← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

الأضداد (١). ويقال عَفَوتُه أَعفُوهُ وأعفَيتُه أُعفِيهِ. وقال ابنُ القاسم: سمعت مالكًا يقول: لا بأسَ أنّ يُؤخذ ما تطايَرَ من اللِّحية وشَذَّ. قال: فقيل لمالك: فهذا طالت جدًّا؟ قال: أَرَى أنّ يُؤخَذ منها (٢). وروى عن عبد الله بن عمر (٣)، وأبي هريرة (٤)؛ انّهما كانا يأخذان من اللِّحية ما فضل عن القبضة. حديث معاوية على المِنْبَرِ (٥) وتناوله قُصَّةً من شَعَرٍ، ويقول: يا أهل المدينة، أين علماؤُكُم؟ سمعتُ رسولَ الله ﷺ يَنْهَى عن مِثلِ هذا، ويقولُ: "إنّما هَلَكَتْ بَنُو إسرَائِيلَ حينَ اتَّخذَ هذا نِسَاؤُهُم". المعاني (٦): الظّاهر من هذا الحديث النّهي عن إيصال المرأة شَعَرَهَا بشَعَر غيرها، وفي هذا المعنى جاء عن النَّبىِّ ﵇ أنّه لعنَ الواصلة والمُسْتَوصِلَة (٧)، والواصلةُ هي

стр. 3782

الفاعلةُ، والمستوصلةُ هي الطّالبةُ أنّ يُفْعَلَ ذلك بها، وهي (١) الّتي تأخذ القصّة من الشّعر فتجعلها على رأسها لتري أنّها من شعرها، فكرهه رسول الله ﷺ لِمَا فيه من تغيير أصل الخِلْقَةِ والتَّدليلس على الزّوج. وعن ابن سيرين؛ أنّه سأله رجلٌ فقال له: إنَّ أمّي كانت تُمَشِّطُ النّساءَ، أترى لي أنّ آكُلَ من مالها؟ قال: إن كانت تصل، فلا (٢). تركيب: فإن فعلت ذلك من قَرَعٍ بها، فإنّه أيضًا لا يجوز لأجل التّدليس والتَّغرِير والتَّحَيُّلِ على الزّوج، وإنّما استَحبَّ مالك لها أنّ تربط الخِرَق على قَفَاها، وتربط الوقاية الجميلة للتزيُّن، فإنّ ذلك أحسن شيءٍ يفعله أهْل القرع (٣). مسألة (٤): وهل يجوزُ حلّق رأس الصَّبيِّ، فيترك من مقدّمة رأسه وشعر قفاه؟ قال مالك: لا يعجبني ذلك في الجواري ولا الغلمان (٥). ووجه ذلك: أنّه يُشْبِه القَزَعَ (٦). وقال مالك: ليَحِلقُوا جميعه، أو يتركوا جميعه (٧).

стр. 3783

مسألة (١): ومن هذا الباب الوَشمُ، وهو ممنوعٌ، وهو النّقشُ في اليَدِ والذِّراع أو الصَّدْر، لقوله ﷺ : "لَعَنَ الله الوَاصِلَةَ وَالمُستَوصِلَةَ، وَالوَاشِمَةَ والمُستَوشِمَةَ" وقال نافع: الوَشمُ في اللِّثَةِ (٢). ومعنى ذلك أنّ هذا معنى باقٍ (٣). ومن ذلك التَّفَلُّج، رَوَى علقمة، عن عبد الله بن مسعود؛ أنّه قال: "لَعَنَ الله الوَاشِمَاتِ والمُستَوشِمَاتِ، المُتَفَلِّجَاتِ للحُسْنِ، المُغَيِّرَاتِ خَلقَ الله، مَالي لا أَلعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسولُ الله ﵇" (٤). مسألة (٥): وهذا فيما يكون باقيًا، وأمّا ما كان لا يبقَى وإنّما هو مَوضِعٌ للجمال يسرع إليه التّغيير كالكُحْلِ، فقد قال مالك: لا بأس بالكُحْل للمرأة الإثمِد وغيره، لما ذكرنا من قبل. وأمّا الرَّجُل، فقال مالك: أكرهُ الكُحلَ باللّيل والنّهار للرَّجُل إِلَّا لمن به علّةٌ، وما أدركتُ من يكتحلُ نهارًا إِلَّا من ضرورةٍ (٦). وفي رواية ابن نافع: ليس الكحلُ بالإثمِدِ! من عمل النَّاسِ، ولا سمعتُ فيه بنَهىٍ (٧). يريدُ ما قدّمناه من استحسان زِيٍّ أهل المدينة ومن مَضَى من علمائها.

стр. 3784

مسألة (١): وأمّا التَّجَمُّل بِالحِنَّاءِ، فقد قال مالك: لا بأْس أنّ تُوشِيَ (٢) المرأةُ يَدَيهَا بالحِنَّاء أو تُطَرِّفهما (٣) بغيرخِضَابٍ (٤)، وأنكر ما يُفعل من تزويق اليدين والرِّجلين، فقال: إمّا أنّ تُخَضَّبَ يديها كلها، أو تنزع ذلك وتدعه (٥). حديث ابن شهابٍ (٦)؛ أنّ رسولَ الله ﷺ سَدَلَ نَاصِيَتَهُ مَا شَاءَ الله، ثُمَّ فَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ. الإسناد (٧): قال الإمام: هكذا رواهُ جماعة الرُّواةِ عن مالك، إِلَّا حمَّاد بن خالد الخيّاط؛ فإنّه رواه عن مالك، عن زيَاد بن سعد، عن الزّهريُّ، عن أنس، فاخطأَ فيه. والصّواب فيه من رواية مالك الإرسالُ كما في "الموطَّأ" وهو يُسنَدُ من طُرقٍ واضحةٍ عن ابن شهاب، عن عُبَيدِ الله بنِ عبد الله بن عُتبَةَ، عن ابنِ عبّاس، قال ابن عبّاس: كان أهلُ الكتابِ يَسدُلُونَ شُعورَهُم، وكان المشركونَ يَفْرُقُون، وكان رسولُ الله يحبُّ موافقةَ أهلِ الكتابِ فيما لم يُؤمَر فيه، فسدَلَ رسولُ الله ناصِيَتَهُ، ثمّ فَرَقَ بعد ذلك (٨). قال الإمام: وقد كان مالك ﵀ يَفرُقُ شَعرَهُ زمانًا من عُمْرِه في صباه (٩).

стр. 3785

الفقه في سبع مسائل: المسألة الأولى: قال ابن القاسم: كرهَ مالك الذُّؤابة للصّبي، وقال: قد نَهَى رسولُ الله عن القَزَعِ، وإنّما يستحبّ أنّ تكون للصبىّ وَفْرَة (١). وقد رَوَى أبو عيسى التّرمذيّ (٢) في صفة النّبيِّ ﷺ وذِكْرِ جُمَّتِه، فقال: عن عائشة؛ قالت: كان شَعرُهُ فوق الجُمَّةِ ودونَ الوَفرَةِ. وروى عن البراء، قال: كان رسولُ الله عَظِيمَ الجُمَّةِ إلَى شَحْمَةِ أُذُنَيهِ، عَلَيهِ حُلَّةٌ حَمَراءُ وَرَاءَ مَنْكِبَيهِ. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ (٣). المسألة الثّانية: قال علماؤنا: إنّما كَرِهَ الذّؤابة للصّبي وللرِّجال أيضًا؛ لما في ذلك من التَّشَبُّهِ بالنِّساء والجواري، وربّما كان من الرِّجال على الإهمال، لا على قَصْدٍ مُتعمّد. المسألة الثّالثة (٤): قال علماؤنا: اتِّخاذُ الشَّعَرِ في الرّأس والجُمَّة زينةٌ، وتركه سُنّة، وحَلقه بدعة، وحالةٌ مذمومةٌ، جعلها النّبيُّ ﷺ شعار الخوارج، ففي الصّحيح عن أبي سعيد؛ أنّ النّبيّ ﷺ ذكر قَوْمًا يكونون في أُمَّتِهِ "يخرجونَ في فُرقَةٍ، سِيمَاهُمُ التَّحَالُقُ، (٥)، وفي رواية (٦):"سيماهم التّسبيد" وهو الحَلْق، فأكرهُ القَزَعَ والحَلْق أكثر. المسألة الرّابعة (٧): فيجوزُ أنّ يتَّخذ جُمَّة - وهي ما أحاط بمنابت الشَّعر- وَوَفرَة -وهو ما زاد على

стр. 3786

ذلك حتّى يبلُغَ شحمة الأُذُنَيْنِ - ويجوز أنّ يكون أطول من ذلك. المسألة الخامسة (١): فإن قَزَعَهُ، وذلك بأن يُحْلَقَ البعضُ ويترك البعض، وهو مأخوذٌ من قزعت الشيء إذا قطعته في مواضع، وهي قطع السحاب، كره له ذلك النّبيّ ﷺ ، وقد خرّجه مسلم (٢) وقال بعضهم: إنّه لا بأس أنّ يُحْلَقَ الرَّأسُ ويترك له ذُؤَابَة، فهو على باب التَّرخيص. المسألة السّادسة (٣): فإن عَقَصَهُ (٤) وعقده في وسط رأسه، كره ذلك له؛ لأنّ أبا رافع مَولَى رسول الله ﷺ مرّ عليه الحسن بن عليّ وهو يصلّي، وقد غرز ضَفِرهُ في قَفَاهُ، فحلَّها أبو رافع، فألتفت الحسن إليه مغضبًا، فقال أبو رافع أقبِل على صلاتكَ ولا تغضب، فإنّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ذلك كِفْلُ الشيطانِ " يعني مقعده (٥). وقال ابنُ عبَّاس: سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ: "مَثَلُ هَذا مَثَلُ الذِي يُصَلِّي وهو مكتُوف" (٦)، فكيف ما كان ذلك من القفا، أو في النّاصية، أو في الوسط، فإنّه مكروهٌ؛ وذلك لأنّه من زيِّ النِّساء، والله أعلم.

стр. 3787

المسألة السابعة (١): اختلفتِ الرِّواية في التَّرَجُّلِ، فَرُوِيَ فضل تركه وأنّ الشّعث الرَّأسِ الدَّنس الثَّوب هو الّذي يُستحبُّ له شرعًا. والوجه عندي في ذلك: ما رواه أبو عيسى التّرمذيّ (٢)؛ أنّ النّبيّ نهى عنِ التَّرَجُّلِ إِلَّا غِبًا. وهو تسريحُ الرّأسِ وتحسينُهُ. حديث ابن عمر (٣)؛ "أنّه كانَ يَكرَهُ الإِخصَاءَ ويقولُ: فِيهِ تَمَامُ الخَلْقِ". ويروى:"نمَاءُ الخلقِ" (٤)؛ لأنّ في تركه دوام النّسل وكثرته. الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (٥): اختلف العلّماءُ من أهل التّأويل في قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (٦) فقال ابنُ عمر، وطائفة، وأنس بن مالك (٧): هو الخِصَاءُ. رُويَ ذلك عن ابن عبّاس (٨)، وابن مسعود وطائفة (٩). المسألة الثّانية (١٠): اختلفَ الفقهاءُ في الضَّحيَّة إذا كانت مخصيّة والموجوء من الأنعام، وأكثرهم على إجازته إذاكان سمينًا، وقالو: وإخصاء فحل الغنم يزيد في سِمَنِهِ.

стр. 3788

وكَرِهَ جماعةٌ من الفقهاء من أهل الحجاز والكوفيّين (١) شراء الخصيِّ من الصّقالبة وغيرهم، وقالوا: لو لم يشتَرُوا منهم لم يَخصوا (٢)، ولم يختلف العلماء أنّ خصاء بني آدم لا يحلّ ولا يجوزُ، وأنّه مُثلَةٌ وتغييرٌ لخلقِ الله تعالى، وكذلك قطع سائر أعضائِهِم وجوارِحِهِم في غير حدٍّ ولا قَوَدٍ. وقد ذكر البونىّ (٣) ﵀ وَجهَ هذا الحديث عند مالك في بني آدم، وفيما لا يُنْتَفَعُ بإخصائه. وأمّا ما كان فيه النّفع من الإخصاء في البهائم، فلا بأس به (٤)؛ لأنَّ في ذلك المنافع للنَّاسِ. قال الأمامُ: وذلك كإخصَاءِ الغَنَمِ وما يُنْتَفَع بإخصائه لِطيبِ لَحْمِه (٥). المسألة الثّالثة: وكره مالكٌ إخصاء الخيل. وقال مرّة: لا بأس بإخصائها إذا أكلت (٦)، حكاه البونيّ عنه. حديث (٧): قوله ﷺ : "أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ لَهُ أَو لِغَيرِهِ في الجَنّة كَهَاتَينِ، إِذَا اتَّقَى" وأشارَ بإِصبُعَيْهِ الوُسطَى والّتي تَلِي الأبِهَامَ. الإسناد (٨): قال الإمام: لم يختلف رُوَاةُ "الموطَّأ" في ذلك عنه، وقد رواهُ سفيانُ بن عُيَينَةَ

стр. 3789

وغيره عن صفوان بن سليم فأسنده (١). وقد يُسنَدُ من حديث صَفوَان بن سُلَيْم، عن امرأةٍ يقالُ لها أُنَيْسَةُ، عن أمِّ سَعيدٍ بنت مرَّة الفهريِّ، عن أبيها؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ" الحديث (٢). الفوائد والمعاني في خمسة: الأولى (٣): قوله: "مَنْ كَفَلَ يَتِيمًا" قال الإمام: في هذا الحديث فَضْلٌ عَظيمٌ في كافِلِ اليتيم وضَمُّهُ إلى بَنِيهِ ومائدته، وأنفقَ عليه من طَولِهِ، نال ذلكَ، وحَسبُكَ بها فضيلةً وقُرْبَةً من منزل النَّبيِّ ﷺ في الجنَّة، فليس بين الوُسطَى والسّبَّابة في الطّول ولا في اللّصوق كثيرٌ، وإن كان نسبة ذلك من سَعَةِ الجنَّةِ كثيرٌ. الثّانية (٤): قوله في هذا الحديث: "لَهُ أَوْ لِغَيرِهِ" فالمعنى -والله أعلم- واحدٌ، كان من قرابته أو من غير قرابته. تنبيه على اغفال (٥): قال الإمام: هذا الحديث وحديث الخِصَاء في هذا الباب ليسا من معنى هذا الباب في شيءٍ، وهما عند يحيى فيه كما ترى (٦)، والله أعلمُ كيف أدخلَهُما هنا في غير موضعهما.

стр. 3790

قال الإمام: وقد رُوِيَ في فضيلة كافِلِ اليتيمِ أحاديث كلّها صِحَاح كثيرة: رَوَى ابنُ وَهبٍ والقَعْنَبي وجماعة من رواةِ مالك (١)، عن مالك، عن ثور بن زَيْد، عن أبي الغَيث سالم مَولَى ابنِ مُطيعٍ، عن أبي هريرة، عن النّبيِّ ﷺ ؛ أنّه قال: "السَّاعِي على الأرْمَلَةِ وَاليَتِيم كَالمُجَاهِدِ في سبيلِ الله، أو كالَّذِي يَقُومُ اللَّيلَ ويصُومُ النَّهَار".وبعض رواة هذا الحديث يقول فيه:" السَّاعِي عَلَى الأرمَلَةِ والمسكِينِ (٢) ولا يذكر اليتيم. وقد رُوِّينا في المنثورات أنّه قال: "خَيرُ البُيُوت بَيتٌ فِيه يَتِيمٌ مَكرُومْ" (٣). الثّالثة: قوله: "كَافِلُ اليَتِيم" هو الّذي يَكفُلُه ويقومُ بأمرِه، من كَفَلَ يَكْفُلُ، إذا قام بالأمر، لقوله: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (٤) أي: كَفِيلٌ يقُومُ به. الرّابعة (٥): قوله: "لَهُ أو لِغَيرِهِ " يحتَمِلُ أنّ يكون الكافلُ امرأةً، فتَكفُلُ اليتيم وهو ابنها. ويحتمل أنّ يريد الرَّجل يكفل يتيمًا من أقاربه؛ لأنّ اليتيم في بني آدم يكون بموت الأب دون موت الأمّ. وقوله: "أَو لِغَيرِهِ" لا يكون من عشيرته. الخامسة (٦): قوله: "كَهَاتَين، وأشارَ بأصبُعَيهِ" قال علماؤنا (٧) فيه: لا أفضلُه في الجنَّةِ إِلَّا بقَدرِ

стр. 3791

فضلِ الوُسْطَى على الّتي تلي الإبهام. باب إصلاح الشَّعَرِ ذكر فيه حديث أبي قتادة الأنصاري (١)؛ قال: يا رسولَ الله، إنَّ لي جُمَّةً، أَفَاُرَجِّلُهَا؟ فقال رسولُ الله: "نعم، وأكرِمْهَا"، فكان أبو قتادةَ ربّما دَهَنَها في اليوم مرَّتين، لقوله: "وَأَكرِمهَا". قال الإمام: وفي بعض طُرُقهِ: "مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَليُكرِمْهُ" (٢) وفي طرقه: "أَكرِمُوا الشَّعَرَ" (٣). الفوائد المطلقة فيه ثلاث: الفائدةُ الأولى (٤): قوله: "أَفَاُرَجِّلُهَا" يريد مشطها. وقوله: "وَأَكرِمهَا" يريدُ إصلاحَها وتجميلَها بالدُّهن، وما يجري مجراه ممّا يحسن به الشَّعرُ، فيكون ذلك إكرامًا وصيانةً من الشَّعَث والدَّوابّ والوَسَخِ، ولذلك كان أبو قتادة يوالي دهنها وإصلاحها. الثّانية (٥): قال الإمامُ: ثمّ تعارضت هنا الأحاديث، فَرُوِيَ عنه ﷺ أنّه نَهَى عن التَّرَجُّلُ إِلَّا غِبًا (٦). والحديث الآخر: كان رسولُ الله ﷺ -ينهانا عن الإِرفَاهِ: التَّرَجُّلُ كلَّ يومٍ (٧).

стр. 3792

وهذا الحديث يحتمل أنّ يكون فيمن شَعره سَبِطٌ لا يحتاجُ إلى أنّ يُرَجِّلَهُ في كُلِّ وقتٍ، وأمّا غيره فلا. ورأى رسولُ الله رَجُلًا ثائر الرّأس، فقال: "إمَّا أنّ تُحْسِنَ إِلَى شَعَرِك، وإَمَّا أنّ تَحْلِقَهُ (١). ورآى رَجُلًا ثائر اللِّحية، فقال: لِمَ يُشَوِّهُ أَحَدُكُم بِنَفسِهِ؟! " (٢). قال الإمام: وفي هذا الحديث النَّدب إلى النّظافة وإلى الزِّيِّ الحسن؛ لأنّ ذلك من زِيِّ الإسلام وأهل الإيمان، والشُّعْوثَة وسُوء الهيئةِ من زِيِّ الكفّارِ. والشياطين، ولذلك ساق مالك في هذا الباب، قال: كانَ رسولُ الله في المسجدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ ثَائِرُ اللِّحيَةِ والرَّأسِ، فأَشَارَ إِلَيهِ رسولُ الله بِيَدِهِ أَنِ اخرُج، كَأَنَّهُ يريدُ إصلاحَ شَعَرِ رَأسِهِ وَلِحيَتِهِ. فَفعَلَ الرَّجُلُ ثُمَّ رجعَ، فقال رسولُ الله: "ألَيْسَ هذا خَيرًا مِن أنّ يَأتِيَ أَحَدُكُم ثَائِرَ الرَّأسِ كَأَنَّهُ شَيطَانٌ" (٣). الثّالثة: وفي بعض طُرُقِ الأحاديث؛ أنّه رأى رَجُلًا عليه ثيابٌ وَسِخَةٌ، فقال: "أَمَا كَانَ يَجِدُ هذا ماءً يَغْسِلُ به ثَوبَهُ" (٤) فكان يحثُّ على النّظافةِ والزِّيَّ الحَسَنِ. الرّابعة (٥): أمّا التّشبيه بالشَّيطان، فلِمَا يقعُ في القلبِ من قُبْحِ الصّورة والهيئة والبغضة لذلك، والله أعلمُ. وقد قال تعالى في شجرة الزقّوم: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ (٦) على هذا المعنى، والله أعلم. وقد بَيَّنَّا معن التَّرَجُّل وإصلاح الشَّعَرِ فيما تقدّم.

стр. 3793

باب ماجاءَ في صَبْغِ الشَّعَرِ قال الإمام: ليس في هذا الباب حديث مُسْنَدٌ ولا مُرْسَلٌ غير ما استدلّ به من خبر عبد الرّحمن بْنِ الأسودِ بن عبد يَغُوثَ (١). الفوائد اثنان: الفائدة الأولى (٢): قوله: "إنَّ عبد الرّحمن بن الأسود كَانَ أبيَضَ الرَّأسِ واللِّحيَةِ" يريدُ من الشَّيبِ. الثّانية (٣): قوله: " فَغَدَا عَلَيهم وَقد حَمَّرَهُما" يريد خضَّبَهُما بالحُمرة، فاستحسنَ القومُ ذلك منه وفَضَّلوهُ على البياض، فاعلمهُم عبد الرّحمن أنّ عائشة زَوجَ النّبيِّ ﷺ -أَقسَمَت عليه لَيَصبِغَنَّ، وأخبرتهُ أنّ أبا بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ كان يَصبُغُ (٤)؛ وذلك أنّه رُويَ عن أبي بكير أنّه خضَب بالحِنَّاءِ والكَتَمِ (٥)، وكذلك رُويَ عن عثمان بن عفان، وأنس بن مالك وجماعة. وهذا يدلُّ على أنّ النّبيَّ ﷺ لم يَخضبِ، ولو خَضَبَ كان تعلّقها بِفِعلِهِ أَبيَن وأوضح من تَعلِّقها بفعل أَبِيها. وقد قال مالك في غير "الموطَّأ": لم يصبغ رسول الله، ولا عمر، ولا عليُّ بن أبي طالب، ولا أبيُّ بن كَعْبٍ، ولا السّائب (٦)، ولا سعيد بن المسيَّب، ولا ابن شهاب (٧). قال الإمام: وقد تعارضت الَاثارُ هنا، ورُويَ عن عثمانَ بن مَوهَبٍ قال: رأيت شَعَرَ رسولِ الله ﷺ أَخرَجَتهُ إِليَّ أمّ سَلَمَة مخضوبًا بالحِنَّاءِ وَالكَتَمِ (٨).

стр. 3794

وقيل لمحمد بن علي: أكان علىٌّ يَخضِبُ؟ قال: قد خَضَبَ من هو خيرٌ منهُ رسولُ الله ﷺ (١). فيحتمل- والله أعلم- أنّ يريد بهذه الآثار أنّه كان يجعلَ من ذلك في شَعَرِه ما يُحسنُه ويُليَّنُه، دون أنّ يكون شَعَرُهُ يحتاج إلى ذلك للبياض. ومعنى الآثار الّتي نفت الخِضَابَ؛ أنّه لم يكن شَعَرُهُ أبيض يُغَيِّره الخِضَاب، فلم يكن يجعل من ذلك ما يجعله على وجه الخِضَاب الّذي يُغَيِّر البياض. وقد قال عبدُ الله بن هَمَّامٍ؛ قلتُ لأبي الدَّردَاء: أكان رسولُ الله ﷺ يَخضِبُ؟ فقال: يا ابنَ أخي، ما بلَغَ منه الشَّيبُ ما يَخضِبُ، ولكنّه كان منه هاهنا شَعَراتٌ بِيضٌ، وكان يغسلهما بالحِنَّاء والسِّدْرِ (٢). الفقه في خمس مسائل: المسألة الأولى (٣): قال مالك (٤) في صَبغِ الشَّعرِ بالسَّواد:" لم أسمعُ فيه شيئًا معلومًا" (٥) يريد أنّه صَبغٌ لم يستعمله النّبيُّ ﷺ في شَعَرِهِ. وقد خَضَبَ بالسَّوادِ منَ الصّحابة عُقبة بن عامر (٦)، والحَسَنُ، والحُسَينُ (٧). وخَضَبَ به محمّد بن عليّ (٨) وجماعة من التّابعين.

стр. 3795

المسألة الثّانية (١): قال مالك (٢):" وَتَركُ الصّبغِ كُلّهِ وَاسِعٌ" (٣) يريد أنّ الصَّبغَ ليس بأمرٍ لازمٍ (٤)، وقد ترك الصَّبغَ جماعةٌ من الصّحابة، منهم: عمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالب. قال الإمام الحافظ: وذلك عندي يتصرّفُ على وجهين: أحدهما: أنّ يكون أمرًا معتادًا ببلد الإنسانِ، فَيَسُوغُ له ذلك؛ فإنَّ الخروج عن الأمر المعتاد يُشهَرُ ويُسَقبَحُ. والثّاني: أنّ من النَّاس من يُجَمِّلُ شيبَهُ، فيكون ذلك. أَليَق به من الصَّبغِ، ومن النَّاس من لا يُجَمِّلُ شَيبَهُ ويُستَبشَعُ مَنْظَرُهُ، فيكون الصَّبغُ أجمَلَ به. المسألة الثّالثة (٥): سئل مالك عن نَتفِ الشَّيب؟ فقال: ما علمتُه حرامًا، وتركُه أحبُّ إليَّ. وقال ابن القاسم: أكره (٦) أنّ يُقرَضَ من أصله، وهو عندي شَبِيهٌ بالنّتف. المسألة الرّابعة (٧): الخضاب بالوشمة سُئِلَ عنه سعيد بن جُبيرٍ فقال: يَكسُو اللهُ العَبدَ في وَجهِهِ النُّورَ ثُمَّ يُطفِئُهُ بِالسَّوَاد (٨)

стр. 3796

* وكان محمّد بن عليٍّ يَخضِبُ بالحنَّاءِ*والوَسمَةِ؛ ثُلُثَينِ حِنَّاءَ، وثُلُثٍ وَسمَةً (١). وهو عندي جائزٌ كما تقدّم بيانُه. المسألة الخامسة (٢): في خِضاب اللِّحية بالسّواد كلها فهو على الكراهية عند الفقهاء أجمع، إِلَّا لأهل الحروب غلظةً على العدوِّ وظهورًا. وكان عقبَةُ بن عامرٍ يُنشِدُ في ذلك (٣): نُسَوِّدُ أعلاها وتَأبَى أصولُها ..... ولا خيرَ في الأَعلَى إذا فَسَدَ الأصلُ وكان الحسن بن عليّ يقول (٤): نُسَوِّدُ أَعلَاهَا وتَأبَى أُصولُهَا ..... فَلَيتَ الّذي يَسوَدُّ منها هُوَ الأصلُ وكان هُشَيمٌ يخضبُ بالسّوادٍ، فأتاهُ رجلٌ فسأله عن قول الله تعالى: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ (٥). فقال له: قد قيل: إنّه الشّيب (٦). فقال له السّائل: فما تقول فيمن جاءَهُ نذيرٌ من ربِّه فسَوَّدَ وجهَهُ؟! فترك هُشَيمٌ الخضابَ بالسَّوادِ. باب ما يُؤمَرُ به من التَّعَوَّذ فيه حديث خالد بن الوليد؛ قال: يا رسول الله، إِنِّي أُرَوَّعُ في مَنَامِي، فقال له رسول الله ﷺ : "قُل أَعُوذُ بكَلِمات الله التَّامَّاتِ من غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِ عِبَادِهِ، ومن هَمَزَاتِ الشّيَاطِينِ وَأَن يَحضُرُونِ" (٧).

стр. 3797

الإسناد (١): قال الإمام: هذا الحديث محفوظٌ من رواية أهل الحديث معروف صحيح (٢) مُرسَلًا ومُسنَدًا. المعاني والفوائد: الفائدةُ الأولى: قوله: إنَّ خالد بن الوليد كان يُرَوَّعُ منَ اللَّيلِ، فقال له: "إِذا أتَيتَ فِرَاشَكَ فَقُل: أعوذُ بكلماتِ الله التَّامَّة" الحديث. في هذا الحديث: ذِكرُ خالد بن الوليد، وليس هو خالد بن الوليد المخزومي، وإنّما هو خالد بن الوليد بن المغيرة. وفي هذا الحديث (٣): التَّعوُّذ بكلمات الله، والاستعاذة لا تكون بِمَخلُوقٍ، وكلماتُ الله منَ الله، وليس من الله شيءٌ مخلوقٌ (٤). الثّانية (٥): قوله: "قُل أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّةِ" وصفُها بالتَّمام على الإطلاق، يحتمل - والله أعلم- أنّ يريد بذلك أنّه لا يدخلُها نقصٌ وإن كانت كلماتُ غيره يدخلُها النّقصُ. ويحتملُ أنّ يريد بذلك المفاضلة، يقالُ: فلان تامٌّ وكاملٌ، أيّ فاضلٌ. ويحتَمِلُ أنّ يريد به الثّابتَ حكمها، قال الله : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾ (٦).

стр. 3798

الثّالثة (١): قوله: "من غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ" وفيه نكتةٌ أصوليّةٌ، وذلك أنّ تعلم أنّ غضب الرَّبِّ تعالى يرجع إلى الإرادة، فمعناه على هذا: إرادةُ عقوبة من غضب عليه، وقوله: "وَعِقَابِهِ" راجعٌ إلى معنى واحدٍ. الرّابعة (٢): قوله: "وَشَرِّ عِبَادِه " يحتمل أنّ يريد به أنّ شرَّ عَذابه ما كان في الآخرة على وجه الانتقام والغَضَبِ، وما كان في الدُّنيا من الأمراض والآلام على سبيل. التَّكفير لا يوصفُ بذلك. ويحتمل أنّ يريد أنّ عذابه كلّه ممّا يوصف بالشَّرِّ، وإن كان من الأمراض في الدُّنيا والآلام ممّا تكَفِّر به الخطايا لا يوصف بأنَّه عذابٌ. الخامسة (٣): قوله: "وَمِن هَمزَاتِ الشَّيَاطِينِ" قال علماؤنا: معناه أنّ تصيبني. السّادسة (٤): قوله: " وَأَن يَحْضُرُونِ" يحتمل أنّ يريد به أنّ يكونوا معي، دعاءٌ في إبعادهم عنه في مكان مختصٌ أنّ يحضُرَهُ من يتأذَّى النَّاس به. ويحتمل أنّ يريد به ان يكون معناه ممنوعًا، أي به مَنْ يمنعه ويضرُّ بمن يكون فيه (٥).

стр. 3799

السابعة (١): قوله في بعض طرق الحديث: "أَعُوذُ بِوَجهِ الله الكَرِيمِ" (٢) يحتمل -والله أعلم- أنّ يكون صفة للوجه. ويحتَمِل أنّ يكون صفةً لله تعالى من جهة اللَّفظِ، وأمّا من جهة المعنى فعلى ما تقدَّمَ ذِكرُه. الثّامنة (٣): قوله: "الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ ولَا فَاجِرٌ" (٤) يحتمل أنّ يريد به -والله أعلم-: لا يجاوزها في التّمام، أي لا يزيد عليها. ويحتمل أنّ يريد به: لا ينتهي علم أحدٍ إلى ما يزيد عليها. والبَرُّ من كان ذا بَرٍّ من الأنس والجنّ وغيرهم. والفاجر مَنْ كان ذا فجورٍ، والله أعلمُ. التّاسعة (٥): قوله: "وَما عَلمتُ مِنهَا وَمَا لَم أَعلَم" (٦) هذا إنّما ورد في قول كعب الأحبار. فيحتَمِلُ أنّ يعتقدَ أنّ من أسماء الله ممّا لا يعرفه* هو وإن عرفه غيره من النَّاس. ويحتَمِلُ أنّ يريدَ به أنّ فيها ما لا يعرفه أحدٌ. وقد رُوِيَ عن النّبيِّ ﷺ في الصّحيح: "إِنَّ للهِ تسعَةً وتسعِينَ اسمًا مِئَة إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أحصَاهَا دَخَلَ الجَنَّة" (٧) وهذا

стр. 3800

يقتضي أنّها ممّا يمكن أنّ يُحصَى وُيعلَم، وهو الأظهر، والله أعلم. ما جاء فى المُتَحَابِّينَ في الله تعالى فيه حديث أبي هريرة (١)؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ ﵎ يقولُ يومَ القيامةِ: أينَ المُتَحَابُّونَ لِجَلَالِي، اليومَ أُظِلُّهُم في ظِلِّي يَومَ لَا ظِلَّ إِلا ظِلِّي". الإسناد: قال الإمام: الحديث صحيحٌ متَّفَقٌ عليه (٢)، خرّجه الأيِمَّة (٣). الفوائد والمعاني: الأولى (٤): قوله: "المُتَحَابُّونَ لِجَلَالِي" أي: المتحابّون فِيَّ، ومِن أجلي، إجلالًا ومحبَّةً فيَّ، وابتغاءَ مرضاتي. قال الإمام: والمعنى فيه: أنّ يُحِبُّ الرَّجُل أخاه في الله تعالى محبّةً خالصة، لا يحبه لشيءٍ من عَرَض الدُّنيا، إنّما يحبّه لأنّه عالم باللهِ ، مؤمنٌ به، مخلص له، ويحبُّه لدعائه إلى الخير، ولفعله الخير، وتعليمه الدِّينَ، والدِّين جِماعُ الخير كلِّه. فإذا أحبَّهُ لذلك فقد أَحبَّ الله تعالى. وقال علماؤنا (٥): قوله: " لِجَلَالِي" يريد به -والله أعلم- لعظمته وعُلُوِّ شَأنّه.

стр. 3801

قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١). وروي في الحديث الصّحيح من وجوه كثيرة؛ أنّ رَجُلَا سأله فقال: يا رسول الله، المرءُ يُحبُّ القومَ ولَمَّا يَلحَق بهم؟ فقال رسول الله ﷺ : "المَرءُ مَعَ مَنْ أحَبَّ" (٢). وفي الصّحيح: أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "أَوثَقُ عُرَى الإِيمانِ الحبُّ في اللهِ وَالبُغضُ في اللهِ " (٣). ومن حديث ابن مسعود، قال: قال لي رسولُ اللهِ ﷺ : "يا عبدَ اللهِ بن مسعود، أَتَدرِي أَيُّ عُرَى الإِيمان أَوثقُ؟ قلتُ: اللهُ ورسولُهُ أعلمُ. قال: الوَلايةُ في اللهِ ، والحُبُّ فِيهِ، والبُغضُ فيه" (٤). ومن حديثِ ابنِ مسعودٍ؛ قال: " أَوحَى اللهُ إِلى نَبِيٍّ مِنَ الأنبِيَاءِ أنّ قُل لِفُلانٍ الزَّاهِدِ: ما زَهَّدَكَ في الدُّنيَا فَتَعَجَّلتَ بِهِ رَاحَةَ نفسِكَ. وأَمَّا انْقِطَاعُكَ إلَيَّ فقد تَعَزَّزتَ بِي، فَمَاذَا عملتَ فِيمَا لِي عَلَيكَ؟ قال: يا رَبِّ، ومالَكَ عَلىَّ؟ قال: هَل وَاليتَ فِيَّ وَلِيًّا أَوْ عَادَيتَ فِيَّ عَدُوًّا؟ " (٥). وفي الحديث: "حُبُّ الأَنصَارِ إِيمَانٌ وَبُغضُهم نِفَاقٌ" (٦).

стр. 3802

وقوله لعليّ بن أبي طالب: "لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤمِنٌ وَلَا يبغضكَ إِلّا مُنَافِقٌ" (١). وقال جابِر بن عبد الله: مَا كُنَّا نَعْرِفُ المُنَافِقِينَ إِلَّا ببُغضِ عَلىٍّ (٢). قال الإمام: والحبُّ في الله هو حبُّ أَولياءِ الله، وهم الأتقياءُ العلّماءُ باللهِ، المعلِّمونَ لدِينِ اللهِ، العاملون به. الثّانية (٣): قوله: "اليَومَ أُظِلُّهُم فِي ظِلِّي" قال علماؤنا: يحتمل أنّ يريد به أنّ النَّاس يضجّون يوم القيامة، وتدنو الشّمسُ منهم، فيشتدُّ عليهم الحرّ، ولا ظلّ ذلك اليوم إِلَّا ظلّه، فمن أَظلَّهُ الله ذلك اليوم فقد رَحِمَهُ وفازَ. وقوله: "في ظِلِّي" قال علماؤنا: ظلُّ اللهِ سِتْرُهُ، ومن ذلك قولهم: أنا في ظلِّ فلان، أي في سِترِهِ. ويحتمل (٤) أنّ يريد أكنه من المكاره، وأكنفه في كَنَفِي وأكرمه، ولم يُرِد شيئًا من الظِّلَّ ولا الشّمسِ، إنّما أراد ستر الله. حديث أبي هريرة (٥)؛ أنّه قال: "سبعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ" الحديث، صحيحٌ متَّفقٌ عليه (٦) خرّجه الأيمّة (٧). وفي "مسلم" (٨) غريبة، قال فيه: "وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَلَم تعلَم يَمِينُهُ مَا أَنفَقَت

стр. 3803

شمالُه" وجميع المصنفات يقولون: "فَلَم تَعلَم شِمَالُهُ مَا أَنفَقَتْ يَمِينُهُ". الفوائد فيه (١): في فضل الإمام العادل، وفضلِ الشاب النّاسكِ، وفضلِ المشي إلى المساجد والصّلاةِ فيها وانتظار الصّلاة بعد الصّلاة، وفضل الصّدقَةِ، وفي المتحابِّين في الله، وفي العينِ الباكية من خشيةِ الله، وفضلِ الصَّدقة في السِّرِّ والعلانيّة، وفي فضل العفافِ والتّاركِ شهوتَهُ خوفًا من الله وحياءً منه وتصديقًا بوَعدِه ووَعيده آثارٌ كثيرةٌ: يطولُ الكتاب بذكرها وسردها، ولكن أُبَيِّن كلّ واحدٍ على بعضِ ما قيل فيه، وهي سبع: الأولى (٢): "الإمامُ العادلُ" فهو أمرٌ ظاهرٌ" أنّه أراد إمام المسلمين ومَن جرى مجراه من أيمّة العدل، والحاكمين بين النَّاس، فإذا عدلوا واجتهدوا كان لهم فضل عظيمٌ. وقال الحسن البصري: لو كانت لي دعوة مستجابة لجعلتُها في إمامٍ عادلٍ (٣). الثّانية (٤): قوله: " شابٌّ نشأَ فِي عبادةِ اللهِ" يحتَملُ أنّ يريد به أنّه أقل ذنوبًا وأكثر حسنات ممّن نشأ في غير ذلك، ثمّ عَبَدَ الله وتابَ إليه في اَخرِ عمره وعند شيخه. الثّالثة (٥): قوله: " ورجلٌ قلبُهُ مُعَلَّقٌ بِالمَسجِدِ إِذا خرجَ منهُ حتَّى يعودَ إِليهِ" معناه -واللهُ أعلم-

стр. 3804

أنَّه ينوي الرّجوع إليه ويرتقب وقت توجُّهِهِ إليه. فهذا ممّا يستديم به الحسنات؛ لأنّ مَنْ نَوَى حَسَنَة فلم يعملها كُتِبت له حسنة، كان عملها كُتِبَت له عشرًا، بِكَرمِ اللهِ. الرّابعة (١): قوله: "وَرَجُلَانِ تحَابَّا في اللهِ اجتَمَعَا على ذلك وَافتَرَقَا عليهِ" فقد قال مالك: الحبُّ في الله والبغضُ في الله من الفرائض. واجتماعهما على معنى أنّهما يجتمعان بسبب تحابّهما في الله، ويفترقان على ذلك ويحتمل أنّ يريد به: أنّهما يفترقان من أجل ذلك، ينفرد كلّ واحد منهما بِعَمَلٍ صالح، يكون الانفراد حينئذ أفضل. الخامسة (٢): قوله: "وَرَجلٌ ذَكَرَ اللهَ خَاليا فَفَاضَت عَينَاه" خصَّ ﷺ الخالي بذلك؛ لأنّه أبعد من الرياء والسُّمعة وطلب الذِّكْر، فما كان في حال الخَلوَة من ذكر الله تعالى واستشعار خشيته حتّى تفيض عيناه؛ فإنّه خالص لله تعالى لا يشوبه غيره. والخَلوَةُ والفكرةُ في أمر الآخرة نافعةٌ، وخوفُ اللهِ وذِكرُ الجنَّةِ والنّارِ والحساب والعقاب نافع للقَلب، لا على ما تَفعله الصّوفية من الانفراد والتّفكير في الله تعالى حتّى تدعي عند لألك حال المكاشفة؛ فإنّه أمرٌ لا يدرك إِلَّا في نادر من الخَلْقِ. السّادسة (٣): قوله: "وَرَجلٌ دَعَتهُ امرأةٌ ذَات حَسبٍ وجَمَالٍ" يريد -والله أعلم- دعَتهُ إلى نفسها. ويحتمل أنّ يريد على وجه النِّكاح، ويعرِفُ أنَّه لا يقوم بما يجب عليه لها. ويحتمل أنّ تدعوه إلى غير ذلك ممّا لا يحلُّ فيمتنع منه. وخَصَّ ﷺ ذات الشّرف والجمال؛ لأنّ النَّاس فيمن تجمّعت لها هاتان الخصلتان أَرغَب وعليها أحرص. فإذا

стр. 3805

قال: إنِّي أخاف الله، كان امتناعُه من ذلك مخافة الله وايثارَا لما عنده. ويحتمل أنّ يريد بقوله: "إنِّي أخافُ الله" أنّه قال لها ذلك وراجعها به، وأظهر لها امتناعه عليها. ويحتمل أنّ يريد أنّه قال ذلك في نفسه، فمنع نَفْسَهُ لذلك لِمَا دعَتهُ إليه، واللهُ أعلم. وهذا عندي أفضل السّبعة لأنّه مقام عظيم (١). السابعة: ذكرَ فيه إخفاء الصَّدقة، وقد اختُلِف في ذلك. فقال قوم: صدقةُ السِّرِّ أفضل بهذا الحديث. وقال قوم: صدقةُ العلانيّة أفضل، لما في ذلك من إظهار فضلِ الخير وتنشيطِ النَّاس فيه. وقد بينَّاه في "كتاب الزَّكاة". حديث أبي هريرة (٢)؛ أنّ رسول الله ﷺ -قال: "إذا أَحبَّ اللهُ العبدَ. قال لجبريل: قد أحببتُ فلانًا فَأَحِبَّهُ، ثمَّ يُنادِي في أهل السّماءِ: إنَّ اللهَ قد أَحبَّ فلانًا فَأَحِبُّوه". ومِثلُ ذلك في البُغْضِ. الحديثُ صحيحٌ خرّجه الأيمّة (٣)، لا كلامَ فيه. الفوائد: قال علماؤنا: في هذا الحديث أنّ جبريل ﵇ هو صاحب المحبَّة والبغض، وفي كتب التّفسير أنّ جبريل ﵇ أبطأ عن النّبيّ ﷺ فقال له النّبيُّ ﵇: مالك لا تزرنا كلّ يوم؟ فقال: فنزل عليه: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية (٤). وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (٥) أي: محبّة في قلوب

стр. 3806

عباده. وقال ابن عبّاس: يحبُّهُم ويحبِّبُهُم إلى النَّاس (١). وقالوا (٢) في قوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ (٣) أي: حبّبْتُكَ إلى عبادي (٤). وإذا أَحبَّ الله العبدَ أَلقَى له مودَّةً في قلوبِ أهل السَّماء، ثمّ أَلقَى له مودَّةً في قلوب أهل الأرض (٥). وقال كعب: ما استقرَّ لعبدٍ ثناءٌ في الأرض حتّى يستقرَّ له في السَّماءِ (٦). وقال عبد الله بن مسعود: لا تَسأل أحدًا عن وُدِّهِ لك، وانظُر ما في نَفْسِكَ له، فإنّ في نفسه مِثل ذلك، إنَّ الأرواحَ جنودٌ مُجَنَّدَةٌ، فما تعارف منها ائتَلَفَ، وما تناكر منها اختلف (٧). ورُويَ عن أبي الدّرداء؛ أنّه قال: إيّاكم ومن تبغضه قلوبُكُم. فأخذه منصور الفقيه فقال (٨): شاهد ما في مضمري ........ من صِدْق وُدٍّ مضمرك

стр. 3807

فما أريدُ وصفه ........ قلبك عَني يُخبِرُك نكتةٌ أصوليّة: ومحبّةُ الله إرادةُ إثابته. وقيل: المحبّةُ من اللهِ هي: ارادة حُبِّ الجزاء وكريم المآب، والبُغضُ منه: شدَّةُ العقاب وسوء المآب. ما جاء في الرُّؤيا ذكر في هذا الباب حديث أنس بن مالك (١)؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: " الرُّؤيَاء الحَسَنَةُ منَ الرَّجُلِ الصّالحِ جُزْءٌ من سِتَّةٍ وأربعينَ جُزْءًا من النُّبُوَّةِ". الإسناد: الحديث صحيحٌ خرّجه الأيمّة (٢)، ولكن في طرقه اختلاف ألفاظ، وقد ورد في الحديث: "من رَآنِي في المنامِ فقد رَآنِي، فإنَّ الشَّيطان لا يَتَمَثَّلُ بي" (٣)، وقوله: "إنَّ الرُّؤيَا من المُبَشِّراتِ" (٤) وغير ذلك من الأحاديث، صحاحٌ كلّها. الأَّصول (٥): قال الإمام: والقولُ في حقيقة الرّؤيا (٦): أنّها إدراكات يخلقها اللهُ في قلب العبد

стр. 3808

على يدي المَلَك أو الشيطان، إمّا بأمثالها، وإمَّا أمثالًا بكناها، وإمّا تخليطًا. ونظيرُ ذلك في اليقظةِ الخواطرُ، فإنّها تأتي على نَسَقٍ في قصدٍ، وتأتي مسترسلة غير محصّلة. فإذا خلق اللهُ ذلك في المنامِ على يدي المَلَكِ، كان وحيًا منظومًا، وبرهانًا مفهومًا. هذا نحو كلام الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني. والَّذي صار إليه القاضي أبو بكر بن الطَّيِّب أنّها اعتقادات. وإنّما دارَ هذا الخلاف بينهُما؛ لأنْه قَد يرى نفسَهُ بهيمةً أو مَلَكًا أو طائرًا، وليس هذا إدراكًا؛ لأتها ليست حقيقة، فصار القاضي إلى أنّها اعتقادات؛ لأنّ الاعتقادَ قد يأتي على خلافِ المعتقدِ، وذَهِلَ عن التفطُّن؛ لأنّ هذا المرئيّ مثلٌ، والإدراكُ إنّما يتعلّق بالمثل. حديث رؤية النّبيّ ﷺ (١): وقالت القَدَريّة: إنَّ الرُّؤيَا لا حقيقةَ لها، وتعسًا لهم، وقد بيَّنَّا فساد قولهم في غير ما موضعٍ. وقد غَلَا صالح (٢) فيه فقال: كلّ الرُّؤى والرّؤيةُ بالعين الّتي في الرّأس حقيقة. وهذا حماق. وقيل: هي مُدْرَكَة بعينين في قَلبِه، وهذه عبارةٌ مَجَازيَّةٌ نحو ما قاله الأستاذ أبو إسحاق. أمّا رؤيةُ النّبيِّ ﵇، فلو رآه في المنام بصفته المعلومة، فهو إدراكُ الحقيقة، وإن دلَّ على غيرِ صفته، فهو إدراكُ المِثَالِ.

стр. 3809

اعتراض (١): فإن قيل: كيف يكونُ إدراكُه بصفته المعلومة حقيقَة، وهو قد أَرِمَ كما جاء في الحديث (٢)؟ قلنا عنه: قد قبل -وهو حقٌّ-: إنَّ الأنبياءَ لا تُغَيِّرُهم الأرضُ. قإن قيل: فهل يَرُدُّ اللهُ الرُّوح فيراه قائمًا قاعدًا؟ قلنا: يكون إدراكُ الذَّاتِ حقيقة، وإدراك الصّفات إدراك المَثَل ليس لأعيأنّها، وهذا بابٌ تَغَاطَاهُ من لم يفهم صفاته فخلطَ فيه. وقد جاء هذا الحديث على أربعة ألفاظ صِحَاحٍ: الأوّل: "مَنْ رَآنِي فَقَد رَآنِي فإنّ الشيطان لَا يَتَمَثَّلُ بِي" (٣). الثّاني: قوله: "من رَآنِي فَقَد رَأَى الحَقَّ" (٤). الثّالث: "فَسَيَرَانِي فِي اليَقَظَةِ" (٥). الرّابع: "لَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي اليَقَظَةِ" (٦).

стр. 3810

تنقيح (١): أمّا قولُه: "مَنْ رَآنِي" فقد بيَّنَّاه في وجه إدراكه. وأمّا قولُه: "فَقَد رأَى الحَقَّ" فتفسيرُهُ قوله: "إنَّ الشَّيطَانَ لَا يَتَمَثّلُ بِي". وأمّا قوله: "فَسَيَرَانِي في اليَقَظَةِ" فيحتَمِلُ أنّ يكونّ معناه: سيرى تفسير ما رأى؛ لأنّه حقٌّ وغَيبٌ ألقاهُ إليه المَلَك. وقيل: معناه سيراني في القيامة. وهذا لا معنى له، ولا فائدةَ في هذا التَّخصيص. وأمّا قولُه: "فَكَأَنَّمَا رَآنِي" فتشبِيهٌ، ووجهه: أنّه لو رآه في اليَقَظَةِ لرآهُ حقًّا، وكذلك هذا يكون حقًّا، وكان الأوّل حقًّا وحقيقة، ويكون الثّاني حقًّا تمثيلًا ومجازًا. فإن قيل: فإنْ رآهُ على خلاف صِفَةِ ما هو؟ قلنا: هي أمثالٌ، فإن رآه حسن الهيئة حسن الأفعال والأقوال، مُقبِلًا على الرّائي، كان خيرًا له وفيه. لأنَّ رأى خلاف ذلك، كان شرًّا له وفيه، ولا يلحق النّبيّ من ذلك شيءٌ، وتفصيلُ ذلك في "كتب التّعبير". وأمّا تقسيم الرُّؤيا على ثلاثة أقسام، فهي قسمةٌ صحيحةٌ مستوفية المعاني. وهي عند الفلاسفة على أربعة أقسام على حسب الطبائع الأربع، وقَدْ بيَّنَّا في كلِّ كتابٍ، ونادينا على كلِّ بابٍ، وصرخنا على الأنقاب، أنّه لا تأثيرَ للأخلاطِ ولا فِعلَ، فلا وجه للتَّكرار في كلِّ موضعٍ. وأمّا قوله: "مِنَ الرَّجُلِ الصَّالحِ، جُزءٌ ... مِنَ النُّبُوَّةِ" وإنّما قال ذلك لما يكون فيها في المستقبل من الأمر الصّحيح. وأمّا (٢) قوله: "مِنْ سِتَّةٍ وأربَعينَ جُزءًا مِنَ النُّبُوَّةِ" قيل: معنى هذه التّجزئة أنّ نبوَّة نبيّنا ﵇ كانت ثلاثًا وعشرين، منها ستّة أشهر كانت نبوءَتُه بالرُّؤيا، ولذلك رُوِيَ عن

стр. 3811

عائشة قالت: "أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ الله الرُّؤيَا الصَّالحةِ أَوِ الصَّادقَةِ، فكان لا يَرَى رؤيا إلَّاجَاءَت مثل فَلَقِ الصُّبحِ" (١)، وستّة أشهرٍ من ثلاثٍ وعشرين سنة، هي جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءًا مِنَ النُّبُوَّةِ (٢). وقيل: إنها أجزاء مِنَ النُّبُوَّةِ على وجهٍ لم يطَّلع عليه. حديث وقع في الصّحيح (٣)؛ أنّ رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي رأيتُ رَأسِي قُطِعَ فانا أتبعه. - فقال: لا تُخبِر بِتَلَعُّبِ الشَيطَانِ بِكَ في المَنَامِ. ويقول أهل العَبَارَةِ في تأويله: إنّه يفارقُ من بَدَنِهِ شيئًا، ويفارق سلطانه ويزولُ عنه، وإن كان عبدًا خرّجَ حرًّا، أو مريضًا شَفَى رُوحَهُ، أو مَدِينًا ذهب دَيْنُه، أو خائفًا أمنَ (٤). ما جاء في النَّرْدِ الأحاديثُ في هذا الباب كثيرةٌ في المصنّفات، ذكر مالك في هذا الباب حديث أبي موسى الأشعري (٥)؛ أنّ رسول الله- ﷺ قال: "مَنْ لعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَد عَصَى الله ورَسُولَهُ". وعن بُرَيدَةَ: أنّ النّبيَّ ﷺ قَال: "مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ، فَكَأَنَّمَا غمسَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرِ" (٦) الحديثُ صحيحٌ.

стр. 3812

المعاني والفوائد: الأولى (١): قال الإمام: النَّرْدُ قِطَعٌ مُلَوَّنةٌ تكونُ من خَشَبِ البَقسِ (٢) وغَيرِه، مثل الآبُنُوس وشبهه. وتكون من العاجِ ومن غير ذلك. ويقال لها الطَّبْلُ، وتُعرَفُ أيضًا بالكِعَابِ، وتُعرَفُ بالأَرُنِ، وتعرف بالنَّردَشِير (٣). الثّانية: رُوِيت الكراهيةُ باللَّعب بالنَّردِ عن عثمان بن عفَّان (٤)، وابن مسعود (٥)، وابن عمر (٦)، وعائشة (٧)، وأبي موسى (٨)، وابن المُسَيِّب، وجماعة من التَّابعين. وسئل ابنُ المسيَّب عن اللَّعِبِ بالنَّردِ؟ فقال: إذا لم يكن قِمارًا فلا بأس به (٩). وَرُويَ عن الشَّعبيّ وعِكرِمَة أنّهم كانوا يلعبونَ بالنَّرد (١٠). قال الإمام: وهذا لا يجوزُ أنّ يُضافَ إليهم إِلَّا على غير سبيلّ القِمَارِ، لنَهيِ الله ورسوله عنه وعن المَيْسِرِ، ولقوله: "مَنْ لَعِبَ بِالنَّردِ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولهُ".

стр. 3813

الثّالثة (١): رويتُ التّحريمَ فيه وفي الشَّطرَنجِ؛ فأجمعَ العلّماءُ أنّ اللَّعبَ بهما قمَارٌ لا يجوزُ، وأخذُ المالِ وأكلُه قمارٌ بها لا يحلُّ. وأجمع مالك وأصحابُه على أنّه لا يجوزُ اللّعب بالنَّرْد ولا بالشّطرَنْج (٢)، ورَدُّوا شهادةَ المُدَاوِمِ على لعب الشَّطرَنْجِ (٣). وأمّا أبو حنيفة وأصحابُه (٤) فعلى الكراهيّة للنَّرْد والشِّطرَنْجِ وللأربعة عشر، وبكلّ اللَّهوِ، وقالوا: فإن لم يظهر من اللّاعب بها كبيرةٌ، وكانت محاسِنُه أكثر من مساوئه، قُبِلَتْ شهادَتُه. وقال الشّافعيّ (٥): أَكرَهُ اللَّعِبَ بالنَّرْدِ للخَبَرِ الوارِد، واللَّعِبُ بالشِّطرَنْجِ والحمام بغَيرِ قِمَارٍ *وإن كَرِهنَاهُ أخفُّ حالًا من اللَّعِبِ بالنَّرْدِ. وقال أصحَابُ الشّافعيّ: لا تسقُطُ شهادةُ لاعِبِ النَّردِ والشِّطرَنْجِ إذا كان عَدْلًا ولم يُقَامِر بها، ولم يظهر منه سَفَةٌ. فأكثرُ العلماء على إجازةِ اللَّعِب بالشِّطرَنجِ إذا كان بغير قمارٍ (٦) وأمّا بالقِمَارِ فلا يحلُّ؛ لأنّه من باب أكل أموالِ النّاسِ بالباطلِ.

стр. 3814

وأمّا عند مالك، فهذا ادمن الرَّجُلُ على اللَّعِب به، فلا تُقبَلْ شهادَتُه (١) وإن كان عَدلًا، لعبَ قمارًا أو غير قمارٍ، فَخَتَمَ البابُ بذلك. العمل في السّلام مالك (٢)؛ عن زيد بن أسلم؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "يُسَلمُ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي، وَإِذَا سَلَّمَ مِنَ القَومِ وَاحِدٌ أَجْزَأَ عَنهُمْ". الإسناد: قال الإمام: الحديث مُرْسَلٌ (٣)، وهو حديث صحيحٌ، يتّصلُ من وجوهٍ كثيرةٍ. الفقه والمعاني في اثني عشرة مسألة: المسألة الأولى (٤): كبف يردّ السّلام يردّ عليه بمِثْلِ ما سلّم عليه. وقيل: يجوزُ أن يقولَ: وعليك، كما رَوَى أبو عيسى التّرمذيّ (٥) في حديث الأعرابي الّذي لم يحسن الصّلاة: "وَعَلَيك، ارْجِعْ فَصَلٌ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ" ويحتملُ أنّه لم

стр. 3815

يكمل له السّلام؛ لأنّه لم يكمل صلاتَه (١). والأصل في هذا الباب: قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (٢). الثّانية (٣): لا يقل في أوّل السّلام: عليك السّلام، فقد رَوَى جابر بن سُلَيْم وغيره؛ أنّ رجلًا (٤) قال للنَّبىِّ ﷺ : عليك السّلام، فنهاه وقال: "إِنَّما هِيَ تَحِيَّة المَيِّت (٥) وأراد النّبيُّ ﵇ بذلك أنّها العادة في السّلام على الميِّت، فكرهها لأجل ذلك. قال الشاعر (٦): عَلَيْكَ سَلَامُ اللهِ قيسَ بنَ عاصِمٍ ..... وَرَحمَتْهُ مَا شَاءَ أنّ يتَرَحَّمَا وقالت الجِنُّ ترثي عمر (٧): عَلَيكَ سلامٌ مِنْ أَمِيرٍ وبارَكَت ..... يَدُ اللهِ في ذَاكَ الأدِيمِ المُمَزَّقِ إِلَّا أنّ يردّ السّلام فيقول: عليك السّلام، كذلك قالت عائشة لجبريل (٨)، وقالت الملائكةُ لَادم مثل ما قال لها: السّلام عليك ورحمة الله. خرّجه البخاريّ (٩) وغيره، وكلاهما عندي صحيحٌ.

стр. 3816

فإن قيل: فقد قال النّبيُّ لأهل القُبور: "السَّلامُ عَلَيكُم دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١) وهذا نصٌّ؟ قلنا: الأوّل أصحّ فَليُعَوَّل عليه (٢). الثّالثة (٣): أجمع العلماء على أنّ الابتداء بالسّلام سُنَّةٌ (٤)، وان الرَّدِّ فرضٌ، لقوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (٥) ولو كان فرضًا ما سقط عن البعض بردِّ البعض. وقد وهم الطّحاويّ فيما حكاه عن أبي يوسف أنّه كان يُنكر الحديث الّذي رُوِيَ عن النَّبيِّ ﵇ أنّه قال: "إذَا رَدَّ السَّلَامَ بعضُ القَوم أَجزَأَ عن جَمَيعِهِمْ" وقال: لا يُجزِئُ إِلَّا أنّ يردّوا جميعًا. وقال الطّحاويُّ: "ردُّ السّلام من الفُروض المتَعيّنة على كلِّ إنسانٍ بنفسه، لا ينوبُ عنه فيها أحدٌ غيره" (٦) فجعله فرض عين، وهذا ما لم يقله أحدٌ من العلماء، وإنّما قالوا: إنّه من فروضِ الكفايةِ، إذا قام به البعض سقط عن الباقين. ولأن أيضًا: ليس مع الطّحاوي فيما قال حُجَّةٌ، ولا أثر يحتجُّ به، من مُرْسَلٍ،

стр. 3817

ولا مُسنَدٍ، وقد جاء في الحديث ردّ السّلام، ممّا يدلُّ على أنَّه من الفروض الّتي على الكفاية، فالمصير إليه أَوْلَى من الرّأي. الرّابعة (١): في صفة سلام أهل الكتاب إذا قالوا: السّلام عليكم، قيل لهم: "وَعَلَيكُمْ" (٢) ورُوِي: "عَلَيْكُمْ" (٣) وقد رويت الوجهان حين قالوا هم: " السَّامُ (٤) عَلَيكُم، فقالت عائشة: وعليكم السَّام واللَّعْنَة، فنهاها رسولُ اللهِ، وقال: وعليكم، ثمَّ قال لعائشة: إنَّهُ يُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُستَجَابُ لَهُم فِيَّ" (٥). واختار بعضهم ترك الواو (٦)، لِمَا فيه من الرَّدِّ عليهم قولهم الفاسد، وإذا دخلت الواو فهو المعنى بعينه؛ لأنّه عطف ما دعا على ما دعوا، التّقدير: وعليكم الّذي قُلْتُم. ثمّ قال: إنّه ينفذ قولي فيهم ولا ينفذ قولهم فيَّ. والّذي في "الموطّأ" (٧) عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "عَليَكَ" (٨) وهذا يرفع كلّ إشكالٍ وخلافٍ، ويقضي على رواية من غير النّبيِّ ﵇.

стр. 3818

الخامسة (١): فإن بدأتَ ذمِّيًا بالسّلام على أنّه مسلمٌ، ثمّ عرفت أنّه ذمّيّ؟ قال مالك: لا يستردّ منه السّلام (٢). وكان ابنُ عمر يستردّ منه السّلام، فيقول له: اردد عَلَىَّ سلامي (٣)، وهذا لا يلزم؛ لأنّه لم يخلص للذِّمِّىِّ من ذلك شيءٌ، لأنّه إنّما سَلَّم عليه ظنَّا منه أنّه مسلمٌ، ولمّا اختلف الباطنُ والظّاهرُ لم يخلص منه شيءٍ، فليس هنالك ما يحصل له حتّى يُستردّ منه. السّادسة (٤): السّلامُ عندنا ينتهي إلى البركة في الرَّدِّ. وقال قوم: لا يردّ بالبركة. لأنّ النّبيَّ قال لعائشة: "إنَّ جِبرِيلَ يُقرئُكِ السَّلامَ. فقالت: وَعَلَيهِ السَّلَامُ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ" (٥) وفي "الموطَّأ" (٦):"إنَّ السَّلَامَ قَدِ انْتَهَى إِلَى البَرَكَةِ" عند عبد الله بن عبّاس. وروى أبو عيسى التَّرمذيّ (٧) حديثًا مُنْكَرًا ضعيفًا، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "السَّلامُ قبلَ الكَلَامِ" وإن كان ليس بصحيحٍ فله معنى صحيح؛ لأنّ السَّلام فرضٌ

стр. 3819

والكلام مباحٌ، وقد يكون ندبًا وفرضًا؛ فإن كان مباحًا أو ندبًا فالفرضُ مثله، وإن كان فرضًا فالسّلام مُقَدَّمٌ في الرُّتبة، فتقديمهُ واجبٌ بكلِّ حالٍ. السابعة (١): "يسلِّمُ الرّاكبُ على الماشي، والماشِي على القاعِدِ، والقليلُ على الكثيرِ" (٢)، ولا حاجة لأحدٍ في سبيل حكمته (٣). الثامنة (٤): لا يُشير باليد، لِمَا رَوَى أبو عيسى التّرمذيّ (٥)؛ أنّ رسول الله قال: "لَا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ، فَإنَّها تُسَلِّم بِالأَصَابع، ولا بِالنَّصَارى فَإنَّها تُسلّم بِالأَكُفِّ" وهذا ضعيفٌ (٦)، وأمثَلُهُ أنّه موقوفٌ. ولا بأس إنَّ احتاج إلى تخصيص المسلَّمِ عليه بالإشارة إليه باليد. التّاسعة (٧): السَّلام على الصِّبيان فقد صحَّ من رواية أبي عيسى (٨) وغيره (٩)؛ أنّ النّبيّ ﷺ مَرَّ على الصِّبْيَانِ فَسَلَّمَ

стр. 3820

علَيهم. وفي ذلك من الفائدةُ: بركة النّبيّ عليهم، وتعليمهم، وما يحدث في قلوبهم من الهَيبَةِ وينزل فيها من المحبّة. العاشرة (١): روى أبو عيسى (٢)؛ أنّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ على نسَاءٍ قُعُودٍ في المسجد، فَأَلْوَى بِيَدِهِ الكريمةِ بالسّلام، وأشار عبد الحميد الرّاوي بيده، وقال أبو عيسى فيه: حديث حسن. وهو عندي حديث صحيح؛ لأنّه رواه عبد الحميد بن بَهرَام، وقد صحّحه ابن حنبل (٣)، وغيره (٤). الحادية عشر (٥): "إِذَا دَخَلتَ عَلَى أَهلِ بَيْتِكَ أَو أهلِكَ فَسَلِّم، يَكُونُ بَرَكَةً عليكَ وَعَلَى أَهلِ بَيْتِكَ" (٦) وذلك لأنّه علي أهل بيته سلام استئذان، وإنَّما هو سلامُ البَرَكَةِ والسُّنَّةِ. الثّانية عشر (٧): فهذا كان مجلس فيه أخلاطٌ من المسلمين والمشركين، يسلِّم عليهم، كما ثبت
следующие страницы →