← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

المأخذ الثالث في الفوائد المنثورة في هذا الحديث وهي تسع فوائد: الفائدة الأوُلى (١): قوله: "مَنْ أَكَلَ من هذه الشَّجَرَةِ" قال علماؤنا (٢): هذا الكلام منه ﷺ لا يقتضي إباحةً ولا حَظرًا، وقد رُوِيَ مثل ذلك في الحَظرِ، كقوله: "مَنْ غَشَّنا فَلَيسَ مِنَّا" (٣)، ومِثلُه في الإباحة كقوله: "مَنْ دخلَ دارَ أبي سفيان فهو آمِنٌ" (٤) وإنّما ذلك شرطٌ يتنوّعُ جوابُه (٥). الفائدة الثّانية (٦): قوله: "فلا يَقْرَب مساجدَنا" مَنع لمن أكلَ هذه الشّجرة، وقد بيَّنَ ذلك بقوله: "يُؤذِينَا بريحِ الثُّومِ". وقال بعضُ العلماءِ: إنّما خرجَ النَّهْيُ من النّبيِّ ﷺ على مسجدِه من أجلِ جبريلَ ونزوله فيه على النّبيِّ ﷺ . وقال آخَرونَ -وهم الأكثرونَ -: إنّ مسجدَ النّبيِّ ﷺ وسائرَ المساجدِ في ذلك سواءٌ، وملائكة الوحيِ وغيرها في ذلك سواء؛ لأنّه قد أخبرَ أنّه يتأذَّى منه ابن آدم. الفائدة الثّالثة (٧): في هذا الحديث من الفقه: إباحة أكل الثُّوم. لأنّ قولَه: "مَنْ أَكَلَ" لفظ إباحة لغيره؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ إنَّما مُنِعَ من أكل الثّوم والبصل والكُرَّاثِ لعلَّةٍ ليست موجودة في غيره، فصارَ ذلك خصوصًا له.

стр. 457

وفي حديث أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ؛ أنّه قال: "كُلُوهُ، وَمَق أَكَلَهُ فَلاَ يَقرَب المسجدَ" (١) فيه دليلٌ على إباحةِ أكلِها, لا على تحريمِها كما زَعَمَ ابن حزم (٢) وأهلُ الظّاهرِ الذين يُوجِبُونَ إتيانَ المسجد للجماعة ويرونَ ذلك فَرضًا، ويمنعون من أكل الثُّوم والبصلِ؛ لأنّ من أَكَلَهُ لا يقرب المسجد لصلاة الجماعةِ عندَهُم بوجهٍ ولا على حالٍ. الفائدة الرابعة (٣): في هذا الحديث دليلٌ على أنّ صلاة الجماعةَ ليست بفريضةٍ، خلافًا لأهل الظّاهر الّذين يُوجِبُونَها، ويحرِّمون أكلَ الثُّومِ من أجلِ شهودِها، وقد أكلَ الثُّومَ جماعةٌ من السَّلَفِ (٤). فإن قيل (٥): لا يَمتَنِعُ أنّ يُسقِطَ المباحُ الفَرْضَ، كالسَّفَرِ يُسْقِطُ الصّومَ وشَطرَ الصّلاةِ. الجوابُ- قلنا: السَّفَرُ لم يُسقِطُ الصّومَ والصّلاةَ، وإنّما نَقلَها إلى بَدَلٍ، بخلافِ أكل الثُّوم فإنَّه يُسقِطُ الجماعةَ، فدلَّ على أنّها ليست بفَرْضٍ. الفائدة الخامسة (٦): فيه دليلٌ على أنّ الْخُضَر كانت عندَهُم بالمدينةِ. وفي إجماعِ أهلِهَا على أنّه لا زكاةَ فيها، دليلٌ على أنّ رسولَ الله ﷺ لم يأخذ منها الزّكاة، ولو أخذَها لم يَخفَ عليهم، ولنُقِلَ ذلك عنهم.

стр. 458

الفائدة السّادسة (١): قولُه: "أُنَاجِي مَنْ لا تُنَاجِي" دليلٌ على أنّ الملائكةَ أفضلُ من بني آدمَ (٢)، وهي مسألةٌ عظيمةٌ فيها للعلماءِ زحَامٌ كبير. وفيه أيضًا: أنّ بني آدم يَلزَمُ من بِرِّ بعضِهِم ما لا يَلْزَمُ لجمِيعِهِم، ألا ترى أنّه لم يُؤمَر آكل الثُّومِ باجتنابِ أهل الأسواقِ. الفائدة السّابعة (٣): فيه: أنّ من تَركَ طعامًا لا يحبُّه أنّه لا لَوْمَ عليه، كفِعْلِهِ ﵇ بالضَّبِّ. الفائدة الثّامنة (٤): قوله: "البدْر" (٥) قال الخطّابي (٦): فَسَّرَ ابنُ وهب البِدْر أنّه الطَّبَق، وأراه سُمِّيَ بدرًا لاستدارته، ولذلك سمي القمر بَدْرًا عند امتلائه، ومنه: عَينٌ بَدْرَةٌ إذا كانت واسعة. الفائدة التّاسعة: قولُه: "من أكلَ من هذه الشّجرةِ الخبيثةِ" (٧).

стр. 459

قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁: والخبيثُ في اللُّغة عبارةٌ عن كلِّ ما يُؤلِمُ الحاسَّةَ من الشَّمِّ والذَّوقِ، وُيستَعَارُ في غير ذلكَ. فالخبيثُ في الشّريعةِ: عبارةٌ في الأطعمةِ عن المُحَرَّمِ، وهو معنى قولِه: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (١) يريد: يُحَرِّمُ عليهم المُحَرَّمَاتِ، أي يُبيِّنُها. وقال غيرُ مالكٍ من العلماءِ: الخبائثُ ههنا كلُّ مُستَكرَهٍ، كما بيناه في "كتاب الأحكام" (٢)، فهذه فائدةُ لُغَوِيَّةٌ شرعيّةٌ. المَأخَذُ الرّابعُ في سَردِ المسائلِ في هذا البابِ وفيه ثمان مسائل: المسألة الأولى: رَوَى ابنُ وَهْب عن مالكٍ أنّه قال: من أكلَ الثُّومَ يومَ الجُمعةِ لا أَرَى له أنّ يشهَدَ الجُمعةَ في المسجدِ ولا في رِحَابِهِ (٣)، وبِئْسَ ما صَنَعَ حينَ أكلَ الثُّومَ وهو من أهلِ الجُمعةِ (٤). المسألة الثانية (٥): قال علماؤنا (٦): فيه دليلٌ على أنّ كلّ ما يُتَأَذَّى به كالمَجذُومِ وشِبْهِهِ يُبْعَدُ عن المسجدِ وحِلَقِ الذِّكرِ. وقال سُحنون: "لا أَرَى الجمعةَ تجبُ على المَجذُومِ" واحتجَّ بقوله ﵇:"مَنْ أَكَلَ من هذه الشَّجَرَةِ".

стр. 460

المسألة الثالثة (١): قال (٢): وأفتى أبو عمر أحمد بن عبد الملك بن هشام (٣) في رجلٍ شَكَاهُ جيرانُه أنّه يؤذِيهِم في المسجد بلسانه (٤)، فقال: يُخْرَج عن المسجد وُيبعَد عنه (٥). ونزع بهذا الحديث. وقال (٦): أَذَاهُ أكثر من أذى الثُّوم، وهذا الحديث أصل في نفي كلِّ ما يُتَأذَّى يه (٧). المسألة الرابعة: هل لآكل الثُّوم أنّ يتصرَّفَ في الأسواق أم لا؟ فقال مالكٌ: ما سمعتُ في آكِلِ الثُّومِ كراهيةً في دُخولِ السُّوقِ، وإنّما ذلك في المسجدِ. ذَكَرَهُ ابنُ أبي زَيد في "نوادره (٨) ". وقال: آكِلُ الثُّومِ لا أرى عليه جُمُعَة، ولا أرى أنّ يشهدَها في رِحَابِه (٩)، ولا يجوزُ أنّ يدخلَ المسجدَ من أَكَلَهُ. المسألة الخامسة (١٠): وأمّا الرَّوائحُ الّتي تَقرُبُ من الثُّوم، كالبَصَل والكُرَّاث، فقال مالكٌ: هما كالثُّومِ، وإن كان الفُجلُ يُؤذِي فلا يدخلُ من أَكَلَهُ المسجدَ.

стр. 461

ورُوِيَ عنه أنّه قال: لم أسمع في الكُرَّاثِ والبصَلِ مَنْعًا، وما أُحِبُّ أنّ يُؤذَى النّاسُ، ومن النَّاس من تبدو عليه الرائحة، ومنهم من لا تبدو عليه، قاله مالكٌ في "العتبية" (١). المسألة السادسة (٢): قال الإمامُ الحافظُ: والصّحيحُ أنّ كلَّ الخُضَرِ الكريهةِ الرائحةِ في ذلك كالثُّومِ، والدّليلُ على ذلك: ما رُوِيَ عنه ﷺ أنَّه قال: "من أكلَ البصلَ والكُرَّاثَ والثُّومَ فلا يقربنَّ مسجِدَنا؛ فإنَّ الملائكةَ تَتَأذَّى ممّا يتأذَّى منه بنو آدم" (٣). المسألة السابعة (٤): قال (٥): فإن كان أكَلَهُ أحدٌ وأتَى المسجدَ، أُخرِجَ مِنْهُ؛ لما رُوِيَ عن عمرة أنّه قال: ثمَّ إنكُم أيْها النّاسُ تأكلونَ شجرتين ما أراهُما إلَّا خبيثتين، ولقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وَجَدَ ريحَهُمَا من الرَّجُلِ أَمَرَ به فاُخرِجَ إلى البقيع، من أكَلَهُمَا فليُمِتهُمَا طَبخًا ونضجًا (٦). المسألة الثامنة (٧): قوله (٨): " إذا رَأَى الإنسانَ يُغطِّي فَاهُ جَبَذَه" فروى ابنُ القاسم، عن مالكٌ (٩)؛ أنّه قال: المصلِّي لا يَلْتَثِمُ ولا يغطِّي فَاهُ؛ لأنّه نَفْيٌ للخُشُوعِ، ومعناه الْكِبر.

стр. 462

وقال مالكٌ في "المختصر": "لا يطوفُ رَجُلٌ مَلَثَّمًا، أو قال: مُتَلَثِّمًا، ولا امرأةٌ مُتَنَقِّبة". وذلك لأنّ الطّوافَ صلاةٌ (١). المسألة التّاسعة (٢): قال ابنُ حبيب: لا ينبغي أنّ يغطِّي فاه ولا ذَقنه ولا لحيته في الصّلاة. وحكَى ابنُ شعبان في "مختصره" الخلاف في تغطيه الذَّقن عن مالكٌ، فرُوِيَ عنه أنّه لا بأس (٣)، وَرُوِيَ عنه (٤) أنّه كرهه. ولا تصلي المرأةُ مُتَنَقِّبةَ (٥)، ورَوَى ابنُ وهْب عن مالكٌ أنَّه قال: ولا مُتَلَثِّمَة (٦) فإن فَعَلَت، فقد روى ابنُ القاسمِ (٧) عن مالكٌ أنّها لا تعيدُ. المسألة العاشرة: قال (٨): "وأكره التَّقَنُّع لغير عُذْرٍ، وما علمتُه حرامًا" قال: "وهذا في غير الصّلاة " (٩) حكاه القاضي أبو الوليد الباجي في "المنتقى" (١٠).

стр. 463

تَمَّ بحمدِ اللهِ المجلَّد الأوّل بالتجزئة السليمانية، ويَليهِ المجلد الثّاني، وأوّلُهُ: "العمل في الوُضُوء"

стр. 464

المسالك في شرح مُوَطَّأ مالكٌ للقاضي أبي بكر بن محمد بن عبد الله بن العربيّ المعافريّ (المتوفَّى سنة: ٥٤٣ هـ) قراه وعلّق عليه محمد بن الحسين السُّليماني عائشة بنت الحسين السُّليماني قدَّم له الشّيخ الإمام يسف القَرَضَاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين المجلد الثاني دَار الغرب الإسلامي

стр. 465

دار الغرب الإسلامي جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ هـ دار الغرب الإسلامي ص: ب. ٥٧٨٧ - ١١٣ بيروت جميع الحقوق محفوظة. لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.

стр. 466

المسالك في شرح مُوَطَّأ مالكٌ للقاضي أبي بكر بن محمد بن عبد الله بن العربيّ المعافريّ (المتوفَّى سنة: ٥٤٣ هـ) المجلد الثاني

стр. 467

العملُ في الوضوءِ قال الإمام الحافظ ﵁: أشبع مالكٌ ﵁ هذا الباب بالأحاديث، ولكنّه عَوَّل على حديث ابنِ زَيد، وإن كان قد رَوَى وضوء رسول الله ﷺ جماعة، منهم عبد الله هذا، ومنهم عثمان (١)، وعليّ (٢)، وعبد الله بن عبّاس (٣)، وجماعة، هؤلاء عدّتهم. والأحاديث الّتي ذكر مالكٌ في هذا الباب ستّة أحاديث: الحديث الأوّل: مالكٌ (٤)، عن عَمْرِو بن يحيى المازِنىِّ، عن أبيه؟ أنّه قال لعبد الله بن زَيْد بن عاصم، وهو جَدُّ عمرو بن يحيى - وكان من أصحاب رسول الله ﷺ : هل تستطيعُ أنّ تُرِيَنِي كيف كان رسولُ الله ﷺ يتوضَّأ؟ قال عبد الله بن زيد: نعم، فَدَعَا بِوَضُوءٍ في إناءٍ ... الحديث. الكلامُ في هذا الحديث يشتمل على فصول: الفصل الأوّل في الإسناد وهم وتنبيه (٥): وقع في "الموطَّأ": "مالكٌ، عن عَمْرِو بن يحيى المازِنِىِّ، عن عبد الله؛ أنّه قال لعبد الله ابنِ زَيدِ بنِ عاصمٍ، وهو جدُّ عمرو بن يحيى" وهذا وهمٌ قبيحٌ من يحيى بن يحيى (٦)

стр. 468

وغيرِه (١)، وأعجَبُ منه أنّه سُئِلَ عنه ابنُ وضَّاحٍ - وكان من الأيمّة في الفقه- فقال: هو جدُّه لأمِّه، ورحمَ اللهُ مَنِ انتهى إلى ما سمعَ، ووقف دون ما لا يعلم، وكيف جاز هذا على ابن وضّاح، والصّوابُ في "المدوّنة" (٢) الّتي كان يقْرِئها ويرويها عن سحنون، وهي بين يديه ينظر فيها كلَّ حين. قال الإمام الحافظ: وصوابُ الحديث: مالكٌ، عن عمرو بن يحيى المازِنىِّ، عن أبيه؛ أنّ رجلًا قال لعبد الله بن زيد، وهذا الرَّجُلُ هو عمارة بن أبي حسنٍ المازِنىِّ، جدّ عمرو بن يحيى المازنيّ (٣). قال القاضي أبو الوليد الباجي (٤): "لا يخلو وضوء عبد الله بن زيد هذا أنّ ينوي به مع التّعليم استباحة عبادة، أو لا ينوي، فإن لم ينو لم تصحّ به الصّلاة".

стр. 469

تنبيه على مقصد (١): قال الإمامُ الحافظُ: والوضوءُ أصلٌ في الدِّين، وطهارةٌ للمسلمين، وفضيلةٌ لهذه الأُمَّة في العالَمِينَ. وقد رُوِيَ عنه ﷺ أنّه توضَّأَ وقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قَبْلِي، وَوُضُوءُ إبراهيم خليل الرحمن" (٢) وذلك لا يصحُّ (٣). والوضوءُ مشروعٌ في الدِّين على ستَّةِ أقسامٍ: وضوءٌ للدعاء. ووضوءٌ لردِّ السّلام. ووضوءٌ للنوم. ووضوءٌ للقراءة عن ظهر غيب. ووضوءٌ للدُّخول على الأمراء. ووضوءٌ للفضيلة وتجديد العبادة. مزيد إيضاح: قال بعضُ القَرَوِيِّينَ: سبعة أوضية يُصَلَّى بها: من توضّأَ لنافلة. ومن توضّأ لجنازة. ومن توضّأ لرفع الْحَدَثِ.

стр. 470

ومن توضّأَ لقراءة المصحف نظرًا. ومن توضّأ للعيدين، وكذلك للكسوف. ومن توضّأ للاستسقاء. فصل وقال بعض البغدايِّين: ستّة أوضية لا يصلَّى بها: أؤلها: من توضّأ تَبَرُّدًا. والثّاني: من توضَّأَ تنظُّفًا. وكذلك من توضّأ مُكرَهًا. ومن توضّأَ لقراءة القرآن للتّعَلُّم. ومن توضّأ لدخول المسجد. والمِرْبَد (١). قال الشّيخ -أيَّدهُ اللهُ (٢) -: والأصلُ في هذا رَفْعُ الْحَدَثِ، وقد اختلف علماؤنا في هذا التقسيم اختلافًا كثيرًا، فلا يطال الكلامُ معهم. والَّذي يَرْبُطُ فيه المرام؛ أنّ الرَّجُل إذا توضَّأ بنيَّةِ رفع الْحَدَثِ الطّارئِ عليه، فإنّه يجوز له أنّ يفعل كلّ شيءٍ كان الْحَدَث مانعاً له، ولا خلافَ فيه بين العلماء. إلَّا أنّه قد ذكر القاضي أبو الحسن (٣)؛ أنّ رفعَ الْحَدَثِ إنّ كان مُطلَقًا صحَّ هذا القول، وإن كان مُقَيَّدًا بفعلٍ، لم يَجُز إلَّا ذلك الفعل، مثل أنّ يتوضّأ للظُّهر، فلا يجوزُ أنّ يصلِّيَ به العصر. وهذا قولٌ ساقطٌ؛ لأنَّ الْحَدَثَ.

стр. 471

ليس بمحسوسٍ، وإنّما معناه المنعُ، وإذا زال المنعُ لم يَعُد (١). وأمّا الوضوءُ بنيَّةِ الأقسام المتقدِّمة، فإنّ الصّلاةَ وأمثالها ممّا يمنع الْحَدَثُ منه، تَجُوزُ به؛ لأنّه إنّما يتوضّأ ليكون على الكمال، أو كمال الأحوال، فيقول في النّوم: أَلْقَى رَبِّي على طهارة إنْ أنا متُّ، ويقولُ في دخول الأمراء: لا أدري قَدْرَ ما أحبس، فربّما تَحِين الصّلاة فَتجِدُني طاهرًا. وأمّا ذِكْرُ الله تعالى، فيقول: لا نتكلَّمُ إلَّا به. وبَقِيَ وضوءُ الفضيلة، فقال سحنونٌ ومحمدُ بنُ عبدِ الحَكَم: لا يصلَّى به. وقال أشهب: يجزئُ، وقد رويتُ الوجهان عن مالكٌ ﵀، والصّحيح أنّه لا يُجْزِئُهُ؛ لأنّه لم يتوضّأ وهو ينوي به الطّهارة؛ إنّما نَوَى به الكمال والفضيلةَ. نكتة لغوية: قوله ﷺ : "فَدَعَا بِوَضُوءٍ" الْؤَضُوءُ بالفتح عبارة عن الماء، والْوُضُوءُ بالضمِّ المصدر، مثل قوله: الوَقُود والوُقُود، والعرب تسمِّي الشيءَ باسمِ ما قَرُبَ منه، وهو واقع في الشّرع على النّظافة، لقولهم: فلانٌ وضيء الوجه، بمعنى نظيفه. وقال الفَرَّاء: الوَضوءُ بالفتح اسم الماء الّذي يُتَؤضَّأ به، وبالضَّمّ هو الفعل، مصدر وضوء وضاءة ووضوء (٢). وقال الخليل بن أحمد (٣): "أقول بالفتح فيهما، والضَّمّ لا أعرفه" (٤).

стр. 472

ويقال: قد وَضُؤَ وجهُ الرَّجُل، أي حَسُنَ، يوضأ وضاءةً. والميضاة: المطهرة الّتي يتوضّأ فيها. وقيل: الوُضوءُ بالضَّمّ: هو الاسم، وبالفتح المصدر. وقيل: إنّهما شيءٌ واحدٌ. قال الإمام الحافظ (١): والوُضوءُ يكونُ بخمسة أعضاء: العُضوُ الأوَّل: الكفّان وليس غَسلُهما مشروعًا لنفسه؛ وإنّما هو للتَّأَهُّبِ للوضوء، قال النّبيُّ ﷺ : "إِذَا اسْتَيقَظَ أَحَدُكُمْ من نَوْمِه، فلا يَغمِسْ يَدَهُ في الإِنَاءِ حتّى يَغسِلَهَا ثلاثًا، فإنَّ أَحَدَكُم لا يدري أينَ باتَتْ يَدُهُ" (٢) فأمر بغسلها استطهارًا. وقد كنّا نقول كما قال أحمد بن حنبل وإسحاق: إنّ غسلَهُما واجبٌ؛ إلا أنَّ النّبيَّ ﷺ أعقب الأمر الأوَّلَ في الحديث بقوله: "فإنَّ أحدَكُم لا يدري أين باتَتْ يَدُهُ" فعلّله، والشّكُّ لا يُوجِبُ حُكْمًا في الدِّينِ. بَيدَ أنّه لَمَّا واظبَ عليها النّبىُّ ﷺ في جميع وضوئه، وبدأَ بها في كلِّ حالةٍ من أحواله، عدَّها العلماءُ من جملة الوضوءِ، وحَسَبُوهَا من جملة الأعضاء، اقتداءً بفعل النّبىِّ ﷺ ومُحافظتَهُ عليها، حتّى قال علماؤنا: لو أنَّ رجلًا غسل يَدَيه ووَجْهَهُ، ثمَّ طرأَ عليه الحدَث في أثناء وضوئه، وجبَ عليه أنّ يَبْتَدِىءَ الوضوءَ، واستحبُّوا له أنّ يعود إلى غَسلِ يديه؛ لأنّهما من جُمْلَتِهِ. شرح: قال القاضي أبو الوليد الباجي (٣): "اختلف العلماء (٤) في صفة غَسْلِ اليدين على قولين: أحدُهما: رَوَى أشهب عن مالكٌ؛ أنّه استحبَّ أنّ يُفْرِغَ على يده اليمنَى فيغسلها، ثمّ يدخلها في إنائه، ثم يصبُّ على اليُسْرَى. والرِّوايةُ الثّانية: رَوَى عيسى (٥) عن ابن القاسم؛ أنّه قال: أحبّ إليَّ أنّ يفرغ على يديه، كما جاء في حديث عبد الله بن زيد هذا.

стр. 473

وقولُه (١):"فَغَسلَ يَدَيْه مرَّتَيْن" دليلٌ على أنّ الغسلَ للعبادة دون النّجاسة؛ لأنّ غسل النّجاسة لا يعتبر فيه العدد (٢). والعددُ المشروع في ذلك اثنان وثلاثة، للحديث". مزيد إيضاح: قال الإمام الحافظ ﵁: اختلف علماؤنا في غَسْلِهما، هل غَسْلُهما عبادة كالوضوء؟ أم هَي باقية على معقول معانيها فتكون كغسل النجاسة؟ على ثلاثة أقوال: ١ - القول الأوّل - قال أشهب: هي جاريةٌ مَجْرَى العبادة؛ لأنّه رأى محافظة النّبيّ ﷺ في الفعل قائمًا من النّوم وغير ذلك. ٢ - وأبقاها ابنُ القاسم على أصلها. ٣ - والصّحيح أنّه حُكْمٌ لم ينقل عن أصله إلى غيره، بخلاف الحدَث، إلَّا أنّها نجاسةٌ مظنونةٌ غير محقَّقة، فكان الغسل لها استحبابًا، وهو مذهبُ مالكٌ ﵁ (٣) -. وأمّا حديثُ عبد الله بن زيد: "فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَينِ" ليس يقتضي الإفراد لكلِّ يدٍ- والله أعلم-، وإنّما هو عبارة عن فعل الجمع مرَّتين. شرح: قوله (٤): "ثُمَّ مَضمَضَ" المضمضةُ ليست بواجبة عند مالكٌ في الطّهارة الصُّغْرَى (٥)، وبه قال أبو حنيفة (٦)، والشّافعيّ (٧).

стр. 474

واتّفق أيمَّةُ الأمصار على أنّها سُنَّة في الوضوء والجَنَابة يجزئان دونهما، والأفضل استعمالهما. وقال أحمد وإسحاق بوجوبهما في الوضوء والجنابة. وقال أبو ثور بوجوب الاستنشاق وحدَهُ. وقال أبو حنيفة (١) بوجوبهما في الغسل من الجنابة دون الوضوء. وقال القاضي أبو الوليد في كتاب "السِّراج في ترتيب الحِجَاج" (٢): "المضمضة والاستنشاق في الطهارتين عندنا سُنَّتَانِ غير واجبتين" (٣). توصيل: قوله في الحديث: "من غَرْفةٍ واحدةٍ" (٤) وقال أيضًا فيه "ثلاثًا" (٥) من ثلاثِ غرفاتٍ، ومن غرفة واحدة، كما تقدَّمَ (٦). قلنا: ذلك -والله أعلم- بحسب الحاجة إلى النّظافة، والزيادة على الحاصل فيها للاستكثار منها، وسيأتي بيانُه في موضعه إنّ شاء الله. العُضْو الثّاني (٧): وهو الوجه

стр. 475

قال الله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١) واختلف العلماء هل يتناولُ هذا الأمرُ باطنَ الفَمِ والأنفِ أم لا (٢)؟ وقد ذهب ابنُ حنبلٍ وإسحاق وغيرهما إلى وجوب ذلك. وقال عامّةُ الفقهاء: لا يَجِبُ؛ لأنّ الأمر عندنا إنّما يتناول الظّاهر دون الباطن، والعرب لا تسمِّي وجهًا إلَّا ما وقعت به المواجهةُ، لكنّ النّبىَّ ﷺ واظبَ على المضمضة والاستنشاق، فكان ذلك مأخوذًا من فعله، وقد قال النّبيُّ ﷺ للأعرابي: "تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللهُ" (٣) فأحاله على القرآن. واختلف العلماء في حدِّه؟ وأمّا صورته المطلقة فبيِّنَةٌ حقيقةً ولغةً (٤)، بَيْدَ أنّه لاختلاف النَّظرِ فيه افتقر إلى بيانه، والله أعلم. فهو للأمْرَدِ من الأُذُن إلى الأُذُن عَرْضًا (٥)، ومن منبتِ شَعر الجبهة إلى طَرَفِ الذَّقنِ طُولًا، ولا خلافَ فيه. وأمّا الملتحي، ففي رواية ابن وهب (٦) عن مالكٌ أنّه مثله. وقال غيره: من العارض إلى العارض، وأسقط البياض الّذي بين العارض والأُذُن (٧).

стр. 476

تنبيه: فإن قيل: فما الفائدة في غسل اليدين والرَّجْلَين مرَّتين مرّتين والوجه ثلاثًا؟ الجواب -قلنا- والله أعلم:- لأنّ الوجه ذو غضون وتكسُّر، بخلاف اليد والرَّجْل فإنّهما معتدلتا الهيئة طُولًا، فافتقر الوجهُ إلى مزيد غسلٍ، ليعمّ بذلك غضونه، وأنّه أبهى الأعضاء منظرًا، وأعمّها نفعًا، وهو محلّ الإحساس وموضع الإدراكات ومغنى الجمال، فَخُصَّ بمزيد طهارة لاختصاصه بمزيد فضيلة؛ لقوله ﵇: "لا تضربوا الوجه؛ فإنّ اللهَ خَلَقَ آدمَ عَلَى صُورَتِهِ" (١) أشار ﷺ إلى شَرَفِ الوجه. العضو الثّالث: غسل اليدين وفيهما للعلماء خمس مسائل: المسألة الأولى: في حدّهما ولا خلافَ بين أربابِ اللُّغة أنّ اليدَيْن من الأظفار إلى مَغْرِز الْمَنْكِب، جميع ذلك ينطلق عليه اسم يد، وإن احتجتَ في التَّفصيلِ إلى أصبع وكفّ وذراع ومَرْفِق. إلَّا أنّ الشَّرعَ قسم هذا المحلّ في مدركات الأحكام، فجعلَ القطع إلى الكُوع، وجعلَ الطهارة إلى المرفِقَين باتَّفاقِ، وإلى الكُوع والْمَنْكِب، باختلافِ معانٍ يطولُ ذِكرُها في هذا المختصر (٢). المسألة الثّانية: لا خلاف بين الأُمَّة في أنَّ منتهَى الغسل في الوضوء في اليد الْمَرْفِق، واختلف في دخول المرفق في الغسل على ثلاثة أقوال: القول الأوّل -وهو المشهور-: دخولهما (٣).

стр. 477

القول الثّاني - قال أبو الفرج: هما غير داخلتين في الفرض (١). القول الثالث - قال عبد الوهاب: غسلهما أَحْوَطُ (٢)، وهو اختيار أشهب. فما طبق المفصل غير القاضي أبي محمد عبد الوهاب؛ فإنّه قال (٣): قوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٤) حدّ للمتروك من اليدين لا للمغسول منهما، ولذلك يدخل المرفق في الغسل، وعلى هذا عوَّلَ أشياخنا فقالوا: الصّحيح دخولهما لغةً وشرعًا (٥). أمّا اللّغة، فقد قال المبرّد (٦): إذا كان الحدّ من جنس المحدود دخل فيه، كقولك: بِعتُك هذه الدار من هاهنا إلى هاهنا، وإذا كان من غير جنسه لم يدخل فيه، كقولك: بِعتُك هذا الفدّان من هذه الشّجرة إلى هذا الجدار، لم تدخل الشّجرة والجدار في البيع. وأمّا الشرع، فقد رَوَى جابر بن عبد الله؛ أنّه رأى الماء على مرافقه (٧) في الوضوء (٨).

стр. 478

المسألة الثّالثة: إذا ثبت وجوب غسل اليدين، فقد اختلف العلماء في تخليل الأصابع فيهما وفي الرِّجْلَيْن؟ فقال ابن وهب: هو واجبٌ في اليدين، مُسْتَحَبٌّ في الرِّجْلَيْن (١). قال الإمام الحافظ؛ ووجهه: أنّ ما بين أصابع اليدين ظاهر، فكان ذلك كالكفِّ والسّاعد، وما بين أصابع الرِّجْلَيْن باطنٌ، فلم يدخل ذلكِ في وجوب غسل الظّاهر. المسألة الرابعة: يبدأ في الغسل باليمنَى قبل اليسرى، فإن بدأ باليسرى قبل اليمنَى أجزأه بلا خلافٍ فيه (٢)، رواه الدّارقطنيّ (٣)، عن علي بن أبي طالب ﵁.؛ أنّ رجلًا سأله، هل يبدأ بميامنه أم بمياسره؟ فقال له عليّ: ما أبالي بأيهما بدأت في الوضوء. قال الإمام الحافظ ﵁: ووجهه: أنّ البارئ سبحانه جمع اليدين في الوضوء، كما جمع الرِّجْلَيْن، فلما جاء ذِكرُهُما مجموعا كمجيء العضو الواحد حين ذكرهما، جَرَيَا مَجْرَى العضو الواحد، فلا تبالي بأيّهما بدأتَ، بَيْدَ أنّ النّبيَّ ﷺ شرع للنّاس في جميع أفعاله، فوجب الاقتداء به. المسألة الخامسة: وهي إذا طالت أظفار الرَّجُل فمن العلماء من أوجب غسلها؛ لأنّها من جملة أجزاء اليدين. ومنهم من قال: لا يجب غسلها، قياسًا على ما استرسل من اللِّحية على الذَّقنِ.

стр. 479

ورأيت لبعض أشياخنا فيها قولين: أحدهما: وجوب غسلها. والثّاني: استحباب قطعها. فهذه عدِّةُ أقوالِ العلماءِ في ذلك. العضوُ الرّابع: وهو الرّأس (١) وهو رأسٌ في مسائل الوضوء، وهو في اللُّغة عبارة عمَّا احتوت عليه الجمجمةُ إلى العينِ، إِلاّ أنّه في الشريعةِ المطلقةِ في الوضوءِ عبارةٌ عن منبت الشَّعر على الجُمْجُمَةِ (٢). واختلف العلماء في حدِّه على قولين: أحدهما - قيل: حدُّه من منابت الشَّعر مما يلي الجبهة إلى آخر العظم في القَفَا طُولًا. القول الثاني - قال الشّافعي: حدُّه إلى منتهى الشّعر في القَفَا (٣)، وهو فاسدٌ؛ لأنّ الرّأس منفصلٌ عن القَفا حقيقةً ولغةً، فلا يدخل فيه حُكم إلَّا بدليلِ. وحدَّهُ عندنا عَرْضًا: من الشَّعر النّابتِ عند شحمة الأُذُنِ، إلى مِثْلِهِ من الجانب الآخر في مشهور المذهب (٤). قال الإمام الحافظ ﵁: فلمّا كان الرّأس أصلًا في الْخِلْقَةِ، كان أصلًا في العبادة، فتعلّقت به أحكامٌ وتوجّبت عليه، ومنه مُعْظَم الحلال والحرام، واختلف العلماء في كيفية مسحه على أحد عشر قولًا (٥):

стр. 480

القولُ الأوّل: مسح جميعه، قاله مالكٌ ﵁ (١) .. القولُ الثّاني: إنْ تركَ اليسير من غير قصد أجزأه. القولُ الثالث: قال محمد بن مَسْلَمَة: إنْ تَرَكَ الثُّلُث أجزأَهُ (٢). القولُ الرّابع: قال أشهب: إنْ مسحَ مقدّمه أجزأهُ (٣). القولُ الخامس: قال أبو الْفَرَج: إنْ مسحَ ثُلُثَهُ أجزأَهُ (٤). القولُ السادس: إنْ مسحَ اليسير من غير تقدير أجزأه، وهو ما يقع عليه الاسم (٥). القولُ السّابع: إنْ مسح ثلاث شَعَرات أجزأه، قاله الشّافعيّ. القولُ الثامن: قال أبو المعالي: قال الشّافعيّ (٦): إنْ مَسَحَ شعرة واحدة أجزأه. القولُ التّاسع: قال أبو حنيفة: إنْ مَسَح الرُّبُع أجزأه (٧). القولُ العاشر: قال بعض العراقيِّين: إنْ مَسحَ دون النّاصية أجزأه. القولُ الحادي عشر: قال بعض القَرَوِيِّين: لا يجزئه إلَّا أنّ يمسح النّاصية بأربع أصابع أو بثلاث. فهذه معظم أقوال العلماء من فقهاء الأمصار، والصّحيح منها مسح الجميع، وهو ختاره مالكٌ وبنى عليه، وإختاره أيضًا البخاري ﵁ فقال في كتابه (٨):

стр. 481

بابُ مَسْحِ جميعِ الرَّأْسِ كلِّه، قال الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ الآية (١). قال (٢): وقد مسح رسول الله ﷺ رأسه في الإقبال والإدبار (٣)، فبيَّنَ فعله ﷺ قولًا وفعلًا. مزيد إيضاح: فإن قيل: فما وجوبُ تعميمه؟ قلنا: قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٤) فوجب غسل الجميع بظاهر القرآن، كذلك قال أيضًا: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٥) فوجب مسح الجميع بظاهر القرآن. غاية وإيضاحُ مُشْكِلٍ: فإن قيل: فما فائدة الباء ههنا؟ قلنا: للعلماء في ذلك جوابان: أحدُهما أنّ نقول: فائدتُها ههنا فائدةُ قوله في التّيمُّم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ (٦) فلو كان مقتضاها التّبعيضُ لأَفَادَتْهُ في هذا الموضعِ، وهذا قاطعٌ بهم في كلِّ جواب لهم. فإن قيل: ما فائدتها؟ ولأي شيء جيء بها وهي مستغنى عنها، وقد قال بعضُ أصحاب الشّافعيّ - أظنُّه أبا إسحاق الإسفراييني-: إنْ الباء هي للتّبعيض وهو معنى ذلك في اللغة، وأنكر ذلك حُذَّاقُ أهل العربيّة واستجهلوا قائل ذلك، وقالوا: إنّ الباء لاتِّصال الفعل بالاسم حيث لا يتّصل إلّا به، كقولك: جئت بزيد، فالباء في الاتِّصالِ هاهنا أصلٌ، إذ لإيصالِ المعنى في الفعل إلى الاسم، كقولك: مررتُ بزيدِ، فإن حذفتها قلتَ: مررتُ زيدًا.

стр. 482

قال الإمام الحافظ (١): وقد طال بحثي عن هذه المسألة وإتعاب خاطري فيها، حتّى مَرَّ بي رجلٌ في بعض أسفاري من أهل العِلم واللغة، كبير مشهورٌ، فقال لي: إنَّ الباء في قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٢) جاءت لفائدة، وذلك أنّ المسح يقتضي ممسوحًا وممسوحًا به، والممسوح به قد يكون آلة لاتِّصال الفعل كاليد، وقد يكون محصّلًا لمقصود المسح كالمنديل (٣)، فإذا تقرَّرَ هذا، فالمعنى كما تقدَّمَ. فلو قال البارئ : ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٤) بإسقاط الباء، لأجزأَ المسح باليد مرورًا على الرّأس من غير ماء ولا شيءٍ، فدخلتِ الباءُ لتُفيدَ ممسوحًا به وهو الماء. فكأنّه قال سبحانه: "وامسحوا برءوسِكُم الماءَ" وهذا من باب القلب الفصيح في اللغة المستعمل في العادة، خصوصًا في المسح، قال الشاعر (٥): وَمَسَحَت باللِّثتَيْنِ عَصْفَ الإِثْمِدِ واللَّثَّةُ هي الممسوحة بعَصْفِ الإِثمِد، فقلَب، ولكن المعنى ظاهر والفصاحة قائمة. تكملة: قال الشّيخُ أبو محمد (٦) ﵁: "اختلف في معنى قوله: "بَدَأَ بمُقَدَّمِ رَأسِهِ"؟ فقيل: إنّه بدأ من حدِّ منابت الشَّعر. وقيل: بَدأَ بنَاصِيَّتِهِ. وكلُّ واسعٌ، والأوَّلُ أصْوَب (٧)، وقد روى أشهب عن مالكٌ؛ أنَّه يبدأ من حدِّ منابتِ الشَّعر".

стр. 483

وقال غيرُهُ: إنّ الرّتبة المستحبّة أنّ يبدأ بأوّل كلّ عُضْوِ، قال أبو إسحاق: وهذا هو الأشبه، ويكون معنى "فَأَقْبَلَ بهما وَأَدْبَرَ": فأدبر بهما وأَقْبَلَ. وقال الشّيخ الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ (١): "قد توهَّمَ بعضُ النّاس أَنَّه بدأ بمؤخِّر رأسه لقوله: "فَأَقبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ". وتوهّمَ آخرون أنّه بدأ بواسطة رأسه، فأقبل بيدَيْهِ وأدبرَ، وهذا كلّه ظنونٌ". تحقيق: قال الإمام الحافظ ﵁ (٢) -: "وفي قوله: "بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رأسِهِ" ما يرفعُ الإشكالَ لمن أُلْهِمَ رُشدَه؛ لأنّه مفسَّرٌ لقوله: "فأقبلَ بهما وأدْبَرَ" وهو كلامٌ يحتمل أنّ يكون على التّقديم والتّأخير، كأنّه قال: "فأدبرَ بهما وأقبلَ" والواو لا تُوجِبُ رُتبةً ولا تعقيبًا، وإذا احتمل التّأويل كان قولُه: "بدأَ بمقدَّمِ رأسهِ ثمَّ ذهبَ بهما إلى الْقَفَا" يُوضِّح ما أشكل من ذلك، وهذا كله مذهب مالكٌ"، وإشارَتُه تقريرٌ. وقال في حديث عبد الله بن زيد، حين وصف وُضوءَ رسولِ الله ﷺ فقال: "بدأَ بمقدَّمِ رأسه، ثم ذهب بهما إلى الْقَفَا، ثم ردَّهُما إلى المكان الّذي بدأ منه" (٣). قلنا: ولا خلاف أنّ ردّ اليدين ثانية بعد استيعاب مسح الرأس ليس بفَرْضٍ، وهو عند مالكٌ وأصحابه سُنَّةٌ (٤). وقال ابن القصّار (٥): "لو بدأ بالمسح من مؤخّر الرّأس، لكان المسنونُ أنّ يردّ يَدَيه من المقدَّم إلى المؤخّر" (٦).

стр. 484

وقال ابنُ شعبان: والمشهورُ أنّ يبدأ بالمقدَّم، وينْهَى من بدأ بالمؤخّر عن العودة، قال: ولا يمسح الرّأس على حائل في مذهب مالكٌ (١)، وأما غيرُهُ فيراه، منهم أحمد (٢) وغيرُه. قال القاضي أبو الوليد (٣): "قال الشّافعيّ (٤): الفرضُ أقلّ ما يقع عليه الاسم، ولأصحابه في ذلك وجهان: منهم من قال: إنّ اسم الرّأسِ ينطلقُ على الشَّعرة الواحدة. ومنهم من قال: لا ينطلق إلَّا على ثلاث شعرات فَأكثر. والدّليل على الاستيعاب قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ الآية (٥)، هذا يقتضي الجميع، وهو مذهب مالكٌ في الاستيعاب". وأمّا حكم النِّساء في المسح، فقال (٦): "وإذا كَثَّرت المرأةُ شعرها بصوف أو شعر لم يجز أنّ تمسح عليه؛ لأنّه لا يصل الماء إلى شعرها (١)، وإن وصل فإنَّما يصل إلى بعضه". العضوُ الخامس: الرِّجلان في ذلك للعلماء خمسة أقوال: القول الأوّل: في حقيقتها وهي عبارة عن الجارحة اللّاصقة بالأرض المنتهية إلى السّاق والمنعقدة معه

стр. 485

بالكعب. واختلف العلماء من أهل اللُّغة هل تدخل السّاق في التّرجمة أم لا؟ والصّحيحُ أنّها لا تدخل. القول الثاني: في الكَعْبِ قال (١) في "الأشراف" (٢): "هما اللّذان على ظهر القَدَمَيْن عند معقد الشّراك". القول الثالث: قال الخليل (٣): "الكَعْبُ هو الّذي بين السّاق والقدم" (٤) والعَقِبُ هو معقد الشّراك. وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: حُكِيَ عن ابن القاسم أنّه قال: "هما اللذان على ظهر القدمين" (٥). قال الإمام الحافظ ﵁: والَّذي يصحُّ في اللّغة؛ أنّ كلّ ناتىءٍ كعبٌ، ومن ذلك: كعَبَ ثَدْيُ المرأةِ (٦)، ومن ذلك سُمِّيت الكعبةُ كعبة لأنّها ناتئة بطن الوادي، وليس يختص ذلك بالمرتفع، وليس الأمر كذلك، بل ينطلق ذلك على كلِّ ناتىءٍ. إلحاق وتبيين: وقد وردت في الرِّجْلَين أحاديث كثيرة في الصّحيح وغيره، وفي البخاري (٧) ومسلم (٨): "غسل رِجْلَيْه إلى الكَعْبينِ".

стр. 486

وفي الصّحيح أيضًا عن أبي هريرة (١)، وعبد الله بن عمرو (٢)؛ أنّهما رَأَيَا أقدامًا تلوح أعقابهما فقالا (٣): وَيلٌ للأعقابِ من النَّارِ. القولُ الرّابع: قال: وفرضُ الرِّجْلَيْن الغسلُ، لا خلاف فيه بين أهل السُّنَّة ونَقَلَةِ الآثار. وقال محمد بن جرير الطّبريّ: الفرضُ فيهما التّخيير بيِن الغسل والمسح (٤)، وهذه وهلةٌ عظيمةٌ من الطّبريّ. وقالت الإماميّة: الفرضُ فيهما المسح (٥)، والّذي أوقعَ الإمامية في هذا نصب اللام، وقد قرئ بكسرها وفيها ثلاث قراءات: فرفع اللام نافع (٦)، وخفضها غيره (٧)، ونصبها أيضًا نافع (٨) وغيره (٩). وقال القاضي أبو الوليد الباجي في كتاب "السّراج في ترتيب الحِجَاج" (١٠) والّذي أوقع المبتدعة في المسح: القراءة بالنّصب عطفًا على الأيدي، وهي قراءة نافع وابن عامر والكسائي وحَفْص (١١) وعاصم، وذلك يقتضي الغسل، قالوا: وقد قرئ بالخفض والقراءة بالخفض تقتضي المسح، ولما تعارضت القراءتان كان التخيير بينهما أوْلَى من اطِّراح إحداهما.

стр. 487

الجواب- قلنا: هذه غلَطةٌ؛ لأنّ التّخيير إنّما يكون في شيء من أشياء غير معيّنة. قالوا: إنّ القراءتين كالآيتين لا يعلم تاريخهما، فيكون التّخيير بينهما أولَى من اطِّراح إحداهما. الجواب عنه - قلنا: إنّه لا يجوز النَّظر في تاريخهما، ولو احتاج أحدهما (١) ما أمكن الجمع بينهما، ونحن نجمع بينهما، فنجعلُ القراءتين تقتضي الغسل: قراءةُ النّصب حملًا على الرّأس، وقراءةُ الخفضِ حملًا على الجِوَار، وهو شائعٌ في لسان العرب، قال الله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ (٢) والحورُ لا يطافُ بهنّ، وإنّما يطفن بأنفسهن، وانشد النّابغة (٣): لَمْ يَبْقَ إلَّا أَسِيرٌ غَيْرَ مُتفَلِتٍ ... أَو مُوثَقٍ في حِبَالِ القِدِّ مَسْلُوبُ فإن قالوا: إنّ كنتم تجعلون الخفض للجوار، فنحن نجعل النَّصب عطفًا على الموضع. قلنا: هذا كله ممّا لا تقوى به حُجة عندنا؛ لأنّ الأحاديث الواردة عن النّبىِّ ﷺ فيه أقوى، فلا معنى للكلام معهم على هذه البدعة، والمشهور عند الجماهير من فقهاء الأمصار الغسل، وعليه عكفت أهل السُّنَّة. حديث مالك (٤)، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ قال (٥): "مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتنْثرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ" الحديث (٦).

стр. 488

الكلام فيه على ثلاثة فصول: الفصلُ الأوّل في التّرجمة قال الإمامُ الحافظُ ﵁: عقَّب مالكٌ ﵁ بحديث أبي هريرة ليبيِّنَ التَّرجمة في تأكيد المضمضة والاستنشاق، وأنّ النّبىَّ ﷺ كما فعلهما فعلًا فكذلك أمر بهما قولًا، فجعلهما مالكٌ أصلًا في هذا الباب. الفصل الثاني في الإسناد وحديث (١) ابن شهاب (٢)، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من توضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِر، ومَنِ اسْتجْمَرَ فَلْيُوتِر" وعند بعض الرُّواة (٣) في حديث أبي الزِّناد: "فليجعل في أنفِه ماءً" (٤) وبعضهم يرويه وليس عندهم "ماء" والمعنى قائم. وليس في الموطّأ في حديث مُسْنَدٍ لفظ "الاستنشاق" ولا يكون الاستنثار إلَّا بعد الاستنشاق، ولفظ "الاستنشاق" موجودٌ في حديث أبي هريرة (٥)، وفي حديث أبي رَزِين بن العُقَيلي (٦)؛ أنّ رسول الله ﷺ تمضمض واستنشقَ، من حديث عثمان (٧) وعائشة وغيرهم.

стр. 489

تأصيل (١): واختلف العلماء في هذا المعنى؟ فذهب مالكٌ والشّافعيّ (٢) إلى ألاَّ فرض في الوضوء واجبٌ إلَّا ما في القرآن، وذلك غسل الوجه واليدين إلى المِرْفقين ومسح الرأس وغسل الرَّجْلَين. نكتة لغوية: قال: والمضمضةُ على وزن افعل، أو على وزن الفعللة، من مضَّني الدَّهر، أي عركني. فقيل لها المضمضة؛ لأنّك تعرك الماء بلسانك من شِدْقٍ إلى شِدْقٍ وتَجْذِبه. والاستنشاق: قبضُك الماء بلسانك تَجذِبُه بريح أنفك إلى نفسك. والاستنثار: طرحُك الماء من أنفك. والغَمَرُ -بفتح الميم-: هو الوَدَكُ، والغَمرُ- بإسكان الميم-: الرّجل الكثير العطاء (٣). وقال ابن قُتَيبَة في "شرح غريب الحديث" (٤): الاستنشاق والاستنثار واحد، سُمِّيَ بذلك لأنَّ النَّثْرَةَ هي الأنف، وإذا دخل الماء في نثرته. قيل: استنشق واستنثر. وقال ابنُ حبيب في "شرح غريب الموطَّأ" (٥):"الاستنشاق جَذبُك الماء إلى خياشيمك، والاستنثار؛ نَثْرُكَ الماء إلى خارج". قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁: المضمضةُ في عبارة عن تحريك الماء في الفم لتنظيفه. والاستنشاقُ: هو عبارة عن إدخال الماء في الأنف لجذب الاسترواح، ومنه اشتقت الرّائحة، إذا استجذبها إلى محلّ الإدراك من الأنف.

стр. 490

نكتة أصولية: قال الشّيخ -أيَّدَهُ اللهُ-: ولأجل هذه المعاني قُدِّمت في الوضوء. فإن قيل: قدّمت المضمضةُ والاستنشاقُ في الوضوء على غسل الوجه والذَّراعين وهي سنّة، والفرضُ أبدًا مقدَّمٌ على السُّنَّة في جُلِّ العبادات؟ الجواب - قلنا: تقدَّمَ ذلك لفائدتين: أحدها الاختبار. والثّانية: الطّعم. وأيضًا: فإنّ على الإنسان أنّ يقدِّم الاختبار على النّية، أعني بالاختبار اختبار الماء، كان حكمه أنّ يختبر بالفم، وهي المضمضة، ليتَوصَّل إلى طعمه بعد نَظَرِه بعينه إلى لونه ثم رائحته، وذلك هو الاستنشاق، فأفاد ذلك فائدتين: إحداهما: الاختبار، والأخرى: تخصيصها بالعضو المذكور. وأما ما رُوِيَ عنه أنّه تمضمض واستنشق من غَرْفَةٍ واحدةٍ (١)، فذلك كما بيّنّاهُ، فيختلف بسبب اختلاف كثرة الماء وقلَّته، وحاجة العضو إلى النّظافة واستغنائه إلى التّعديد فيها. وأمّا قوله (٢): "منِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِر" فإنّه يعني بذلك حجرًا واحدًا أو ثلاثة أو خمسة، ولا يكون ذلك شفعًا؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُحِبُّ الوِترَ في أفعاله كلِّها (٣). وقد رَوَى مسلم (٤): "الاستجمارُ تَوِّ، والطوافُ تَوٍّ" يعني وِتْرًا، فهو معنى قوله: "فَلْيُوتِر". نكتةٌ لغوية: قال: والاستجمار في لغة العرب هو إزالة النَّجْوِ من الْمَخرَجِ بالجمار، والجمار عندهم الحجارة الصِّغار.

стр. 491

واحتج الفقهاء بهذا الحديث، في أنّ عدد الأحجار في الاستنجاء غير واجب، والدَّليل على ذلك: ما روي عن أبي هريرة؟ أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : "منِ استجمرَ فلْيُوتِر، ومن فعلَ فقد أحسن، ومن لا فلا حَرَجَ" (١) فدلّ هذا الحديث أنّ النّبيَّ ﷺ إنّما أمر بالوتر استحبابًا منه للوِترِ. مزيد بيان (٢): واختلَفَ العلماءُ في التَّطيِيبِ، هل هو مِثلُهُ أم لا؟ فكان مالكٌ إذا أراد أنّ يَسْتَجْمِرَ طِيبًا كَسَرَ العُودَ ثلاثًا كي يكونَ وِتْرًا (٣). ورَوَى بعضُ أصحابنا؛ أنّ أعرابيًا قال له: إنا نسمِّي الحجارة في الغائط استجمارًا، فرجع مالكٌ إليه (٤). ومالك كان أوْسَعَ حَوْصَلَةً من أنّ يكون ذلك الأعرابىُّ يلقِّنُه أنَّ استعمالَ الحجارة هنالك يُسمَّى استجمارًا، وإنّما أصغى إليه مالكٌ؛ لأنّه رآه يقتصِرُ على ذلك الموضع، ولم يَفهم حملَهُ على العُمومِ للَّفظةِ المشتَرَكةِ في الطِّيب والحِجَارة، وكلُّه نظافةٌ واستطابةٌ. وقال القاضي عبد الوهاب (٥): والاستجمار موضع المسح للحدَثِ بأحجار مشتقّة من الجمار، وهي الحجارة الصِّغار. تتميم: قال القاضي أبو محمد عبد الوهّاب: فالاستجمارُ في اللُّغة على ثلاث عبارات:

стр. 492

١ - الاستنجاء. ٢ - الثّاني: الاستجمار. ٣ - الثّالث: الاستطابة. فالاستنجاءُ مأخوذٌ من النَّجْوَةِ، وهي المكانُ المُرتَفِعُ من الأرضِ، وذلك أنّهم كانوا إذا أرادوا حاجة الإنسان طلبوا النّجوة من الأرض يستترونَ بها، فقالوا لمن التمسَ ذلك: ذهبَ يَنْجُو، ثمَ اشتقّ منه استنجاء. كما قالوا: ذهب يتغوّط، أي يطلب الغائط؛ وهو ما انخفض من الأرض، ثمّ سمّوا الْحَدَثَ باسم الموضعِ. وقال غيره: هو مشتقٌ من النَّجَا، وهو القشر، يقال: نجوت القشر، إذا قشرته، بمعنى الاستنجاء، أي قشرت الحدَث عنه. فقه: قال أبو محمد بن أبي زيد ﵁ (١): "وليس الاستنجاءُ من سُنَنِ الوضوء ولا من فرائضه، وهو من باب إيجابِ زوال النَّجاسة، ويُجزِئُ فعلُه بغيرِ نيةٍ" ولا يُسْتَنْجَى من الرِّيح ولكن من الغائط والبول، ولما رُويَ أيضًا عنه ﷺ ؛ أنّه قال: "ليس منّا من استنجى من الرِّيح" (٢). حديث مالك (٣)؛ أنّه بَلَغَهُ، أنَّ عبد الرحمن بن أبي بكر الصّديق دخلَ على عائشةَ، فَدَعَا بوَضُوءٍ، فقالت له عائشة: يا عبد الرحمن أَسْبغِ الُوضُوءَ، فإنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ- ﷺ يقولُ "وَيل لِلأَعقَاب مِنَ النَّارِ" (٤).

стр. 493

قال الإمام الحافظ أبو عمر ﵁ (١) -: "هذا حديث صحيح متَّصِلٌ عن النّبيّ ﷺ من وجوه شتَّى وطرق كثيرة (٢)، من حديث عائشة (٣)، وأبي هريرة (٤)، وعبد الله بن عمرو (٥)، بأسانيدَ حسانٍ لا مقالَ فيها لأَحَدٍ بوجهٍ". فقه: اختلف العلماء في العراقيب؟ وفيها ثلاثة أقوال، وقد مضَى القولُ فيها في الكلام على الرَّجْلَين، فليُنْظر هنالك. مسألة (٦): قال مالكٌ: ليس على أحدٍ تخليل أصابع رِجْلَيه في الوضوء ولا في الغسلِ، ولا خير في الْغُلُوِّ والجفاءِ (٧). وقد رَوَى عنه أيضًا ابن وهب أنّه قال: تخليلُ أصابع الرِّجْلَيْن في الوضوء مُرَغَّبٌ فيه، ولابدّ من ذلك في أصابع اليدَيْن، فإن لم يخلَّل أصابع رِجْلَيْه فلابد من إيصال الماء إليهما. مسألة (٨): وروى ابنُ القاسم عن مالك؛ أنّه قال فيمن توضّأَ في نَهَرٍ فحرَّكَ رِجْلَيه في الماء: إنّه لا يُجزِئُهُ حتّى يَغسِلَهُما بيدَيه.

стр. 494

مسألة (١): قال ابنُ القاسم: فإن غَسل إحداهما بالأُخرى أجزأَه. فإن قيل: كيف قال ابنُ القاسم هذا وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنّه كان إذا توضَّأَ يَدْلُكُ أصابعَ رِجلَيه بخِنصَرِهِ (٢). الجواب عنه - قال علماؤُنا (٣): هو محمولٌ عندنا على الكمال والنّظافة. حديث مالك (٤)، عن يحيى بن محمد بن طَحْلاء، عن عثمان بن عبد الرّحمن؛ أنّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ؛ أنّه سَمِعَ عمرَ بن الخطابِ يتوضَّأُ بالماءِ وُضُوءًا لِمَا تحت إِزَارِهِ (٥) الحديث. قال الإمام الحافظ ﵁: الكلامُ في هذا الحديث في ثلاثة فصول: الفصل الأوّل في التّرجمة. الثّاني في الإسناد. الثالث في سرد المسائل. الفصل الأوّل في الإسناد قال الشّيخ أبو عمر (٦): "يحيى هذا مَدَنِيٌ. ويحيى هذا قليل الحديث جدًّا. وأمّا عثمان فَمَدَنِيّ قُرَشِىُّ، وهو عثمان بن عبد الرحمن، يجتمعُ مع طلحة في عُبَيدِ الله".

стр. 495

الفصل الثاني في الترجمة أدخل (١) مالكٌ ﵀ هذا الحديث ردَّا على من قال عن عمر: إنّه كان لا يستنجي بالماء، وإنّما كان استجمارًا (٢)، كان يستجمرُ هو والمهاجرون بالأحجار، وذكر قولَ ابن المسيَّب في الاستنجاء بالماء: إنّما ذلك وضوء النِّساءِ (٣). وقد اختلف العلماء من السَّلَفِ في الاستنجاء بالماء؟ فأمّا المهاجرون، فكانوا يستنجون بالأحجار دون الماء. وأنكر الاستنجاء بالماء جماعة، منهم: سعد بن أبي وقّاص، وحُذَيفة (٤)، وابن الزّبير (٥)، وسعيد بن المسيِّب، وقالوا: إنّما ذلك وضوء النِّساء. وكان الحسن لا يغتسل بالماء. وقال عطاء: غسل الدُّبُر محدَثٌ (٦). وكانت الأنصار يستنجون بالماء، وكان ابن عمر يرى الاستنجاء بالماء بَعْدَ أَنْ لم يكن يراه، وهو مذهب رافع بن خَدِيج (٧). ورُوِيَ عن حُذَيفَة وأنس أنّهما كانا يستنجيان بالحَوْضِ (٨)، قالت عائشة: استنجَى رسولُ الله ﷺ بالماء، وقال: هو شفاءٌ من الباسور (٩)، بالباء والنون.
следующие страницы →