← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

فإن قيل: فقد قال النّبيُّ لأهل القُبور: "السَّلامُ عَلَيكُم دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١) وهذا نصٌّ؟ قلنا: الأوّل أصحّ فَليُعَوَّل عليه (٢). الثّالثة (٣): أجمع العلماء على أنّ الابتداء بالسّلام سُنَّةٌ (٤)، وان الرَّدِّ فرضٌ، لقوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (٥) ولو كان فرضًا ما سقط عن البعض بردِّ البعض. وقد وهم الطّحاويّ فيما حكاه عن أبي يوسف أنّه كان يُنكر الحديث الّذي رُوِيَ عن النَّبيِّ ﵇ أنّه قال: "إذَا رَدَّ السَّلَامَ بعضُ القَوم أَجزَأَ عن جَمَيعِهِمْ" وقال: لا يُجزِئُ إِلَّا أنّ يردّوا جميعًا. وقال الطّحاويُّ: "ردُّ السّلام من الفُروض المتَعيّنة على كلِّ إنسانٍ بنفسه، لا ينوبُ عنه فيها أحدٌ غيره" (٦) فجعله فرض عين، وهذا ما لم يقله أحدٌ من العلماء، وإنّما قالوا: إنّه من فروضِ الكفايةِ، إذا قام به البعض سقط عن الباقين. ولأن أيضًا: ليس مع الطّحاوي فيما قال حُجَّةٌ، ولا أثر يحتجُّ به، من مُرْسَلٍ،

стр. 3817

ولا مُسنَدٍ، وقد جاء في الحديث ردّ السّلام، ممّا يدلُّ على أنَّه من الفروض الّتي على الكفاية، فالمصير إليه أَوْلَى من الرّأي. الرّابعة (١): في صفة سلام أهل الكتاب إذا قالوا: السّلام عليكم، قيل لهم: "وَعَلَيكُمْ" (٢) ورُوِي: "عَلَيْكُمْ" (٣) وقد رويت الوجهان حين قالوا هم: " السَّامُ (٤) عَلَيكُم، فقالت عائشة: وعليكم السَّام واللَّعْنَة، فنهاها رسولُ اللهِ، وقال: وعليكم، ثمَّ قال لعائشة: إنَّهُ يُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُستَجَابُ لَهُم فِيَّ" (٥). واختار بعضهم ترك الواو (٦)، لِمَا فيه من الرَّدِّ عليهم قولهم الفاسد، وإذا دخلت الواو فهو المعنى بعينه؛ لأنّه عطف ما دعا على ما دعوا، التّقدير: وعليكم الّذي قُلْتُم. ثمّ قال: إنّه ينفذ قولي فيهم ولا ينفذ قولهم فيَّ. والّذي في "الموطّأ" (٧) عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "عَليَكَ" (٨) وهذا يرفع كلّ إشكالٍ وخلافٍ، ويقضي على رواية من غير النّبيِّ ﵇.

стр. 3818

الخامسة (١): فإن بدأتَ ذمِّيًا بالسّلام على أنّه مسلمٌ، ثمّ عرفت أنّه ذمّيّ؟ قال مالك: لا يستردّ منه السّلام (٢). وكان ابنُ عمر يستردّ منه السّلام، فيقول له: اردد عَلَىَّ سلامي (٣)، وهذا لا يلزم؛ لأنّه لم يخلص للذِّمِّىِّ من ذلك شيءٌ، لأنّه إنّما سَلَّم عليه ظنَّا منه أنّه مسلمٌ، ولمّا اختلف الباطنُ والظّاهرُ لم يخلص منه شيءٍ، فليس هنالك ما يحصل له حتّى يُستردّ منه. السّادسة (٤): السّلامُ عندنا ينتهي إلى البركة في الرَّدِّ. وقال قوم: لا يردّ بالبركة. لأنّ النّبيَّ قال لعائشة: "إنَّ جِبرِيلَ يُقرئُكِ السَّلامَ. فقالت: وَعَلَيهِ السَّلَامُ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ" (٥) وفي "الموطَّأ" (٦):"إنَّ السَّلَامَ قَدِ انْتَهَى إِلَى البَرَكَةِ" عند عبد الله بن عبّاس. وروى أبو عيسى التَّرمذيّ (٧) حديثًا مُنْكَرًا ضعيفًا، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "السَّلامُ قبلَ الكَلَامِ" وإن كان ليس بصحيحٍ فله معنى صحيح؛ لأنّ السَّلام فرضٌ

стр. 3819

والكلام مباحٌ، وقد يكون ندبًا وفرضًا؛ فإن كان مباحًا أو ندبًا فالفرضُ مثله، وإن كان فرضًا فالسّلام مُقَدَّمٌ في الرُّتبة، فتقديمهُ واجبٌ بكلِّ حالٍ. السابعة (١): "يسلِّمُ الرّاكبُ على الماشي، والماشِي على القاعِدِ، والقليلُ على الكثيرِ" (٢)، ولا حاجة لأحدٍ في سبيل حكمته (٣). الثامنة (٤): لا يُشير باليد، لِمَا رَوَى أبو عيسى التّرمذيّ (٥)؛ أنّ رسول الله قال: "لَا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ، فَإنَّها تُسَلِّم بِالأَصَابع، ولا بِالنَّصَارى فَإنَّها تُسلّم بِالأَكُفِّ" وهذا ضعيفٌ (٦)، وأمثَلُهُ أنّه موقوفٌ. ولا بأس إنَّ احتاج إلى تخصيص المسلَّمِ عليه بالإشارة إليه باليد. التّاسعة (٧): السَّلام على الصِّبيان فقد صحَّ من رواية أبي عيسى (٨) وغيره (٩)؛ أنّ النّبيّ ﷺ مَرَّ على الصِّبْيَانِ فَسَلَّمَ

стр. 3820

علَيهم. وفي ذلك من الفائدةُ: بركة النّبيّ عليهم، وتعليمهم، وما يحدث في قلوبهم من الهَيبَةِ وينزل فيها من المحبّة. العاشرة (١): روى أبو عيسى (٢)؛ أنّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ على نسَاءٍ قُعُودٍ في المسجد، فَأَلْوَى بِيَدِهِ الكريمةِ بالسّلام، وأشار عبد الحميد الرّاوي بيده، وقال أبو عيسى فيه: حديث حسن. وهو عندي حديث صحيح؛ لأنّه رواه عبد الحميد بن بَهرَام، وقد صحّحه ابن حنبل (٣)، وغيره (٤). الحادية عشر (٥): "إِذَا دَخَلتَ عَلَى أَهلِ بَيْتِكَ أَو أهلِكَ فَسَلِّم، يَكُونُ بَرَكَةً عليكَ وَعَلَى أَهلِ بَيْتِكَ" (٦) وذلك لأنّه علي أهل بيته سلام استئذان، وإنَّما هو سلامُ البَرَكَةِ والسُّنَّةِ. الثّانية عشر (٧): فهذا كان مجلس فيه أخلاطٌ من المسلمين والمشركين، يسلِّم عليهم، كما ثبت

стр. 3821

في الصّحيح؛ أنَّ النّبيَّ فَعَلَهُ (١)، ولكن ينوي بسلامِهِ المسلمين. وكذلك لو كان مجلسٌ جمَعَ أهلَ السُّنَّة وأهلَ البِدعَة، سَلَّمَ ونَوَى أهل السُّنَّة. وكذلك لو كان فيه أولياءٌ وأعداءٌ، أو عدولٌ وظَلَمةٌ، خصَّ الأولياء والعدول، وترك الباقي. وكذلك أفعلُ في مقاصِدي، والله المستعان والموفِّق. فإن كان الجميع ظَلَمَة، ودخلهم للضّرورة، سلَّمَ ونَوَى ما قال العلّماءُ في السّلام، المعنى: اللهُ عليكم رقيبٌ. وقيل: معنى سَلَامُهُ: لكم مني أمانٌ، فليكن لي منكُم. باب الاستنذان الإسناد: قال الإمام: الحديث (٢) في هذا الباب مُرسَلٌ من مراسيل عطاء بن يسار، ويُسنَدُ (٣) من طُرقٍ كثيرةٍ (٤). مقدمة (٥): اعلموا أنّ الاستئذانَ هو طَلَبُ الإذْنِ فيما لا يجوزُ إِلَّا به، وله وظائف من الفرائضِ والسُّنَنِ، وقد أحكمنا هذا في كتاب "أحكام القرآن" (٦) في "سورة النّور" بغايةِ البيانِ.

стр. 3822

وجعل الله الاستئذان ثلاثًا توسعةً للخَلْقِ وتقييدًا لمُطلَقِ القرآن. فإن سمعتَ بواحدة أو اثنتين فيها ونِعمَت، والّإ فثلاثة وهي الغاية. واختلف علماؤنا، هل يزيد على الثّلاثة إذا ظنَّ أنّه لم يسمع على ثلاثة أقوال. قيل: لا يُعيد (١). وقيل: يُعيدُ. وقيل: إنَّ كان بلفظ الاستئذان فلا يعيد، وإن كان بغير لفظ الاستئذان أعاد. وأصحّه ألَّا يُعيد. الثّانية: قال القاضي أبو محمّد عبد الوهّاب: "الاستئذان واجبٌ، لا تدخل بيتًا فيه أَحَدٌ حتَّى تستأذن ثلاثًا" (٢) فلا تتعدَّى الواجب. الثّالثة (٣): يجوزُ الاستئذانُ أنّ يضربَ البابَ باليدِ والحَجَرِ، وقد حَصَبَتِ (٤) الصَّحابةُ بابَ النّبيِّ ﵇ إذ طلبوه لصلاة رمضان، خَرَّجَهُ البخاريّ (٥) ومسلم (٦). وفعلَهُ جابر مع النّبيِّ ﵇، فقال له النّبيُّ: "مَن"؟ فقال: أنا، فقال له النّبيُّ ثانية: "من"؟ قال: أنا، فقال له النّبيُّ: " أنَا أَنَا"، كأنّه كَرِهَهُ. وخرّجه أبو عيسى (٧)، كما خَرِّج في الصّحيحين (٨) بإسقاط دقّ الباب، وخرّج أبو عيسى التّرمذيّ (٩) أنّ زيد بن ثابت قرع باب النّبيّ ﷺ فخرج إليه.

стр. 3823

الرّابعة (١): لو دخل ولم يُسَلِّم، أُمِرَ أنّ يرجع فَيُسَلِّم. ما جاء في التَّشمِيتِ في العُطاس الأحاديث: قال الإمام: حديثُ عبد الله بن أبي بكر (٢) في هذا الباب حديثٌ مرسَلٌ عند جميع الرُّواة للموطّأ، وأصحّه حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنّه قال: " يُشَمَّتُ المُسلِمُ إِذا عَطَسَ ثلَاثَ مَرَّاتٍ، وَإِنْ زَادَ فَهوَ زُكَامٌ" (٣)، وفي الصّحاح: "العُطَاسُ مِنَ الله، وَالتَّثاؤُبُ منَ الشَّيطَانِ" (٤). الأصول (٥): قوله: "العُطَاسُ مِنَ الله، وَالتَّثاؤُبُ منَ الشَّيطَانِ" معناه أنّ العُطاسَ لمّا كان سببُهُ محمودَا، وهو خِفَّة الجسم الّتي كانت عن قلَّة الأخلاط، أو رقَّتها الّتي تكون عن قلَّة الغذاء وتلطيفه، وهو أمرٌ ندبَ اللهُ إليه؛ لأنّه يُضعِف الشّهوة الّتي هي من جند الشَّيطان، ويُحبِّبُ الطّاعة، ومن أجل ذلك أُضيف إلى الله تعالى. ولمّا كان التَّثاؤُبُ بضدِّه في جميع هذه الوجوه على ترتيبها، أُضِيفَ إلى الشَّيطان.

стр. 3824

الفقه في سبع مسائل: المسألة الأولى (١): قوله: "إِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ الله" (٢) جاء في "الموطَّأ" (٣):" إذًا عَطَسَ فَشَمِّتْهُ" مطلقًا، وجاء هذا: "إذًا عَطَسَ فَحَمِدَ الله "مُقيَّدًا، وهو الصّحيح المجتمع عليه. الثّانية (٤): قوله: "فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ يَسمعهُ أنّ يُشمِّتْهُ" (٥). وهو دليلٌ ظاهرٌ على وجوب التشميت. وقال القاضي عبد الوهّاب: هو مستحبٌ (٦). والصّحيح وجوبُه لهذا الخبر الّذي روى أنس بن مالك؛ أنّ رجلين عَطَسَا عند النَّبىِّ ﷺ ، فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا ولم يُشمِّتِ الآخَرَ. فقال الْذي لم يُشَمِّتْهُ: يا رسول الله، شَمَّتَّ هذا ولم تُشمِّتنِي؟ فقال رسولُ الله: إنّه حَمِدَ الله ولم تَحْمَدَهُ أَنتَ (٧). الثّالثة: فإن تَكرَّرَ في المجلس الواحد، تَكَرَّرَ القولُ في الحمدِ والرَدِّ كما تقدّم. واختلفت الرّوايات فيه اختلافًا كثيرًا. فقيل: يقال له في الثّانية: إنّك مزكومٌ (٨). وقيل: يقال له في الثّالثة. وقيل: في الرّابعة. والصّحيح أنّ ذلك في الثّالثة.

стр. 3825

المسألة الرّابعة (١): كيف يكون التَّشميت؟ فقيل: يقولُ المُشَمِّتُ: يرحمك الله. ويقول العاطسُ: يغفر الله لي ولكم. قاله ابن مسعود (٢). وقيل: يقولُ يَهديكُم اللهُ ويُصلح بالكُم (٣). قاله عبد الوهّاب (٤). وقيل: ليقل ما شاء من ذلك. قاله مالك (٥). وقيل: يقول: يرحمنا اللهُ وإيّاكم، ويغفر لنا ولكم، قاله ابن عمر (٦). الخامسة (٧): إذا عطسَ فلم يحمد، فليس على من سمعه تشميته، وكذلك رواه أنس بن مالك (٨). فإن سمعه، فليقل: يرحمك الله، ولا يقل: يهديكم الله ويصلح بالكم، قال النَّخعىُّ: "يهديكم الله ويصلح بالكم" شيءٌ قالتهُ الخوارج؛ لأنّهم لا يستغفرون للنّاس، ويكفِّرونهم بالذُّنوب (٩).

стр. 3826

السّادسة (١): اختلف النَّاس في تشميت العاطس: فقال أهل الظّاهر: إنّه واجب مُتَعيِّنٌ على كلِّ جليسٍ سامعٍ (٢). وقالت طائفة أخرى من الفقهاء: هو واجبٌ على الكفاية (٣) كردِّ السّلام. وقال قوم: هو نَدبٌ وإرشادٌ وأَدَبٌ، وليس منه شيءٌ واجبٌ (٤). وقال عبد الوهّاب: هو مندوبٌ إليه كابتداء السّلام (٥). حكاه الباجي (٦)، لقول النّبيِّ ﵇: "خَمسٌ تَجبُ عَلَى المُسلِمِ لأَخِيهِ: رَدُّ السَّلَامِ، وتَشمِيتُ العَاطِسِ (٧). السّابعة: في غربب هذا الباب اختلقت الرواة فيه: فقيل: هو بالشِّين والسِّين وهو الدُّعاء في كلام العرب (٨).

стр. 3827

وقال الخليل (١): تسمِيتُ العاطس لغةٌ في تشميته (٢). وَرُوِيَ عن ثَعلَبٍ (٣) أنّه سُئل عن معنى التَّشميت والتَّسميت فقال: إمّا التَّشميت فمعناه: أبعد اللهُ عنك الشّماتَةَ، وجَنَّبَك ما يُشمتُ به عليك، وأمّا التّسميتُ فمعناه: جَعَلكَ اللهُ على سَمْتٍ حَسَنٍ ونحو هذا. ويقال: شِمتُ الإبل، إذا جمعتُها في المَرعَى، فيكونُ على هذا، أي: جمع اللهُ شملَكَ. وقيل: إنّ أصل ذلك من الشّماتةِ، وذلك أنّه إذا قلت: يرحمك الله، فقد أدخلت على الشَّيْطان ما يسخطه، فقد شمت العاطس بالشَّيطان. ما جاء في الصّور والتّماثيل أدخل مالكٌ في هذا الباب حديث أبي سعيدٍ (٤): "أنّ الملائكةَ لا تَدخُلُ بيتًا فيه تَمَاثيلُ أَو تَصَاوِيرُ". الإسناد: قال الإمام: وأحاديثُ الصُّوَرِ كثيرةٌ وصحاحٌ، خرّج أبو عيسى التّرمذيّ (٥) حديث:

стр. 3828

من صَوَّرَ صُورَةً عَذَّبَهُ اللهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ. وَمَنِ استَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُم يَفِرُّون مِنهُ صُبَّ فِي أُذُنَيهِ الآنُكُ (١) يَومَ القِيَامَةِ" حديث حسنٌ صحيحٌ. الأصول (٢): أمّا الوعيدُ على المصوِّرينَ، فهو كالوعيدِ في أهل المعاصي، معلَّقٌ بالمشيئةِ كما بينّاه، موقوفٌ على التّوبةِ كما شرحناه. أمّا كيفية الحكم فيها؛ فإنّها محرّمةٌ إذا كانت أجسادًا بالإجماع، فإن كانت رقمًا، ففيها اربعة أقوالٍ: الأوّل: أنّها جائزةٌ، لقوله في الحديث: "إِلَّا مَا كانَ رَقمًا في ثَوبٍ" (٣). الثّاني: أنّه ممنوعٌ، لحديث عائشة: "دَخَلَ النّبيُّ ﷺ وَأَنَا مُستَتِرَةٌ بِقرَامِ فِيهِ صُورَةٌ، فَتَلَوَّنَ وجهُهُ، ثُمَّ تَنَاولَ السِّترَ فَهَتَكَهُ، ثُمَّ قَالَ: مِنْ أَشَدٌ النَّاسِ عَذَابًا المُصَوِّرُونَ" (٤). الثّالث: أنّه إذا كانت صورة متّصلة الهيئة قائمة الشّكل منع، فإن هُتِكَ وقطع وتفرّقت أجزاؤه، جاز، للحديث المتقَدِّم، قالت فيه: "فَجعَلَ مِنهُ وِسَادَتَينِ كَانَ يَرتَفِقُ بِهِمَا" (٥). الرّابع: أنّه إذا كان ممتَهَنًا جازَ، وان كان مُعَلَّقًا لم يَجُزْ. والثّالث أصحُّ، والله أعلم. ماجاء في أكل الضَّبٌ قال الإمام: الأحاديث في هذا الباب صحاحٌ حِسَانٌ، رواها جماعة. أصولهم (٦):

стр. 3829

ابن عمر، وابن عبّاس، وجابر، وأبو سعيد، وخرّجها الأيِمَّة مسلم (١) والبخاريّ (٢). وأمّا حديث ابن عمر؛ أنّ النّبيَّ سُئِلَ عن الضَّبِّ؟ فقال: "لَستُ بآكِلِهِ وَلَا بِمُحَرَّمِهِ" (٣)، وهو حديثٌ مشهورٌ صحيحٌ. وأمّا حديثُ جابر؛ أنّه أُتِيَ النَّبِيُّ ﵇ بِضَبِّ، فَأَبَى أنّ يَأكُلَ منهُ، وقال: "لَا أدرِي، لَعَلَّهُ مِنَ القُرُونِ الَّتِي مُسِخَت" (٤) هكذا رواه ابن جُرَيجٍ عن أبي الزُّبَير. وأمّا حديث أبي سعيد (٥)، فقال فيه: "إنِّي لَستُ أُحَرِّمُهُ ولكنّي أَعَافُهُ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَكُن فِي أَرضِ قَومِي" (٦). الشرح والفوائد في معنى هذه الأحاديث: الفائدةُ الأولى (٧): في هذا الحديث ردٌّ على المُلحِدَةِ في إنكار الممسُوخ؛ لأنّ الكلَّ عندهم من

стр. 3830

المخلوقات طبائع، ولو كان هذا صحيحًا لانقلبت طبيعة إلى طبيعة، كما تصوّرت أخرى بصورة، فيكون مسخًا، وما صحَّ من المُسُوخ إِلَّا قليل، يحتمل أنّ يكون منهم الضَّبّ والفَأر (١). قال الإمام: وهذا منهُم دَعوَى، وأمرٌ لا يعلَمُ بالعقل، وإنّما يعرف بطريق الشّرع، وليس في ذلك أثر يُعَوَّلُ عليه (٢). الثّانية: اختلف العلّماءُ في تعليله: فقيل: العلّةُ فيه ما تقدّم أنّه خشي أنّ يكون من المُسُوخ، وهذا ضعيف. وقيل: العلّةُ فيه ثِقَل رائحته، ويدلُّ عليه قوله في المصنّفات: "إِنِّي تَحْضُرُنِي مِنَ اللهِ حَاضِرَةٌ" (٣) يريد من الملائكة ﵈ فاحترمهم؛ لأنَّ له رائحةً ثقيلةً، فاتَّقاهُ لأجلهم، كما كان يتّقي الثّوم والبصل (٤). فهذا أصحّ (٥) من الحديث الّذي قال فيه: "لَا أَدرِي لَعَلَّهُ مِنَ القُرُونَ الَّتِي مُسِخَتْ" (٦) وهذا التَّعليل لم يتحقّق (٧).

стр. 3831

وفي حديث آخر قَال:" فَإِنَّ اللهَ غَضِبَ علَى اُمِّةٍ فَمَسَخَهَا" (١)، فَلأجلِ ذَلِكَ كره أكلها. والصَّحيحُ جواز أكله لوجهين: أحدهما: قوله: " لَا أنّهَى عَنْهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ" (٢) فدخلت في قسم المباح (٣). والثّاني (٤): قوله: "فَاجتَرَرْتُهُ فَأَكَلتُهُ وَرَسُولُ اللهِ يَنْظُرُ" (٥) فاستدلَّ بسكوت النّبيِّ ﵇ على أنّه حلالٌ. وفي رواية: "لَو كَانَ حَراماَ مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ النَّبِيِّ ﷺ " (٦) فرأَوا أنّ أكلَهُ والنَّبىُّ ينظرُ، دليلٌ على تحليله؛ فإنّ النَّبىِّ ﵇ لا يسكتُ على فعلِ الحرامِ إذا رآَهُ؛ لأنّه يلزمه تغيير المنكر، ولو لم يُغيِّره لكان عاصيًا، والمعاصي لا تجوز على الأنبياء، وخصوصًا فيما طريقه تبليغ الشّريعة، فصحَّ أنّه حلالٌ. ولا تقف على صحَّة مَسْخِهِ؛ لأنّ المُسُوخَ لم تنسل بِوَجْهٍ (٧).

стр. 3832

عربيّة (١): قوله (٢): " أَعَافُهُ " معناه: أكرهُهُ، يقالُ: عِفتُ الشّيءَ أعافُه عِيَافًا، إذا كرهتُهُ. وعفته أعيفه عيافةً: من الزَّجر. وعافَ الطّير يعيفُ، إذا حام على الماء ليجد فرصةً فيشربَ. وقوله:" فَجِيءَ بِضَبٍّ حَنِيذٍ" أو قال: "بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ" والمحنوذُ: المشويُّ (٣). وقيل: الشّديد الشّوي على الرَّضفِ، وهي الحجارة المُحماة. وقال أبو الهيثم (٤): أصلُ المحنوذ من حناذ الخيل، وهو أنّ يظاهر عليها جُلٌّ فوق جُلٍّ لتَعْرَق تحته (٥). وقال ابن عرفة: قوله: ﴿جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ (٦) أي: مشوي بالرِّضَاف حتّى يقطر عرقًا، يقال: حَنَذَتهُ الشّمس والنّار إذا شَوَتْهُ. وقوله: " فَاجْتَرَرْتُهُ" يريد طبخته، والله أعلم (٧). ما جاء فى أمر الكلاب قال الإمام: الأحاديث في هذا الباب صِحَاحٌ خرَّجها الأيمّة.

стр. 3833

الشرح والفوائد وهي خمس: الأولى: قوله (١): "مَنِ اقتَنَى كَلْبًا" قال علماؤنا (٢): فيه جواز إباحة اتِّخاذ الكلب للصَّيد والزّرع والماشية، دون ما عدا ذلك، وهو داخلٌ في هذا المعنى (٣)، وإنّما النَّهيُ في الحاضِرَةِ لغير منفعةٍ؛ لأنّه يروِّعُ النّاسَ، وإنّما أُجيزَ اتّخاذُه في منافع البادية كلِّها من الطوارق وغيرها. الثّانية (٤): قوله (٥): "نَقصَ مِنْ أَجْرِهِ (٦) كُلَّ يَومٍ قِيرَاطً" أمّا نقصانُ الأجرِ، فإنَّ ذلك لِمَا يقعُ منَ التَّفريط في غَسل الإناء من وُلُوغِ الكلبِ، وما يُدْخِلُ على صاحبه من الإثم من ترويع النَّاس وإذايتهم. وإنّما يكون النّقص من أجرٍ قد تقدَّم، لا من مستقبل، فإذا رآه صاحبه يُؤذِي النَّاس ولا يطرده، فهذا هو الّذي ينقص من عمله وأجره قيراط. والقيراطُ قَدرٌ لا يعلمه إِلَّا الله، وقد ورد: "قيراطان" (٧). الثّالثة (٨): قوله: "أمرَ رسولُ اللهِ ﷺ بقتلِ الكلابِ" (٩) فيه دليل على أنّها لا تُؤكَلُ؛ لأنّ ما

стр. 3834

يجوز أكلُه لم يَجُزْ قَتلُه إذا كان مقدورًا عليه، ولا يُؤكلُ حتّى يذبح أو ينحر. وكان الحسن البصري يقول: سمعتُ عثمان يقول في خطبته: اقتلوا الكلاب واذبحوا الحمام (١). الرّابعة (٢): اختلف العلّماءُ في قتل الكلاب: فذهبت طائفةٌ إلى جواز قتلها، منهم مالك (٣)، إِلَّا ما كان للصَّيد والماشية والكرم والزّرع. ومنهم من قال: هو عمومٌ يقتَلُ الجميع، وإنّما تترك هذه رخصة أرخص في اتخاذها للمنفعة، والله أعلم. وقالت طائفة أخرى من أهل العلم: الأَّمر بقتل الكلاب منسوخٌ إِلَّا في الأسود البَهيم فإنّه يُقتَل (٤). ومن حجَّتهم: أنّ رسول الله ﷺ قال: "لَولَا أَنَّ الكِلَاب أُمَّةٌ مِنَ الأُممِ لأَمرتُ بِقَتلِهَا، فَاقتُلُوا مِنهُم الأسَوَدَ البَهِيمَ" (٥) لأنّه شيطان (٦)، أي: بعيدٌ من الخير والمنافع، قريب من الضّرر والأذى، وهذا شأن الشَّيطان أنّ يتعدّى الخير. وذهب كثير من العلماء إلى ألَّا يقتل من الكلاب أسود ولا غيره، إِلَّا أنّ يكون

стр. 3835

عقُورًا مُؤْذِيًا، وقالوا: الأمر بقتلها منسوخٌ بقوله: "لا تَتَّخِذُوا شَيئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا (١) فدخل في نهيه ذلك الكلاب وغيرها (٢). وقالوا (٣): وقال ﷺ :"خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ يُقتَلنَ في الحِلِّ وَالحَرَمَ" (٤) فذكر منها: الكلب العَقُور دون غيره. وقد قيل: الكلب العَقُور هاهنا الأسدُ وما أشبهه من عقارة سِبَاعِ الوَحشِ. واحتجوا أيضًا بالحديث الصّحيح في الكلب الّذي كان يلهث عطشًا، فسقاه الرَّجل، فشكر اللهُ له ذلك، فغفر له، وقال: "في كُلِّ كَبِدٍ رَطبَةٍ أَجْرٌ" (٥). قال الإمام (٦): وهذا كلّه في الكلب المتَّخذ للمنفعة، وأمّا للمضَّرْة فلا يحتجُّ بها، ومن أدّعى النّسخ فعليه الدّليل. ما جاء في الغنم ذكر مالك في هذا الباب (٧)، حديث أبي هريرة؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "رَأسُ الكُفُرِ نَحوَ المَشرِقِ، وَالفَخرُ وَالخُيَلَاءُ في أَهلِ الخَيلِ وَالإِبِلِ الفَدَّادِينَ أَهلِ الوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهلِ الغَنَمِ".

стр. 3836

الإسناد: قال الإمام: الحديث صحيحٌ، خرّجه الأيمّة مسلم (١) وغيره (٢) الفوائد: الفائدةُ الأولى (٣): قوله: "رَأسُ الكُفرِ نَحوَ المَشرِقِ" معناه: أنّ أشدَّ الكُفارِ كفرًا أهل المشرق، وهم ذلك الوقتُ فارس وما وراءهم من العجم، وكلُّهم لا كتابَ لهم ولا شريعةَ، فكُفرُهُم أشدَّ الكفر؛ لأنّهم لا يقرّون بنبيٍّ ولا رسولٍ ولا كتاب، ولا بدين يرضاه اللهُ. الثّانية (٤): قوله: "الفَخرُ وَالخُيَلَاءُ في أَهلِ الخَيلِ وَالإِبِلِ الفَدَّادِينَ أَهلِ الوَبَرِ" فإنّه أراد الأعراب أهل الجفاء والتَّكبُّر، وهم أهل الخيل والإبل، وكلُّهم أو جلُّهم فدّادٌ متكبِّر، عُتُلّ متجبِّر. وقال أبو عُبيد (٥): الفَدَّادُ: ذو المال الكثير، والمختالُ: ذو الخُيَلاء، ومنه الحديث: "إِنَّ الأَرْضَ إِذَا دُفِنَ فِيهَا الإِنْسَانُ، قالت له: رُبَّمَا مَشَيتَ عَلَىَّ فَدَّادَ" (٦). قال مالك: والفَدَّادُونَ أهل الجفاء (٧) من أهل الوَبَر، وهم أهل الخيل والإبل.

стр. 3837

ومنه حديث ابن عبّاس: "مَنْ لَزِمَ الْبَادِيَةَ جَفا" (١). وقال الأخفش (٢): الفدَّادون هم الأعراب، وأصل الفديد رفعُ الصّوتِ والجَلَبَةُ؛ وذلك أنّ أصحاب الإبل من شأنّهم رفع الصّوت إذا عملوا العمل وإذا مَشَوا. الثّالثة (٣): قوله: "وَالسَّكِينَةُ في أَهلِ الغَنَمِ " فالسَّكينةُ مأخوذةٌ: من السُّكون والوَقَارِ. والسَّكينةُ اسمٌ يُمْدَحُ به ويُذّمُّ بضدِّه، وقد قال ﷺ : "إذا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَأتُوهَا وَأنتُم تَسعَونَ، وَأتُوهَا وَعَلَيكُمُ السَّكِينةُ (٤) والوَقَارُ" (٥) قال الأخفش (٦): وذلك أنّ أهل الغنم عملهم هيِّنٌ ليس فيه مؤنة. حديث أبي سعيد الخُدري (٧)؛ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : "يُوشِكُ أنّ يَكُون خَيرُ مَالِ المسلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتنِ". الإسناد: قال الإمام: الحديث صحيح، خرجه الأيمّة، لا كلام فيه ولا مدفع. عربيّة (٨): قوله: "شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ" يريد رؤوس الجبال وأعاليها، واحدتها شَعَفَة.

стр. 3838

وقال الأخفش (١): ظهور الجبال. الثّانية: قوله: "وَموَاقِعَ القَطرِ" يريد الأرض حيث يكون القَطر، فتخصب ويكثر فيها الماء. الثّالثة (٢): قوله: "يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ" قال الإمام: أمّا الفتنُ فكثيرةٌ في الأهل والمال والوَلَدِ، وما يلقاه المؤمنُ ممّن يحسده ويُؤذيه، حتّى يفتنه عن دينة، أو ممّن يراه فوقه في المال والجاه والحال، فتكون فتنة له. الرّابعة (٣): قال علماؤنا: في هذا الحديث دليلٌ على تغيّر الأزمنة، ودلالة على فضل العُزلة، وقد قال عمر بن الخطّاب ﵁: اليَأسُ غِنىَ، والطَّمَعُ فَقرٌ حاضرٌ، وفي العزلة راحةٌ من خُلَطَاءِ السُّوء (٤). وقال أبو الدّرداء: نِعمَ صومعةُ الرّجُلِ بَيتُه يكفُّ فيه بصره ونفسه، وإيّاكم والمجالس في الأسواق؛ فإنّها تُلغِي وتُلهِي (٥). وإنّ قَومًا لَزِمُوا بيوتَهُم حين قُتِل عثمان، فلم يخرجوا منها حتّى لقوا الله تعالى (٦).

стр. 3839

قال الإمام: وأمّا الفرار والعزلة في الفتنة فواجبٌ، وفيه النّجاة إنَّ شاء الله. وأمّا إذا كانت الدَّعة، ولم يكن زمان فتنة، فمخالطة النَّاس والجماعة وحضور الجمعة والجنائز وحِلَق العلم أفضل من العُزلة. حديث عبد الله بن عمر (١)؛ أنّ رسول الله ﷺ -قال:"لَا يَحتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ بِغَيرِ إِذنِهِ. أَيُحِبُّ أَحَدُكم أنّ تُؤتَى مَشرُبَتُهُ (٢)، فَتُكسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟ وإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُم ضُرُوعُ مواشِيهِم أَطعِمَاتِهِم، فَلَا يَحتَلبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَخِيهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ". الإسناد: قال الإمام: الحديث صحيحٌ متّفقٌ عليه (٣). الفوائد والمعاني: الأولي (٤): قال علماؤنا: هذا الحديث يقضي بأنّ اللبن يُسمَّى طعاما، وكلُّ مطعومٍ في اللُّغة فهو طعامٌ، واللَّبنُ طعام يغني عن الطّعام والشَّراب، وليس شيءٌ سواه يغني في ذلك غناه. وهذا الحديث يطابقُ قوله: "لَا يَحِلُّ مالُ امرِىء مُسلمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنهُ" (٥) إِلَّا أنّ العلماء اختلفوا فيما يأكلهُ الإنسانُ منَ الثِّمار المعلَّقة في الأشجار، للمسافرين وسائر المارِّين، من مال الصّديق وغيره. فاكثرُ العلماء على جواز أكل مال الصّديق إذا كان تافهًا لا يُتَشَاحُّ في مثله، وإن كان ذلك بغير إذنه، ما لم يكن تحت قُفلِهِ.

стр. 3840

واللّبنُ في الضّرْعِ يُشبِهُ الطّعام المخزون تحت الأقفال، وقد شَبَّهَهُ رسولُ الله في هذا الحديث بذلك بقوله: "فَتُكسَرَ خِزَانَتُهُ"، ولا أعلم بين أهل العلم خلافًا أنّه لا يجوز كَسرُ قُفْلِ مسلمٍ ولا ذمّىٍّ لأخذ شيءٍ من ماله بغير إذنه. وليس الثَّمَرُ المعلَّقُ عند أكثرهم كذلك، لما ورد في ذلك من الآثار المرفوعة لكنّها حسان وردت في ذلك، منها: حديثُ عَمرو بنِ شُعَيب، عن أبيه، عن جدّه؛ أنّ النّبيَّ ﷺ سُئلَ عن الثَّمَرِ المُعلَّقِ، فقال: "مَن أَصَابَ مِنهُ من ذِي حَاجَةٍ غَيرَ مُتَّخِذِ خُبنَةً، فَلَا شَيءَ عَلَيه" (١). وحديث ابن عمر، عن النّبيّ ﷺ -قال: "مَنْ دَخَلَ حَائِطًا فَأَكَلَ منهُ، فَلَا يَتَّخِذ خُبنَةً" (٢). ومن حديث سَمُرَة بن جندب؛ أنّ النّبيَّ ﷺ قال: "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ عَلَى مَاشِيَةٍ، فَإِنْ كانَ فيها صاحِبُهَا فَلَيستَأذِنهُ، فإن أَذِنَ له فَليَحتَلِبْ وَليَشرَب. وإن لم يكن فيها أَحَدٌ فليُصَوِّت ثلاثًا، فإن أجابَهُ أَحَدٌ فَلَيستَأذِنهُ، فإن لم يُجِبهُ أَحَدٌ فليَحتَلِب وَليَشرَب وَلا يَحْمِل" (٣). قال الإمام: وهذه الآثار يحتَمِل أنّ تكون فيمن احتاج وجاعَ، أو في مال الصّديق إذا كان تافهًا لا يُتشَاحُّ في مثله. وكان سَمُرَة وأنس بن مالك وأبو برزة في سفرٍ، فكانوا يُصيبون من الثِّمار (٤). وقال الحسن البصري: يأكل ولا يُفسِد، ولا يَحمِلُ (٥).

стр. 3841

حديث مالك (١)؛ أنّه بلغه أنّ رسول الله ﷺ قال: "مَا مِن نَبِىٍّ إِلَّا قَدْ رَعَى الغَنَمَ". قِيلَ: وأنت يا رسولَ الله؟ قال: "وأنا". الإسناد: قال الإمام: هذا حديثٌ بلاغٌ، وقد خرّجه الأيمّة مسلم (٢) وغيره (٣). الفوائد والمعاني: الأولى (٤): فيه ما يدلُّ على فَضلِ الغنمِ، وفَضلِ اكتسابها ورَعيها والقيام بها، تبرُّكًا بأنبياء الله صلواتُ الله عليهم، وحسبُك بما ذكره الله تعالى في كتابه عن موسى؛ قال الله العظيم: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ (٥). وهذا الحديث الّذي ذكره مالك بَلَاغٌ يسنَدُ من حديث أبي سَلَمَة، عن أبي هريرة؛ قال: مررنَا مع رسولِ الله بِثَمَرِ الأَرَاكِ، فقال:"عليكم بِأَسوَدِهِ فَإِنِّي كنت أَجتَنِيهِ إِذ كُنْتُ أَرعَى الغَنَمَ" قالوا: يا رسولَ الله، وكنت ترعى الغنم؟ قال: "نعم، وما من نبىٍّ إِلَّا وقد رَعَى الغَنَمَ" (٦). وفي هذا الحديث إباحةُ الإخبار عن الماضين من الأنبياء، وفي قياس ذلك الإخبار عن الأُمم الماضية والقرون الخالية السّالفة، وعلم أيّام النَّاس، لقوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ الآية (٧).

стр. 3842

ما جاء في الفأرة تقع في السّمن والبدء بالأكل قبل الصّلأة الإسناد: قال الإمام: الأحاديثُ في هذا الباب صحاحٌ، خرّجها الأيمّة من طرقٍ كثيرة. الفوائد والفقه: الأولى (١): وفي الباب، حديث ابن عمر: كان يُقرَّبُ إِلَيهِ عَشَاؤُة، فَيَسمعُ قِرَاءَةً الإمامِ وهو في بَيتِهِ، فَلَا يعجَلُ عن طعامِهِ حَتَّى يَقضِي حَاجَتَهُ منه. قال الإمام: وفعلُ ابنِ عمر هذا مأخوذٌ من السنُّةِ، للحديث الّذي خَرَّجَهُ الأيمّة (٢): "إذا حَضَرَ العَشَاءُ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَأبدَؤُا بِالعَشَاءِ" وهذا -والله أعلم- لِمَا يُخْشَى على من كانت هذه حاله من شُغلِ بَالِهِ بالأكل، فَيَدخُلُ عليه في صلاته السَّهوُ، وما يشغلُه عن الخشوع والذِّكر فيها. الثّانية: قال علماؤنا (٣): فيه دليل على سَعَةِ وقت المغرب، كان كان المُسْتَحَبُّ تعجيلَها. الثّالثة: قوله:" فَابدَؤُا بِالعَشَاءِ" قال علماؤنا (٤): الأمْرُ على النّدب لا على الإيجاب، بدليل حديثِ الزّهريُّ، عن ابن أُمَيَّةَ، عن أبيه؛ أنّه رأى رسولَ اللهِ ﷺ يَحْتَزُّ من كَتِفَ شاةٍ في يَدِهِ، فَدُعِيَ إلى الصّلاةِ، فَأَلقَاهَا وَالسِّكِّينَ، ثمّ قام وصلَّى ولم يَتَؤَضَّأ (٥).

стр. 3843

قال الإمامُ: ويحتَمِلُ أنّ يكون هذا أنَّه كان آكلًا وحده، وأَمِنَ أنّ يشغله ذلك في صلاته (١). حديثُ ابن عبّاس (٢)، عن مَيمُونَةَ زوج النّبيِّ ﷺ -أنّ رسول الله ﷺ سُئِلَ عنِ الفأرةِ تَقَعُ في السَّمنِ، فقال: "انزِعُوهَا ومَا حَولَهَا فاطرَحُوهُ". الإسناد: قال الإمام: ليس في حديث مالك هذا في الفأرة أنّها ماتت، وهو محفوظٌ فيه ومعلومٌ عند الجميع (٣). وفي قوله: "فالقوها" (٤) دليل على موتها. وفي "التّرمذيّ" (٥): "اطرَحُوهَا (٦) وما حَولَهَا وَكُلُوهُ". وفي "الموطّأ": "ألقُوهَا ومَا حَولهَا وَكُلُوهُ" (٧). وقد رُوِيَ عن أبي هريرة؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ كانَ جَامدًا فأَلقُوهَا وَمَا حَولَها، وإن كان مائعًا فأريقُوهُ (٨) " (٩). وقال البخاريّ: لا يصحّ (١٠). قال الإمام: وقول البخاريِّ صحيحٌ، وقد بيَّنَّا طرقه في "كتاب النَّيِّرين" بما فيه شفاءٌ.

стр. 3844

الأصول (١): قول النَّبيِّ: "أَلقُوهَا وَمَا حَولهَا" (٢) من غير تحديدٍ ولا تقدير. وهذا ممّا يمكن ضبطُه، وإنّما هو مُفَوَّضٌ إلى نظر المُكَلَّفِ. وهذا أصلٌ في الحُكم بغير نصّ، إِلَّا لما يظهر من الدَّلائل والأمارات. ولم يختلف أحدٌ من المسلمين في أنّ غير السَّمنِ وما أشبهه في معناهُ؛ لضرورة الحكم بالأمثال والأشباه، وأنّه من الله ضرورة. وقال لنا إذا "وقعت " ولم يذكر إذا "طرحت " وهما سواءٌ. ودليل آخرة قوله (٣):" فَأرةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ" يقتضي كلّ ميتة. ودليل آخر أيضًا: لو وقعت ولم تَمت، لاقتضَى النّظر، وظاهر هذا الحال الحكم به دونَ موتِهِ، فإنّ الظّاهريّة (٤) خرجت عن الظّاهر، حتّى لم تقف منه على شيءٍ. الفقه في ثمان مسائل: المسألة الأولى (٥): قوله (٦): "إنَّ فَأرَةً وَقَعَت فِي سَمْنٍ" اختلف العلماءُ في الفأرة، هل هي طاهرةٌ أو نجسة؟ فعند مالك إنّها طاهرة (٧).

стр. 3845

وقال الشّافعيُّ (١) وأبو حنيفة (٢): إنّها نجِسَةٌ (٣). فعلى هذا إذا أخرجت من الدّهن حيّة لم ينجس، ولا يطرح منه شيءٌ. وإن ماتت فيه حينئذٍ يكون الحكمُ. وتعلّق الذين يرون أنّها نجِسَة، بقول النّبيِّ ﷺ : "إذَاَ وَقَعَتِ الفَأرَةُ في السَّمنِ " وهذا يدلُّ على نجاستها، إذ لو كانت طاهرة لما أثّر وقوعها. قلنا: قوله: "إِذَا وَقَعَت" يعني: وماتت، كقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤) يعني المتقدّمة، فافطر فعدّة، ولكنّه اختصره لِعلمِ السَّامع. فإن قيل: إنّما كان ذلك الأضمار هنالك لما قام عليه من دليل. قُلنا: قد بيَّنَّا الدّليل على هذه المسألة في "أدلة المسائل" وأقمناه واضحًا على أنّ الحياة علّة الطّهارة، وأنّ كلّ حي طاهرٍ حتّى الخنزير، فَليُنظَرْ هنالك. الثّانية (٥): قد بين في حديث التّرمذيّ (٦) أنّها ماتت فيرتفع كلّ إشكالٍ. الثّالثة (٧): قال المفسِّرون: "ألقُوهَا وَمَا حَولَهَا" يدلُّ على أنّه جامدٌ إذ لو كان مائعًا ما كان له حول (٨).

стр. 3846

الرّابعة (١): فإن كان مائعًا، قال ابنُ حبيب: ينجسُ، وإن أمن أنّ يكون سال منها شيءٌ فيه؛ لأنّ نفس الموت ينجسها (٢). وقال مالك في "الموّازية": لا أحبُّ أكلَه (٣). وبِقَولِ ابنِ حبيب بقول ابن الماجشون (٤)، فبتَّ ابنُ حبيب بالمنع. وقال محمّد بن الموّاز عنه: لا أحبّ، وهذا تَصريحٌ. بالكراهية. وروى سحنون (٥) عن ابن نافع: إذا ماتت الفأرة في الزّيت الكثير لا يضرّه، وليس الزّيت كالماء. وروى أبو زيد (٦) عن عبد الملك: إذا وقعتِ الفارةُ أو الدّجاجة في البئر أو الزّيت (٧)، فإن كان ذلك كثيرًا، ولم يتغيِّر لونه ولا طعمه ولا ريحه، أُزِيلَ ذلك منه ولم ينجس، ولو ماتت فيه لنجس وإن كَثُر. وروي عن مالك أنّه كره الزيت تقع فيه الفأرة وإن كان كثيرا (٨). وقال سائر الفقهاء (٩): الزَّيت والمائع كله خلاف الماء؛ لأنّ الماء يطهِّر فلا يُؤثِّر فيه إِلَّا ما يُغَيِّر. وأمّا المائعات فلا تطهير فينجسها ما يقع من النَّجاسات فيها وإن لم يتغيِّر،

стр. 3847

وهو الصّحيح من الرِّوايات. وفي الأدلة: عوَّل علماؤنا في الماء على "أنَّ الله خَلَقَ الماءَ طَهُورًا فَلَا يُنَجِّسُهُ، إِلَّا مَا غَيَّرَهُ" (١). وعوَّلوا في المائع على قول النّبيّ ﵇: "وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَأَرِيقُوهُ" (٢) وقد رُوِيَ من طريقِ صحيح، بيانُه في "الكتاب "الكبير". الخامسة (٣): إذا قلنا: إنّه ينجس، فلا يجوز بيعه في المشهور من المذهب (٤)، وبه قال الشّافعيّ (٥). وقال ابنُ وهب وأبو حنيفة (٦): يجوز بَيعُهُ. ويُبنَى ذلك على أنّه هل يجوز أنّ يُستصبح به؟ وقد اختُلِفَ في ذلك، ورواه مالك في غير المساجد (٧)، وأباه سواه. والَّذي أراه جواز الاستصباح به، فيكون فيه منفعة يجوز بيعها. السّادسة (٨): هل يجوز تطهيرهُ بالماء؟ ففيه لعلّمائنا قولان، في تفصيلٍ طويلٍ بيانُه في كتب

стр. 3848

الفروع"؛ وذلك لأنّ كلَّ محلَّ نجسٍ باشَرَهُ الماءُ طَهُرَ كالجامد. وصفة غَسْلِهِ: أنّ يجعل في جُبٍّ يكون له منبع، فيخرج الماء ويبقى الزّيت طاهرًا (١)، وعلمنا أنّ كلٍّ جزء من المائع قد مسَّهُ جزءٌ من أجزاء الماء، فطهر بمروره به كالجامد. السّابعة (٢): إذا طهّرناه جاز بَيعُهُ مطلقًا. وقيل: لا يجوز حتّى يُبَيِّن، وهو الصّحيح؛ لأنّه غِشٌّ؛ إذ لو بيَّنَهُ لنَفَرَ كثيرٌ من النَّاس عنه، فإذا سكت عليه كان غِشًّا. الثامنة (٣): قوو: "اطرَحُوهُ وَمَا حَوْلَهُ" (٤) قال جماعة: فهذا دليلٌ على أنَّه لا منفعةَ به، إذ لو كانت فيه منفعة لما أمر بطَرحِهِ. كما أنّه رأى في جلد الميِّتة الانتفاع به بعد السَّعي في طهارته، نَبَّهَ عليه وأمر بدباغه. وقد يحتمل أنّ يكون النّبيُّ أمسك عن الإشارة فيه بذلك لنَزَارَتِهِ وأنّه لا يوازي الشغل به، ووكَّلَ المعرفة بالحكم في الكثير إلى الدّليل.

стр. 3849

باب ما يُتَّقَى من الشُّؤْمِ (١) ذكر مالك في هذا الباب، حديث سهل بن سعد السّاعدي (٢)؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ كانَ فِي شَيءٍ (٣)، فَفِي الفَرَسِ والمرأةِ والمَسْكَنِ" يعني: الشُّؤمَ، الإسناد:- قال الإمام: لم يقطع بذلك في هذا الحديث، وقطعَ في الحديث الثّاني (٤)، والحديثُ صحيحٌ، ولكنه دائِرٌ على ابن عمر وجابر (٥)، وهو صحيحٌ خرجه الأيمّة (٦) من طرقٍ أصلها هذا. العربيّة (٧): قال علماؤنا: الشُّؤم هو اعتقاد وصول المكروه إليك بسبب يتَّصل بك من ملك أو

стр. 3850

خلطة وتتشاءم به (١). الأحكام والمعاني في ثلاثة مسائل. المسألة الأولى (٢): اختلف النَّاس فيه: فمنهم من قال: معناه الإخبار عمّا تعتقدُهُ الجاهلية (٣). وقيل: معناه الإخبار عن حكم الله الثّابت في الدَّار والمرأة والفرس، يكون الشُّؤمُ بها،

стр. 3851

عادة أجراها الله وقضاءٌ أَنفَذَهُ، يوجدُهُ حيث يشاء (١). والقول الأوّل ساقطٌ؛ لأنّ النّبيَّ ﷺ -لم يُبعَث ليُخبِر عن النَّاس وما يعتقدونه، وإنّما بُعِثَ ليعلِّمَ النَّاسَ ما يلزمهم أنّ يعلموه ويعتقدوه. الثّانية (٢): حَصَرَ الشّؤمَ في الدَّار والمرأة والفرس، وذلك حصر عادة لا خِلْقَةٍ (٣)، فإنّ الشّؤمَ قد يكون بين اثنين في الصذُحبة، وقد يكون في السَّفر، وقد يكون في الثّوب يتَّخِذُه العبد، ولهذا قال النّبيُّ ﷺ : "إِذَا لبِسَ أحدكم ثوبًا جديدًا فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ مِنْ خيرِهِ وَخيرِ مَا صُنِعَ له، وَنَعُوذُ بك من شَرِّهِ وشَرِّ ما صُنِعَ لَهُ" (٤). الثّالثة (٥): في "الموطَّأ" (٦)؛ أنّ رجلًا (٧) أخبر النّبيَّ ﷺ -أنّه سكنَ دارًا والعَددُ كثيرٌ، والمالُ

стр. 3852

وافِرٌ، فقَلَّ العَدَدُ وذهب المالُ، فقال: "دَعُوهَا فَإنّها ذَمِيمَةٌ" فأمرهم بالخروجِ عنها لاعتقادهم ذلك فيها، وظنَّهُم أنّ الذهاب للمال والعدد إنّما كان منها، وليس كما ظنوا، ولكنّ البارئ جعل ذلك فيها وقتًا لظهور قضائه فيها (١). وقوله: "ذَمِيمة" يعني مذمومة، يقول: دعوها وأنتم لها ذامُّون، كارهون لما وقع في نفوسهم؛ لأنّ إزاحة ما وقع في النّفوس عسيرٌ، فلذلك قال لهم: "دَعُوها فإنها ذَمِيمَةٌ" يريد: إذ وقع في نفوسكم منها ما لا يكاد أنّ يزول عنها. وهذا عندي من معنى قوله ﷺ : "إنّما الطِّيَرَةُ على من. تَطَيَّرَ" (٢) أي على من اعتقدها وصحَّت في نفسه، لَزِمَتهُ ولم تكن تُخطِئهُ. ولقد أحسن شاعرهم حيث قال (٣): وَلَستُ أُبَالِي حِينَ أَغْدُو مُسَافِرَا ..... أَصَاحَ غُرَابٌ أَم تَعرَّضَ ثَعلَبُ باب ما يُكْرَهُ من الأسماء قال الإمام: الأحاديث في هذا الباب صحاح خَرَّجها الأيمة. المعاني والفوائد المتعلِّقة بهذا الباب: الفائدةُ الأولى (٤): إمّا الأسماء المكروهة القبيحة الّتي يُستَبشَعُ ذِكرُها وسماعُها،* ويذكّر بما يُحذَر من معانيها، فاسمُ حَرْبٍ يذكر بما يحذَر من الحرب، وكذلك مُرّة*

стр. 3853

فَتَكرَهُهُ النَّفْسُ لذلك. والمنعُ يتعلّق بالأسماء على ثلاثة أوجهٍ: أحدُها: ما تقدّم من قبيح الأسماء كحرب وحَزنٍ (١) ومُرّة (٢) وعاصية (٣). والثّاني: ما فيه تزكية من باب الدِّين. والأصلُ في ذلك: ما رواه أبو رافع عن أبي هريرة؛ أنّ زينب كان اسمُها بَرَّةَ، فقيل: تزكِّي نفسَهَا، فسماها رسول الله" زينب" (٤). وقال: "اللهُ أعلمُ بأهل البِرّ منكم" (٥). وعن ابن عبّاس، قال: كانت جُوَيرِيَةُ اسمُهَا بَرَّةُ، فحوَّلَ رسولُ اللهِ اسمَهَا جُوَيرِيَة (٦). الوجه الثّالث: الّذي يُكرَهُ لأجل الفال؛ لئلّا يقول أحد: أثمّ في الدَّار أفلح؟ فيقال: لا. ثمَّ نافع؟ فيقال لا، أثمّ نجاح؟ فيقال: لا (٧)، وما أشبه ذلك من طريق الفال والتّفاؤل لئلّا يقال: ليس هنا رباح، وليس هنا يسار، وليس هنا أفلح. الثّانية (٨): أفضل الأسماء ما فيه العبودية لله . رُوِيَ عن عبد الله بن عمر؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "أَحَبُّ أسمائكم إلى الله: عبدُ اللهِ، وعبدُ الرّحمنِ" (٩).

стр. 3854

وقد سمَّى النَّبىِّ ﵇ بغيرها، فسمَّى حسنًا وحسينًا. وقيل: إنّه سمّاهما باسمي ابني هارون نبيّ الله ﷺ شَبَّر وشبير (١). وفي "العُتبِيَّة" (٢) عن مالك: سمعتُ أهل مكّة يقولون: ما من أهل بيتٍ فيهم اسم محمّد إِلَّا رُزِقُوا، أو رُزقَ خيرًا (٣). حديث: قوله ﷺ :"تَسَمَّوا بِاسمِي وَلَا تَكَنَّوا بِكُنيَتِي" خرَّجه مسلم (٤)، وغيره (٥)، فقال فيه:" فإنّما بُعِثتُ قاسِمًا بينكم" (٦). قال الإمام (٧): ذهب جماعة من أهل العلم بالحديث. والأصول أنّ هذا مقصورٌ على حياة النّبيِّ ﷺ ؛ لأنّه قد ذَكَرَ سببَ الحديث؛ أنّ رجلًا نادى: يا أبا القاسم، فالتفت النّبيُّ ﷺ ، فقال: لم أعنك، إنّما دَعَوْتُ فلانًا، فقال له النّبيُّ ﷺ : "تَسَمَّوا بِاسمِي وَلَا تَكَنَّوا بِكُنيَتِي" (٨). وقد أجاز مالك أنّ يُسَمَّى الرَّجُل محمدًا ويكنَّى بأبي القاسم (٩). وقد كان محمّد بن أبي بكر جَمَعَ الأمرين: الكُنية والاسم، وجماعة من المحمّدين، ولم ينكَر ذلك عليهم.

стр. 3855

ما جاء في الحِجَامة واجارة الحجَّام قال الإمام: ذكر مالك في هذا الباب حديث أنس بن مالك (١)؛ أنّه قال: احْتَجَمَ رسولُ الله ﷺ ، حَجَمَهُ أبو طَيبَةَ، فأمرَ له رسولُ الله بِصاعٍ من تَمْرٍ، وأمر أهله أنّ يخَفّفُوا عنه من خَرَاجِهِ. الإسناد: قال الإمام: الحديث صحيح، وقد خرَّجه الأيمّة مسلم (٢) والتّرمذي (٣) وغيره (٤). قال الإمام (٥): واسم أبي طيبة نافع. وقيل: دينار. وقيل: مَيسَرَةُ مولَى محيصة. فالأحاديث صحيحة، متّفَقٌ على صحّتها ومَتْنها. وفي الحديث الغريب؛ أنّ رسول الله ﷺ حدث عن ليلةِ أُسرِيَ به أنّه لم يَمُرَّ على ملإٍ من الملائكة إِلَّا قالوا له: مُر أُمَّتَكَ بالحِجَامَةِ" (٦). وفي الحديث؛ قال ﷺ : "نِعمَ العَبدُ الحَجَّامُ، يُذهِبُ الدِّم، وُيخِفُّ الصُّلبَ ويَجلُو عن البَصَر" (٧). وإن رسول الله امتثل هذا واحتجم وأعطاه أجرته من غير شرط (٨)، وأنّه
следующие страницы →