← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

واحتج الفقهاء بهذا الحديث، في أنّ عدد الأحجار في الاستنجاء غير واجب، والدَّليل على ذلك: ما روي عن أبي هريرة؟ أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : "منِ استجمرَ فلْيُوتِر، ومن فعلَ فقد أحسن، ومن لا فلا حَرَجَ" (١) فدلّ هذا الحديث أنّ النّبيَّ ﷺ إنّما أمر بالوتر استحبابًا منه للوِترِ. مزيد بيان (٢): واختلَفَ العلماءُ في التَّطيِيبِ، هل هو مِثلُهُ أم لا؟ فكان مالكٌ إذا أراد أنّ يَسْتَجْمِرَ طِيبًا كَسَرَ العُودَ ثلاثًا كي يكونَ وِتْرًا (٣). ورَوَى بعضُ أصحابنا؛ أنّ أعرابيًا قال له: إنا نسمِّي الحجارة في الغائط استجمارًا، فرجع مالكٌ إليه (٤). ومالك كان أوْسَعَ حَوْصَلَةً من أنّ يكون ذلك الأعرابىُّ يلقِّنُه أنَّ استعمالَ الحجارة هنالك يُسمَّى استجمارًا، وإنّما أصغى إليه مالكٌ؛ لأنّه رآه يقتصِرُ على ذلك الموضع، ولم يَفهم حملَهُ على العُمومِ للَّفظةِ المشتَرَكةِ في الطِّيب والحِجَارة، وكلُّه نظافةٌ واستطابةٌ. وقال القاضي عبد الوهاب (٥): والاستجمار موضع المسح للحدَثِ بأحجار مشتقّة من الجمار، وهي الحجارة الصِّغار. تتميم: قال القاضي أبو محمد عبد الوهّاب: فالاستجمارُ في اللُّغة على ثلاث عبارات:

стр. 492

١ - الاستنجاء. ٢ - الثّاني: الاستجمار. ٣ - الثّالث: الاستطابة. فالاستنجاءُ مأخوذٌ من النَّجْوَةِ، وهي المكانُ المُرتَفِعُ من الأرضِ، وذلك أنّهم كانوا إذا أرادوا حاجة الإنسان طلبوا النّجوة من الأرض يستترونَ بها، فقالوا لمن التمسَ ذلك: ذهبَ يَنْجُو، ثمَ اشتقّ منه استنجاء. كما قالوا: ذهب يتغوّط، أي يطلب الغائط؛ وهو ما انخفض من الأرض، ثمّ سمّوا الْحَدَثَ باسم الموضعِ. وقال غيره: هو مشتقٌ من النَّجَا، وهو القشر، يقال: نجوت القشر، إذا قشرته، بمعنى الاستنجاء، أي قشرت الحدَث عنه. فقه: قال أبو محمد بن أبي زيد ﵁ (١): "وليس الاستنجاءُ من سُنَنِ الوضوء ولا من فرائضه، وهو من باب إيجابِ زوال النَّجاسة، ويُجزِئُ فعلُه بغيرِ نيةٍ" ولا يُسْتَنْجَى من الرِّيح ولكن من الغائط والبول، ولما رُويَ أيضًا عنه ﷺ ؛ أنّه قال: "ليس منّا من استنجى من الرِّيح" (٢). حديث مالك (٣)؛ أنّه بَلَغَهُ، أنَّ عبد الرحمن بن أبي بكر الصّديق دخلَ على عائشةَ، فَدَعَا بوَضُوءٍ، فقالت له عائشة: يا عبد الرحمن أَسْبغِ الُوضُوءَ، فإنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ- ﷺ يقولُ "وَيل لِلأَعقَاب مِنَ النَّارِ" (٤).

стр. 493

قال الإمام الحافظ أبو عمر ﵁ (١) -: "هذا حديث صحيح متَّصِلٌ عن النّبيّ ﷺ من وجوه شتَّى وطرق كثيرة (٢)، من حديث عائشة (٣)، وأبي هريرة (٤)، وعبد الله بن عمرو (٥)، بأسانيدَ حسانٍ لا مقالَ فيها لأَحَدٍ بوجهٍ". فقه: اختلف العلماء في العراقيب؟ وفيها ثلاثة أقوال، وقد مضَى القولُ فيها في الكلام على الرَّجْلَين، فليُنْظر هنالك. مسألة (٦): قال مالكٌ: ليس على أحدٍ تخليل أصابع رِجْلَيه في الوضوء ولا في الغسلِ، ولا خير في الْغُلُوِّ والجفاءِ (٧). وقد رَوَى عنه أيضًا ابن وهب أنّه قال: تخليلُ أصابع الرِّجْلَيْن في الوضوء مُرَغَّبٌ فيه، ولابدّ من ذلك في أصابع اليدَيْن، فإن لم يخلَّل أصابع رِجْلَيْه فلابد من إيصال الماء إليهما. مسألة (٨): وروى ابنُ القاسم عن مالك؛ أنّه قال فيمن توضّأَ في نَهَرٍ فحرَّكَ رِجْلَيه في الماء: إنّه لا يُجزِئُهُ حتّى يَغسِلَهُما بيدَيه.

стр. 494

مسألة (١): قال ابنُ القاسم: فإن غَسل إحداهما بالأُخرى أجزأَه. فإن قيل: كيف قال ابنُ القاسم هذا وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنّه كان إذا توضَّأَ يَدْلُكُ أصابعَ رِجلَيه بخِنصَرِهِ (٢). الجواب عنه - قال علماؤُنا (٣): هو محمولٌ عندنا على الكمال والنّظافة. حديث مالك (٤)، عن يحيى بن محمد بن طَحْلاء، عن عثمان بن عبد الرّحمن؛ أنّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ؛ أنّه سَمِعَ عمرَ بن الخطابِ يتوضَّأُ بالماءِ وُضُوءًا لِمَا تحت إِزَارِهِ (٥) الحديث. قال الإمام الحافظ ﵁: الكلامُ في هذا الحديث في ثلاثة فصول: الفصل الأوّل في التّرجمة. الثّاني في الإسناد. الثالث في سرد المسائل. الفصل الأوّل في الإسناد قال الشّيخ أبو عمر (٦): "يحيى هذا مَدَنِيٌ. ويحيى هذا قليل الحديث جدًّا. وأمّا عثمان فَمَدَنِيّ قُرَشِىُّ، وهو عثمان بن عبد الرحمن، يجتمعُ مع طلحة في عُبَيدِ الله".

стр. 495

الفصل الثاني في الترجمة أدخل (١) مالكٌ ﵀ هذا الحديث ردَّا على من قال عن عمر: إنّه كان لا يستنجي بالماء، وإنّما كان استجمارًا (٢)، كان يستجمرُ هو والمهاجرون بالأحجار، وذكر قولَ ابن المسيَّب في الاستنجاء بالماء: إنّما ذلك وضوء النِّساءِ (٣). وقد اختلف العلماء من السَّلَفِ في الاستنجاء بالماء؟ فأمّا المهاجرون، فكانوا يستنجون بالأحجار دون الماء. وأنكر الاستنجاء بالماء جماعة، منهم: سعد بن أبي وقّاص، وحُذَيفة (٤)، وابن الزّبير (٥)، وسعيد بن المسيِّب، وقالوا: إنّما ذلك وضوء النِّساء. وكان الحسن لا يغتسل بالماء. وقال عطاء: غسل الدُّبُر محدَثٌ (٦). وكانت الأنصار يستنجون بالماء، وكان ابن عمر يرى الاستنجاء بالماء بَعْدَ أَنْ لم يكن يراه، وهو مذهب رافع بن خَدِيج (٧). ورُوِيَ عن حُذَيفَة وأنس أنّهما كانا يستنجيان بالحَوْضِ (٨)، قالت عائشة: استنجَى رسولُ الله ﷺ بالماء، وقال: هو شفاءٌ من الباسور (٩)، بالباء والنون.

стр. 496

كشف وإيضاح: قال الشّيخ -أيَّدهُ اللهُ-: وصحيحُ النَّظَرِ يدلُّ على أنّ الاستنجاءَ بالماء أحسن وأفضل (١)، وهو مذهب مالك ﵀. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ الآية (٢) فطلبنا تأويل ذلك، فوجدنا السَّلَفَ قد تأولوا ذلك على قولين: فقال عطاء: إنّ الله يحبُّ التّوَّابِينَ من الذّنوب والمتطهِّرين بالماء (٣). وقال الشَّعْبِىُّ: لمّا نزلت هذه الآية قال النبيُّ ﷺ : "يا أهلَ قباء، ما هذه الطّهارة الّتي أَثنَى اللهُ بها عليكم؟ " قالوا: ما مِنَّا أحدٌ إلَّا وهو يستنجي بالماء. أو قالوا: نجمع يا رسول الله بين الماء والحَجَر (٤). الفصل الثّالث في سَرْدِ المسائل الّتي أدخل مالك في هذا الباب وفيه مسألتان: المسألة الأولى (٥): قَالَ يَحْيَى: سئلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُل تَوَضَّأَ فَنَسِيَ، فَغسَلَ وَجْهَهُ قَبلَ أَنْ يَتَمَضمَضَ، أَوْ غَسَل ذِرَاعَيْهِ قَبل وَجههِ. المسألة كما هي في "الموطّأ" (٦).

стр. 497

قال الإمام: قولُه هذا يدلُّ على أنّ الترتيبَ عنده لا يُرَاعَى في المسنون مع المفروض، وإنّما يُرَاعَى ذلك في المفروض من الوضوء، إلَّا أنّ مراعاتَه لذلك ما دام في مكانه، فإن بَعُدَ شيئًا استأنَفَ الوضوءَ، ولو صلَّى لم يُعِدْ صلاتَهُ، وكذا ذكر ابنُ عبد الحكم وابنُ القاسم وسائر أصحابه عنه، إلَّا عليَّ بن زيادٍ فإنّه روى عنه؛ أنَّه قال: من نَكَسَ وضوءَهُ فإنّه يعيدُ الوضوءَ والصّلاةَ، ثم رجع فقال: لا إعادةَ عليهِ (١). وقال ابنُ حيب (٢):"لا يُعجِبُني هذا؛ لأنّه إذا فعلَ ذلك فقد أخَّرَ من الوضوء ما ينبغي أنّ يُقَدَّمَ، فالصّوابُ غَسلُ ما بعدَه إلى تمام الوضوء". قال (٣): "وكذلك قال لي ابن الماجِشُونِ ومُطَرِّفٌ" (٤). مزيد بيان (٥): قال الإمام الحافظ: أجمع المتأخِّرون من المالكيِّين على أنّ ترتيب الوضوء عند مالك سُنّة (٦)، ولا يعيد صلاته من صلَّى بوضوءٍ منكسٍ. وبمثل هذا قال أبو حنيفة (٧). تكملة: قال الإمام جمال الإسلام (٨): أَهْدَى شيء في مسائل الخلاف التّرتيب، عند الشّافعيّ (٩) مستحقٌ في الوضوء، وعند مالكٌ غير مستحق (١٠)، والمسألة مشكلة جدًّا. وليس في الواو ما يدلُّ على ترتيب الوضوء، فإن قال قائل: رأيت زيدًا وعمروًا، لم يدلّ على مصادفة الرُّؤية أنّهما في زمان واحدٍ أو في زمانَينِ.

стр. 498

وضوء النّائم إذا قام إلى الصّلاة مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأَعْرَج، عَنْ أَبي هُرَيْرَة؛ أَن رسُول اللهِ ﷺ قَال: "إِذا استَيقَظَ أَحَدَكُمْ من نَوْمِهِ فَلْيَغسِل يدَهُ قبل أنّ يُدْخِلَهَا في إنائِه" الحديث. وفيه فصول: الفصل الأوّل في الإسناد قال أبو عمر (٢): "لم يَختَلِف الرُّواة عن مالكٌ (٣) في قوله: "فليَغسِل يَدَهُ" بغير تحديد، ولم يقل مرّة ولا مرَّتين ولا ثلاثًا. وقد تابعه على ذلك جماعة من أصحاب أبي هريرة (٤)، ورواه ابنُ المسيِّب وغيره فقالوا فيه: حتّى يغسلها ثلاثًا، وبعضهم قال فيه: مرّتين أو ثلاثًا (٥)، وروى ابن عُيَينَة عن أبي الزِّناد بإسناده (٦)، قال فيه: ثلاثًا، فغلط فيه، وحمله على حديثه عن ابن شهاب في ذلك". قال الإمام الحافظ ﵁: وهذا حديثٌ فيه للعلماء مآخذ كثيرة، ونحن نشرحه بأوعب كلامٍ إنّ شاء الله، والحمدُ لله.

стр. 499

قال أبو عبد الله المازَرِي (١): "اختلفَ العلماءُ في غسلِ اليد قبل إدخالها في الإناء عند الوُضوءِ، هل ذلك عبادة، أو مُعَلَّلٌ بالنّظافة؟ فاحتج من قال: عبادة بقوله: "ثلاثًا" قالوا: ولو كانت علّته النّظافة، ما احتيج إلى التّكرير، إذ ذلك يحصل في مرَّةٍ واحدةٍ. وهذا الّذي قالوا مثل ما احتجّ به بعض أصحاب الشّافعيّ في غسل الإناء من ولوغ الكلب، وأنَّه لو كان من النّجاسة لأجزأت المرّة. واحتج من قال معلَّل بالنّظافة، بقوله ﵇: "فإنَّ أحدَكُم لا يَدْرِي أينَ باتَتْ يَدُهُ". وفائدة الخلاف في هذه المسألة: هل يؤمر المتوضِّئ بغسل يده وإن كانت نقية، إنّ كان قد عرض له في أثناء وضوئه ما ينقض طهارته، هل يُؤمَر بغسل يده ثانية وإن كان غسلها أو لا؟ ". قال (٢): "فمن جعل ذلك عبادة، أمره بالغسل في الوجهين جميعًا. ومن قال: إنّه معلَّل بالنّظافة، لم ير ذلك مأمورًا به". وقال الفقهاء: هذا حديثٌ معلَّلٌ، والعلَّةُ فيه أنّه قد ربّما مسّ نجاسة خرجت منه لا يعلم بها أو غير ذلك (٣). وقال آخرون: قد يكون ذلك؛ لأنّ أكثرهم كان يستنجي بالحجارة وقد مسّ موضع ذلك بيده، والله أعلم (٤).

стр. 500

وقال أبو الحسن (١): معنى ذلك في الجنب من الاحتلام. قال ابن حبيب (٢): "أو جنب لا يدري ما أصابت بده من ذلك"، قال: "فإن أدخل يده قبل أنّ يغسلها أفسد الماء" (٣). ولمالك في "العُتْبِيّة" (٤) و"المختصر" فيمن أدخل يده في الإناء قبل أنّ يغسلها من جنب أو حائض، أو مسَّ فَرْجًا أو أُنْثَيَيهِ في نومه، فلا يفسد الماءكان كان قليلًا، إلَّا أن يوقن بنجاسته في يده فلا ينبغي له ذلك وإن كانت يده طاهرة، وكذلك من انتقض وضوؤه. هذا جلّ كلام الفقهاء في هذا الحديث. وأمّا أهلُ الظّاهر فيرون الحديث على عمومه، وَيرَونَه أيضًا فَرْضًا واجبًا (٥). وأكثرُ أهل العِلم ذهبوا إلى أنّ ذلك نَدْبٌ لا إيجابٌ، وسُنَّةٌ لا فَرضٌ، وكان مالكٌ يستحبُّ لكلِّ من قام من نومه أو غيره -إذا كان على غير وضوء- أنّ يغسل يده قبل أنّ يدخلها في وَضُوئه. وكان مالكٌ ﵀ مرَّةً يأمرُ بذلك، ومرَّةً يقول: لا بأس بذلك أنّ يُدْخِلَ الرَّجُل يده إذا كانت طاهرة في وَضُوئه مطهرة كان الإناء أو غير مطهرة، ورَوَى أشهب ذلك عنه تأكيدًا واستحبابًا.

стр. 501

الفصل الثّاني في الفوائد المنثورة في هذا الحديث وهي ثلاث فوائد: الفاندة الأولى (١): قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁: في هذا الحديث فوائد كثيرة أمّهاتُها ثلاثة: ١ - أحدُها: ما تقدَّم من أنّه رُوِيَ في بعضى الآثار ألفاظ: "فَلْيغسِل يَدَة قَبْلَ أنْ يُدْخِلَهَا في وَضُوئِهِ" بلفظ الأمر. ٢ - ورُوِيَ: "فَلاَ يَغمِسْ يَدَة في الإنَاءِ حَتَّى يَغسِلَهَا ثَلاَثًا" (٢) والأمرُ على الوجوب عندنا، والنّهيُ يقتضي الحَظرَ؛ لأنّا قد بَيّنا أنّه عَقَّبَ في آخر الحديث بما ردَّ الأمْرَ من الوجوب إلى الاستحباب، ورَدَّ النَّهيَ من الحَظرِ إلى الكراهةِ، وهو قولُه: "فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي أَينَ بَاتَت يَدُهُ" (٣). فمن علمائنا من قال: هذا شكٌّ، والشّكُ لا يُوجِبُ حكمًا في الشّرعِ بإجماعٍ من علمائِنَا. ومن علمائنا من قال: إنّ هذا ظاهرٌ، وإنّ الغالبَ من الإنسان أنّ تجول يدُه في نومه على جسده ومغابِنِه (٤) ومنافِذِه، والأصلُ في اليد الطّهارة وهو الغالب، والطّاهر قد طرأَ عليه. فأنشا ذلك:

стр. 502

مسألة أصوليّة (١): وهي إذا تعارض أصلٌ وظاهرٌ، فقد اختلَفَ علماؤنا أيُّهُما يُقَدَّم؟ وقد بيّنّاه في موضعه، فإنّه مُختلِفَ المآخِذِ، متباينُ المباني، يفتقرُ إلى مزيدِ بيانٍ واحتفالٍ في الاهتبالِ، سمعتُ أبا بكرِ الفِهرِيَّ يقول بالمسجد الأقصى -طهَّرَهُ الله- يقولُ: خرجتُ من الأندلسِ وقد تفقَّهتُ بالباجىِّ، ولَزِمَتُه مُدَّةَ، ودخلتُ بغدادَ، فأتيتُ المدرسةَ، وكان النائب في إقامةِ التَّدْريس بها أبا سَعْدٍ المُتوَلِّيَ (٢)، فسمعتُه يقولُ: خذوا مسألة، إذا تعارض أصلٌ وظاهرٌ بأيَّهِمَا يُحْكَمُ؟ فما علمتُ ما يقولُ! ولا دريتُ إلى ماذا يشيرُ، قال: ثمَّ لزمتُه حتّى فَتَحَ اللهُ، وبلغتُ ما بلغتُ من العِلْمِ. الفائدة الثّانية (٣) إنّ لفظ الحديث وإن كان غسلُ اليَدِ فيه منوطًا بالقيام من النّوم، فإنّه محمولٌ على المقصود به من جَوَلاَنِ اليد في البَدَنِ، وتصرُّفِها في الأعضاء المستكرهَةِ والمستقذَرة، وهذا يقتضي غَسْلَ اليد عند محاولة الوضوء، سواءٌ كان قائمًا من النوم أو مُقبِلًا على وضوء، لوجود العلَّة فيها. وأَعْجَبُ لأحمدَ بنِ حَنبلٍ ﵀ مع سَعَةِ علْمِهِ كان يقول: هذا مخصوصٌ بنوم اللَّيلِ، والقولُ الّذي ورَدَ على نوم الليل هو آيةُ الوضوءِ. الفائدة الثّالثة (٤): وهي بديعة جدًّا، قال علماؤُنا -رحمةُ الله عليهم-: في هذا الحديث أصلٌ من أصول الفقه الشّرعية، وهو الفرق بين أنّ يَرِدَ الماءُ على النّجاسةِ، أو تَرِدَ النّجاسةُ على الماءِ. فاقتضَى هذا الحديثُ أنّ الماءَ إذا وَرَدَ على النّجاسةِ أذهَبَهَا. كما أنّه أفاد أيضًا: أنّ

стр. 503

النّجاسة إذا ورَدَت على الماء أثَّرَث فيه، والملاقاةُ واحدةٌ، إلَّا أنّ الشّرعَ لمّا رأى أنّ الضرورةَ داعيةٌ إلى إفراغِ الماءِ على النّجاسة قَصْدَ إزالتِها، ألغَى حُكمَها. تفسير (١): إذا ثَبَتَ أتى النّجاسةَ تؤثِّرُ في الماءِ باتِّفاقٍ من العلماءِ؟ فإنّهم اختلَفوا في تفصيل ذلك؟ فقال العراقيون وإمامُهُم أبو حنيفةَ (٢): كلُّ موضع تحقَّقنا وصولَ النّجاسة من الماء إليه نَجِسٌ كثيرًا كان أو قليلًا؛ إلَّا أنّ أصحابه حدّدوه وعبّروا عنه بالبِركَة إذا كانت عظيمة وحرّك أَحَد طرَفَيها ولم يتحرَّك الطّرفُ الآخرُ لم تَتَنَجَّسْ بوقوعِ النّجاسة فيها. وفي "المجموعة" (٣) نحو هذا. وأمّا إذا كان الماءُ يسيرًا، فإنّه يَنْجُسُ بوقوع النّجاسة فيه -عند ابن القاسم- مطلقًا، وعند الشّافعيّ (٤) مُقَيَّدًا بأقلِّ من قلَّتينِ. وتعلّق الشّافعيُّ (٥) بحديث رواة عن ابن جُرَيْج؛ أنّه إذا بَلَغَ الماء قلّتين لم يَحْمِل الْخَبَثَ (٦)، وهو حديثٌ لم يصحّ (٧).

стр. 504

وروي عن مالكٌ ﵁ -وهو اختيار العراقيّين (١) - أنّ الماء لا ينجِّسُه إلَّا التغيّرُ. وروَى بعضُ المدنيِّين عن مالكٍ؛ أنّه إنّ لم يتغيّر وكان يسيرًا أنّه مشكوكٌ فيه، منهم عبد الملك (٢) ومحمدُ بن مَسْلَمَةَ. قال الإمام الحافظ: والصّحيحُ الّذي يُدَانُ الله به أنّ الماء لا ينجِّسُهُ إلَّا ما غيَّرَ أحدَ أوصافه، وأنّه ما دام قائمًا على ما خَلَقَهُ اللهُ فيه من الصِّفات فإنَّه على أصله في الطّهارة؛ لأنّه إنّما كان ماءً بما هو عليه من الصِّفات، طهورًا كما أنزلَهُ الله من السماء، فما غيّره فهو الّذي سلَبَ حكمه، حتّى غلا في ذلك بعض المدنيِّين، فروى ابنُ نافع، عن مالكٍ؛ أنّ يسيرَ النّجاسةِ إذا وقعت في الكثيرِ من المائعاتِ، كالزّيت واللَّبَن، فإنّه لا يُنَجِّسُهُما، وهو قولٌ ضعيفٌ من وجهين: أحدُهما: أنّه سَاوَى بين الماء والمائعات، ولا مساواةَ بينَهُما. والثّاني: أنّه صَدَمَ الحديث الصَّحيحَ؛ وهو قولُه: "إذا وقَعتِ الفأرةُ في سَمنِ أحَدِكُم، فإن كان جامدًا فألقوها وما حولَها" الحديث الخ (٣). إذا ثَبَتَ أنّ الماءَ لا يؤثَّرُ فيه إلَّا التّغيّرُ، فإنّه يتركَّبُ على هذا الأصل عشرُ صُوَرٍ (٤): الصّورة الأولى: هو أنّ يكون معه إناءٌ شكٌّ فيه، هل وقعت فيه نجاسةٌ أم لا؟ فعلى القول بأنّه طاهرٌ؛ يتوضّأُ ويصلِّي به، وعلى القول بأنّه نَجسٌ؛ فإنّه لا يتوضّأُ به عندنا؛ لأنّ الشَّكَّ

стр. 505

لا يوجِبُ حُكمًا في الدِّين، وعلى قول ابن شهاب فإنّه قال: هذا شيء وقع في النَّفْس منه شيءٌ، فإنّه يتوضأُ به ويتيمّمُ (١). الصّورة الثّانية: هو إذا تحقّق وقوع النّجاسة فيه، لكنها لم تغيِّره، فعلى القول الأوّل إنّه طاهِرٌ: يتوضَّأُ به. وعَلى القول الثّاني بِإنّه نَجِسٌ: يتيمَّمُ. وقيل: يتوضّأُ ويتيمَّمُ كما تقدّم. وإذا قلنا بذلك، فهل يبدأ بالوضوء أو بالتيمّم؟ فقد اختلف فيه علماؤنا؟ والصحيح عندي أنّه يبدأ بالتيمُّمِ؛ لأنّه إنّ كان ماءَ نَجِسًا فقد تيمَّمَ وصلَّى بأعضاءٍ طاهرةٍ، وان كان ماءً طاهرًا فقد جازَت بعدَ ذلك صلاتُه. الصّورة الثّالثة: هو إذا كان معه إناءان أحدُهما طاهرٌ والآخرُ نَجِسٌ (٢)، ففيهما للعلماء خمسة أقوال: الأوّل منها: أنّه يتَوضّأُ بهما، ويصلِّي صلاتَينِ، على تفصيلٍ (٣). القول الثّاني:، أنّه يَدَعُهُمَا (٤). القول الثالث: أنّه يتحرَّى فيهما وَيجتهِدُ، فإذا أدَّاهُ اجتهادُهُ إلى الطَّاهر، توضَّأَ به (٥). القول الرّابع: هو مِثلُ ما تقدَّم أو قريبٌ منه، زاد: وُيرِيقُ الباقي. القول الخامس: هو أنّ الأواني إذا كانت يسيرةً تحرَّى، وإن كانت كثيرةً سقطَ عنه

стр. 506

التحري للمشقّة، وتوضأّ بأيّهما شاء، قاله القاضي أبو الحسن (١). ترجيح هذه الأقوال: أمّا وجه القول الأوّل؛ أنّه لماّ شكَّ فيه -أعني في الطّاهر منها- وجَبَ عليه استعمالُهما، حتّى يحصُل الطّاهرُ يقينًا. والوجه الثّاني: أنّه يترُكُها لئلاّ يُوَاقِعَ المحظورَ. والوجه الثّالث: يتحرَّى ويجتهد؛ لأنّ الاجتهادَ والتّعويلَ على العلاماتِ والأماراتِ أصلُ الشّريعةِ في المشكلاتِ، وهو المَفْزَعُ في الأَمْرِ والنَّهْيِ والحلال والحرام، فمسألتُنا بذلك أوْلَى، إذ هي مِثلُ ما ذَكَرنا. وأمّا من قال: يُريقُه، فإنّه قَصَدَ إزالةَ الإشكال لئلاّ يعودَ ثانيةً. وأمّا من فَرَّقَ بين القِلَّةِ والكَثرَةِ، فلا معنى له؛ لأنّه سواءٌ كَثُرَتِ الشّبهاتُ في المشكلاتِ أو قلَّت، فإنّما المُعَوَّلُ فيها على الدَّلالات والأمارات، إلَّا أنّ يخرُجَ الأمرُ عن حدِّ الحصر، فيسقطَ فيه التّكليفُ. الصُّورة الرابعة: إذا كان معه إناءان، أحدُهما طاهرٌ مُطَهَّرٌ، والآخرُ من ماءٍ مستعمَلٍ؛ فإنّه يتوضّاُ بهما جميعًا؛ لأنّهما ماءان مطلقان لا نجاسةَ فيهما عندَنا، وعند أبي حنيفةَ: يتركُهما جميعًا، رواه أبو يوسفَ القاضي، وقد بيناه في "مسائل الخلاف".

стр. 507

الصّورة الخامسة: إذا كان معه إِنَاءَانِ طاهران، أحدُهما ماءٌ، والثّاني ماءُ وَرْدٍ، فشكّ أيضًا فيهما، توضَّأَ بكلِّ واحدٍ منهما وصلّى صلاةً؛ لأنّهما طاهران، هذا حُكمُهُ عندنا. الصّورة السّادسة: إذا كانا رَجُلَين، وكانا إناءين مشتبهين، فاجتهدا، فإنِ اتَّفقَ اجتهادُهما على واحد، استعملاهُ وأراقا الثّانيَ، وأَمَّ كلُّ واحدٍ منهما صاحبه. فإن أدى اجتهادُ كلِّ واحدٍ منهما إلى إناءٍ غيرِ الّذي رآه الآخرُ، عَمِلَ كلُّ واحد منهما بمُوجَبِ اجتهادِه، ولم يَؤُمَّ واحدٌ منهما بصاحبه، وهي: الصّورة السّابعة. الصّورة الثامنة: وهو أنّ تكون الأواني ثلاثةً، والرَّجالُ اثنين أو ثلاثةً، فاختلف اجتهادُهم، ولزم كلّ واحدٍ منهم أنّ يتوضَّأ بالإناء الّذي يراه طاهرًا، ويؤمُّهُم أحدُهم، فإذا جاءتِ الصلاةُ الثّانية، جاز أنّ يؤُمُّهُم الآخرُ، ولا يجوز أنّ يكون الثّالثُ إمامَهُم؛ لأنّه إذا أَمَّ الأوَّل، احتمَلَ أنّ يكون النّجِسُ وقع في قسمِ أحدِ المأمُومَينَ. وإذا أمَّ الثّاني، يقولُ الثّالثُ: يجوز أنّ يكون وقع النّجسُ في حقِّي، فصلاةُ إمَامِي صحيحةٌ. وإذا أَمَّ الثالثُ لم يبقَ مَنْ تعلَّق به الإناءُ النّجِسُ، فلم يَجُز، وهكذا فُرَّعَ أبدًا، ما زادَت الأواني أو زاد عدَدُ الرِّجال، فإذا بقِيَ واحدٌ طاهرٌ، جازَتِ الإمامةُ أبدًا حتّى يبقَى واحدٌ، فَقِسْ عليه تَصِب إنّ شاء الله. الصّورة التاسعة: فإن أمَّ أحدُهما بالآخرِ وقدِ اختلفَ اجتهادُهما في الأواني، فاتَّفقَ علماءُ الأمصار على أنّ أحدَهما لا يجوزُ أنّ يؤُمَّ الثّانيَ، وقال أبو ثورٍ: يجوزُ لكلِّ واحد منهما أنّ يكون إمامًا لصاحبه؛ لأنَّ خطأه عنده ليس بيقينٍ، وإنّما هو اجتهادٌ، وهو يرَى أنّ صلاةَ صاحبِه في نفسه صحيحةٌ يلْزَمُه حكمُها ولا يجوزُ له العملُ بغيرها، فكذلك يجوز له أنّ يؤمَّه

стр. 508

فيها. وهذه مسألة عظيمة الموقع (١). الصّورة العاشرة: إذا اشتَبَةَ عليه إناءُ ماءٍ وإناءُ بولٍ، وتُتصوَّرُ هذه المسألةُ في إناء فيه ماءٌ تغيَّرَ بطُولِ المُكثِ حتَّى أنتنَ، ثم اشتبه بعد ذلك بإناءِ بولٍ، فقال الشّافعيُّ (٢) وأبو حنيفة: لا يتحرَّى فيهما ويترُكهما، وقال أبو زيد المالقي (٣) من أصحاب الشّافعيّ: يتحرّى فيهما (٤)، وهو الّذي تقتضيه أصولنا، وبه أقول. تتميم: ذكر مالكٌ ﵁ وترجم له (٥): "باب وضوء النّائم" يريد: أنّ النّوم يُوجبُ الوضوء، واختلف هل هو حَدَثٌ، أو سبب للحَدَثِ؟ فعند الْمُزَنىِّ وأبي الْفَرَج: إنّه حدَثٌ في نفسه، وهي قَوْلَةٌ ضعيفةٌ، لما رواه مسلم (٦) عن أنس قال: "كان أصحابُ رسول الله ﷺ ينامون ثم يصلُّونَ ولا يتوضَّؤونَ" والأحاديث في ذلك مشهورةٌ. وإذا ثبت هذا، فللنّائم إحْدَى عَشرةَ حالة (٧): قائمٌ، ومَاشٍ، وراكبٌ، ومستنِدٌ، وراكعٌ، وساجدٌ، وجالسٌ، ومُحْتَبٍ، ومضطجعٌ، ومستَنِدٌ قائمٌ، ومستنِدٌ جالسٌ (٨)، فهذه إحدَى عشرةَ حالةَ للنّائم، والضّابطُ للمذهب فيها؛ أنّ مَنِ استثقلَ نومًا فعليه الوُضوءُ، وإذا كانت السِّنَةُ والخَفْقَةُ، فلا وُضوء عليه.

стр. 509

وقال أبو حنيفةَ: من نام قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا فلا وضوءَ عليه (١)، ونحوُه لابن حبيب، إلَّا في السّجودِ (٢)، واحتجّ بما رُوِيَ (٣) عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنّه قال: "ليس الوضوءُ على من نام قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا أو جالسًا، إنّما الوضوءُ على من نام مضطجعًا؛ لأنّه إذا نام مضطجعًا استرخت مفاصله" (٤). قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي: هذا حديثٌ ضعيفٌ منكَرٌ (٥)، يرويه أبو خالد الدَّالانيّ، عن قتادة، عن أبي العالية، وهو باطلٌ ومنقطعٌ لضَغفِه (٦). وتعلّقوا أيضًا بما رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أنّه قال: "إذا نام العبدُ في سجوده بَاهَى اللهُ به الملائكة، يقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي روحُة عندي وبدنُه في طاعتي" (٧) وهو أيضًا ضعيفٌ لا أصلَ له (٨)، على أنّه يحتمِلُ أنّ يكونَ الله سبحانه أَبْقَى عليه الأجرَ بعدَ

стр. 510

النّوم؛ لأنَّ رُوحَهُ قبضها على طهارةٍ وفي طاعةٍ. وأمّا الحالةُ الثّانيةَ عشرةَ: وهو إذا استَثفَرَ (١) وارتبطَ ثمَّ نام، فكان شيخُنا أبو بكرٍ الفِهريُّ يقولُ: نحن على المذهب، أنّه لا وضوءَ عليه، وكذلك قال أبو المعالي الجُوْينِيُّ من أصحاب الشّافعيِّ. إلحاقٌ وتبيينٌ: قال الفقيه الحافظ شيخنا أبو القاسم جَرِير بن مَسْتلَمة (٢): اختلَفَ العلماءُ - رضوان الله عليهم- في النوم في موضعين اثنين: أحدُهما: هل له تأثير في نقض الوضوء أو لا؟ والثّاني: هل هو حَدَثٌ في نفسه، أو سببٌ للحَدثِ؟ فذهب مالكٌ ﵁ وجلّة العلماء إلى أنّ له تأثيرًا في نقض الوضوء. وذهب طائفةٌ من الصّحابة إلى ألّا تأثيرَ له في نقض الوضوء. ونكتتهم في ذلك: حديث ابن عبّاس؛ أنّ النَّبيَّ ﷺ نام حتّى سُمِعَ غَطِيطُه، ثمّ صَلَّى ولم يتوضّأ (٣). ومن طريق القياس: أنّ الطَّهارةَ قد ثبتت بيقين، فلا تُرفَع إلَّا بيقينٍ؛ لأنّ الشَّكَّ لا يقدَح عندَهُم في اليقينِ. وقوله: "إنّما الوضوء على من نام مضطجعًا؛ فإنّه إذا نام مضطجعًا استرخت مفاصله"، وهذا يدلُّ على أنَّ النّوم سبب الحدَث.

стр. 511

حقيقة: مذهب مالكٌ ﵀ أنّ النّوم يستغرق فيه النّائم، فهذا ينقض الوضوء على أيّ هيئةٍ كان فإن كان مضطجعًا أو ساجدًا، فلا خلافَ فيه في المذهب أنّ الوضوءَ ينتقض؛ لأنّه على هيئة يتأتَّى خروج الحدَث منه بسرعةٍ. قال: وإن كان قائمًا أو جالسًا، فلا خلاف في المَذهَبِ أنّ الوضوءَ لا ينتقض؛ لأنّ الحدثَ لا يتأتّى خروجه منه إلَّا بيقين. وأمّا الرّكوع، فاختلف فيه على قولين، فمرّة قال: يجري مجرى القائم والجالس فلا ينقض الوضوء. إكمال (١): قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ قال: فَجَمَعَ الله تعالى في هذه الآية أسبابَ الوضوءِ، ولأجل هذا ذَكَرَ مالكٌ (٢) هذه الآية في هذا الباب، وأعقبها بقوله: "لاَ يَتَوَضاُ من رُعَافٍ، وَلاَ من دَمٍ، وَلاَ من قَيحٍ" إلى قوله: "أَوْ نَوْمٍ" (٣). واختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: فمنهم من رَاعَى الخارجَ النَّجِسَ من أيِّ مخرجٍ كان، وبه قال أبو حنيفةَ. ورَاعَى الشّافعيُّ الخارج المعتاد من أيِّ مخرجٍ كان.

стр. 512

ووفَّق الله مالكًا ﵁ فَرَاعَى الخارجَ المعتادَ من المخرج المعتادِ، وعنه روايةٌ؛ أنّه ينتقِضُ الوضوءُ بالخارجِ المعتادِ من المخرجِ النّادر، والصّحيحُ اعتبارُ الخارجِ والمخرجِ المعتادَيْنِ، وعلى ذلك تدلُّ الآيةُ؛ لأنّها جاريةٌ على العادة فتُحمَلُ عليها، وبالله أستعين.

стр. 513

باب الطَّهور للوضوء الكلام في هذا الباب في أربعة فصول: الفصلُ الأوّل (١) في الترجمة قال الإمام الحافظ ﵁: هذه الترجمةُ تحتَمِلُ أربعةَ أوجهٍ: أحدُها: أنّ تكون الطّاءُ من الطُّهور والواوُ من الْوُضوء مرفوعتين. الثّاني: أنّ تكونا منصوبتين. الثّالث: أنّ تكونَ الطّاءُ مرفوعةَ، والواوُ منصوبةً. الرَّابع: بعَكسِهِ، وهو حرفٌ لم تَضبِطهُ الرّواةُ، إمّا عن جَهالةٍ أو عن غفلةٍ لمن كان يتقَّنُ. نكتة لغوية: واختلَفَ أربابُ اللّغة في معناها على هذا الضّبط اختلافًا كثيرًا، والأشهرُ الّذي استقامَ على الأمثلةِ واستمرَّ؛ أنّ يكونَ الْفُعولُ بضم الفاء للفعل وفتحها للمفعول به، وهي

стр. 514

الآلةُ. فالطَّهور والوَضوء بفتح الطّاء والواو للماء، وبضمِّهما للفعل، فعلى هذا يكونُ مساقُ التّرجمةِ: باب الطَّهُورِ للوُضُوءِ بفتح الطّاء وضمِّ الواو (١). الفصلُ الثّاني (٢) في الإسناد مالكٌ (٣)، عن صَفوَانَ بنِ سُلَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ سَلَمَةَ -من آل بني الأزرق-، عن المُغيرَةِ بْنِ أبي بُرْدَةَ -وهو من بَنِي عَبدِ الدَّارِ-؛ أنّهُ أخبَرَهُ أنّه سمع أبا هريرةَ يقول: جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا نَرْكَبُ الْبَخرَ، وَنَحمِلُ مَعَنَا القَلِيلَ مِنَ المَاءِ، الحديث. اختلف العلماء في إسناد هذا الحديث: فقال التّرمذي (٤): سألتُ البخاريَّ عنه فقال: هو حديثٌ صحيحٌ (٥)، فقلت له: إنّ هُشَيمًا يقول فيه المُغِيرةُ بن أبي بَرزَةَ، فقال: وَهِمَ فيه، إنّما هو المغيرةُ بن أبي بُرْدَة، وهُشيمٌ ربّما وَهِمَ في الإسناد، وهو في المُقطَّعَات أحفظُ. وقال غير البخاريّ: سعيد بن سَلَمَة رجلٌ مجهولٌ، لم يَرْوِ عنه غير صفوان بن سُلَيم وحدَهُ (٦).

стр. 515

واختلَفَ رُوَاةُ "الموطّإِ"، فبعضهم يقول: من آل الأزرق، وكذلك قال ابنُ القاسم وابنُ بُكَير (١). قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي (٢): لم يرو هذا الحديث عن النّبىِّ ﷺ إلَّا أربعة: أبو هريرة، وجابر (٣)، والفِراسِيّ (٤)، والعركي (٥). قال الإمام: وأمثلُها حديث أبي هريرة هذا الّذي رواه مالك. الفصل الثّالث (٦) في حظِّ الأصول والمعاني قال الإمام الحافظ: اتَّفقتِ الصَّحابة- رضوان الله عليهم- على جواز الوضوء بماء البحر، إلّا رواه عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو كان يقول: هو طبق جهنّم (٧)، ورُوِيَ عنه أنّه كان يقول: هو ماء سخط وعذاب فلا يُتَوَضَّأ به.

стр. 516

كما نهى النّبيُّ ﵇ عن الوضوء بماء ثَمُودَ، وحضَّ على بِئرِ نبىِّ الله صالح الّتي كانت النّاقة تَرِدُها (١). وهذا ضعيفٌ، فإنّه لو كان ماءَ سَخطٍ وعذابٍ لما أَذِنَ النّبيُّ ﷺ في رُكُوبه، وكيف لا يُتوضَّأ به وهو مُنَزَّلٌ من السَّماء، مُخرجٌ بالقدرة إلى التهيُّؤِ للمنفعةِ، وليس فيه أكثرُ من أنّه لا يصلح للشَّفة (٢)، وذلك لا يمنَعُ من جواز الوضوء كالماء الأُجَاجِ، وقد ركِبَ الصّحابة البحرَ على زمان رسول الله ﷺ . وقد جاء أيضًا عن جابر بن عبد الله كراهية الوُضوءِ بماءِ البحرِ. وليس لأحدٍ حجَّة مع خلاف السُّنَّة، قد ركبه الصّحابة ركوبًا طويلًا مِرَارًا، فما رُوِيَ عن أحدٍ منهم أنّه احتمل تُرابًا للتيمُّمِ. وقال شيخُنا جرير بن سلمة (٣): اعلم أنّ ماءَ البحرِ طاهرٌ مطهرٌ للنّجاساتِ، هذا قولُنا وقولُ جماعةِ العلماءِ، وهو قولُ أكثر الصّحابةِ والتّابعين، إلَّا أبا هريرة وابن عمر فإنّهما أجازا التّطُّرَ به ومنعا التّطهير به أيضًا. والدلالةُ على صحة قولنا: قولُه ﵎: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ الآية (٤)، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (٥)، وقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٦)، وقوله ﷺ : "خلقَ اللهُ

стр. 517

الماءَ طَهُورًا لا ينجِّسه شيءٌ" (١)، وهذا الحديث رواهُ سِمَاك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس (٢). فإن قيل: وكيفَ يجوزُ الوضوء بماءِ البحرِ والبحرُ هو غطاء جهنَّم، فكيف يكون ذلك مطهِّرًا؟ الجواب عنه: وذلك أنّ النّبيَّ ﷺ إنّما قاله لشدة غَرَرهِ وخَطَرهِ وهَولِهِ، وعلى باب العِظَةِ به والاعتبارِ. تنببهٌ على مقصدٍ: قال الإمامُ: لَمَّا لم يكن هذا الحديثُ من شرطِ البخاريَّ، بَوَّبَ (٣) عليه فقال: "بابُ إجابة السّائل بأكثر ممّا سألَ عنه"، وأدخلَ حديثَ ابن عُمرَ؛ سُئلَ رسولُ الله ﷺ عَمَّا يَلبَسُ المُحْرِمُ (٤)، وإنّما قصد التّنبيه على هذا الباب والحديثُ أيضًا الّذي فيه جواب السّائل بأكثرَ ممّا سألَ عنه في موضعين: الموضعُ الأوَّل: قولُه: "هو الطَّهور ماؤُهُ" فإنّه لو قال له: نعم، لكان جوابًا على السؤال، وكان لا يقتضي جوازَ الوضوءِ بماء البحر إلَّا عند خَوْفِ العطشِ وقلَّةِ الماء، فاطلَقَ النّبىُّ ﷺ القولَ إطلاقًا؛ ليبيِّنَ أنّه طَهورٌ مطلَقٌ وحُكْمٌ عامٌّ. الموضعُ الثّاني: قولُه: "الحلُّ مَيتَتُهُ" وكأنَّ النبيَّ ﷺ فهِمَ من السّائل استنكافَ أمْرِ البحر، فأراد ﷺ أنّ يبيِّنَ أنّه بَرَكَةٌ كلُّهُ، ماؤهُ طَهُورٌ، ومَيتَتُه حلالٌ، وظهرُهُ مَجَازٌ، وقَعْرُهُ جواهِرُ وزمرّد.

стр. 518

وقال جماعة منهم أبو حنيفةَ (١): لا تحلُّ ميتةُ البحر، وتعلَّقَ بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٢) وهذا عُمومٌ ظاهرٌ. إيضاحُ مُشكِلٍ: وما قلناه أوضحُ لثلاثةِ أوجُهٍ: أحدُها: هذا الحديثُ الّذي تلوناه آنفًا. الثّاني: حديثُ أبي عُبَيدَةَ، حين ألقَى لهم البحرُ حوتًا يقال له العنبرُ، فأكلوه (٣). فإن قيل: كانت تلك حالَ ضرورةٍ. قلنا: قد أكل القومُ منه وشَبِعُوا وادَّهنوا وتزوَّدوا، ولو كانت حال ضرورةٍ ما جازَ شيءٌ منه. وقد وافقنا أبو حنيفة (٤) على ما صاده المجوسيّ من السّمك، فلو كان الصّيد تذكيةً كما زعموا، ما جاز من المجوسيّ؛ لأنّه ليس من أهل الذّكاةِ. تفسير فقهيّ شرعيّ: فإذا ثبت أنّ الماء طهورٌ لا يَنْجَسُ إلَّا بما غيَّرَ صفاته، لكنّه يستحبّ صيانة قليله عن النّجاسات؛ لأنّه أكملُ في الطّهارة وأقوى للنّظافة وأَطيَبُ على النّفس. فأمّا المياهُ الكثيرةُ، كالآبارِ العظام والأنّهار الكبار، فإنّه يجوزُ رَمْيُ النّجاسات والأقذارِ فيها قصدًا، وعلى ذلك هي الأمَّة كلها في البلاد الّتي تكون على الأنّهار، وتد سُئِلَ عن بئر بضاعة وما يطرح فيها من الأقذار والجيفِ، فقال: "خلقَ اللهُ الماءَ طَهُورًا لا ينجِّسُهُ شيءٌ" (٥).

стр. 519

إلحاق وتبيينٌ: ههنا هو الكلام في المياه، والمياهُ عند مالكٌ ﵀ تنقسم على سبع مراتب، فأربعةٌ يُتوَضَّأ منها، وثلاثة لا يُتوَضَّأ منها. فالّتي يُتوَضَّأ منها: ماءُ البحار كما خلَقَها اللهُ ، لقوله: "الطَّهورُ ماؤه". وماءُ الأنّهار كما أجراها اللهُ . ومَاءُ الأعيُنِ والآبار كما أنبعها اللهُ . وماءُ الشِّتاء إذا نزل في بقعةٍ طاهرةٍ. فهذه المياه الّتي أوجب منها العبادة، وأَطبَقَ عليها العلماء أجمع. وأمّا المياه الّتي لا يُتوَضَّأ منها فثلاثة: أوّلها: الماء المضاف. والماءُ النَّجِس. والماءُ المشكوك فيه. تقسيم: قال بعضُ علمائنا المصريِّين في قسمة الماء، قال: الماء على أربعة أقسام: طاهرٌ مطلَق، وطاهرٌ مضافٌ، ونجسٌ مضافٌ، ومشكوكٌ. قلنا: وأخصرُ من هذه القسمة أنّ يقال: الماءُ على قسمين: مطلَقٌ ومقيَّدٌ، والمقيَّدُ على ضربين: مقيَّدٌ بإضافة، ومقيَّدٌ بنجاسةٍ. فإمَّا المقيَّدُ بالنّجاسة فعلى

стр. 520

وجهين: إذا لم يتغير أحد أوصافه، وقال علماؤنا: من توضَّأ به وصلَّى أعادَ ما كان في الوقت استحبابًا، كمن تيمَّمَ على موضع نجسٍ. فإن تغيَّرَ أحد أوصاف هذا الماء عند مالك أعاد أبدًا. الفصل الرّابع في الفوائد المنثورة الفائدة الأولى: قوله: "الحِلُّ مَيتَتُهُ". قال القاضي أبو الوليد الباجي ﵁ (١): "الحيوان جنسان: بحريٌّ وبرَّيٌّ، فأمَّا البحريٌّ فنوعان: نوعٌ لا تبقَى حياته في البِرِّ كالحُوتِ، ونوعٌ تبقَى حياتُه كالضُّفْدَعِ والسَّرَطَان والسُّلحفاة. فأمّا الحوتُ، فإنّه طاهرٌ مباحٌ على أيِّ وجهٍ فاتت نَفْسُهُ، وبهذا قال مالكٌ والشّافعيّ، وقال أبو حنيفةَ: ما مات منه حتف أنفه فإنّه غيرُ مُباحٍ. والدّليلُ على قولنا: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ الآية (٢)، قال عمر ابنُ الخطَّاب: صَيدُهُ ما صِدْتَهُ، وطَعامُه ما رَمَى به (٣). وأمّا ما تدومُ حياتُه كالضُّفْدَعِ، فهو عند مالكٍ طاهرٌ حلالٌ لا يحتاجُ إلى ذكاته (٤)، وقال ابنُ نافعٍ: هو حرامٌ نجِسٌ إذا ماتَ حتف أنفه (٥) ".

стр. 521

الفائدة الثّانية (١): وأمّا حيوانُ البَرَّ، فعلى نوعين أيضًا: ما له نَفسٌ سائلةٌ، كالطَّير والفأرةِ والحَيَّةِ والوَزَغَةِ وشحمةِ الأرض، وزاد ابن القصّارِ (٢): والبراغيث، فإنّ ذلك كلّه يَنْجُسُ بالموتِ. وقال سحنون في برغوث وقع في ثريد: لا بأس أنّ يُؤكَل. وفي "كتاب ابن حبيب" (٣) عن مالك: ما ليس له لحمٌ ولا دَمٌ كالخُنْفُسَاءِ والنَّمْلِ (١) والدُّودِ والبَعُوض، وما أشبه ذلك، من احتاجَ شيئًا منه لدواءٍ ذَكَّاهُ بما يُذَكِّى به الجراد، فجعلَ البعوضَ من صنفِ ما ليس له دمٌ وفيه دمٌ ينتقلُ إليه. فعلى هذا لا يُرَاعَى في الدَّمِ إلَّا أنّ يكونَ من نَفسِ الحيوانِ، فيكونُ ممّا ليس له دَمٌ قولٌ واحدٌ أنّه لا يَنْجُسُ بالموتِ، وما له دمٌ قولٌ واحدٌ أنّه يَنْجُس بالموتِ. وما ليس له دمٌ وفيه دمٌ القولانِ: يَنْجُسُ على قول ابن القصَّار، ولا ينجس على قول سحنونٍ ومالكٍ. ويحتمل وجهًا آخر أنّ يكون البرغوث ينجس بالموت إذا كان فيه الدّم، ولا يَنْجُس إذا لم يكن فيه دم. وأما فائدة المسألةِ، فسيأتي الكلامُ عليها، فلابُدّ من تحقيق الكلام في المياه. تأصيلٌ وإلحاقٌ: قول مالكٌ ﵀ في هذا الباب: "هو الطَّهورُ ماؤُهُ الحلُّ مَيتَتُهُ" ففي هذا للعلماء تسع عشرة مسألة: المسألةُ الأولى: قوله: "الطّهورُ ماؤه" فالماءُ الطّهور هو الّذي لم يتغيَّر أحد أوصافه الّتي هي اللّون والطعم والرائحة، أو أحدهما بما لا ينفكّ عنه غالبًا، أو بما ليس بقرار له ولا متولّد عنه.

стр. 522

نكتةٌ لغوية: وأمّا قوله: "الطَّهورُ" ففيه مسألتان: الأولى: عندنا أنّ الطّهورَ ما طهَّرَ غيره. وقال أبو حنيفة: هو الطّاهر في نفسه ولا يفيد تطهيرًا في غيره. ودليلُنا: أنّه "فَعُولٌ" ومعناه: ما يفعل به، مثل غَسُول بما يُغسَل به، وقد بيَّنَاهُ في أوَّل الباب. وأمّا من الشّرع: فقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ الآية (١)، فكان تفسيرًا لقوله: ﴿طَهُورًا﴾. المسألة الثّانية: عندنا أنّ الطهور يفيدُ التَّكرار (٢)، ورواه ابن أبَان عن الشّافعيّ، وروى الجمهورُ عنه أنّه لا يفيد التّكرار، وبه قال أصبَغ. وفائدة الخلاف أنّه يتصوَّر في الماء المستعمل، على ما يأتي بيانُه إنّ شاء الله. إلحاق: قال علماؤنا: والماءُ الطَّهورُ على سبعة أقسام: ١ - الأوّل: مُطلَقُ الأوصاف، كماء الآبار والْغُدُرِ والأنّهار، ولا خلاف أنّه طهورٌ ما لم تُلاَقه نجاسة تغيِّره، أو طهارة تنفكّ عنه غالبًا، كماء الثّلج والبرَدِ. ٢ - والْجَمْدُ إذا ذاب جاز التّوضؤُ به، وإن توضَّأ به على صفته، فعلى وجهين: إنّ كان رخوًا يجري على الأعضاء ماؤه صَحَّ، وإن كان صلْبًا لا يذوب لم يصحّ إلّا في مسح الرّأس؛ لأنّ المسح يجزئ فيه إصابة البَلَل.

стр. 523

٣ - الثّالث: الماءُ المتغيِّر بصفة لا تزايله غالبًا، كالمتغيِّر من طُولِ المكْثِ وبالحمأةِ والطِّين. ٤ - والجاري على السِّباخ والمعادن. ٥ - والمتغيِّر بماء يتولَّد عنه، كالطُّحْلُب والورد، لا خلاف أنّه طهور. المسألة الثّالثة: الماء المطلق إذا طرح فيه التّراب فتغيَّر فهو طهورٌ؛ لأنّ التّراب وما لا ينفكّ عنه بطرحه فيه كطرحه عليه فإنّه لا يغيِّره. وإذا طرح فيه الزَّرنِيخ، والزُّجاجُ، والآجُرُّ المدقوق، فتغيَّرَ فهو غير طَهورٍ. والفرقُ بينهما من وجهين: أحدهما: ممّا ينفك عنه الماء في الغالب، والترابُ لا ينفكُّ عنه بحالٍ. والثّاني: أنّ هذا دخلَتْه صنعة الآدميِّ والأجُرَّة مصنوعة. قال ابن القصّار: المسألة محتملةٌ، فإن قلنا إنّه طهورٌ، فإنّ المِلحَ من جنس الأرض؛ لأنّ التيمُّمَ يجوز عليه كماء الطِّين والرَّمْل، وإنْ قلنا إنّه غير طهور، فإنّه ممّا ينفكَّ عنه غالبًا (١). وفصل الباجي بين الْمِلْح الجَبَلِيّ والمائيّ فقال: الجَبَلِىُّ هو الّذي اختلف فيه شيوخنا بالعراق، وأمّا المائيّ فلم يختلفوا فيه أنّه غير طهور؛ لأنّه دخلته صنعة آدمي (٢).

стр. 524

قال الإمام: وهذا التّفصيل بالعكس أوْلَى؛ لأنّ الجَبَلِيّ أصله الماء، وقد جمد فهو كالجمدِ، ولأنّ الزَّرنِيخ والمائيّ أصله الماء فهو كالْجَمدِ. وقيل إنّ الملْحَين سواء؛ لأنّ أصلهما الماء. المسألة الرّابعة: وهي إذا تَغَيَّرَ الماء بورق الشَّجر النَّابت عليه، فقال بعضهم: إنّه غير طهور (١)، وظاهر المذهب أنّه طهورٌ؛ لأنّه مِمَّا لا ينفكّ عنه غالبًا. ولأصحاب الشّافعيّ (٢) فيه وجهان: أحدهما: أنّه طهورٌ. والثّاني: إنْ كان خريفيَّا فطهورٌ، كان كان ربيعيَّا فغير طهورٍ. وفرَّقوا بينهما بوجهين (٣): ١ - أنّه تخرجُ من ورق الشَّجر الرّبيعيّ رطوبة مختلطة بالماء، بخلاف الخريفىّ فإنّها يابسات. ٢ - والثّاني: أنّ الرّبيعي قلَّ ما يتأثَّر من الشَّجر، فيُمْكِن صَوْن الماء عنه، بخلاف الخريفي فلا ينفكّ عنه. المسألةُ الخامسة: ماءُ البحار المملَّحة فإنّها طهورٌ، لقوله: "الطُّهورُ ماؤُهُ". وقد حُكِيَ عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاصي أنّهما كرها استعماله وقالا: التّيَمُّم أحبّ إلينا منه (٤). وهذا يردّه نصّ الحديث الّذي صدَّرَ به مالكٌ ﵀ هذا الباب، وما رواه أبو هريرة أنّه قال ﵇: "من لم يطهِّره البحرُ فلا طَهَّرَهُ اللهُ" (٥).

стр. 525

المسألةُ السادسة: ماءُ الآبار كلّها طهور. وقال أحمد بن حنبل: يكرهُ الوضوءُ بماءِ زمزم (١). ودليلنا: قولُه : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٢) وهذا ماءٌ، ولأنّه نابع عن محلٍّ شريفٍ كعين سُلْوَان. المسألة السّابعة: الماءُ المقيَّدُ بصفةٍ تزايلُه، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المسخَّنُ بالنَّار فهو طهورٌ، خلافًا لمجاهد في كراهيته لذلك، ولأحمد بن حنبل أيضًا (٣)، لما رُوِيَ أنّ عبد الله بن عبّاس دخل حمَّامًا بالجُحْفَةِ وهو مُحْرِم، ولأنّ الأصل الطّهارة والتّسخين لا يُحدِثُ فيه كراهية، كالماء المسخَّنِ بالفَلاَةِ. المسألة الثّامنة: الماءُ المشمَّسُ كله طهور، إلَّا أنّ يكون في أواني الصُّفْر فيكره ذلك في البلاد الحارّة؛ لأنّه يُحْدِث البَرصَ، فمن توضَّأَ به أجزأه؛ لأنَّ النَّهيَ لخوف العلَّة. المسألة التّاسعة: الماءُ المتغيِّر بالمجاورة، مثل أنّ يكون ميتة على شاطئ البحر. أو على شاطئ نهرٍ فيريحُ الماء برائحتها، فقال عبد الملك (٤): إنّه طهورٌ، كأنّه على هذا لا يعتبر التّغيير إلَّا بالمخالطة دون المجاورة، ويلزم على هذا استعمال كلّ ما تغيَّر بالمجاورة، كماء العُود والعنبر؛ لأنّهما سواء.

стр. 526

المسألةُ العاشرة: إذا سقط في الماء عُود الطِّيب، فأخرج، وعَلِقَتْ بالماء الرّائحة، فهو طهورٌ على قول عبد الملك (١)، والمسألة محتملة. وانظر لو انصَبَّ على ثوب خمرٌ، فغُسِلَ حتّى ذهب اللّون دون الرّائحة، فما رأيت لشيوخنا فيها نَصَّا، فإن قلنا بطهارة الثّوب فلا حُكمَ للرّائحة، كما قالوا: لا حُكمَ لبقاء لون النّجاسة بعد الغسل، وكذلك في الماء لا تضرّه الرّائحة مع زوال اللّون. وإن قلنا لا يطهر مع بقاء الرّائحة، فالماءُ غير طهورٍ، وانظر ما في الفرق بين بقاء الرّائحة واللّون، والأظهر أنّهما سواء. المسألة الحادية عشر: في الماء الطّهور غير المطهِّر، ويسمَّى الماء المضاف، وهو كلّ ماء تغيَّر بما ينفكّ عنه في الغالب من الطهارات فيسلبه حكم التّطهير فقط، فيصير طاهرًا غير مطهِّر، وهو على قسمين: ١ - أحدهما: مضافٌ إلى ما خرج منه، كماء الورد والأس والشّجر، فهذا عندنا غير طهور كالأوّل سواء. ٢ - وقال الشّافعيّ (٢): إنّ غلب عليه ونسب إليه ماءٌ بلّ فيه زعفران، أو ماء بلّ فيه خبز، فهو طهورٌ غير مُطَهِّر. ودليلنا: أنّه تغيَّرَ بماء ليس بقرارٍ له ولا بمتولِّد عنه، بل بماء ينفكّ عنه غالبًا، فأشبه المتغيِّر بالنّجاسة والطَّبْخ. المسألة الثّانية عشر: هي إذا دخل في الماء مائعٌ طاهرٌ فلم يغيِّره، فظاهر المذهب أنّه طهورٌ، وقد قال

стр. 527

القابسي (١): إذا توضّأ به أعاد صلاته في الوقت على مذهب ابنِ القاسم، كما أنّه إذا خالطه نجس لم يغيِّره. وهذا غير صحيح. قال: فإن اختلط بالطَّهور مائع لا يخالفُ لون الماء ولا طعمه ولا ريحه كالْعَرَق وماء الشَّجر، فالظاهر أنّه طَهورٌ. وقال بعض الشّافعية: اعتبره بغَيرِه ممّا يغيِّره، فإن خالطه قَدْرٌ ما، لو كان ممّا يغيّره لغَيَّره، فغير طهور. وقال غيره: إنّما اعتبره بالغالب، فاحكُم له به: قال الإمام: فهذا كانت المائعات مختلفة فبأيّها يعتبر. فإن قيل بأعلاها صفة، عُورِضَ بأدناها. وإن قال بأدناها، لَزِمَه أنّ يعتبر المخالطة بنفسه فإنّ لها صفة تنفرد بها عين الماء ولم تغيِّره، فيجب أنّ يكون طاهرًا. فإن قال: لا أعتبره فإنّه لا يعتبر بحالٍ. قيل له: هذا مستحيل؛ لأنّه إذا كان أكثر من الماء تبِعَه الماءُ في صحَّتِه. المسألة الثّالثة عشر: وهي: إذا كان عنده من الطَّهور دون الكفاية، فَكَمَّلَه بمائع لم يغيَّره حتّى استهلكه فيه، فالظّاهر أنّه طَهُور، ويحتمل أنّ يكون غير طهور؛ لأنّه توضّأ بمائع بَيِّنٍ، والأحوطُ أنّ يتوضّأ به ثمّ يتيمّم. وقال بعضُ علمائنا: إنّ توضَّأَ به وبقي من الماء بمقدار المائع الّذي حلّ فيه، أجزأه.

стр. 528

قال الإمام الحافظ: وهذا غير صحيح؛ لأنّ المستعملَ بعضُه ماءٌ وبعضُه مائعٌ، فكذلك الباقي، ولا يجوزُ أنّ يكونَ الباقي هو المائع. قال الإمام: فإذا قلنا إنه طهورٌ، فانظر ما الفرق بينه وبين من حلف ألّا يأكل تمرة، فاختلطت بتمرٍ فأكل جميعه، فإنّه يَحْنَثُ بإجماعٍ، والفرقُ أنّ الحالف أكل التّمرة المحلوف عليها قطعًا لأنّها غير مستهلكة، وبخلافه المتوضِّئ بماءٍ قد استهلك فيه المائع، فصار كمن حلف ألَّا يأكل خَلًا فأكل مَرَقَةَ خَلٍّ قد استهلك في الطّبخ، لا حِنْثَ عليه. ومن حَلَفَ ألّا يأكل سَمْنًا فأكل سَوِيقًا مَلثُوثًا بالسَّمنِ أنّه يَحْنَث؛ لأنّ طعم السَّمْن حقيقة موجودة في السَّوِيقِ غير مستهلكة. وقد ذهب الشّافعيّ (١) في التّمر لو بقيت منه واحدة، لم يحنَث على أصله في الْحِنْثِ بالشَّكِّ، إذ يجوزُ أنّ تكون التَّمرة الباقية هي المحلوف عليها. ومالك يُحَنِّثُه بأكل واحدة، على أصله في الحِنْثِ بالشَّكِّ، إذ يجوز أنّ تكون التّمرة المأكولة هي المحلوف عليها. المسألة الرّابعة عشر: إذا تغيّر لون الماء الّذي في الآبار من الحبل الجديد، أو طعمها أو رائحتها، يكون في الدَّلالة غير طهور؛ لأنّه ممّا ينفكّ عنه في الغالب. وعندي في المسألة وجهان: أحدُهما: إنّ كان في آبار الصّحَارِي فهو طهور؛ لأنّه ممّا لا يوجد منه بدّ، ولا تنفكّ عنه الآبار في الغالب. الثّاني: إذا تغيّر ريح الماء فقط دون اللّون والطعم، بقَطِرَانٍ كان في الدّلو وبخورِ الْمُصْطَكَا، فهو عندنا غير طَهور. وقال عبد الملك (٢): هو طَهورٌ على أصله في ترك اعتبار الرّائحة. وقد نصَّ ابن

стр. 529

عبد الحَكَم (١) عن مالكٌ في "المختصر" (٢) أنّ الرّائحة معتبرة. المسألة الخامسة عشر: لا يجوز الوضوء والغسل عندنا عند عدَم الماء بنبيذ التَّمر (٣). وقال أبو حنيفة يجوز (٤)، واحتجَّ بقوله (٥): "ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ ومَاءٌ طَهُورٌ". وهذا لا يصحّ بحالٍ، والدَّليلُ القاطع عندنا: قوله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٦) فلم يجعل بين الماء والصّعيد واسطة. وأيضًا: فإنّه مائع لا يجوز الوضوء به حَضَرًا فلم يجز سَفَرًا كسائر المائعات عكسها، لَمَّا جاز التّطهُّر بسائر أنواعه حَضَرًا جاز به سَفَرًا. وعندنا أيضًا: أنّه لا يجوز الوضوء والغسل عند عدم الماء بمائعٍ. المسألة السادسة عشر: وعندنا لا تجوز إزالة النّجاسة بمائعٍ سوى الطّهور (٧). وقال أبو حنيفة: يجوز إزالة النّجس بكلِّ مائعٍ (٨). والدّليل القاطع عليه: قولُه ﵇ في دم الحيض: "حُتِّيهِ، ثمَّ اقرُصِيهِ، ثمّ اغسليه بالماء" (٩).

стр. 530

ولأنّه أيضًا لا يرفع النّجاسة عن نفسه، فلم يرفعها عن غيره. وإذا وقع يسيرٌ من الكافور في ماء، فأخرج مكانه ولم يذب منه شيءٌ، فهو كالعود. وإن ماع منه شيء فهو كالزّعفران. المسألة السّابعة عشر: في الماء الّذي يَنْجُس والّذي لا تضرّه النّجاسة، وهو على ثلاثة أقسام: قسم أجمع العلماء على أنّه نجسٌّ، وهو كلّ ما تغيّر أحد أوصافه بما يخالطه من النّجاسات. القسم الثّاني: مجتمعٌ على أنّه طهورٌ لا تضرّه النّجاسة، وذلك إذا كان كثيرًا جدَّا لم يتغيّر، كماء الأنّهار وما أشبهها. القسم الثّالث: اختلف العلماء في نجاسته، وذلك إذا كان الماء قليلًا ولم تغيِّره النّجاسة. فقال مالكٌ فيما روى عنه المدنيون والعراقيون (١): لا يَنْجُس الماء وإن قلَّ إلَّا بالتَّغيُّر، وبه قال الحسن. وقال الشّافعيّ (٢) وأبو حنيفة (٣): يَنْجُس إلَّا أنّ يبلغَ بمقدارٍ ألّا يقبل النّجاسة، فإذا بلغه لم يَنْجُس الماء إلّا بالتَّغيير. ثم اختلفا في المقدار: فقال الشّافعيّ (٤): قُلَّتان بقِلاَل هَجَر. وقال أبو حنيفة: يجب أنّ يكون عشرة في عشرة في عُنُقِ شِبْرٍ.
следующие страницы →