← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الكلام في إثبات الجنِّ والشّياطين قال علماؤنا من أهل الأصول: اعلموا أنَّ اللهَ تعالى جعل في النَّبيِّ ﷺ قوة يميِّزُ بها الشّياطين في الهواء؛ لأنّ الشّياطين أجسامٌ لطيفةٌ تتشبَّثُ بالهواء، كما أنّا نُدرِكُ في الهواءِ الشيءَ الّذي لا يتميَّز ولا يتبيَّن لنا إلَّا عند دخول الشَّمس في البيوت من الكُوَى. وقال آخَرونَ: إنّ الله تعالى قَوَّى أبصارَ الأنبياءِ ﵈ على تَمْيِيزِ أشخاصِ الشّياطين، كما جعلَ في النَّبيِّ ﷺ قوة لطيفة كان يرى بها من وراء ظهرهِ، كما يرى بها من أَمَامِه. وكذلك جُعِلَت أيضًا في يده قوة لطيفة قَدرَ بها على أَخْذِ الشّياطين، وقد أخذَ الشّيطانَ ورَبَطَه، كما قال ﵇: "لولاَ أنِّي ذكرتُ دعوةَ أخِي سليمان: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (١) لَوَجَدْتُمُوهُ مربوطًا بأَحَدِ سَوَارِي المسجد" (٢). وقال أهلُ الحديثِ: يجوزُ أنّ تراه أنتَ، ومَنْ معك لا يراه، واعْتَلُّوا بالحديث الّذي رواه أَيُّوب؛ أنّه قال؛ جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله، إنِّي رأيتُ كالهرة، فقال له: "ذلك مِنَ الجِنِّ" (٣)، وقد كانتِ الجنُّ تُرَى في عهد سليمان بن داود ﷺ ويكلِّمون النّاس، ثمّ إنّ اللهَ حَجَبَهُم. وقالت الكفَرةُ من الأطبّاء: محالٌ أنّ يكون شيءٌ إلَّا ما أَدْرَكَهُ الحسُّ والعيانُ, وما لم يُدْرِكهُ الحسُّ والعيانُ فباطلٌ، إنّما هي الْمِرَّةُ (٤) السّوداء تهيجُ على الإنسانِ، فيذهب عقله وتتخيّل له الأوهام الكاذبة (٥).

стр. 422

وقالت فرقةٌ من المعتزلة: إنّه لا يُرى بوجهِ ولا على حالٍ، لقوله: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (١) الآية، وقالوا: إنّ الأبصار لا تدركُ غيرَ الألوانِ. وقالوا: إنَّه ليس تدركُ العينُ ما ليس بلونٍ، فلو كان لها ألوانٌ لأدرَكَها النَّاس كلّهم إدراكًا واحدًا (٢). قال الإمام الحافظ: وهذا باطلٌ، والخوضُ معهم ضلالٌ؛ لأنّ الآثار والقرآن قد تواتر بذلك كلِّه، والله أعلم. الكلام في النّفس والرُّوح من قوله: "إنَّ الله قبضَ أرواحَنا" وقولُ بلال: "أخذَ بنفسي الّذي أخذ بنفسك يا رسول الله " قال الإمام الحافظ ﵁: أمَّا القول في الرُّوح، فالإمساكُ عنه أقرب إلى التَّخلُّص، وإنّما خُضْنَا فيه كما خاضَ أوائلُنا. والأظهرُ فيه أحد وجهين: ١ - إمّا أنّ يكون عَرَضًا، كما قال القاضي أبو بكر بن الطَّيِّب (٣) والإسفراينيون (٤). ٢ - وإمّا أنّ يكون جسْمًا لطيفًا مشابِكًا للأجسامِ المحسوسة، كما اختاره أبو المعالي (٥).

стр. 423

قال الشّيخُ أبو الحسن (١): إنَّه النَّفسُ الدّاخلُ والخارجُ. وقال القاضي: هو الحياةُ، وهو عَرَضٌ. وقال الطُّوسي أبو حامد (٢): هو من عَالَمِ الأمر ليس بمخلوقٍ. ولكلِّ واحدٍ في مَنْزَعِهِ هذا وجهٌ يتعلَّق به، يطول الكلام بذِكْرِهِ, ويخرج الكتاب عن مقصده بالتَّعَرُّضِ لشرحه (٣). والَّذي يليقُ بما نحن فيه؛ أنَّ من قال: إنّه النّفسِ، ورأى أنّ قِوَامَ الجسم بالتَّردُّد فيه من دخولي وخروح، فعبَّرَ عنه به. والَّذي قال: إنَّه عَرَضٌ، بناه على أنَّ العَرَضَ هو الموجود بالجسم المتردِّد فيه الّذي بناه الجسم، فإنّ الله لا يخلُقُ شيئًا منه. والذي قال: إنَّه جسمٌ مُشَابِكٌ، تعلَّق بظواهر الآثار" وما وُصِفَت به الرُّوح من الأفعال الّتي حقيقتها في الأجسام لا في الأعراض، فحفظَ للظواهرِ حقيقتها، وكلُّ ذلك عندي جائزٌ. وأمّا الّذي ذهب إليه الطُّوسي أبو حامد، فهي عبارةٌ فلسفيّةٌ، وهي عن سبيل الشَّرْعِ قَصِيَّةٌ، وقد حام على الكلام عليها في أكثر كُتُبه فقال: إنَّه من عالَمِ الأمر، ولله عَالَمَانِ: عالَمُ الخَلْقِ وعالَمُ الأمر. وعالَمُ الأمر: هو ما لا كميَّةَ له، وعالَمُ الخَلْقِ: هو ما له كميّة ومقدار. وهذا قولٌ غير مخلص؛ لأنّ الّذي لا كمية له شيئان: أحدُهما: اللهُ سبحانه، ونَفْيُ الكميّة والمقدار عنه تقديس.

стр. 424

والثّاني: العَرَضُ لا كميَّةَ له، ونفيُ الكمية عنه تحقيقٌ، فإنْ أراد به العَرَض - كما قال القاضي- فلم يدخل في هذا. مزيد إيضاح: فإن قيل: فما معنى الرُّوح عندكم؟ وهذه التسّمية على ما تَقَعُ؟ قلنا: قد تقعُ على أشياء، منها: الرُّوح بمعنى الحياة الموجودة بنفس. ومنها: الروح بمعنى النَّفس المتردِّد في الأجسام الباردة والحارة. وقد قيل: إنَّه جبريل. وقد قيل: إنَّه مَلَكٌ عظيمٌ ليس في الملائكة أعظم منه. نكتةٌ لغويّةٌ: وأمّا موقعه في اللّغة وأصله؛ فإنّه مأخوذٌ من الانْبِسَاطِ. ومنه قولُهم: رجلٌ أَرْوَح، إذا كان صدر قَدَمَيه منبسطًا. ومنه قولُ العرب: قَدَمُ فلانٍ رَوْحًا، يعنون منبسطة. تنبيه على مقصد: قال أبو الحجّاج الكفيف (١) في معنى قوله ﷺ : "إنَّ اللهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا" فقال: إنَّ ذلك يرجعُ إلى قبضِ العلومِ والإدراكاتِ بترك تجديدها على الذّوات، وسميت روحًا لأنّ الحيَّ بها يصحُّ له التَّصرُّف والانبساط.

стр. 425

وقال: وقد رأيتُ لابن فُورَك في "مشكل القرآن" أنّ الرُّوحَ رقيقٌ هوائي من جنسِ الرِّيح مُتَردِّدٌّ في جوانب الإنسان (١). وقال قوم: إنّ الرُّوح عَرَضٌ، وهو خطأٌ من قائله. قلنا: وليس الرُّوح بَعَرَضٍ؛ لأنّه هو الّذي يديرُ الجسمَ ويقيمُه، والجسمُ جوهرٌ، والعَرَضُ لا يُديرُ الجوهرَ ولا يُقِيمُه، فالنَّفسُ جوهرٌ على هذا القولِ، ومحالٌ أنّ تديرَ الأعراضُ الجواهرَ؛ لأنّ الجواهرَ هي الّتي تديرُ الأعراضَ، فالنَّفسُ والرُّوحُ إذاَ جوهرٌ وليستَا بعَرَضٍ. وقال قومٌ: إنّ الرُّوح هو الدَّم، وليس هذا القول بشيءٍ؛ إذ نجد كثيرًا من الحيوان ليس فيه دَمٌ، وهذا القولُ هو قوله مُعْظَمِ الأطبّاءِ. تنبيه على أصل: قال: واحتجَّ قومٌ بأن الرُّوحَ غير معلومة، بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية (٢). فهذا قدِ احتجَّ بأصلٍ؛ لأنّ ما يردُّ من ظواهر القرآن يجب حملُه على ما يوافقُ أدلَّةَ العقولِ. وقد اختلف النّاسُ في منحى اليهود عن السُّؤال بهذا اللّفظ على خمسة أقوال: القولُ الأوّل: أنّ الرُّوح هو جبريل ﵇ (٣)، وهو عدوّ اليهود من الملائكة. فقيل: إنّهم سألوا عن عظيم أَمْرِه، لِمَا ورد فيه من الآثار بأنّ أحد جنَاحَيّه بالمشرق والآخر بالمغرب، فقال الله سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية، يعني بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ كبَرَ جَسَدِهِ وعِظَمَ جِسْمِهِ، وَترَدُّدِهِ وصعوله بأمر الله في اليسير من الزّمان. وإذا كان ذلك كذلك، لم يكن في الآية دليل على أنّ الرُّوح غير معلوم.

стр. 426

القولُ الثّاني- قيل: إنّ الرُّوح مَلَك عظيمُ الْخْلْقَةِ، يعادلُ وحدَهُ جميعَ الملائكةِ في المقدارِ، ويساويهم يوم القيامة (١)، وهو المراد في أحد التأويلات بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ الآية (٢)، المعنى: الرُّوحُ صفًا، والملائكةُ صفًا. القول الثالث - قيل: إنّه روحُ الإنسانِ المختصّةِ بجَسَدِه. والقولُ الرّابع - قيل: إنّهم سألوهُ عن كيفيةِ الرُّوحِ في الجَسَدِ ومجراه فيه، وعن حقيقته، وعن مكانه من الحياة في الجسد. وهذا أمر لا يعلمه إلَّا علّام الغيوب، فلم يأتهم بذلك ولا أجابهم عليه. وقد قال علماؤنا: إنّ هذا من أحد معجزاتِ الرَّسول صلّى الله عليه؛ لأنّه في التوراة أنَّه لا يُجيبُهُم عن الرُّوح، فإنْ أجابهم في ذلك بشيء فليس بنبيٍّ. القولُ الخامس - قيل: إنّهم سألوه عن عيسى ﵇؛ لأنّه قد سمَّاهُ اللهُ روحًا، وهو من أسمائه في "التّوراة" و "الإنجيل". وهذا ما انتهى إلينا من الكلام فيه عن العلماء في كيفية منحى اليهود في سؤالهم ذلك. حقيقة (٣): قال الإمامُ الحافظُ القاضي أبو بكر بن العربي ﵁: قال علماؤنا في قوله ﵇: "إِنَّ اللهَ قبضَ أرواحَنَا" هذا دليلٌ على أنّ الرُّوح يُقْبَضُ في الحياة ثم يعود. وقوله عن بلال: "أَخَذَ بنفسي في الَّذِي أخذَ بنفسِكَ" دليلٌ على أنّ الرُّوح النَّفْس شيءٌ واحدٌ (٤).

стр. 427

واعلموا أنّ مسألةَ الرُّوحِ والنَّفْسِ ليس لها في الشريعة نصٌّ صريحٌ، وإنّما كلامُها فيها تلويحٌ، حَجَبَهَا اللهُ عن الخَلْقِ بالغَيْب. وهي مسألةٌ عَسُرَت على الْخَلْقِ، وأشكلَ فيها وجه الحقِّ، فعَظُمَ لذلك فيها التّأليف، ولم يَفُزْ أحدٌ فيها بتمييزٍ ولا تعريف (١). قال أبو المعالي الجُوَيْنِيُّ إمامُ الحرمينِ: اعلموا أنّ البارئ سبحانه أراد أنّ يعجز الخلْقَ بأن حجبَ عنهم معرفة موجودٍ اشتملت عليه أُهَبُهُم، فكيف يجهل أحدٌ حقيقةَ ما في إهابه ثم تستطيل به دعواهُ إلى معرفة ربِّهِ، وهو لا يقدِرُ أنّ ينكِرَهَا لظهورِ أفعالِها, ولا يستطيعُ معرفةَ حقيقتِها لخفائِها, ولله الْمَثَلُ الأعلَى لا يقدرُ أحدٌ أنّ يُنكِرَ أفعالَه، ولا يستطيعُ أحدٌ معرفةَ حقيقتِه لعِظَم مِقْدارِه. وعن هذا عبَّرَ بعض أهل الزُّهد فقال: لا يعرفُ الله بالحقيقة إلَّا الله، وغاية الَعبد أنّ يقول في ذلك معترفًا مُقِرًّا بالتّقصير، متعلِّقًا بأذيال المعاذيرِ، بَعْدَ بَذْلِ الوُسْعِ بالْجدِّ والتَّشميرِ: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ الآية (٢). فصلٌ من كلام المتصوِّفة والباطنيّة في الرُّوح ما هو قال الشّيخ - قدَّس الله روحَهُ ونَوَّرَ ضريحه -: اعلموا أنّ الرُّوح سرٌّ باطنٌ موصوفٌ بصفاته، معلومٌ بأفعاله وأسمائه، ولا يكيِّفُه العقل ولا يحيط به العِلْم، يحدُّه الإنسان ولا يُكَيِّفُهُ، ولا يُحيطُ عِلْمًا به. جعلَهُ اللهُ ﷻ في هذه العاجلةِ دليلًا وآيةً على الإيمانِ به، وليس الإيمانُ صفةَ إحاطةٍ ولا تكييفٍ. ولذلك يؤمن الرُّوح بما هو أعلى منه

стр. 428

من غير تكييفٍ ولا إحاطةٍ. والإيمانُ وجودُه عن صفاتِ الله سبحانه، وهو نورٌ من نُورِهِ. والرُّوح عبدٌ رُوحَانيٌّ وأمرٌ ربانيٌّ ونفسٌ جِسمانيٌّ، حبَسَهُ الله ﷻ في الجسمِ ابتلاءً له، وأسكَنَهُ في جِوارِه، وأجرَى عليه محنته، فواقَعَ المكروهَ بواسطة الجسم، فعاقَبَهُ على ذلك بأنْ أَهْبَطَه إلى الأرض كُرْهًا لا اختيارًا منه لذلك، بل جعلَ ذلك سِجْنًا وشَقَاءً. ثمّ أَوْرَثَهُ ذلك نبيَّه ﷺ من بَعْدِهِ. فلئن كان عبدًا مفطورًا، ابتلاهُ وعافاهُ، وأَمَرَهُ ونهاهُ، ونَعِّمَهُ أو عذبَه. ولئن كان جسمانيًا، افتقر إلى الغذاء الجِسمانيِّ، وإلى أنّ يكون محمولًا في جِسْمٍ، وإلى أنّ يَأْلَم بالموت في خروجه عن جَسَدِهِ الّذي رُكِّبَ فيه. ولئن كان عن أَمْرِ ربِّنا ﷻ ، كان باقيًا، ولم يُوصَف بالموت لأجل ذلك؛ لأنّه لم يكن عن حقيقة عين التّراب، ثم يرجع إلى التراب ليأكله. ولَمَّا لم يُوصَف ما كان عنه بالموت، لم يرجع إلى الموت، وإنّما الموتُ مفارقته لجَسَدِه، وموتُ الجَسَدِ هو خلُوُّهُ منه وبقاؤه دونَهُ، والجَسَدُ هو الميَّتُ، والروحُ هو الحيُّ الباقي، فالجسمُ موصوفٌ بالموتِ حتّى يَحْيَى بالرُّوحِ، وموتُه مفارقةُ الرُّوح إياه، فهذا فارقَ الحيُّ الميِّتَ - أعني هذا العبد الرُّوحانيّ الجسم صعدَ به، فإنْ كان مؤمنًا فُتحت له أبواب السّماء حتّى يصعد إلى ربِّه ﷻ ، فيُؤْمَر بالسُّجود فيسجد، ثمّ تجعل حقيقته النّفسانية تعمر السُّفلي من قبره إلى حيث شاء الله من الجوّ. وحقيقتُه الرُّوحانية تعمر العُلُوَّ من السّماء الدّنيا إلى السّماء السّابعة في سرورٍ ونعيم؛ قال الله : ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ الآية (١). وقد قرئ بضم الرّاء (٢)، أي: فحياة دائمة. والرَّوْحُ بفتح الرّاء: حالُ الرُّوح في الحبور والسّرور؛ لذلك لَقِيَ رسولُ الله ﷺ موسى ﵇ قائمًا في قبره يُصَلِّي (٣)، وإبراهيم تحت الشّجرة قبل صعوده إلى السّماء الدّنيا في طريقه إلى بيت المقْدِس، ولَقِيَهُما في صعوده إلى السّماوات العُلَى. فتلك أرواحُهما، وهذه نفوسُهُما وأجسادُهما في قبورهما. وإن كان الميَّتُ شقيًّا، لم تُفْتَح له أبواب السّماء، فيُرْمَى من علوَّ إلى

стр. 429

سفلِ، إلى أسفل سافلين، في شقاءٍ وعذابٍ إلى يوم الدِّين، نعوذُ بالله من ذلك الشَّقاء وسوء ما سبقت به المقادير. فصل في الكلام في النَّفس وقول (١) بلال ﵁: "يَا رَسُولَ اللهِ، أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ" يعني من النّوم، فذلك ضربٌ من الاحتجاج لطيفٌ، كأنّه يقول: إذا كنت أنت في منزلتك من الله قد غَلَبَتْكَ عينك وقُبِضَت نفسك، فأنا أَحْرَى بذلك. ودخلَ النّبيُّ ﷺ على عليّ بن أبي طالب ﵁ وفاطمة وهما نائمان؛ فقال: "ألا تُصَلُّونَ؟ " فقال عليّ: يا رسولَ الله، إنَّما أنْفُسُنَا بيَدِ الله، فإذا أراد أنّ يبعثَنَا بَعَثنَا، فانصرت رسولُ الله وهو يقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (٢) هذا مطابقٌ لقول بلال ﵁. فإن قيل: فما معنى النَّفس عندكم؟ وما المفهوم من إطلاقه في مُوجبِ اللِّسان؟ الجواب عن ذلك- قيل: هذه لفظةٌ مُشْتَركَةٌ عن عينِ الشَّيء ونَفْسِهِ وذَاتِهِ، من قولهم: هذا مالُ زيدٍ نفسُه وذاتُه وعينُه. وقيل: هو مأخوذ من النفس، وهو ظهورُ الشّيء؛ ولهذا يقولون في المرأة: نُفَسَاء، لظُهورِ دَمِها (٣). تلفيق (٤): قال الأستاذ أبو المظفر الإسفرايينيُّ: قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الآية (٥). فأخبرَ تعالى أنّه يتوفّاها في الموضعين، وقال تعالى في مَوْضِعٍ آخر: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ

стр. 430

﴿مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ الآية (١)، وقال تعالى في موضع ثالثٍ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ الآية (٢). ووجهُ الجمع في ذلك: هو أنّ الله تعالى هو الفاعلُ الأوَّلُ للكُلِّ. جعلَ إلى مَلَكِ الموتِ جزءًا مِنْ أفعالِهِ، وهو قَبْضُ الأرواحِ، قَرَنَ به جنودًا من ملائكَتِهِ، وأوحَى إليهم أنّ يتصرَّفُوا بأمْرِهِ. فإذا أَمَرَ اللهُ الْمَلَكَ، بادرَ إلى أمرِهِ أعوانُه وتولَّوا حينئذٍ أمرَ ربَّهِم. فإذا نَسَبْتَهُ إلى الأوّل في الحقيقة؛ قلت: إنّ الله قبضَ أرواحَنَا. وإذا نَسَبتَهُ إلى الواسطة؛ قُلتَ: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ الآية (٣). وإذا نَسَبْتَهُ للمباشِرِينَ للفِعْلِ؛ قُلتَ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ الآية (٤). وانتظَمَتْ تلك (٣) الآياتُ الثلاثُ المُختَلِفَاتُ في الظّاهِرِ في سِلْكِ الانتظامِ الواحدِ.

стр. 431

بابُ النَّهي عن الصّلاة بالهاجرة مالكٌ (١)، عن زيدِ بنِ أَسْلَمَ، عن عطاءِ بنِ يَسَار؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ شِدَّةَ الْحَرَّ من فَيحِ جَهَنَّمَ ... ". وقد أَسْنَدَ مالكٌ هذا الحديثَ (٢)، وهذا الحديثُ من مَرَاسِل عَطَاء الّتي تكلّم النّاسُ فيها. قال الشّيخ أبو عمر (٣) ﵁: "هذا حديثٌ صحيحٌ عند أهل العلمِ بالنَّقلِ". والكلامُ على هذا الحديث يشتملُ على فصلين: الفصلُ الأوّلُ في شَرْحِهِ وفيه ثلاث فوائد: الفائدة الأولى (٤): قوله: "إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فيحِ جَهَنَّم" الفَيْحُ: سطوعُ الحرِّ وشدَّة القيظِ، قاله صاحب "العين" (٥). قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي (٦): هذا وقتٌ أنشأتْهُ الحاجةُ، ورَخَّصَتْ فيه الشّريعةُ؛ رَفعًا للمشقَّةِ، وليس له تحديدٌ في الشّريعة إلَّا ما وَرَدَ في الحديثِ، حديث ابن مسعودٍ ﵁؛ أنّ رسولَ الله ﷺ كان يُصَلِّي الظُّهرَ في الصَّيْفِ من الثَّلاثةِ

стр. 432

أقدامٍ إلى أربعةِ أقدامٍ. وفي الشِّتاءِ من خَمْسَةِ اقدامٍ إلى سِتَّةِ أقدام. وذلكَ بعد طَرْحِ ظِلِّ الزَّوالِ (١). أمّا إنَّه قد ورَدَت فيه إشارةٌ واحدةٌ، وهوَ الحديثُ: "كُنَّا نُصَلِّي الجمعةَ وليس للحِيطَانِ ظِلٌّ" (٢) فلعلَّ الإبرادَ كان وَقْتَ ما يكونُ للجدارِ ظِلٌّ يأوي إليه المُجْتَازُ، وهو وقتٌ يختصُّ بالجماعةِ. فأمّا الفَذُّ فليس له إلَّا وقتٌ واحدٌ، وهو (٣) يختصُّ بصلاةِ الهاجِرَةِ ليس للعصر فيه حظٌّ، فلا يُلْتَفَتُ إلى ما اختلَفَ فيه ابنُ القاسِم وأَشْهَبُ بأنّ مع العصر ابرادٌ. فأمّا (٤) ابنُ القاسم فَحَكَى عن مالكٌ (٥)؛ أنّها تُصَلَّى إذا فَاءَ الفيءُ ذراعًا، في الشَّتاءِ والصَّيفِ، للجماعة والمُنْفرِدِ، وهذا على كتابِ عمر (٦). وقال أَشْهَبُ وابنُ عبدِ الْحَكَمِ (٧): إنّ معنى كتَاب عمر هو لسائرِ الجماعاتِ، وأمّا الفَذُّ، فأوَّلُ الوَقْتِ أَوْلَى به، وهو في سَعَةِ الوقتِ كلِّه، وإلى هذا مالَ فقهاءُ المالكيّةِ من البغداديِّين (٨). قال الإمام القاضي أبو الوليد الباجي (٩) ﵁: "فإذا ثبتَ هذا، فهل يُبْرَدَ بصلاة العصر أم لا؟ فعلى قولين: القولُ الأوَّل - قال أَشْهَبُ: أحبُّ إليَّ أنّ يزيدَ المصلِّي ذِرَاعًا على القَامَةِ، ولا سِيَّمَا في الحرِّ (١٠).

стр. 433

القولُ الثاني- قال ابنُ حبيبٍ: وقتُها واحدٌ تُعَجَّلُ ولا تُؤَخَّرُ، إلَّا في الجمعة فإنّه يُعَجَّلُ بها أكثر من سائرِ الأيامِ (١) ". شرح (٢): أمرَ رسولُ الله ﷺ بالإبراد، وعَلَّلَ ذلك بأنَّ شدَّةَ الحرِّ من فَيْحِ جهنَّم، ولم يَأْمُر بتأخير الصّلاة في شدَّةِ البردِ، فلا يتعلَّق به حُكْم التّأخير. والأصلُ في ذلك: ما رواه أَبُو خَلْدَةَ، عن أنس؛ قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا اشْتَدَّ البَرْدُ بَكَّرَ بالصَّلاةِ، وإذا اشْتَدَّ الحرُّ أبردَ بها (٣). ومن جهة المعنى: أنّه لا رِفْقَ بتأخيرها، بل الرِّفق بتقديمها؛ لأنّ بتأخير البرد رُبَّمَا تمكَّنَ العَشِىُّ وقَرُبَ اللَّيلُ. فائدة لغوية (٤): قولُه ﷺ : "أبْرِدُوا عنِ الصَّلاة". قال الإمام الحافظ ﵁: هذا كلامٌ قَلِقٌ في الظَّاهر، ونظامُه الْبَيِّنُ: أبرِدُوا الصّلاةَ. يقالُ: أبردَ الرَّجلُ، إذا دَخَلَ في زمانِ البَرْدِ أو مَكَانهُ، ولكنَّه مجازٌ عبّرَ فيه بأحد أسبابِ المجازِ وهو التّسْبِيبُ، حَسَبَ ما بيّنّاه في أصول الفقه (٥)، فكنّى عن الشّيء بثَمَرَته وهو التأخيرُ، فكأنّه قال: أبْرِدُوا عن الصّلاة؛ صيانةً لها عن أنّ يُنَاطَ بها التّأخيرُ لفظًا، فكيف فعلًا! وقد قال النّبيُّ ﷺ لِعُمَرَ: "أَخِّرْ عَنِّي أنتَ يَا عُمَرُ" (٦) يعني نَفْسَكَ.

стр. 434

الفائدة الثّانية: قال الشّيخ أبو عمر (١) ﵁: "الإبرادُ بالصّلاة هو تأخيرُها عن أوَّلِ وَقْتِها، حتّى يزولَ سَمُومُ الشّمسِ بالهاجرةِ؛ لأنّ الوقتَ فيه سَعَة. وقد اختلَفَ العلماءُ في هذا المعنَى، فالمحصولُ من مذهبِ مالكٍ (٢)، أنّ يُبْرَد بالظُّهر وَتُؤَخَّرَ في شِدْةِ الحَرِّ، وسائرُ الصّلواتِ تُصَلَّى في أوَّل الوقتِ. قال أبو الفَرَجِ: اختارَ مالكٌ لجميعِ الصّلواتِ أوَّلَ أوقاتِها، إلَّا الظُّهرَ في شدَّةِ الحَرِّ؛ لقوله ﷺ : "إذا اشتَدَّ الحَرُّ فأَبردُوا عن الصّلاةِ": الفصلُ الثّاني في حظِّ الأصول قولُه (٣): "اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا" في هذا الفصل فوائد: الفائدة الأولى: في هذا الحديث دليلٌ بأنّ النَّارَ مخلوقةٌ (٤)، ردًّا على من قال: إنّها لم تُخْلَق وإنّما تُخْلقُ وقتَ الحاجةِ إليها. الفائدة الثانية (٥): قولُه: "اشتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّها" اختلف النَّاسُ ههنا، هل هي هذه الشَّكْوَى حقيقةٌ بكلامٍ؟ أم هي مجازٌ عَبَّرَ فيها بلسانِ الحالِ عن لسانِ المقالِ، كما قال الرّاجزُ (٦): يَشْكُو إِلَىَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى

стр. 435

وفي الحديثِ الصّحيح؛ أنّه قال: "من كَذَبَ عَلَىَّ مُتعمِّدًا فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ من النَّارِ" (١) وفي حديث آخر: "فَليَتَبَوَّأ بينَ عَينَي جَهَنَّمَ مَقعَدّهُ من النّار"، قالوا يا رسول الله: أو لِجَهَنَّمَ عَينَانِ؟ قال: "أَمَا سَمِعتُم الله يقول: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ الآية (٢) " (٣). وفي الخبر الصّحيح عن يوم القيامة؛ أنّه قال: "يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ فَيَلْتَقِطُ - أو قال يَلْقُطُ - الكُفَّارَ لَقْطَ الطَّائِرِ حَبَّ السِّمْسِمِ" (٤). يعني: يَفصِلُهُم عن الخَلْقِ في المعرفَةِ كما يَفصِلُ الطَّائرُ حَبَّ السِّمْسِمِ عن التُّربَةِ. وليسَ مَن شروط الكَلامِ عندنا والعِلْمِ في القيامِ بالجِسْمِ إلَّا الحياةُ، فأمّا الهيئةُ واللّسانُ والْبُلَّة (٥) فليسَ من شُروطِ الكلامِ، وليس أيضًا من شُروطِ الحياةِ، فالجسمُ وُجُودُ هَيئَةٍ ولا بُلَّةٍ. وسمعتُ شيخَنا الفِهرِيَّ الطّرطوشيّ (٦) يقولُ: أمّا قوله: "اشْتَكَتِ النَّارُ إِلى رَبِّهَا" الحديث، إذا قلنا: إنّه حقيقةٌ، فليسَ يحتاجُ إلى أكثرَ من وجودِ الكلامِ في الجِسمِ. وأمّا قولُه: "تحَاجْتِ النارُ والجنةُ" (٧) فلابدَّ من وُجودِ العِلم مع الكلام؛ لأنّ المُحَاجَّةَ تقتضِي التَّفَطُّنَ لوجهِ الدَّلالة. وقال لنا الإمام أبو سعيد الشّهيد الزّنجانيّ (٨): ألا تَرَى إلى قول الهُدْهُدِ: ﴿وَجَدْتُهَا

стр. 436

وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ﴾ الآية (١)، فلم يُدْرِك حديثَ الشّمسِ، وزَخرَفَةَ الشّيطانِ، وصُدُوفَ الخَلقِ عن الحقِّ، ووجودَ الإلَهِ ومعرِفَتهُ بالخَفِيَّاتِ، واستواءَهُ على العرشِ العظيمِ إلَّا بالعِلمِ، وهذا هو التّوحيدُ كلُّه. وقال الشّيخ أبو عمر بن عبد البرّ (٢): "قوله: "اشتَكَتِ النَّارُ إلَى رَبِّهَا" الحديث، إنّ ذلك على المَجَازِ، وقيلَ: على الحقيقةِ" (٣) وهذا القولُ يَعضُدُهُ عُمومُ الخِطَابِ. الفائدة الثالثة (٤): قولُه (٥): "فَأَذِنَ له بنَفَسَينِ في كلِّ عَامٍ" إشارةٌ إلى أنّها مُطبَقَةٌ مُحَاطٌ عليها بجِسمٍ يَكتَنِفُها من جميعِ نواحِيهَا، لم يُتَصَوَّر لاضطرابها أنّ يَشُقَّهُ، كما يفعَلُ كلُّ دَأبٍ في مُجَوَّف، حتّى النّباتُ في الصَّخرةِ المَلسَاءِ. وكانت الحكمةُ في التَّنفُّسِ عنها إعلامَ الخَلْقِ بأُنمُوذجٍ منها، فأشَدُّ ما يُوجَدُ من الحرِّ فَمِن حرِّها، وأشدُّ ما يوجَدُ من البَرْدِ فَمِن بَرْدِها.

стр. 437

تنبيه على مقصد: فإن قيل: وهل في النّار بَرْدٌ؟ قلنا: هي دارُ عذابٍ، وعذابُ الأبدانِ ابتلاؤُها بما لا يلائمُها، والحَرُّ عند الإفراط يمزقُ الجِلدَ كما يُمَزِّقُهُ البردُ، ولهذا سَمَّتِ الأطبّاءُ نَبَاتًا يَقطَعُ اللَّحْمَ: النّارَ البارِدَ، وعَبَّرَ عن نَوْعَيِ العذابِ بأَحَدِهِمَا كما تفعَلُه العربُ. وقال بعضُهم: لا ينكرُ أنّ يكونَ في جهنَّمَ بردٌ وحرٌ مجتمعانِ، فإنّ الله قد ذَكَرَ في القرآنِ ما يؤيِّدُ هذا، ألا ترى قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ الآية (١)، وقوله: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ (٢) فدلَّ بذلك أنَّ في جهنّم النّبات والحيوان، والحرّ والبرد. وقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ الآية (٣). نكتَةٌ: قال بعضُ العلماء الباطنيّة: ولمّا كان نزولُ "الإنجيل" وحلولُ "التّوراة" بموضعِ من الأرض الغالب على ذلك القطر هو الحرّ، كان الغالبُ في الإنذارِ هنالكَ التّهدّد بالنّار والسَّعِيرِ وتوابع ذلك؛ لأنّه أعقل لذلك الخطاب وأفهم، لكثرة تعذيبهم بالحرِّ ومقاساتهم حرّ سَمُومِهَا. وإنّما يدافعون ذلك بالبردِ وإراقةِ المياهِ، حتّى ظهرَ ذلك في أدعيتهِم، فقالوا: أَقَرَّ الله عينك، وبَرَّدَ ضريحَك، وأَثْلَجَ بِبَرَدِ اليقينِ صدرَك، وسَقَى معهدك ماء الغوادي وسحاب المُزن، ونحو هذا. وقد جاء في الكتاب الّذي يذكر أنّه "الإنجيل": مُكَرّرًا: "اقذفوا بهذا العبد السُّوء في الظُّلمات السُّفْلَى حيثُ يطولُ العويلُ وقلقلة الأضراس" (٤) وهذه عبارة عن البرد، وإنّما ذلك لأجل ذلك القطر الّذي سكن أولئك الّذين بعثَ اللهُ إليهم عيسى ﵇

стр. 438

ليعذبهم في الدُّنيا بالبرد في قُطرِهِم ذلك. وكانوا يدافعونه بالحرِّ ويستجيرون به من إذايته، بضدِّ حال أهل القطر المنزل فيه القرآن. وإنّما كان التّبليغ على هذا التّقسيم؛ لِحكمَةٍ بالغةٍ في ذلك، ليكون ذلك أَهْيَبَ في نفوسهم، وأوجعَ لسَوْطِ الخَوفِ في قلوبِهِم، وأجلبَ لفرَقِهِم وجَزَعِهِم، وأشدَّ تحريكًا لِبَوَاطِنِهِم إلى الهرب من الوعد الوارد عليهم. وهنا يتبيَّن فضل رحمته بأن جهنّم خلَقَها ﷻ من سوط رحمته، ليسوق عباده بالهرب منها إلى جنَّتِه. تتميم: قال الشّيخُ -أيَّدهُ اللهُ-: فجملةُ الكلام في العالَمِ؛ بأنّ الدّنيا نبذةٌ من الآخرة وقطعةٌ منها، فانشرحَت بذلك فوائدُ معانِيها، وتشابهت فنونُها، وأَشكَلَت صُوَرها بشَكلٍ مشكلٍ من صفاتها، حتّى ما ينقلبَ متقلبٌ، ولا يسكنَ ساكنٌ، ولا يَتنفَّسَ متنفِّسٌ، إلَّا بينَ الجنَّةِ والنَّارِ في معنّى من معانِيها, لكن بالتزوُّج لا بالانفرادِ، وبالقِلَّة لا بالكَثرَةِ. فنَعِيمُها آيةُ نَعِيمِ ما هنالِكَ، وشِفَاؤُها آيةُ شِفَاءِ ما هنالِكَ، قليلٌ بقليلٍ، وكثيرٌ بكثير. تكملةٌ في سَردِ الأحاديث: قوله (١): "إنّ النَّارَ اشتكتْ إلى ربِّها، فقالت: يَا رَبِّ! أَكَلَ بعضِي بعضًا، فأذِنَ لها بنَفَسَين في العام" الحديث. فأشدُّ ما تجدون من الحرِّ فمِنْ جهنَّم، وأشدُّ ما تجدون من البرد فَمِنَ الزَّمهَرِير (٢). وفي حديث آخر: "فَأذِنَ لها في كلِّ عامٍ بِنَفَسَينِ، فما وجدتُم من بَردٍ أو من زَمهَرِيرٍ فَمِن نَفَسِ جَهَنَّمَ" (٣).

стр. 439

تفسير: قال الماوردي (١) في قوله: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ (٢) أي أنّ الدّنيا دار عذابٍ، عذّبَ الخَلْق فيها بالبرد والحرِّ، فليس في الدُّنيا أحدٌ إلَّا وهو يجدُ من الحرِّ والبرد كثيرًا، فأخبرَهُم البارئ أنّ ليس في الجنَّة هذا النّوع من العذاب، بل هي دار نعيم لا عذابَ فيها، فقال ﷻ مُعلمًا لهم بذلك: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ وقال بعضهم (٣): إنّ الزَّمهَرِيرَ ههنا هو القمر، ولم أَرَهُ لأحدِ من المفسِّرين، ولا حكاه أحد غير الماوردي. واستشهد (٤) على ذلك بقول الشّاعر (٥): وليلةِ ظلامُها قدِ اعتَكَرْ ... قَطعتُها والزَّمهريرُ ما زهر وهذا بعيدٌ جدًّا. فإن قال قائل: أليس اللهُ تعالى قد جعلَ الشّمسَ والقمرَ في دار الدُّنيا للزّينِ والمنفعةِ، والجنَّة أَوْلَى أنّ يكون ذلك فيها؟ فأجاب بعضُ علمائنا عن ذلك بجوابين: أحدُهما: أنّ البارىءَ جَلَّت قُدْرَتُه لم يخْلُق الجنّة إلَّا رحمةً منه ولطفًا بعباده، فشَوَّقَهُم إليها بانواع من التّزيينات والشّهَوَاتِ، فأقلُّ قليلٍ من الجنَّة خيرٌ من الدّنيا وما فيها، كما قال ﷺ : "لموضعُ سوط في الجنَّة خيرٌ من الدُّنيا وما فيها" (٦).

стр. 440

الجواب الثاني: وذلك أنَّ الله تعالى لم يجعلهما في الجنَّة لئلّا يشقّ ذلك على أوليائه بأن يروا في داره معبودَينِ قد عُبِدَا من دون الله. فالبردُ نوعٌ من العذاب، والحرُّ كذلك أيضًا. وفي ذلك للدُّنيا وللعالَمِ صلاحٌ وحِكمَةٌ وتدبيرٌ، لا يعلمها إلَّا اللّطيفُ الخبيرُ. فائدة لغوية: قوله:"إنَّ جهنَّم اشتَكَت إلَى رَبِّهَا" فأمّا جهنَّم، فمأخوذة من الجهامة، ويظهرُ ذلك في قوله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (١) وفي قول مالِكِ خَازِنِ النَّارِ حكايةً عنه: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ (٢) وذلك بَعْدَ طُولِ نِدَائِهِم ثمانين سَنَة. تنبيهٌ على شرحِ: قولُه:؛ اشتَكتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فقالت: يا رَبِّ! أكلَ بعضي بعضًا الحديث (٣)، قال بعض علمائنا في خَلقِه النّار وعجائبها نكتة عجيبة فقال: "إنّ النّار خلقت على أربع: فنارٌ تأكلُ ولا تَشرَبُ. ونارٌ لا تأكلُ ولا تَشرَبُ. ونارٌ تشرَبُ ولا تأكُلُ. ونارٌ تأكُلُ وتشرَبُ (٤) ". شرح (٥): "فأمّا النّار الّتي تأكُلُ ولا تشرَبُ، فنارُ الدُّنيا. والنّارُ الّتي لا تأكُلُ ولا تَشرَبُ، فنارُ جهنَّم. والنّارُ الّتي تأكُلُ وتَشرَبُ، فالنّار الّتي خُلِقَت منها الملائكة. والنَّارُ الّتي تَشرَبُ ولا تأكُلُ، فالنّار الّتي خُلِقَت منها الشّمس، ومنها خُلِقَتِ الشّياطين".

стр. 441

وعن ابن عبّاس ﵁؛ أنّه قال: خَلَقَ اللهُ النَّارَ على أربعٍ: فنارٌ تأكلُ ولا تشرَب، ونارٌ تأكل وتشرب، ونارٌ تشرَبُ ولا تأكل، ونارٌ لا تأكل ولا تشرَب. فأمَّا النَّارُ الّتي تأكل ولا تشرَب، فناركم هذه تأكل ولا تشرَب، وكذلك نارُ جهنَّم تأكل ولا تشرَب. فنارُ جهنَّم تأكل لحومهم وعظامهم ولا تشرَب دموعهم ولا دماءهم ولا قَيحَهُم، يسيل ذلك إلى عين الخبال فيزدادون بذلك عذابًا. وأمّا النّار الّتي لا تأكل ولا تشرَب، فالنّارُ الّتي في الحجارة، وهي الّتي لا تأكل ولا تشرَب. وقيل: هي النَّارُ الّتي رفع اللهُ لموسى بن عمران ليلة المناجاة. وأمّا النّار الّتي تشرَب ولا تأكل، فالنّار الّتي في البحر. وسُئِلَ ابن عبّاس ﵄ عن هذه النّار، مِمَّ خُلِقَت؟ فقال: خُلقَتْ من نار جهنَّم، ولقد ضُرِبَت بالماء سبعين مرّة، ولولا ذلك ما انتفع بها الخلائق. ثم خُلِقَت ناركُم هذه من نار جهنّم، خلِقَت سوداء مُظْلِمَة لا ضوءَ لها ولا لهب، لها سبعة أَدْرَاكٍ (١)، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ الآية (٢).

стр. 442

النّهي عن الصّلاة بعد الصُّبح وبعد العصر قال الإمامُ الحافظُ الشّيخ أبو عمر ﵁ (١) -: "هكذا ترجمةُ هذا الباب عند جماعة الرُّواةِ للموطَّأ، وكانت حقيقَتُه أنّ يقالَ فيه: بابٌ النّهي عن الصّلاة عند طلوعِ الشّمسِ وعند غروبِها، ثم يذكر النّهي عن الصّلاة بعد الصُّبح وبعد العصر". وهذا الباب مُؤَخَّرٌ في رواية يحيى بنيحيى، فرأينا أنّ نُتبعَهُ بباب النَّهيِ عن الصّلاة بالهاجرة ليكون أَليَق به (٢). أمّا مجالُ الكلامِ في هذا الحديثِ، فيشتملُ على ثلاثةِ فصولٍ: الفصل الأوّل (٣) في الإسناد مالكٌ (٤)، عن زيد، عن عطاء، عن عبد الله الصُّنَابِحِىِّ؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "إِن الشّمس تطلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيطَانِ" الحديث. قال الإمام الحافظ: تابعَ يحيى على هذا الحديث واللَّفظ قوله: "عبد الله الصُّنَابِحِيّ"

стр. 443

جمهورُ الرُّواةِ، منهم القَعْنَبِيُّ (١) وغيره (٢). وقال فيه مُطَرِّف (٣): عن مالكٌ، عن أبي عبد الله الصُّنَابِحيِّ، وتَابَعَهُ إسحاق بن عيسى الطّبّاع (٤) وطائفة، وهو الصّوابُ. وهو أبو عبد الله الصُّنابحيُّ، واسمه عبدُ الرحمنِ بن عُسَيلَةَ، وهو من كبار التّابعين، لا صُحْبَةَ له (٥)، ورُوِيَ عنه (٦)؛ أنّه قال: لم يكُنْ بيني وبينَ رسولِ الله إلَّا خَمْسُ ليالٍ، تُوُفِّيَ وأنا بالجُحْفَةِ، فقَدِمْتُ وأصحابُه يتوافدون. قال الشّيخ أبو عمر ﵁ (٧) -: واضطرب ابنُ مَعِين في أحاديثه، فمرّةٌ قال: يشبه أنّ تكون له صُحْبَة (٨). ومرّة قال: أحاديثُه مُرْسَلَة، ليست له صُحْبَةٌ (٩). وهو الصّحيحُ (١٠). وأحاديثُه في الموطَّأ مشهورةٌ، جاءت عن النَّبيِّ ﷺ من طُرُق صحاحٍ من أحاديثِ أهل الشّام.

стр. 444

الفصل الثاني في الشّرح والفوائد المنثورة قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي: اعلموا- أنارَ اللهُ قلوبَكُم للمعارِفِ - أنَّ هذا حديثٌ مُشكِلٌ من مشكلاتِ الأحاديثِ، وقد خاضَ النّاسُ فيه قديمًا وحديثًا، يتأولون بوجوهٍ من التّأويلات، وفيه للعلماء أقوال أربعة (١): القولُ الأوّل - قال الدّاوديّ: "إنّ الشّمس تَطلُعُ ومعها قرنُ الشّيطانِ" فذهب (٢) إلى أنّ له قَرنَين على الحقيقة تطلُعُ مع الشّمس؛ لأنّه قد رُوِيَ أنّها تطلع مع قرني الشّيطان (٣). القولُ الثاني - قيل: إنه لا يمتنعُ أنّ يخلقَ اللهُ تعالى شيطاناَ تطلُعُ الشّمسُ مع قَرْنَيه وتغربُ. القولُ الثالث - قيل: يحتملُ أنّ يريد بقوله: "قرنَ الشَّيطانِ" أي قرنه الّذي يضلّ به النّاس، ويستعين به على النَّاس، ولذلك يسجدُ حينئذٍ الكفّارُ (٤). القولُ الرّابع - قيل: يحتملُ أنّ يريدَ قبائل من النّاس يستعينُ بهم الشّيطانُ على كفره (٥). وقد رَوَى أبو مسعود؛ أنّ رسولَ الله ﷺ أشار بِيَدِهِ نحو اليَمَنِ، فقال: "أَلاَ

стр. 445

إنّ الإيمانَ ههنا، وإنَّ القَسوَةَ وغِلَظَ القلوبِ في الفَدَّادينَ، عند أصول أَذنَابِ الإِبِلِ، حيث يَطلُعُ قرنا الشَّيطَانِ، وذلك في رَبِيعَةَ ومُضَرَ" (١). وقال في الخبر (٢): "ما طَلَعَتِ الشَّمس قطُّ حتّى يَنخُسَها سبعون ألف مَلَكٍ؛ فيقولون لها: اطلُعِي اطلُعِي، فتقولُ: لا أطلُعُ على قومٍ يعبُدُونَنِي من دونِ الله، فيأتيها مَلَكٌ عن أمرِ الله فيأمُرُها بالطُّلوعِ، فيأتيها الشّيطانُ يريدُ أنّ يَصُدَّها عن الطّلوع، فَتَطلُعُ من قَرْنَيهِ، فَيَحْرِقُهُ الله تحتها، وما غَرَبَت قطُّ إلَّا خَرَّت له ساجدةً، فيأتيها الشّيطانُ يريدُ أنّ يَصُدَّها عن السَّجدَةِ، فَتَغرُبُ بين قَرْنَيهِ فَيَحرِقُهُ الله تحتَها"، ولذلك قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَا طَلَعَت شَمسٌ إلَّا بين قَرنَي شَيطَانِ، ولا غَرَبَت إلَّا بين قَرْنَي شَيطَانِ" (٣). قال الشّيخ أبو عمر (٤): "بلغني عن أبي محمَّد الأَصِيليّ؛ أنّه قال وقد سُئِلَ عن تأويلِ حديثِ زَيدٍ هذا، فقال: يُمكِنُ أنّ يكونَ للشّيطانِ قَرْنٌ يَظهَرُ عند طُلوعِ الشَّمسِ وعند غروبها، وهذا إشارة إلى الظّاهِرِ وحمله على الحقيقة" وقال آخَرُونَ: معناه على المَجَازِ، وأنّه أراد بقَرْنَي الشّيطانِ ههنا أُمَّة يعبدون الشّمس من دُونِ الله (٥). الفصل الثالث في سرد المسائل وفيه ذِكرُ الأحاديثِ الواردةِ في ذلك: قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي (٦): أجمع العلماءُ - رضوانُ الله عليهم- أنّ نهيَهُ ﵇ عن الصّلاة عند الطلوعِ والغروبِ صحيحٌ غيرُ منسوخٍ، وأنَّه لم يعارِضهُ شيءٌ، إلَّا أنّهم اختلفوا في تعليله:

стр. 446

فقال علماء الحجاز - مالكٌ (١) والشّافعيّ (٢) وغيرهما -: إنّ المنعَ عن الصّلاةِ إنّما هو للنّافلةِ دونَ الفريضةِ، ودونَ الصّلاةِ على الجنازةِ، هذا جملة قولهم. مسألة (٣): وقال أهلُ العراقِ (٤): إنّ نهيَهُ ﷺ عن كلِّ صلاةٍ نافلةٍ أو فريضة أو جنازة، فلا تصلَّى عند الطّلوع، ولا عند الغروب، ولا عند استوائها؛ لأنّ الحديثَ لم يخصّ نافلة من فريضة إلَّا للضّرورة، لقوله: "مَنْ أَدْرَكَ رَكعَةً مِنَ العَصرِ قَبلَ تغربَ أنّ الشَّمْسُ" الحديث (٥). مسألة (٦): وإنّما اختلف العلماء في الصّلاة عند الاستواءِ: فقالَ مالكٌ وأصحابُه (٧): لا بأسَ بالصّلاة نصف النّهار إذا استوتِ الشّمسُ. وقال أيضًا: لا أكرهُ الصّلاةَ نصفَ النّهارِ إذا استَوَت وَسَطَ السّماءِ، لا في يوم جمعة ولا غيره. هذا ما حكاه ابن القاسم (٨) وغيره، إذ لم يعرف النّهي في ذلك. غايةْ وإيضاحٌ: قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي: أحاديثُ هذا الباب ثمانيةٌ:

стр. 447

الحديثُ الأوَّل: "نَهَى رسولُ الله ﷺ -عن الصّلاةِ بعدَ الصُّبحِ حتّى تَطلُعَ الشّمسُ، وعن الصّلاةِ بعدَ العصرِ حتّى تَغرُبَ الشَّمْسُ" الحديث (١). الحديثُ الثّاني: قولُه: "لا تَحَرَّوْا بِصَلاَتِكُم طُلُوعَ الشَّمسِ ولا غُرُوبَها (٢) " الحديث الثّالث: هو الّذي ذَكَرَهُ مالكٌ في الموطَّأ (٣) عن أبي عبد الله الصُّنَابِحِيِّ، حديثٌ مُرْسَلٌ ويُسنَدُ من طُرُقٍ. الحديثُ الرابعُ: قولُه: وإذًا بَدَا حَاجِبُ الشَّمس، فَأَخِّرُوا الصَّلاةَ حتَّى تَبرُزَ. وإذا غابَ حَاجِبُ الشّمس، فأخِّرُوا الصَّلاة حتَّى تَغِيبَ" (٤). الحديثُ الخامس: نَهَى رسولُ الله ﷺ عن الصّلاةِ بعدَ الصُّبحِ حتَّى تَطْلُعَ الشّمسُ، وعن الصَّلاةِ بعد العصرِ حتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، إلَّا بمَكَّةَ. خَرَّجَهُ الدَّارقطنيُّ (٥). الحديثُ السّادسُ: قال رسولُ الله ﷺ : "يَا بَنِي عَبدِ مَنَافٍ، لا تَمْنَعُوا أحدًا طافَ بهذا البيتِ أنّ يُصَلِّي أَيَّةَ ساعةٍ شاءَ من ليلٍ أو نَهَارٍ" الحديث (٦). الحديثُ السّابعُ: حديثُ أمِّ سَلَمَةَ؛ أنّ النّبيّ ﷺ صَلَّى في بيتها ركعتين بعد العصر (٧).

стр. 448

الحديثُ الثامنُ: حديثُ عائشة ﵂؛ أنّها قالت: ما تركَ رسولُ الله ﷺ قطُّ في بيتي ركعتينِ قبلَ الصّبح، وركعتينِ بعد العصرِ حتّى توفّاهُ الله. خَرَّجَهُ البخاريُّ (١). تفريع (٢): اختلفَ العلماءُ في قولِه: "لا تصلُّوا بعد العصر" الحديث (٣): قلنا: هل يريدُ بذلك الوقتَ، أو نَفسَ الوَقتِ من الصّلاةِ؛؟ وعلى هذا انبنىَ الخلافُ للعلماءِ في صلاةِ الجنازةِ بعدَ العصرِ، إذا بَقِيَ من الوقتِ شيءٌ. فإن قلنا: إنّ المرادَ به بعدَ صلاةِ العصرِ، لم يُصَلَّ على الجنازةِ. وإن قلنا: إنّ المرادَ به بعد وَقتِ العصرِ، صُلِّيَ على الجنازةِ. والصّحيحُ: أنّ المرادَ به بعدَ صلاةِ العصرِ، لوجهينِ: أحدُهما: أنّ العصرَ والظُّهرَ والمغربَ قد صار ذلك أعلامًا للصّلواتِ، فمُطلَقُ اللَّفظِ إليها يَرْجِعُ، والخطابُ عليها يُحْمَلُ. الثّاني: أنّه قال: "لا صلاةَ بعدَ الصُّبح حتَّى تطلُعَ الشَّمسُ" ولو أراد الوقتَ لاستحالَ هذا الكلامُ؛ لأنّه ليس بين وقت الصُّبح وبينَ طلوعِ الشّمس حدٌّ للنَّهيِ المذكورِ. واتفَقَ العلماءُ على تأويل الوقتين.

стр. 449

فإن قيل: إنّه قد رُوِيَ في حديث أبي سعيدٍ الخُدريِّ؛ أنّه قال: نَهى رسولُ الله ﷺ عنِ الصَّلاةِ بعدَ الزَّوالِ إلَّا يومَ الجُمعةِ (١). قلنا: هذا حديثٌ باطلٌ، والعمدةُ فيه ما قدّمناهُ من قول من قال: إنَّ الفعلَ مختصٌّ بالنَّبيِّ لا يتعدّاه إلى غيره إلَّا بدليلِ، فَبَقِيَ النَّهيُ على حالِهِ، وبَقِيَ فِعْلُ النَّبِيِّ مختصًّا بحالِهِ وبِصِفَتِهِ، وَيعتَضِدُ ذلك بضَرْبِ عمرَ بن الخطّاب ﵁ -عليها النّاس (٢)، ولو كان ذلك من شرائعِ الدِّينِ ما ضَرَبَ عمرُ، ولا أَقَرَّتْهُ الصّحابةُ على ذلك. وأمّا حديثُ النّبيِّ ﷺ الّذي فيه: "لا تَمْنَعُوا أحَدًا طافَ بهذا البيتِ أنّ يُصَلِّيَ أَيَّةَ ساعةٍ شاءَ من لَيلٍ أو نَهَارٍ" (٣) فإنّه عامٌّ يَخُصُّهُ ما تقدَّمَ من الأحاديثِ. وأمّا ما قاله الدَّارقطنيُّ: "إلَّا بمَكَّةَ" فإنّه لا يَصِحُّ، فلا يُشتَغَلُ بِهِ. نكتةٌ أصوليّةٌ (٤): قال الإمام الحافظ ﵁: لا خلافَ بين المتقدِّمينَ والمتأخِّرينَ من العلماء أنّ العامَّ والخاصَّ إذا تَنَافَيَا فإنّهما يتعارضَانِ، كقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٥) فإنّه أمرٌ بالقتلِ، وكقوله: إنّه نَهَى عن قتل النِّساءِ والصِّبيَانِ (٦). وذلك منعٌ من القتلِ، مُخرِجٌ للمرأةِ عن قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٧) بنَصِّ عن نَصِّ، ومُخرِجٌ لقتل الصِّبيان (٨) عن قتل المشركين بظاهرٍ عن نصِّ.

стр. 450

فأمّا إذا تماثَل الخَبَرانِ في الحُكْمَينِ، وأحدُهما عامٌ والآخرَ خاصُّ، فلا خلافَ بين العلماءِ المتقدِّمينَ والمتأخِّرينَ إلى زماننا هذا أنّهما يتوافقان، كقوله: "لا صلاةَ بعدَ الصُّبحِ حتّى تَطلُعَ الشَّمْسُ"، وكقوله: إلا تَحَرَّوْا بصلاتِكُم طُلُوعَ الشَّمسِ ولا غُرُوبَها" فإنّهما متماثلان في الحُكم، وأحدُهما أعَمُّ من الآخر فيتماثلُ العامُّ والخاصُّ، لكن يُفِيد الخاصَّ مَزيْدُ تأكيدٍ في الحكم المبين بِهِ، فتأمَّلُوا هذا الفصل فإنّه زلَّت فيه أقدامُ جماعةِ (١) مزيد إيضاح (٢): قال: (٣): ثمّ وجدنا النّبيِّ ﷺ قد قال: "مَنْ نامَ عن صلاةٍ أو نَسِيَهَا فَليُصَلِّها إذا ذَكَرَهَا" (٤) فتعارضَ هذا الأمرُ إذا ذكَرَها بعدَ الصُّبحِ مع النَّهي عن الصَّلاة بعد الصُّبح. فأمّا مالكٌ (٥) ﵁ والشّافعيّ (٦) فقدَّمَا الأمرَ على النَّهيِ، وقدَّمَ أبو حنيفةَ (٧) النّهيَ على الأمرِ. ولقد كان على قِبلَةٍ لو تَمَادَى عليها, لكنّه ناقضَ الجماعةَ في ذلك فقال: إن ذَكَرَ صُبحَ اليومِ أو عَصْرَ اليومِ في وقتِ النّهيِ صلّاها, فناقضَ مناقَضَةً بيِّنةً, لكنّه تعلَّق بقوله: "لاَ صلاةَ بَعْدَ العَصْرِ" يعني: بعدَ صلاةِ العصرِ من يَوْمِهِ (٨). فنقول: قد تقدَّم الأمرُ على النَّهيِ ههنا بتأكيد قوله: "لا وقتَ لها إلّا ذلك".

стр. 451

بابُ النَّهي عن دُخولِ المسجد برِيِح الثُّومِ مالكٌ (١)، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ أَكَلَ من هذهِ الشَّجَرَةِ، فلا يَقرَبْ مَسَاجِدَنَا" الحديث. قال الإمامُ الحافظُ الشّيخ أبو عمر ﵁ (٢) -: "هذا حديثٌ مُرْسَلٌ في "الموطَّأ" عند جماعة الرُّوَاةِ (٣) ". ومجالُ الكلامِ في هذا الحديث على أربعة مآخذ: المأخذُ الأوَّلُ في إسناد الأحاديثِ الواردةِ في هذا المعنَى وقد أُسنِدَ (٤) هذا الحديث من طُرُقٍ كثيرةٍ، وَصَلَهُ مَعْمَرٌ، ويُونُس، وإبراهيم بن سَعد (٥). وعبد الرزّاق (٦)، عن معمر، عن ابن شهاب، عن ابن المسيَّب، عن أبي هريرةَ، عنا النّبيِّ ﷺ ؛ أنَّه قال: "مَنْ أَكَلَ من هذه الشَّجَرَةِ" الحديث.

стр. 452

والحديث الثاني (١): ذَكَرَهُ ابنُ وهبٍ، عن يونس، عن ابن شِهَاب كذلك مُسنَدًا. وروى (٢) يحيى (٣) وجماعة (٤): "مَسَاجِدنا" ورَوَت طائفةٌ (٥): "مَسْجِدنَا" والمعنى واحد، و "مساجدنا" أعمّ، وإن كان. الواحد من الجنس في معنى الجماعة. وفي بعض الأحاديث المسندة "فَلاَ يَقرَبَنَا، وَلاَ يُصَلِّي مَعَنَا في مَسجِدِنَا" (٦) وفي بعضها "فَلَا يَغشَانَا في مَسَاجِدِنَا" (٧). والحديث الثالث (٨): ورد في الصّحيح من طريق ابن عمر (٩)، وجابر (١٠)، وأَنَس (١١)، وأبي سعيد (١٢)، ووقع طرفٌ منه في حديث سَلَمَة بن الأَكوَع (١٣)، وهو قوله: "أَصَابَتنَا مَخمَصَةٌ بخَيبَرَ" لأنّ النّبيَّ ﷺ قد نَهَى عن أكل الثُّوم والبصل، فأصابتهم مجاعة بخَيبَر، فوقعوا في زراعة بصل فأكلوها من الجوع، فقال النّبيُّ ﷺ : "مَنْ أكلَ من هذه الشَّجرَةِ فلا يَقرَبْ مسجدَنَا" فقال النَّاسُ: حُرِّمَت، فبلغَ ذلك رسولَ الله ﷺ فقال: "أَيُّهَا النَّاسُ، ليس لي تحريمُ ما أحلَّ اللهُ، ولكنّها شجرةٌ أَكرَهُ رِيحَهَا" (١٤). وذَكر ﷺ أحاديثَ كثيرة في المصنَّفات، مُعْظَمُها سردناه لك في هذا "المختصر".

стр. 453

رَوَى جابر بنُ عبدِ الله؛ أنّه قال: قال ﷺ : "مَنْ أكلَ ثُومًا أو بَصَلًا فَليَعتَزِلنَا، أو قال: فَليَعتَزِل مَسْجِدَنَا، وَليَقعُدْ في بَيتِهِ" (١). ورَوَى ابنُ وهب، عن يونس، عن الزُّهريّ؛ أنّه قال: "أُتِيَ النّبيّ ﷺ بطَبَقٍ من خضرَواتٍ"، الحديث (٢). تنبيه على مقصد (٣): قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁: أدخل مالكٌ ﵀ هذا الباب في هذا الموضع ليبيِّن لك أنَّ أوقاتَ الصّلواتِ للواحدِ والجماعةِ سواء، وذَكَرَ التَّحضِيضَ عليها. وعَلِمَ أنّها تتعلَّقُ بمحَلَّينِ: زمانٍ وهو الّذي بَيَّنَ. ومكانٍ وهو المسجدُ. فأراد أنّ يُفيدَكَ أنّ الصّلاةَ في الجماعةِ ليست بفَرْضٍ، إذ لو كانت فَرْضًا لما جازَ أنّ يُتَخَلَّفَ عنها بأكلِ الثُّومِ. المأخذ الثّاني (٤) في التّعليل اختلف العلماءُ في معنى هذا الحديث، هل هو مُعَلَّلٌ أو غير مُعَلَّلٍ؟ قال القاضي أبو بكر: فيه ثلاث عِلَلٍ: العلَّةُ الأوُلى- قيل (٥): إنّما ذلك من أجل المَلَك، وهذا بَيِّنٌ في قوله: "إِنِّي أُنَاجي ما لا تُنَاجِي" (٦). وقولُه: "فإنَّ الملائكةَ تَتَأذَّى مِمَّا يَتَأذَّى منه بَنُو آدَمَ" (٧).

стр. 454

قال الإمام الحافظ: وفي هذا دليلٌ على أنّهم مُرَكَّبونَ من ريشٍ وجِسمً، لا كما تقولُ الفلاسفةُ: إنّهم بسائِطُ، وتقول: إنّهم يَكبُرُونَ حتّى يَملأَ أحدُهم الأُفُقَ، ويَصغُرُونَ حتّى يصيرَ أحدُهم كالرَّضِيعِ، ولذلك قال ﷺ لصاحبه: "كُل مِنَ القِدرِ الّذي فيه الخَضِرَات، فإنِّي أُنَاجِي مَنْ لاَ تُنَاجِي" (١) إشارة إلى أنّ المَلَكَ يأتيه من غير وَعدٍ، فربّما وَجَدَهُ على تلك الحالِ. وفي بعضِ الآثارِ المُرْسَلَةِ: "إنَّ الرَّجُلَ يَكذِبُ الكَذبَةَ فيتباعَدُ عنه المَلَكُ من نَتنِ رائِحَتِه" (٢) وذلك كثيرٌ في الشّريعةِ. العلَّةُ الثانيةُ - قولُه: "فَلاَ يَقرَب مَسَاجِدَنَا" و"مَسَجِدَنَا" فذَكَرَ الصِّفةَ في الحُكمِ وهي المسجديّةُ، وذِكرُ الصِّفةِ في الحُكمِ تعليلٌ؛ لأنّ الأسماءَ الّتي عُلِّقَت عليها الأحكامُ على قسمين: أحدُهما: مشتقّةٌ، والأخرى جامدةٌ. فإذا علّقَ الحُكمَ على اسم مشتقٌّ، أفادَ الحُكمَ والعلّةَ، كقوله: أَكرِمِ العالِمَ، معناه: لِعِلمِهِ. وإذا كان الاسمُ جامدًا لم يُفِدْ إلَّا ما تفيدُهُ الإشارةُ، وهو بيان المَحَلِّ، كقولك: أَكرِم زيدًا، وعلى القسمِ الأوّلِ جاءَ قولُه (٣). وتنبني فيه مسألةٌ من الأصولِ، وهو تعلَّق الحُكم الشّرعي بعِلَلٍ كثيرةٍ، كالامتناعِ من. وطْءِ الحائضِ المُحْرِمَةِ الصّائمةِ، بخلافِ العِلَلِ العقليّةِ؛ لأنّ الحُكمَ لا يتعلَّقُ منها إلَّا بواحدةٍ.

стр. 455

وقولُه: "فَلاَ يَقْرب مَسَاجِدَنَا" قال القاضي أبو الوليد الباجي (١): "والمواضعُ الّتي يحصلُ فيها اجتماعُ النَّاس على ضربين: أحدُهما: ما اتُّخِذَ للعبادات، كالجامع والمساجد، فهذا يُكرَهُ دخولُهُ برائحة الثُّومِ، وقد نَصَّ أصحابُنَا على المسجدِ والجامعِ، وعندي أنّ مُصَلَّى العِيدَين والجنائز كذلكَ". إلحاق (٢): قال الإمامُ الحافظُ: والمساجدُ على ضربين: مُختَطَّةٌ، كمُصَلَّى العيد ومُصَلَّى المسافرينَ إذا نزَلُوا، وشبه ذلك. ومَبنِيَّةٌ، كسائرِ المساجدِ. فإن كانت المساجدُ مختطَّةٌ، فإنّه يتعلّقُ الحُكمُ بعلَّتين: إحداهُما: إذايةُ الملائكة، والأخرى: إذايةُ النَّاس؛ لأنَّ المسجدَ غيرَ المُختَطِّ لا حُرْمَةَ له، إنَّما الحُرْمَةُ للمختطِّ والمَبنِيِّ؛ ولهذا قلنا: لا يدْخُلُ آكِلُ الثُّومِ مجالسَ العلماءِ، ولا مشاهِد الرَّأي والمَشُورَةِ في الحربِ، ولا الأسواقَ المُختَطَّةِ الّتي لا يمكنُ أحدٌ أن ينفصلَ عن مَوضِعِهِ إلَّا بتَبديدِ تجارَتِه، والدّليلُ على ذلك؛ قولُ عمر بنِ الخطَّابِ في الصّحيحِ: كان النّبيُّ ﷺ إذا وجدَ رِيحَها، أَمرَ بِهِ وَأُخرِجَ إِلَى البقيعِ (٣).

стр. 456

المأخذ الثالث في الفوائد المنثورة في هذا الحديث وهي تسع فوائد: الفائدة الأوُلى (١): قوله: "مَنْ أَكَلَ من هذه الشَّجَرَةِ" قال علماؤنا (٢): هذا الكلام منه ﷺ لا يقتضي إباحةً ولا حَظرًا، وقد رُوِيَ مثل ذلك في الحَظرِ، كقوله: "مَنْ غَشَّنا فَلَيسَ مِنَّا" (٣)، ومِثلُه في الإباحة كقوله: "مَنْ دخلَ دارَ أبي سفيان فهو آمِنٌ" (٤) وإنّما ذلك شرطٌ يتنوّعُ جوابُه (٥). الفائدة الثّانية (٦): قوله: "فلا يَقْرَب مساجدَنا" مَنع لمن أكلَ هذه الشّجرة، وقد بيَّنَ ذلك بقوله: "يُؤذِينَا بريحِ الثُّومِ". وقال بعضُ العلماءِ: إنّما خرجَ النَّهْيُ من النّبيِّ ﷺ على مسجدِه من أجلِ جبريلَ ونزوله فيه على النّبيِّ ﷺ . وقال آخَرونَ -وهم الأكثرونَ -: إنّ مسجدَ النّبيِّ ﷺ وسائرَ المساجدِ في ذلك سواءٌ، وملائكة الوحيِ وغيرها في ذلك سواء؛ لأنّه قد أخبرَ أنّه يتأذَّى منه ابن آدم. الفائدة الثّالثة (٧): في هذا الحديث من الفقه: إباحة أكل الثُّوم. لأنّ قولَه: "مَنْ أَكَلَ" لفظ إباحة لغيره؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ إنَّما مُنِعَ من أكل الثّوم والبصل والكُرَّاثِ لعلَّةٍ ليست موجودة في غيره، فصارَ ذلك خصوصًا له.

стр. 457

وفي حديث أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ؛ أنّه قال: "كُلُوهُ، وَمَق أَكَلَهُ فَلاَ يَقرَب المسجدَ" (١) فيه دليلٌ على إباحةِ أكلِها, لا على تحريمِها كما زَعَمَ ابن حزم (٢) وأهلُ الظّاهرِ الذين يُوجِبُونَ إتيانَ المسجد للجماعة ويرونَ ذلك فَرضًا، ويمنعون من أكل الثُّوم والبصلِ؛ لأنّ من أَكَلَهُ لا يقرب المسجد لصلاة الجماعةِ عندَهُم بوجهٍ ولا على حالٍ. الفائدة الرابعة (٣): في هذا الحديث دليلٌ على أنّ صلاة الجماعةَ ليست بفريضةٍ، خلافًا لأهل الظّاهر الّذين يُوجِبُونَها، ويحرِّمون أكلَ الثُّومِ من أجلِ شهودِها، وقد أكلَ الثُّومَ جماعةٌ من السَّلَفِ (٤). فإن قيل (٥): لا يَمتَنِعُ أنّ يُسقِطَ المباحُ الفَرْضَ، كالسَّفَرِ يُسْقِطُ الصّومَ وشَطرَ الصّلاةِ. الجوابُ- قلنا: السَّفَرُ لم يُسقِطُ الصّومَ والصّلاةَ، وإنّما نَقلَها إلى بَدَلٍ، بخلافِ أكل الثُّوم فإنَّه يُسقِطُ الجماعةَ، فدلَّ على أنّها ليست بفَرْضٍ. الفائدة الخامسة (٦): فيه دليلٌ على أنّ الْخُضَر كانت عندَهُم بالمدينةِ. وفي إجماعِ أهلِهَا على أنّه لا زكاةَ فيها، دليلٌ على أنّ رسولَ الله ﷺ لم يأخذ منها الزّكاة، ولو أخذَها لم يَخفَ عليهم، ولنُقِلَ ذلك عنهم.

стр. 458

الفائدة السّادسة (١): قولُه: "أُنَاجِي مَنْ لا تُنَاجِي" دليلٌ على أنّ الملائكةَ أفضلُ من بني آدمَ (٢)، وهي مسألةٌ عظيمةٌ فيها للعلماءِ زحَامٌ كبير. وفيه أيضًا: أنّ بني آدم يَلزَمُ من بِرِّ بعضِهِم ما لا يَلْزَمُ لجمِيعِهِم، ألا ترى أنّه لم يُؤمَر آكل الثُّومِ باجتنابِ أهل الأسواقِ. الفائدة السّابعة (٣): فيه: أنّ من تَركَ طعامًا لا يحبُّه أنّه لا لَوْمَ عليه، كفِعْلِهِ ﵇ بالضَّبِّ. الفائدة الثّامنة (٤): قوله: "البدْر" (٥) قال الخطّابي (٦): فَسَّرَ ابنُ وهب البِدْر أنّه الطَّبَق، وأراه سُمِّيَ بدرًا لاستدارته، ولذلك سمي القمر بَدْرًا عند امتلائه، ومنه: عَينٌ بَدْرَةٌ إذا كانت واسعة. الفائدة التّاسعة: قولُه: "من أكلَ من هذه الشّجرةِ الخبيثةِ" (٧).

стр. 459

قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁: والخبيثُ في اللُّغة عبارةٌ عن كلِّ ما يُؤلِمُ الحاسَّةَ من الشَّمِّ والذَّوقِ، وُيستَعَارُ في غير ذلكَ. فالخبيثُ في الشّريعةِ: عبارةٌ في الأطعمةِ عن المُحَرَّمِ، وهو معنى قولِه: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (١) يريد: يُحَرِّمُ عليهم المُحَرَّمَاتِ، أي يُبيِّنُها. وقال غيرُ مالكٍ من العلماءِ: الخبائثُ ههنا كلُّ مُستَكرَهٍ، كما بيناه في "كتاب الأحكام" (٢)، فهذه فائدةُ لُغَوِيَّةٌ شرعيّةٌ. المَأخَذُ الرّابعُ في سَردِ المسائلِ في هذا البابِ وفيه ثمان مسائل: المسألة الأولى: رَوَى ابنُ وَهْب عن مالكٍ أنّه قال: من أكلَ الثُّومَ يومَ الجُمعةِ لا أَرَى له أنّ يشهَدَ الجُمعةَ في المسجدِ ولا في رِحَابِهِ (٣)، وبِئْسَ ما صَنَعَ حينَ أكلَ الثُّومَ وهو من أهلِ الجُمعةِ (٤). المسألة الثانية (٥): قال علماؤنا (٦): فيه دليلٌ على أنّ كلّ ما يُتَأَذَّى به كالمَجذُومِ وشِبْهِهِ يُبْعَدُ عن المسجدِ وحِلَقِ الذِّكرِ. وقال سُحنون: "لا أَرَى الجمعةَ تجبُ على المَجذُومِ" واحتجَّ بقوله ﵇:"مَنْ أَكَلَ من هذه الشَّجَرَةِ".

стр. 460

المسألة الثالثة (١): قال (٢): وأفتى أبو عمر أحمد بن عبد الملك بن هشام (٣) في رجلٍ شَكَاهُ جيرانُه أنّه يؤذِيهِم في المسجد بلسانه (٤)، فقال: يُخْرَج عن المسجد وُيبعَد عنه (٥). ونزع بهذا الحديث. وقال (٦): أَذَاهُ أكثر من أذى الثُّوم، وهذا الحديث أصل في نفي كلِّ ما يُتَأذَّى يه (٧). المسألة الرابعة: هل لآكل الثُّوم أنّ يتصرَّفَ في الأسواق أم لا؟ فقال مالكٌ: ما سمعتُ في آكِلِ الثُّومِ كراهيةً في دُخولِ السُّوقِ، وإنّما ذلك في المسجدِ. ذَكَرَهُ ابنُ أبي زَيد في "نوادره (٨) ". وقال: آكِلُ الثُّومِ لا أرى عليه جُمُعَة، ولا أرى أنّ يشهدَها في رِحَابِه (٩)، ولا يجوزُ أنّ يدخلَ المسجدَ من أَكَلَهُ. المسألة الخامسة (١٠): وأمّا الرَّوائحُ الّتي تَقرُبُ من الثُّوم، كالبَصَل والكُرَّاث، فقال مالكٌ: هما كالثُّومِ، وإن كان الفُجلُ يُؤذِي فلا يدخلُ من أَكَلَهُ المسجدَ.
следующие страницы →