائدةُ الأولى (٤): قوله: "إِنَّ رَسُولَ الله أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بمَاءٍ" يقْتضي جواز ذلك للشُّرْبِ، ولا يجوز أنّ يُشابَ للبيع، لِمَا فيه من الغِشِّ والجهل بحال المَبِيعِ وقدْرِ ما فيه من الماء. الثّانية (٥): قوله: "وعن يمينه أَعْرَابِىٌّ وعن يساره أبو بكرٍ" لا يدرى أيُّهما كان نزل قبل صاحبه، ففد ينزل الأعرابيُّ قبل أبو بكر، ثمّ يأتي أبو بكر ﵁ فلم يُقِمْهُ النّبيّ لأبي بكر الصدِّيق، وقد رُوِيَ عن النّبيّ ﵇: "لا يُقِيمُ أَحَدُكُمْ أخاهُ من مجلسٍ ثمّ بجلس فيه" (٦).

стр. 3668

الثّالثة (١): قوله: "فَشَرِبَ، ثمَّ أَعْطَى الأعرابىَّ، وقال: الَأيْمَنَ فالأَيْمَنَ" وهذا يقتضي أنّ التَّيَامُنَ مشروعٌ في مُنَاوَلَةِ الشّراب والطّعام وما جَرَى مجراهُما. وقال الشّيخ أبو القاسم (٢): "من أُوتيَ بشرابٍ ومعه غيره فليعطه إنَّ شرب الأيمن فالأيمن"؛ لأنّه مشروع، ولأن النّبي كان يحبّ التّيامن في شأنّه كلّه. الرّابعة (٣): قوله في حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ (٤) أَنه "كَانَ عَنْ يَمينِهِ غُلَامٌ" يعني عبد الله بن عبّاس "وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ" قيل: إنّه كان عن يساره خالد بن الوليد، وقد رُوِيَ عن عمر بن حرملة مُفَسَّرًا. فقال: "أَتَأذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ الأَشْيَاخَ" (٥) وهذا يقتضي أنّه من حقوق ابن عبّاس، ولو لم يكن من حقوقه أنّ يعطيه إيّاه ما استاذنه فيه، وهذا أيضًا يقتضي أنّ حكم التَّيَامُن في المناولة آكد من حُكْم السِّنِّ؛ لأنّ عبد الله بن عبّاس لم يبلغ حينئذٍ الحلم، واستحقَّ ذلك بالتَّيَامُنِ دون الأشياخ. وما رُوِيَ في حديث سهل بن سعد أنّ النّبيّ ﷺ قال: "كَبِّرْ كَبِّرْ" (٦) فإنّما ذلك مع تساوي الأصول، والله أعلمُ. وفي "العُتْبِيَّة" (٧) عن أشهب، قال: يُستحَبُّ (٨) في مكارم الأخلاق أنّ يبتدأ بالأيمن

стр. 3669

فالأيمن في الكتاب والشهادات، في المجالس والوضوء، وما أشبه ذلك. جامع ما جاء في الطّعام والشّراب مالك (١)، عَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي طلْحَة؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ أَبُو طَلْحَة لأُمِّ سُلَيمِ: لَقَدْ سَمِعتُ صَوْتَ رَسُولِ الله ﷺ ضعِيفًا، أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَت: نَعَمْ، وَأَخْرَجَتْ أقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَارًا، فَلَفَّت الخُبْزَ بِبعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ يَدِي، وَرَدَّتْنِي (٢) بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: فَذَهبْتُ بِهِ، فَوَجَدْتُ رَسُولَ الله ﷺ جَالِسًا فِي المسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ ... الحديث بطوله في الموطَأ إلى آخره: "والْقَوْمُ سبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا". هذا من أثبت ما رُوِيَ في هذا الحديث وأحسنه اتِّصالًا (٣). الإسناد: الحديث صحيح خرّجه الأيمّة. وفيه أربع عشرة فائدة: الفائدةُ الأولى: قول أبي طلحة لزوجه أم سُلَيْم "لَقَدْ سمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ الله ﷺ ضعِيفًا أَعْرِف فِيهِ الْجُوعَ" فيه من الفقه: إجازة الشّهادة على الصّوت، وإذا جاز ذلك جازت شهادة الأعمى، ألَّا ترى أنّ أبا طلحة أنكر صوت رسول الله ﷺ المعروف عن الآفة الّتي دخلت عليه. وقد نَازَعَنَا المخالفُ في هذه المسألة، وقال: إنَّ فيه دليلًا على بطلان شهادة الأعمى على الأصوات؛ لأنّ صوت رسول الله قد تغيّر على أبي طلحة، ولولا رؤيته لاشتبه عليه ذلك.

стр. 3670

والحجّةُ في ذلك: إنكار أبي طلحة الصّوت واستبانته بالسّماع لا بالرّؤية، والله أعلم. الثّانية (١): وفيه: ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه من ضيقِ الحال، وأنّه كان يجوع حتّى يبلغ منه الجهد إلى ضعف الصوت وهو غير صائم. وفيه دليل أنّ الأنبياء ﵈ تبتلَى بالجوع والآلام ليعْظُم ثوابهم وترفع درجاتهم، بما زَوَى عنهم من الدُّنيا ولَحِقَهُم فيها من الجوع والشِّدّة. الثّالثة (٢): فيه غاية الصّبر، وذلك أنّه لم يخبر بما يجده من ذلك أحدًا، وإن كان قد بلغ منه الجهد ما ضعفَ به صوته. وقد رُوِيَ أنّ أبا هريرة مرَّ بقومٍ بين أيديهم شاة مصلّية فدعوه، فأَبَى أنّ يأكل منها، وقال: خرج رسولُ الله ﷺ من الدُّنيا ولم يشبع من خُبزِ الشّعير (٣). وهذا يقتضي أنَّه لم يشبع من أقلِّ الأقوات وهو الشّعير. ويحتمل أنّ يريد به أنّه لم يوجد منه شبع في يوم من الأيّام، وأنّه كان في وقت الغِنَى واليَسَارِ لا يشبع، بل يقتصر على ما دون الشبع وُيؤْثر ممّا كان يبلِّغُه الشَّبع لو تناوله. ويحتمل أنّ يريد بذلك أنّه لم يكن يشبع منه في الجملة، وإن كان قد وُجدَ منه الشّبع في بعض الأيَّام، ولذلك يقال: فلانٌ جائعٌ، إذا وُصِفَ بذلك غالب أمره. الرّابعة (٤): وفيه: أنّ الطّعام الرّفيع عندهم في وقت الاحتفال والدّعوة، وأنّ خبز الشعير كان عندهم من رفيع الطّعام الّذي يتهادى به ويُدْعَى له الجِلَّة والفضلاء؛ لأنّ أكثر طعامهم كان

стр. 3671

في أوّل الإسلام التّمر كما قالت عائشة ﵂: "كان يمرُّ بآلِ محمدٍ الشهرُ والشهرانِ ما يُوقَدُ في بيتِ أحدهم نارًا، إنّما طعامُهُم الأسودان: التَّمرُ والماءُ" (١). الخامسة (٢): قول أبي طلحة: "فَهَل عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ " على وجه التماس ما يهديه إلى النّبيّ ﵇ ليمسك به رمقه ويقوِّي بعض ضعفه، وهذا يدّل على قلَّةِ ما كان عند أبي طلحة من ذلك، ولو كان عنده كثير القوت لما احتاج أنّ يسالها، هل عندها شيءٍ أم لا؟ هذا على أنّه كان أكثر الأنصار مالًا ونخلًا، ويقتضي ذلك أنّها كانت سنة شدّة شاملة، فقالت أمّ سليم: نعم، وأخرجت أقراصًا من شعيرٍ، وذلك أفضل ما كان عندهم؛ لأنّ ويستدَلُّ على هذا بأنّها كانت لا ترسل إلى النبيّ ﷺ إِلَّا أفضل ما كان عندها؛ لأنّ العرب كانت تتفاخر بحسْن القِرَى وسَعتِهِ، وأرسلت بها إلى المسجد حيث كان النَّبيُّ ﷺ وبحضرة النَّاس، ولم تكن لترْسِل إلّا بما تُمدَح به دون ما تُذمّ به، وقد تناولت ذلك بأفضل ما أمكنها، بأن لَفَّتْ أقراص الشعير بخمارها. وقال مالك بن دينار: أراه كان من صوف أو كتّان، ولم يكن من حريرٍ، والله أعلمُ. السّادسة (٣): قوله: "فَوَجَدْتُ رَسُولَ الله ﷺ جَالِسًا في الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ" يقتضي أنّها خصَّتْهُ بهذه الهديّة دون أنّ ترسلها إلى دارٍ من دُورِ نسائه. ويحتمل أنّ يكون ذلك لما علمت من شمول المجاعة لجميع أزواجه، فوصل

стр. 3672

ذلك إليه ليصرف ما فضل عنه من ذلك حيث شاء من المواساة أو إيثار من رأى إيثاره. فلمّا رأى رسول الله ﷺ قيام أنَس عليهم على تلك الحال تَوهَّمَ ما أتَى به، فسأله عنه تحقيقًا له، فلمّا أخبره به، قال لمن معه من النَّاس: "قُومُوا" فدعاهم إلى ما دُعِيَ إليه لما علم من أنس أنّه (١) يحبّ ذلك. السّابعة (٢): في كيفية إتيان الدّعوات والولائم والأطعمة وهي متنوعة، وتنقسم على خمسة أقسام: ١ - منها: ما يجب على المدعوِّ إليها إجابةُ الدّاعي إليها، ولا يجوز التخلُّف عنها إِلَّا لعُذْرٍ، وهي دعوة الوليمة الّتي أمر رسولُ الله ﷺ بها وحضَّ عليها وأمر بإجابة الدّاعي إليها، وأن من لم يجب فقد عصى الله ورسوله (٣). ٢ - ومنها: ما تُستحبُّ الإجابة إليها، وهي المأدبة الّتي يفعلها النَّاس والرّجل للخاصّ من إخوانه وجيرانه على حُسْنِ العِشْرة وإرادة التَّوَدُّد والألفة. ٣ - ومنها: ما يجوز إجابة الدّاعي إليها ولا حَرَجَ عليه في التخلُّف عنها، وهي ما سوى دعوة وليمة العرس من الدَّعَواتِ الّتي تصنع على جري العادة دون قصد مذموم، كدعوة العقيقة والوكيرة والخُرْس والإعذار وما أشبه ذلك. ٤ - ومنها: ما يُكرَهُ إجابة الدّاعي إليها، وهو ما يُقْصَد به منها قصدًا مذمومًا من تطاولٍ وامتنانٍ وابتغاءِ مَحْمَدَةِ النَّاس وشُكْرِهِم وما أشبه ذلك، لا سيّما لأهل الفضل والأحساب؛ لأنّ إجابتهم إلى مثل هذه الأطعمة فيه إضاعةُ التَّعاوُنِ وإخلاف الهيبة عند دناءة النَّاس وسبب لإذلال أنفسهم، فقد قيل: ما وضع أحدٌ يدهُ في قصعة أحدٍ إِلَّا ذلّ له (٤). ٥ - ومنها: ما تحرم الإجابة إليها، وهي ما يفعله الرّجل لمن يحرم عليه قَبول

стр. 3673

هديّته كأحد الخصمين للقاضي، وغير ذلك من المعاني. الثّامنة (١): وإنّما ساغ لرسول الله أنّ يحمل القوم إلى طعام أبي طلحة وإن كان لم يأذن له في ذلك، وقد دعاه أبو شعيب خامس خمسة لطعام فتبعهم رجلٌ، فقال النَّبيُّ ﷺ : إنَّ هذا تبعنا، فإن شئتَ أذنتَ له وإن شئتَ تركتَهُ، فقال أبو شعيب: قد أذنتُ له (٢). فقال بعض علمائنا: إنَّ النّبيّ ﷺ فعل ذلك في قصّة أبي طلحة لَمَّا علم من أبي طلحة أنّه يَسُرُّهُ ذلك، وهذا وإن كان مُحتملًا فغيرُه أظهر منه؛ لأنّه إنَّ كان قد علم أنّ أبا طلحة أنّه يسرُّهُ أنّ يحمل له سبعين أو ثمانين رجلًا، فقد كان أبو شعيب من أهل الدِّين والفضل، وكان يعلم منه أنّه يسرُّه زيادة واحدٍ كما فعل، لكنه جرى في ذلك على ما سنَّهُ لأُمَّته بعده لما كانت حاله تشاركهم فيها. وأمّا قصة أبي طلحة، فتحتمل وجهين: أحدهما: أنّ البركة في الطّعام الّتي بها كفَى العدد الكثير لم تكن من قِبَلِ أبي طلحة وإنّما كانت من عند الله، وإنّما أجرَى الله على يَدَيْ رسوله البركة فكان أحقّ النَّاس بها، وما كان لأبي طلحة فيها إلّا أنّ يختصَّ بذلك بمنزله لما كان سببها، وهذه بركة خُصَّ بها، فعلم أنّ كلَّ مؤمنٍ يرغب فيها ويحرص عليها (٣)، فهذا وجه الجمع بينهما. وقد قال مالك ﵀: لا ينبغي لأحدٍ إذا دُعِيَ إلى طعامٍ أنّ يحمل معه غيره؛ لأنّه لا يدري هل يسرّ به صاحب الطّعام أم لا، إلّا أنّ يأذن له صاحب الطّعام ويقول له:

стр. 3674

وادعوا من لقيتَ من إخوانك (١). التّاسعة (٢): وفيه: أنّ الإنسان لا يدخل بيت أخيه إلّا معه أو بإذنه، ألَّا ترى إلى قولِ رسول الله ﷺ (٣): "ائْذَنْ لِعَشرةٍ ثُمَّ ائْذَنْ لِعَشرةٍ" حتَّى استوفَى جميعهم عشرةً عشرةً، وكانوا سبعين أو ثمانين رجلًا. واستحب علماؤنا بدليل هذا الحديث ألّا تجمع مائدة أكثر من عشرة أنفس. العاشرة (٤): وفيه: أنّ الثّريدَ أعظمُ بركةً من غيره، ولذلك اشترط رسول الله ﷺ ، وفتّت الخبز لعلّمه ببركته، والله أعلم. ودعا النبيُّ ﷺ أصحابه للطّعام وأكلوا حتّى شبعوا من الطّعام القليل معجزةً له. واختلف النّاسُ، هل المعجزة في الشبع من القليل للكثير، أو في البركة في الطّعام القليل؟ وعلى أيّ وجهٍ كان فإنّها من أعظم المعجزات، وقد بينّا ذلك في "الكتاب الكبير" في تعدد المعجزات وأنّها معجزة من ألف معجزة. الحادية عشر (٥): وفيه: إباحة الشّبَع للصّالحين، لقوله: "فأكلوا حتّى شبعوا" وقد رُوِى ي أنّ رسول الله ﷺ كان من آخرهم أَكلًا (٦)، وهذا من مكارم أخلاقه ﷺ .

стр. 3675

الثّانية عشر (١): وفيه: أنّ قَبُولَ مواساة الصّديق، وقَبُولَ صِلَتِهِ وهديّتِه، وأكل طعامه مباح. وفيه دليل أنّ الصِّلةَ والهديّةَ ليست بصدقة، ولو كانت صدقةٌ ما أكلها رسولُ الله ﷺ ؛ لأنَّه لا يأكل الصّدقة، لقوله: "إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لمحمدٍ ولا لآلِ محمدٍ" (٢). الثّالثة عشر (٣): وفيه: الخروج إلى الطّريق لمن قصد إكرامًا له إذا كان أهلًا لذلك، وهذا من حسن البرّ وتمامه. الرّابعة عشر (٤): وفيه: أَنَّ صاحب الدَّار لا يستأذن في داره، وأنّ من دخل معه استغنى عن الإِذن. وفيه: أنّ الصّديق يأمر في دار صديقه بما يحبّ ممّا يعلم أنّه يسرّه ولا يَسُوؤَهُ ويظهر دالّته في الأمر والنّهي والتَحكُّم؛ لأنّه اشترط عليهم أنّ يفتّتُوا الخبز، وقال لأم سليم: "هَاتِ مَا عِنْدَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ" وهذا خلق كريم وأدب عظيم، فدعا بالثريد وأمر به وأثنى عليه. ونحن نذكر جميع ما كان يأكل رسولُ الله ﷺ ويثني عليه، فمن ذلك (٥): الثّريد: قال النّبيُّ ﷺ : "فَضْلُ عائشةَ على النِّساءِ كفَضْلِ الثَّرِيدِ على سَائِرِ الطّعامِ" (٦). السَّمْنُ: ثبتَ في الصّحيح هذا الحديث (٧) عن أمّ سُلَيْم: وعصرت عُكَّة لها من

стр. 3676

سَمْنٍ، في حديث بركة الله كما بينّاه. اللَّبَنُ: لا يخفى امتنان الله علينا به، ودلالته على سَعَةِ القدرة والعلّم فيه بإخراجه من بين فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالصًا سائغًا للشّاربين، وهو كان أكثر طعامه وأوّل (١) شرابه في هجرته، وقالت عائشة ﵂: "لَقَدْ كَانَ يَأْتِي عَلَى محمّدٍ ﷺ شهورًا ما يختبز فيه، قلت: فما كان يأكل رسولُ الله ﷺ ؟ قالت: كان لنا جيران من الأنصار جزاهم الله خيْرًا كانت لهم مناتج يهدون إلى رسول الله ﷺ من اللّبن (٢). وقد ثبت عنه ﷺ أنّه قال: "من أكلَ طعامًا فليقُل: اللهمَّ بارِك لنا فيه، وأطعمنا خيرًا منه، إلّا اللّبن، فليقل: اللهّم بارك لنا فيه وزِدْنَا منه، فإنّه ليس شيءٌ يجزي من الطّعام والشّراب غيره" (٣). المَرَقَةُ: ثبت عن أبي ذَرّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَحْقِرَنَّ أحَدُكُمْ شيئًا منَ المعروفِ؛ فإنْ لم يجد فَلْيَلْقَ أخاهُ بوَجْهٍ طَلْقٍ، وإذا اشتريتَ لحمًا أو طَبَخْتَ قِدْرًا فأكثر مَرَقَتَهُ واغْتَرِفْ لجارك منهُ" (٤). الإدام: وأصله من دامَ يدومُ، وذلك أنّ الخبزَ يطيبُ به فيدومُ الأكلُ مدّةً أكثر من مدّة أكل الخبز لا يكون معه أَدَمُه، للحديث الصّحيح أنّ النّبيّ ﷺ أُوتِيَ بخبزٍ وإدامٍ، فسأل عنه، فقيل: هو صدقةٌ على بَرِيرَة، فقال: "قد بَلَغَتْ محلَّها، هو عليها صدقة، وهو لنا هديّة" (٥). التّمر: لا يخفَى فضلُه وكونُه قوتًا حُلوًا رطبًا ويابسًا، ويُغْنِي عن كلّ الطّعام، وقد

стр. 3677

ضرب الله به المثل للإيمان، فقال عزّ من قائل: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ (١) النّخلة. وصحّ عنه أنّه قال: "من تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً كلّ يوم لم يَضُرَّهُ ذلكَ اليومَ سُمٌّ ولا سِحْرٌ" (٢). وقال ﷺ :"مَثَلُ المؤمنِ الّذي لا يقرأُ القرآن" ... الحديث إلى قولى: "مثل التَّمْرَة" (٣). الفاكهة: ثبت في الصّحيح أنّ رسول الله ﷺ "كَانَ يَأْكُلُ القِثَّاءَ بالرُّطَبِ" (٤) وأنّه جمع بين لونين (٥). الحلوى والعسل: وفي البخاريّ (٦) "كانَ رسولُ الله ﷺ يُحِبُّ الحَلْوَى وَالْعَسَلَ"، وذكر فيه حديث المرأتين اللّتين تظاهرتا على رسول الله ﷺ مطوّلًا، هذا هو المقصُود منه. وجاءَهُ رجلٌ فقال: إنَّ أخي يشتكي بطنه، فقال: اسقه شُربة عَسَل، وتكرَّرَ عليه مرارًا كلّ ذلك يقول: اسْقِهِ شُربة عَسَلٍ، وقال في الآخرة: صدقَ الله وكذَبَ بطنُ أخيك (٧). وكان ابنُ عمر وعوف بن مالك إذا اشتكيا أو اشتكا إليهما، مزجا الماء المبارك بالعسل الّذي هو شفاء للنّاس. اللّحم: ثبت في "الصّحيحين" (٨) أنّ النّبيّ ﷺ كان يُعْجِبُهُ الذِّراع.

стр. 3678

وفي "التّرمذي" (١) عن عائشة ﵂ قالت: كان أحبّ اللّحم إلى النّبيّ ﷺ الذّراع. وفي الصّحيح، أنّ النّبيّ ﷺ أكل كتف شاة ولم يتوضّأ (٢). وصحّ عنه أنّه أكل لحم دجاج (٣). وصحّ عنه أنّه أكل لحم الأرنب (٤)، وأكل الصّحابة معه في سبع غزوات الجراد (٥). قال الإمام: وملازمةُ أكل اللّحم مكروهٌ، رُوِيَ أنّ عمر ﵁ كان يقول: إيَّاكُمْ وَاللَّحْمَ، فإنَّ له ضَرَاوَةً كضَرَاوَةِ الْخَمْرِ (٦). وفي الصّحيح، أنّ رسول الله ﷺ ما شبع من خُبْزِ بُرٍّ قَطُّ (٧). الخضراوات: ثبت في الصّحيح أنّ النّبىَّ ﷺ أُتِيَ بِبَدْرٍ (٨) فيه خَضِرَاتٌ أو قال بِقِدْرٍ فأكل منها (٩). وكان ﷺ يحبُّ الدُّبَّاءَ (١٠)، وكان يكره لنفسه الثّوم والبصل (١١). تنبيه: قال مالك في رسم هذا الباب: "باب جامع الأكل" (١٢) فجمع فيه جميع الآداب

стр. 3679

قال الإمام: وللأكل آدابٌ كثيرةٌ، جمعناها وأَرْبَيْنَا فيها على علمائنا، ورتَّبْنَا أعدادها على الأحوال أبوابًا وفصولًا، جماعُها خمسة فصولٍ: الفصل الأوّل (١) قد بيَّنَّا أنّ الآدميّ مخلوقٌ على جِبِلَّةِ الأكلِ، موضب عليه، فيه وظائف من حين أوّله إلى حين تناوله، وأمره الله بعبادته وأذن له في التّمتُّع بطيّباته، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ الآية (٢)، وقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ الآية (٣). فإذا حصل الطّعام في حدّ التّناول فعليه فيه آداب، وهي تنقسم إلى حالاتِ الطّعامِ فيما تقدّم ذِكْرُهُ: الأوّل: أنّ يتناول شراءه بنفسه. الثّاني: أنّ يتناول عمله بنفسه. الثّالث: أنّ يكون حلالًا مطلقًا في نفسه. الرّابع: أنّ يكون حلالًا في جهة كَسْبِهِ، فقد يكون الشيءُ حلالًا في ذاته ويحرم تناوله من جهة كَسْبِهِ، كبيع فاسد ونحوه. الخامس: إلّا يكون ثمنًا عن مداهنة. السّادس: إلّا يكون رشوة. السّابع: ألَّا يكون عِوَضًا فاسدًا حرامًا.

стр. 3680

الثّامن: ألَّا يكون بيد مبتدعٍ. التّاسع: ألَّا يكون بيد ظالمٍ. العاشر: ألَّا يكون بيد من يشتغل بالرِّبا. الحادي عشر: ألّا يكون بيد فاجر. الثّاني عشر: ألَّا يكون بيد من يغلب على ماله الحرام. الثّالث عشر: أنّه إذا قدَّمَهُ له ضيفٌ صالحٌ لم يبحث عن الأسباب، ولا يسأل هل. انتقل إليه من يد أحدٍ من هؤلاء أم لا؟ الرّابع عشر: أنّ يرى النّعمة فيه من الله. الخامس عشر: أنّ يأكل بنيّة التّقوي على طاعة الله. السّادس عشر: إنَّ نوى اللّذّة أجزأه وجاز له. السّابع عشر: أنّ يرى للمُنْعِمِ وجه الشكر، فإنّه يقال: إنّه يصل إليه على يد ثلاث مئة وستين صانعًا، أوّلُهُم ميكائيل وآخِرُهُم الخبّاز. الثّامن عشر: أنّ يقول بلسانه: بسم الله. التّاسع عشر: أنّ يَجْهَرَ. الموفّى عشرين: أنّ يجدّده مع كلّ لُقْمَهٍ فهو أفضل له، وإن كان لم يأت ذكر ذلك عن النّبىِّ ﷺ . الحادي والعشرون: أنّ يغسل يده في أوّل الطّعام للنّظافة والمروءة، إلّا أنّ يتحقّق طهارتها ونظافتها، وقد رَوَى إسماعيل بن أُوَيْس، عن مالك، أنّه دخل على عبد الملك ابن صالح (١) ليسلّم عليه، فجلس ساعة، ثمّ دعا بالطّعام ودعا بالوضوء ليغسل يده،
следующие страницы →