← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

"موطَّئه" (١) عن الصِّدِّيق ﵁؛ أنّه أمر الكتابيّة أنّ ترقي بما في كتاب الله (٢). وكانتِ العربُ ترقي من النَّمِلَةِ (٣). وأمّا الرُّقَى بكتاب الله وأسمائه وتعظيمه، فهو الشِّفاء الأعظم والدّواء الأنفع. الخامسة (٤): إذا كان الأفضل الرُّقية بكتاب الله، فالفاتحةُ أصلٌ، وفيها الحديث الصّحيح في قطيع الغنم (٥)، وبالمعوّذتين، فقد كان ﷺ لا ينام حتّى يقرأ الصَّمَد والمُعَوِّذتين، ويَنْفُثُ في يَدَيْهِ ويمسحُ بهما وجهه وما أدرك من بَدَنِه (٦). ورَوَى التّرمذيّ (٧)؛ أنّ النّبيَّ ﷺ كان يتعوَّذُ من الجانّ وعينِ الإنسانِ، حتَّى نزلت المُعوِّذتان. وفي الصّحيح؛ أنّ الّذي يُتَعوَّذُ به من الجانّ آيةُ الكرسىِّ (٨)، والله أعلم، وبالكلمات

стр. 3747

التامّات المرويّة عنه في تَعَوُّذِ الحسن والحسين (١)، وفي تعوّذ جبريل (٢)، وهو أثبتُ، والله أعلمُ. السّادسة: فإن قيل: ما تقولون في رقْيَةِ البهائم، هل ينجع ذلك فيها؟ قلنا: ذلك جائزٌ ونافعٌ إنَّ شاء الله، لحديث ابن نَوْفَلٍ (٣) قال: كُنَّا عندَ عبد الله (٤)، فجاءت أُمُّةُ فقالت له: ما يُجلِسُكَ، إنَّ فلانًا قد لَقَعَ فَرَسَكَ (٥) لَقْعَةً، فلم يأكُل ولم يشْرَبْ ولم يرُثْ منذُ كذا، وهو يدورُ في فَلَكٍ (٦)، فالْتَمِسْ له راقِيًا، قال عبدُ الله: لا تَلْتَمِسْ له راقيًا، ولكن ابصق في مَنْخَرهِ الأيمنِ ثلاثًا، وفي منْخَرِهِ الأيسرِ ثلاثًا، وقُلْ: "بسْم الله لا بَأْسَ، أَذْهِب البَاسَ، رَبَّ النّاسِ، واشْفِ أنتَ الشّافِي، إنّه لا يُذْهِبُ الكَرْبَ إلّا أنتَ" فصنع ذلك به، ثمّ رجعت، فقالت: ما جئتُ حتّى أكلَ وشَرِبَ ورَاثَ ومَشَى (٧). ورواه الطَّبَرِيُّ وزاد فيه: "انفخ في المنخر الأيمن ثلاثًا، وفي الأيسر أربعًا". وفي الحديث: "الرُّقية سبع مرّات، وأقلُّ الرّقية ثلاث، وأكثرها سبع" (٨). وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إنِّي أرقي من العقرب، فقال رسول الله: "منِ استطاعَ منكم أنّ ينفعَ أخاهُ فلْيفْعَلْ" (٩).

стр. 3748

وأمّا ذلك الخاتم الّذي يكتبه الرَّقَّاؤون فلا يحلّ؛ لأنّه لَا يُعرَف المعنى منه. ما جاء في أجر المريضّ مالك (١)، عن زَيْد، عن عطاء؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إذا مرِضَ العبدُ بعثَ الله إليه مَلَكيْنِ، فقالَ: انْظُرا ماذا يقول لِعُوَّادِهِ، فإن هو، إذا جاؤهُ، حَمِدَ الله وأثنَى عليه، رَفَعَا ذلك إليه وهو أَعْلَمُ، فيقول: لِعبْدِي عَلَىَّ إنْ تَوَفَّيْتُه أنّ أُدْخِلَهُ الجنّةَ، وإن أنا شَفَيْتُه أنّ أُبْدِلَ له لحمًا خيرًا من لَحْمِه، ودمًا خيرًا من دَمِهِ، وأن أُكَفِّرَ عنه سيِّئاتِه". الإسناد (٢): قال الإمام: الحديث صحيح منقطعٌ، وأسْنَدَهُ (٣) عبّادُ بن كَثِيرٍ وكان رجلًا فاضلًا. الفوائد فيه أربعة: الأولى: في سرد الأحاديث (٤) الواردة في هذا الباب روى عطاءُ بن يَسَارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أصابَ الله العبدَ بالبلاءِ، بعثَ إليه مَلَكَيْنِ، فقال: انْظُرَا ماذا يقول لِعُوَّادِهِ، فإن قال لهم خيرًا فأنا أُبْدِلَهُ بلَحْمِهِ لحْمًا خيرًا من لَحْمِهِ، وبِدَمِهِ دَمًا خيرًا من دَمِهِ، وإِنْ أنا تَوَفَّيْتُهُ

стр. 3749

فله الجنّةُ، وإن أنا أَطْلَقْتُه من وَثَاقِي فليستأنِفِ العملَ" (١). الحديث الثّاني: عن عبد الله بن عَمْرِو، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ أَحَدٍ يُبْتَلَى من جَسَدِهِ، إلّا أَمَرَ الله تعالى الْحَفَظَةَ، فقال: اكتُبُوا لعبدي ما كان يعْمَلُ وهو صحيحٌ، ما كان مشدودًا في وَثَاقِي" (٢). الحديث الثّالث: عن عُرْوَةَ بن الزُّبَيْر؛ أنّه قال: سمعتُ عائشةَ تقولُ: قال رسول الله ﷺ : "لا يُصيبُ المؤمنَ من مُصيبةٍ، حتّى الشَّوْكَةُ، إلّا قصَّ بها، أو كُفِّرَ بها من خطاياهُ" (٣) وهذا حديث صحيح سندًا ومعنَى. الرّابع: عن جابر، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يَمْرَضُ مُؤمِنٌ ولا مؤمنةٌ، ولا مسلمٌ ولا مسلمةٌ، إلّا حَطَّ الله به خطيئَتَهُ" (٤). الحديث الخامس: عن أبي سعيد الخدْرِيِّ، عن النّبىِّ ﷺ قال: "ما أصابَ المؤمنَ من وَصَبٍ ولا نَصَبٍ ولا حَزَنٍ، حتّى الهَمُّ يُهَمُّهُ، إلّا كفَّرَ الله به من خطايَاهُ" (٥). الحديث السّادس: عن ابنِ مسعود، قال: إنَّ الوجعَ لا يُكْتَبُ به الأجرُ، ولكن

стр. 3750

تُكَفَّرُ به الخطيئةُ (١). الحديث السّابع: عن يحيى بن سعيدٍ؛ أنّ رَجُلًا جاءهُ الموتُ في زمان رسولِ الله ﷺ ، فقال رجُلٌ: هنيئًا له، مات ولم يُبْتَلَ بمَرَضٍ، فقال رسول الله ﷺ :"وَيْحَكَ، وما يُدْرِيكَ لو أنّ الله ابتلاهُ بمَرَضٍ يُكَفِّرُ به من سيِّئَاتِه" (٢). الحديث الثّامن: عن عائشة، قالت: قال رسولُ الله ﷺ :"إذا اشتكَى المؤمنُ أَخْلَصَهُ الله كما يُخْلِصُ الكِيرُ الخَبَثَ" (٣). الحديث التّاسع: وإسنادهُ (٤) عن النّبِىِّ ﷺ : "إنَّ المؤمّن إذا أصابَهُ السَّقَمُ، ثمَّ أعفاهُ الله منه، كان كفَّارَةَ لِمَا مضَى من ذُنوبِه، وموعظةً له فيما يَستَقْبِلُ، وإنّ المنافقَ إذا مَرِضَ ثمّ أُعْفِيَ، كان كالبعير عَقَلَهُ أهلُه ثمّ أرسَلُوهُ، نلم يَدْرِ لِمَ عقَلُوهُ ولا لِمَا أرسَلُوهُ" (٥). الفائدةُ الثّانية: فإن قيل: كيف يُبَدَّلُ الله لحْمًا خيرًا من لَحْمِه، ودمًا خيرًا من دمه، والله لا يجبُ عليه شيءٌ؟ فالجواب: أنّ ذلك فضلٌ منه. فإن قيل: كيف يُبَدَّلُ له لحْمًا خيرًا من لحمه؟ فالجواب: أنّ هذا اللّحم قد عَصىَ به، وهذا لم يعصِ به، فكان خيرًا منه. فإن قيل: فإن عَصَى باللَّحْمِ الثّاني؟

стр. 3751

فالجواب: أنّ العصيان بالأوّل كان أكثر، إذْ لا يمرضُ أحدٌ في الغالِبِ إلّا وتنقص جُرْأَتُه. الفائدةُ الثّالثة: قوله في حديث أبي هريرة (١): "إنّه ما يصيبُ المؤمنَ من شيءٍ حتّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إلّا كَفَّرَ الله بها سَيِّئَاتِه" معناه: الصّغائر؛ لأَنَّ الكبائر لا تكَفِّرُها إلّا الصّلاة، وهي خير الأعمال. الفائدةُ الرّابعة: وقول أبو هريرة (٢):"مَنْ يُرِدِ الله به خيرًا يُصِبْ منهُ" يريد: إذا صبر وشكر الله على ذلك، وإن لم يشكر فقد زاد شرًّا. باب تعَالُجِ المريضِ مالك (٣)، عن زيدِ بنِ أَسْلَمَ؟ أنّ رَجُلًا في زمانِ رسولِ الله ﷺ أصابَهُ جُرْحٌ، فَاحْتَقَنَ الجُرْحُ الدَّمَ، وأنَّ الرّجلَ دَعَا رجُلَيْن من بني أَنْمَارٍ، فَنَظَرا إليه، فزعما أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قال لهما: "أيُّكُما أطَبُّ؟ " فقالا: أَوَ في الطِّبِّ خيرٌ يا رسول الله؟ فزعمَ زيدٌ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أَنْزَلَ الدَّوَاءَ الّذي أَنْزَلَ الأدْوَاءَ". الإسناد: قال الإمام: قد بيَّنَّا في "الأنوار" و "السّراج" (٤) فائدة الطِّبِّ ومقصوده، وجوازه (٥)

стр. 3752

ومنعه، واستحسانه وتركه، بجميع وجوهه، بترتيبٍ بديعٍ، ونحن الآن ننشرها على الأحاديث فنقول: طُرُقُ التّطبّب أربعة (١): ١ - الرُّقيةُ. ٢ - وشَرْطَةُ مِحْجَمٍ. ٣ - وشربةُ عَسَلٍ. ٤ - ولَذْعةٌ بنارٍ. الطّريقة الأولى: الرُّقية وأحاديث الرّقية كثيرة، أشبهُها سِتَّةٌ: الأوّل: عن عائشَة؛ أنّ النّبىَّ ﵇ كان يَنْفُثُ على نَفْسِهِ فى المرضِ الذى مات فيه بالمُعَوِّذات، فلمّا ثَقُلَ كنت أَنْفُثُ عليه بهِنَّ، وأمسحُ بيده نَفْسَهِ لِبَرَكَتِهَا (٢)، وكان يأمرني أنّ أفعل ذلك به. الحديث الثّاني: عن أبي سعيدٍ؛ أنّ ناسًا من أصحاب النّبىِّ ﷺ أتوا على حيِّ من أحياءِ العربِ، فلم يُقروهُم. الحديث في "مسلم" (٣). الحديث الثّالث: عن أُمِّ سَلَمَة؛ أنَّ النّبيَّ ﷺ رأى جارية في وجهها سَفْعَةٌ، فقال: "اسْتَرْقُوا لها فإنَّ بها النَّظْرَةَ" (٤).

стр. 3753

الحديث الرّابع: عن عائشة، قالت: أرخصَ رسولُ الله ﷺ في الرُّقْيَةِ من كلِّ ذي حمة (١). الحديث الخامس: رَوَى أسامة بن شَرِيكٍ، قال: قالت الأعراب: يا رسول الله! ألَّا نَتَدَاوَى؟ قال: نعم، يا عبادَ الله تَدَاوَوا؛ فإنّ الله لم يَضَع داءٌ إلّا وضع له شفاءٌ، إلّا داءً واحدًا وهو الهَرَمُ (٢). وأمّا سائر الطُّرُق، فمنها شَرْطَة محجم، *قال جابر بن عبد الله: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ يكن في شيءٍ من أَدْوِيَتِكُم خيرٌ، ففي شَرْطَةِ محْجَمٍ، أو شَرْبَةِ عَسَل، أو لَذْعَةٍ بِنَارٍ، وما أحبُّ أنّ أَكْتَويَ" (٣). وعن ابن عبّاسٍ*: "احْتَجَمُ النّبىُّ ﷺ من شَقِيقةٍ كانت به وهو محْرِم" (٤). وتحقيقُ هذه الأصول الأربعة هي أصل التَّطَبُّبِ؛ لأنّ الرّقية عملٌ من خارج البَدَنِ، وهؤلاء الثّلاثة من داخل البدن. وألحق بهذه الثّلاثة نَظائر ثمانية (٥): الأولى: ألبان الإبل الثّانية: أبوالها وقد روى أنس بن مالك أنّ ناسًا أتوا المدينة، فكان بهم سَقَمٌ، فأنزلهم

стр. 3754

النّبيُّ ﷺ بالحَرَّةِ، فقال: "اشْرَبُوا من ألبأنّها وأَبْوَالِها" (١) لأنّه علم أنّها تزيل علّتهم (٢). وجاءه آخر، فشكى له بطنه، فاحاله على العسل (٣)، لعِلْمِهِ أنّه ينفعه من تلك العلّة. ورُوِيَ عن ابن مسعود (٤) أنّه قال: "عليكم بألبانِ البَقَرِ، فإنّها تُبْرِىءُ من السِّحْرِ" (٥) ولم يصحّ عنه. الثّالثة: الحبّةُ السّوداء (٦) رَوَى خالد بن سعد، قال: خَرَجْنَا ومعنا غَالِبُ بْنُ أَبْجَرَ، فمرِضَ في الطّريق،

стр. 3755

فقَدِمْنا المدينةَ وهو مريضٌ، فعادَهُ ابنُ أبي عَتِيقٍ، فقال لنا: عليكم بهذه الحُبَيْبَةِ السّوداء، فَخُذُوا منها خَمْسًا أو سَبْعًا فاسحَقُوها، ثمّ اقْطُرُوها في أَنْفِهِ بقَطَرَاتِ زَيْتٍ في هذا الجانبِ وفي هذا الجانب، قال: فكانت عائشة تحدَّثُ أنّها سمِعَتْ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّ هذه الحَبَّةَ السَّوداءَ شفَاءٌ من كلّ داءٍ، إلّا السّام" قلت: وما السَّامُ؟ قال: "الموتُ" (١). * الرّابعة: التلبينة (٢) كانت عائشة ﵂ تأمر بالتلبِينَةِ للمريض والمحزون على الهالك، وتقول: هو البغيضُ النّافعُ. وكانت تقول: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّ التّلبينةَ تُجِمُّ الفؤادَ، وتُذْهِبُ ببعض الحُزْنِ" (٣) ولفظ مسلم (٤) عن عائشة: أنّها كانت إذا مات الميِّتُ من أهلها، فاجتمع النّساءُ لذلك، ثمّ تفرَّقنَ إلّا أهلَها وخاصّتَها، أَمَرَتْ ببُرْمَةٍ من تلْبِينَةٍ، فطُبِخَتْ، ثمّ صُنِعَ ثريدٌ، فصُبَّتِ التلبينةُ عليها، ثمّ قالت: كُلْنَ منها، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "التَلْبينَةُ مُجِمَّةٌ لفؤادِ المريضِ تُذْهِبُ ببعضِ الحزن". الخامسة: السّعوط (٥) رُوِيَ أنّ النّبيّ ﷺ احتجم واستعط (٦).

стр. 3756

السّادسة: العود الهنديّ* قال ﷺ : "عليكم بهذا العود الهندي" يعني: الكُسْتَ (١) * السّابعة: الكَمْأَة (٢) انفرد سعيد بن زيد عن النبيّ ﷺ بقوله: "الكَمْأةُ من المَنِّ، وماؤها شفاء للعين" (٣) وصحّ وثبت مع ذلك. الثّامن: ثبت أنّ النّبيّ ﷺ لمّا جُرِحَ ورأت فاطمة رضوان الله عليها الدّم لا يرقأ، أحرقت حصيرًا وحشت به جرح النبيّ ﷺ ، أو ألصقتها، فرقأ الدّم* (٤). الفقه والفوائد في جملة مسائل: المسألة الأولى (٥): اختلف النَّاس في هذا المعنى على أقوال ثلاثة: الأوّل: ترْكُ التَّطَبُّبِ والاستسلامُ للأمرِ والتَّوكُّلُ على الله (٦)، أخذًا بقوله ﷺ : "يدخُلُ الجنّةَ مِنْ أُمَّتي سبعون ألفًا بغيرِ حسابٍ"، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: "هم الّذين لا يَستَرْقُونَ، ولا يَتَطَيَّرُونَ، ولا يَكْتَوونَ، وعلى ربِّهِمْ يتوكَّلُون" (٧). ويقولُ الصِّدِّيق ﵁ إذْ قيل له في مرضه: ألَّا ندعو لك طبيبًا؟ فقال:

стр. 3757

الطّبيبُ أَمْرَضَنِي (١)، فَنَفَى من تعلَّقَ بهذه الآثار التَّطَبُّبَ (٢). القولُ الثّاني: قالت طائفة أخرى بالتُّطَبُّبِ، وتعلّقت بالحديث الصّحيح، قوله: "الّذي أنزلَ الدَّاءَ أنزلَ الدَّواءَ" (٣). وكان النّبيُّ ﵇ يَطِبُّ أصحابَهُ إذا نزلت بهم العِلَلُ، فيَكْوِيهِم كما فعل بأسْعَدَ (٤). وأفتَى لأصحاب الحُمِّى بأن يُبْرِدُوهَا بالماء (٥). وقد أمر ﷺ أنّ يُصَبِّ عليه في مَرَضِهِ من سَبْعِ قِرَبٍ (٦)، وقوله: باسْمِ الله أَرْقِيكَ والله يَشْفِيكَ (٧). القول الثّالث: قالت طائفةٌ أخرى (٨): يجوزُ التّطَبُّبُ قبل حُصولِ الدّاءِ؛ احترازًا منه، واستدامةً للصحّة الّتي هي قِوَامُ العبادةِ، وهذا كلّه قد بينّاه في "السراج" (٩) وفي "شرح

стр. 3758

الحديث" على كَثْرَةِ تفاصيله، والّذي نشير إليه الآن ثلاثة فصول (١): الفصل الأوّل التَّطبُّبُ جائزٌ من غير شكِّ، وإنّه لا يَحُطُّ المرتبةَ ولا يَقْدَحُ في المنزلة، وذلك إذا نزلَ الدّاءُ، وأمّا قبلَ نزوله، فقال علماؤنا: إنَّ ذلك مكروهٌ. والّذي عندي فيه: أنّه إذا رأى المرءُ أسبابَهُ، وخَشِيَ من نزوله، فإنّه يجوزُ له قطعُ سَبَبهِ فيتداوى، فإنّ قَطْعَ السَّبَبِ قطعُ المُسَبِّبِ. ولو كان التَّدَاوِي يَحُطُّ المرتبةَ، والاسترقاءُ يَقْدَحُ في المَنْزِلَةَ، ما استرقى النّبيّ ﷺ ولا رَقَى، ولا دَاوَى ولا تَدَاوَي. وأمّا قولُه ﷺ (٢): "هم الّذين لا يسترقون" الحديث، ففيه ثلاثةُ تأويلاتٍ: الأوّل: هم الّذين لا يَسْتَرقُونَ بالتّمائم، كما كانت العرب والجاهلية تفعلُ (٣). التّأويل الثّاني: هم الّذين لا يسترقون عند اليأس، كما فعل الصديق ﵁ (٤) التّأويل الثّالث: هم الّذين لا يَسْتَرْقُونَ قبلَ حُلولِ المرَضِ. فإن قيل: لو ترَكَ رجلٌ التَّطَبُّبَ والاسترقاء أصلًا، وتوكَّلَ على الله، وفوَّضَ أمرَه إليه، ولم يستعمل رُقْيَةً ولا داواءً؟ قلنا: إنَّ صحّت نِيَّتُه وتتابعت أفعاله، فهي منزلةٌ (٥)،وإنّما يُتْرَكُ التَّطَبُّبُ كما

стр. 3759

قلنا في حالتين: قبلَ الدّاءِ وسَبَبِهِ، وعند اليَأْسِ، كما فعلَ الصدّيقُ. الفصّل الثّاني قلنا: هذا الّذي ذَكَرَ النّبىُّ من التَّدَاوِي والأدويةِ، ذكَرَ العلّماءُ (١) أنّه خرَجَ على أحدِ قِسْمَي الطّبِّ، والطِّبُّ عندهم على قسمين: الطّبُّ القياسيُّ وهو طبُّ يونانيٌّ، والطبُّ التّجاربيُّ، وهو طبُّ الهند والعرَبِ، فخرجت أقوالُ النّبىِّ ﵇ على مذاهب أهل التجربةِ، ليأتِيَ العربُ بما كانت تعتادُهُ، دُنُوًّا منها وتقريبًا للمَرَامِ عليها، ففهمت ذلك منه (٢). الفصل الثّالث هذه الأصولُ الّتي ذَكَرَها النّبىُّ ﵇ هي جِمَاعُ أبواب الطِّبِّ، ما أشرنا إليه منها وما ترَكْنا؛ وذلك أنّ الأمراض إنّما تكون بغَلَبَةِ الدَّمِ، أوَ بالأخلاط حتّى ينحرفُ البَدنُ عن سَنَنِ الاعتدال الّذي أَجْرَى اللهُ العادةَ باستمرار الصِّحَّة مَعَهُ. فإنْ تَبَيَّغَ الدّم منه استخرجه، والحِجّامةُ نوعٌ من خروجه، وقد احْتَجَمَ النّبيُّ ﷺ وما نقصت مرتبتهُ ولا منزلتُه.

стр. 3760

وأمّا سائرُ الأخلاطِ فدواؤها الإسهالُ، والعسلُ أصلٌ فيه، ولذلك لا يَخْلُو معجونٌ منه. واتَّفقوا على أنّ السِّكَنْجَبِينَ (١) هو شرابُ الطِّبِّ وحدَه، وغيرُه من الأشرِبَة إنّما هو تركيبُ أدويةٍ. *وأمّا الكَىُّ، فهو نوعٌ من أنواع الطِّبِّ، ولكنّه لرَهْبَتِهِ هو آخِرُ الأدويةِ*، فلا يُلْجَأُ إليه إلّا عندَ الضرورةِ. وأمّا قوله في الحبّة السّوداء: "إنّها شِفَاءٌ من كلِّ دَاءٍ إلّا السَّامَ" (٢) فقال علماؤنا: إنَّ ذلك خرَجَ مَخْرَجَ العُمومِ والمرادُ به الخُصوصُ (٣)، وذلك أنّ الغالبَ منَ الأمراضِ الرّطوباتُ. والشُّونِيزُ (٤) ممّا يخلُقُ اللهُ عند استعمالِهِ له من الحرارة والجُفُوفِ ما يؤثر في الرّطوبات، فنَبَّه به على أمثاله. ورأيت بعضَ علمائنا يقول: إنّما أراد بذكر الشُّونيز التّنبيهَ على أنّ كلَّ دواءٍ وإن كان للحارِّ اليابسِ، لابدّ من أنّ يكون فيه حارٌّ يابسٌ، وُيسَمُّونَ الأَدويةَ الباردةَ الرّطبةَ للأدْوَاءِ الحارّة اليابسة جثةً، ويُسَمُّونَ ما يضيفون إليها من الأدويةِ الحارّةِ اليابسةِ أجنحةٌ،

стр. 3761

هذه بهذه. هذا منتهى كلام أهلِ الهنْدِ، وهو صحيحٌ مليحٌ، وقد مهّدناه في "شرح الصّحيحين". وكذلك سَقْيُةُ العسلَ لصاحبِ الإسهالِ أصلٌ في كلِّ تُخَمَةٍ أو داءٍ غالبٍ من خِلْطٍ لا يُعَانَى إلّا بإخراج ذلك الخِلْطِ، فإذا أجْرَى اللهُ العادةَ بخرُوجِه، فليُعنْ على الخروجِ ذلك الخلط منه، حتّى إذا أنفد ذلك الخِلْطُ ارتَفَعَ المرَضُ. فهذا هو الّذي أشار إليه رسولُ الله ﷺ بالعَوْدِ إليه في شُرْبِ العَسَلِ، والسّائلُ يَجْهَلُ ذلك القدْرَ، ويعودُ إلى الشّكْوَى، حتّى قال له النّبيُّ ﷺ : "صدَقَ الله. وكذَبَ بَطْنُ أخِيكَ" (١) وقولُه: "صدَقَ الله" يعني: في قوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ (٢). ويتركَّبُ على هذا أصلٌ عظيمٌ من الطِّبِّ، وهو أنّ الدّواء إذا لم يَرْفَعِ الدّاءَ، فلا يُخْرِجُه ذلك عن أنّ يكونَ دواءً؛ فإنّ البارىءَ سبحانه إنَّ شاء أنّ بَخْلُقَ الشّفاءَ عَقِبَ الدواءِ خَلَقَ، وإن شاءَ أنّ يَمْنَعَ مَنَعَ. تنبيه (٣): قال الإمام: ولقد لقيتُ بعضَ الجَهَلَةِ من الأطبّاء الكَفَرة ممّن في قلبه زيغٌ ومرضٌ، فقال لي: إنَّ الأطبّاء مجتمعون على أنّ العَسَلَ يُسهلُ، فكيف يوصفُ شربه لمن به إسهالٌ (٤)؟

стр. 3762

ويقول أيضًا: إنَّ الأطبّاء مجتمعون على أنّ غسل المحموم بالماء البارد خَطَرٌ وقربٌ من الهلاك؛ لأنّه يجمعُ المَسَامَّ، ويَحْقِنُ البُخارَ المتَحلِّلَ، ويعكسُ الحرارةَ لداخل الجِسْمِ، فيكون ذلك سببًا للتَّلَفِ. وقال: إنَّ الأطبّاء ينكرون مداواة ذات الجَنْبِ بالقسط؛ لما فيه من شدّة الحرارة والحَرَافَة (١)، ويرون ذلك خطرًا. قلت له: هذا الّذي قُلْتَ جهلٌ وضلالةٌ، وهُمْ فيها كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ (٢). تبيين (٣): قال الإمام: ونحن نبدأ بقوله في الحديث الأوّل: "لكلِّ داءٍ دواءٌ، فإذا أصِيبَ دَوَاء الدَّاء بَرِئَ بإذْنِ اللهِ" (٤). قلنا: وهذا تنبيهٌ منه حَسَنٌ، وذلك أنّه قد علم أنّ الأطبّاءَ يقولون: إنَّ المرضَ خروجُ الجِسْمِ عن الاعتدالِ، وعن القانونِ، والمداواةُ ردّه إليه، وحِفْظُ الصِّحَّة بقاؤُه عليه، فحفْظُها يكونُ بإصلاحِ الأغذيةِ وغيرِها، ويكونُ بالمُوَافِقِ من الأدويةِ المُضَادّة للمَرَضِ، وبقراط يقول: الأشياء تُدَاوَى بأضدادها، ولكن تدقُّ وتغمضُ حقيقة طَبْعِ المرضِ وحقيقة طَبْعِ العَقَّارِ والدّواء المرَكُّبِ، فتقلُّ الثِّقة بالمُضَادَّة الّتي هي الشِّفاء، ومن

стр. 3763

هاهنا يقع الخطأ من الطّبيب، فقد يظن أنّ علّته عن مادّة حارّة، وتكون من غير مادّةٍ أصلًا، أو عن مادّةٍ جارية باردة، أو حارّة دون الحرارة الّتي قَدَّرَ، فلا يكون الشِّفاء. وكأنّه ﷺ تلافَى بآخر كلامه ما قد يعارض به أوّله، بأن يقال: فأيُّ فائدةٍ للّذي قلت: "لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ" ونحن نجدُ كثيرًا من المرضَى يداوون فَلَا يَبْرَؤُون؟ فنبّه بذلك لفَقْد العلم بحقيقة المداواة لا لفقد الدّواء. وهذا تنبيهٌ حسنٌ في الحديث، وما قلناه واضحٌ حقٌ، نظمه الشّعراء فقالوا: والنّاسُ يَلْحَوْنَ الطّبيب وإنّما ... غَلَطُ الطّبيبِ إصابةُ المِقْدَارِ وأمّا اعتراضهم على الحديث الثّالث، وهو قوله: "إنْ كان في شيءٍ من أدوِيَتِكُم خَيْرٌ فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ" (١). قلنا: إنَّ هذا من، البديع عند من علم صَنْعَة الطِّبِّ، وذلك أنّ سائر الأمراض الامتلائيّة إنّما تكون دمويّة أو صفراوية، أو سوداوية، أو بلغميّة. فإن كانت دمويّة، فشفاؤها إخراج الدَّمِ، وإن كانت من الثّلاثة الأقسام الباقية، فشفاؤها بالإسهال، بالمُسْهِل الّذي يليق بكلِّ خِلْطٍ منها؛ فكأنّه ﷺ نَبَّهَ بالعَسَلِ على المسهلات، وبالحجامة على الفَصدِ، ووضع العلّق وغيرها ممّا في معناه. وقد قال بعض النَّاس بأنّ الفصد قد يدخل في قوله: "شَرْطَة محجم".

стр. 3764

وإذا أعيا الدّواء فآخر الطِّبِّ الكَىُّ، فَذكَرَهُ ﷺ لأنّه يستعمل عند غَلَبَةِ الطّبائع لقوى الأدوية، وحيث لا ينفع الدّواءُ المشروب، فيجب أنّ يتأَمّل ما في كلامه ﷺ من الإشارات. وتعقّبه بقوله: "أُحِبُّ أنّ أَكْتَوِي" إشارةٌ منه إلى تأخُّرِ العلّاجِ به حتّى تدفع الضّرورة إليه، ولا يوجد الشِّفَاءُ إلّا فيه، لما فيه من تعجيل الألم الشّديد في دفع ألمٍ قد يكون أضعفَ وأخفَّ من آلامِ الكَىِّ. وأمّا اعتراضهم على الحديث الرّابع في الحُمَّى في قوله: "أبْرِدُوها بالْمَاءِ" (١) فإنّهم قالوا عن النّبىِّ ﷺ ما لم يقل؛ فإنّه قال: "أَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ" ولم يُبيِّن الصّفة والحالة، فَمِنْ أين لهم أنّه أراد الانغماسَ؟ والأطباءُ يسلِّمون أنّ الحُمَّى الصّفراوية تدْبُرُ من صاحبها بسَقْيِ الماء البارد الشّديد البرد، نعم، ويسقونه الثّلج، ويغسلون أطرافه بالماء البارد (٢). وقد قال أشياخنا (٣): إنَّ الحُمِّيات على قِسمين: ١ - فمنها ما يكون عن خلط باردٍ. ٢ - ومنها ما يكون عن حارّ، وفيه ينفع الماء، وهي حمِّيات الحجاز، وعليها خرج كلام النّبىِّ ﷺ وفعلِهِ حين قال: "صُبُّوا عَلَىَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ"، (٤) فتبرَّدَ وخَفَّ حالُّه، وذلك في أطراف البدن وهو أنفع له. وإنّ بعض الجهّال (٥) أصابته حُمَّى، فاغْتَسَلَ بالماء، فزادَهُ ذلك شِدَّةً، فقال كلامًا

стр. 3765

لا أرضَى أنّ أحْكِيَهُ (١)، وكلُّ كلامه جهلٌ، وقد قال علماؤنا: إنَّ قوله: "أَبْرِدُوهَا بالْمَاءِ" أنّ ذلك يحتَمِلُ وجهينِ: ١ - أحدُهما: أنّ يكونَ ذلك بِشُربِ الماءِ الباردِ؛ فإنّه قد يُطفئُ بعضَ الحرارةِ الباعثة للدّاء، فيكونُ من أحدِ الأدويةِ. وقد شاهدتُ ذلك في نفسي، فإنّه كان عندي عليلٌ، وكان يستدعي الماءَ كثيرًا، فخِفْتُ عليه ومنعتُهُ من الماء، وتوقَّعْتُ أنّ يقدمه نفخٌ عظيمٌ، فمنعتُه لأجل ذلك. فقلتُ ذلك لبعضِ أهل الصِّناعةِ وحدَّثْتُه بِمَرَضِه وصِفَةِ حالِه، فقال لي: قَتَلْتَهُ، اسْقِهِ الماء يَبْرأ، فكان ذلك. ٢ - ويحتَمِلُ أنّ يكونَ قوله: "أبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ" أنّ يكون في جميع أطرافِ البدَنِ، واللهُ أعلم. وأمّا اعتراضهم في (٢) قوله: "عَلَيْكُمْ بِهَذَا العُودِ الهِنْديِّ" الحديث (٣)، قال الزّهريُّ: بيَّن اثنين ولم يبيِّنَ الخمسة (٤). وقد رأيتُ الأطبّاء تطابقوا في كتبهم على أنّه يُدِرُّ البول والطّمْثَ، وينفعُ من السُّمومِ، وُيحرِّكُ شهوةَ الجماعِ، ويقتُلُ الدُّودَ وحبَّ القرعِ في الأمعاءِ إذا شُربَ بعَسَلٍ، ويذهبُ بالكَلَفِ (٥) إذا طُلِيَ عليه، وينفعُ من ضَعْفِ الكبِدِ والمعدّة. وقال جالينوس (٦): إنّه ينفعُ منَ البرد الكائن بالدّور.

стр. 3766

وهو صنفان: بحريٌّ وهنديٌّ. والبحريُّ هو القُسْطُ الأبيض يُؤتَى به من بلاد العرب. وقال بعضُهم: إنَّ البحريّ أفضل من الهنديّ وهو أقلُّ حرارةً. وقال إسحاق بن عمران (١): هما حارَّان يابسانِ في الدّرجةِ الثّالثة، والهنديُّ أشدُّ حرًّا، وهو في الجزء الثّالث من الحرارة. وقال ابن سينا (٢):"القُسْطُ حارٌّ في الثّالثة يابِسٌ في الثّانية". فأنت ترى هذه المنافع الّتي اتفق عليها الأطبّاء، فقد صار ممدوحًا شرعًا وطِبًّا. وأمّا اعتراضهم في الحبّة السّوداء، فيحتَمِلُ أنّ يعالجَ به العلّل الباردة على حَسَبِ ما قلناهُ في القُسْطِ، وهو ﷺ قد يصفُ بحسْبِ ما شاهد من غالب أحوال الصّحابة في الزّمن الّذي يخاطبهم فيه. معذرة: قال الإمام (٣): وإنّما عدّدنا هذه المنافع في القُسْطِ من كتب الأطبّاء؛ لذكر النّبيِّ لها، فأردنا الجمعَ بين قولِ الأطبّاءِ والشّريعةِ. وأمّا قول الزّهري: "ولم يُبَيِّن لنا الخمسة" فبينّاها نحن على ما يليق بالحديث (٤). وأمّا اعتراضهم على قوله (٥): "أَوْ كَيَّة بِنَارٍ".

стр. 3767

قلنا (١): قد يحتمل أنّ يكون نهى عن الكَىِّ في أمر ما، أو في علَّةٍ ما، ونهَى عنه نهيَ أدبٍ وإرشاد إلى التّوكُّل على الله والثِّقة به، فلا شافِيَ سواهُ، ولا شيءَ إِلَّا ما شاءَهُ. وقد اكتوى جماعةٌ من الصّحابة والسَّلَفِ الصّالح، قال قَيْسُ بن أبي حازِمٍ: دخلنا على خَبَّابٍ نعودُهُ وقَدِ اكْتَوَى سَبْعًا في بَطْنِهِ (٢). وقال قَيْس أيضًا عن جَرِيرٍ: أَقْسَمَ عَلَىَّ عُمَرُ لأكْتَوِيَنَّ (٣). واكتوى ابن عمر (٤) واسترقى. وكَوَى أبو طلحة أنسًا من اللَّقْوَةِ (٥). وكَوَى ابنُ عمر ابْنًا له وهو مُحْرِمٌ (٦). ولا يكون ذلك إِلَّا آخر الطِّبِّ والعلّاج، ويقتضي ذلك الإباحة من فعل السّلف، والله أعلم. وأمّا اعتراضهم على الرَّقْيِ، وقولهم: إنّه لا يؤثّر، إِلَّا أنَّه تستريح النّفس إلى ذلك. قلنا: بل ذلك لطمأنينة النّفس وطرد الشّيطان أو السّحر، قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٧) والاقتداءُ بالنَّبيِّ ﷺ في الرَّقْيِ بالمعوذتين، ولا يجوز شيءٌ من الرُّقى إِلَّا بما في كتاب الله من التّعوُّذ وتهليل القرآن والفاتحة الّتي هي أصل في هذا الباب، والله أعلمُ. الغسلُ بالماءِ من الحُمَّى وفي هذا الباب أحاديث: الأوّل: حديثُ فاطمة بنت المُنْذِر؛ قولها: "كان رسولُ الله ﷺ يأمرُ أنّ نُبرِدَهَا

стр. 3768

بالماءِ" (١). الحديث الثّاني: ابن الزُبَير، عن أبيه, أنّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الحُمَّى مِنْ فَيْحِ (٢) جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالمَاءِ" (٣). الحديث الثّالث: عن ابن عبّاس، عن النّبيِّ ﵇ أنّه قال: "الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَبْرِدُوهَا بِمَاءِ زَمْزَمَ" (٤). الحديث الرّابع: عن ابن عمر أنّ النّبيِّ ﷺ قال: "الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَطْفِئُوهَا بِالمَاءِ" (٥). المعاني (٦) في هذا الباب: اختَلَفَ علماؤنا في تفسير هذا الحديث (٧)، وقد فسَّرَتَهُ فاطمة بنت المنذر في روايتها له عن أسماء، بأنّها كانت تصُبُّ الماء بين المحمومة وبين جَيْبِها، كانت تَصُبُّهُ بين طوق قميصها وعنقها، حتّى يصل إلى جَسَدِها (٨). وذكر ابنُ وَهْبٍ في صفة الغُسْلِ حديثًا في "جامعه" (٩) مَرْفُوعًا عن النّبيِّ ﷺ , أنّه قال لرجل اشتكى إليه الحُمَّى: "اغْتَسِلْ ثلاثةَ أيّامٍ قبلَ طُلوع الشّمسِ كلَّ يومٍ، وقُل:

стр. 3769

باسمِ اللهِ، وباللهِ , اذْهَبِي يَا أُمَّ مِلْدَمٍ؛ فإن لم تَذْهَبْ، فاغْتَسِلْ سَبْعًا". قال الإمام: ومن فعل شيئًا ممّا في هذين الحديثين أو غيرهما، مع اليقين الثابت، لم تلبث الحُمَّى أنّ تقلع إنَّ شاء الله، بأن يُجْرِي اللهُ العادةَ عند ذلك الفعل (١). ما جاء في عيادةِ المريضِ والطِّيَرَةِ الأحاديث في هذا الباب: الأوّل: حديثُ جابر بن عبد الله؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "عائِدُ المريضِ يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ، حتَّى إذا قَعَدَ عِنْدَهُ قَرَّتْ فِيهِ" (٢) أو نحو هذا. الإسناد (٣): قال الإمام: حديث جابر هذا محفوظ عن النّبيِّ من رواية أهل المدينة. وفي فضل العيادة آثارٌ كثيرةٌ عن النّبيِّ ﷺ سوى حديث جابرٍ هذا، رواها عنه جماعة من الصّحابة منهم: عليٌّ، وابنُ عبّاسٍ، وأبو أيّوب، وأبو موسى، وعائشة، وأنس، وأبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ، وثَوْبَانُ، كلُّهم بألفاظٍ مختَلِفَةٍ، والحديثُ صحيحٌ. أمّا حديثُ ثوبان، عن جابر؛ فإنّ فيه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ عَادَ مَرِيضًا لم يَزَلْ يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ حَتَّى إِذَا جَلَسَ انْغَمَسَ فِيهَا" (٤) ورواه الوَاقِديّ (٥) من طريق

стр. 3770

جابر عن النّبىِّ ﷺ قال: "حتّى إذا قَعَدَ اسْتَقَرَّ فِيهَا". وأمّا "حديثُ علىِّ" قال (١): عادَ أبو موسى الحسن بن عليّ - وكان شاكيًا - فقال (٢) له: أعائدًا جئتَ أم شامتًا؟ قال: بل عائدًا. فقال علىٌّ: أمّا إذا جئتَ عائدًا، فإنّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إذَا عَادَ الرَّجُلُ أخاهُ المُسْلِمَ مَشَى في مَخْرَفَةِ الجَنَّة حتّى يجلس، فإذا جلسَ غَمَرَتْه الرَّحمةُ، فإن كانَ غدْوَةً صلّى عليه سبعونَ ألفَ مَلَكٍ حتّى يُمْسِي، وإن كان مساءً صلَّى عليه سبعون أَلْفَ مَلَكٍ حتّى يُصْبِحَ" (٣). وهذا حديثٌ ثابتٌ، صحيحُ المتن والإسناد، شريف المعنى. المعاني والأصول (٤): أمّا قوله: "عَائِد المَرِيض يخوضُ في الرّحمة" فهو كقوله: "في خُرْفَةِ الجَنَّةِ" وذلك أنّ عيادةَ المريضِ والمَشْيَ إليه سببٌ إلى الجنّة، فعبَّرَ عن المُسَبَّبِ بالسَّبَبِ على أحدِ قسْمَي المجازِ، ترغيبًا في العيادة، لمَا فيها من الأُلْفَةِ، ولِمَا يدخُلُ على المريضِ من الأُنْسِ بعائِدِهِ والسّكونِ إلى كلامِهِ، ولذلك قال رسولُ الله ﷺ :"إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى المريضِ فَنَفِّسُوا في أَجَلِهِ؛ فإنَّ ذلك لا يَرُدُّ القَدَر، وَيُطَيِّبُ نَفْسَهُ" (٥)، ولو

стр. 3771

لم يكن في العيادة (١) إلّا ما قال رسول الله ﷺ : "مَنْ عَادَ مريضًا لَمْ يحْضرْ أَجَلُهُ، فقال له سبع مرّاتٍ: أَسْاَلُ اللهُ العظيمَ، رَبَّ العَرْشِ الكريمِ، أنّ يَشْفِيكَ، عُوفِيَ مِنْ ذَلكَ الْمَرَضِ" (٢). ورُبّما احتاج المريض إلى التّمريض، فيتناول ذلك العائد إنَّ لم يكن له أهل، وهذا معنى قوله: "عُودُوا المريضَ" (٣) فإنّه محتاج إلى هذه المعاني. والتّمريضُ فرضٌ على الكفاية، لابدّ أنّ يقوم به بعض الخَلْقِ عن البعض، وهو على مراتب: الأوّل الأهل، والقريب، ثمّ الصّاحب، ثمّ الجار، ثمّ سائر النَّاس. وقد أمر رسولُ اللهِ ﷺ بعيادة المريض واتِّباع الجنائز، وفي ذلك فضلٌ كثير، بيّنّاهُ في كتاب الجنائز، فلينظر هنالك. حديث مالك (٤)؛ أنّه بَلَغَهُ عن بُكَيْر بن عبد الله بن الأشجِّ، عن أبي عَطيَّةَ؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "لَا عَدْوَى وَلا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ، ولا يَحُلُّ الْمُمْرِضُ على الْمُصِحِّ، ولْيَحُلَّ الْمُصِحُّ حيثُ شَاءَ" قالوا: يا رسولَ اللهِ، وما ذَاكَ؟ فقال رسول الله: "إنّه أذىً". الإسناد (٥): قال الإمام: قوله في هذا الحديث: "عَنْ أبِي عَطِيَّةَ الأَشْجَعِىِّ" (٦) وقد قيل: إنَّ ابن عطيّة اسمه عبد الله، وُيكنَى أبا عطيَّة.

стр. 3772

وقيل: إنّه مجهول لا يُعْرَفُ إلّا في هذا الحديث (١). وما أظنّه (٢) إلّا معروف محفوظ من حديث أبي هريرة، وقد رَوَى حديثه هذا بِشْرُ بن عمر، عن مالك، فقال فيه: عن ابنِ عطيَّةَ أو أبي عطيّة - يشكّ بِشْر- عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا طِيَرَةَ ولا هَامَ، ولا يعْدِي سَقِيمٌ صحيحًا، وَلْيَحِلَّ المصحُّ حيثُ شاءَ" (٣). وهذا حديث قد اضطرب النَّاس فيه، والحديثُ صحيحٌ (٤). الأصول والمعاني في ثمانية مسائل: المسألةُ الأولى (٥): قوله: "لا عَدْوَى" هي عبارة عن اعتقاد المرء أنّ مكروهًا جَلَبَ إليه مكروهًا، وأصلهم في ذلك السّانح والبارحُ، فعبّروا بكلِّ مكروهٍ يَجلِبُ في اعتقادهم مكروهًا عنه، فقال النّبىِّ ﷺ : "لَا عَدْوَى" نفيًا أنّ تكون الأدواء تَجلِب الأدواء، وإعلامًا منه أنّ ما اعتُقِدَ من ذلك من اعتقادهم كان باطلًا. المسألة الثّانية (٦): قوله: "ولا هَامَةَ" فأرادَ به الرَّدَّ على العرب فيما كانت تعْتَقِدُهُ من أنّ الرّجُلَ إذا قُتِلَ خرج من رأسه طائر يَزْقُو، فلا يَسْكُتُ حتَّى يُقْتَلَ قاتِلُه. وقال بعضهم: إنَّ عِظَامَ القتيلِ تصيرُ هامةً، فتطيرُ (٧)، وكانوا يسمّون ذلك الطائر الصّدى. وقال لَبِيدٌ (٨) يرثي أخاه:

стр. 3773

فَلَيْسَ النَّاسُ بَعْدَكَ في نَفِيرٍ ... ولا هم غيرُ أصْدَاءٍ وهَامِ وقال أبو دُؤَادٍ الإياديّ (١): سُلِّطَ المَوْتُ والْمَنُونُ عَلَيْهِم ... فَلَهُمْ في صَدَى المقابر هامُ وقال (٢) بعضُ شعرائهم يمدح نفسه: ولا أنا ممّن يزجر الطّير هامة ... أصاح غرابٌ أم تعرّض ثعلب (٣) وللشّافعي ﵀ كلامٌ في السّانح والبارح (٤) ذَكَرَهُ في شرح قوله: "أَقِرُّوا الطّيرَ على مَكِنَاتِهَا" (٥) ويروَى: "على مكاناتها" وهو غريبٌ (٦). المسألة الثّالثة (٧): قوله: "ولا صَفَرَ" فقال ابنُ وهب: وقال بعضهم: هو من الصُّفَارِ تكونُ بالإنسان حتّى تقتلَهُ (٨)، فقال النّبىُّ ﵇: "لا تَقْتُلُ الصُّفَارُ أَحَدًا"، وقال آخرون: هو شهرُ صَفَرٍ، كانوا يُحرِّمونه عامًا ويُحِلِّونَهُ عامًا، فأكذبهم بذلك (٩).

стр. 3774

المسألة الرّابعة (١): أمّا "الفأل" بالهمز وجمعه فؤول، فقد فسّره في "كتاب مسلم" (٢). والّذي يصحُّ (٣): أنّ الفألَ رجوعٌ إلى قولٍ مسموعٍ أو أمرٍ محسوسٍ يحسنُ معناه في العقول، فيُخَيّل للنّفس وقوع مثل ذلك. والطَّيَرَةُ: أخذ المعنَى من أمور غير محسوسة ولا معقولة. وقال بعضُ علمائنا: إنَّ الأمر الجامع لهذه الفصول كلّها ثلاثة أقسام: وأحدُ الأقسام: ما لم يقع التَّأذِّي به ولا اطّردت عادتهم فيه. والقسم الثّاني: ما يقع فيه الضّرر، ولكنّه يعمُّ ولا يخصّ، ويندر ولا يتكرّر. والقسم الثّالث: سببٌ يخصُّ ولا يعُّم، ويلحق منه الضّرر، كالدّيار فإنّ ضَرَرَها مختصٌّ بساكنها، من ذهاب المال والأهل، على حسب ما قاله الرّجل للنَّبىِّ ﵇. المسألة الخامسة (٤): قوله: "لا يُورد (٥) مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ" قال علماؤنا (٦): المُمْرِضُ ذُو الماشية المريضَةِ، والمُصحُّ ذو الماشيةالصّحيحة. وقيل (٧): معناه أنّ يأتي (٨) الرّجلُ بإِبِلِهِ أو غَنَمِهِ الجَرِبَةِ، فَيَحلَّ بها على ماشيةٍ صحيحةٍ، فيُؤذِيهِ بذلك بأن يحتبسَ إليها الجَرَبَ.

стр. 3775

وقال القاضي أبو الوليد (١): الّذي عندي فيه أنّه منسوخ بقوله: "لَا عَدْوَى". قلنا (٢): قوله: "لا عَدْوَى" إنَّ كان بمَعْنَى الخَبَرِ والتَّكذيب بقول من يعتقد العدوى، فلا يكون ناسخًا. وإنَّ كان بمعنى النّهي، يريد: ألَّا تكرهوا دخول البعير الجُرْبِ بين إبِلكم غير الجَرِبَةِ، ولا تمتنعوا ذلك ولا تمنعوا منه؛ فإنّا لا نعلم أيّهما قال أوّلًا. وإن تعلّقنا بالظّاهر فقوله ﷺ : "لَا عَدْوَى" ورد في أوّل الحديث، فمحال أنّ يكون ناسخًا لما وردَ بعدَهُ، أو لِمَا لا يُدْرَى ورد قبله أو بعده؛ لأنّ النّاسخ إنّما يكون ناسخًا لحُكمٍ قد ثبت قبلَهُ. وقوله: "لَا عدْوَى" إنّما نَفَى به أنّ يكون لمجاورة المريض تأثير في مرض الصّحيح، فإنّ ذلك من فعل البارىء سبحانه ابتداءً، كما فعَلَهُ في الأوّل ابتداءً، وأنّ قوله: "لَا يُورَدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ" (٣) ليس من هذا المعنى، والله أعلم، ولكنه يحتمل معنيين: أحدُهما: المنع من ذلك؛ لما فيه من الأذى على ظاهر الحديث، هالى هذا ذهَبَ يحيى بن يحيى. والثَّاني: أنّ يكونَ البارىءُ ﵎ قد أجرى العادةَ بذلك، وإن كان البارىء هو الخالق للمرض والصِّحَّة، ولا يُؤَثِّرُ شيءٌ في شيءٍ.

стр. 3776

المسألة السّادسة: قال الإمام: اعلم أنّ كلّ موجودين معلومين في العالَم ارتبط أحدهما بالآخر، فإنّ أحدهما ليس بسبب للآخر كالخاتم في اليد إذا حرّك الإنسانُ يده، فإنّ الخاتم لم يتحرّك بحركة اليد ولا حركة الخاتم إلّا بحركة أخرى غير حركة اليد، ولا يجوز أنّ يقال: إنَّ حركة الخاتم تولّدت من حركة اليد. المسألة السّابعة: فإذا ثبت هذا، فمعنى قوله: "لا يَحُلُّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ" إِنّما قال ذلك، لِئَلَّا تجرب هذه، فيقع في قلب من يعتقد ذلك الإعداء فيكفر. فاراد اللهُ أنّ يقطع هذا من قلوب النَّاس. والوجه الثّاني: أنّ الله سبحانه أجرى العادة في الحيوان وفي بني آدم أنّه إذا كانت جُرْبًا بين صحاح أنّ تَجْرَبَ الصّحاح، كما أجرى العادةَ للإنسان بالشِّبع عند تناول الطّعام؛ لأنّ الطّعام أشبع. وكما يقال: إنَّ اللّيالي القمرية يكثُر فيها القُشَاءُ والقَرَعُ (١)؛ لأنّ القمر أحدث ذلك، والقمر ليس له فعلٌ، وإنّما أجرى اللهُ العادةَ بذلك، وهو فِعْلُه تعالى، فلا يؤثّر شيءٌ في شيءٍ. المسألة الثّامنة: فإن قيل: فإذا صحّحت هذا فكيف تجمع بينه وبين قوله ﷺ : "لَا عَدْوَى وَفِرّ مِنَ الْمَجْذُوم فِرَارَك مِنَ الأَسَدِ" (٢) وظاهر هذا يقتضي أنّه يستضرّ به استضرارًا؟ وفي "مسلم" (٣) أنّ وَفْدَ ثَقِيفٍ كان معهم مجذومٌ فأرسل إليه إلنبيّ ﵇: "إِنَّا قد بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ".

стр. 3777

قلنا: هذه الأحاديث قد تعارضت، وقد خرّجَ (١) أبو عيسى التّرمذيّ (٢)، عن محمّد بن المُنكدِر، عن جابِر بنِ عبد الله؟ أنّ النّبيَّ ﷺ أخذَ بِيَدِ مجذومٍ فأدخله معه في القَصعَةِ، ثمّ قال: "كُلْ بسمِ اللهِ ثِقَةً بِاللهِ وتَوَكُّلًا عَلَيهِ" وإنّما ذلك لأنّ النفوس تَعَافُ مخالطة أهل الأدواء، وإن كان لا يعدي داءٌ على صحَّةٍ. وإن كان اللهُ سبحانه قد أجرى العادةَ بتضرُّرِ الصّحيح بالسَّقيم، ولكنّه يضرُّ الخَلق عادة لا وجوبًا. وأمرهم بعد ذلك بالتَّحرُّز فقال: "وَلَا يُورَدْ مُمرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ"، وصرفَ المجذومَ ولم يبايعه مُصَافَحَةً، لئلَّا يحتجّ بذلك على أصحّائه فيتأذَّون في نفوسهم بمخالطة أو بضُرٍّ بعد مباشرة النّبيّ له، والله لطيفٌ بعباده. تركيب (٣): وإذا جُذِمَ الرَّجلُ فُرِّقَ بينه وبين امرأته إنَّ شاءت ذلك. وقال ابن القاسم (٤): يحالُ بينه وبين امرأته، وبين وطءِ رقيقه، إذا كان في ذلك ضَرَرٌ. وقال سُحنون: لا يحالُ بينه وبين وَطْءُ إمائه. ولم يختلفوا في الزوجة. توجيه وتنقيح (٥): فوجه قول ابن القاسم (٦): إنّما يحال بينه وبين الزوجة إذا حدثَ ذلك به لأجل الضرر، وأيّما امرأة يَلحَقُها الضّرر بوطءِ المجذومِ، يوجبُ أنّ يحالَ بينه وبينها. وهذا

стр. 3778

عنده في الزّوجة إذا حدث ذلك به لأجل الضّرر. وأمّا وجه سحنون: أنّ الجُذَام في الحُرِّ لمَّا منع الزّوجيّة ونَقَضَها، منع الوَطءَ المُستَحَقَّ بها، ولمَّا لم يمنع مِلك اليمين لم يمنع الوطء المُستَحَقَّ به. ووَجهٌ ثانٍ: أنّ هذا عَقْدٌ يستباحُ به الفَرْجُ والوطءُ، فوجب أنّ يكون تأثير الجُذام في وَطئه كتأثيره في عَقْدِهِ كعَقدِ النِّكاح. تركيب (١): وهل يخرجُ المرضَى من القُرى والحواضر؟ فقال مُطَرًفٌ وابن المَاجِشُّون في "الواضحة": لا يخرُجُرن إذا كانوا يسيرًا، وإن كَثُرُوا رأينا أنّ يتّخذوا لأنفسهم موضعًا، كما صنع مرضى مكّة (٢)، ولا أرى أنّ يُمنَعوا من الأسواق لتجارتهم وللتَّطوُّف للمسألة، إذا لم بكن إمامٌ عدلٌ يُجري عليهم الرِّزقَ. فإن (٣) أجرى الإمامُ عليهم ما يكفيهم مُنِعُوا من مخالطة النَّاس بلزومهم بيوتهم أو بالسِّجن. وقال أَصبَغُ: ليس على مرض الحواضر أنّ يخرجوا منها إلى ناحية بقضاء يُحكَمُ به عليهم. وقال ابنُ حبيب (٤): يحكمُ عليهم بالسِّجن إذا كثروا، وأحبُّ إليَّ، وهو الّذي عليه النَّاسُ.

стр. 3779

تركيب: وهل يدخل المجذومُ المسجدَ أم لا (١)؟ فقيل: يمنعُ من ذلك لتأذِّي النَّاس به وبرائحته ونفسه، ولا يُمنَعُ من غير ذلك، قاله مُطَرِّف وابن الماجشون. باب السُّنَّة في الشِّعَرِ عبدُ الله بن عمر؛ أنّ رسولَ الله ﷺ أَمَرَ بِإِحْفَاءِ الشَّوارِبِ وإِعْفَاءِ اللِّحَى (٢). قال الإمام: الحديثُ صحيحٌ. الفقه والمعاني (٣): قول رسول الله ﵇: "احْفُوا الشَّوارِبَ " (٤) يقالُ أحفَى الرَّجُلُ شَاربَهُ إذا قَصَّهُ. وهو عند أهل اللُّغة الاستئصالُ بالحَلقِ. والإعفاءُ: تَركُ الشَّعَرِ لا يَحْلِقُهُ. وقد اختلف العلماء في حَلْق الشَّارب، فكان مالك يقول: السُّنَّةُ قَصُّ الشَّارب، وهو أخذُهُ من الأطار، وهو طَرَفُ الشَّفَةِ العلّيا (٥). والحجّةُ لمالك؛ لأنّه تَعلّق بقوله:"خَمسٌ من الفِطرةِ" (٦) فذكر منها قصّ الشّارب. وتعلّق أيضًا بقوله في حديث زيد بن أرقم؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ لَمْ يأخُذ من شَارِبِهِ فَلَيسَ مِنَّا" (٧) والشَّاربُ معروفٌ، وهو ما عليه الشَّعرُ من الشَّفَة العُليا تحت الأنف،

стр. 3780

فذلك هو الّذي يُخفَى. وعن ابنِ عبّاس؛ قال: "كان رسولُ الله ﷺ يَجزُّ شَارِبَهُ (١) وهذا قد خُولِفَ فيه رَاوِيهِ، فقيل فيه: "يَقُصُّ شاربَه" (٢) وذُكِرَ عن ابن عبّاس، قال: كان رسول الله ﷺ يَقُصُّ من شارِبِه، وكان خليلُ الرَّحمن إبراهيم ﵇ يَقُصُّ من شَارِبِه (٣). وأمّا ما رُوِيَ عن عمر أنّه كان ربّما فَتَل شاربه إذا اهتمَّ (٤)، فهذا لا حُجَّة فيه؛ لأنّه لابدّ للمرءِ أنّ يترُكَ شارِبَهُ حتّى يكون فيه الشَّعَر ثمّ يحلقه بَعْدُ. وقال بعضُهم في حديث ابن عمر هذا: حتّى يَرَى بياضَ الجِلْد (٥). وليس عندنا إحفاء الشّارب حَلقُه، وإنّما هو الأخذ منه يسيرَا، ورأى أنّ يُؤَدَّبَ من حلق شارِبَهُ (٦). المسألة الثّانية (٧): قوله:" اعْفُوا اللَّحَي" فقال أبو عبيد (٨): يعني وفّروا اللَّحَي لتكثر، يقال منه: عفا الشَّعر إذا كَثُرَ، وقد عفوتُ الشَّعر وأعفيتُه لغتان. وقال ابنُ الأنباري (٩) وغيره: عفا القومُ إذا كَثرُوا، وعَفَوا إذا قَلُّوا، وهو من

стр. 3781

الأضداد (١). ويقال عَفَوتُه أَعفُوهُ وأعفَيتُه أُعفِيهِ. وقال ابنُ القاسم: سمعت مالكًا يقول: لا بأسَ أنّ يُؤخذ ما تطايَرَ من اللِّحية وشَذَّ. قال: فقيل لمالك: فهذا طالت جدًّا؟ قال: أَرَى أنّ يُؤخَذ منها (٢). وروى عن عبد الله بن عمر (٣)، وأبي هريرة (٤)؛ انّهما كانا يأخذان من اللِّحية ما فضل عن القبضة. حديث معاوية على المِنْبَرِ (٥) وتناوله قُصَّةً من شَعَرٍ، ويقول: يا أهل المدينة، أين علماؤُكُم؟ سمعتُ رسولَ الله ﷺ يَنْهَى عن مِثلِ هذا، ويقولُ: "إنّما هَلَكَتْ بَنُو إسرَائِيلَ حينَ اتَّخذَ هذا نِسَاؤُهُم". المعاني (٦): الظّاهر من هذا الحديث النّهي عن إيصال المرأة شَعَرَهَا بشَعَر غيرها، وفي هذا المعنى جاء عن النَّبىِّ ﵇ أنّه لعنَ الواصلة والمُسْتَوصِلَة (٧)، والواصلةُ هي

стр. 3782

الفاعلةُ، والمستوصلةُ هي الطّالبةُ أنّ يُفْعَلَ ذلك بها، وهي (١) الّتي تأخذ القصّة من الشّعر فتجعلها على رأسها لتري أنّها من شعرها، فكرهه رسول الله ﷺ لِمَا فيه من تغيير أصل الخِلْقَةِ والتَّدليلس على الزّوج. وعن ابن سيرين؛ أنّه سأله رجلٌ فقال له: إنَّ أمّي كانت تُمَشِّطُ النّساءَ، أترى لي أنّ آكُلَ من مالها؟ قال: إن كانت تصل، فلا (٢). تركيب: فإن فعلت ذلك من قَرَعٍ بها، فإنّه أيضًا لا يجوز لأجل التّدليس والتَّغرِير والتَّحَيُّلِ على الزّوج، وإنّما استَحبَّ مالك لها أنّ تربط الخِرَق على قَفَاها، وتربط الوقاية الجميلة للتزيُّن، فإنّ ذلك أحسن شيءٍ يفعله أهْل القرع (٣). مسألة (٤): وهل يجوزُ حلّق رأس الصَّبيِّ، فيترك من مقدّمة رأسه وشعر قفاه؟ قال مالك: لا يعجبني ذلك في الجواري ولا الغلمان (٥). ووجه ذلك: أنّه يُشْبِه القَزَعَ (٦). وقال مالك: ليَحِلقُوا جميعه، أو يتركوا جميعه (٧).

стр. 3783

مسألة (١): ومن هذا الباب الوَشمُ، وهو ممنوعٌ، وهو النّقشُ في اليَدِ والذِّراع أو الصَّدْر، لقوله ﷺ : "لَعَنَ الله الوَاصِلَةَ وَالمُستَوصِلَةَ، وَالوَاشِمَةَ والمُستَوشِمَةَ" وقال نافع: الوَشمُ في اللِّثَةِ (٢). ومعنى ذلك أنّ هذا معنى باقٍ (٣). ومن ذلك التَّفَلُّج، رَوَى علقمة، عن عبد الله بن مسعود؛ أنّه قال: "لَعَنَ الله الوَاشِمَاتِ والمُستَوشِمَاتِ، المُتَفَلِّجَاتِ للحُسْنِ، المُغَيِّرَاتِ خَلقَ الله، مَالي لا أَلعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسولُ الله ﵇" (٤). مسألة (٥): وهذا فيما يكون باقيًا، وأمّا ما كان لا يبقَى وإنّما هو مَوضِعٌ للجمال يسرع إليه التّغيير كالكُحْلِ، فقد قال مالك: لا بأس بالكُحْل للمرأة الإثمِد وغيره، لما ذكرنا من قبل. وأمّا الرَّجُل، فقال مالك: أكرهُ الكُحلَ باللّيل والنّهار للرَّجُل إِلَّا لمن به علّةٌ، وما أدركتُ من يكتحلُ نهارًا إِلَّا من ضرورةٍ (٦). وفي رواية ابن نافع: ليس الكحلُ بالإثمِدِ! من عمل النَّاسِ، ولا سمعتُ فيه بنَهىٍ (٧). يريدُ ما قدّمناه من استحسان زِيٍّ أهل المدينة ومن مَضَى من علمائها.

стр. 3784

مسألة (١): وأمّا التَّجَمُّل بِالحِنَّاءِ، فقد قال مالك: لا بأْس أنّ تُوشِيَ (٢) المرأةُ يَدَيهَا بالحِنَّاء أو تُطَرِّفهما (٣) بغيرخِضَابٍ (٤)، وأنكر ما يُفعل من تزويق اليدين والرِّجلين، فقال: إمّا أنّ تُخَضَّبَ يديها كلها، أو تنزع ذلك وتدعه (٥). حديث ابن شهابٍ (٦)؛ أنّ رسولَ الله ﷺ سَدَلَ نَاصِيَتَهُ مَا شَاءَ الله، ثُمَّ فَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ. الإسناد (٧): قال الإمام: هكذا رواهُ جماعة الرُّواةِ عن مالك، إِلَّا حمَّاد بن خالد الخيّاط؛ فإنّه رواه عن مالك، عن زيَاد بن سعد، عن الزّهريُّ، عن أنس، فاخطأَ فيه. والصّواب فيه من رواية مالك الإرسالُ كما في "الموطَّأ" وهو يُسنَدُ من طُرقٍ واضحةٍ عن ابن شهاب، عن عُبَيدِ الله بنِ عبد الله بن عُتبَةَ، عن ابنِ عبّاس، قال ابن عبّاس: كان أهلُ الكتابِ يَسدُلُونَ شُعورَهُم، وكان المشركونَ يَفْرُقُون، وكان رسولُ الله يحبُّ موافقةَ أهلِ الكتابِ فيما لم يُؤمَر فيه، فسدَلَ رسولُ الله ناصِيَتَهُ، ثمّ فَرَقَ بعد ذلك (٨). قال الإمام: وقد كان مالك ﵀ يَفرُقُ شَعرَهُ زمانًا من عُمْرِه في صباه (٩).

стр. 3785

الفقه في سبع مسائل: المسألة الأولى: قال ابن القاسم: كرهَ مالك الذُّؤابة للصّبي، وقال: قد نَهَى رسولُ الله عن القَزَعِ، وإنّما يستحبّ أنّ تكون للصبىّ وَفْرَة (١). وقد رَوَى أبو عيسى التّرمذيّ (٢) في صفة النّبيِّ ﷺ وذِكْرِ جُمَّتِه، فقال: عن عائشة؛ قالت: كان شَعرُهُ فوق الجُمَّةِ ودونَ الوَفرَةِ. وروى عن البراء، قال: كان رسولُ الله عَظِيمَ الجُمَّةِ إلَى شَحْمَةِ أُذُنَيهِ، عَلَيهِ حُلَّةٌ حَمَراءُ وَرَاءَ مَنْكِبَيهِ. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ (٣). المسألة الثّانية: قال علماؤنا: إنّما كَرِهَ الذّؤابة للصّبي وللرِّجال أيضًا؛ لما في ذلك من التَّشَبُّهِ بالنِّساء والجواري، وربّما كان من الرِّجال على الإهمال، لا على قَصْدٍ مُتعمّد. المسألة الثّالثة (٤): قال علماؤنا: اتِّخاذُ الشَّعَرِ في الرّأس والجُمَّة زينةٌ، وتركه سُنّة، وحَلقه بدعة، وحالةٌ مذمومةٌ، جعلها النّبيُّ ﷺ شعار الخوارج، ففي الصّحيح عن أبي سعيد؛ أنّ النّبيّ ﷺ ذكر قَوْمًا يكونون في أُمَّتِهِ "يخرجونَ في فُرقَةٍ، سِيمَاهُمُ التَّحَالُقُ، (٥)، وفي رواية (٦):"سيماهم التّسبيد" وهو الحَلْق، فأكرهُ القَزَعَ والحَلْق أكثر. المسألة الرّابعة (٧): فيجوزُ أنّ يتَّخذ جُمَّة - وهي ما أحاط بمنابت الشَّعر- وَوَفرَة -وهو ما زاد على
следующие страницы →