← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

المسألةُ العاشرة: إذا سقط في الماء عُود الطِّيب، فأخرج، وعَلِقَتْ بالماء الرّائحة، فهو طهورٌ على قول عبد الملك (١)، والمسألة محتملة. وانظر لو انصَبَّ على ثوب خمرٌ، فغُسِلَ حتّى ذهب اللّون دون الرّائحة، فما رأيت لشيوخنا فيها نَصَّا، فإن قلنا بطهارة الثّوب فلا حُكمَ للرّائحة، كما قالوا: لا حُكمَ لبقاء لون النّجاسة بعد الغسل، وكذلك في الماء لا تضرّه الرّائحة مع زوال اللّون. وإن قلنا لا يطهر مع بقاء الرّائحة، فالماءُ غير طهورٍ، وانظر ما في الفرق بين بقاء الرّائحة واللّون، والأظهر أنّهما سواء. المسألة الحادية عشر: في الماء الطّهور غير المطهِّر، ويسمَّى الماء المضاف، وهو كلّ ماء تغيَّر بما ينفكّ عنه في الغالب من الطهارات فيسلبه حكم التّطهير فقط، فيصير طاهرًا غير مطهِّر، وهو على قسمين: ١ - أحدهما: مضافٌ إلى ما خرج منه، كماء الورد والأس والشّجر، فهذا عندنا غير طهور كالأوّل سواء. ٢ - وقال الشّافعيّ (٢): إنّ غلب عليه ونسب إليه ماءٌ بلّ فيه زعفران، أو ماء بلّ فيه خبز، فهو طهورٌ غير مُطَهِّر. ودليلنا: أنّه تغيَّرَ بماء ليس بقرارٍ له ولا بمتولِّد عنه، بل بماء ينفكّ عنه غالبًا، فأشبه المتغيِّر بالنّجاسة والطَّبْخ. المسألة الثّانية عشر: هي إذا دخل في الماء مائعٌ طاهرٌ فلم يغيِّره، فظاهر المذهب أنّه طهورٌ، وقد قال

стр. 527

القابسي (١): إذا توضّأ به أعاد صلاته في الوقت على مذهب ابنِ القاسم، كما أنّه إذا خالطه نجس لم يغيِّره. وهذا غير صحيح. قال: فإن اختلط بالطَّهور مائع لا يخالفُ لون الماء ولا طعمه ولا ريحه كالْعَرَق وماء الشَّجر، فالظاهر أنّه طَهورٌ. وقال بعض الشّافعية: اعتبره بغَيرِه ممّا يغيِّره، فإن خالطه قَدْرٌ ما، لو كان ممّا يغيّره لغَيَّره، فغير طهور. وقال غيره: إنّما اعتبره بالغالب، فاحكُم له به: قال الإمام: فهذا كانت المائعات مختلفة فبأيّها يعتبر. فإن قيل بأعلاها صفة، عُورِضَ بأدناها. وإن قال بأدناها، لَزِمَه أنّ يعتبر المخالطة بنفسه فإنّ لها صفة تنفرد بها عين الماء ولم تغيِّره، فيجب أنّ يكون طاهرًا. فإن قال: لا أعتبره فإنّه لا يعتبر بحالٍ. قيل له: هذا مستحيل؛ لأنّه إذا كان أكثر من الماء تبِعَه الماءُ في صحَّتِه. المسألة الثّالثة عشر: وهي: إذا كان عنده من الطَّهور دون الكفاية، فَكَمَّلَه بمائع لم يغيَّره حتّى استهلكه فيه، فالظّاهر أنّه طَهُور، ويحتمل أنّ يكون غير طهور؛ لأنّه توضّأ بمائع بَيِّنٍ، والأحوطُ أنّ يتوضّأ به ثمّ يتيمّم. وقال بعضُ علمائنا: إنّ توضَّأَ به وبقي من الماء بمقدار المائع الّذي حلّ فيه، أجزأه.

стр. 528

قال الإمام الحافظ: وهذا غير صحيح؛ لأنّ المستعملَ بعضُه ماءٌ وبعضُه مائعٌ، فكذلك الباقي، ولا يجوزُ أنّ يكونَ الباقي هو المائع. قال الإمام: فإذا قلنا إنه طهورٌ، فانظر ما الفرق بينه وبين من حلف ألّا يأكل تمرة، فاختلطت بتمرٍ فأكل جميعه، فإنّه يَحْنَثُ بإجماعٍ، والفرقُ أنّ الحالف أكل التّمرة المحلوف عليها قطعًا لأنّها غير مستهلكة، وبخلافه المتوضِّئ بماءٍ قد استهلك فيه المائع، فصار كمن حلف ألَّا يأكل خَلًا فأكل مَرَقَةَ خَلٍّ قد استهلك في الطّبخ، لا حِنْثَ عليه. ومن حَلَفَ ألّا يأكل سَمْنًا فأكل سَوِيقًا مَلثُوثًا بالسَّمنِ أنّه يَحْنَث؛ لأنّ طعم السَّمْن حقيقة موجودة في السَّوِيقِ غير مستهلكة. وقد ذهب الشّافعيّ (١) في التّمر لو بقيت منه واحدة، لم يحنَث على أصله في الْحِنْثِ بالشَّكِّ، إذ يجوزُ أنّ تكون التَّمرة الباقية هي المحلوف عليها. ومالك يُحَنِّثُه بأكل واحدة، على أصله في الحِنْثِ بالشَّكِّ، إذ يجوز أنّ تكون التّمرة المأكولة هي المحلوف عليها. المسألة الرّابعة عشر: إذا تغيّر لون الماء الّذي في الآبار من الحبل الجديد، أو طعمها أو رائحتها، يكون في الدَّلالة غير طهور؛ لأنّه ممّا ينفكّ عنه في الغالب. وعندي في المسألة وجهان: أحدُهما: إنّ كان في آبار الصّحَارِي فهو طهور؛ لأنّه ممّا لا يوجد منه بدّ، ولا تنفكّ عنه الآبار في الغالب. الثّاني: إذا تغيّر ريح الماء فقط دون اللّون والطعم، بقَطِرَانٍ كان في الدّلو وبخورِ الْمُصْطَكَا، فهو عندنا غير طَهور. وقال عبد الملك (٢): هو طَهورٌ على أصله في ترك اعتبار الرّائحة. وقد نصَّ ابن

стр. 529

عبد الحَكَم (١) عن مالكٌ في "المختصر" (٢) أنّ الرّائحة معتبرة. المسألة الخامسة عشر: لا يجوز الوضوء والغسل عندنا عند عدَم الماء بنبيذ التَّمر (٣). وقال أبو حنيفة يجوز (٤)، واحتجَّ بقوله (٥): "ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ ومَاءٌ طَهُورٌ". وهذا لا يصحّ بحالٍ، والدَّليلُ القاطع عندنا: قوله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٦) فلم يجعل بين الماء والصّعيد واسطة. وأيضًا: فإنّه مائع لا يجوز الوضوء به حَضَرًا فلم يجز سَفَرًا كسائر المائعات عكسها، لَمَّا جاز التّطهُّر بسائر أنواعه حَضَرًا جاز به سَفَرًا. وعندنا أيضًا: أنّه لا يجوز الوضوء والغسل عند عدم الماء بمائعٍ. المسألة السادسة عشر: وعندنا لا تجوز إزالة النّجاسة بمائعٍ سوى الطّهور (٧). وقال أبو حنيفة: يجوز إزالة النّجس بكلِّ مائعٍ (٨). والدّليل القاطع عليه: قولُه ﵇ في دم الحيض: "حُتِّيهِ، ثمَّ اقرُصِيهِ، ثمّ اغسليه بالماء" (٩).

стр. 530

ولأنّه أيضًا لا يرفع النّجاسة عن نفسه، فلم يرفعها عن غيره. وإذا وقع يسيرٌ من الكافور في ماء، فأخرج مكانه ولم يذب منه شيءٌ، فهو كالعود. وإن ماع منه شيء فهو كالزّعفران. المسألة السّابعة عشر: في الماء الّذي يَنْجُس والّذي لا تضرّه النّجاسة، وهو على ثلاثة أقسام: قسم أجمع العلماء على أنّه نجسٌّ، وهو كلّ ما تغيّر أحد أوصافه بما يخالطه من النّجاسات. القسم الثّاني: مجتمعٌ على أنّه طهورٌ لا تضرّه النّجاسة، وذلك إذا كان كثيرًا جدَّا لم يتغيّر، كماء الأنّهار وما أشبهها. القسم الثّالث: اختلف العلماء في نجاسته، وذلك إذا كان الماء قليلًا ولم تغيِّره النّجاسة. فقال مالكٌ فيما روى عنه المدنيون والعراقيون (١): لا يَنْجُس الماء وإن قلَّ إلَّا بالتَّغيُّر، وبه قال الحسن. وقال الشّافعيّ (٢) وأبو حنيفة (٣): يَنْجُس إلَّا أنّ يبلغَ بمقدارٍ ألّا يقبل النّجاسة، فإذا بلغه لم يَنْجُس الماء إلّا بالتَّغيير. ثم اختلفا في المقدار: فقال الشّافعيّ (٤): قُلَّتان بقِلاَل هَجَر. وقال أبو حنيفة: يجب أنّ يكون عشرة في عشرة في عُنُقِ شِبْرٍ.

стр. 531

وفي رواية أخرى عنه: إذا حُرِّكَ أحد جانِبَيه لم يتحرَّكِ الآخرُ. ومن الصّحابة من قال: النّجاسة إذا وقعت في الماء الكثير، غيّر الّذي وقع فيه دونَ الآخر. ودليلنا قولُه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١) وهذا ماء. وقوله في بئر بضاعة: "خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلّا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه". المسألة الثّامنة عشر: إذا مات الإنسان في مائعٍ أو ماءٍ، فإنْ كان مؤمنًا لم يَنْجُس ما مات فيه من مائعٍ أو ماءٍ، إلَّا إنْ تغيَّر الماءُ بنجاسة تخرج منه؛ لأنّ المؤمنَ لا يَنْجُس بالموت. وأمّا إذا كان كافرًا فإنّه ينجُس المائع، ولا يَنْجُس الماء إلَّا بالتّغَيّر أيضًا. المسألة التّاسعة عشر: وإذا ماتتِ الدّابةُ في جِبَابِ اطرابلس. فقال مالكٌ: لا أحبّ أنّ يَشرَب ولا أنّ يغسل منه، ولا تسقَى (٢) البهائم منه، وهذا على وجهين: ١ - إنْ تغيَّر فنجسٌ. ٢ - وإن لم يتغيّر فطهورٌ، إلّا أنّه مكروهٌ مع وجود غيرِهِ. فإن تغيَّر بعض الْجُبِّ الكبير من النّجاسة أو الدّابة: فقال ابن وهب (٣): يخرج وُينْزَح منه قَدْر ما يذهب بالرّائحة واللّون ودَسَمِ الْمَيتَة. وأنكره ابنُ القاسم، وقال الأخير فيه (٤): ولم أسمع من أرخص (٥) فيه قطّ (٦).

стр. 532

فأمّا إنّ كان الْجُبُّ صغيرًا فحلَّت فيه نجاسة لم تغيِّره: فاستحبَّ الشِّيرازيّ (١) أنّ ينزح منه قَدْر ما تَطِيب النّفس ويُستعمل (٢). وأمّا إذا انقطعت أجزاء ما لا نفس له من الْخَشَاشِ في الطّعام، لم يؤكل، إلَّا أنّ يكثر الطّعام فيؤكل. قال أبو إسحاق (٣): هذا على قول من لا يجيز أكل الْخَشَاش إلَّا بذكاة، وأمّا من أجاز أكله بغير ذكاة فلا شيءَ فيه. فصل في أسْآر الحيوان وأعراقها وأبوالها وألبانها وفيه أربعة فصول: الفصل الأوّل في أسْاَر الحيوان أسْآر الحيوان كلّها عند مالكٌ طاهرة، المباح منها والمحرَّم والمكروه (٤)، وكذلك أسْآر جميع الطَّير إلَّا ما لا يتوقَّي النّجاسة غالبًا، كأسْآر المشركين وأهل الكتاب وشارب الخمر والكلاب والخنازير والجلّالة من الخيل الّتي تأكل أرواثها، والدّجاج الْمخَلّاة مكروهة وفي الحكم طاهرة، إلَّا ما تغيّر منها عند إصابتهم النّجاسة فإنّه يَنْجُس. وقال ابنُ القاسم: لا يتوضَّأ بسُؤر ما يأكل النّجاسات، بناءً على أصله الّذي بَنَى (٥).

стр. 533

وقال مالكٌ (١) والشّافعيّ بذلك، واختلف قولُه في البازي. الفصل الثّاني في أعراق الخيل وهي على ضربين: فأما ما يتغذَّى الطّهارات، فلا خلافَ في طهارة عَرَقِهِ. وأما ما يتغذَّى النّجاسات، ففيه قولان: فالقاضي عبد الوهّاب يقول: إنّه يَنْجُس كعرق شارب الخمر والجلّالة. وشبَّهَهُ بعض القرويَّين بالبيضة الفاسدة تسلق مع غيرها أنّها لا تؤكل، وإن كان بين النّجاسة والطّاهر حجابٌ وهو الْقِشر، فكذلك العرق لأنّه رَشحٌ. وقال عبد الحقّ (٢) والتّونسىّ (٣) الأعراق كلّها طاهرة، إذ ليس العرَقُ نفسى ما يُؤكَل أو يُشرَب. وقال التّونسيّ: ويجوز أنّ يقال عين الخمر إذا خرج عرقَا كالخمر إذا تخلَّلَت. وقال عبد الحقّ: والتّمثيلُ بقشر البيضة غير صحيح؛ لأنّه جسمٌ رقيق لا يمنع خروج أجزاء المضاف من النّجاسة تصل إلى الطّاهر، ليس كذلك أجزاء بني آدم والحيوان.

стр. 534

الفصل الثّالث في ألبان الحيوان وهي على ثلاثة أضرب: ١ - فلَبَنُ بني آدم، ولبنُ كلِّ حيوان يُؤكل لحمه طاهرٌ باتِّفاقٍ. ٢ - الضّرب الثّاني: ما لا يؤكل لحمه مكروهٌ. قال يحيى بن يحيى (١): من صلّى بلبن حمارة في ثوبه أعادَ في الوقتِ. ٣ - الضّرب الثّالث: ألبانُ ما يَأكُل النَّجِس لا بأس به؛ لأنّ عين اللّبن انقلبت، قاله التونسيّ. وقال غيره: هو بمنزلة النَّحْل تغتذي نجسًا لا بأس بعَسَلِها. وقال عبد الوهّاب (٢): هو كزرعٍ نبتَ من قمح نجسٍ. الفصل الرّابع في أرواث الحيوان وأبوالها قال الإمام الحافظ: والأبوالُ عند علمائنا على ثلاثة أضرب: فبَولُ ما يؤكل لحمه طاهرٌ. وبول ما يُكرَه لحمه مكروه كَلَحْمِه. وبول ما لحمه محرَّمٌ كلحمه. غير أنّ ما حرم أكله على وجهين: فلحمٌ حرم من أجل حرمته لا لنجاسته كابن آدم. ولحم حرم لنجاسته لا لحرمته، وهو الخنزير. فكلٌّ بولٍ مردود إلى لحمه، وكذلك الأرواث.

стр. 535

قال أبو حنيفة (١) والشّافعيّ (٢): الأبوال والأرواث كلّها نجسة، واستثنى الشّافعيّ في أحد قَوْلَيه بول النّبيّ ﷺ ونجوه فقال: إنّهما طاهران. قال الإمام: ودليلنا أنّهما طاهران: قولُه ﵇: "ما أُكِلَ لَحْمُهُ فلا بأسَ ببولِهِ" (٣)، ولأنّه ﵇ أباح للعُرَنِيِّينَ شرب أبوال الإبل (٤)، وقوله: "ولا شِفَاءَ فيما حرَّمَ اللهُ" (٥) ولأنّه ﷺ طاف بالبيت على بعير (٦)، فدلّ أنَّ بوله غير نجس. وفي هذا الفصل فرعان: الأوَّلُ: أبوال ما يُؤكَل لحمه ممّا يأكل الجِيَّفَ وأرواثه نجسة. قال عبد الوهّاب: لأنّ استحالته لا تنقل النّجس إلى الطّهارة، وإنّما هي على أحد حُكمَين: إمّا أنّ ينقل الطّاهر إلى النّجس، وذلك ممّا لا يُؤكَل لحمه، أو ليبقيه على حاله فيما يُؤكَل لحمه. وإمّا أنّ يكسب النّجس إلى الطّهارة. الفرعُ الثّاني: في أبوال الظِّباءِ قولان: قال (٧) في "المجموعة" (٨): ليست من الأنعام وإنّما هي من الوحش، ولست أدري ما أبوالها.

стр. 536

ورَوَى ابنُ القاسم (١) عنه؛ أنّه لا بأس بأبوال الظِّباءِ وما أشبهها، ولا أرى أنّ يُتَقَرَّبَ بشيءٍ منها، يعني في الهدايا والضّحايا. وأمّا ما كان في البَرَارِى ممّا يمشي على أربع مثل اليَرْبُوع وفأرة المِسكِ (٢)، فقد قال أبو إسحاق (٣): هي ميتة ويصلَّى بها. وتفسير ذلك عندي (٤): أنّها كجُرْحٍ يحدثُ بالحيوان يجتمع فيه مِدَادٌ، ثمّ يستحيل مسْكًا، ومعنى كونها ميتة؛ أنّها يؤخذ منها في حال الحياة أو بذَكَاة من لا تصلح ذكاته من أهل الهند؛ لأنّهم ليسوا أهل كتاب، وإنّما حكم لها بالطّهارة لاستحالتها، كما يستحيل الدّم وسائر ما يتغذّى به الحيوان من النّجاسات. النوع الثّاني (٥): هو ما ليس له نفس سائلة، كبنات وَرْدَان (٦) والصّرار والخُنْفُسَاء والذُّباب والحشرات، فإنّ ذلك لا يَنْجُس بالموت. وقال الشّافعيّ: يَنْجُسُ بالموت (٧). والمنصور (٨) من هذه الأقوال قولُ مالكٌ أنّها لا تَنْجُس.

стр. 537

تكملة: قولُه: "الطّهورُ ماؤه والحلُّ مَيتَتُه". اعلموا أنّه لم يرد في المصنَّفاتِ لفظة "الطَّهور" إلّا في "الموطَّأ" وفي "كتاب مسلم" فقط (١). فأما مالكٌ ﵀ فإنّه ترجم به فقال (٢): "الطّهور للوضوء" وكان من حقِّه وبيانه أنّ يقول: الماء الطّاهر للوضوء. وأما مسلم ﵀ فإنّه ساق في كتاب الطهارة فقال: "الطّهورُ شَطرُ الإيمانِ ... " الحديث (٣)، أعني بالألف؛ لأنّ البخاريّ قال أيضًا: "لا يقبلُ اللهُ صلاةً بغيرِ طَهُورٍ" (٤) وأمّا أنّ يذكر مصنِّفٌ الطَّهورَ بالألفِ واللّام فلا يوجد إلَّا في "الموطَّأ" وفي "كتاب مسلم" في قوله: "الطّهورُ شطرُ الإيمانِ". ويحتمل (٥) ذلك وجهين: أحدهما: أنّ يكون المراد بقوله: "شَطرُ الإيمَانِ" أي أنّه ينتهي تضعيف الأجْر فيه إلى نصف أجر الإيمان من غير تضعيفٍ، وهذا كأحد التّأويلات في قوله ﷺ : "إنَّ قُل هوَ اللهُ أَحَد تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآنِ" (٦) كما بينّاه في باب "ذِكرِ الله والدّعاء". والوجهُ الثّاني: هو أنّ يكون "شَطرُ الإيمان" أنّ الإيمان يَجُبُّ ما قَبلَه من الآثام، وقد أخبرَ النبيُّ ﵇ أنّ الوضوءَ يُذهِبُ عن الإنسان الخطايا، إلَّا أنَّه قد قام الدّليل أنّ الوضوء لا يصحّ الانتفاع به إلَّا مع مُصَاقَبَةِ الإيمان له، فكأنّه لم يخصّ به

стр. 538

رفع الإثم إلَّا مع شيء ثانٍ. ولَمّا كان الإيمانُ يَمحُو الآثامَ المتقدَّمة عليه بانفراده، صار الطّهور في التّشبيه كأنّه على شطرٍ منه. وفي الحديث أيضًا حُجّة على من يرى أنّ الوضوء لا يفتقرُ إلى نيةٍ، وهذه المسألة اختلف النّاس فيها على ثلاثة أقوال: ١ - القولُ الأولي: قال الأوزاعي وغيره: إنّ الوضوء والتّيمّم لا يفتقران إلى نيةٍ. ٢ - وقال مالكٌ في المشهور عنه: إنّهما يفتقران إلى نية (١). ٣ - وقال أبو حنيفة: أمّا التيمم فلا بدّ فيه من نية، وأمّا الوضوء فلا (٢). والمنصور منها قول مالكٌ (٣). حديث مالكٌ (٤)، عن إسحاقَ بنِ عبد الله، عن حَمِيدَةَ بنتِ أبي عُبَيدَة بن فَرْوَةَ، عن خالتها كَبْشَةَ بنتِ كعْبِ بن مالك - وكانت تحت ابن أبي قَتَادَة -؛ أنّها أخبرتها: أنّ أبا قتادةَ دخل عليها، فَسَكَبَتْ له وَضُوءًا، فجاءت هِرَّةٌ لِتَشربَ، فأَصْغَى لها الإناءَ حتّى شَرِبَتْ. قالت كَبشَةُ: فرآني أنظرُ إليه، فقال: أتَعْجَبِينَ يا ابنةَ أختي؟ قالت: نعم. فقال: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنّها ليست بِنَجسٍ، إنّما هي من الطوَافِينَ عليكمُ أو الطوَّافاتِ". تنبيه على وهم: قال الشّيخ أبو عمر ﵁ (٥): "هكذا رواهُ يحيى عن حَمِيدَة بنت أبي عُبَيدَة بن فَرْوَة، وهو غَلَطٌ لم يتابعه عليه أحد، وقال سائر رواة "المُوَطَّأ" (٦): حُمَيدَة

стр. 539

بنت عُبَيد بن رِفَاعَة، إلَّا أنّ ابنَ الْحُباب (١) قال فيه: مالكٌ عن حُمَيدَة بنت عُبَيد بن رافع، والصواب فيه: رِفَاعَة، وهو رِفَاعَة بن رافع الأنصاري (٢) وانفرد يحيى بقوله: "عَنْ خَالَتِهَا" (٣). واخْتُلِفَ في فتح الحاء من حَمِيدَة وضمّها، فبعضهم يقول: حَمِيدَة، وبعضهم يقول: حُمَيدَة وهم الأكثر. وحُمَيدَة أمَّ يحيى، وهي امرأة إسحاق بن عبد بن أبي طَلْحَة، ذكر ذلك يحيى القطّان (٤) في هذا الحديث عن مالك (٥) ". تأصيل (٦): قوله: "إنّها ليست بِنَجَسِ، إنّما هي من الطَّوَّافِينَ عليكم أو الطَّوَّافاتِ" وقد روى الدارقطني (٧)؛ أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه دُعِيَ إلى دار قومٍ فأجابَ، ودُعِيَ إلى دارٍ أخرى فلم يُجِبْ، فقيل له في ذلك، فقال: إنَّ في دار بني فلان -يعني الّتي لم يُجِبْ إليها- كَلْبًا. فقيل له: فما في دار بني فلان - يعني الدّار الّتي أجاب إليها؟ فقال: هِرٌّ، والْهرُّ سبْعٌ، يعني أنّها تَسْبَعُ المؤذياتِ للآدميِّين من الفأر والْخِشَاشِ والهوام. وقال في الحديث: "إنها من الطَّوَّافين عليكُم أو الطَّوَّافاتِ" فأشار ﵇ إلى أنّ الحاجة إليها أسقَطَت الاعتبارَ بها في نجاسة سُؤرِهَا، رفعَا للحرَجِ وتنبيهًا على أصل من أصول الفقه، وهو أنَّ كلَّ ما دَعَت الضّرورةُ إليه من المحظورِ، فإنّه ساقطُ الاعتبارِ على حَسَبِ الحاجةِ وبقَدْرِ الضّرورة.

стр. 540

ذكر فوائد هذا الحديث: وهي ثلاث فوائد: الفائدةُ الأولى: في إصغاءِ الإناء لها طَلَبُ الأجرِ في ذي الْكَبِد الرَّطْبةِ. الفائدة الثّانية (١): فيه إباحةُ اتِّخاذِ الهرِّ للانتفاعِ به، ومعلومٌ أنّ ما جازَ الانتفاعُ به جازَ شراؤُه وبيعُه، إلّا ما خُصَّ بدليلٍ، وهو الكلبُ الّذي نُهِيَ عن ثمنهِ. الفائدة الثّالثة (٢): فيه أنّ الهرَّ ليس يُنَجَّسُ ما شرِبَ منه، وأَنَّ سُؤرَهُ طاهرٌ، هذا قولُ مالكٍ والشّافعىِّ وأصحابه (٣) وجماعة. قال الإمام الحافظ أبو بكر ﵁ (٤) -: الابتداء بتمكينها من الماء؛ إشارة إلى أنّ طهارةَ سُؤرِها أصليةٌ، وأنّ ما يَعْرِضُ من حالتها المتوهّمة بأكلها النّجاسات ساقطة الاعتبارِ. وهذا إذا لم تر في فمها أذًى (٥)، أو تمشي على عينك من النّجاسة إلى الماء؛ فإن ذلك لا يجوزُ حتّى تغيبَ عنك فتعودَ إلى أصلها الّذي حَكَمَ لها به النَّبيُّ ﷺ . حديث: أمّا حديث عَمْرو بن العاصي حِينَ ورد الْحَوْض (٦)؛ فالكلامُ عليه كالكلام في سُؤر السِّباع. قوله (٧): "إِنَّا نَرِدُ على السِّباعِ" يقتضي أنّ أسْآرَ السِّباع طاهرةٌ، وبه قال مالك (٨) والشّافعيّ.

стр. 541

وقال أبو حنيفة (١): هي نجسة، واستثنى سُؤر سباع الطَّير والهوام. مسألة (٢): وحكَى ابنُ حبيب (٣) أنَّ بعضَ العلماء كره أسآر الدّوابّ الّتي تأكل أرواثها. وحَكَى عن ابن القاسم أنّه قال: لا بأس بها ما لم يُرَ ذلك في أفواهها عند شربها (٤). وأمّا الجلاّلة (٥)، فلا يتوضَّأ بسُؤرها وليتيمَّم. وأمّا سُؤر الخنزير فيكره، وروى أبو زَيْد (٦) في حياض الرِّيف ألاّ بأس بالوضوء منها وإن ولغت فيه الكلاب. وإن ولغت فيه الخنازير فلا يُتوضَّأ به ولا يشرب؛ لأنّه لا يجوز اتِّخاذها بوجهٍ ولا على حالِ. وقد حَكَى ابنُ القصّار (٧) أنّ الخنزير طاهر في حال حياته، وهذا هو حقيقة المذهب، وغير ذلك محمول على الكراهية. والمقدار الّذي لا يكره استعماله (٨) الحوض ونحوه.

стр. 542

إكمال: قوله (١): "لَيسَت بِنَجسٍ" هذا لفظٌ ينفي نجاسة العين (٢). وقال بعضُ العراقيين: سُؤر السِّباع طاهرٌ إلَّا الكلب والخنزير. قال القاضي أبو بكر بن العربي (٣): وأمّا أسآرُ السِّباع إذا ورَدَت مياهَ الفَلَاةِ، فإنّها ساقطةُ الاعتبارِ أيضًا، لِعِلَّة أنّه لا يمكنُ الاحترازُ منها، وقد ثبت أنّ النّبيَّ ﷺ سئل عن المياه ترِدُ عليها السِّباعُ فقال: "لَهَا مَا حَمَلَت في بُطُونِهَا؟ ولنا ما بَقِيَ شرابًا وطَهورًا" (٤)، ويُخالفُ هذا الدّوابّ الّتي تكون في البيوت، فإنّه يمكن الاحتراز منها وتدعو الحاجةُ إليها، ويُخَالِفُ سُؤرُ النّصرانىّ وشارب الخمر؛ لأنّ ذلك معصيةٌ لا رُخصَة فيها ولا اعتبارَ بها. ويتركَّبُ على هذا أسآر النِّساء، فإنّ جماعة منهم قالوا: لا يُتَوَضَّأ بسُؤر المرأة، منهم أحمد (٥) وغيره. حديث مالكٌ (٦)، عن نَافِعِ، عَنْ عَندِ اللهِ ننِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إنْ كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ في زَمَانِ رَسُولِ ﷺ لَيَتَوَضَّؤُونَ جَمِيعًا. قال الإمام الحافظ (٧): ظاهر الحديث دليلٌ واضحٌ على إبطال قول من قال: لا يُتَوَضَّأ

стр. 543

بفَضل المرأةِ. وقد ثبتَ في الصَّحيحِ (١) مخالطة الرِّجال والنّساء في الوضوء معهن وبما فضل عنهُنّ. والَّذي احتجّ به أحمد بن حنبل (٢) في أنّه لا يُتَوَضَّأَ بفضل المرأة حديثٌ مُعَارضٌ لِمَا رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ ، إذ نَهَى أنّ يَتوضَّأ الرَّجل بفَضل المرأة (٣)؛ لأنّه معلوم أنّهما إذا اغترفا جميعًا من إناء واحدٍ، كما جاء في الحديث من غير رواية مالكٌ (٤)، رواه هِشَام (٥) عن مالك كذلك. فكلّ واحدٍ منهما متوضِّئ، وقد صحّ حديث عائشة قالت: "كُنْتُ أَغتَسِلُ أَنَا وَرَسُول الله من إِنَاءٍ واحدٍ مِنَ الْجَنَابَةِ تَختَلِفُ أَيدِينَا فِيهِ" (٦). قال الإمام الحافظ: اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القولُ الأوّل: أحدها الكراهية، بأنْ يتطهْر الرَّجُل بفَضل طهر المرأة، وأن تتطهَّر المرأة بفَضْل طهره. القولُ الثّاني: أنّهما إذا شرعًا جميعًا في التَّطهُّر فلا بأس به، وإن خَلَتِ المرأةُ بالطّهور فلا خيرَ في أنّ يتطهّر هو بفضل طَهُور صاحبه شرعًا، جميعًا أو خلا كلّ واحد منهما. القولُ الثّالث: أنّه لا بأس أنّ يتطَهَّر كلّ واحدٍ منهما بفضل طَهُورِ صاحبه، ما لم يكن الرَّجُل جُنُبًا، أو المرأة حائضًا أو جُنُبًا، وهو قول ابن عمر (٧).

стр. 544

قال الإمام الحافظ: والَّذي عليه جمهور فقهاء الأمصار؛ أنّه لا بأس بفضل وضوء المرأة وسُؤْرها، حائضًا كانت أو جُنُبًا، خَلَت بالطّهور، أو شَرَعَا مَعًا، إلَّا ابنَ حنبل فإنّه قال: إذا خَلَت المرأةُ بالطّهورِ فلا يُتَوضَّاَ منه الرّجل (١). إنّما الّذي رخّص فيه أنّ يتوضأَ جميعًا. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: قد ثبت في الصّحيح مخالطةُ الرِّجال والنّساء، والوضوء معهنّ وبما يفضل عنهنّ، وليس من جملة نْواقض الوضوء ذلك (٢).

стр. 545

باب ما لا يجبُ منه الوضوء مالكٌ (١)، عن محمد بنِ عُمَارَةَ، عَنْ محمدِ بْنِ إبراهيمَ، عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لإبراهيم، عن عبد الرحمن بن عَوْفٍ؛ أنّها سألت أمَّ سَلَمَة زوجَ النّبيِّ ﷺ ، فقالت: إِنِّي امْرَاَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي، وَأَمْشِي في الْمَكَانِ الْقَذِرِ. قَالَث أُمُّ سَلَمَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ ". غايةٌ وإيضاحٌ: اختلف العلماء في طهارة الذّيل على المعنى المذكور في هذا الحديث على أربعة أقوال (٢): القولُ الأوّل: قال مالكٌ (٣): معناه في القَشْبِ اليابس، والقَذَر الجافِّ الّذى لا يتعلّق منه بالثّوب شيءٌ، فإذا كان هكذا كان ما بعده من المواضع الطاهرة يُطَهِّر الثّوب، وهذا عنده ليس بتطهيرٍ للنّجاسة؛ لأنّ النّجاسة عنده لا تطهير إلَّا بالغسل بالماء. القولُ الثّاني: قال الأَثرَم (٤): سمعت ابن حنبل يُسأَلُ عن حديث أم سَلَمَة: "يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ" فقال: ليس هذا عندي على أنّه أصابه بول فمرّ بعدَهُ على أرض فطهَّرهُ، ولكنه يمرُّ بالمكانِ يتقذّره، فيمرّ بمكان أطيب منه فيطهِّرهُ. القول الثّالث: قال أبو حنيفة وأبو يوسف: كلّ ما أزال عين النّجاسة فهو طاهر،

стр. 546

والماء وغيره في ذلك سواء. وقالوا: لو زالت بالشّمس أو بغيرها حتّى لا يُدْرَك عينها ولا يُرَى ولا يُعْلَم موضعُها، نذلك تطهيرٌ لها. وهذا قول داود وأصحابه (١). القولُ الرَّابع: أنّ الماء يطهِّر ذلك، ولا يكون الحديث على ظاهره لما فيه من رأي العين. فقه: سئل مالكٌ (٢): هل في الْقَيءِ وُضُوءٌ؟ الحديث. (٣) قال الإمام الحافظ (٤): لا يخلو أنّ يكون القَيءُ مغيّرًا أو غير مغيّر، فإن كان غير مغير فغسلُ الْفَم منه على الاستحباب لإزالة رائحته، كان كان مغيّرًا فهو نجسٌ وغسلُ الفمِ منه واجبٌ. ومذهب أبي حنيفة (٥) إذا ملأ الفم البَلْغَم. وقال أبو يوسف: وفي البَلْغَم الوضوء إذا ملأ الفم. وقال الأوزاعيّ: لا وضوءَ فيما يخرج من الْجَوْفِ إلى الفم من الماء والْمِرَّة، إلَّا الطعام فإن في قليله الوضوء (٦)، وهو قول ابن شهاب؛ أنّ في الْقَيءِ الوضوء (٧).

стр. 547

قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي: من أوجب الوضوء منه، فبحديث ثَوْبَانَ؛ أنّ رسول الله ﷺ قاء فأفطر، قال: وأنَا صببتُ له وَضُوءَهُ (١). قال بعض المُحَدِّثين (٢): هذا حديث لا يثبت عند أهل العلم (٣)، ولا في معناه ما يُوجِب حُكمًا؛ لأنّه يحتمل أنّ يكون غسل فمه ومضمضه، وهذا أصل لفظ الوضوء. حديث مالكٌ (٤)، عن نافع؛ أنّ ابنَ عمر حَنَّطَ ابْنًا لسعيدِ بنِ زيدٍ، وحَمَلَهُ ثمّ دخلَ المسجدَ، وصلّى ولم يتوضّأ. تنبيةٌ على مقصدٍ (٥): قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي: إنّما أدخل مالكٌ هذا الحديث إنكارًا لما رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال: "مَنْ غَسَّلَ ميِّتًا فَلْيَغتَسِل، ومن حَملَهُ فليتوضَّأْ" (٦) وهذا حديثٌ يرويه ابنُ أبي ذئبٍ (٧). قال الإمام: معناه -والله أعلم- أنّه من حمل ميِّتًا فليكُن على وضوء، لئلّا تفوته الصّلاة عليه، وهو قد حَمَلَه وشيَّعَه، لا أنَّ حمله حدَثٌ يُوجِب الوضوء. هذا تأويلُه والله أعلم.

стр. 548

باب الوضوء ممّا مسَّت النّار قال الإمام ﵁: في هذا الباب للعلماء جملة كلام يفتقر إلى مزيد بيان. كشفٌ وإيضاحٌ (١): وقد جاء مالكٌ ﵀ بأصلٍ بديعٍ فقال (٢): "تركُ الوضوء ممّا مسَّتِ النّار"، ثمّ أدخل اختلاف الأحاديث، ثمّ أدخل عمل الخلفاء بترك الوضوء ممّا مسّت النّار (٣)، وهي مسألةٌ من أصول الفقه؛ إذا اختلفتِ الأحاديث عن النّبيِّ صلّى الله عليه، فما عمل به الخلفاء أرجح (٤). مزيد بيان (٥): وأمّا اختلاف الأحاديث، فإنّ مالكًا ﵀ أشبع هذا الباب وقوَّاهُ لشدَّةِ الاختلاف بين السَّلَف بالمدينة وغيرها، فذكر فيه حديثَيْن مُسْنَدَين: حديث ابن عبّاس هذا (٦)، وحديث سُوَيد (٧)؛ أنّ النّبيَّ صلّى الله عليه أكل السَّوِيقَ ولم يزد على أنّ تمضمضَ وصلّى، وحديثًا

стр. 549

مُرسَلًا أيضًا، وهو: مالكٌ (١)، عن محمد بن الْمُنْكَدِر؛ أنّ رسولَ الله ﷺ دُعِيَ لطعام ... ، وذُكِرَ عن أبي بكر (٢) وعمر (٣) وعليّ (٤) وابن عبّاس (٥) وعامر بن ربيعة (٦) وأبي طلحة (٧)؛ أنّهم كانوا لا يرون الوضوءَ على من أكل شيئًا مما مسّته النّار. قال الشّيخ أبو عمر (٨):"ودلَّ ذلك من فعل مالكٌ على عِلْمِهِ باختلاف الآثار الْمُسْنَدَةِ في هذا الباب، فأَعلَمَ النّاظرَ في "موطّئه" أنّ عملَ الخلفاء بترك الوضوء ممّا مسّت النّار دليلٌ على أنّه منسوخٌ، وأنّ الآثار الواردة بالوضوء ممَّا مسّت النّار ناسخةٌ للآثار المرويّة (٩). وقد جاء هذا المعنى عن مالك أيضًا، روى محمد بن الحسن (١٠)؛ أنّه سمع مالكًا يقول: إذا جاء عن النّبيِّ حديثان مختلفان وبلغَنا أنّ أبا بكر وعمر عمِلَا بأحدهما وتركا الآخر، كان في ذلك دلالة أنّ الحقَّ فيما عملاَ به". تكملة (١١): قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي: أمّا روي عن النّبيِّ ﷺ أنّه قُرِّبَ إليه خُبْرٌ ولحمٌ، فأكل منه ثمّ توضّأ وصلّى (١٢)، فقضيةُ عَينٍ وحكايةُ حالٍ ونَقْلُ صُورَةٍ، لم يكُنِ

стр. 550

الوضوءُ من الأكل، وإنّما كان الوضوءُ من سَبَبِهِ الواجب لأجل الصّلاة. وقد أنكر أُبَيُّ بنُ كعب وأبو طلحةَ على أنَس مسألتَهُ الّتي جاء بها من سَفَرِه؛ وهي الوضوءُ مما مَسَّتِ النّارُ، فندَمَ أنسٌ ورجَعَ عن قوله (١). والمسألةُ اليومَ ساقطة الاعتبار؛ لإجماع علماء الأمصار عليها (٢)، وإنّما خَصَّ النّبيُّ ﷺ لحومَ الإبلِ بذكر الوضوء في الحديث؛ للإشارة إلى غِلَظِها وزُهُومتِها (٣)، والصّلاةُ ينبغي أنّ تكون على أكمل نظافةٍ؛ ولأجل ذلك شُرِعَت فيها الطّهارةُ. وأمّا مذهبُ (٤) ابن شهابٍ، فلا نقولُ به، كان يتوضأ ممّا مسَّتِ النّار، وقد قيل له: إنّ الوضوءَ مما مسَّتِ النّار كان في أوّل الإسلام ثمّ نُسِخَ، فقال: أعيا الفقهاء أنّ يعرفوا النّاسخ من المنسوخ من حديث رسول الله ﷺ وقال: لو كان منسوخًا لما خَفِيَ على أمَّ المؤمنين (٥). وقد قال بعضُ من تكلّم في شرح غريب الحديث؛ إنّ قولَهُ: "توضّأ ممّا مسَّتِ "النّار" (٦) إنّما أراد به غسل اليد، قال: لأنّ الوضوء مأخوذ من الْوَضَاءَةِ وهي النّظافة، فكأنّه قال: نَظَّفُوا أيديكم ممّا مسَّتِ (٥) النّار، ومن دَسَمِ ما مسَّت النّار.

стр. 551

قال الإمام الحافظ (١): وهذا لا معنى له؛ لأنّه لو كان كما قال، لكان دَسَم ما لم تُغيَّره لا يتنظّف منه ولا تُغسَل منه اليد، وهذا يدلّ على ضعف تأويله. والمسألةُ (٢) اليوم عند فقهاء الأمصار ساقطة الاعتبار. جامع الوضوء فيه للعلماء ثلاثة فصول: الفصلُ الأوّل (٣) في الترجمة قال الإمام أبو بكر ﵀: ترجم مالكٌ ﵀ ونَبَّه على إزالة النّجاسة بالوضوء نَفْيًا، فقال (٤): ما لا يجبُ منه الْوُضوءُ، وإثباتًا أيضًا، فقال (٥): جامِعُ الوضوء. الفصل الثّاني في الإسناد مالكٌ (٦)، عن هشام بنِ عُرْوَة، عن أبيهِ؛ أنّ رسولَ الله ﷺ سُئل عن الاستطابةِ، فقال: أَوَ لا يجدُ أحدُكُم ثلاثةَ أحجارٍ. الحديث. هكذا (٧) وقع هذا الحديث في "الموطَّأ" عند جماعة الرُّواة (٨)، إلَّا ابن القاسم في رواية سحنون، رواها عن مالكٌ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي هريرة.

стр. 552

وكذلك في رواية عن ابن بُكيْر (١) عن مالكٌ. وذلك خطأٌ وغَلطٌ ممَّن رواه عن مالكٌ هكذا، أو عن هشام أيضًا، أو غيره. وأمّا الاختلاف فيه عن هشام بن عُرْوَة؛ فطائفة ترويه عن هشام بن عروة، عن عمرو بن خُزَيمَة المدني (٢)، عن عُمَارة بن خُزَيمَة بن ثابت الأنصاريّ، عن أبيه؛ أنّ رسول الله ﷺ ... الحديث (٣)، ورواه الحُمَيدِيّ (٤) عن ابن عُيَينَة، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن النّبيِّ مُرْسَلًا كما رواه مالكٌ، وكذلك رواه ابن جُرَيج مُرْسَلًا. إيضاح مشكل: قولُه: "الاستطابة" وهي الطَّيب والتَّنَظُّف وإزالةُ الأذى عن المَخْرَجِ بالأحجار أو بالماء. واختلف أصحاب مالكٌ ﵀ في حُكمِها على أربعة أقوال (٥): القول الأوّل - قال أشهَبُ: إزالتها مستحبّةٌ. القول الثّاني - قال ابنُ القاسم: هي واجبةٌ مع الذِّكر، ساقطةٌ مع النِّسيان. القول الثّالث - قال ابنُ وهْبٍ: هي فرضٌ في كلِّ حالٍ، وبه قال الشّافعيُّ (٦).

стр. 553

القول الرّابع - قال أبو حنيفةَ (١): هي لازمةٌ يَلْزَمُ إزالتها إذا كانت مجتمعةٌ في موضع واحد على قَدْر الدِّرْهَم، وإنّما سمح في هذا المقدار منها قياسًا على المَخْرَجِ، فإنّ الشّرعَ يسمَحُ فيما بقيَ من أثر النّجاسة عليه بعد الاستنجاء، فقاس هذا عليه. مزيد إيضاح (٢): قولُه: "وَسُئِلَ عن الاسْتِطَابَةِ" يعني استعمالَ الطِّيب، وهو إزالةُ الأقذار والأنجاس. وقيلَ: هو استعمالُ الماء فإنّه أطيبُ الطِّيبُ؛ لأنّ كلَّ طَيِّبٍ يعودُ قَذَرًا في آخرِ الأمر ويزول بالماء. والماءُ طَيِّبٌ أبدًا لا استحالةَ فيه، وهو من فروض الشريعة ومحاسن المِلَّة، وأوَّلُ كلمة سمِعَها رسول الله ﷺ من ربَّه، قال الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٣) ولا يُلتفَتُ إلى تأويل فيها لا تعضُدُه لغةٌ، ولا تشهد له شريعةٌ، وبذلك كانت العربُ تمدحُ، ولذلك قال الشّاعر شاعرهم الأوّل (٤): ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَاَرى نَقِيَّةٌ ... وأوْجُهُهُمْ عِنْدَ المَشَاهِدِ غُرَّانُ نكتة لغوية: تقولُ العربُ: استطاب الرَّجُل وأطاب إذا استنجى بالماء، ويقال: رَجلٌ مُطِيبٌ، إذا فعل ذلك. والاستطابة والاستنجاء والاستجمار أسماء لمعنى واحد (٥). وقد كان رسولُ الله ﷺ يتطيَّب بالماء، وقال: "الاستنجاءُ بالماءِ أمانٌ من الناسور" (٦)، ويُرْوَى بالباء والنّون.

стр. 554

كشف وإيضاح (١): قال (٢): وهي واجبةٌ من طريق الأَوْلَى، فإنّ الله إذا أَوْجَبَ الوضوءَ في الأعضاء لزوال الدِّرَنِ الظّاهر، فَأَوْلَى وأَخرَى أنّ يُوجِبَ إزالةَ النّجاسة، وقد أمر النّبيّ ﷺ بغَسْلِ الدَّم بالماء، وفي الصّحيح: "اقْرُصِيهِ ثُمَّ اغسِلِيهِ" (٣)، ثمَّ أمر النّبيُّ ﵇ بالتَّنَرُّهِ من البَوْلِ، ثمّ قال: "إنَّ عامَّةَ عَذَابِ القبرِ منهُ" (٤). وقال في الصّحيح وقد سمع عذاب رجل يُعذَّب في قبره، فقال: "كانَ هذا لا يَسْتَتِر من البَوْلِ" (٥). وكان مَنْ مضَى من الأُمَمِ قبلَنا إذا أصابَ ثَوْبَ أحدِهِم البَوْلُ قَرَضَهُ بالمقراضِ، وسمَحَ اللهُ لنا فأعطانا الطّهارة بالماء. لكن خفَّفَ اللهُ تعالى في الاستنجاء لإزالة النَّجْو بالجِمَارِ، ولا يضُرُّهُ أثَرُهُ مع عَدَمِ الماءِ اتِّفاقًا. فإن وُجِدَ الماءُ، فقال ابنُ حبيبٍ: لا يجوزُ الاستنجاءُ إلَّا بالماء (٦)، وهي زلَّةٌ، فإنّه إنّما شُرِعَ والماءُ موجودٌ، واستحبَّتِ الشريعةُ الجمعَ بين الاستجمارِ والماء، وَمَدَحَ به أهلَ قُباءٍ، فقال: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ الآية (٧)

стр. 555

الفصلُ الثّالث في فقه هذا الحديث والفواند المنثورة فيه وهي ثلاث: الفائدة الأولى (١): قوله: "الاسْتِطَابَة" وهي: الاستجمار بالأحجار، وإنّما نصَّ على الأحجار لأنَّه أكثر ما يُستعمَل في الاستطابة، ورَوَى ابنُ عبد الحكَم عن مالكٌ؛ - أنّه كان يستحبُّ الاستطابة بها. (٢) مسألة: فإن استجمرَ بالْعُشب وما في معناه جازَ، خلافًا لزُفَر، فإنّه قال: لا يجوزُ شيءٌ من ذلك. مسألة: وأمّا الاستجمار بالعَظْمِ أو الرَّوْثَة أو الْحَمْأَة (٣)، فَرَوَى ابنُ القاسم عن مالكٌ النَّهي عن ذلك. (٤) ورَوَى عنه أشهب أنّه قال: ما سَمِعتُ في العَظمِ بنَهْىٍ، وأمّا أنا فلا أرى به بأسًا. ومنع الاستجمار بما كان نجسًا أو مكروهًا، وبكلِّ شيء مأكولٍ، فإن فعل، قال الأَبْهَرِيُّ: لا أعرفُ فيه نَصًّا لمالك ولا لأحدٍ من أصحابه، وعندي أنّه قد أساءَ ولا شيءَ عليه، كمن استجمر بيمينه (٥).

стр. 556

وقال أَصْبَغُ: يُعِيدُ في وقتِ الصّلاة المفروضة. (١) قال الإمام (٢): وقد رأيتُ عبد الوهّاب يشترطُ الطّهارة فيما يُستَجْمَر به. الفائدة الثّانية (٣): قوله ﷺ : "أوَ لاَ يجدُ أحدُكُم ثلاثةَ أحجار" الحديث (٤)، اختلف العلماء -رضوان الله عليهم- في اعتبار العدد. فذهب مالكٌ ﵀ إلى الاعتبار بالإنقاء دون العدد، وبه قال أبو حنيفة (٥). وقال أبو الفَرَج (٦) وابنُ شعبان (٧): الاعتبار بالعدد مع الإنقاء (*)، وبه قال الشّافعيّ (٨). تنقيح: فوَجْهُ قول مالكٌ ﵀ ودليلُه: ما رُوِيَ عنه ﷺ أنّه قال: "وَمَنِ اسْتَجمَرَ فَلْيُوتِر" (٩) والْوِتْرُ يكون واحدًا، وهو أقلّ من الثّلاثة الأحجار. ومن جهة المعنى: أنّ هذه إزالة نجاسة، فلم يعتبر فيها العدد.

стр. 557

وأمّا وجه قول أبي الفَرَج وابن شعبان وقول من قال (١): لا يجزيه (٢) حَجَر له ثلاثة حروف، وحكمه حكم الحجر الواحد، خلافًا للشّافعىّ في قوله يجزئ. وإن قلنا بقول مالكٌ، ووقع الإنقاء بأقلّ من ثلاثة أحجار، فإنّه يُسْتَحَبَّ أنّ يكمِل ثلاثة أحجار ليخرج من الخلاف. وإن قلنا بقول أبي الفَرَج، فيعضده ما رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ في حديث سلمان: نهانا أنّ نستنجي بأقلّ من ثلاثة أحجار (٣). مزيد بيان: قال (٤): وصِفَةُ الاستجمار: أنّ يبدأ بمَخرَجِ البَوْلِ فيمسحه، والبدأ به أفضل، لئلّا يقطر على يده منه شيءٌ، ثمّ يمسح مخرج الغائط، وصِفَةُ ذلك- على قول أكثر العلماء-: أنّ يعمَّ بكلِّ حجر موضع النَّجْوِ (٥). مسألة: ومن استجمر، فلبس ثوبًا، فعَرِقَ فيه، فأصاب موضع الاستجمار، فقد قال ابنُ القصّار: ينجّسه. وعندي؛ أنّه لا يَنْجُس بعد الانقاء، وهو مما لا يمكن الاحتراز منه، وتلحق به المشقة كموضع النَّجْوِ. مسألة:

стр. 558

ومن نسي الاستجمار وصلَّى، فقد روُيَ عن أشهب عن مالكٌ؛ أنّه قال: أرجو ألاّ تكون عليه إعادة. وقال ابن مَسْلَمَة (١) في "المبسوط": من تَغَوَّطَ أو بال فلم يغسله ولم يمسحه حتّى صلّى، فإنّه يعيد في الوقت؛ لأنّه كسائر الجسد، إلَّا أنّه يجزئ فيه المسح ولا يجزئ في الجسد. تكملة (٢): قال الإمام أبو بكر: وفائدةُ تخصيصه: بثلاثة أحجار بالذِّكر؛ لأنّه كان يحبُّ الْوِتْرَ في جميعِ أفعاله، ولأنّها كافية في الأغلب: حجران للصَّفحتين وحجر للسّوأة، والله أعلم. خرَّجَهُ الدّارقطني (٣). حديث مالكٌ (٤)، عن العلاءِ، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أنّ رسول الله ﷺ خرجَ إلى المقبرة الحديث إلى آخره. فيه من الفوائد سبع عشرة فائدة: الفائدة الأولى: قوله: "خَرَجَ إِلَى المقبَرَةِ" يقتضي إباحة زيارة القبور، وهذا مجتمعٌ عليه للرِّجال، مختَلَفٌ فيه للنِّساء. ثبت عنه ﷺ أنّه قال: "كنت نهيتُكُم عن زيارة القبور فزُورُوها"

стр. 559

الحديث (١). وقد ثبت عنه أنّه زار قبر أُمِّهِ آمنة في ألف مَقنَعٍ يوم الفَتحِ (٢)، وزار ابنُ عمر قبرَ أخيه عاصم (٣). قال الشّيخُ -أيّده الله-: هذه حُجَّة من رأى زيارة القبور. وأمّا من كره ذلك للنِّساء، احتجّ بحديث ابن عبّاس؛ قال: "لعنَ رسولُ الله زوّارات القبور والمتَّخِذِينَ عليها المساجد والسُّرُج" (٤). ومن العلماء من قال (٥): هذا منسوخٌ بقوله: "زُوروا القبورَ فإنّها تُذَكِّرُكُم الآخرة" (٦) وبقوله: "السّلامُ عليكم دارَ قومٍ مؤمنينَ، وإنّا إنّ شاءَ اللهُ بكم لاحِقُونَ" (٧)، ورُوِيَ عنه ﷺ أنّه دخل البقيع فقال: "السّلامُ عليكم دارَ قومٍ مؤمنينَ، أنتم لنا فَرَطٌ ونحن لكم تبعٌ، اللَّهمَّ لا تحرمنا أجرهم، ولا تَفْتنّا بعدهم" (٨) وفي بعضها: "اسأل الله لنا ولكم العافية" (٩). ورُوي عن أبي هريرة أنّه قال: من دخل المقابر فاستغفر الله لأهل القبور، فقال: اللهم رَبَّ هذه الأجساد البالية، والعظام النّخرة، خرجت من الدُّنيا وهي مؤمنة، فَأدْخِلْ عليها روْحًا وسلامًا، كانت له بعددهم حسنات (١٠).

стр. 560

وقد رُوي عنه أنّه قال: "السّلامُ عليكم أهلَ الدِّيارِ من المؤمنين والمؤمنات ... " الحديث (١). ومن حديث ابن عبّاس ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أَحَدٍ يمرُّ بقبرِ أخيه المؤمن كان يعرفه في دار الدّنيا فسلَّم عليه إلَّا عرفه وردّ ﵇" (٢). الفائدة الثّانية: قوله (٣): "خرجّ إلى المقبرة" يحتمل أنّ يكون اتِّفَاقًا، ويحتمل أنّ يكون اعتبارًا، ويحتمل أنّ يكون بوحي للتَّرَحُّمِ. الفائدة الثّالثة (٤): قوله: "السلامُ عليكم دارَ قومٍ مؤمنينَ" يريد يا أهل دار قوم مؤمنين، كما قال : ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٥) يريد أهل القرية. الفائدة الرّابعة (٦): فيه: أنَّ من دخل المقبرة فينبغي له أنّ يسلِّم عند دخوله. يقال: مقبَرة بفتح الباء وضمّها. وقال مالكٌ ﵀: وهي السُّنَّة لكلِّ من دخل المقبرة أنّ يقول مثل قول النَّبيِّ ﷺ ، وهي السُّنَّة في كلِّ مارٍّ بمقبرةٍ.

стр. 561

وقد رُوِيَ أنَّ رجُلًا دخل عليه فقال: عليك السّلام، فقال ﷺ : "هي تَحِيَّةُ المَيِّتِ" (١). فقيل: أشار به إلى التَّأبين كقوله (٢): عَلَيْكَ سَلاَمُ اللهِ قَيْسَ بنَ عَاصِمٍ ... وَرَحمَتُهُ مَا شَاءَ أنّ يَتَرَحَّمَا وكقوله (٣): عَلَيكَ سلامٌ من أَمِيرٍ وَبَارَكَتْ ... يَدُ اللهِ في ذَاكَ الأَدِيمِ المُمَزَّقِ وقيل: هو منسوخٌ بهذا الحديث، وهو أصحّ منه. الفائدة الخامسة (٤): في قوله ﵇: "دَارَ قومٍ مؤمنينَ" كَنَى بالدّار عن العَمَرَةِ لها، وذلك كثيرٌ في فصاحة العرب، تُعَبِّرُ بالمنزل عن أهله (٥). وقوله: "مؤمنين" حَكمَ لهم ﵇ بالإيمان، إمَّا لما عَلِمَ من حالهم وكُشِفَ له عن غيبهم، وإمّا بظاهر الحال الّذي فارقُوة عليها، والحُكْمُ بظاهر الحال في الإيمان واجبٌ؛ من مَوْتٍ بشهادةٍ، أو التّكلُّمِ بكلمةِ التّوحيدِ عند المَنيَّةِ، ولذلك قال ﷺ : "أنا شَهِيدٌ على هؤلاءِ" (٦). الفائدة السّادسة (٧): قوله: "وإنَّا إنْ شاءَ اللهُ بكُم لاحقونَ" اختلف تأويل الشّارحين للحديث في هذا الاستثناء على خمسة أقوال:

стр. 562

القولُ الأوّل - قال قوم: معناه: إذا شاء الله، وليتهَم لم يُخْلَقُوا ولم يتكلَّمُوا به. القولُ الثّاني - قيل: معناه القطعُ في الشّيء الواجب، والتّأَدُّب أيضًا بآداب الله حين قال: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١)، فاستعمل الأدبَ حتّى في الواجب الّذي لابدَّ منه، وهذا هو أحسن التّأويلات. القولُ الثّالث - قيل: معناه وإنّا إنّ شاء الله بكم لاحقونَ في هذه البُقْعَة، يعني المدينةَ. وقيل -وهو القول الرّابع- قوله: "وإنا إنّ شاء الله بكم لاحقون" على الإيمان، ويعود ذلك إلى النّبيّ صلّى الله عليه وأصحابه معًا، إذ قد علمنا منه ﷺ خاصًّا مطلقًا موته على الإيمان وحُسْن الخاتمة له. القول الخامس (٢) - قلنا: الاستثناء في لسان العرب في الشَّيءِ الواجبِ جائزٌ. وقال أحمد بن حنبل: في هذا الحديث حجَّة الاستثناء في الشيء الواجب (٣)، مثل قوله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ الآية (٤)، واحتجّ بهذا الحديث في قول عَلْقَمَة: "مؤمن إنّ شَاء اللهُ" (٥). الفائدة السّابعة: احتجَّ بعضُ علمائنا بهذا الحديث بأنَّ الأرواح على أفنية الْقُبور (٦). وقال قوم: كانت الأرواح وَقتَ سَلاَمِهِ في قُبورها، أو على أفنية قُبورها (٧). وقال بعض العلماء: يحتمل أنّ يسمعوه حيث ما كانوا، واللهُ أعلم (٨).

стр. 563

وقيل: هذا خصوصٌ للنّبىِّ ﷺ ، ويدلُّ عليه حديث الْقَلِيب يوم بَدْر، فقال: "يا فلان ويا فلان، هل وَجَدْتُم ما وعَدَ ربّكُم حقًّا"، حتّى قال عمر: يا رسولَ الله، كيف تُكَلَّمُ أجسادًا لا أرواحَ فيها؟ فقال: "ما أنتم بأسْمَعَ منهم، غيرَ أنّهم لا يستطيعون أنّ يردّوها" (١). وقال بعضُ العلماء: هذا خصوصٌ للنَّبىِّ صلّى الله عليه، وهذا يدلُّ على أنّ الأرواح هي المخاطَبَة، كما خاطب هنا أهل القبور لا الأجساد. الفائدة الثّامنة: في قوله ﵇ (٢): "وددت أني قد رأيتُ إخواننا" قال (٣): تمنَّى رسولُ الله ﷺ ما لا يكونُ، والتَّمَنِّي هو تعلُّق الإرادة بما في المستقبَلِ، والأسفُ تعلُّق الإرادة بالماضي. والتَّمَنِّي لا يجوزُ إلّا في أمور الدَّين. وقولُه (٤): "وددتُ أني قد رأيتُ" الحديث، تَمَنٍّ منه، وقد علِمَ أنّه لا يراهم إلَّا بعد الموت، وقد قال ﵇: "لا يَتَمَنَّينَ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ" (٥) وإنّما معنى ذلك ألّا يتعلّق التَّمَنِّي بالموت، وقد بيَّنَّا ذلك وشرحناه في "كتاب التَّمَنِّي (٦) ". وفيه أيضًا: تشريفُ شَرَف هذه الأمَّة بتَمَنِّي رسول الله ﷺ أنّ يراها، فنحن أوْلَى أنّ نكون لرؤيته أشدَّ تمنِّيًا وأكثر تَطَلُّعًا.

стр. 564

الفائدة التّاسعة (١): قوله: "إخواننا" هو بيان لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٢) قالت له الصّحابة (٣): أَلَسنَا بإخْوَانِكَ؟ قال لهم: "بَلْ أنتُمْ أصحابِي"، فأعطاهم اسْمًا هو أخصُّ من الأُخُوَّةِ وأشرَفُ منه. والأسماءُ ثلاثةٌ: صحابىٌّ، وتابعىٌّ، ومؤمنٌ، ولكلِّ اسمٍ مرتبةٌ شرحناها في "كتاب الزّهد" (٤) عند ذكر مراتب الخَلْقِ. وفي قوله: "وَدِدْتُ أنِّي قد رأيتُ إخوانَنَا" دليلٌ على أنّ أهل الدِّين والإيمان والعِلْم والفضل إخوانه (٥). وأمّا (٦) قوله: "وإخوانُنَا الّذينَ لم يَأتُوا بَعْدُ" رُويَ عن أبي عمرة (٢)؛ أنّ رسول الله ﷺ سُئِلَ فقيل له: يا رسولَ الله، أرأيتَ من آمَنَ بك ولم يَرَك، وصَدَّقَكَ ولم يرك؟ قال: "أولئكَ إخواني، أولئك مَعِي، طُوبَى لمن آمَنَ بي ولم يرني" (٧)، ورُوِيَ أنّه قال ذلك سبع مرات (٨). وعنه ﷺ أنّه قال: "أعظمُ النّاسِ إيمانًا قومٌ يُؤمِنُون بي ولم يروني، أولئك هم إخواني حقَّا" (٩).

стр. 565

وخرَّجَ مسلم حديثًا صحيحًا عن أبي هريرة؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "أَشَدُ النَّاسِ حُبًّا لِي أُنَاسًا يكونونَ بعدي يَوَدُّ أحَدُهُمْ لو رآني لقاسَمَنِي في مَالِهِ وأهْلِهِ". خرجه مسلم في "كتابة" (١). الفائدة العاشرة: قولُه: "بَل أَنتُم أصحَابِي" فسمّاهم باسمٍ هو أفضل من الأخُوَّةِ، وهم مع ذلك إخوانه. وقد رُوِيَ في حديث أنّه ذَكَر مَنْ يأتي بعدَهُ، فقال: "للعامل منهم أجر خمسين منكم"، قالوا: بل منهم. قال: "بل منكم؛ لأنكم تجدون على الخير أعوانًا، ولا يجدون هم عليه أعوانًا" (٢). قال الإمام: فإن كان هذا الحديث صحيحًا، لهم على قلَّة ما يجدون من الخير أجر خمسين لو لم تكن للصّحابة صُحْبَة، ولكن للصّحابة فضل الصُّحبة لا يعدله شيءٌ، وهذا على التّفضيل والخصوص. وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ الآية (٣) وإنّما كانوا كذلك لما وصفهم الله أنّهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فَمَنْ فعلَ فعلهم فهو منهم. وقوله: "خير النَّاسِ قَرْنِي" (٤) أي خيرُ النَّاس في قرني؛ لأنّ هذا الكلام ليس على عمومه؛ لقوله ﵇: "أُمَّتِي كالْمَطَرِ لا يُدْرى أوَّلُه خيرٌ أم آخِرُهُ" (٥). قيل: إنّ هذا الحديث يقضي على الأوّل؛ لأنّ قرْنَهُ قد كان فيه الزِّنا والسَّرقة وغير ذلك، فليس هو على عمومه. وقال علماؤنا: يحتمل أنّ يكون خاطبَ بذلك أصحابه وهو يريد من يأتي بعدَهُم،
следующие страницы →