← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

سَمْنٍ، في حديث بركة الله كما بينّاه. اللَّبَنُ: لا يخفى امتنان الله علينا به، ودلالته على سَعَةِ القدرة والعلّم فيه بإخراجه من بين فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالصًا سائغًا للشّاربين، وهو كان أكثر طعامه وأوّل (١) شرابه في هجرته، وقالت عائشة ﵂: "لَقَدْ كَانَ يَأْتِي عَلَى محمّدٍ ﷺ شهورًا ما يختبز فيه، قلت: فما كان يأكل رسولُ الله ﷺ ؟ قالت: كان لنا جيران من الأنصار جزاهم الله خيْرًا كانت لهم مناتج يهدون إلى رسول الله ﷺ من اللّبن (٢). وقد ثبت عنه ﷺ أنّه قال: "من أكلَ طعامًا فليقُل: اللهمَّ بارِك لنا فيه، وأطعمنا خيرًا منه، إلّا اللّبن، فليقل: اللهّم بارك لنا فيه وزِدْنَا منه، فإنّه ليس شيءٌ يجزي من الطّعام والشّراب غيره" (٣). المَرَقَةُ: ثبت عن أبي ذَرّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَحْقِرَنَّ أحَدُكُمْ شيئًا منَ المعروفِ؛ فإنْ لم يجد فَلْيَلْقَ أخاهُ بوَجْهٍ طَلْقٍ، وإذا اشتريتَ لحمًا أو طَبَخْتَ قِدْرًا فأكثر مَرَقَتَهُ واغْتَرِفْ لجارك منهُ" (٤). الإدام: وأصله من دامَ يدومُ، وذلك أنّ الخبزَ يطيبُ به فيدومُ الأكلُ مدّةً أكثر من مدّة أكل الخبز لا يكون معه أَدَمُه، للحديث الصّحيح أنّ النّبيّ ﷺ أُوتِيَ بخبزٍ وإدامٍ، فسأل عنه، فقيل: هو صدقةٌ على بَرِيرَة، فقال: "قد بَلَغَتْ محلَّها، هو عليها صدقة، وهو لنا هديّة" (٥). التّمر: لا يخفَى فضلُه وكونُه قوتًا حُلوًا رطبًا ويابسًا، ويُغْنِي عن كلّ الطّعام، وقد

стр. 3677

ضرب الله به المثل للإيمان، فقال عزّ من قائل: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ (١) النّخلة. وصحّ عنه أنّه قال: "من تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً كلّ يوم لم يَضُرَّهُ ذلكَ اليومَ سُمٌّ ولا سِحْرٌ" (٢). وقال ﷺ :"مَثَلُ المؤمنِ الّذي لا يقرأُ القرآن" ... الحديث إلى قولى: "مثل التَّمْرَة" (٣). الفاكهة: ثبت في الصّحيح أنّ رسول الله ﷺ "كَانَ يَأْكُلُ القِثَّاءَ بالرُّطَبِ" (٤) وأنّه جمع بين لونين (٥). الحلوى والعسل: وفي البخاريّ (٦) "كانَ رسولُ الله ﷺ يُحِبُّ الحَلْوَى وَالْعَسَلَ"، وذكر فيه حديث المرأتين اللّتين تظاهرتا على رسول الله ﷺ مطوّلًا، هذا هو المقصُود منه. وجاءَهُ رجلٌ فقال: إنَّ أخي يشتكي بطنه، فقال: اسقه شُربة عَسَل، وتكرَّرَ عليه مرارًا كلّ ذلك يقول: اسْقِهِ شُربة عَسَلٍ، وقال في الآخرة: صدقَ الله وكذَبَ بطنُ أخيك (٧). وكان ابنُ عمر وعوف بن مالك إذا اشتكيا أو اشتكا إليهما، مزجا الماء المبارك بالعسل الّذي هو شفاء للنّاس. اللّحم: ثبت في "الصّحيحين" (٨) أنّ النّبيّ ﷺ كان يُعْجِبُهُ الذِّراع.

стр. 3678

وفي "التّرمذي" (١) عن عائشة ﵂ قالت: كان أحبّ اللّحم إلى النّبيّ ﷺ الذّراع. وفي الصّحيح، أنّ النّبيّ ﷺ أكل كتف شاة ولم يتوضّأ (٢). وصحّ عنه أنّه أكل لحم دجاج (٣). وصحّ عنه أنّه أكل لحم الأرنب (٤)، وأكل الصّحابة معه في سبع غزوات الجراد (٥). قال الإمام: وملازمةُ أكل اللّحم مكروهٌ، رُوِيَ أنّ عمر ﵁ كان يقول: إيَّاكُمْ وَاللَّحْمَ، فإنَّ له ضَرَاوَةً كضَرَاوَةِ الْخَمْرِ (٦). وفي الصّحيح، أنّ رسول الله ﷺ ما شبع من خُبْزِ بُرٍّ قَطُّ (٧). الخضراوات: ثبت في الصّحيح أنّ النّبىَّ ﷺ أُتِيَ بِبَدْرٍ (٨) فيه خَضِرَاتٌ أو قال بِقِدْرٍ فأكل منها (٩). وكان ﷺ يحبُّ الدُّبَّاءَ (١٠)، وكان يكره لنفسه الثّوم والبصل (١١). تنبيه: قال مالك في رسم هذا الباب: "باب جامع الأكل" (١٢) فجمع فيه جميع الآداب

стр. 3679

قال الإمام: وللأكل آدابٌ كثيرةٌ، جمعناها وأَرْبَيْنَا فيها على علمائنا، ورتَّبْنَا أعدادها على الأحوال أبوابًا وفصولًا، جماعُها خمسة فصولٍ: الفصل الأوّل (١) قد بيَّنَّا أنّ الآدميّ مخلوقٌ على جِبِلَّةِ الأكلِ، موضب عليه، فيه وظائف من حين أوّله إلى حين تناوله، وأمره الله بعبادته وأذن له في التّمتُّع بطيّباته، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ الآية (٢)، وقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ الآية (٣). فإذا حصل الطّعام في حدّ التّناول فعليه فيه آداب، وهي تنقسم إلى حالاتِ الطّعامِ فيما تقدّم ذِكْرُهُ: الأوّل: أنّ يتناول شراءه بنفسه. الثّاني: أنّ يتناول عمله بنفسه. الثّالث: أنّ يكون حلالًا مطلقًا في نفسه. الرّابع: أنّ يكون حلالًا في جهة كَسْبِهِ، فقد يكون الشيءُ حلالًا في ذاته ويحرم تناوله من جهة كَسْبِهِ، كبيع فاسد ونحوه. الخامس: إلّا يكون ثمنًا عن مداهنة. السّادس: إلّا يكون رشوة. السّابع: ألَّا يكون عِوَضًا فاسدًا حرامًا.

стр. 3680

الثّامن: ألَّا يكون بيد مبتدعٍ. التّاسع: ألَّا يكون بيد ظالمٍ. العاشر: ألَّا يكون بيد من يشتغل بالرِّبا. الحادي عشر: ألّا يكون بيد فاجر. الثّاني عشر: ألَّا يكون بيد من يغلب على ماله الحرام. الثّالث عشر: أنّه إذا قدَّمَهُ له ضيفٌ صالحٌ لم يبحث عن الأسباب، ولا يسأل هل. انتقل إليه من يد أحدٍ من هؤلاء أم لا؟ الرّابع عشر: أنّ يرى النّعمة فيه من الله. الخامس عشر: أنّ يأكل بنيّة التّقوي على طاعة الله. السّادس عشر: إنَّ نوى اللّذّة أجزأه وجاز له. السّابع عشر: أنّ يرى للمُنْعِمِ وجه الشكر، فإنّه يقال: إنّه يصل إليه على يد ثلاث مئة وستين صانعًا، أوّلُهُم ميكائيل وآخِرُهُم الخبّاز. الثّامن عشر: أنّ يقول بلسانه: بسم الله. التّاسع عشر: أنّ يَجْهَرَ. الموفّى عشرين: أنّ يجدّده مع كلّ لُقْمَهٍ فهو أفضل له، وإن كان لم يأت ذكر ذلك عن النّبىِّ ﷺ . الحادي والعشرون: أنّ يغسل يده في أوّل الطّعام للنّظافة والمروءة، إلّا أنّ يتحقّق طهارتها ونظافتها، وقد رَوَى إسماعيل بن أُوَيْس، عن مالك، أنّه دخل على عبد الملك ابن صالح (١) ليسلّم عليه، فجلس ساعة، ثمّ دعا بالطّعام ودعا بالوضوء ليغسل يده،

стр. 3681

فقال عبد الملك: ابدأ يا أبا عبد الله، فقال مالك: إنَّ أبا عبد الله لا يغسل يده (١)، فاغسل أنت يديك، فقال له عبد الملك: لم يا أبا عبد الله؟ قال: ليس هو من الأمر الّذي أدركتُ عليه النّاسَ ببلدنا، وإنّما هو من زيِّ الأعاجم، أو قال العجم، وقد بلغني أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ كان يقول: إيّاكم وزيّ العجم وأمورها، وكان عمر بن الخطّاب ﵁ إذا أكل مسحَ يده بظهر قَدَمِهِ. فقال له عبد الملك: أَفَتَرَى لي تركه يا أبا عبد الله؟ فقال: أي والله، فما عاد عبد الملك إلى ذلك (٢). الثّاني والعشرون: أنّ ينوي بغسلهما العبادة؛ لأنّه إنّما نَوَى بالأكل التّقوّي على طاعة الله، والغسل عبادة ونظافة. الثّالث والعشرون: أنّ يجعل طعامه على الأرض دون خِوَانٍ. الرّابع والعشرون: إذا لم تطب بذلك نفسه وضعه على سُفْرَتِهِ، فإن وضعه على مائدةٍ جازَ، والأوّلُ أَوْلَى، وهو الخامس والعشرون. والسّادس والعشرون: إنَّ كان خُبْزًا أو غيره لا يُباشِر به الأرض لئلا يتعلّق به من عُشْبِ الأرضِ ما يُغْمِلُهُ، وقد سمعنا ذلك وحقّقناهُ. السّابع والعشرون: أنّ يجلس على الأرض. الثّامن والعشرون: أنّ يجلس على ركبتيه أفضل، وينصب رِجْله اليمنى ويجلس على اليُسْرى، وهو التّاسع والعشرون.

стр. 3682

الموفّى ثلاثين: إلّا يتَّكئَ لما رُوِيَ في ذلك من الكراهة، وهو عندي جائزٌ (١). الحادي والثلاثون: إلّا يأكل حتّى يمسّه الجوع، ولا يأكل بالعادة دون أنّ يجده. الثّاني والثلاثون: على مذهب العُبَّادِ، ألَّا يأكل حتّى يطيب له الخبز وحْدَهُ فهو الجوع، وأمّا بالإدام ولا سيما المألوفة منه فإنّه يطيب، وهو عنه في غِنًى. الثّالث والثّلاثون: أنّ يرضى بما تيسّر ولا يتكلّف. الرّابع والثّلاثون: ألَّا يأكل وحده. الخامس والثلاثون: أنّ يُكثر الأيدي على الطّعام ما استطاع. السّادس والثلاثون: أنّ يأكل مع عياله وأولاده. السّابع والثلاثون: ألَّا يتعوَّد طعامًا واحدًا. الثّامن والثلاثون: أنّ يجْلس معه الّذي عمله له. التّاسع والثلاثون: إنَّ لم يجلسه فَلْيُنَاوِلْهُ لقمة منه أو لقمتين. الموفّى أربعون: أنّ يكون ما يُنَاوله من أوّله لا من فَضْلَتِهِ. الحادي والأربعون: لا يأكل من آنية مجوسىِّ إلّا أنّ يغسلها بالماء. الثّاني والأربعون: أنّه يجوز له أنّ يجمع في خِوانِهِ وسُفْرَتِهِ بين لونين وإدامين. الثّالث والأربعون: أنّ يعدّد العيدان على الخادم، ليدفع عن نفسه سوء الظنّ، كما كان يفعل سلمان.

стр. 3683

الفصل الثّاني (١) في آداب حالة الأكل لأول: أنّ يأكل بيمينه. الثّاني: يُصغِّر اللُّقمة. الثّالث: عدّها إنَّ قَدَر. الرّابع: أنّ يأكل في نصف بطنه. الخامس: أنّ يُجيدَ الْمَضْغَ. السّادس: لا يذمّ طعامًا. السابع: أنّ يقدِّمه على الصّلاة وعلى كلِّ عبادةٍ وعملٍ. الثّامن: لا ينظر إلى غيره، فإنّه شَرَهٌ أو تَلَه. التّاسع: يبدأ بالأكل إنَّ كان صاحب المنزل أو ممّن يُقتدى به. العاشر: الألوان قبل الثّقيل. الحادي عشر: لا يُجعل على الخبز ذُقَمٌ. الثّاني عشر: أنّ يأكل ممّا يليه. الثّالث عشر: إلّا يختار إذا كان الطّعام جِنْسًا واحدًا. الرّابع عشر: يختارُ إذا كان الطّعامُ أنواعًا. الخامس عشر: لا يُقْدِّم الثّريد على الطّعام. السّادس عشر: ألأّ يأكل من أعلى القصْعَة. السابع عشر: أنّ يأكل من الحواشي دون الوسط. الثّامن عشر: إذا أكل من الحواشي فليأكل من استدارة الرَّغيف. التّاسع عشر: إنَّ كان الرَّغيف من رطْلٍ ونصف، فليقسمه على ستّ وثلاثين لقمة.

стр. 3684

الموفي عشرين: يقلّل اللّحم، فإن كان الخبز قليلًا كثّر من اللّحم. الحادي والعشرون: يأكل بيدٍ واحدةٍ إلّا أنّ يكون طعام ثقيل. الثّاني والعثسرون: يقدّمُ الفاكهة قبل الطّعام. الثّالث والعشرون: ينْهَشُ الّلحم إنَّ كان نَضجًا. الرّابع والعشرون: يختتمُ بالحلاوة. الخامس والعشرون: لا يمسح يده في الخبز. السّادس والعشرون: إذا وقعت اللُّقمة أماط عنها الأذى وأكلها. السّابع والعشرون: لا ينفُخ في الطّعام. الثّامن والعشرون: يُقابِل الأطعمة، فيأكل ثقيلًا بخفيف، ورطبًا بيابس، وحارًّا بباردٍ التّاسع والعشرون: يقسم الصّائم أكله بين الفطر والسُّحور، فيسلم من الشّبع ويقوى على الصّوم. الموفّى ثلاثين: لا يتابع الشّهوات. الحادي والثلائون: يتوسّط الأكل فيأكل مُدًّا من مُدَّ النّبيّ ﷺ إنَّ كان فَقَارًا، وإن كان بإدامٍ فينقص من قَدرِ الخبز بمقدار ما يزيد في الإدام. الثّاني والثلاثون: أنّ يأكل وترًا. الثّالث والثلاثون: ألَّا يقطع اللّحم بالسِّكين إلّا أنّ يكون قويًّا؛ لأنّه من فعل العجم. الرّابع والثلاثون: لا يُسرف، وعلامَتُه أنّ يرفع يده وهو يشتهيه. الخامس والثلاثون: لا ينْهَشُ البِضْعَة ثمّ يردّها في القصْعَة. السّادس والثلاثون: لا يغمس الزفر في المريء والخلّ فيعافه النَّاس.

стр. 3685

السّابع والثلاثون: لا يأكل في الخلوة إلّا ما يأكل في الملأ، فإن خِلافه رِيَاءٌ. الثّامن والثلاثون: لا يأكل في سُكُرُّجَهٍ (١). التّاسع والثلاثون: لا يخبز مرفقًا. الموفّى أربعون: لا يحمّر ولا يصفّر. الحادي والأربعون: لا يأكل في قَصّعة ذهبٍ. الثّاني والأربعون: لا يأكل في قَصْعة فضّةٍ. الثّالث والأربعون: ولا في رفيعٍ نوعُه كالياقوت وشبهه. الرّابع والأربعون: يواسي ممّا يَأكل. الفصل الثّالث (٢) في آداب الشراب الأوّل: يسمِّي الله. الثّاني: أنّ يجهر به. الثّالث: أنّ يأخذ الإناء بيمينه. الرّابع: لا يشرب الماء في أثناء الطّعام. الخامس: إذا شرب الماء فليقسمه على كلّ ثلاث لُقَمٍ جرعة. السّادس: يحلسُ إذا شربَ. السّابع: يُنَاوِل مَنْ على يمينه. الثّامن: يمصُّ الماء مصًّا ولا يَعُبُّهُ. التّاسع: لا يتنفّس في الإناء.

стр. 3686

العاشر: يتنفّس في المقدار الّذي يحتاج إليه ثلاثًا. الحادي عشر: ينحّي الإناء عن فيه إذا تنفَّسَ. الثّاني عشر: لا يشرب في السِّقَاءِ (١). الثّالث عشر: لا يشرب من كسر الإناء. الرّابع عشر: لا يشرب من العُدْوَةِ (٢). الخامس عشر والسّادس عشر والسابع عشر: لا يشرب في إناء ذهبٍ ولا فضّةٍ، ولافي رفيعِ نوعِ ذلك كالياقوتِ والزَّبَرْجَدِ. الثّامن عشر: لا ينفُخ في الإناء. التّاسع عشر: يحمدُ الله. الموفّى عشرين: يجهرُ بذلك. الحادي والعشرون: يحمد الله بما وردَ في الأثر، فإن اقتصر على الحمدِ لله أجزأَهُ. الثّاني والعشرون: وإن كان لبنًا قال: الحمد لله، اللهمّ بارك لنا فيه وزدنا منه، ولا يقل: وأطعمنا خيرًا منه، إلّا في غير اللّبن. الثّالث والعشرون: لا يشرَبُ حارًّا. الرّابع والعشرون: لا يشرَبُ خليطين. الخامس والعثعمرون: يستعذبُ الماء. السّادس والعشرون: يبرِّدُه. السّابع والعشرون: يمزجه بالحلاوة إنَّ أمكن. الثّامن والعشرون: أنّ يكون السّاقي آخرهم شربًا (٣).

стр. 3687

الفصل الرّابع في آداب الفراغ الأوّل: أنّ يلْقُطَ ما يسقط من الفتات. الثّاني: يلْعَقَ أصابعه. الثّالث: أو يغسلها. الرّابع: يمسحها بالمنديل، وقد روى مالك؛ أنّ عمر كان يمسحها برجليه ورواه غيره. الخامس: أنّ يغسل بالأُشْنَانِ (١)، ولست أدري من أين أخذه وقاله أصحابنا، إلّا على تأويل ما ذكرناه في "شرح النّيّرين" وقد كان من مضَى لا يستعمله. السّادس: يتمضمضُ، وهي سُنَّةٌ قائمة. السّابع: يغسل يده، وفيه خلافٌ قد تقدّم بيانُه (٢). الثّامن: يحمد الله. التَّاسع: يجهر به. العاشر: ذكر بعضُهم أنّه يعقبه بالصّلاة على النّبىّ، ولستُ أراه، وقد سئل مالك، فقيل له: هل يسمي الله إذا توضّأ؟ قال: لا، أريد أنّ يذبح (٣)!؟.

стр. 3688

الفصل الخامس (١) في آداب طعام الجماعة قال علماؤنا: لا يخلو أنّ يُنْهِدُوا، وهو أنّ يجعل كلّ واحد منهم شيئًا شيئًا، فيبتاعوا به ما يأكلون، أو يكون الطّعام لواحد منهم ويشتركون فيه بدعاء صاحبه إليه، فعليهم في ذلك آدابٌ ووظائف: الأوّل: يقدَّمُ الخُبزُ عندهم قبل ذلك بيومٍ. الثّاني: أنّ يفتح بابه. الثّالث: أنّ يقدّم إليهم نَزْرًا يسيرًا حتّى يأتي بما جمع حتّى يقف جميعهم على جمعه. الرّابع: أنّ يقدّم الخبز قبل الإدام. الخامس: إلّا يقدّم ما يكرهه. السّادس: أنّ يقدّم طعامه جملة حتّى يقفوا على جميعه. السّابع: أنّ يقدّمه كلّه أعلمهم به. الثّامن: لا ينوي رجوع ما قدّمه لهم. التّاسع: ألَّا يصف طعامًا إلّا أنّ يكون عنده (٢). العاشر: لا يتكلّفَ لهم. الحادي عشر: لا يقدّمهم على عياله. الثّاني عشر: لا يطعمهم إلّا ما يأكل. الثّالث عشر: لا ينتظر غير الخبز إذا حضر وما زاد يأكله. الخامس عشر: إذا كان صائمًا دعا.

стр. 3689

السّادس عشر: أنّ يقول في دعائه: "أكل طعامكم الأبرار، وأفطر عندكم الصّائمون، وصلَّت عليكم الملائكة" (١). السّابع عشر: إنْ تَقَدَّمَ عنده الخبز، كان الفطر له أفضل من الصِّيام. الثّامن عشر: لا يجمع في مائدة بين فقير وغنيٌ. التّاسع عشر: يحدّثُ صاحبُ المنزل القومَ فإنّه جانبٌ من القِرَى. الموفّى عشرين: يخدمهم بنفسه. الحادي والعشرون: يخدمهم أهله وإن كانت عروسًا، وفي ذلك كلامٌ طويل. الثّاني والعشرون: فإن لم يتّفق ذلك له لعُذرٍ، قدَّم من يفعله. الثّالث والعشرون: يبدأُ بالأكل قبلهم. الرّابع والعشرون: إذا دُعِيَ أجاب، قال مالك: إلّا أنّ يكون من أهل الفضل وفيه كلام ونَظَرٌ. الخامس والعشرون: لا يُحرجهم إلى قوله: كُلْ. السّادس والعشرون: لا يُكَرِّر على جلسائه "كلوا" فإنهُ إخجالٌ. السّابع والعشرون: لا يستحقر ما يُدْعَى إليه وإن كان كُرَاعًا. الثّامن والعشرون: إذا حضروا قَدَّمَ ما عنده معجلًا، ولم يُبْطِيء به ليستكثر. التّاسع والعشرون: لا يتخيّر المدعو على الدَّاعي، إنّما يأكل ما حضر. الموفّى ثلاثين: لا يجعل على مائدته قائمًا. الحادي والثلاثون: لا بحضر مائدة فيها خمرٌ. الثّاني والثلاثون والثّالث والثّلاثون: إنَّ خُيِّرَ فلا يتشطّط، وأن يأكل ممّا يشتهي، فإن تركه إيثارًا جاز.

стр. 3690

الرّابع والثّلاثون: ولا يدخل بيتًا فيه صورة. الخامس والثلاثون: لا يقرُنُ بين لقمتين ولا تمرتين إلّا بإذن الأصحاب. السّادس والثلاثون: إنَّ كان الطّعام نَهَرًا (١) فلا يتعمّد الزّيادة،* وإن كان طعام واحد هو دعاهم فهو أحقّ. السّابع والثلاثون: ألَّا يعطي لأحد منه شيئًا* إلّا بإذن صاحب المنزل (٢). الثّامن والثلاثون: إذا طعم انتشر وخرج ولا يلبث. التّاسع والثلاثون: يجتمعون على الطّست، وهو أدبٌ. الموفّى أربعين: لا يَبْصُقُ في الطَّسْتِ. الحادي أربعين: يُدَارُ بالطَّسْتِ يُمْنَةً. الثّاني والأربعون: بعد أنّ يتقدّم الأفضل، فحينئذٍ يكون يمنَة. الثّالث والأربعون: يغسل صاحب المنزل آخرهم إنَّ كان أكل الطّعام. الرّابع والأربعون: لا يتحدّث بعد تمام الطّعام (٣). الخامس والأربعون: لا يعدِّد تقصيرًا إنَّ رآهُ. فهذه جملة كافية في آداب الطّعام والشّراب، وعلى كلّ أدب منها خبزٌ مأثورٌ وأثرٌ مذكورٌ وحُجَّةٌ بيّنةٌ، جِمَاعُها مئة أدبٍ وأربعة وسبعون أدبًا، لو شرحناها لطال الكتاب. حديث مالك (٤)، عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "طَعَامُ الاثْنِيَنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الأَرْبَعةِ".

стр. 3691

الإسناد: قال الإمام: الحديث مسندٌ صحيحٌ، خرجه الأيمّة، وفي "مسلم" (١) وانفرد به: "وطعامُ الأربعةِ يكفي الثّمانيةَ". الأصول: قوله (٢): "طَعَامُ الواحِدِ كَافِي الاثْنِيَنِ" لفظُهُ لفظ الخبر، ومعناه الأمر، كأنّه أراد. المواساة والمكارمة وأن لا يأكل أحد وحده. قال الإمام: انظروا أبدّا كلّ خبر وَرَدَ إنَّ كان ظاهرُهُ الخبرَ ومعناهُ التّكليف أو ما يعلّق بالتّكليف فمعناه الأمر، وإن تعلَّق بتكليف فهو خبر المعاني. قال علماؤنا (٣): هذا الحديث يدلُّ على أنّ الكفاية ليست بالشِّبع والاستبطان، كما أنّها ليست بالغنى. وقال أبو حازم (٤): إذا كان ما يكفيك لا يُغْنيك، فليس شيءٌ يغنيك (٥). وفي الحديث دليلٌ على أنّ القوم كانوا لا يشبعون (٦)، وكانوا لا يُقدِّمون الطّعام إلى أنفسهم حتّى يشتهوه، فإذا قدّموه أخذوا منه حاجتَهُمْ ورفعوه وفي أنفسهم بقيةٌ من شهوته. وهذا عن أهل الطِّبِّ والحكمةِ أفضلُ ما يستدامُ به صحّة الأجسام. وروي عن النّبىِّ ﷺ أنّه قال: "مَا مَلأَ ابنُ آدمَ وعاءً شَرًّا من بَطْنٍ، حسبُ ابن آدم أكلتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، ثُلُثٌ لطعامه، وثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وثُلُثٌ لنَفَسِهِ (٧) " (٨).

стр. 3692

الثّانية (١): وأيضًا: فإنّ في الخبر: "إنَّ أفضل الطّعام بركةٌ ما كَثُرَتْ عليه الأيدي، فإذا (٢) كَثُرَت الأيدي عَظُمَت البركة" (٣)، وقد هَمَّ عمر بن الخطّاب ﵁ في سنة مجاعة (٤) أنّ يجعل مع أهل كلِّ بيتٍ مِثْلَهم (٥)، بهذا الحديث وقال: إنَّ الرَّجُل لا يهلك على نصف قرته. وقال (٦): إنَّ هذا الحديث أراد به النّبيّ ﷺ المواساة عند الشِّدَّةِ، والله أعلم. حديث مالك (٧)، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّىِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله؛ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "أَغْلِقُوا الْبَابَ، وَأوْكُوا السِّقَاءَ، وَأَكْفِؤُا الإنَاءَ، أو خَمِّرُوا الإِنَاءَ، وَأَطْفِئُوا الْمِصْبَاحَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ غَلَقًا، وَلَا يَحُلُّ وِكَاءً، وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً، وَإنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تضْرِمُ عَلَى النَّاسِ بَيْتَهُمْ". الإسناد: قال الإمام: الحديث صحيح خرّجه الأيمّة (٨)، ولاشكّ في صحّته ومَتْنِهِ، وفي

стр. 3693

ألفاظه اختلافٌ. أمّا رواية يحيى: "تَضْرِمُ عَلَى النّاسِ بَيْتَهُم" هكذا (١) هي روايته، وتابَعَةَ ابنُ وَهْبٍ وابنُ القاسمِ (٢)، وقالَ ابن بُكَيْر: "بُيُوتَهُمْ" وقال القعْنَبىُّ: "بَيْتَهُمْ أَوْ بُيُوتَهُمْ" (٣) والصّحيح ما قيّده ابنُ بُكَيْرٍ. وقوله: "خَمِّرُوا الِإنَاءَ أو أَكْفِئُوا الإِنَاءَ" شَكٌّ من المحدِّث، أو يحتمل أنّ يكون على التّخيير في تخمير الإناء أو تحويله. العربيّة: قوله: (٤) "أوْكُوا" معناه: ارْبِطُوا وشُدُّوا. والوِكاءُ هو الخيطُ الَّذي يُشَدُّ به (٥) وقوله (٦):"أَكْفِئُوا الِإنَاءَ" ثُلَاثِيه مهموزٌ، يقالُ: كفَأْتُ الإناءَ أَكْفَؤُهُ فهو مكفُوءٌ إذا قلبته (٧). قال ابن هَرْمَةَ (٨): عِنْدِي لِهَذَا الزَّمَانِ آنِيَةٌ ... أمْلَؤُهَا تَارَةً وَأَكْفُؤُهَا وقوله: "وأطْفِئُوا الْمِصْبَاحَ" مهموزٌ أيضًا، قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّه﴾ الآية (٩).

стр. 3694

وقولُه: "خَمِّرُوا الإِنَاءَ" يعني: استروا (١)، ومنه الخَمَر على وزن القرم، وهو الشّجر الملتف الّذي يستر ما وراءه. وقوله (٢): "وأَجِيفُوا البابَ" معناه (٣): أغْلِقُوا، وقيل: ردّوه كما كان مغلقًا، فإنّه يفتح بالنّهار للتّصرُّف، وهما متقاربان. وقوله (٤):"وَلَوْ أَنْ تعْرُضَ عَلَيْهِ عُودًا" يعني: ينْصِبَهُ عليه نَصْبًا، يجعلُه على عرْضِهِ إنَّ كان مُستَدِيرَ الفَم، فهو كلّه عرض، وإن كان مربّعًا فقد يكون فيه عرضٌ وطولٌ، فذكر العرض لأنّه أَعمّ، وإن كان الإناءُ فارِغًا فليكفأه، يعني يضعه على فِيهِ، يقال: أكفاتُ الإناءَ إذا قَلَبْتَهُ على فِيهِ. وقوله: "وأَطْفِئُوا المِصْبَاحَ" يعني: أذْهِبُوا نورَهُ، ولا يكون مصباحًا إلّا بالنّور، وإنّما هو دونه فتيلٌ. الأصول والأحكام في مسائل: الأولى (٥): قوله في الحديث (٦):"كُفُّوا صِبْيَانَكُمْ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ" استعانةً بالظُّلَمَةِ فإنّها تكرهُ النّور وتتشاءم به، وإن كانت خُلِقَتْ من نارٍ وهي ضياءٌ، ولكنّ الله أظْلَمَ قلوبها، وخَلَق الآدميَّ من طينٍ ونَوَّرَ قَلبه، فهو يحبُّ النُّور، وكلُّ جنسٍ يميلُ إلى جنسه

стр. 3695

ويستريح به. الثّانية (١): قوله (٢): "وَأَجِيفُوا الأبواب، فإنَّ الشّيطانَ لا يّفْتَح غَلَقًا ولا يَحُلُّ وِكَاءً، ولا يَكْشِفُ إِنَاءً" يمنعُه من ذلك ذكر الله عليه، وهذا من القدْرة الّتي لا يُؤمِنُ بها إلّا الْمُوحّدَة، وهو أنّ يكون الشّيطان يتصرّف في الأمور الغريبة، ويتولَّجُ في المَسَامِّ الخفيفة، فيعجزه الذّكر عن حلِّ الغَلَق والوِكَاءِ، وعن التَّوَلُّج من صِيرِ (٣) الباب (٤)؛ لأنّا قد قيّدنا في الحديث الصّحيح (٥) عن جابر وغيره؛ أنّ النّبيَّ ﵇ قال: "أَغْلِقُوا الأبْوابَ واذْكُرُوا اسْمَ الله" وكذلك في كلِّ خَصلةٍ تقدّمت قرن بها اسم الله، فبيّن أنّ اسْمَ الله هو النّورُ العريضُ، والحجابُ الغَليظُ، بين الشَّيْطانِ والإنسانِ. الثّالثة (٦): قولُه: "أَغْلِقُوا الْبَابَ" يعني كما قَدّمنا الذِّكر به، وفي الحديث الصّحيح (٧): "إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيلِ" وقد ظنّ بعضُهُم أنّ الأمرَ بغلق الأبواب عامٌّ في الأوقات كلّها، وليس كذلك؛ وإنّما هو مقيَّدٌ باللّيل (٨)، كما جاء في الحديث، وأمّا النَّهار فإنّما هو بحُكْمِ كثرةِ التّصرُّفِ وقلِّتِةِ.

стр. 3696

الرّابعة (١): قولُه: "وَأَوْكُوا السِّقَاءَ": هذا وإن كان مفعولًا في الأوقات كلِّها فأوكؤه اللّيل؛ لأنّ النّهار عليه حافظ من الأَعْيُن، فأمّا اللّيل فهو مُهْمَلٌ منها، فحضَّ عليه بذلك. وفي "كتاب مسلم" (٢) وغيره: "غَطُّوا الإِنَاءَ، فَإِنَّ في السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فيها وَبَاءٌ منَ السّماءِ، لا يمرُّ بِإِناءٍ ليس عليه غطاءٌ، أو سِقَاءٍ ليس عليه وِكَاءٌ، إلّا نزل فيه ذلك الدَّاءُ (٣). قال اللَّيثُ: تزعمُ الأعاجم عندنا أنّ ذلك يكون في كانون الأوّل". الخامسة (٤): قولُه: "وَأَطْفِئُوا الْمصْبَاحَ " يُرْوَى في الحديث: "فإنّ النّار عدوٌّ لكم" معناه: أنّها تنافي أموالكم وأبدانكم على الإطلاق منافاة العدوِّ، ولكن تتّصل منفعتها بكم بوسائط، فَذِكْرُ العداوةِ مجازٌ لوجود معناها فيها. السّادسة (٥): قوله: "فَإِنَّ الفُوَيْسِقَةَ تَضْرِمُ عَلَى النَّاسِ بُيوتهُمْ" يعني: الفأرة، وسمّاها "فُوَيْسِقَة" في معْرِضِ الذَّمِّ لوجود معنى الفِسْقِ فيها، وهو الخروجُ عن الشّيء إلى غيره، وذلك في حديث جابر (٦):"فإنَّ الفُويْسِقَةَ ربّما جَرَّتِ الفتيلةَ فأَحرقتْ على النَّاس بيتَهُم (٧) " فذَكَر العلَّة (٨). السابعة (٩): قوله (١٠): "ولو تَعْرُضُ عليه عُودًا" يعني: اجعلوا بين الشّيطان وبينه حاجزًا، ولو من علامة تدلّ على التّغطية أو القصد إليه، وإن لم تستول بالسِّتر عليه، فإنّها كافية (١١).

стр. 3697

مزيد وضوح: قوله (١): "وكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ عند المساء، فإنَّ للجنِّ انتشارًا وخَطَفَةٌ" وقد ذكرنا في "الكتاب الكبير" خبرَ اختطافِ الجِنِّ للّذي ضَرَبَ عمرُ الأجلَ لزوجتِهِ حينَ فَقَدَتْهُ (٢). وعنِ ابْنِ شهاب، أنّ رسول الله ﷺ قال: "إذا جَنَحَ اللّيلُ فاحبِسُوا أولادَكُم، فإنّ الله يَبُثُّ مِنْ خَلْقِهِ باللّيلِ مالا يَبُثُّ بالنّهار". قال عُقيلُ: يُتَّقَى على المرأةِ أنّ تتوضَّأَ عند ذلك (٣). قال ابن شُهابٍ: وقال رسول الله ﷺ : "وإذا سمِعْتُمُ النِّداءَ وأَحَدُكُم على فِرَاشه، أو أين ما كان فاهْدَءُوا ساعةً، فإنّ الشّياطينَ إذا سمعوا النّداء اجتمعوا وعَشُّوا" (٤). وقولُه (٥): "واذكروا الله" وقد رُويَ عن ابن عبّاس ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال: بسم الله، فقد ذَكَرَ الله، ومن قال: الحمدُ لله، فقد شكرَ الله، ومن قال: الله أكبرُ، فقد عظَّمَ الله، ومن قال: لا إله إِلَّا الله فقد وَحَّدَ الله، ومن قال: لا حَوْلَ ولا قُوّةَ إلّا بالله، فقد أسلم واستسلمَ، وكان له بها كنزٌ في "الجنّةِ (٦) " (٧).

стр. 3698

قال الإمام: والذِّكْرُ حِضْنٌ مانعٌ لكلِّ شيءٍ، جَعَلَنَا الله وإيَّاكم من الذّاكرين العاملين بسُنَّتِه برحمته. حديث مالك (١)، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ، عن أبي شُرَيْحٍ الكعْبِىِّ؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمنُ باللهِ واليوم الآخِر فلْيَقُلْ خيرًا أو ليَصْمُتْ، ومن كان يؤمنُ بالله واليومِ الآخِرِ فلْيُكْرِمْ جارَهُ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخِرِ فلْيُكرِمْ ضَيْفَهُ، جائزَتُهُ يومٌ وليلةٌ، وضِيَافَتُه ثلاثةُ أيّامٍ، فما كان بعد ذلك فهو صدقةٌ، ولا يَحِلُّ له أنّ يَثْوِيَ عنده حتّى يُخْرِجَهُ". الإسناد: قال الإمام: الحديث صحيح خرَّجَهُ الأيمّة (٢). وذَكَرَ في هذا الحديثِ ثلاثة أنواعٍ: الصّمتُ، وإكرام الجار، وإكرامُ الضّيفِ، فهذه ثلاثة فصول: الفصل الأوّل (٣) في الحضِّ على الصَّمتِ وقد مَضَى لنا في كتاب التَّفسير (٤) أقوال السّلف في فضل الصّمت وأنّه منجاة، لقوله ﷺ : "مَنْ صَمتَ نَجَا" (٥)؛ لأنّ الكلام بذلك غنيمةٌ والصّمت سلامةٌ، والغنيمة فوق السَّلامةِ.

стр. 3699

وقولُه: "أو لِيَصْمُتْ" يريد- والله أعلم -: أنّ هذا حُكْمُ من كان يؤمن بالله وعَلِمَ أنّه يُجَازَى في الآخرةِ، وممّا يَلْزَمُه: أنّ يقول خيرًا يُؤْجَرُ عليه، أو يَصْمُتَ عن شَرٍّ يُعَاقَبُ عليه. وأمّا الصّمتُ عن الخيرِ وذِكْرِ الله والأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المُنْكَرِ، فليس بمأمورِ به، بل هو منهىٌّ عنه نَهْيَ تحريم أو نَهْيَ كراهيةٍ، وإنّما معناه: أنّ يقول خيرًا أو يَسْكُتَ عن شَرٍّ، وأن تكون "أو" ههناَ بمَعْنَى الواوِ، فيكون المعنى: يقول خيرًا ويَصْمُتُ عن شرٍّ، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (١). وأمّا قوله (٢) : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٣). وأمّا الّذي يُكْتَبُ على المؤمّن من كلامه، فمِنْ أحسن ما قيل في ذلك، ما رواه النَّضْرُ عن هشام بن حسَّان، عن عِكْرِمَةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: يُكْتَبُ على الإنسانِ كلّ ما يَتَكلَّمُ بِهِ من خيرٍ وشرٍّ، وما سِوَى ذلك فلا يُكْتَبُ (٤). (٥) وأمّا قولُه: يا غُلَامُ، اسْقِنِي الماءَ، وأَسْرِجِ الفَرَسَ، فلا يُكْتَبُ

стр. 3700

الفصل الثّاني في إكرام الجار وأنّ حقوقه متأكدة فإنّ (١) الله تعالى قد أوْصَى بالجارِ ذي القُرْبَى، والجَارِ الجُنب (٢). وقال رسولُ الله ﷺ : "ما زالَ جبريلُ يُوصِيني بالجارِ حتّى ظننتُ أنّه سَيُوَرِّثُه" (٣). وقد صحّ عن النّبيِّ ﷺ في حقوق الجوار أحاديث كثيرة، وقال رسول الله ﷺ : "لا يؤمنُ جارٌ حتَّى يَأْمَنَ جارُهُ بوائِقَهُ" (٤). وذكر مالكً، عن أبي حَازِم، أنّه قال: كان أهلُ الجاهليَّةِ أبرَّ بالجارِ منكم. واختلف النَّاس في حدِّ الجوار: فقيل في ذلك: أربعون دارًا (٥)، وليس في ذلك حديثٌ يُعوَّلُ عليه. والجارُ على الحقيقةِ من كان قريبًا منك، أو من يجمعك معه مجلسٌ أو مسجدٌ، أو تناوله ويناولك مثل نار أو ملح وغير ذلك. وأنشد (٦): نَارِي وَنَارُ الْجَارِ واحِدَةٌ ... وإليه قَبْلِي ينْزِلُ القِدْرُ مَا ضَرَّ جارًا لي أُجَاوِرهُ ... إلّا يكون لِبَابِهِ سترُ أعمَى إذا ما جَارَتِي بَرَزَتْ ... حتّى يُوَارِى جارتي الخِدْرُ

стр. 3701

ومن الحديث الحَسَن: قال رسول الله ﷺ في الجار: "من حفظ جاره، جاز يوم القيامة على الصِّراط، ونجا من النّار، ووصل إلى الجنّة" (١). ومن الحديث الحسن: قال رسولُ الله ﷺ : "ما آمنَ عبدٌ بالله العظيم مَنْ باتَ شبعان وجاره جيعان، ومن باتَ ريّان وجاره عطشان" (٢). وكان سفيان الثّوريُّ يقول: "إذا طبختَ قِدْرًا فأَكْثِرْ ماءَهُ، واغرف منه لجارِكَ، فإنّ كلَّ جارٍ متعلّق بِجارهِ يومَ القيامةِ" (٣). ورُوِي أنّ الجار يتعلّق بجاره فيقول: "يا ربِّ! جَارِى ي هذا خَانَنِي في دار الدّنْيا ولم ينصحني، فيقولُ الله له: يا عبدي، لِمَ خنتَ جارك؟ فيقولُ العبدُ: وعِزَّتِك يا ربّ وجلالك ما خنْتُهُ لا في مالٍ ولا في أهل، وأنتَ أعلمُ، فيقولُ الجارُ: يا ربِّ، رآني على المعاصي ولم يردّني عنها" (٤). فعلى المرء أنّ يوقِظَ جارَهُ من الغَفَلاتِ، وينقله إلى الطّاعات، ويأمره بإقامة الصّلوات، وهذا من حقوق الجوار. وقيل: إنَّ الجار الصّالح يشفعُ يومَ القيامةِ في جيرانه ومعَارِفِهِ وقَرَابَتِه. وأنشدني بعض الأصحاب: يا حَافِظَ الجَارِ يَرْجُو أنّ يَنَالَ بِهِ ... عفْوَ الإلَهِ وعَفْو الله مَذْكُورُ الجَارُ يشْفَعُ للْجِيرَانِ كلّهِم ... يَوْمَ الحِسَابِ وذنب الجَارِ مَغْفُورُ

стр. 3702

الفصل الثّالث في الضِّيافة وأحكامها وفي ذلك أربع مسائل: المسألة الأولى: في الإسناد: وقد تقدّم قوله: "مَنْ كان يُؤمن بالله واليوم الآخر فلْيُكْرمْ ضَيْفَةُ" (١)، ورُوِّينا عنه ﷺ أنّه قال: "المؤمنُ من أَمِنَهُ النّاسُ على دمائهم وأموالهم، والمسلمُ من سَلِمَ المسلمونَ من لسانه ويَدِهِ" (٢). وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا خير في من لا يضيف" (٣). وبه عن عُقْبَة بن عامر قال: قلنا: يا رسول الله، إنّك تبعثُنا فنمرُّ بقومٍ لا يَقْرُونَنا، فما ترى؟ فقال لنا رسول الله: "إنَّ نزلْتُم بقومٍ فَأَمَرُوا لكم بما ينبغي للضّيفِ فاقْبَلُوا، فإن لم يفعَلُوا فَخُذُوا منهم حقُّ الضّيفِ الّذي ينبغي" (٤). قال الإمام: وهذا كلّه صحيحٌ. عربيّة (٥): قوله: "لا يَحِلُّ له أنّ يَثْوِيَ عنده حتّى يُخرِجَهُ" أي: لا يحلّ له أنّ يقيم عنده على ضِيافَتِه أكثرَ من ثلاثٍ، والثّواء في اللّغة: الإقامة، قال كُثَيِّرٌ (٦): أرِيدُ ثَوَاءً عنْدَهَا وَأَظُنُّهَا ... إِذَا مَا أَطَلْنَا عِنْدَهَا المُكْثَ مَلَّتِ وقوله: "حتّى يُخْرِجَهُ" أي: حتّى يُضيقَ عليه وتضيق نفسه به، والحرج: الضِّيقُ في لغة القرآن (٧).

стр. 3703

المسألة الثّانية (١): قوله: "فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَه" هذا من آداب الإسلام وشرائعه وأحكامه، والضّيافةُ من سُنَنِ المُرْسَلِينَ، وأوّلُ من ضيَّفَ الضَّيفَ إبراهيم ﵇، وذلك في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (٢) فوصفهم بأنّهم أكرموا. الثّالثة (٣): اختلف علماؤنا في وجوبها، فأوجبها اللّيث يومًا وليلة (٤)، وخالفه في ذلك جميع الفقهاء على الإطلاق. وأغرب من هذا ما حُكِيَ عن ابن وهبٍ؛ أنّه كان يُوجِبُها ليلةً واحدةً، وأجاز للعبد المأذون له أنّ يضيِّف ممّا بيده، وقال به قومٌ. والضّيافة الكاملة عند العلماء ثلاثة، فما زَادَ على ذلك فهو صدقة، وأقلّها يوم وليلة. الرّابعة: أمّا سُحنون، فأَوْجَبَها على أهلِ الباديةِ؛ لأنّ الإنسانَ لا يجدُ ما يشتري ولا أَيْنَ يأوي. وقيل: كانت الضّيافة في أوّل الإسلام واجبةً (٥). وقيل: كانت واجبةً على أهل العنْوَةِ إذا فرضها عليهم الإمامُ، وعلى أهل الصّلح إن صالحوا عليها (٦). وقال مالك: ليس على أهل الحَضَرِ ضيافةٌ (٧).

стр. 3704

قال سحنون: إنّما هي على أهل القُرَى، وأمّا أهل الحَضَر فالفندقُ ينزلُ فيه المسافرُ (١). وحجّته في ذلك الحديث الصّحيح (٢)، قوله: "الضِّيافةُ على أهلِ الوَبَرِ، وليست على أهلِ المَدَرِ" (٣). وقال بعضهم (٤): هذا حديثٌ موضوعٌ وَضَعَهُ ابنُ أَخي عبد الرزّاق وهو متروك الحديث، ومالك أعلم وأقعد بهذا الحديث. وأمّا مذهب الشّافعيّ فإيجاب الضّيافة على أهل البادية والحاضِرَة (٥)، حقٌّ واجبٌ في مكارم الأخلاق (٦). وتعلّقَ الشّافعيُّّ بالعموم وأنّ الضّيافة من جملة الإيمان، وواجبةٌ لأهل الكَرَمِ والإكرام. قال الإمام: وحجَّةُ مالك أقوى مِنْ تعْلُّقِ الشّافعيِّ، وذلك أنّ حديث مالك في هذا الباب يدلُّّ (٧) على أنّ الضيافة ليست بواجبةٍ فرضًا؛ لأنّ الجائزةَ في لسان العرب العطيَّةُ والمنحةُ والصِّلَةُ، وذلك لا يكون إلّا عن اختيارٍ، لا عن وجوبٍ.

стр. 3705

وعن عمر أنّه كان يقول: "إكرامُ الضَّيفِ يومٌ وليلةٌ، والضّيافةُ ثلاثةُ أيّامٍ، فإن أصابَهُ بعدَ ذلك مرضٌ أو مطرٌ فهو صدقةٌ أو دَيْن عليه" (١). وكان ابنُ عمر يَقْبَلُ الضّيافة ثلاثة أيّام، ثمّ يقول لنافع: أَنْفِقْ فإنّا لا نأكلُ الصَّدقةَ، ويقول: احبِسُوا عنَا صَدَقَتَكُم (٢). وسئل الأوزاعيُّ عن مَنْ أَطْعَمَ خُبْزَ الشّعير وعنده خبز البُرّ، أو أطعم الخبز بالزّيت وعنده الخبز واللّحم؟ فقال: هذا ممّن لا يؤمن بالله واليوم الآخر (٣). وقد أطلنا النفس في هذه الآداب والأنواع في "الكتاب الكبير" فَلْتُنْظَر هنالك، وإنّما هذه نبذة من تلك، وإشارةٌ إلى مذاهب العلماء. حديث أبي هريرة (٤)؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ، إذ اشتدَّ عليه العَطَشُ، فوجد بئرًا، فنزل فيها، فشرِبَ، وخرج، فإذا كلبٌ يلْهَثُ، يأكلُ الثَّرى من العَطَشِ، فقال الرّجل: لقد بلغ هذا الكلب من العَطَشِ مثلُ الّذي بلغ بي، فنزلَ البئْرَ فملأَ خُفَّهُ، ثمّ أمسكه بِفيهِ حتّى رَقِيَ، فَسَقَى الكلبَ، فشكر الله له ذلك فغفَرَ له، فقالوا: يا رسول الله، وإنّ لنا في البهائم لأجرًا؟! فقال: في كلِّ ذىِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَ ﵁ جْرٌ".

стр. 3706

الإسناد: قال الإمام: هذا حديث صحيحٌ، وقد خَرَّجَهُ الأيمّة بألفاظٍ مختلفةٍ؛ وفي المصنّفات أنّ باغية من بغايا بني إسرائيل، سقت كلبًا بخفّها أو بثوبها، فغفر الله لها (١). وحديث سراقة بن جعشم؛ أنّه أنّ النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت الضَّالَّة تَرِدُ على حوضي، هل فيها من أجر إنَّ سَقَيْتُها؟ قال: نعم، في الكَبِدِ الحرَّى أَجْرٌ (٢)، وهذا الحديث يُرْوَى عن مالك أو من حديث مالك ولم يثبت عندي من طريق يوثَق به. عربيّة (٣): قوله: "فإذا كلبٌ يَلْهَثُ" يقال في الماضي: لَهَثَ بفتح الهاء وكسرها، وفي المستقبل: يَلْهَثُ بالفتح، قال الله العظيم: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ (٤). واللَّهَثُ شِدَّةُ تواتُرِ النّفسِ من التَّعَبِ أو غيره، ويحتَمِلُ - والله أعلم - أنّ يكون هذا الكلبُ المذكورُ في هذا الحديثِ هو الكلبُ المُخْتَصُّ بهذا الاسْمِ، وهو الأظهرُ؛ لأنّه أكثرُ الحيوانِ لَهَثًا (٥)، ولذلك يَلْهَثُ من غيرِ سَبَبٍ، وسائرُ الحيوانِ لا يلْهَثُ. الأصول (٦): اختلف النّاسَ في تأويله: فمنهم من قال: إنّما كان الغفرانُ لهذا المُذنِبِ بأن وفَّقَهُ الله بعد ذلك للتّوبةِ،

стр. 3707

فكان هذا الفعلَ سببًا لأنْ رُزِقَ التّوبةَ، والتّوبةُ سببًا للمغفرة. ومنهم من قال: إنَّ هذا الفعلَ بنفسه كَفَّرَ الزِّنا بِعِظَمِهِ؛ لأنّ الله تعالى إذا كانت له في العَبْدِ إرادةٌ، وسَبَقَتْ له عندَهُ عنايةٌ، ضاعفَ له الحسناتِ، حتّى تَغْلِبَ السَيِّئَاتِ، حتّى تكونَ كالجبلِ العظيمِ، كما في الحديثِ الصّحيحِ، فليس بممتنعٍ أنّ ضُوعِفَ لهذا الأجرُ حتّى وَازَى الزِّنا فضلًا من الله. وقيل: بل وازَاهُ بنفسه وفَدَاهُ؛ لأنّ فيه إحياءَ نَفْسٍ فاسْتوْجَبَ ذلك. وفي الصّحيح؛ أنّ باغيةً من بغايا بني إسرائيل رأت كلبًا يأكل الثّرى من العَطَشِ. الحديث (١). الفقه في مسائل: الأولى: قال علماؤنا: سَقْيُ الكلبِ في الخُفِّ فيه دليل على أنَّ سؤرَ الكلب طاهرٌ، ولو لم يكن طاهرًا لما أدخله في الحديث على الثّناء ويبيّن أمره. وهذه المسألة فيها اختلاف كثير بينّاه في "كتاب الطّهارة"، فليُنْظَر هنالك. الثّانية (٢): النصّ في هذا الحديث أنّ في "الإحسان إلى البهائم المملوكاتِ وغيرِ المملوكاتِ أجرًا عظيمًا تَكَفَّرُ به السيّئات، والدّليل؛ أنّ في الإساءة إليها وِزْرًا بقَدْرِ ذلك؛ لأنّ الإحسان إليها إذا كان فيه الأجرُ، ففي الإساءة -لا مَحَالةَ- الوِزْرُ. حديث مالك (٣)، عن وَهْب بنِ كيْسَانَ، عن جابر بن عبد الله؛ أنّه قال: بعثَ

стр. 3708

رسولُ الله ﷺ بَعْثًا قِبَلَ السَّاحلِ وَأمَّرَ عليهم أبا عُبَيْدَةَ بنَ الجرَّاحِ وهم ثلاث مئةٍ، قال: وأنا فيهم، قال: فخرجنا، حتَّى إذا كُنَّا ببعضِ الطّريقِ فَنِيَ الزّادُ، فَأَمَرَ أبو عُبَيْدَةَ بأَزوِدَةِ ذلك الجيشِ، فجُمِعَ ذلك كُلُّه فكان مِزْوَدَيْ تَمْرٍ، ثمّ قال: فكان يُقوِّتُنَاهُ كلّ يومٍ قليلًا قليلًا، حتّى فَنِيَ ولم تُصِبْنا إلّا تَمْرَةٌ تمرةٌ. فقلت: وما تُغْنِي تمْرَةٌ؟ فقال: لقد وجدنا فَقْدَهَا حيثُ فَنِيَتْ. قال: ثُمّ انتهينا إلى البحر فإذا حوتٌ مثلُ الظَّرِبِ، فأكل منه ذلك الجيشُ ثَمَانَ عَشْرَةَ ليلةً، ثمّ أمر أبو عُبَيْدَةَ بِضِلْعَين من أضلاعِهِ. الحديث إلى آخره. الإسناد: قال الإمام: حديثُ جابر هذا حديثٌ صحيحٌ خرّجه الأيمّة مسلمٌ (١) وغيره (٢)، ورواه (٣) عن جابر جماعة من ثقات التّابعين، ومعانيهم متقارِبَةٌ، وإن كان بعضُهم يزيدُ على بعضٍ في حديث صاحبه (٤). عربيّة: قوله: "فإذا حُوتٌ مثلُ الظَّرْبِ" قال صاحب "العين" (٥): الظَّرْب - بكسر الظّاء - ما نتأَ من الحجارةِ، والجمعُ ظِرابٌ. وحكَى أبو عُبَيْد (٦) الهرويّ قال: الظَّرِبُ صغيرُ الجَبَلِ.

стр. 3709

وقيل (١): الظَّرِبُ -بالكسر- هو ما كان من الحجارة أصلُه ناتِئًا في جبلٍ أو أرضٍ، وكان طرفه النَّاتِىءُ محدّدًا. الفقه في مسائل: الأولى (٢): قوله: "بعثَ بعْثًا، وأَمَّرَ عليهم". كان رسول الله ﷺ يبعثُ السّرايا والعساكر إلى أرض العَدُوِّ، وتلك سُنَّةٌ مجْتَمَعٌ عليها، لا يحتاج في ذلك إلى استدلال ولا استنباط من أخبار الآحاد. الثّانية (٣): قال (٤): وفي هذا الحديث ما يدلُّ على أنّ المسلمين إذا نزلت بهم ضرورةٌ يُخاف منها تَلَفُ النّفوس وُيرْجَى بالمواساة بقاؤُها حينًا انتظارًا لفَرَجٍ، فواجبٌ حينئذٍ المواساةُ، وأن يشارك المرءُ رفيقَهُ وجارَهُ فيما بيده من القُوتِ، ألَّا ترى إلى حديث أبي هريرة الصّحيح في "مسلم" (٥) قال: شَكَوْنَا إلى رسولِ الله ﷺ الجُوعَ، فقال: "اجمعوا أزوادكم" قال: فجعل الرّجلُ يجيءُ بالحَفْنَة من التّمْرِ والحَفْنَةِ من السَّويقِ، وطرحوا الأنطاعَ والأكسيةَ، فوضع النّبيُّ ﵇ يده ثمّ قال: "كلوا"، فأكلنا وشبِعْنا، وأخذنا في مَزَاودِنَا، ثمّ قال ﵇: "أشهدُ أنّ لا إله إِلَّا الله وأَنّي رسولُ الله، من قالها غيرَ شاكٍّ دخل الجنّةَ" وقد ذكرنا هذا في جملة معجزاته ﷺ في "الكتاب الكبير".

стр. 3710

الثّالثة (١): وقد استدلَّ بعض علمائنا بحديثِ أبي هريرة وفعل أبي عُبَيْدَةَ في الأمر بإخراج الأزواد وجمعها، والمواساةِ على التّساوِي فيها، فإنّه جائزٌ للإمام عند قلَّةِ الطّعام وارتفاع السِّعْر وعدم القُوتِ، أنّ يأمر مَنْ عنده طعامٌ يفضلُ عن قُوتِهِ بإخراجه للبيعِ، ورأى أنّ إجبارَهُ على ذلك من الواجب، لما فيه من ترميقِ النَّاس وصلاح حالهم، وإحيائهم والإبقاء عليهم. وقد كان عمر يجعل مع أهل كلِّ بيتٍ مثل عددهم عام الرَّمَادَةِ، ويقول: لن يهلك امْرُؤٌ عن نصف قُوتِهِ. وهذا كلُّه في معنى الأزواد الّتي أتتِ السُّنَّة به، لما فيه من مصلحة العامّةِ وإدخالِ الرِّفْقِ عليهم، وقد قال مالك: لا يجوز احتكارُ الطّعامِ في سواحل المسلمين؛ لأنّ ذلك يضرُّ بهم ويزيد في غلاء سعرهم. الرّابعة (٢): احتجّ بعضُ علمائنا بحديث أبي عُبَيْدَة في جواز أكل الصّيد إذا أَنْتَنَ، وكذلك كلُّ ما ذُكِّيَ؛ لأنّه معلومٌ أنّ الحوتَ والمَيْتَةَ كلّها إذا بقيت أيّامًا نَتِنَتْ، وقد أكل أبو عُبَيْدَةَ وأصحابُه من ذلك الحوت ثماني عشرة ليلة، فلا شكّ أنّهم كانوا يأكلونه بعد أنّ نَتِنَ، والمُذَكَّى لا يضُرُّه نَتْنُهُ من جهة الحرام وإن كُرِهَ لرائحته. وقال جماعةٌ من أهلِ العِلْمِ: لا يأكلُ إذا أَنتن؛ لأنّه حينئذٍ من الخبائث، ورجسٌ من الأرجاسِ وإن كان مُذَكَّى، لما فيه من الضَّرَرِ. واحتجّوا بحديث أبي ثَعْلَبَةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : "كُلُوا الصّيدَ وإن وَجَدْتُموهُ بعد ثلاثٍ ما لم يُنْتِن" (٣).

стр. 3711

وذكروا أنّ جيش أبي عُبَيْدَةَ كانوا جِياعًا مُضْطَرِّين تحلُّ لهم المَيْتَة، فلذلك أكلوا ذلك الحوت بعد نَتْنِهِ. الخامسة (١): في هذا الحديث جوازُ أكل دَوَابِّ البحر، مَيْتَةً وغيرَ مَيتَةٍ، بخلاف قول الكوفييِّن (٢)؛ أنّه لا يجوزُ أكلُ شيءٍ من حيوان البحر، إلّا السّمك مالم يكن طافيًا، فإن كان السّمك طافيًا لم يؤكل أيضًا. والمشهورُ من مذهب أبي حنيفة؛ أنّه لا تؤكل ميتة البحر، وهذا خلاف لقوله ﷺ : "هو الطّهورُ ماؤُهُ والحِلُّ مَيْتَتُه" (٣) وقد أوضحناه في "كتاب الطّهارة" بأبدع بيان في هذا الحديث. السّادسة (٤): وإنّما اختلفَ العلّماءُ في جوازِ أكل كلِّ ما قَدْ ماتَ من غير سبب، وأمّا ما مات بسببٍ من الأسباب الّتي ذكرناها أو غيرها، فلم يُخْتَلَفْ في جوازِ أَكْلِهِ، وقد تقدّم الكلام فيه. وأمّا جوازُ أكل الصّيدِ إذا نَتِنَ، فعليه جماعةُ العلّماءِ، وإنّما منع منه من لم يتابع، وقد إنقطعَ الخلافُ في هذا المعنى بحديث أبي ثعْلَبَة الخشنيّ أنّ النّبيّ ﵇ قال: "كُلُوا الصّيدَ وإن وجدتموهُ بعد ثلاثٍ ما لم يَنْتِنْ" (٥) فإنّ معناه عندنا: ما لم يتغيَّر

стр. 3712

تغيُّرًا يَمْنَعُ أَكلَهُ، فاستثنَى ذلكَ على سبيلِ الكراهيّةِ والمنْعِ ممّا يَسْتَضِرَّ به، وقد أبدعنا أيضًا هذا في"كتاب الصّيد" فلينظر هنالك. حديث زيد بن أَسْلَم (١)، عن عَمْرِو بن سَعْدِ بن مُعَاذٍ، عن جدَّته؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "يا نساءُ المؤمناتُ، لا تَحْقِرَنَّ إحداكُنَّ لجارَتها ولو كُرَاعَ شاةٍ مُحْرَقًا". الإسناد: قال الإمام: الحديث صحيحٌ. عربيّة (٢): قوله: "يا نساءُ المؤمناتُ" يا نساءُ ههنا رفع، لا يجوز غير ذلك؛ لأنّ قولَه: "يا نساء" وقع على النّداء، والمؤمنات على عَطْفِ البَيَانِ، كما يقول: يا أخانا زيد، والمؤمنات أيضًا رفع، والمعنى فيه: يا أيّتها النّساءُ المؤمناتُ، وقد يجوزُ عند أهل العربيّة في المؤمنات النَّصْبُ، وأمّا إضافةُ النّساءِ إلى المؤمنات فلا يجوز (٣). وقيل: كأنّه قال: يا فاضلاتِ المؤمناتِ من النّساء (٤). الثّانية (٥): قولُه: "ولو كُرَاعَ شَاةٍ مُحْرَقًا" والكُرَاعُ مؤنّثةٌ عند سِيبَوَيْه، وكان حُكْمُه على هذا أنّ تكونَ مُحْرَقَةً، إلّا أنّ الرّوايةَ مذكّرًا وردت في جميع الموطآت وغيرها، وقال ابنُ

стр. 3713

الأنباري (١): وبعضُ العرَبِ يُذَكِّرُها، فيحتَمِلُ أنّ يكونَ ذلك على تلك اللّغةِ، والله أعلم. الفوائد: الفائدةُ الأولى: قوله: "لا تَحْقِرَنَّ إحداكُنَّ لصاحبتها ولو ظِلْفًا مُحْرَقًا" وإنّما ضربه النّبيُّ ﷺ مثلًا؛ لأنّ الظِّلْفَ المُحْرق لا يُعْطَى، فدلّ ذلك على أنّ الحديث ليس على ظاهره (٢)، كما قال: "من بني لله مسجدًا ولو مثل مفحص قطاة بني الله له بيتًا في الجنّة" (٣) ففي (٤) هذا الحديث الحض على فعل الخير، قليلًا كان أو كثيرًا، ويقوِّيهِ الحديث الصّحيح لأبي تميمة الهجيمي، قال رسول الله ﷺ له: "لا تَحْقِرَنَّ من المعروفِ شيئًا، ولو أنّ تَضَعَ من دلْوِكَ في إناءِ المُسْتَقِي" (٥). وقال الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (٦). ولقد أحسن محمود الوراق في قوله (٧): افْعَلِ الخيْرَ ما اسْتَطَعْتَ وَإنْ كا ... نَ قَلِيلًا فَلَنْ تُطِيقَ بكُلِّهْ وَمَتَى تَفْعَلُ الكَثِيرَ مِنَ الخيـ ... رِ إذَا كُنْتَ تَارِكًا لأَقَلِّهْ

стр. 3714

وقد تصدّقت عائشة ﵂ بحبّتي عِنَبٍ، وقالت: كم فيها من مثقالِ ذَرَّةٍ (١). الفائدةُ الثّانية (٢): وفي هذا الحديث: الحضُّ على برِّ الجار وصِلَتِهِ ورِفْدِهِ، وقد تقدّم ما في ذلك من الآثار، فلا معنى للتطّويل. حديث عبد الله بن أبي بكر (٣)؛ أنّه قال، قال رسول الله ﷺ : "قاتلَ الله اليهودَ، نُهُوا عن أكلِ الشَّحْمِ، فباعُوهُ وأكلوا ثَمَنَهُ". الحديث صحيح، وقد (٤) يُسْنَدُ من طريق عمر وابن عبّاس وأبي هريرة وجابر (٥). وقيل: إنَّ ابن عبّاس إنّما يروِيهِ عن عمر عن النّبي ﷺ (٦). وقيل: إنّه سمعه من النّبىِّ ﷺ (٧). عربيّة (٨): قوله: "قاتلَ الله اليهودَ" قيل: معناه لعنهم الله، قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ (٩) معناه: لُعِنُوا، ولفظه: "قاتل" وإن كان أصلها أنّ يكون الفعل من اثنين (١٠)، ولذلك يقال: تَلَاعَنَ الزّوجانِ، إذا وجدت الملاعنة من كلِّ واحدٍ منهما، وقد تجيءُ في كلام العربِ المفاعلةُ منَ الواحدِ، يقالُ: قاتلَهُ الله، بمعنى: فعلَ الله بهِ ذلكَ، ومنه: سافرَ الرَّجُلُ، وعالَجْتُ المريضَ.

стр. 3715

الفقه في مسائل: المسألة الأولى (١): ذكر النّبىُّ ﵇ العلّةَ الّتي عُوقِبُوا عليها بذلك، فقال: "نُهُوا عن أكلِ الشَّحْمِ، فباعوه؛ فأكلوا ثَمَنَهُ" والنّهىُ عن أكل الشّحْمِ لا يتناولُ النّهيَ عن أكل ثَمَنِهِ إلّا من جِهَةِ القياسِ والرّأيِ، وأنّ ما لا يجوزُ أكلهُ ممّا مُعظَمُ مَنفعَتِه الأكلُ؛ لا يجوزُ أكلُ ثَمَنِه، فلا يجوزُ أكلُ ثَمَنِ الخَمْر، ولا ثَمَنِ الخنزيرِ، ولا ثَمَنِ المَيْتَةِ وما جرى مجرى ذلك، وأمّا ما له منفعةٌ، فإنّه يجوزُ أكلُ ثَمَنِه وإن لم يَجُزْ أكلُه، كالعبيدِ والإماء، والله أعلمُ. الثّانية (٢): قال الإمامُ: ليس في الأُمَمِ طائفةٌ أعظمُ تعلُّقًا بالظّواهر من اليهود، ومنه هَلَكوا، فإنّهم رَأَوا في "التّوراة": "جاءَ اللهُ" و"نزلَ اللهُ" فأخذوا بالظّواهر في هذه الألفاظِ، فاعتقدوها جسمانيّة فهَلَكُوا، ونُهُوا عن الصّيدِ للحُوتِ، فكان يأتِيهم يومَ سَبْتِهِم، ويومَ لا يَسْبِتُونَ لا يأتيهم، فسَكَّرُوا الجَداوِلَ، فلمّا كان يوم السّبت، وأراد الحوتُ أنّ يخرُجَ لم يَجدْ مَنْفَذًا، فَجَرُّوهُ في يوم الأحدِ، فأخَذُوهُ، فمُسِخُوا قِرَدَةً وخنازيرَ. ونُهُوا عن أكل الشّحوم، فقالوا: نَبِيعُها ونأكلُ ثَمنَها؛ لأنّ أكلَ الثّمنِ ليس بأكل الشّحمِ. وهذه الطّريقة أراد أنّ يَسْلكَ داوُدَ، فقال: ما قال الله لا تزيدوا عليه حرفًا ولا يُتَأوَّل، فَهَمَّ بالبُنْيَانِ وهو قدْ هَدَمَ الكُلَّ ولأجل هذا كان مذهبُ مالكٍ أَشْرَفَ المذاهبِ؛ لأنّه قال بالاستنباطِ، وتتبّعه المَعَانِيَ،
следующие страницы →