← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

وذكروا أنّ جيش أبي عُبَيْدَةَ كانوا جِياعًا مُضْطَرِّين تحلُّ لهم المَيْتَة، فلذلك أكلوا ذلك الحوت بعد نَتْنِهِ. الخامسة (١): في هذا الحديث جوازُ أكل دَوَابِّ البحر، مَيْتَةً وغيرَ مَيتَةٍ، بخلاف قول الكوفييِّن (٢)؛ أنّه لا يجوزُ أكلُ شيءٍ من حيوان البحر، إلّا السّمك مالم يكن طافيًا، فإن كان السّمك طافيًا لم يؤكل أيضًا. والمشهورُ من مذهب أبي حنيفة؛ أنّه لا تؤكل ميتة البحر، وهذا خلاف لقوله ﷺ : "هو الطّهورُ ماؤُهُ والحِلُّ مَيْتَتُه" (٣) وقد أوضحناه في "كتاب الطّهارة" بأبدع بيان في هذا الحديث. السّادسة (٤): وإنّما اختلفَ العلّماءُ في جوازِ أكل كلِّ ما قَدْ ماتَ من غير سبب، وأمّا ما مات بسببٍ من الأسباب الّتي ذكرناها أو غيرها، فلم يُخْتَلَفْ في جوازِ أَكْلِهِ، وقد تقدّم الكلام فيه. وأمّا جوازُ أكل الصّيدِ إذا نَتِنَ، فعليه جماعةُ العلّماءِ، وإنّما منع منه من لم يتابع، وقد إنقطعَ الخلافُ في هذا المعنى بحديث أبي ثعْلَبَة الخشنيّ أنّ النّبيّ ﵇ قال: "كُلُوا الصّيدَ وإن وجدتموهُ بعد ثلاثٍ ما لم يَنْتِنْ" (٥) فإنّ معناه عندنا: ما لم يتغيَّر

стр. 3712

تغيُّرًا يَمْنَعُ أَكلَهُ، فاستثنَى ذلكَ على سبيلِ الكراهيّةِ والمنْعِ ممّا يَسْتَضِرَّ به، وقد أبدعنا أيضًا هذا في"كتاب الصّيد" فلينظر هنالك. حديث زيد بن أَسْلَم (١)، عن عَمْرِو بن سَعْدِ بن مُعَاذٍ، عن جدَّته؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "يا نساءُ المؤمناتُ، لا تَحْقِرَنَّ إحداكُنَّ لجارَتها ولو كُرَاعَ شاةٍ مُحْرَقًا". الإسناد: قال الإمام: الحديث صحيحٌ. عربيّة (٢): قوله: "يا نساءُ المؤمناتُ" يا نساءُ ههنا رفع، لا يجوز غير ذلك؛ لأنّ قولَه: "يا نساء" وقع على النّداء، والمؤمنات على عَطْفِ البَيَانِ، كما يقول: يا أخانا زيد، والمؤمنات أيضًا رفع، والمعنى فيه: يا أيّتها النّساءُ المؤمناتُ، وقد يجوزُ عند أهل العربيّة في المؤمنات النَّصْبُ، وأمّا إضافةُ النّساءِ إلى المؤمنات فلا يجوز (٣). وقيل: كأنّه قال: يا فاضلاتِ المؤمناتِ من النّساء (٤). الثّانية (٥): قولُه: "ولو كُرَاعَ شَاةٍ مُحْرَقًا" والكُرَاعُ مؤنّثةٌ عند سِيبَوَيْه، وكان حُكْمُه على هذا أنّ تكونَ مُحْرَقَةً، إلّا أنّ الرّوايةَ مذكّرًا وردت في جميع الموطآت وغيرها، وقال ابنُ

стр. 3713

الأنباري (١): وبعضُ العرَبِ يُذَكِّرُها، فيحتَمِلُ أنّ يكونَ ذلك على تلك اللّغةِ، والله أعلم. الفوائد: الفائدةُ الأولى: قوله: "لا تَحْقِرَنَّ إحداكُنَّ لصاحبتها ولو ظِلْفًا مُحْرَقًا" وإنّما ضربه النّبيُّ ﷺ مثلًا؛ لأنّ الظِّلْفَ المُحْرق لا يُعْطَى، فدلّ ذلك على أنّ الحديث ليس على ظاهره (٢)، كما قال: "من بني لله مسجدًا ولو مثل مفحص قطاة بني الله له بيتًا في الجنّة" (٣) ففي (٤) هذا الحديث الحض على فعل الخير، قليلًا كان أو كثيرًا، ويقوِّيهِ الحديث الصّحيح لأبي تميمة الهجيمي، قال رسول الله ﷺ له: "لا تَحْقِرَنَّ من المعروفِ شيئًا، ولو أنّ تَضَعَ من دلْوِكَ في إناءِ المُسْتَقِي" (٥). وقال الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (٦). ولقد أحسن محمود الوراق في قوله (٧): افْعَلِ الخيْرَ ما اسْتَطَعْتَ وَإنْ كا ... نَ قَلِيلًا فَلَنْ تُطِيقَ بكُلِّهْ وَمَتَى تَفْعَلُ الكَثِيرَ مِنَ الخيـ ... رِ إذَا كُنْتَ تَارِكًا لأَقَلِّهْ

стр. 3714

وقد تصدّقت عائشة ﵂ بحبّتي عِنَبٍ، وقالت: كم فيها من مثقالِ ذَرَّةٍ (١). الفائدةُ الثّانية (٢): وفي هذا الحديث: الحضُّ على برِّ الجار وصِلَتِهِ ورِفْدِهِ، وقد تقدّم ما في ذلك من الآثار، فلا معنى للتطّويل. حديث عبد الله بن أبي بكر (٣)؛ أنّه قال، قال رسول الله ﷺ : "قاتلَ الله اليهودَ، نُهُوا عن أكلِ الشَّحْمِ، فباعُوهُ وأكلوا ثَمَنَهُ". الحديث صحيح، وقد (٤) يُسْنَدُ من طريق عمر وابن عبّاس وأبي هريرة وجابر (٥). وقيل: إنَّ ابن عبّاس إنّما يروِيهِ عن عمر عن النّبي ﷺ (٦). وقيل: إنّه سمعه من النّبىِّ ﷺ (٧). عربيّة (٨): قوله: "قاتلَ الله اليهودَ" قيل: معناه لعنهم الله، قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ (٩) معناه: لُعِنُوا، ولفظه: "قاتل" وإن كان أصلها أنّ يكون الفعل من اثنين (١٠)، ولذلك يقال: تَلَاعَنَ الزّوجانِ، إذا وجدت الملاعنة من كلِّ واحدٍ منهما، وقد تجيءُ في كلام العربِ المفاعلةُ منَ الواحدِ، يقالُ: قاتلَهُ الله، بمعنى: فعلَ الله بهِ ذلكَ، ومنه: سافرَ الرَّجُلُ، وعالَجْتُ المريضَ.

стр. 3715

الفقه في مسائل: المسألة الأولى (١): ذكر النّبىُّ ﵇ العلّةَ الّتي عُوقِبُوا عليها بذلك، فقال: "نُهُوا عن أكلِ الشَّحْمِ، فباعوه؛ فأكلوا ثَمَنَهُ" والنّهىُ عن أكل الشّحْمِ لا يتناولُ النّهيَ عن أكل ثَمَنِهِ إلّا من جِهَةِ القياسِ والرّأيِ، وأنّ ما لا يجوزُ أكلهُ ممّا مُعظَمُ مَنفعَتِه الأكلُ؛ لا يجوزُ أكلُ ثَمَنِه، فلا يجوزُ أكلُ ثَمَنِ الخَمْر، ولا ثَمَنِ الخنزيرِ، ولا ثَمَنِ المَيْتَةِ وما جرى مجرى ذلك، وأمّا ما له منفعةٌ، فإنّه يجوزُ أكلُ ثَمَنِه وإن لم يَجُزْ أكلُه، كالعبيدِ والإماء، والله أعلمُ. الثّانية (٢): قال الإمامُ: ليس في الأُمَمِ طائفةٌ أعظمُ تعلُّقًا بالظّواهر من اليهود، ومنه هَلَكوا، فإنّهم رَأَوا في "التّوراة": "جاءَ اللهُ" و"نزلَ اللهُ" فأخذوا بالظّواهر في هذه الألفاظِ، فاعتقدوها جسمانيّة فهَلَكُوا، ونُهُوا عن الصّيدِ للحُوتِ، فكان يأتِيهم يومَ سَبْتِهِم، ويومَ لا يَسْبِتُونَ لا يأتيهم، فسَكَّرُوا الجَداوِلَ، فلمّا كان يوم السّبت، وأراد الحوتُ أنّ يخرُجَ لم يَجدْ مَنْفَذًا، فَجَرُّوهُ في يوم الأحدِ، فأخَذُوهُ، فمُسِخُوا قِرَدَةً وخنازيرَ. ونُهُوا عن أكل الشّحوم، فقالوا: نَبِيعُها ونأكلُ ثَمنَها؛ لأنّ أكلَ الثّمنِ ليس بأكل الشّحمِ. وهذه الطّريقة أراد أنّ يَسْلكَ داوُدَ، فقال: ما قال الله لا تزيدوا عليه حرفًا ولا يُتَأوَّل، فَهَمَّ بالبُنْيَانِ وهو قدْ هَدَمَ الكُلَّ ولأجل هذا كان مذهبُ مالكٍ أَشْرَفَ المذاهبِ؛ لأنّه قال بالاستنباطِ، وتتبّعه المَعَانِيَ،

стр. 3716

وإعراضِهِ عن الظّاهر إذا وجدها (١)، ألَّا ترى إلى قوله فيمن حَلَفَ ألَّا يأكُلَ هذا الطّعامَ، ولا يَلْبَسَ هذا الثّوبَ، أنّه لا ينْتفِعُ بهما في حالٍ، إذا كان المقصودُ معنَى اليمين أو فهم منه. قال أبو حنيفة والشّافعيّ: يَبِيعُهُ ويأكُلُ ثَمَنَهُ. وهذه فتوى يهوديّة، فمالك ﵀ أهدى طريقة، وأوضح حُجَّة، وأغوص على المعاني. حديث عيسى بن مريم في الزهد في الدُّنيا والتقلُّلِ منها مالك (٢)؛ أنّه بلغه أنّ عيسى بن مريم كان يقول: "عليكُم بالماءِ القَرَاحِ والبَقْلِ البَرِّيِّ وخُبْزِ الشَّعيرِ، وإيّاكُم وخُبْزَ البُرِّ فإنّكم لن تقوموا بشُكْرِه". قال الإمام: هذا حديثٌ عظيمٌ، ولنا فيه مآخذ ومعاني أوْدَعْناها في "سراج المريدين" ولكن نعطف ههنا العنان على نوعٍ من البيان على أربعة طُرُقٍ: الطريق الأوّل (٣): في سند الآثار وذكر ما ورد عنه من الآثار رَوَى الأعمش، عن أبي صالح رفعه إلى عيسى بن مريم قال: قال عيسى لأصحابه: "اتّخِذُوا المساجدَ مساكنَ، واتّخِذُوا البيوتَ منازلَ، وانْجُوا من الدُّنيا بسلامٍ، وكلوا من بقل البَرِيَّةِ" وزاد الأعمش فيه: "واشربوا من الماءِ القَرَاحِ" (٤). خبر آخر: ورَوَى مجاهد، عن عُبَيد بن عُمَيْر، قال: كان عيسى بن مريم لا يرفعُ غَذَاءً لعَشاءٍ، ولا غَشاءً لغَداءٍ، وكان يقول: إنَّ مع كلِّ يوم رِزْقَهُ، وكان يلْبَسُ الشَّعر ويأكل الشَّجر وينام حيث أَمْتَى (٥).

стр. 3717

خبر آخر: وَرُوِّينَا أنّ عيسى ﵇ قال له الحواريّون: يا عيسى، ما تأكلُ؟ قال: خبزَ الشَّعيرِ، قالوا: وما تَلْبَسُ؟ قال: الصُّوفَ، قالوا: وما تفترِشُ؟ قال: الأرضَ، قالوا: كلّ هذا شديدٌ قال: لن تنالوا ملكوتَ السّمواتِ والأرضِ حتّى تُصِيبوا هذا على لَذَّةٍ، أو على شهوةٍ (١). خبر آخر: روى الحسن البصري، قال: جاء رسولُ الله ﷺ إلى أهل الصُّفَّةِ، فقال: كيف أصبحتم؟ قالوا: بخير، فقال رسولُ الله ﷺ : أنتمُ اليوم خيرٌ، أم إذا غُدِيَ على أحَدِكُم بجَفْنَةٍ وَرِيحَ عليه بأُخْرى، وستَرَ أحدُكم بَيْتَهُ كما تُسْتَرُ الكعبةُ؟ قالوا: يا رسول الله: نصيبُ ذلك ونحن على ديننا؟ قال: نعم، قالوا: فنحن يومئذٍ خير، نتصدَّقُ ونَعْتِقُ، فقال رسول الله: لا، بل أنتم اليومَ خيرٌ، إنّكم إذا أصبتم ذلك تحاسَدْتُم وتباغضتم وتقاطعتم (٢). خبر آخر: من الدّليل على أنّ رسول الله ﷺ كان يَصُدُّ أصحابَهُ وَيرْدَعُهُم عن خواطرِ حُبِّ الدُّنيا، وما يعْرِضُ في القلوب من تَمَنِّيها، وُيزَهِّدُهُم فيها، ما ثَبَتَ عنه أنّه سأَلَتْهُ ابنتُه فاطمةُ ﵂ خادمًا تَخْدُمُها، ممّا أفاءَ الله عليه، تَصُونُها عن الطّحين ومؤنةِ البيت، فقال لها: "ألَّا أدُلُّكِ على ما هو خيرٌ لكِ من ذلك، تسبِّحينَ الله دُبُرَ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثينَ، وتحمَدِيه ثلاثًا وثلاثين، وتُهَلِّليه أربعًا وثلاثين" (٣). خبر آخر: ومثلُ ذلك حديثُ عقْبَةَ بنِ عامرٍ، قال: خرج علينا رسولُ الله ﷺ ونحن في الصُّفَّةِ، فقال: "أيُّكُم يُحِبُّ أنّ يَغْدُوَ إلى بُطْحَانَ أو العَقِيقِ، فيأتيَ منه بناقَتَيْنِ

стр. 3718

كَوْمَاوَيْنِ في غير إثمٍ ولا قَطِيعةِ رَحِمٍ"؟ قلنا: يا رسول الله، كلُّنا نُحِبُّ ذلك، قال: "أفلا أدُلُّكُم على ما هو خيرٌ لكم من ذلك، يَغْدُو أحدُكُم إلى المسجد، فيتعلَّمُ آيةً من كتابِ الله خيرٌ، له من ناقةٍ، وآيتين خيرٌ له من اثنين، وثلاثٌ خيرٌ له من ثلاثٍ وأربعٌ خيرٌ له من أربعٍ، ومن أعدادِهنَّ من الإبِلِ (١) ". خبر آخر: وممّا ثبتَ في الصّحيح، قوله ﷺ لأصحابه: "والله ما الفقرَ أخشَى عليكُم، ولكنِّي أخافُ عليكم ما يفتَحُ الله لكم من زهرةِ الدّنيا، فتتنافسُونَ فيها كما تنافَس من كان قبلكم، فتُهْلِكُكُم كما أهلكَتْهُم" (٢). هذا أشبه ما صحّ في هذا الباب من الأحاديث. عربيّة (٣): قوله: "عليكُم بالماءِ القَرَاحِ" وهو الخالصُ الّذي لم يمازجه شيءٌ، ولم يُمْزَجْ بعسلٍ ولا زبيبٍ، ولا غير ذلك ممّا تُصْنَعُ منه الأشربةُ (٤). و"البَقْلُ البرِّيُّ" يريد: الّذي لم يتقدّمْ عليه مِلْكٌ، وهو مباحٌ في أصله كماء الأنّهار. وقوله: "وخُبْزِ الشَّعِيرِ" يريد: فَتَقوَّتُوا به واقتصروا عليه، فهو أقلُّ ما يُمسِكُ الرَّمَقَ وتبقَى به الحياةُ؛ لأنّ الشَّعيرَ أقلُّ الأقواتِ. وقوله: وإيَّاكم وخُبزَ البُرِّ فإنّكم لن تقوموا بشُكْرِه" فنهَاهُم عن البُرِّ حَضًّا على التّقليل من الدّنيا والزّهد فيها، وفيما زاد على أيسر الأقوات منها، وإن كان قد عَلِمَ أنّهم ولَا سِوَاهُمْ لا يقومُ بشُكْرِ الماء ولا البَقْلِ، ولكنّه حضَّهُم على أقلِّ ما يمكن منه. ويحتَمِلَ - والله أعلم - أنّ ينصَرِفَ الضّميرُ في قوله: "فإنّكم لن تقوموا بشكره" إلى البُرِّ. ويحتَمِلَ أنّ ينصرفَ إلى الماءِ والبقْلِ والشَّعيرِ، فيكونُ معناهُ ما تقدّم، والله أعلم.

стр. 3719

وليس هذا بمخالفٍ لشريعتنا؛ فإنّ من النَّاس من يصْلِحُهُ هذا فَيَنْدُبُ إليه، ومنهم من يُصْلِحُه غيرُ هذا فَيَأْخُذُ به، والله أعلم. تنبيه (١): قوله: "فإنّكم لن تقوموا بِشُكْرِهِ" يعارض قول رسول الله ﷺ : "إذا قال العبد على طعامه: الحمدُ للهِ، فقد شَكَرَ تلك النِّعمة" (٢) هذا ممّا يعارِض حديث عيسى، وحديث جابر أنّه قال: "أفضلُ الشُّكْرِ الحمدُ للهِ" (٣). وقوله: "فإنّكُم لن تَقُومُوا بشُكْرِهِ" وكيف يقوم بشكر فرضه؟ فإنّه يقال: إنّه لن يصل إليه حتّى يدور على يد ثلاث مئة وستّين صانعًا، أوّلهم ميكائيل وآخرهم الخبّاز. وقوله: "لن تَقُوموا بِشُكْرِهِ" كلامٌ صحيحٌ (٤)؛ فإنّ سَدَّ الجُوعِ وسَتْرَ العوْرَةِ على الإطلاقِ والجُملةِ، بأوَّلِ دَرَجَاتِ الحاجةِ نعمةٌ عظيمةٌ، إذا أراد المرْءُ أنّ يعلمَ مِقدَارَها فليَنْظُرْهَا في سِوَاه، ولْيُقَدِّرْهَا في نفسِه، فكيف أنّ يَضُمَّ إلى ذلك الإسرافَ، حتّى تنكَسِرَ الشّهوةُ في لَذَّةِ الطِّعامِ وفي رِيَشَةِ الثِّياب في التمتّع باللّباسِ، فإذا استرسلَ العبدُ على ذلك هَلَكَ ولم يَتَأَتَّ له أملٌ؛ فإنّه أَمَدٌ لا غايةَ له، فلهذا المعنى قيل للنّبىِّ ﷺ : ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ الآية (٥). الطّريق الثّاني (٦): في الكلام على زهده

стр. 3720

واعلم أنّه ما بعثَ الله نبيًّا قطّ إِلَّا بالزُّهدِ في الدُّنْيا والنَّهيِ عن الرّغْبةِ فيها (١)، ودَعَوا الخلْقَ إلى ما هُمْ عليه، وهو الزّهدُ في الدّنيا، والزّهد في الدّنيا هو ضدّ الرّغبةِ فيها، والرّغبةُ فيها هو الاستعظامُ لها، والحِرْصُ عليها والمَيلُ إليها، فإذا كان الزُّهد هو ضدّ الرّغبة، فهو الاستصغارُ للدّنيا والاحتقارُ لزِينَتِها، الّذي يدعو إلى رَفْضِ فضولها، وأخْذِ القوام منها، عَوْنًا على طاعةِ الله، فلا يترُك الزّاهدُ منها شيئًا إلّا لله، ولا يأخذ منها شيئًا إلّا لله، عَوْنًا على طاعة الله ، ولا يتركها كلّها إذا صغرت عنده وهانت عليه، فيكونُ عاصيًا لله، إذْ قد تَرَكَ منها واجبًا أُمِرَ بأخذه، أو مقصِّرًا في حظِّهِ وقد نُدِبَ إلى أَخْذِهِ، لكنّه لما صَغُرَتْ عنده وهانت عليه، امتنع منها كما أَمَرَ الله في كتابه، وما أَخَذَهُ منها أَخَذَهُ على وجه العون على الطّاعة، وما ترك منها، ممّا يجوزُ له أخذه، تَرَكَهُ زُهدًا فيه، ليتقرَّبَ بذلك إلى خَالِقِه. فهذا هو الزُّهدُ عند جماعةِ العلماء، وإلى هذا أشار المحاسبيّ وكان من أهل الطّريقة (٢). وقد اختلف النَّاس وأرباب القلوب وطوائف العُبّاد في الزُّهد والوَرَع على أقوالٍ جمَّةٍ. الطائفة الأولى، قالت: إنَّ الزّاهد على الحقيقة من زهد في المباح، وأمّا الزُّهد في الحرام فَفَرْضٌ عليه الزّهد فيه وتركه، فهذا ينطلق عليه اسم الزّهد. وأمّا الوَرِعُ فهو الّذي يجتنبُ المحرمّاتِ، وَيتَوَقَّى الشُّبهات، ويترك أيضًا المُباح من الشّهوات، فكلُّ زاهدٍ ورِعٌ وليس كلُّ وَرعٍ زاهدًا، فالورعُ أعمّ من الزُّهد. وقال شقيق (٣) وسفيان الثّوري: إنَّ الزّهدَ في الدّنْيا قِصْرُ الأمل (٤)، وتوقّع نزول

стр. 3721

الموت به، وليس هذا القول بصحيح (١)؛ لأنّ قصْرَ الأملِ ليس هو الزّهد، وإنّما هو المعين على الزّهد؛ لأنّ مَنْ قصر أملُه وتوقَّع نزولَ الموتِ به زَهد في الدّنيا ولم يرغب فيها. الطّائفة الثّانية: قال الأوزاعيُّ وجماعةُ الفقهاءِ: إنَّ الزّهدَ بُغْضُ المَحْمَدَة (٢)، وبُغْضُ المحْمَدَةِ إنّما هو ببُغْضِ الدّنيا وأهلها، وبترك شهواتها، ومَحْمَدَةَ النّاسِ من الشّهواتِ، قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ الآية (٣). وقال سفيان بن عيينة (٤): الزّهد من غلب صبرُهُ الحرامَ وشكرُهُ الحلال (٥). قلنا: وليس هذا بالزّهد، وإنّما هو صفة الزّاهد؛ لأنّ من كان بهذه الصّفة فهو زاهدٌ. وقال الفُضيل بن عيّاض: الزّهد التّرك للدّنيا*، وليس الترك للدنيا هو الزُّهد، ولكنّه كائن عنه؛ لأنّه إذا زهد في الدنيا تركها. وليس قوله*: "التّرك للدّنيا" على عمومه؛ لأنّ من أحوال الدّنيا ما لا يجوز تركه، فلو قال: الزّهد ترك ما لا قُرْبَةَ فيه من أحوال الدنيا، لكان في العبارة عما قصد إليه أَوْلَى، وكان قد قارب الحقيقة في الزُّهد، إذ جعله المعنى الّذي يكون عن الزّهد، وهو فائدته الّتي تُقرِّبُه إلى الله. الطّائفة الثّالثة: قالوا: الزُّهد أنّ يكون الرَّجُلُ بما في يد الله أوْثَقَ ممّا في يديه (٦)، فجعل الزُّهد بعض التَّوَكُّل لمّا كانت الثّقة بما في يد الله دون ما في يده تبعثُ الواثق بذلك، على ألَّا يدَّخر ما بيده فيقدّمه لآخرته، وليس ذلك بصحيحٍ، إذ قد يكون الرّجلُ

стр. 3722

بما في يد الله أوثق (١). الطّائفة الرّابعة: قالوا: الزُّهْدُ هو البغضُ للدّنيا، وذلك أنّ الله ذَمَّ حبّ الدّنيا، فقال: ﴿تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ (٢) والبُغْضُ هو ضدّ الحبّ فسُمِّيَ الزّهد به، وذلك إذا بغضها لاحتقاره لها وصِغَر شأنّها عنده، أو قد يُبغِض الرّجل الدّنيا لضرّ نزل به فيها وخَطَرُها عنده عظيمٌ. فليس الزّهدُ في الدّنيا ضدّ الحبّ لها على الإطلاق، وإنّما هو ضدّ الرغبة؛ لأنّ الرّاغب فيها إنّما يرغب فيها لِعِظَمِ شأنّها عنده، والبغض فيها المندوب إليه بالشّرع لا بالطّبع؛ لأنّ الله قد زينها وحذّر منها ابتلاءً واختبارًا. وقال بعضُ النَّاس: إنّما الزّاهد من بغَضَ الدّنيا طبعًا بغريزته، كما يبغضُ الأَنْتَانَ (٣) وشبهها، وإن مَنْ لم يحلّ هذا المحلّ وإن بغضَ الدّنيا بأجمعها فليس بزاهدٍ وإنّما هو صابر. وهذا غلطٌ ظاهرٌ؛ لأنّ ما طُبعَ عليه الإنسان لا يُؤْجَر عليه إذ لا كَسْبَ له فيه، وإنّما يُؤْجَرُ الزّاهدُ على الصّبر على الزّهد فيما طُبعَ على محبته والبغض له، ولذلك أشار (٤) ابن المنكدر فقال: لو لقيت الله وليس لي ذنب إلّا حبّ الدّنيا لخشيت أنّ يقال: هذا أحبَّ ما أبغضَ الله، فوصف قائل هذا القول الزُّهدَ بحقيقة ما يكون عنه ولم يخرج عن معناه. ألَّا ترى أنّك تقول: زهدت في الدّنيا فهانت علىَّ، ولا

стр. 3723

تقول: هانت علىَّ فزهدت فيها. وكذلك سائر الأقوال لم يخرجوا (١) عن المعنى، وإنّما أخطؤوا في تسميتهم إياه، فسماه بعضهم باسم الزّهد، أو المعين عليه، أو المعبّر عنه. مسألة: قال علماؤنا (٢): إنّما الزّهد في الدّنيا وزينتها نافلةٌ مستحبَّةٌ، لا فريضة يستوجب الزّاهدُ بها رضي الله ورفع الدّرجات في جنّة المَأْوَى، وإن كانت الواجبات كلّها لا تكون إلاّ بالزّهد، فلا يسمَّى شيءٌ منها زهدًا، وقد اختصّت من الأسماء بما هو أليق بها من الزّهد، ألا ترى أنّ الإيمان لا يكون إلاّ بالزّهد في كل معبود سواه، والصّلاة لا تكون إلاّ بالزّهد في الاشتغال بما يصدّ عنها ويمنع منها، وكذلك سائر الفرائض والطّاعات. الطريق الرابع (٣): في أسباب الزّهد وما يتعلق به من المعاني وهي مختلفة الوجوه، وهي ستّة أشياء: الزّهد، والزّاهد، والمزهود فيه، والمُزَهَّد في الدّنيا، والمزهود من أجله، والسّبب الباعث على الزّهد الذي عنه يكون الزّهد، والمزهود له. تفصيل ذلك: فأمّا الزّهد في الدّنيا، فهو الإصغار لجملتها والاحتقار لجميع شأنها، لتصغير الله لها ولتحقيره إيّاها في غير ما آيةٍ من كتاب الله، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ

стр. 3724

وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (١)، ومثل قوله : ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ (٢)، ومثل قوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، إلى قوله: ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣)، وغير ذلك من الآيات يطولُ ذِكْرُها. وأمّا الزّاهد، فهو الّذي استصغر الدّنيا وأصرف قلبه عنها، وأقبل على الآخرة بالكُلَّيَّة، فتركها لِصِغَرِ قَدْرِها عنده، فلا يفرح بشيءٍ من الدّنيا، ولا يحزن على فقد شيءٍ منها، ولا يأخذ منها إلّا ما أُمِرَ بأَخْذِه، أو ما يُعِينُه على طاعة الله، ويكون قَلْبُه دائم الذّكر لله وذكر الآخرة. والتّفَكُّر فيما يؤولُ أَمْرُهُ إليه من شقاوة أو سعادة. وأمّا المزهود فيه، فهي الدّنيا الّتي هي ما حَوَاهُ اللّيل والنّهار، والاحتقار لجميعها وزينتها. وأمّا المزهود من أجله الباعث على الزّهد الّذي عنه يكون الزّهد، فخمسة أشياء: أحدها: أنّها مفتنةٌ مشغلة للقلوب عن التفكّر في أمر الله. والثّاني: أنّها تنقص عند الله درجات مَنْ رَكَنَ إليها. والثّالث: أنّ تركها قربة من الله وعلوّ مرتبته عنده في درجاتها من الجنّة. والرّابع: طولُ الحشر والوقوف في القيامة للحساب والسّؤال عن شكر النِّعَمِ. فهذا إذا فكّر فيه العبد زهد في الدّنيا. الخامس: رضوان الله والأمن من سخطه، وهو أكبرها، قال الله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٤).

стр. 3725

وأمّا غيرها فيتركّب على هذا النوع. وأمّا المزهود له، فهو الله سبحانه الّذي رفض الزّاهد الدّنيا من أجله، ابتغاء مرضات الله وخوفًا من عقابه (١). ولهذه الوجوه والتقسيمات أَمْرٌ يطولُ الكتابُ به، وقد فَرَّغْنَا منه في القسم الرّابع في "سراج المريدين" فَلْينْظَرْ هنالك، فهذا ما حضرنا في هذه العجالة في حديث عيسى بن مريم وزهده صلوات الله عليه. حديث مالك (٢)؛ أنّه بَلَغَهُ أنَّ رسول الله ﷺ دخل المسجدَ، فوجدَ فيه أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ وعمرَ بن الخطّاب، فَسَألُهُما، فقالا: أَخْرَجَنَا الجوعُ، فقال رسول الله ﷺ : وأنا أخرجَنِي الجوعُ، فذهبوا إلى أبي الهَيْثَم بنِ التَّيِّهَانِ الأنصاريّ، فأَمَرَ لهم بشَعِيرٍ عنده يُعْمَلُ، وقَامَ يذبح لهم شاةً، فقال رسول الله ﷺ نَكِّبْ عن ذات الدَّرِّ فذبحَ لهم شاةً، واستعذب لهم ماءً، فعُلِّقَ في نخلةٍ، ثمّ أُتُوا بذلك الطّعام فأكلوا منه، وشربوا من ذلك الماء، فقال رسول الله ﷺ : لَتُسْئَلُنَّ عن نعيم هذا اليَوْمِ. الإسناد (٣): قال الإمام: هذا الحديث قد يُسْنَدُ من طرقٍ كثيرةٍ أمثلها عن أبي هريرة، قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ في ساعةٍ لا يخرُجُ فيها، فأتاهُ أبو بكرٍ، فقال ﵇: ما أَخْرَجَكَ يا أبا بكرٍ؟ قال: خرجتُ للقاءِ رسول الله والنَّظَرِ في وجهه. قال: فلم يلبثْ أنّ جاء عمرُ، فقال: ما أخرَجَكَ يا عمرُ؟ قال: الجوعُ، قال: وأنا أجدُ بعضَ الّذي تَجِدُ، انطلِقُوا بنا إلى أبي الهَيْثَم بنِ التَّيِّهانِ، وكان كثيرَ النَّخْلِ والشَّاءِ، ولم يكن له خَدَمٌ، فأَتَوْهُ فلم يجِدُوهُ، ووجدوا امرأتَهُ، فقالوا: أين ذهَبَ صاحِبُكِ؟ فقالت: ذهب يستعذبُ لنا

стр. 3726

الماءَ من قناةِ بني فلانٍ، فلم يلبث أنّ جاءَ، فلمّا رأى رسول الله، جعل يَلْتَزِمُه ويفْدِيهِ بأبيه وأُمّه، فانطلق بهم إلى ظلٍّ وبَسَطَ لهم بساطًا، ثمّ انطلقَ إلى نخلةٍ، فجاء بِقِنْوٍ فوضَعَهُ بين أيديهم، فقال رسولُ الله: ألَا تَنَقَّيْتَ لنا من رُطَبه؟ فقال: أردتُ أنّ تتخيَّرُوا من رُطَبِه وبُسْرِهِ، فأكلوا ثمّ شرِبُوا من الماءِ، فلمّا فرَغُوا، قال رسولُ الله: "هذا والّذي نفسي بيده من النّعيم الّذي أنتم مسؤولون عنه، هذا ظلٌّ باردٌ، والرُّطَبُ الباردُ، عليه الماءُ الباردُ"، ثمّ انطلق يصنَعُ لهم طعامًا، فقال رسولُ الله: "لا تَذْبَحْ ذاتَ دَرٍّ" قال: فذَبَح لهم عَنَاقًا، فأكلوا، فقال رسول الله ﷺ : "هل لكَ من خادِمٍ؟ " قال: لا، قال: "فإذا أتانا شيءٌ - أو قال سَبْىٌ- فَأتِنَا"، قال: فجاء رسولَ الله رَأْسَانِ ليس لهما ثالثٌ، فأتاه أبو الهَيْثَمِ، فقال له رسولُ الله: "خذ أحدَهُما"، فقال: يا رسولَ الله، اختر لي. فقال رسولُ الله: "المستشارُ مُؤْتَمَنٌ، خُذْ هذا، فإنِّي رأيتُه يصلّي، واستوصِ به معروفًا". فأتَى به امرأتَهُ، فحدَّثها بحديثِ رسول الله، فقالت: ما أنت ببالغٍ ما قال رسولُ الله فيه حتّى تَعْتِقَهُ، قال: هو عَتِيقٌ، فقال رسولُ الله: إنَّ الله لم يبعَثْ نبيًّا ولا خليفةً إلّا وله بِطانَتَانِ؛ بِطانةٌ تأمُرُهُ بالمعروف وتنهاه عن المنكرِ، وبطانةٌ لا تَأْلُوهُ خَبَالًا، ومن يُوقَ بِطانةَ الشَّرِّ فقد وُقِيَ (١). قال الإمام: هذا هو الحديث الطّويل عن أبي هريرة الصّحيح. عربيّة: أبو الهيثم اسمه مالك، وهو من الأنصار (٢).

стр. 3727

وقوله: "من النَّعيمِ الّذي تسألون عنه" النّعيم عبارة في اللّغة عن الزّيادة كيف ما تصرّفت (١). وقوله: "واستعذب لهم ماءً" يريد: اختاره عَذْبًا وعلّقه في نخله ليبرد، وهذا كلّه يدلُّ على جواز إصلاح الطّعام والشّراب، والمبالغة في تطييبه بإتحاف الضّيف والصّديق بأفضل ما يجده منه، كما أخبر عن إبراهيم أنّه راغ إلى أهله فجاء بعجلٍ سمينٍ (٢). وقوله (٣): "نَكِّبْ عن ذات الدَّرِّ" يريد: ذات اللّبنِ، والدَّرُّ اللَّبَنُ، وهذا على سبيل النُّصْحِ له والتّوفير عليه، مع أنّ غيرَها ممّا لا منفعةَ فيها تقومُ مقامَها في صلاح تَطْيِيبِ طعامِهِم، وتَبْقَي منفعةُ هذه، فاحتاط عليه. الفوائد المطلقة: فيه أربع فوائد: الفائدةُ الأولى (٤): هذا الحديث أدخله مالك بلاغًا، وهو صحيحُ السَّنَدِ كما بينّاه وأسندناه، وكان مقصودُه فيه أنّ يُبَيِّن معيشةَ النّبيِّ وأصحابِه؛ فإنّهم كانوا إذا وجدوا شبعوا، وإذا فَقَدُوا صَبَرُوا، إذا رأوا ذا الحاجة عادُوا عليه بما في أيديهم حتّى يعودوا مِثلَهُم، وهذا أمرٌ لا طاقة لأحدٍ به، وأنت ترى المحتاجين إلى الغذاء العُراة من اللّباس، وبأيدي الخَلْقِ من الأموال ما لو أخرَجُوا منها ما لا يُحسُّ به، لَأغْنَى الخَلْق عن ذلك، ولكنّ الله قبضَ

стр. 3728

أيديَهُم حتّى يحكُمَ فيهم ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ الآية (١). الفائدةُ الثّانية (٢): فيه من السُّنَّةِ: أنّ النّبيَّ ﷺ لَمَّا غَلَبَتْهُ الحاجةُ خرجَ لِيَسْتَطْعِمَ، كما فعَلَ أخوه موسى مع الخِضْر ﵈، حين أَتَيَا أهلَ قريةٍ اسْتَطْعَمَا أهلَها. ورأى الصّوفيّةُ الصّبرَ على القضاءِ حتّى يأتيَ الرّزقُ، وقد جرّبوا ذلك فوجَدُوه، وجاءهم كما أرادُوه؛ لأنّهم أضيافُ الله فلا يعجزهم شيءٌ. وقيل لبعضهم - وقد حضَّ على التّفويضِ والتوكُّلِ، وَنَهَى أنّ يتعرَّضَ أحدٌ للطّلب، أو يُعْلِمَ بَشَرًا بالحاجة -: فادْخُل في بيتٍ، واطْمسْ عليك البابَ، وافْتَح في أعلاه كَوَّةً حتّى ترى إنَّ نزل عليك منها رِزْقٌ؟ قال: قد واللهِ فعلتُ ذلك سبعةَ أشهُرٍ، والتجربةُ تَقَعُ في ثلاثةِ أيّامٍ. قال الإمام: وهذا الّذي قالوه حقٌّ في دِينِ الله، وفي بَرِيَّتِهِ وحكمته، ولكنّها منزلةٌ رفيعةٌ لا تتأَتَّى لكلِّ أحدٍ، وقد كان رسولُ الله ﷺ أحقَّ الخَلْقِ بها، وأقدَرَهُم عليها وأولَاهُم، لرفيع منزلته بها، وكذلك موسى، ولكنّ أراد الله أنّ يهدي الخَلْقَ بهم، وُيبَيِّن السُّنَّة بهم؛ لَمَا علِمَ من ضَعْفِ توكُّلِهِم وقلَّة صبرِهِم. الفائدةُ الثّالثة (٣): والخروج عند الحاجة يكونُ على وجهين:

стр. 3729

إمّا بالتّعريض من غير سؤالٍ، كما فعلَ أبو هريرةَ حين خرجَ يَسْتَقْرِىءُ القرآنَ لعلّ يُفْهَم في صوتِهِ الجوعُ؛ صيانةً لماءِ الوجهِ، مع التّوَسُّل بالإعلامِ بالحاجةِ، فلم يَفْهَمْ ذلك أحدٌ منهم ممّن تعرّض له إلّا الرّسول (١). وإمّا أنّ يَخْرُجَ إلى شخصٍ معيَّنٍ يَغْلِبُ على ظنّه أنّه يَرْفَعُ حاجته. وإمّا أنّ يعْرِضَ نفْسَهُ على كلِّ أحدٍ، وهي الغايةُ في الكشفةِ (٢)، ولمّا خرجَ رسولُ الله إلى أبي الهيثمِ مع أصحابه، وخبزَ لهم وذَبَحَ واستَعْذَبَ، فبلغوا ما أرادُوا من ذلك، قال لهم النّبىُّ ﷺ : "لَتُسْئلُنَّ عن نعيمِ هذا اليومِ". إشارةً منه إلى أنّهم لو وَجَدُوا كِسْرَةً تُقيمُ الصُّلْبَ وتَحْفَظُ القوّةَ، لكان في ذلك كفايةٌ وغُنْيَةٌ، فكيف وقد وجدوا الأَثَافِىَّ الثّلاثةَ الّتي يَقُومُ بها قِدْرُ اللَّذَةِ، وهي الخُبزُ واللَّحمُ والماءُ الباردِ. الفائدةُ الرّابعة (٣): اختلف الشّارحون للحديثِ في ضبط قوله: "لَتُسْأَلُنَّ" هل هو بالتّاء على معنى خطاب النّبىِّ للقوم، أو بالنّون على معنى الإخبارِ عنه وعنهم، والنّبىُّ ﵇ لا شكّ مسؤولٌ، ولكن مضمونٌ عنه صِحَّةُ ما يقولُ، وسائرُ الخَلْقِ يتفاوتونَ في المرتبة، فأقواهُم حُجَّةً أعظمُهُم سلامة، وخصوصًا أبو بكرٍ وعمرَ، ولهذا طُرِحَ لعمرَ صاعٌ من تَمْرٍ فأكَلَهُ (٤) لحاجته إليه، ولو فَقَدَهُ لصَبَرَ عنه.

стр. 3730

نكتةٌ (١): وقوله ﷺ : "فذهبوا إلى أبي الهَيْثَمِ" يقتضي أنّهم ذهبوا إليه ليُطعِمَهُمْ ما يسدُّ جوعَهُم، فدلَّ ذلك على جوازِ قصْدِ المؤمنِ إلى صديقِهِ الّذي يَعْلَمُ سرورَهُ به ومبادَرَتِهِ إلى مشارَكَتِهِ عندَ الحاجةِ إلى ذلك، وليس فيه أنّهم ذكروا له جوعَهُم، فكان ذلك من التّعريض المعروف يُجْرِيهِ الله على يَدِهِ. وفي هذا الحديث ما كان عليه القومُ في أوّل الإسلام من ضِيقِ الحالِ وشَظَفِ العيشِ، وما زال الأنبياءُ والصّالحون يجوعون مرّةً ويَشْبَعُوَن أخرى. حديث مالك (٢)؛ عن عبد الله بن دِينَارٍ؛ عن عبد الله بنِ عمرَ؛ أنّه قال: سُئِلَ عمر بن الخطابِ عن الجرادِ، فقال: وَددْتُ أنّ عندي قَفْعَةٌ نأكلُ منه. عربيّة: قوله: "قَفْعَة" وهي عندهم ظرفٌ يُعْمَلُ من الحَلْفاءِ وشِبْهِها، مستطيلٌ (٣)، شبيةٌ بالْمِكْتَلِ (٤)، فتمنّى عُمَرُ بهَا مملوءَةً من جرادٍ. وقيل (٥): هي قُفُّةٌ أكبرُ من المِكْتَلِ، وأهلُ العراق يُسَمُّونَها جُلَّةً، وقال ابنُ مُزَيْنٍ: وأهلُ مصرَ يسمُّونَها زِنْبِيلًا. أحكامه: وسأل السّائلُ عمرَ عن الجراد: يريدُ أنّ السّائلَ سأَلَهُ أحلالٌ أَكْلُه أم لا، فكان على

стр. 3731

وجه الاستفهام، والفقهاءُ مجتَمِعُون على إباحةِ أكْلِهِ، وإنّما اختلفوا في ذَكَاتِهِ، هل هي شرطٌ في جواز أَكْلِهِ (١)؟ فكان مالك يقولُ: لا يؤكلُ حتّى يُذَكَّى، وذَكاتُه قَتْلُهُ كيف ما أمكَنَ؛ بالدَّوْسِ، أو قَطْعِ الرّأس، أو الطَّرْح في النّارِ، ونحوِ ذلك ممّا يُعَالَجُ به موتُهُ، إذ لا حَلْقَ له ولا لَبَّةَ، فَيُذَكَّىَ فيها أو يُنْحَر (٢). وقال الشّافعيُّ (٣) والكوفيُّ (٤) وسائرُ أهلِ العِلْمِ (٥): الجرادُ لا يحتاجُ إلى ذكاةٍ، وحُكْمُهُ عندَهم حُكْمُ الحِيتَانِ، ويُؤكَلُ الحيُّ منه والميِّتُ ما لم يُنْتِنْ. ما جاءَ في لُبَسِ الخاتَمِ قال الإمام: الأحاديث الواردة في هذا الباب ثمانية: الحديث الأوّل: ما رَوَى مالك (٦)، عن عبد الله بن عمر؛ أنّ رسولَ الله ﷺ كان يلبَسُ خاتَمًا من ذهبٍ، ثمّ قام رسولُ الله ﷺ فَنَبَذَهُ، وقال: "لا أَلْبَسُهُ أَبدًا" قال: فنبذَ النّاسُ خواتِمَهُمْ. الحديث الثّاني: مالك (٧)، عن صَدَقَةَ بنِ يَسَارٍ، قال: سألتُ سعيدَ بن الْمُسَيِّبِ عن لُبْسِ الخاتَمِ؟ فقال: الْبَسْهُ، وأَخْبِرِ النّاسَ أَنِّي أَفْتَيْتُكَ بذلك. قال الإمام: والّذي أفْتَى به سعيد إنّما هو في خاتم الفضّة.

стр. 3732

الحديث الثّالث: حديث علىِّ (١)، قال: "نهاني النّبىُّ عن التَّخَتُّمِ بالذَهبِ، وعن لباس القَسِّىِّ، وعن القراءةِ في الرّكوعِ والسّجودِ، وعن لباس المُعَصْفَرِ" حديث حسن صحيح. الحديث الرّابع: رُوِيَ أنّه جاء إلى رسولِ الله رجلٌ وعليه خاتَمٌ من شَبَهٍ (٢)، يعني من صُفْرٍ، فقال له النبيُّ ﵇: "إنّي لأجدُ منك ريح الأصنام". وجاء إليه آخرُ وعليه خاتَمٌ من حديدٍ، فقال له: "اطرح عنك حِلْيَةَ أهلِ النّار" وجاءَهُ آخر وعليه خاتَمٌ من ذهبٍ، فقال له: "اطرح عنك حِلْيَةَ أهلِ الجنّة في الدُّنيا" (٣). وقد رُوِيَ أنّه كان للنّبىِّ ﷺ خاتمٌ من حديد وقد لوّي عليه بفضّة (٤). الخامس: ورُوِيَ عن ابن مسعود، قال: كان رسولُ الله ﷺ يكْرَهُ عَشْرَ خصالٍ، أو قال: عَشْرَ خلالٍ من البدعةِ، كما كان يحبُّ عشرَ خلالٍ من الفطرة، قال ابن مسعود: الصّفرةَ - يعني الخَلُوق (٥)، وتغيير الشَّيب، وجرَّ الإزار، والتَّخَتُّمَ بالذَّهب، والتَّبرُّجَ بالزِّينة لغير محلِّها، والضّربَ بالكِعَاب، والرُّقَى إلّا بالمعوِّذات، وعقدَ التّمائم، وعَزْلَ الماء عن الجارية، وفسادَ الصَّبِىِّ - يعني الغِيْلَة - (٦). السّادس: قال علىٌّ ﵁: "نهى رسول الله ﷺ أنّ يتختّم في هذه وهذه،

стр. 3733

يعني الوُسْطَى والسَّبَّابَة" (١) فتأَوَّلَهُ التّرمذيّ (٢) على أنّه يكره التختّم في الأصبعين (٣)، وليس كذلك، وإنّما المعنى فيه - والله أعلم - إلّا يَتَشَبَّهَ الرّجالُ بالنِّساءِ بالتَّخَتُّم في الأصابع كلِّها. وقد صحَّ أنّ النّبىَّ ﷺ تختَّمَ في يمينه (٤) وفي يساره (٥)، واستقرَّ الحالُ على أنّ التّختُّمَ في اليسار، وهو زينةٌ مرخَّصٌ فيها لجميع الأُمَّةِ، وليس لها عندي معنى، بل هي ثقل لليد وشغل للبال. السّابع: عن أنس، أنّ النّبيَّ ﷺ اتَّخَذَ خاتمًا من ذهبٍ ثمّ نَبَذَهُ، واتّخذَ خاتَمًا من وَرِقٍ نَقَشَ فيه: محمَّدٌ رسولُ الله، فكان في يَد أبي بكرٍ، ثمّ في يدِ عمرَ، ثمّ سقطَ من يد عثمان في بئر أَرِيسٍ (٦) بعد أنّ أقام في يد عثمان ستّ سنين (٧). الحديث الثّامن: حديثٌ يُرْوَى عن أبي ريحانة؛ أنّه سمع النّبىَّ ﷺ (٨) "ينهى عن عشر خصالٍ: عن الوَشْمِ، وعن الوسم، والتَّختُّم لغير ذي سلطان" (٩) وهو حديثٌ

стр. 3734

ضعيفٌ (١). وقد أجمع النّاسُ بعد هذا القائل على جواز التَّخَتُّمِ. والذي استقرّ عليه الحال أنّ النّبىَّ ﷺ اتّخذَ خاتَمًا من فضّة وزن درهمين، والسّبب في كَسْبِهِ؛ أنّ النّبىَّ ﵇ أراد أنّ يكتب إلى الأعاجم، فقيل له: إنّهم لا يقرأون كتابًا إلّا مختومًا، فاتّخذه كلّه من فضّةٍ (٢). قال الإمام: هذا ما ورد من الأحاديث في لباس الخاتم. العربيّة: قال أهلُ العربيّة: في الخاتم خمسُ لغاتٍ، خاتمٌ، وخاتَامٌ، وخيتامٌ، وخيتوم، ذكر هذه اللّغات أبو عليّ في "البارع" (٣) له. الأحكام في خمس مسائل: المسألة الأولى (٤): الخاتَمُ عادةٌ في الأُمم ماضية، وسُنَّةٌ في الإسلام قائمة، أراد ﷺ أنّ يكتبَ إلى العَجَمِ يدعوهم إلى الله، فقيل له: إنّهم لا يقرأون كتابًا إلّا أنّ يكون مختومًا، فاتّخذَ الخاتَم لأجل ذلك، وكان قبلُ إذا كتب كتابًا خَتَمَهُ بظُفْرِهِ، ثمّ اتّخذ الخاتَم، فنقش فيه ثلاثة أسطارٍ: محمّد في سطرٍ، ورسول في سطرٍ، والله في سطرٍ (٥). المسألة الثّانية (٦): الاقتداءُ بالنّبيِّ ﷺ أصلٌ من أصولِ الدّينِ في فعله، كما هو أصل أنّ يُقْتدَى به في قوله، والقولُ هو الأوّلُ، والفعلُ محمولٌ عليه وإن كان مختلفًا في تفضيله، والصّحيحُ

стр. 3735

أنّه حُجَّة كما بينّاه في "أصول الفقه"، وهو حقيقة قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١) يعني: في قوله وفعله. المسألة الثّالثة: قال علماؤنا: التَّختُّمُ في الشّمال، ولا ينبغي في اليمين على حالٍ، والمُتَخَتِّمُ في اليمين رافضىٌّ مُبْغِضٌ لأبي بكر وعمر. وقد كانت قريش تختم في اليمين. واستقرَّ الحالُ على التَختُّم في الشّمال، والحكمةُ في التّخَتُّم في الشّمال إنّما هو لقلِّةِ التّصرُّف؛ لأنّ التّصرُّف إنّما هو باليمين، فإذا تختَّمَ في اليمين فكأنّه إظهارٌ للخاتَم في جميع الأحيان، وهذا فيه شيءٌ من التَّرَفُّهِ، وقد كان رسولُ الله يحبُّ التْيامُنَ في جميع أمَوره إلّا في الخاتم. وعلى التَّختُّمِ في الشّمال أجمع أهل السُّنَّةِ (٢)، وهو مذهبُ مالكٍ. ولو تَخَتَّمَ أحدٌ اليومَ في يمينه لَأُدِّبَ على ذلك؛ إلّا أنّ يجعلَه تذكرةً لحاجة يتذكّرها، كما يربط الإنسانُ خيطًا في أصبعه (٣). المسألة الرّابعة: ولا يكون الخاتَمُ إلّا من فضّةٍ، فإن كان فيه فَصٌّ من ذهبٍ، فإنّه لا يجوزُ، وإن كان فيه مقدار الحبّة من الذّهب لئلَّا تَصْدَأ، فقد كَرِهَ ذلك مالك في "العُتبيّة" (٤). ولا بأس أنّ ينقش في خاتَمِه اسم الله. فإذا كان في شماله، هل له أنّ يستنجي به أم لا (٥)؟ فقد تقدّم الخلاف في ذلك في كتاب الطّهارة، والصّحيح عندي أنّه لا يجوز الاستنجاء به. المسألة الخامسة: اختلف النَّاس في اتِّخاذِ الخاتَم لغير ذي سلطان، فأجازَهُ مالك، ولذلك أدخل

стр. 3736

حديث سعيد بن المُسَيَّب (١) أنّه قال عن صَدَقَةَ بن يَسَارٍ، سألت سعيد بن المُسَيّب عن لُبْسِ الخاتَم؟ فقال: الْبَسْهُ وأخبِرِ النّاسَ أنِّي أَفْتَيْتُكَ بذلك. فأدخله مالك ردًّا على علماء الشَّام لأنّهم يمنعون من ذلك لغير ذي سلطان. نكتةٌ: وأمّا التَختُّم بالذّهب، فإنّه منسوخٌ من فِعْلِهِ (٢)، ونَبْذِهِ والمنسوخُ لا يَحِلُّ استعمالُه، وهذا للرّجال، وأمّا للنّساء، فلا خلاف بين العلماء أنّ التَّختُّم بالذّهب للنّساء جائزٌ. ما جاء في نَزْعِ المَعَاليق والجَرَس من العين (٣) حديث عبَّاد بن تَمِيم (٤)؛ أنّ أبا بشير الأنصاريّ أَخْبَرَهُ، أنّه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسلَ رسولُ الله ﷺ رسولًا والنّاسُ في مَقِيلِهِمْ: "لا تَبْقَيَنَّ في رقَبَةِ بَعِيرٍ قِلادَةٌ من وَتَرٍ، أو قِلادةٌ إلّا قُطِّعتْ" وتأوّله مالك أنّ ذلك من العين، وهو الصّحيح. الإسناد (٥): قال الإمام: هكذا هذا الحديث في "الموطَّأ" عند جمهور الرُّوَاةِ، ورواهُ رَوْحُ بنُ عُبادةَ (٦)، عن مالكٍ بإسناده، فقال فيه: فأرسلَ رسولُ الله زيدًا مولاهُ.

стр. 3737

الأصول (١): المعاليق فيها كلامٌ طويلٌ، مختصرُه: أنّ من علَّقَ في عُنُقِ دابَّتِه عِلاقَة، فلا يخلو أنّ يقصد بها الجمال، أو يقصد بها دفع المَضَرَّة من عينٍ أو غيره، فإن قصد بذلك الجمال لم يكن عليه في ذلك حَرَجٌ إذا كان ذلك غير مُضِرٍّ بالدابّةِ، فقد رُوِيَ عن النبيِّ ﵇ أنّه إنّما أمر بقطع الأوتار لِئَلَّا تختنق الدّابَة عند عَدْوِها، فلو كانت متَّسِعَة لم يمنع من ذاك على معنى هذا الحديث. وإن كان إنّما علّقها من العين، فقد قالوا: إنَّ ذلك لا ينبغي، ولا يجوز تعليق شيءٍ على جهة التّقية قبل نزول المرض. وقيل: لا يجوز بعد نزول المرض، لما رُوِيَ أنّ رسول الله ﷺ قال: "من علّق شيئًا وُكِلَ إِلَيْهِ" (٢). وعن عُقْبَة بنِ عامِرٍ، قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "من علَّق تميمةً فلا أَتَمَّ الله له، ومن علَّقَ وَدَعَةَ فلا وَدَعَ الله لَهُ" (٣). وقال بعض النَّاس: إنّما نَهَى رسولُ الله ﷺ ألَّا تبقى قِلَادَة في عُنُقِ بعيرٍ؛ لأنّ الجاهليّة كانت تجعل الأوتار في أعناقها تَعَوُّذًا بذلك، فَنَهَى النّبىُّ ﷺ عن ذلك، وبَيَّنَ أنّه لا يجوز التَّعوُّذُ بغير اسم الله تعالى. والّذي (٤) يَصِحُّ من هذا، أنّ النّبي كان يرقي قبل نزول البلاء، ويأمرُ بالاستعاذةِ تقيِّة أنّ ينزل، وكان لا يعلِّق شيئًا ولا يأمر به. فإن علَّقه على نفسه من أسماء الله تعالى الصّريحة، فذلك جائزٌ؛ لأنّ من وكل إلى أسماء الله تعالى فقد أخذَ الله بيده.

стр. 3738

المسألة الثّانية: وقد قال مالك: لا بأس بتعليق الكُتُبِ الّتي فيها اسمُ الله تعالى على أعناق المرضَى (١)، وكرِهَ من ذلك ما أُريدَ به مدافعة العين (٢). وقالت عائشة ﵂: من علّق بعد نزول البلاءِ فليس بتميمةٍ (٣). وقد رُوِيَ عن ابن مسعود أنّه قال: الرُّقَى والتَّمائمُ والتِّولَةُ (٤) شِرْكٌ، فقالت له أمّ امرأته: ما التِّولَةُ؟ قال: التّهيجُ (٥). المسألة الثّالثة (٦): ولا بأس أنّ يعلِّقَ العَوْذَةَ فيها القرآنُ وذِكْرُ الله على جهة أُنْسِ النَّفْسِ بذِكْرِ الله، كما قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٧)، ويكونُ ذلك إذا خُرزَ عليها جِلْدٌ، ولا خَيْرَ في أنّ يَعْقِدَ في الخَيطِ الّذي يَرّبِطُ به، ولا في أنّ يَكْتُبَ في ذلك: خاتَمُ سُليمانَ، قاله مالك. وقال: لا بأس أنّ يُعَلِّقَ الحِرْزَ من الحُمْرَةِ (٨).

стр. 3739

ولا بأس بالنّشرة بالأشجار والأَذْهَانِ، ورُوِيَ أنّ عائشة ﵂ سُحِرَت، فقيل لها في منامها: خذِي ماءً من ثلاثة آبارٍ تجري بعضها إلى بعض، فاغْتَسِلي به، فَفَعَلَتْ، فذهب عنها ما كانت تَجِدُهُ (١). وسُئِل مالك في "العُتبية" (٢) عمّا (٢) يُعَلِّقُ من الكتبِ؟ فقال: ما كان من ذلك فيه كلام حسن فلا بأْسَ به. فصل في ذكر التّرجمة (٣) ذكر مالك في التّرجمة في هذا الباب نَزْعَ المَعَالِيقِ والجَرَسِ من العينِ، ولا ذِكْرَ لها في الحديث، إلّا بمعنى أنّها لا تُعَلَّقُ في عُنُقِ البعير إلّا بقِلادَةٍ، فاقتضَى الأمرُ بنَزْعِ القلائدِ الأَمْرَ بنَزعِهَا، إلّا أنّ هذا إنّما يكونُ إذا حُمِلَ الأَمْرُ بنزعِ القلائدِ على عُمُومِهِ. وعن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا تَصْحَبُ الملائكةُ رُفْقَةً فيها كَلْبٌ ولا جَرَسٌ" (٤) صحيح حسن (٥). قال الإمام (٦): أمّا الأجراسُ، فلا تجوزُ بحالٍ؛ لأنّها أصواتُ الباطلِ وشِعَارُ الكفّار. وأمّا صُحْبَةُ الكلابِ، فكان ذلك عند النّهي عن اتّخاذها. فإن احْتيجَ إليها، جازَ ذلك ولم يمنع من صحبتها.

стр. 3740

الوُضوءُ من العَيْن قال الإمام: الأحاديث الواردة في هذا الباب ثلاثة: الأوّل: ما رواه مالك (١). الحديث الثّاني: "لا شيءَ في الْهَامِ والعيْنُ حقٌّ" (٢). الثّالث: عن ابن عبّاس قال رسول الله ﷺ : "لو كان شيءٌ سَابَقَ القَدَرَ لَسَبَقَتْهُ العينُ، فهذا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا" (٣). التّرجمة: قال الإمام: بوَّبَ مالك ﵁ في موضع، فقال: "بابُ الرُّقْيَة من العين" (٤)، وفي موضع: "باب الوضوء من العين" (٥) وفائدةُ ذلك؛ أنّ العائنَ لا يَخلُو أنّ يُعْرَفَ أو يُجْهَلَ، فإن كان معروفًا، توضّأ للمعيون فَتَدَاوَى، كما رُوِىَ عنِ النّبىِّ ﷺ (٦). وإن كان مجهولًا، اسْتَرقَى منه، كما رُوى في الحديث: "إنَّ هؤلاء تُسْرِعُ إليهما العينُ" الحديث (٧). الأصول (٨): اعلموا أنّ الله تعالى هو الخالقُ وحدَهُ، فليس في السّمواتِ ولا في الأرضِ حركةٌ ولا سَكَنَةٌ، ولا كلمةٌ ولا لَفْظَةٌ، إلّا والبارىءُ هو خالِقُها في العبدِ، ومُصَرِّفُها فيه، ومُقَدِّرُها له، وهو تعالى يُرتِّبُ أفعالَهُ ويُنَظِّمُ أسبابَها، وُيرَتِّبُ الفوائدَ على الأسبابِ، ولو

стр. 3741

شاء لقَطَعَ الرّوابطَ وخَلَقَ الكلَّ ابتداءَ. وإنّما نَظمَ هذا ليُنَبِّهَ الغافلينَ على ذلك، فيقال: إنَّ الله هو الفاعلُ لكلِّ شيءٍ، وأجْرَى العادةَ بكذا. وقد يفهَمُ الخَلْق حكمةَ الله في جَرْيِ الأسباب (١). وهذا كلّه يردُّ على الفلاسفةِ حيثُ ذهبوا إلى أنّ ما يُصيبُ المَعِينَ من جهة العائن، إنّما هو صَادرٌ عن تأثير النَّفْسِ بقُوِّتِها فيه، فأوّلُ ما تُؤثّرُ في نفسها، ثمّ تقوى فتؤثّر في غيرِها. وقيل: إنّما هو سُمٌّ في عينِ العائنِ يصيبُ لفحه المَعِين عند التّحديق إليه، كما يصيبُ لفح سُمّ الأفاعي من تتّصلُ به. وقالوا أيضًا: إنَّ تأثيرَ الأشياءِ بعضها في بعضٍ يفترق إلى أربعة أوصاف: ١ - منها: تأثيرُ الأجسامِ في الأجسامِ، كالمغْنَطِيس في الحديد. ٢ - ومنها: تأثيرُ الأَنْفُسِ في الأَنْفُسِ، كالسِّحرِ والرُّقية. ٣ - ومنها: تأثيرُ الأَنْفُسِ في الأجسامِ، كالعينِ والرّقية. ٤ - وإنّ هذه كلّها عوارض تُؤثِّر. وقد أبطلنا قولهم بثلاثة أمور: الأوّل: ما ثبت أنّه لا خالِقَ إلّا الله. الثّاني: إبطالُ التَّوَلُّدِ، إذ يقولون: إنّه يتولَّدُ من كذا وكذا، وليس يَتَولَّدُ شيءٌ من شيءٍ، بل المُوَلد والمتولّد عنه كلُّ ذلك صادرٌ عنِ القُدْرَة دون واسطةٍ. الثّالث: أنّه لا يصيبه من كلِّ عينٍ ولا من كلّ متكلّمٍ، ولو كان برسم التَّولُّد لكانت عادة مستمرّة، ولثبتت في كلِّ الأحوال.

стр. 3742

وأمّا الّذين يقولون: إنّها قوّةٌ سُمّيّة كقّوة سُمِّ الأفاعي، فإنّها طائفةٌ جهلية، وقد وقعت في عَمِيَّة، لا على عقلٍ حصلت، ولا في الشّريعة دخلت، ولا بالطِّبِّ قالت، وهل سُمُّ الأفعى إلّا جزء منها! فكلُّها قاتلٌ، والعائنُ ليس شيءٌ يقتلُ منه في قولهم إلّا نَظَرُهُ، وهو معنى خارج عن هذا كلّه. والحقيقة والحقّ فيه: أنّ الله سبحانه يخلُق عند نَظَر المُعاين إليه وإعجابه به إذا شاء ما شاء من ألمٍ أو هَلكةٍ، وكما لا يخلقه بإعجابه وبقوله فيه، فقد يخلقه ثمّ يصرفه دون سببٍ، وقد يصرفه قبل وقوعه بالاستعاذة، فقد كان النّبىُّ ﷺ يعوذ الحسن والحُسَيْن بما كان أبوه يُعَوِّذُ به ابنَيْه إسماعيل وإسحاق: "أعوذ بكلماتِ الله التامّة، من كلِّ شيطانٍ وهَامّة، ومن كلِّ عينٍ لَامّة" (١). وقد يصرفه بعدَ وُقوعِه بالاغتسال؛ فإنّه أَمَرَ ﷺ بالغُسْلِ، وأَمَرَ الّذي يُسأل الغسل أنّ يُجيبَ إليه، كما تقدّم في قوله: "وإذا اسْتُغْسِلْتُمْ" (٢) أي: سُئِلْتُم الغسل فأجيبوا إليه. مسألة (٣): واختلف النَّاس في العائن، هل يُجبَر على الوضوء للمعيون أم لا؟ واحتجّ من قال بالجَبْرِ بقوله في "الموطَّأ" (٤):"توضَّأ له"، وبقوله في "مسلم" (٥): "وإذا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا". وهذا أمرٌ يُحمَلُ على الوُجُوبِ، ويَبْعُدُ الخلافُ فيه إذا خُشِيَ على المعيون الهلاك، وكان وضوء العائن ممّا جرتِ العادةُ به بالبُرْءِ به، أو كان الشّرع أخبر به خبرًا

стр. 3743

عامًّا، ولو لم يكن زوال الهلاك عن المعيون إلّا بوضوء هذا العائن؛ فإنّه يصير من باب من تَعَيَّنَ عليه إحياء نَفْسِ مسلمٍ، وهو يُجْبَرُ على بذل الطّعام الّذي له ثَمنٌ ويضرُّ بَذْلُه، فكيف بهذا الّذي يرفع الخلاف فيه. المسألة الثّانية (١): قوله في الحديث الصّحيح: "فلْيَغْسِلْ له دَاخِلَةَ إِزَارِهِ" (٢) وقد اختلَفَ النّاسُ في ذلك: فمنهم من قال: هو كِنايةٌ، يعني بداخلة إزاره: فَرْجَهُ (٣). والظّاهر منه - بل هو الحقّ -: أنّ يريدَ به ما يلي البدن من الإزار. وقد وصف النّاسُ الغُسْلَ، وأخصُّ النَّاس به مالك؛ لأنّ النّازلةَ كانت في بَلَدِه، ووقعت بجيرانه، فنقلوها وقد حصّلوها مشاهدةً، وذلك بأن يغسل وجهه، ويديه ومرفقيه، ورُكْبَتَيْه وأطراف رجليه، ودَاخِلَة إزاره، في قَدَحٍ، ثمّ يصبّ عليه (٤)، ومن قال: لا يجعل الإناء في الأرض ويغسل كذا بكذا، فهو كلّه تحكُّمٌ وزيادةٌ، وقد يصرفه اللهُ بالتّبريك، وقد قال النّبىُّ ﵇ لعامر بن رَبِيعَة: "عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخاهُ؟ ألَّا بَرَّكْتَ" (٥)، وهذا إعلامٌ وتنبيهٌ بأنّ البركةَ تدفعُ تلك المضرّة، والله أعلم.

стр. 3744

الرّقية من العين مالك (١)، عن حُمَيْدِ بنِ قَيْسٍ؛ أنّه قال: دُخِلَ على رسولِ الله بِابْنَي جعفرِ بن أبي طالبٍ، فقال لحاضِنَتِهما: مالي أراهما ضَارِعَيْنِ؟ فقالت حاضِنَتُهُما: يا رسولَ الله، إنّه تَسْرَعُ إليَهما العينُ، ولم يمنَعْنَا أنّ نَسْتَرْقِيَ لهما إلّا أنّا لا ندري ما يُوَافِقُك من ذلك، فقال رسول الله ﷺ : "اسْتَرْقُوا لهما، فإنّه لو سبقَ شيءٌ القَدَرَ لَسَبَقَتْهُ العينُ". الإسناد (٢): قال الإمام: هكذا رواهُ أصحابُ مالكٍ عن مالك في "الموطَّأ" عن حُمَيْد، ولم يذكره غيرهُ، ورواه ابنُ وهبٍ في "جامعه" منقطعًا (٣)، وهو يُسْنَدُ من حديث أسماء بنت عُمَيسٍ، وجابر، وغيرِهما من طرق صِحَاحٍ (٤). العربيّة (٥): قوله: "ضَارِعَيْنِ" أي: ضعيفين نَاحِلَيْنِ، وللضّراعَةِ وجوهٌ في اللّغة (٦). والحاضنةُ والحضانَةُ معروفةٌ، وقد تكون الحاضنةُ هنا أمّهما أسماء بنت عُمَيْس، كانت تحتَ جعفرِ بنِ أبي طالبٍ، ومعه هاجَرَت إلى الحَبَشَةِ، وولَدَت له هناك عبدَ الله ابنَ جعفرٍ، ومحمّدَ بنَ جعفرٍ، وعَوْنَ بنَ جعفرٍ، وهَلَكَ عنها بغزوة مُؤْتَة، فخلَفَ عليها بعدَهُ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، فولَدَت له محمّدَ بنَ أبي بكرٍ، ثمّ هلَكَ عنها، فتزوّجها عليُّ بنُ أبي طالبٍ، فولَدَت له يحْيَى بنَ علىِّ، على ما ذَكَرَهُ الواقديّ (٧).

стр. 3745

الأحكام في ستّ مسائل: المسألة الأولى (١): هذا الحديث فيه دليلٌ على أنّ العين حقٌّ يُتَأَذَّى بها، وأن الرُّقَى تنفعُ منها إذا قدّر الله بذلك. فالشّفاءُ بِيَدِ الله لا شريك له، وسبيلُ الرُّقَى سبيلُ سائرِ العلّاج والطِّبِّ. الثّانية (٢): قولُه: "لو سَبَقَ شيءٌ القَدَرَ لسبَقتهُ العينُ" دليل على أنّ الصِّحَّة والسَّقَم بيد الله وقد عَلِمَهُما الله، وما عَلِمَهُ الله لابدّ من كونه على ما عَلِمَهُ، لا يُجَاوِز وقته، ولكنّ النّفس تسكُن إلى العلّاج والطِّبِّ والرُّقَى، وكلُّ ذلك سبب من أسباب الله وعِلْمِهِ. الثّالثة (٣): قولها (٤): "كان رسولُ الله ﷺ يَأمُرُنِي أنّ أسْتَرْقِيَ من العينِ" وجميعُ الرُّقَى عندنا جائزةٌ إذا كانت بكتاب الله وذِكْرِ الله، ويُنْهَى عنها بالكلام العجميّ ومالا يُعرَف معناه؛ لأنّه يجوزُ أنّ يكونَ فيه كُفْرٌ لا يُعْرَف أنّه كفرٌ أو شِرْكٌ. وقد كَرِهَ مالك أنّ يَحْلِف بالعجميّة، قال: وما يُدْرِيهِ أنّ الّذي قال كما قال (٥). الرّابعة (٦): وأمّا رُقْيَةُ أهلِ الكتابِ، فاخْتُلِفَ فيها، وأخَذَ مالك بكراهيّتها (٧)، على أنّه رَوَى في

стр. 3746

"موطَّئه" (١) عن الصِّدِّيق ﵁؛ أنّه أمر الكتابيّة أنّ ترقي بما في كتاب الله (٢). وكانتِ العربُ ترقي من النَّمِلَةِ (٣). وأمّا الرُّقَى بكتاب الله وأسمائه وتعظيمه، فهو الشِّفاء الأعظم والدّواء الأنفع. الخامسة (٤): إذا كان الأفضل الرُّقية بكتاب الله، فالفاتحةُ أصلٌ، وفيها الحديث الصّحيح في قطيع الغنم (٥)، وبالمعوّذتين، فقد كان ﷺ لا ينام حتّى يقرأ الصَّمَد والمُعَوِّذتين، ويَنْفُثُ في يَدَيْهِ ويمسحُ بهما وجهه وما أدرك من بَدَنِه (٦). ورَوَى التّرمذيّ (٧)؛ أنّ النّبيَّ ﷺ كان يتعوَّذُ من الجانّ وعينِ الإنسانِ، حتَّى نزلت المُعوِّذتان. وفي الصّحيح؛ أنّ الّذي يُتَعوَّذُ به من الجانّ آيةُ الكرسىِّ (٨)، والله أعلم، وبالكلمات

стр. 3747

التامّات المرويّة عنه في تَعَوُّذِ الحسن والحسين (١)، وفي تعوّذ جبريل (٢)، وهو أثبتُ، والله أعلمُ. السّادسة: فإن قيل: ما تقولون في رقْيَةِ البهائم، هل ينجع ذلك فيها؟ قلنا: ذلك جائزٌ ونافعٌ إنَّ شاء الله، لحديث ابن نَوْفَلٍ (٣) قال: كُنَّا عندَ عبد الله (٤)، فجاءت أُمُّةُ فقالت له: ما يُجلِسُكَ، إنَّ فلانًا قد لَقَعَ فَرَسَكَ (٥) لَقْعَةً، فلم يأكُل ولم يشْرَبْ ولم يرُثْ منذُ كذا، وهو يدورُ في فَلَكٍ (٦)، فالْتَمِسْ له راقِيًا، قال عبدُ الله: لا تَلْتَمِسْ له راقيًا، ولكن ابصق في مَنْخَرهِ الأيمنِ ثلاثًا، وفي منْخَرِهِ الأيسرِ ثلاثًا، وقُلْ: "بسْم الله لا بَأْسَ، أَذْهِب البَاسَ، رَبَّ النّاسِ، واشْفِ أنتَ الشّافِي، إنّه لا يُذْهِبُ الكَرْبَ إلّا أنتَ" فصنع ذلك به، ثمّ رجعت، فقالت: ما جئتُ حتّى أكلَ وشَرِبَ ورَاثَ ومَشَى (٧). ورواه الطَّبَرِيُّ وزاد فيه: "انفخ في المنخر الأيمن ثلاثًا، وفي الأيسر أربعًا". وفي الحديث: "الرُّقية سبع مرّات، وأقلُّ الرّقية ثلاث، وأكثرها سبع" (٨). وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إنِّي أرقي من العقرب، فقال رسول الله: "منِ استطاعَ منكم أنّ ينفعَ أخاهُ فلْيفْعَلْ" (٩).

стр. 3748

وأمّا ذلك الخاتم الّذي يكتبه الرَّقَّاؤون فلا يحلّ؛ لأنّه لَا يُعرَف المعنى منه. ما جاء في أجر المريضّ مالك (١)، عن زَيْد، عن عطاء؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إذا مرِضَ العبدُ بعثَ الله إليه مَلَكيْنِ، فقالَ: انْظُرا ماذا يقول لِعُوَّادِهِ، فإن هو، إذا جاؤهُ، حَمِدَ الله وأثنَى عليه، رَفَعَا ذلك إليه وهو أَعْلَمُ، فيقول: لِعبْدِي عَلَىَّ إنْ تَوَفَّيْتُه أنّ أُدْخِلَهُ الجنّةَ، وإن أنا شَفَيْتُه أنّ أُبْدِلَ له لحمًا خيرًا من لَحْمِه، ودمًا خيرًا من دَمِهِ، وأن أُكَفِّرَ عنه سيِّئاتِه". الإسناد (٢): قال الإمام: الحديث صحيح منقطعٌ، وأسْنَدَهُ (٣) عبّادُ بن كَثِيرٍ وكان رجلًا فاضلًا. الفوائد فيه أربعة: الأولى: في سرد الأحاديث (٤) الواردة في هذا الباب روى عطاءُ بن يَسَارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أصابَ الله العبدَ بالبلاءِ، بعثَ إليه مَلَكَيْنِ، فقال: انْظُرَا ماذا يقول لِعُوَّادِهِ، فإن قال لهم خيرًا فأنا أُبْدِلَهُ بلَحْمِهِ لحْمًا خيرًا من لَحْمِهِ، وبِدَمِهِ دَمًا خيرًا من دَمِهِ، وإِنْ أنا تَوَفَّيْتُهُ

стр. 3749

فله الجنّةُ، وإن أنا أَطْلَقْتُه من وَثَاقِي فليستأنِفِ العملَ" (١). الحديث الثّاني: عن عبد الله بن عَمْرِو، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ أَحَدٍ يُبْتَلَى من جَسَدِهِ، إلّا أَمَرَ الله تعالى الْحَفَظَةَ، فقال: اكتُبُوا لعبدي ما كان يعْمَلُ وهو صحيحٌ، ما كان مشدودًا في وَثَاقِي" (٢). الحديث الثّالث: عن عُرْوَةَ بن الزُّبَيْر؛ أنّه قال: سمعتُ عائشةَ تقولُ: قال رسول الله ﷺ : "لا يُصيبُ المؤمنَ من مُصيبةٍ، حتّى الشَّوْكَةُ، إلّا قصَّ بها، أو كُفِّرَ بها من خطاياهُ" (٣) وهذا حديث صحيح سندًا ومعنَى. الرّابع: عن جابر، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يَمْرَضُ مُؤمِنٌ ولا مؤمنةٌ، ولا مسلمٌ ولا مسلمةٌ، إلّا حَطَّ الله به خطيئَتَهُ" (٤). الحديث الخامس: عن أبي سعيد الخدْرِيِّ، عن النّبىِّ ﷺ قال: "ما أصابَ المؤمنَ من وَصَبٍ ولا نَصَبٍ ولا حَزَنٍ، حتّى الهَمُّ يُهَمُّهُ، إلّا كفَّرَ الله به من خطايَاهُ" (٥). الحديث السّادس: عن ابنِ مسعود، قال: إنَّ الوجعَ لا يُكْتَبُ به الأجرُ، ولكن

стр. 3750

تُكَفَّرُ به الخطيئةُ (١). الحديث السّابع: عن يحيى بن سعيدٍ؛ أنّ رَجُلًا جاءهُ الموتُ في زمان رسولِ الله ﷺ ، فقال رجُلٌ: هنيئًا له، مات ولم يُبْتَلَ بمَرَضٍ، فقال رسول الله ﷺ :"وَيْحَكَ، وما يُدْرِيكَ لو أنّ الله ابتلاهُ بمَرَضٍ يُكَفِّرُ به من سيِّئَاتِه" (٢). الحديث الثّامن: عن عائشة، قالت: قال رسولُ الله ﷺ :"إذا اشتكَى المؤمنُ أَخْلَصَهُ الله كما يُخْلِصُ الكِيرُ الخَبَثَ" (٣). الحديث التّاسع: وإسنادهُ (٤) عن النّبِىِّ ﷺ : "إنَّ المؤمّن إذا أصابَهُ السَّقَمُ، ثمَّ أعفاهُ الله منه، كان كفَّارَةَ لِمَا مضَى من ذُنوبِه، وموعظةً له فيما يَستَقْبِلُ، وإنّ المنافقَ إذا مَرِضَ ثمّ أُعْفِيَ، كان كالبعير عَقَلَهُ أهلُه ثمّ أرسَلُوهُ، نلم يَدْرِ لِمَ عقَلُوهُ ولا لِمَا أرسَلُوهُ" (٥). الفائدةُ الثّانية: فإن قيل: كيف يُبَدَّلُ الله لحْمًا خيرًا من لَحْمِه، ودمًا خيرًا من دمه، والله لا يجبُ عليه شيءٌ؟ فالجواب: أنّ ذلك فضلٌ منه. فإن قيل: كيف يُبَدَّلُ له لحْمًا خيرًا من لحمه؟ فالجواب: أنّ هذا اللّحم قد عَصىَ به، وهذا لم يعصِ به، فكان خيرًا منه. فإن قيل: فإن عَصَى باللَّحْمِ الثّاني؟
следующие страницы →